← Акыда

Акыда · id 30148

لماذا التوحيد أولا

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (657 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وكل وقت، وأينما كان فهو معه؛ ولهذا قال إمامنا [إبراهيم] الخليل ﷺ : ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦)﴾ [الأَنْعَام: ٧٦]. وكان أعظم آية فى القرآن الكريم: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٥] وقد بسطت الكلام فى معنى [القيوم] فى موضع آخر، وبينا أنه الدائم الباقاالذى لا يزول ولا يعدم، ولا يفنى بوجه من الوجوه" (١). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "إذا توجه العبد إلى الله بصدق الافتقار إليه، واستغاث به مخلصا له الدين؛ أجاب دعاءه، وأزال ضرره، وفتح له أبواب الرحمة. فمثل هذا قد ذاق من حقيقة التوكل والدعاء لله ما لم يذق غيره" (٢). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وَكُلُّ عَمَلٍ لَا يُعِينُ اللَّهُ الْعَبْدَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ وَلَا يَنْفَعُ. فَمَا لَا يَكُونُ بِهِ لَا يَكُونُ وَمَا لَا يَكُونُ لَهُ لَا يَنْفَعُ وَلَا يَدُومُ فَلِذَلِكَ أَمَرَ الْعَبْدَ أَنْ يَقُولَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفَاتِحَةِ: ٥] " (٣). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "كثيرا ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀ يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ تدفع الرياء، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ تدفع الكبرياء، فإذا عوفي من مرض الرياء بـ ﴿إياك نعبد﴾، ومن مرض الكبرياء والعجب بـ ﴿إياك نستعين﴾، ومن مرض الضلال والجهل بـ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفَاتِحَةِ: ٦]؛

стр. 282

عوفي من أمراضه وأسقامه" (١). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فإن الدعاء عبودية لله وافتقار إليه وتذلل بين يديه فكلما كثره العبد وطوله وأعاده وأبداه ونوع جمله كان ذلك أبلغ في عبوديته وإظهار فقره وتذلله وحاجته وكان ذلك أقرب له من ربه وأعظم لثوابه. فالله يغضب إن تركت سؤاله … وبني آدم حين يسأل يغضب" (٢). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وحق الله تعالى في الطاعة ستة أمور؛ وهي: ١ الإخلاص في العمل. ٢ والنصيحة لله فيه. ٣ ومتابعة الرسول فيه. ٤ وشهود مشهد الإحسان فيه. ٥ وشهود منة الله عليه. ٦ وشهود تقصيره فيه بعد ذلك كله" (٣). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ليس العجب من مملوك يتذلل لله

стр. 283

مع حاجته وفقره إليه. إنما العجب من مالك يتحبب إلى مملوكه بصنوف إنعامه .. مع غناه عنه! " (١). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "إذا استغنى الناس بالدنيا فاستغن أنت بالله، وإذا فرحوا بالدنيا فافرح أنت بالله، وإذا أنسوا بأحبابهم فاجعل أنسك بالله، وإذا تعرفوا إلى ملوكهم وكبرائهم وتقربوا إليهم لينالوا بهم العزة والرفعة فتعرف أنت إلى الله وتودد إليه تنل بذلك غاية العز والرفعة" (٢). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "مَنْ عرف نَفسَه اشتغل بإصلاحها عن عُيوب الناس، ومَن عرف رَبَّه اشتغل به عن هَوى نَفسِه" (٣). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الافتقار إلى الله تعالى يتخلى بفقره أن يتألهغير مولاه الحق، وأن يضيع أنفاسه في غير مرضاته، وأن يفرق همومه في غيرمحابه، وأن يؤثر عليه في حال من الأحوال، فيوجب له هذا الخلق وهذه المعاملةصفاء العبودية، وعمارة السر بينه وبين الله، وخلوص الود، فيصبح ويمسي ولاهم له غير ربه، فقد قطع همه بربه عنه جميع الهموم، وعطلت إرادته جميعالإرادات، ونسخت محبته له من قلبه كل محبة لسواه" (٤). - قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "يخبر تعالى بغنائه عما سواه،

стр. 284

وبافتقار المخلوقات كلها إليه، وتذللها بين يديه، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فَاطِر: ١٥]، أي: هم محتاجون إليه في جميع الحركات والسكنات، وهو الغني عنهم بالذات؛ ولهذا قال: ﴿اللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فَاطِر: ١٥] أي: هو المنفرد بالغنى وحده لا شريك له، وهو الحميد في جميع ما يفعله ويقوله، ويقدره ويشرعه" (١). - قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "إذا فالناس فقراء بالذات إليه، بكل معنى، وبكل اعتبار، سواء شعروا ببعض أنواع الفقر أم لم يشعروا، ولكن الموفق منهم، الذي لا يزال يشاهد فقره في كل حال من أمور دينه ودنياه، ويتضرع له، ويسأله أن لا يكله إلى نفسه طرفة عين، وأن يعينه على جميع أموره، ويستصحب هذا المعنى في كل وقت، فهذا أحرى بالإعانة التامة من ربه وإلهه، الذي هو أرحم به من الوالدة بولدها" (٢). - قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) رحمة الله: "في قصة أصحاب الكهف دليلٌ على أن من فر بدينه من الفتن سلمه الله منها، وأن من حرص على العافية عافاه الله ومن أوى إلى الله، آواه الله، وجعله هداية لغيره. ومن تحمل الذل في سبيله وابتغاء مرضاته، كان آخر أمره وعاقبته العز العظيم من حيث لا يحتسب ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [ال عِمْرَان: ١٩٨] " (٣).

