التوحيد والإخلاص له، فكل من كان أكمل في تحقيق إخلاص "لا إله إلا الله" علما وعقيدة وعملا وبراءة وموالاة ومعاداة: كان أحق بالرحمة" (١).
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: عند قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ [التَّوْبَة: ١٨]، "بين إنما يعمرها من آمن بالله، واليوم الآخر، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، ولم يخش إلا الله، وهذه صفة أهل التوحيد وإخلاص الدين لله، الذين لا يخشون إلا الله، ولا يرجون سواه، ولا يستعينون إلا به، ولا يدعون إلا إياه" (٢).
٣٨. من ثمراته أن التوحيد نجاة من شتات الأمر والحيرة.
قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزُّمَر: ٢٩].
فلاآبية من أبلغ الأمثال التي تُبيّن أن المشرك قد تشتّت شمله، واحتارفي أمره.
- قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "لما ذكر أنه ضرب للناس في هذا القرآن من كل مثل مجملا جاء بعد ذلك بمثل في أهم الأمور وأعظمها خطرا وهو التوحيد، فمثل تعالى الكافر والعابد للأوثان والشياطين
стр. 317
لرجال عدة في أخلاقهم شكاسة ونقص وعدم مسامحة، فهم لذلك يعذبون ذلك العبد بأنهم يتضايقون في أوقاتهم ويضايقون العبد في كثرة العمل، فهو أبدا ناصب، فكذلك عابد الأوثان الذي يعتقد أن ضره ونفعه عندها هو معذب الفكر بها وبحراسة حاله منها، ومتى أرضى صنما منها بالذبح له في زعمه تفكر فيما يصنع مع الآخر، فهو أبدا تعب في ضلال، وكذلك هو المصانع للناس الممتحن بخدمة الملوك، ومثل تعالى المؤمن بالله وحده بعبد لرجل واحد يكلفه شغله فهو يعمله على تؤدته وقد ساس مولاه، فالمولى يغفر زلته ويشكره على إعادة عمله" (١).
- قال سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري الحنبلي (ت ٧١٦ هـ) ﵀: "قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٩)﴾ [الزُّمَر: ٢٩]، هو من أدلة التوحيد؛ وبيانه أن التوحيد أصلح للموحد، كما أن المالك الواحد للعبد أصلح له من تعدد الملاك؛ لأن كثرة الأرباب والملاك تتنازع الواحد؛ فيهلك، أو يشقى ويتعب؛ بخلاف الرب الواحد؛ والمالك الواحد، إذ لا تنازع مع الوحدة وهذه المادة شبيهة بمادة ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)﴾ [الأَنبِيَاء: ٢٢] " (٢).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "والمقصود أن الطريق إلى الله
стр. 318
تعالي واحد، فإنه الحق المبين، والحق واحد، مرجعه إلى واحد، وأما الباطل والضلال فلا ينحصر، بل كل ما سواه باطل، وكل طريق إلى الباطل فهو باطل، فالباطل متعدد وطرقه متعددة" (١).
- قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: "وقد صح بالتجربة أن الراحة في حصبة [مطاوعة] الواحد، وأن التعب في اتباع العدد لاختصاص كل واحد بقصد في التابع يتشاكس عليه لذلك حال اتباعهم فكان أعظم دعوة إلى جمع الخلق دعوتهم إلى جمع توحيد الإلهية انتظاما بما دعوا إليه من الاجتماع في اسم الربوبية في قوله تعالى متقدما ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١] " (٢).
- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "فهذا مثل ضربه الله تعالى للمشرك والموحِّد، فالمشرك لمّا كان يعبد آلهة شتى شُبِّهَ بعبد يملكه جماعة متنازعون مختلفون، سيئة أخلاقهم، يتنافسون في خدمته، لا يمكنه أن يبلغ رضاهم أجمعين، فهو في عذاب.
والموحِّد لمّا كان يعبد الله وحده لا شريك له، فمثله كمثل عبد لرجل واحد، قد سلم له، وعلم مقاصده، وعرف الطريق إلى رضاه، فهو في راحة من تشاحن الخلطاء فيه واختلافهم، بل هو سالم لمالكه من غير تنازع فيه، مع رأفة مالكه به، ورحمته له، وشفقته عليه، وإحسانه إليه، وتوليه لمصالحه، فهل
стр. 319
يستوي هذان العبدان؟ والجواب: كلا، لا يستويان أبدًا" (١).
٣٩. من ثمراته أن التوحيد سبب للثبات والاستقامة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فُصِّلَت: ٣٠].
- عن الحسن (ت: ١١٠ هـ) ﵀ قال: "ما أيقن عبد بالجنة والنار حق يقينهما إلا خشع ووجل، وذل واستقام، واقتصد حتى يأتيه الموت" (٢).
قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "يقول تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ وحده لا شريك له، وبرئوا من الآلهة والأنداد ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ على توحيد الله، ولم يخلطوا توحيد الله بشرك غيره به، وانتهوا إلى طاعته فيما أمر ونهى" (٣).
- قال محمد بن علي بن الحسن بن بشر، أبو عبد الله، الحكيم الترمذي (ت: ٣٢٠ هـ) ﵀: "فمن نور الله قلبه بالإيمان قويت معرفته، واستنارت بنور اليقين، فاستقام به قلبه، واطمأنت به نفسه، وسكنت ووثقت وأيقنت، وأتمنته
стр. 320
على نفسها، فرضيت لها به وكيلا، وتركت التدبير عليه، فإن وسوس له عدو بالرزق والمعايش، لم يضطرب قلبه ولم يتحير، لأنه قد عرف ربه معرفة أنه قريب، وأنه لا يغفل ولا ينسى، وأنه رءوف رحيم، وأنه رب غفور رحيم، وأنه عدللا يجور، وأنه عزيز لا تمتنع منه الأشياء، وأنه يجير ولا يجار عليه، فكما خلقه محتاجا مضطرا، فإنه سيوصله إليه من حيث يريد الرب ﵎، لا من حيث يريد العبد، على الهيئة التي يريد الرب، لا على الهيئة التي يريد العبد، وبمقدار ما يريد الرب، لا بمقدار ما يريد العبد، وفي الوقت الذي يريد الرب، لا في الوقت الذي يريد العبد؛ فعامة أهل التوحيد قد أيقنوا بهذا، إيمانا به، وقبولا له، ولم يستقر ذلك الإيمان في قلوبهم، حتى إذا كان وقت، الحاجة اضطربت قلوبهم وتحيرت، واشتغلت عن خالق الأشياء، ومالك الملوك، وأهل اليقين الذين قد استنار الإيمان في قلوبهم، سكنت القلوب، واطمأنت النفوس إلى ضمان ربها، وقربه منهم، وقدرته عليهم. فهذا شأن الرزق والمعاش.
وفوضوا أمورهم فيما سوى المعاش إليه، واتخذوه وكيلا، لأنهم لما عرفوا بأنه رءوف رحيم منهم بأنفسهم، وأحق وأولى بأنفسهم من العبيد بأنفسهم، لأنه خلقهم فصورهم، وركبهم وأحسن تقويمهم، وسوى تعديلهم، فلم يكن لهم بأنفسهم من العلم والتدبير ما دبر لهم، وعرفه ملكا قادرا قاهرا، يفعل ما يشاء، قد سبق علمه فيهم، بما يكون فيهم ولهم وعليهم، وجرى مع سابق العلم لهم بذلك قلمه في اللوح المحفوظ، ليكون أوكد في قلوب العباد، لأن سابق العلم غائب عن القلوب لا يدري كنفسه، واللوح قد خط بالقلم فيه
стр. 321
أمر محدود، وشخص مخلوق، ويدرك بالقلوب معاينة، فما عاين القلب وأدركه أثبت عندهم مما لا تعاينه القلوب، ولا يمكن توهمه، فخلق اللوح وأثبت مقاديرهم فيه، لا لحاجة به إلى ذلك، وليكون أثبت على القلوب، لتسكن النفوس وتستقر على ما جرى القلم به، فإذا سكنت النفوس، تفرغت القلوب لعبادته، وحفظ حدوده، وإقامة أموره، وسقطت أشغال النفوس عن القلوبفيما يراد بها، وما يكون وما يحدث، لأنها قد أيست عن أن يكون غير ما جرى به القلم، وعند الإياس تسكن النفوس، وإنما دعانا إلى أن بعبده، ونقيم حدوده، ونقيم فرائضه، ونتجنب مساخطه، ولنا قلب واحد، فأثبت في اللوح أرزاقنا وسعينا، وآثارنا وأحداثنا، ومدة آجالنا، وعامة أمورنا، لتطمئن النفوس، وتخلص القلوب من وساوسها، فتبده بفراغ، وكل