стр. 285

- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀ عند تفسير قال تعالى: ﴿تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧)﴾ [الكَهْف: ٢٧]: "لن تجد من دون ربك ملجأً تلجأ إليه، ولا معاذًا تعوذ به، فإذا تعيّن أنه وحده الملجأ في كل الأمور؛ تعيّن أن يكون هو المألوه المرغوب إليه في السراء والضراء، المفتقر إليه في جميع الأحوال، المسؤول في جميع المطالب" (١). - قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: "يجب على الإنسان اللجوء إلى الله ؛ لأنه هو الذي بيده ملكوت السموات والأرض، فلا تعتمد على ما في قلبك من رسوخ الإيمان مثلاً، وتعتقد أنه لن يتسلط عليك الشيطان ولن يتسرب إليك هوى النفس الأمارة بالسوء، بل كن دائماً لاجئاً إلى الله سائلاً الثبات" (٢)! " (٣). ٢٨. من ثمراته أن التوحيد يدعوك للانكسار بين يدي الله. قال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأَنبِيَاء: ٨٧]. عَنْ سَعْد بن أبي وقاص (ت: ٥٥ هـ) ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ

стр. 286

مِنَ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ» (١). - قيل لسعيد بن جبير (ت: ٩٥ هـ) ﵀: من أعبد الناس؟ فقال: رجل اقترف ذنبًا فكلما ذكر ذنبه احتقر عمله وانكسر لربه" (٢). - قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فصاحب الحوت ومن أشبهه، لماذا ناسب حالهم صيغة الوصف والخبر دون صيغة الطلب؟ فيقال: لأن المقام مقام اعتراف بأن ما أصابني من الشر كان بذنبي، فأصل الشر هو الذنب، والمقصود دفع الضر، والاستغفار جاء بالقصد الثاني، فلم يذكر صيغة طلب كشف الضر لاستشعاره أنه مسيء ظالم، وهو الذي أدخل الضر على نفسه، فناسب حاله أن يذكر ما يرفع سببه من الاعتراف بظلمه، ولم يذكر صيغة طلب المغفرة؛ لأنه مقصود للعبد المكروب بالقصد الثاني؛ بخلاف كشف الكرب فإنه مقصود له في حال وجوده بالقصد الأول، إذ النفس بطبعها تطلب ما هي محتاجة إليه من زوال الضرر الحاصل في الحال، قبل طلبها زوال ما تخاف وجوده من الضرر في المستقبل بالقصد الثاني، والمقصود الأول في هذا المقام هو المغفرة، وطلب كشف الضر، فهذا مقدم في قصده وإرادته، وأبلغ ما ينال به: رفع سببه، فجاء بما يحصل مقصوده … " (٣).

стр. 287

- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فما أقرب الجبر من هذا القلب المكسور! وما أدناالنصر والرحمة والرزق منه! وما أنفع هذا المشهد وأجداه عليه! وذرة من هذاونفس منه أحب إلى الله من طاعات أمثال الجبال من المدلين المعجبين بأعمالهم وعلومهم وأحوالهم. وأحب القلوب إلى الله سبحانه: قلب قد تمكنت منه هذه الكسرة، وملكته هذه الذلة، فهو ناكس الرأس بين يدي ربه، لا يرفع رأسه إليه حياءوخجلا من الله" (١). - قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "أن المؤمن إذا استبطأ الفرج ويئس منه ولا سيما بعد كثرة الدعاء وتضرعه ولم يظهر له أثر الإجابة، رجع إلى نفسه باللائمة ويقول لها: إنما أتيت من قبلك ولو كان فيك خير لأجبت!. وهذا اللوم أحب إلى الله من كثير من الطاعات؛ فإن يوجب انكسار العبد لمولاه، واعترافه له بأنه ليس بأهل لإجابة دعائه فلذلك يسرع إليه حينئذ إجابة الدعاء وتفريج الكرب، فإنه تعالى عند المنكسرة قلوبهم من أجله، على قدر الكسر يكون الجبر" (٢). - قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "فأقر لله تعالى بكمال الألوهية، ونزهه عن كل نقص، وعيب وآفة، واعترف بظلم نفسه وجنايته" (٣).

стр. 288

قال تعالى: ﴿إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)﴾ [القَصَص: ٢٤]. - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فيه الوصف المتضمن للسؤال بالحال" (١). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "السرُّ في استجابة دعوة المظلوم، والمسافر، والصائم؛ للكسْرة التي في قلب كُلِّ واحدٍ منهم" (٢). - قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: "ينبغي للإنسان أن يستتر بستر الله وأن يحمد الله على العافية وأن يتوب فيما بينه وبين ربه من المعاصي التي قام بها وإذا تاب إلى الله وأناب إلى الله ستره الله في الدنيا والآخرة" (٣). ٢٩. من ثمراته أن التوحيد تثبيت لإلهية الحق في قلب المؤمن. قال تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأَنْعَام: ١٤]. قال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلا﴾ [الأَنْعَام: ١١٤]. قال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى

стр. 289

الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزُّمَر: ٦٤ - ٦٦]. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ [الأَنْعَام: ١٦١ - ١٦٤] وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه كان يقول: إذا قام يصلي من الليل، وقد روي أنه كان يقوله بعد التكبير: «اللهم لك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، وقولك الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت; فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» (١). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "التوحيد مقرون بالبقاء، وهو أن تثبت إلهية الحق في قلبك، وتنفي إلهية ما سواه، فتجمع بين النفي والإثبات، فتقول: لا إله إلا الله، فالنفي هو الفناء، والإثبات هو البقاء. وحقيقته أن تفنى بعبادته عما سواه، ومحبته عن محبة ما سواه، وبخشيته عن خشية ما سواه،

стр. 290

وبطاعته عن طاعة ما سواه، وبموالاته عن موالاة ما سواه، وبسؤاله عن سؤال ما سواه، وبالاستعاذة به عن الاستعاذة بما سواه، وبالتوكل عليه عن التوكل علاما سواه، وبالتفويض إليه عن التفويض إلى ما سواه، وبالإنابة إليه عن الإنابة إلى ما سواه، وبالتحاكم إليه عن التحاكم إلى ما سواه، وبالتخاصم إليه عن التخاصم إلى ما سواه" (١). ٣٠. من ثمراته أن التوحيد موجب لحمد الله والثناء عليه. قال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾ [القَصَص: ٧٠]. - قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "وقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ يقول تعالى ذكره: وربك يا محمد، المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له، ولا معبود تجوز عبادته غيره ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى﴾ يعني: في الدنيا ﴿وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ﴾ يقول: وله القضاء بين خلقه ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ يقول: وإليه تردون من بعد مماتكم، فيقضي بينكم بالحقّ" (٢). - وقال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: " ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾ تقدم معناه، وأنه المنفرد

стр. 291

بالوحدانية، لأن جميع المحامد، إنما تجب له وأن لا حكم إلا له وإليه المصير" (١). - وقال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "وقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: هو المنفرد بالإلهية، فلا معبود سواه، كما لا رب يخلق ويختار سواه ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾ أي: في جميع ما يفعله هو المحمود عليه، لعدله وحكمته ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾ أي: الذي لا معقب له، لقهره وغلبته وحكمته ورحمته، ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾ أي: جميعكم يوم القيامة فيجازي كل عامل بعمله، من خير وشر، ولا يخفى عليه منهم خافية في سائر الأعمال" (٢). قال تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غَافِر: ٦٥] - عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ قال: من قال: "لا إله إلا الله" فليقل على أثرها: "الحمد لله رب العالمين" فذلك قوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ " (٣). - قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: كان جماعة من أهل العلم يأمرون من قال: "لا إله إلا الله" أن يتبعها ب "الحمد لله رب العالمين"، عملا