ذلك منه رحمة علينا، وبين ذلك في تنزيله، فقال تعالى: ﴿أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَّبْرَأَهَا﴾ [الحَدِيد: ٢٢] أي من قبل أن نخلق تلك المصيبة، ثم بين لم فعل ذلك، فقال: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحَدِيد: ٢٣]. فإن التأسي على الشيء الذي لم يقدر لك في اللوح هو استبداد وطلب ما ليس لك، والفرح بما آتاك يلهيك ويشغلك عن المعطي، حتى تأشر وتبطر بما تعطى، فتهلك، وإنما المبتغى منك في ذلك أن تلهو عن الغائب، وتفرح في الوجود الذي
أتاك بالأهل الذي أتاك، ثم بفضله ورحمته عليك، وإلى هذا ندبك فقال: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يُونُس: ٥٨]. وقال تعالى في شأن الرزق: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ
стр. 322
إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هُود: ٦]. ثم قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأَنْعَام: ٥٩]. أي من يأكل تلك الحبة ومن يرزقها" (١).
- قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "وذهب أبو بكر الصديق ﵁ وجماعة معه إلى أن المعنى ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فُصِّلَت: ٣٠] على قولهم: ﴿رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [فُصِّلَت: ٣٠]، فلم يختل توحيدهم ولا اضطرب إيمانهم" (٢).
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الكامل: هُوَ من كَانَ لله أطوع وعَلى مَا يُصِيبهُ أَصْبِر. فَكلما كَانَ أتبع لما يَأْمر الله بِهِ وَرَسُوله وَأعظم مُوَافقَة لله فِيمَا يُحِبهُ ويرضاه وصبرا على مَا قدره وقضاه كَانَ أكمل وَأفضل. وكل من نقص عَنْ هذَيْن كَانَ فِيهِ من النَّقْص بِحَسب ذَلِك" (٣).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "استقامة القلب بشئيين:
أحدهما: أن تكون محبة اللهتعالى تتقدم عنده على جميع المحاب …
الثاني: تعظيم الأمر والنهي، وهوناشئ عن تعظيم الآمر الناهي، فإن الله تعالى ذم من لا يعظمه ولا يعظم أمره ونهيه، قال الله : ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ
стр. 323
وَقَارًا (١٣)﴾ [نُوح: ١٣] قالوافي تفسيرها: ما لكم لا ترجون لله تعالى عظمة". ثم قال: " .. فعلامة التعظيم للأوامر: رعاية أوقاتها وحدودها، والتفتيش على أركانها وواجباتها وكمالها، والحرص على تحسينها وفعلها في أوقاتها، والمسارعة إليها عند وجوبها، والحزنوالكآبة والأسف عند فوت حق من حقوقها .. ".
ثم ذكر عددا من علامات تعظيمالمناهي، وهي على وجه الاختصار:
١. الحرص على التباعد عن مظانها وأسبابها وما يدعو إليها، ومجانبة كلوسيلة تقرب إليها.
٢. أن يغضب لله إذا انتهكت محارمه، وأن يجد في قلبه حزناوكسرة إذا عصي الله تعالى في أرضه، ولم يطع بإقامة حدوده وأوامره، ولميستطع هو أن يغير ذلك.
٣. أن لا يسترسل مع الرخصة إلى حد يكون فيه جافيا غير مستقيم علاالمنهج الوسط.
٤. أن لا يحمل الأمر على علة تضعف الانقياد والتسليم لأمر الله ، بل يسلم لأمر الله تعالى وحكمه، متمثلا ما أمر به، سواء ظهرت له حكمةالشرعفي أمره ونهيه أو لم تظهر .. " (١).
- قال محمد بن يعقوب الفيروزأبادي (ت: ٨١٧ هـ) ﵀: "بمعنى الثبات
стр. 324
على التوحيد والشهادة" (١).
- قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "الاِستِقامَةُ والثَّبات لا قُدرَةَ للعبدِ عليهِ بنَفسِه، ولِذلِك يحتاجُ أن يسألَ ربَّهُ الثّبات، كَمْ مِنْ عامِلٍ يَعملُ الخَيْر، إذا بقِيَ بيْنهُ وبيْنَ الجنَّة ذِراع، وشارَفَ مَركَبهُ ساحِلَ النَّجاة، ضرَبهُ مَوجُ الهَوَى فغَرِق" (٢).
- قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾ [فُصِّلَت: ٣٠] " ﴿قَالُوا﴾ أي قولا حقيقيًا مذعنين به بالجنان وناطقين باللسان تصديقا لداعي الله في دار الدنيا متذللين حيث ينفع الذل جامعين بين الأس الذي هو المعرفة والاعتقاد، والبناء الذي هو العمل الصالح بالقول والفعل على السداد، فإن أصل الكمالات النفسانية يقين مصلح وعمل صالح، تعرف الحق لذاته والخير لتعمل له، ورأس المعارف اليقينية ورئيسها معرفة الله، ورأس الأعمال الصالحة الاستقامة على حد الاعتدال من غير ميل إلى طرف إفراط أو تفريط: ﴿رَبُّنَا﴾ أي المحسن إلينا ﴿اللَّهُ﴾ المختص بالجلال والإكرام وحده لا شريك له.
стр. 325
ولما كان الثبات على التوحيد ومصححاته إلى الممات أمرا في علو رتبته لا يرام إلا بتوفيق ذي الجلال والإكرام، أشار إليه بأداة التراخي فقال: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ طلبوا وأوجدوا القوام بالإيمان بجميع الرسل وجميع الكتب ولم يشركوا به صنما ولا ثنا ولا آدميا ولا ملكا ولا كوكبا ولا غير بعبادة ولا رياء، وعملوا بما يرضيه وتجنبوا كل ما يسخطه وإن طال الزمان، امتثالا لما أمر به أول السورة في قوله ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾ [فُصِّلَت: ٦] فمن كان له أصل الاستقامة في التوحيد أمن من النار بالخلود، ومن كان له كمال الاستقامة في الأصول والفروع أمن الوعيد.
﴿تَتَنَزَّلُ﴾ على سبيل التدريج المتصل ﴿عَلَيْهِمُ﴾ من حين نفخ الروح فيهم إلى أن يموتوا ثم إلى أن يدخلوا الجنة باطنا فظاهرا ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ بالتأييد في جميع ما ينوبهم فتستعلي الأحوال الملكية على صفاتهم البشرية وشهواتهم الحيوانية فتضمحل عندها، وتشرق مرائيهم، ثم شرح ما يؤيدونهم به وفسره فقال: ﴿أَلَّا تَخَافُوا﴾ أي من شي مثله يخيف، وكأنهم يثبتون ذلك في قلوبهم ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾ أي على شيء فاتكم، فإن ما حصل لكم أفضل منه، فأوقاتكم الأخراويةفيها بل هي كلها روح وراحة، فلا يفوتهم لذلك محبوب ولا يلحقهم مكروه ﴿وَأَبْشِرُوا﴾ أي املأوا صدوركم سرورا يظهر أثره على بشرتكم بتهلل الوجه ونعمة سائر الجسد ﴿بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ﴾ أي كونا عظيما على ألسنة الرسل ﴿تُوعَدُونَ (٣٠)﴾ أي يتجدد لكم ذلك كل حين بالكتب والرسل" (١).
стр. 326
٤٠. من ثمراته أن التوحيد يدعو الموحد لقبول الحق من كائن من كان.
- كان معاذ بن جبل ﵁ يقول: "اقبلوا الحق من كل من جاء به، وإن كان كافراً -أو قال فاجراً- واحذروا زيغةالحكيم، قالوا: كيف نعلم أن الكافر يقول كلمة الحق؟
قال: إن على الحق نوراً" (١).
٤١. من ثمراته أن التوحيد حياة الدنيا.
- قال يحيى بن عمار: "العلوم خمسة:
١ حياة الدنيا. هو علم التوحيد.
٢ غذاء الدين؛ هو علم التذكر بمعاني القرآن والحديث.
٣ دواء الدين؛ هو علم الفتوى إذا نزل بالعبد نازلة احتاج إلى من يشفيه منها.
٤ داء الدين هو الكلام المحدث.
٥ هلاك الدين؛ وهو علم السحر ونحوه" (٢).