стр. 292

بهذه الآية" (١). - قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "وقال نحو هذا سعيد بن جبير (ت: ٩٥ هـ) ثم قرأ هذه الآية" (٢). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "ففي لا إله إلا الله إثبات محامده، فإنها كلها داخلة في إثبات إلهيته" (٣). - قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: " ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: هو الحي أزلا وأبد، لم يزل ولا يزال، وهو الأول والآخر، والظاهر والباطن، ﴿إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: لا نظير له ولا عديل له، ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: موحدين له مقرين بأنه لا إله إلا هو ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ (٤). - قال محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفورى (ت ١٣٥٣ هـ) ﵀: "اعلم أن لإجابة الدعاء شروطا منها الإخلاص لقوله تعالى ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غَافِر: ١٤] " (٥).

стр. 293

٣١. من ثمراته أن التوحيد حرز من الوقوع في ضلال الشرك. قال الله : ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ [الأَحْقَاف: ٥ - ٦]. - قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا﴾ يقول: فلا أحد أضل ممن يعبد ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ من الآلهة ﴿مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ أبدا إذا دعاء يقول: لا تجيبهم الآلهة يعني الأصنام بشيء أبدا ﴿يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. ثم قال: ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥)﴾ آية يعني الآلهة غافلون عن من يعبدها، فأخبر الله عنها في الدنيا" (١). - قال محمد بن جرير الطبري (٣١٠ هـ) ﵀: "يقول تعالى ذكره: وأيّ عبد أضلّ من عبد يدعو من دون الله آلهة لا تستجيب له إلى يوم القيامة: يقول: لا تُجيب دعاءه أبدا، لأنها حجر أو خشب أو نحو ذلك" (٢). - قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ أي لا أحد أضل وأجهل ﴿مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ وهي الأوثان. ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥)﴾ يعني لا يسمعون ولا يفهمون" (٣).

стр. 294

- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "بطلان الشرك وقبحه معلومًا بالفطرة السليمة والعقول الصحيحة، والعلم بقبحه أظهر من العلم بقبح سائر القبائح" (١). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فعلم عدو الله أن من اعتصم بالله، ، وأخلص له وتوكل عليه لا يقدر على إغوائه وإضلاله، وإنما يكون له السلطان على من تولاه وأشرك مع الله، فهؤلاء رعيته وهو وليهم وسلطانهم ومتبوعهم" (٢). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "قال تعالى ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحِجْر: ٣٩ - ٤٢]. وقال في سورة النحل: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ [النَّحْل: ٩٩ - ١٠٠]. فتضمن ذلك أمرين: • أحدهما: نفي سلطانه وإبطاله على أهل التوحيد والإخلاص. • والثاني: إثبات سلطانه على أهل الشرك وعلى من تولاه. ولما علم عدو الله أن الله لا يسلطه على أهل التوحيد والإخلاص قال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣]. فعلم عدو الله أن من اعتصم بالله، وأخلص له، وتوكل عليه لا يقدر على إغوائه وإضلاله، وإنما يكون له السلطان على من تولاه وأشرك مع الله، فهؤلاء

стр. 295

رعيته، وهو وليهم وسلطانهم ومتبوعهم" (١). - قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: " وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥)﴾ [الأَحْقَاف: ٥] أي: لا أضل ممن يدعو أصناما، ويطلب منها ما لا تستطيعه إلى يوم القيامة، وهي غافلة عما يقول، لا تسمع ولا تبصر ولا تبطش؛ لأنها جماد حجَارة صُمّ" (٢). - قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: فهل هناك أضل من هؤلاء الذين يعبدون من لا يستجيب لهم مدة مقامهم في الدنيا، لا ينتفعون بهم مثقال ذرة، وهم لا يسمعون منهم دعاءً، ولا يجيبون لهم نداءً، وهذا حالهم في الدنيا، ويوم القيامة يكفرون بشركهم، ويكونون لهم أعداء يلعن بعضهم بعضًا، ويتبرأ بعضهم من بعض" (٣). ٣٢. من ثمراته أن كلمة التوحيد حرز من الشيطان. قال تعالى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣]. - قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: "ثم استثنى إبليس، فقال: ﴿إِلَّا

стр. 296

عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص: ٨٣] أي بالتوحيد، فإني لا أستطيع أن أغويهم" (١). - قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: " ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص: ٨٣] يقول: إلا من أخلصته منهم لعبادتك، وعصمته من إضلالي، فلم تجعل لي عليه سبيلا، فإني لا أقدر على إضلاله وإغوائه" (٢). - قال أبو منصور الماتريدي (ت: ٣٣٣ هـ) ﵀: "قال بعضهم: المخلصين للتوحيد. فإن كان ذلك فيكون قوله: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ لأهلكنهم. وقال بعضهم: ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ من كل ذنب وكل معصية. لكن الوجهين الأولين أشبه وأقرب، والله أعلم" (٣). - قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: " ﴿إِلَّا عِبَادَكَ﴾ فأضافهم إليه سبحانه تنبيهاً على أن غيرهم قد انسلخوا من التشرف بعبوديته بالنسبة إلى من أطاعوه. ولما كان يمكن أن يكون المستثنى، من غير البشر قيد بقوله: ﴿مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ أي الذين أخلصهم الله تعالى لطاعته فأخلصوا قصدهم لها، وعرف من الاستثناء أنهم قليل وأن الغواة هم الأصل" (٤). - قال أبو السعود العمادي محمد بن محمد بن مصطفى (ت: ٨٩٨ هـ) ﵀: " ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص: ٨٣] وهم الذين أخلصَهم الله تعالى لطاعتِه

стр. 297

وعصمَهم من الغوايةِ. وقرئ المخلِصين على صيغةِ الفاعلِ أي الذينَ أخلصُوا قلوبَهم وأعمالَهم لله تعالى" (١). - قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص: ٨٣] علم أن الله سيحفظهم من كيده. ويحتمل أن الباء للاستعانة، وأنه لما علم أنه عاجز من كل وجه، وأنه لا يضل أحدا إلا بمشيئة اللّه تعالى، فاستعان بعزة اللّه على إغواء ذرية آدم هذا، وهو عدو اللّه حقا" (٢). قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحِجْر: ٤٢] - قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: " وقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحِجْر: ٤٢] يقول تعالى ذكره: إن عبادي ليس لك عليهم حجة، إلا من اتبعك على ما دعوته إليه من الضلالة ممن غوى وهلك" (٣). - قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: " ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ أي: لا تستطيع أن تضل من هدى الله ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ " (٤). - قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ) ﵀: " ﴿إِنَّ عِبَادِي﴾ [الحِجْر: ٤٢] يعني الذين هداهم

стр. 298

واجتباهم ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحِجْر: ٤٢] قوة وحجة في إغوائهم ودعائهم إلى الشرك والضلال" (١). - قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: " وقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحِجْر: ٤٢] أي: الذين قدرت لهم الهداية، فلا سبيل لك عليهم، ولا وصول لك إليهم" (٢). - قال محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٥ هـ) ﵀: " ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ المراد بالعباد هنا: هم المخلصون، والمراد أنه لا تسلط له عليهم بإيقاعهم في ذنب يهلكون به، ولا يتوبون منه، فلا ينافي هذا ما وقع من آدم وحواء ونحوهما، فإنه ذنب مغفور لوقوع التوبة عنه ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحِجْر: ٤٢] استثنى سبحانه من عباده هؤلاء. وهم المتبعون لإبليس من الغاوين عن طريق الحقّ الواقعين في الضلال، وهو موافق لما قاله إبليس اللعين من قوله: ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ [الحِجْر: ٣٩ - ٤٠] ويمكن أن يقال: إن بين الكلامين فرقاً فكلام الله سبحانه فيه نفي سلطان إبليس على جميع عباده إلاّ من اتبعه من الغاوين، فيدخل في ذلك المخلصون وغيرهم ممن لم يتبع إبليس من الغاوين؛ وكلام إبليس اللعين يتضمن إغواء الجميع إلاّ المخلصين، فدخل فيهم من لم يكن مخلصاً ولا تابعاً لإبليس غاوياً. والحاصل أن بين المخلصين والغاوين التابعين لإبليس طائفة لم تكن

стр. 299

مخلصة ولا غاوية تابعة لإبليس. وقد قيل: إن الغاوين المتبعين لإبليس هم المشركون. ويدلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ [النَّحْل: ١٠٠] " (١). قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ [الإِسْرَاء: ٦٥]. - عن مجاهد (ت: ١٠٤ هـ) ﵀ في قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإِسْرَاء: ٦٥] قال: عبادي الذين قضيت لهم بالجنة، ليس لك عليهم أن يذنبوا ذنباً، إلا أغفر لهم" (٢). - قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: ﴿إِنَّ عِبَادِي﴾ المخلصين، ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ ملك في الكفر والشرك أن تضلهم عن الهدى، ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ [الإِسْرَاء: ٦٥] آية، يعنى حرزًا ومانعًا، فلا أحد أمنع من الله ، فلا يخلص إليهم إبليس" (٣). - قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ [الإِسْرَاء: ٦٥]. يقول تعالى ذكره لإبليس: إن عبادي الذين أطاعوني. فاتبعوا أمري وعصوك يا إبليس. ليس لك عليهم حجة.

стр. 300

وقوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ [الإِسْرَاء: ٦٥] يقول جلّ ثناؤه لنبيه محمد ﷺ : وكفاك يا محمد ربك حفيظا، وقيما بأمرك. فانقَدْ لأمره. وبلغ رسالاته هؤلاء المشركين. ولا تخف أحدا، فإنه قد توكل بحفظك ونصرتك" (١). - قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: "قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ [الإِسْرَاء: ٦٥]، أي حافظاً من يوكل الأمر إليه" (٢). - قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإِسْرَاء: ٦٥] قال ابن عباس: هم المؤمنون ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ [الإِسْرَاء: ٦٥] أي عاصما من القبول من إبليس، وحافظا من كيده وسوء مكره" (٣). - قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "وقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإِسْرَاء: ٦٥]: إخبار بتأييده تعالى عباده المؤمنين، وحفظه إياهم، وحراسته لهم من الشيطان الرجيم؛ ولهذا قال: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ أي: حافظًا ومؤيدًا وناصرًا" (٤). - عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁ قال النبي ﷺ : «من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء

стр. 301

قدير في يوم مئة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مئة حسنة، ومحيت عنه مئة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء إلا رجل عمل أكثر منه» (١). - عن أبي عياش الزرقي (ت: قيل بعد الأربعين من الهجرة) ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : «من قال حين يصبح: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، كان له عدل رقبة من ولد إسماعيل، وحط عنه عشر خطيئات، ورفع له عشر درجات، وكان في حرز من الشيطان حتى يمسي، وإذا أمسى فمثل ذلك حتى يصبح» (٢). - قال النووي (ت: ٦٧٦ هـ) ﵀: "وَظَاهِرُ إِطْلَاقِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يُحَصِّلُ هَذَا الْأَجْرَ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ هَذَا التَّهْلِيلَ مِائَةَ مَرَّةٍ فِي يَوْمِهِ سَوَاءٌ قَالَهُ مُتَوَالِيَةً، أَوْ مُتَفَرِّقَةً فِي مَجَالِسَ، أَوْ بَعْضَهَا أَوَّلَ النَّهَارِ وَبَعْضَهَا آخِرَهُ. لَكِنَّ الْأَفْضَلَ: أَنْ يَأْتِيَ بِهَا مُتَوَالِيَةً، فِي أَوَّلِ النَّهَارِ؛ لِيَكُونَ حِرْزًا لَهُ فِي جَمِيعِ نَهَارِهِ" (٣).