٤٢. من ثمراته أن التوحيد سد لباب الغلو في الصالحين.
قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا
стр. 327
الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النِّسَاء: ١٧١].
وقال رسول الله ﷺ : «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله» (١).
٤٣. من ثمراته أن التوحيد أحد الهجرتين المتوجبتين على كل قلب.
- قال الفيروزأبادي: "ولله على كل قلب هجرتان فرضا لازما:
هجرة إلى الله بالتوحيد والإخلاص والتوبة والحب والخوف والرجاء والعبودية.
وهجرة إلى رسوله بالتسليم له والتفويض والانقياد لحكمه، وتلقى أحكام الظاهر والباطن من مشكاته.
ومن لم يكن لقلبه هاتان الهجرتان فليحث على رأسه التراب، وليراجع الإيمان من أصله" (٢).
стр. 328
٤٤. من ثمراته أن التوحيد هو السبب الأعظم لتفريج كربات الدنيا والآخرة، يدفع الله به العقوبات في الدارين، ويبسط به النعم والخيرات.
- عن عبد الله بن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ قال: إنَّ نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ عند الكربِ: «لا إله إلا الله العظيمُ الحليمُ، لا إله إلا الله ربُّ العرشِ العظيمُ، لا إله إلا اللهُ ربُّ السمواتِ وربُّ الأرضِ وربُّ العرشِ الكريمُ» (١).
- عن أسماء بنت عميس ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ : «ألَا أُعلِّمُكِ كلماتٍ تقولينَهُنَّ عندَ الكَرْبِ، أو في الكَرْبِ؟ اللهُ اللهُ ربِّي، لا أُشرِكُ به شيئًا» (٢).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فما دُفعت شدائد الدنيا بمثل التوحيد، ولذلك كان دعاء الكرب بالتوحيد، ودعوة ذي النون التي ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربه بالتوحيد، فلا يلقي في الكُرب العظام إلا الشرك، ولا ينجي منها إلا التوحيد، فهو مفزع الخليقة وملجؤها وحصنها وغياثها" (٣).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "التَّوْحِيد مفزع أعدائه وأوليائه، فأما أعداؤه فينجيهم من كرب الدنيا وشدائدها ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾ [العَنكَبُوت: ٦٥].
وَأما أولياؤه فينجيهم به من كربات الدنيا والآخرة وشدائدها؛ ولذلك فزع إليه يونس فنجاه الله من تلك الظلمات وفزع إليه أتباع الرسل فنجوا به مما عذب به المشركون في الدنيا وما أعد لهم في الآخرة، ولما فزع إليه فرعون عند معاينة الهلاك وإدراك الغرق له لم ينفعه لأن الإيمان عند المعاينة لا يقبل، هذه سنة الله في عباده، فما دفعت شدائد الدنيا بمثل التوحيد؛ ولذلك كان دعاء
стр. 329
الكرب بالتوحيد ودعوة ذي النون التي ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربه بالتوحيد. فلا يلقي في الكرب العظام إلا الشرك ولا ينجي منها إلا التوحيد، فهو مفزع الخليقة وملجؤها وحصنها وغياثها" (١).
- قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀: "قول الله تعالى: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ [الأَنبِيَاء: ٨٧]، يدل على أنه ما من مؤمن يصيبه الكربوالغم فيبتهل إلى الله داعياً بإخلاص، إلانجاه الله من ذلك الغم، ولا سيما إذا دعابدعاء يونس هذا" (٢).
٤٥. من ثمراته أن التوحيد سبب لتحقق الإيمان.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّ نَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)﴾ [الأَنفَال: ٧٤].
- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: "برئوا من الكفر" (٣).
стр. 330
عن سعيد بن جبير (ت: ٩٥ هـ) ﵀ قوله: ﴿دَرَجَاتٌ﴾ "يعني: فضائل ورحمة" (١).
- عن مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأَنفَال: ٤] قال: "أعمال رفيعة" (٢).
- عن قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأَنفَال: ٤] قال: "استحقوا الإيمان بحق، فأحقه الله لهم" (٣).
- قال مقاتل (ت: ١٥٠) ﵀: "حقاً لا شك في إيمانهم" (٤).
- قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأَنفَال: ٤] يعني يقيناً، وفيه دليل على أنه ليس لكل أحد أن يصف نفسه بكونه مؤمناً حقاً، لأن الله تعالى إنما وصف بذلك قوماً مخصوصين على أوصاف مخصوصة، وكل أحد لا يتحقق وجود تلك الأوصاف فيه" (٥).
- قال أبو حيان الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ) ﵀: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ
стр. 331
الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأَنفَال: ٢ - ٤].
لما تقدمت ثلاث صفات: قلبية وهي الوجل وزيادة الإيمان والتوكل. وبدنية.
ومالية. ترتب عليها ثلاثة أشياء: فقوبلت الأعمال القلبية بالدرجات
والبدنية بالغفران، وقوبلت المالية بالرزق الكريم، وهذا النوع من المقابلة من بديع علم البديع انتهى" (١).
٤٦. من ثمراته أن التوحيد يجعل النفوس سماوية علوية.
- قال عبد الله بن محمد بن مغيث بن عبد الله الأنصاري: (ت: ٣٥٢ هـ) ﵀: "أوثق عملي في نفسي ملامة صدري، إني آوي إلى فراشي ولا يأوي إلى صدري غائلة لمسلم" (٢).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "النفوس ثلاثة:
نفس سماوية علوية: فمحبتها منصرفة إلى المعارف واكتساب الفضائل والكمالات الممكنة للإنسان، واجتناب الرذائل، وهي مشغوفة بما يقربها من الرفيق الأعلى وذلك قوتها وغذاؤها ودواؤها فاشتغالها بغيره هو داؤها.
ونفس سبعية غضبية: فمحبتها منصرفة إلى القهر والبغي والعلو في الأرض والتكبر والرئاسة على الناس بالباطل فلذتها في ذلك وشغفها به.
стр. 332
ونفس حيوانية شهوانية: فمحبتها منصرفة إلى المأكل والمشرب والمنكح وربما جمعت الأمرين فانصرفت محبتها إلى العلو في الأرض والفسادكما قال الله تعالى ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾ [القَصَص: ٤].
والحب في هذا العالم دائر بين هذه النفوس الثلاثة، فأي نفس منها صادفت ما يلائم طبعها استحسنته ومالت إليه ولم تصغ فيه لعاذل ولم تأخذها فيه لومة لائم" (١).
- قال الإمام ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فالقلب الطاهر لكمال حياته ونوره وتخلصه من الأدران والخبائث لا يشبع من القرآن، ولا يتغذَّى إلا بحقائقه، ولايتداوى إلا بأدويته" (٢).
٤٧. من ثمراته أن التوحيد سبب للفلاح.
قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ [الحُجُرَات: ١٠].
وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المَائِدَة: ١٠٠].
- عن ربيعة بن عباد (ت: ٩٠ هـ تقريبًا) ﵁ قال رسول الله ﷺ :
стр. 333
"قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا" (١).
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والقرآن كله مملوء من تحقيق هذا التوحيد والدعوة إليه، وتعليق النجاة والفلاح، واقتضاء السعادة في الآخرة به" (٢).
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وما يتَّبع وجوه الحق ويؤمن بالكتاب كلّه إلا أولو الألباب، وقليل ما هم! " (٣).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فالقلب لا يُفلح، ولا يصلح، ولا يتنعم، ولا يبتهج، ولا يلتَذُّ، ولا يطمئن، ولا يسكن؛ إلا بعبادة ربه، وحبه، والإنابة إليه" (٤).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ومعلوم أن حاجتهم إلى معرفة ربهم وفاطرهم فوق مراتب هذه الحاجات كلها، فإنه لا سعادة لهم ولا فلاح ولا صلاح ولانعيم إلا بأن يعرفوه ويعتقدوه، ويكون هو وحده غاية مطلوبهم، والتقرب إليه قرة عيونهم، فمتى فقدوا ذلك كانوا أسوأ حالا من الأنعام، وكانت الأنعام أطيب عيشا منهم في العاجل وأسلم عاقبة في الآجل.
وإذا علم أن ضرورة العبد إلى معرفة ربه فوق كل ضرورة كانت العناية
стр. 334
ببيانها أيسر الطرق وأهداها وأبينها" (١).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: " كان النبي ﷺ يقرنها بسورة قل هو الله أحد في سنة الفجر وسنة المغرب.