стр. 302

٣٣. من ثمراته أن تحقيق كلمة التوحيد يوجب عتق الرقاب. عَنْ أَبِي أَيُّوبٍ الأَنْصَارِيّ (ت: ٥٠ هـ) ﵁، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، عَشْرَ مِرَارٍ كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ» (١). عن أنس (ت: ٩٠ هـ) ﵁، عن النبي ﷺ قال: «من قال حين يصبح أو يمسي: اللهم أني أصبحت أشهدك وأشهد حملة عرشك وملائكتك وجميع خلقك أنك أنت الله لا إله إلا أنت وأن محمدا عبدك ورسولك أعتق الله ربعه من النار ومن قالها مرتين أعتق الله نصفه من النار ومن قالها ثلاث مرات أعتق الله ثلاثة أرباعه ومن قالها أربع مرار أعتقه الله من النار» (٢) " (٣). عن سلمان الفارسي (ت: ٣٣ هـ) ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال: اللهم إني أشهدك، وأشهد ملائكتك وحملة عرشك، وأشهد من في السماوات ومن في الأرض، أنك أنت الله لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأشهد أن محمدا عبدك ورسولك. من قالها مرة أعتق الله ثلثه من النار، ومن

стр. 303

قالها مرتين أعتق ثلثيه من النار، ومن قالها ثلاثا أعتقه الله كله من النار» (١). عن أبي الدرداء (ت: مابين ٣٢ - ٣٨ هـ) ﵁، عن النبي ﷺ قال: «من قال: لا اله إلا الله، والله أكبر، أعتق الله ربعه من النار، ولا يقولها اثنتين إلا عتق الله شطره من النار، وإن قالها أربعا أعتقه الله من النار» (٢). - قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "فمن طمع في العتق من النار ومغفرة ذنوبه في يوم عرفة فليحافظ على الأسباب التى يرجى بها العتق والمغفرة فمنها الإكثار من شهادة التوحيد بإخلاص وصدق فإنها أصل دين الإسلام الذي أكلمه الله تعالى في ذلك اليوم وأساسه، فتحقيق كلمة التوحيد يوجب عتق الرقاب، وعتق الرقاب يوجب العتق من النار، كما ثبت في الصحيح: أن «من قالها مائة مرة كان له عدل عشر رقاب» (٣) " (٤). ٣٤. من ثمراته أن التوحيد سبب لنيل رضا الله. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا

стр. 304

عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البَيِّنَة: ٧ - ٨]. قال تعالى: ﴿* لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفَتْح: ١٨] قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التَّوْبَة: ١٠٠]. قال تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾ [المُجَادلَة: ٢٢]. قال تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزُّمَر: ٧]. - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "تضمنت هذه الآيات: جزاءهم على صدقهم وإيمانهم وأعمالهم الصالحة ومجاهدة أعدائه وعدم ولايتهم بأن ﵃ فأرضاهم فرضوا عنه وإنما حصل لهم هذا بعد الرضا به ربا وبمحمد نبيًا وبالإسلام دينًا قوله: وهو الرضا عنه في كل ما قضى فهنا ثلاثة أمور: الرضا بالله والرضا عن الله والرضا بقضاء الله" (١). فمن حقّق التوحيد كما أراده الله تعالى، فقد أرضى الله تعالى بهذا الفعل، ونال رضوانه، ولم يسخط عليه، وجعل الجنة هي مثواه ومأواه، ولكن هذا المثوى والمأوى لا يمكن نواله إلا إذا حقق العبد شيئين؛ الإيمان بالله تعالى وتوحيده، ثم العمل الصالح قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكَهْف: ١١٠].

стр. 305

فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : «إن الله يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة فيقولون لبيك ربنا وسعديك فيقول هل رضيتم فيقولون وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك فيقول أنا أعطيكم أفضل من ذلك قالوا يا رب وأي شيء أفضل من ذلك قال أجل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا» (١). وعن عائشة (ت: ٥٨ هـ) ﵁ ا قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ، وَمَنْ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ.» (٢). وعن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال رسول الله ﷺ : «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا» (٣). تضمن هذا الحديث الرضا بربوبيته سبحانه وألوهيته، وتضمن الرضا برسوله الكريم والسمع والطاعة له، وتضمن الرضا بدينه والتسليم مع كمال الانقياد. - قال النووي (ت: ٦٧٦ هـ) ﵀: "رضيت بالشيء أي قنعت به، واكتفيت به ولم أطلب معه غيره فمعنى الحديث لم يطلب غير الله تعالى ولم يسع في غير

стр. 306

طريق الإسلام ولم يسلك إلا ما يوافق شريعة محمد ﷺ " (١). عن سعد بن أبي وقاص (ت: ٥٥ هـ) ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «مَنْ قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، رضيت بالله ربا، وبمحمد رسولا، وبالإسلام دينًا؛ غُفِرَ له ذنبه» (٢). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وهذان الحديثان عليهما مدار مقامات الدين وإليهما ينتهي. فالرضا بإلهيته يتضمن الرضا بمحبته وحده وخوفه ورجائه والإنابة إليه والتبتل إليه وانجذاب قوى الإرادة والحب كلها إليه فعل الراضي بمحبوبه كل الرضا وذلك يتضمن عبادته والإخلاص له. والرضا بربوبيته: يتضمن الرضا بتدبيره لعبده، ويتضمن إفراده بالتوكل عليه، والاستعانة به، والثقة به والاعتماد عليه، وأن يكون راضيًا بكل ما يفعل به. وأما الرضا بنبيه رسولًا: فيتضمن كمال الانقياد له والتسليم المطلق إليه بحيث يكون أولى به من نفسه فلا يتلقى الهدى إلا من مواقع كلماته، ولا يحاكم إلا إليه، ولا يحكم عليه غيره، ولا يرضى بحكم غيره في أي أمر من الأمور.

стр. 307

وأما الرضا بدينه: فإذا قال أو حكم أو أمر أو نهى: رضي كل الرضا ولم يبق في قلبه حرج من حكمه وسلم له تسليما، ولو كان مخالفا لمراد نفسه، أو هواها، أو قول مقلده وشيخه وطائفته" (١). - كتب عمر بن الخطّاب (ت: ٢٣ هـ) ﵁ إلى أبي موسى ﵄: "أما بعد، فإن الخير كله في الرضا، فإن استطعت أن ترضى وإلا فاصبر" (٢). - قال الفضيل بن عياض (ت: ١٨٧ هـ) ﵀: "أحق الناس بالرضا عن الله، أهل المعرفة بالله" (٣). - قيل ليحيى بن معاذ الرازي (ت: ٢٥٨ هـ) ﵀: متى يبلغ العبد إلى مقام الرضا؟ فقال: "إذا أقام نفسه على أربعة أصول فيما يعامل به ربه، فيقول: إن أعطيتني قبلت. وإن منعتني رضيت. وإن تركتني عبدت. وإن دعوتني أجبت" (٤). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وممَّا ينبغي أنْ يُعرَف أنَّ الله ليس رضاه أو محبَّته في مجرَّد عَذاب النفس وحملها على المشاقِّ؛ حتى يكون العمل كلَّما كان أشقَّ كان أفضل! كما يحسبُ كثيرٌ من الجهال أنَّ الأجر على قدر المشقَّة في كلِّ شيء! لا! ولكن الأجر على قدر منفعة العمل، ومصلحته، وفائدته، وعلى قدر طاعة أمر الله ورسوله، فأي العملين كان أحسن، وصاحبه

стр. 308

أطوع، وأتبع كان أفضل؛ فإنَّ الأعمال لا تتفاضَلُ بالكثرة، وإنما تتفاضَلُ بما يحصل في القلوب حالَ العمل" (١). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الرِّضَا نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: الرِّضَا بِفِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ وَتَرْكِ مَا نُهِيَ عَنْهُ. وَيَتَنَاوَلُ مَا أَبَاحَهُ اللَّهُ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ إلَى الْمَحْظُورِ. وَالنَّوْعُ الثَّانِي: الرِّضَا بِالْمَصَائِبِ: كَالْفَقْرِ وَالْمَرَضِ وَالذُّلِّ فَهَذَا الرِّضَا مُسْتَحَبٌّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ وَلَيْسَ بِوَاجِبِ وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ وَاجِبٌ" (٢). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والعبد إذا اعترف وأقر بأن الله خالق أفعاله كلها فهو على وجهين. إن اعترف به إقرارا بخلق الله كل شيء بقدرته ونفوذ مشيئته وإقرارا بكلماته التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر واعترافا بفقره وحاجته إلى الله وأنه إن لم يهده فهو ضال. وإن لم يتب عليه فهو مصر. وإن لم يغفر له فهو هالكخضع لعزته وحكمته. فهذا حالزالمؤمنين الذين يرحمهم الله ويهديهم ويوفقهم لطاعته. وإن قال ذلك احتجاجا على الرب ودفعا للأمر والنهي عنه وإقامة لعذر نفسه فهذا ذنب أعظم من الأول. وهذا من أتباع الشيطان. ولا يزيده ذلك إلا شرا. وقد ذكرنا أن الرب سبحانه محمود لنفسه ولإحسانه إلى خلقه. ولذلك هو يستحق المحبة لنفسه ولإحسانه إلى عباده. ويستحق أن يرضى العبد بقضائه. لأن حكمه عدل لا يفعل إلا خيرا وعدلا. ولأنه لا يقضي للمؤمن قضاء إلا كان

стр. 309

خيرا له إن أصابته سراء شكر. فكان خيرا له. وإن أصابته ضراء صبر. فكان خيرا له. فالمؤمن يرضى بقضائه لما يستحقه الرب لنفسه من الحمد والثنا ولأنه محسن إلى المؤمن" (١). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "ومَن ﵁ لم يسخط عليه أبدًا" (٢). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "خير الخلق: الذين يصبرون على المصائب، ويستغفرون من المعايب، كما قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غَافِر: ٥٥] " (٣). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وطريق الرضا طريق مختصرة قريبة جداً، موصلة إلى أجل غاية، ولكن فيها مشقة. ومع هذا فليست مشقتها بأصعب من مشقة طريق المجاهدة ولا فيها من العقبات والمفاوز ما فيها. وإنما عقبتها همة عالية، ونفس زكية، وتوطين النفس على كل ما يرد عليها من الله. ويسهل ذلك على العبد: علمه بضعفه وعجزه ورحمته به، وشفقته عليه، وبره به، فإذا شهد هذا وهذا، ولم يطرح نفسه بين يديه، ويرضى به وعنه، وتنجذب دواعي حبه ورضاه كلها إليه: فنفسه نفس مطرودة عن الله، بعيدة عنه. ليست مؤهلة لقربه وموالاته، أو نفس ممتحنة مبتلاة بأصناف البلايا والمحن" (٤).

стр. 310

- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "متى خالط القلب بشاشة الإيمان واكتحلت بصيرته بحقيقة اليقين انقلبت النفس الأمارة مطمئنة راضية وتلقى أحكام الرب تعالى بصدر واسع منشرح مسلم" (١). - قال ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ) ﵀: "إن صاحب الصدق مع الله، لا تضرُّه الفتنُ، وإن الله يجعل لأوليائه عند ابتلائهم مخارج، وإنما يتأخر ذلك عن بعضهم في بعضالأ وقات تهذيباً وزيادةً لهم في الثواب" (٢). ٣٥. من ثمراته أن توحيد الله موجب لنيل حلاوة الإيمان. - قال محمد بن علي بن الحسن بن بشر، أبو عبد الله، الحكيم الترمذي (ت: ٣٢٠ هـ) ﵀: "إذا استقر في قلب المؤمن توحيد رب كريم ودود ظهر له وداده وكرمه وبره فقد وجد حلاوة التوحيد ونزاهته؛ فإذا جاءت شهوات النفس سبيلا إلى القلب فخالطته وكدرته ومازجت حلاوته فدنست وكدرت فأي خسران أعظم من هذا" (٣). - قال النووي (ت: ٦٧٦ هـ) ﵀: "ولا شك في أن من كانت هذه صفته فقد خلصت حلاوة الإيمان إلى قلبه وذاق طعمه، وقال القاضي عياض: معنى الحديث (ذاق حلاوة الإيمان): أي صح إيمانه واطمأنت به نفسه وخامر باطنه

стр. 311

لأن رضاه بالمذكورات دليل لثبوت معرفته ونفاذ بصيرته ومخالطة بشاشته قلبه لأن من رضي أمرا سهل عليه فكذا المؤمن إذا دخل قلبه الإيمان سهل عليه طاعات الله تعالى ولذت له" (١). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وفي الصحيح عنه ﷺ «ذاق طعم الإيمان: من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا. وبمحمد ﷺ رسولا» فأخبر: أن للإيمان طعما، وأن القلب يذوقه كما يذوق الفم طعم الطعام والشراب. وقد عبر النبي ﷺ عن إدراك حقيقة الإيمان، والإحسان، وحصوله للقلب ومباشرته له: بالذوق تارة، وبالطعام والشراب تارة، وبوجود الحلاوة تارة، كما قال «ذاق طعم الإيمان» وقال «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله. ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار». والمقصود: أن ذوق حلاوة الإيمان والإحسان، أمر يجده القلب. تكون نسبته إليه كنسبة ذوق حلاوة الطعام إلى الفم، وذوق حلاوة الجماع إلى إلفة النفس. كما قال النبي ﷺ «حتى تذوقي عسيلته. ويذوق عسيلتك» فللإيمان طعم وحلاوة يتعلق بهما ذوق ووجد. ولا تزول الشبه والشكوك عن

стр. 312

القلب إلا إذا وصل العبد إلى هذه الحال. فباشر الإيمان قلبه حقيقة المباشرة. فيذوق طعمه ويجد حلاوته" (١). - قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "عن أنس، عن النبي ﷺ قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار» (٢). وقد خرجه مسلم وعنده في رواية: «فقد وجد طعم الإيمان» (٣)، وجاء في رواية: «وجد طعم الإيمان وحلاوته». فهذه الثلاث خصال من أعلى خصال الإيمان، فمن كملها فقد وجد حلاوة الإيمان وطعم طعمه، فالإيمان له حلاوة وطعم يذاق بالقلوب كما يذاق حلاوة الطعام والشراب بالفم، فإن الإيمان هو غذاء القلوب وقوتها كما أن الطعام والشراب غذاء الأبدان وقوتها، وكما أن الجسد لا يجد حلاوة الطعام والشراب إلا عند صحته فإذا سقم لم يجد حلاوة ما ينفعه من ذلك، بل قد يستحلي ما يضره وما ليس فيه حلاوة لغلبة السقم عليه، فكذلك القلب إنما يجد حلاوة الإيمان من أسقامه وآفاته، فإذا سلم من مرض الأهواء المضلة والشهوات المحرمة وجد حلاوة الإيمان حينئذ، ومتى مرض وسقم لم يجد حلاوة الإيمان، بل يستحلي ما فيه هلاكه من الأهواء والمعاصي" (٤).

стр. 313

- قال ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ) ﵀: "وثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «سبعة يظلهمالله في ظله يوم لا ظل إلا ظله .. »، وذكر منهم: «رجل قلبه معلق في المساجد» (١)، إشارة إلى طول الملازمة بقلبه وإن كان جسدهخارجا عنه" (٢). - قال عبد الرؤوف بن علي المناوي (ت ١٠٣١ هـ) ﵀ "المؤمن الكامل قد وضع الله في قلبه حلاوة التوحيد بحلاوته فإذا جاءت الشهوة ضرب بتلك الحلاوة وجهها وردها بقوة هذه الحلاوة" (٣). ٣٦. من ثمراته أن توحيد الله موجب للأنس بالله. - قال ابن الصفار القرطبي. (ت: ٤٤٩ هـ). فررت إليك من ظلمي لنفسي … وأوحشني العباد فأنت أنسى رضاك هو المنى وبك افتخاري … وذكرك في الدجى قمري وشمسي صرت إليك منقطعا غريبا لتؤنس … وحدتي في قعر رمسي وللعظمى من الحاجات عندي … قصدت وأنت عالم سر نفسي" (٤) - قال ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ) ﵀: "انظر إلى حالك الذي أنت عليه،

стр. 314

إن كان يصلح للموت والقبر، فاستمر عليه، وإن كان لا يصلح لهذين، فتب إلى الله منها، وارجع إلى ما يصلح" (١). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فإذا كان القلب مشغولاً بالله، عاقلاً للحق، متفكراً في العلم، فقد وُضِع في موضعه" (٢). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "والأنس بالله: حالة وجدانية. وهي من مقامات الإحسان، تقوى بثلاثة أشياء: دوام الذكر، وصدق المحبة، وإحسان العمل. وقوة الأنس وضعفه: على حسب قوة القرب. فكلما كان القلب من ربه أقرب، كان أنسه به أقوى. وكلما كان منه أبعد، كانت الوحشة بينه وبين ربه أشد" (٣). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وَمَنْ قَرَّتْ عَيْنُهُ بِهِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا قَرَّتْ عَيْنُهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعِنْدَ الْمَوْتِ وَيَوْمَ الْبَعْثِ فَيَمُوتُ الْعَبْدُ عَلَى مَا عَاشَ عَلَيْهِ، وَيُبْعَثُ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ" (٤). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "من اشتغل بالله عن نفسه كفاء الله مؤونة نفسه، ومن اشتغل بالله عن الناس كفاه الله مؤونة الناس، ومن اشتغل بنفسه عن الله

стр. 315

وكله الله إلى نفسه، ومن اشتغل بالناس عن الله وكله الله إليهم" (١). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "إذا زهدت القلوب في موائد الدنيا قعدت على موائد الآخرة بين أهل تلك الدعوة، وإذا رضيت بموائد الدنيا فاتتها تلك الموائد" (٢). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وَالْخَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ الرُّسُلِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ وَمُتَابَعَتِهِمْ يَتَقَلَّبُونَ فِي عَشْرِ ظُلُمَاتٍ: ظُلْمَةُ الطَّبْعِ، وَظُلْمَةُ الْجَهْلِ، وَظُلْمَةُ الْهَوَى، وَظُلْمَةُ الْقَوْلِ، وَظُلْمَةُ الْعَمَلِ، وَظُلْمَةُ الْمُدْخَلِ، وَظُلْمَةُ الْمُخْرَجِ، وَظُلْمَةُ الْقَبْرِ، وَظُلْمَةُ الْقِيَامَةِ، وَظُلْمَةُ دَارِ الْقَرَارِ. فَالظُّلْمَةُ لَازِمَةٌ لَهُمْ فِي دُورِهِمُ الثَّلَاثِ" (٣). - قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "ومن الأنس بالله ، الأنس بكلامه وذكره، والأنس بالعلم النافع، الَّذِي بلغه رسوله ﷺ عنه" (٤). ٣٧. من ثمراته أن أهل التوحيد أحق الناس برحمته. - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وأحق الناس برحمته: هم أهل

стр. 316

التوحيد والإخلاص له، فكل من كان أكمل في تحقيق إخلاص "لا إله إلا الله" علما وعقيدة وعملا وبراءة وموالاة ومعاداة: كان أحق بالرحمة" (١). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: عند قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ [التَّوْبَة: ١٨]، "بين إنما يعمرها من آمن بالله، واليوم الآخر، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، ولم يخش إلا الله، وهذه صفة أهل التوحيد وإخلاص الدين لله، الذين لا يخشون إلا الله، ولا يرجون سواه، ولا يستعينون إلا به، ولا يدعون إلا إياه" (٢). ٣٨. من ثمراته أن التوحيد نجاة من شتات الأمر والحيرة. قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزُّمَر: ٢٩]. فلاآبية من أبلغ الأمثال التي تُبيّن أن المشرك قد تشتّت شمله، واحتارفي أمره. - قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "لما ذكر أنه ضرب للناس في هذا القرآن من كل مثل مجملا جاء بعد ذلك بمثل في أهم الأمور وأعظمها خطرا وهو التوحيد، فمثل تعالى الكافر والعابد للأوثان والشياطين

стр. 317

لرجال عدة في أخلاقهم شكاسة ونقص وعدم مسامحة، فهم لذلك يعذبون ذلك العبد بأنهم يتضايقون في أوقاتهم ويضايقون العبد في كثرة العمل، فهو أبدا ناصب، فكذلك عابد الأوثان الذي يعتقد أن ضره ونفعه عندها هو معذب الفكر بها وبحراسة حاله منها، ومتى أرضى صنما منها بالذبح له في زعمه تفكر فيما يصنع مع الآخر، فهو أبدا تعب في ضلال، وكذلك هو المصانع للناس الممتحن بخدمة الملوك، ومثل تعالى المؤمن بالله وحده بعبد لرجل واحد يكلفه شغله فهو يعمله على تؤدته وقد ساس مولاه، فالمولى يغفر زلته ويشكره على إعادة عمله" (١). - قال سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري الحنبلي (ت ٧١٦ هـ) ﵀: "قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٩)﴾ [الزُّمَر: ٢٩]، هو من أدلة التوحيد؛ وبيانه أن التوحيد أصلح للموحد، كما أن المالك الواحد للعبد أصلح له من تعدد الملاك؛ لأن كثرة الأرباب والملاك تتنازع الواحد؛ فيهلك، أو يشقى ويتعب؛ بخلاف الرب الواحد؛ والمالك الواحد، إذ لا تنازع مع الوحدة وهذه المادة شبيهة بمادة ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)﴾ [الأَنبِيَاء: ٢٢] " (٢). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "والمقصود أن الطريق إلى الله

стр. 318

تعالي واحد، فإنه الحق المبين، والحق واحد، مرجعه إلى واحد، وأما الباطل والضلال فلا ينحصر، بل كل ما سواه باطل، وكل طريق إلى الباطل فهو باطل، فالباطل متعدد وطرقه متعددة" (١). - قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: "وقد صح بالتجربة أن الراحة في حصبة [مطاوعة] الواحد، وأن التعب في اتباع العدد لاختصاص كل واحد بقصد في التابع يتشاكس عليه لذلك حال اتباعهم فكان أعظم دعوة إلى جمع الخلق دعوتهم إلى جمع توحيد الإلهية انتظاما بما دعوا إليه من الاجتماع في اسم الربوبية في قوله تعالى متقدما ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١] " (٢). - قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "فهذا مثل ضربه الله تعالى للمشرك والموحِّد، فالمشرك لمّا كان يعبد آلهة شتى شُبِّهَ بعبد يملكه جماعة متنازعون مختلفون، سيئة أخلاقهم، يتنافسون في خدمته، لا يمكنه أن يبلغ رضاهم أجمعين، فهو في عذاب. والموحِّد لمّا كان يعبد الله وحده لا شريك له، فمثله كمثل عبد لرجل واحد، قد سلم له، وعلم مقاصده، وعرف الطريق إلى رضاه، فهو في راحة من تشاحن الخلطاء فيه واختلافهم، بل هو سالم لمالكه من غير تنازع فيه، مع رأفة مالكه به، ورحمته له، وشفقته عليه، وإحسانه إليه، وتوليه لمصالحه، فهل

стр. 319

يستوي هذان العبدان؟ والجواب: كلا، لا يستويان أبدًا" (١). ٣٩. من ثمراته أن التوحيد سبب للثبات والاستقامة. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فُصِّلَت: ٣٠]. - عن الحسن (ت: ١١٠ هـ) ﵀ قال: "ما أيقن عبد بالجنة والنار حق يقينهما إلا خشع ووجل، وذل واستقام، واقتصد حتى يأتيه الموت" (٢). قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "يقول تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ وحده لا شريك له، وبرئوا من الآلهة والأنداد ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ على توحيد الله، ولم يخلطوا توحيد الله بشرك غيره به، وانتهوا إلى طاعته فيما أمر ونهى" (٣). - قال محمد بن علي بن الحسن بن بشر، أبو عبد الله، الحكيم الترمذي (ت: ٣٢٠ هـ) ﵀: "فمن نور الله قلبه بالإيمان قويت معرفته، واستنارت بنور اليقين، فاستقام به قلبه، واطمأنت به نفسه، وسكنت ووثقت وأيقنت، وأتمنته

стр. 320

على نفسها، فرضيت لها به وكيلا، وتركت التدبير عليه، فإن وسوس له عدو بالرزق والمعايش، لم يضطرب قلبه ولم يتحير، لأنه قد عرف ربه معرفة أنه قريب، وأنه لا يغفل ولا ينسى، وأنه رءوف رحيم، وأنه رب غفور رحيم، وأنه عدللا يجور، وأنه عزيز لا تمتنع منه الأشياء، وأنه يجير ولا يجار عليه، فكما خلقه محتاجا مضطرا، فإنه سيوصله إليه من حيث يريد الرب ﵎، لا من حيث يريد العبد، على الهيئة التي يريد الرب، لا على الهيئة التي يريد العبد، وبمقدار ما يريد الرب، لا بمقدار ما يريد العبد، وفي الوقت الذي يريد الرب، لا في الوقت الذي يريد العبد؛ فعامة أهل التوحيد قد أيقنوا بهذا، إيمانا به، وقبولا له، ولم يستقر ذلك الإيمان في قلوبهم، حتى إذا كان وقت، الحاجة اضطربت قلوبهم وتحيرت، واشتغلت عن خالق الأشياء، ومالك الملوك، وأهل اليقين الذين قد استنار الإيمان في قلوبهم، سكنت القلوب، واطمأنت النفوس إلى ضمان ربها، وقربه منهم، وقدرته عليهم. فهذا شأن الرزق والمعاش. وفوضوا أمورهم فيما سوى المعاش إليه، واتخذوه وكيلا، لأنهم لما عرفوا بأنه رءوف رحيم منهم بأنفسهم، وأحق وأولى بأنفسهم من العبيد بأنفسهم، لأنه خلقهم فصورهم، وركبهم وأحسن تقويمهم، وسوى تعديلهم، فلم يكن لهم بأنفسهم من العلم والتدبير ما دبر لهم، وعرفه ملكا قادرا قاهرا، يفعل ما يشاء، قد سبق علمه فيهم، بما يكون فيهم ولهم وعليهم، وجرى مع سابق العلم لهم بذلك قلمه في اللوح المحفوظ، ليكون أوكد في قلوب العباد، لأن سابق العلم غائب عن القلوب لا يدري كنفسه، واللوح قد خط بالقلم فيه
следующие страницы →