فإن هذين السورتين سورتا الإخلاص، وقد اشتملتا على نوعي التوحيد الذي لا نجاة للعبد ولا فلاح له إلا بهما، وهما توحيد العلم والاعتقاد المتضمن تنزيه الله عما لا يليق به من الشرك والكفر والولد والوالد، وأنه إله أحد صمد لم يلد فيكون له فرع ولم يولد فيكون له أصل ولم يكن له كفوا أحد فيكون له نظير. ومع هذا فهو الصمد الذي اجتمعت له صفات الكمال كلها.
فتضمنت السورة إثبات ما يليق بجلاله من صفات الكمال، ونفي ما لا يليق به من الشريك أصلا وفرعا ونظيرا. فهذا توحيد العلم والاعتقاد.
والثاني: توحيد القصد والإرادة وهو: ألا يعبد إلا إياه، فلا يشرك به في عبادته سواه، بل يكون وحده هو المعبود.
وسورة قل يا أيها الكافرون مشتملة على هذا التوحيد.
فانتظمت السورتان نوعي التوحيد وأخلصتا له، فكان ﷺ يفتتح بهما النهار في سنة الفجر، ويختتمه بهما في سنة المغرب.
وفي السنن «أنه كان يوتر بهما»
стр. 335
فيكونان خاتمة عمل الليل كما كانا خاتمة عمل النهار" (١).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "لا سعادة لهم ولا فلاح ولا صلاح ولا نعيم إلا بأن يعرفوه ويعتقدوه، ويكون هو وحده غاية مطلوبهم، والتقرب إليه قرة عيونهم، فمتى فقدوا ذلك كانوا أسوأ حالا من الأنعام، وكانت الأنعام أطيب عيشا منهم في العاجل وأسلم عاقبة في الآجل" (٢).
- قال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: "بين أن تقواه وطاعته سبب للفلاح والرحمة" (٣).
٤٨. من ثمراته أن التوحيد شرط في تحقيق التوكل.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التَّوْبَة: ٥١].
- قال عبد الرحمن بن محمد بن قدامة (ت: ٦٨٢ هـ) ﵀: "إن التوكل لا يمكن له أن يوجد في قلب العبد المؤمن بدون أن يكون القلب صافيًا في توحيد الله تعالى؛ لأنه إن أخلص التوحيد، وأيقن أن لا خالق في هذا الكون ولا رازق إلا الله تعالى، لم يطلب الرزق من غير الله، وإذا أيقن أن القوة لله، لم يخشَ ولم يخف إلا الله تعالى " (٤).
- قال محمد بن يعقوب الفيروزأبادي (ت: ٨١٧ هـ) ﵀: "لا يستقيم توكل العبد حتى يصح له توحيده، بل حقيقة التوكل توحيد القلب، فما دامت فيه علائق الشرك فتوكله معلول مدخول، وعلى قدر تجريد التوحيد يكون
стр. 336
صحة التوكل، فإن العبد متى التفت إلى غير الله أخذ ذلك الالتفات شعبة من شعب قلبه فنقص من توكله على الله بقدر ذهاب تلك الشعبة" (١).
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "أَرْجَحُ الْمَكَاسِبِ: التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ وَالثِّقَةُ بِكِفَايَتِهِ وَحُسْنُ الظَّنِّ بِهِ" (٢).
٤٩. من ثمراته أن التوحيد شرط في الأمن والاهتداء التام.
قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه: «وَمَنْ لَقِيَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطِيئَةً لَا يُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَقِيتُهُ بِمِثْلِهَا مَغْفِرَةً» (٣).
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فمن سلم من أجناس الظلم الثلاثة؛ كان له الأمن التام والاهتداء التام.
ومن لم يسلم من ظلمه نفسه؛ كان له الأمن والاهتداء مطلقا بمعنى أنه لا بد أن يدخل الجنة كما وعد بذلك في الآية الأخرى وقد هداه إلى الصراط المستقيم الذي تكون عاقبته فيه إلى الجنة ويحصل له من نقص الأمن والاهتداء بحسب ما نقص من إيمانه بظلمه نفسه.
وليس مراد النبي ﷺ بقوله: «إنما هو الشرك» أن من لم يشرك
стр. 337
الشرك الأكبر يكون له الأمن التام والاهتداء التام. فإن أحاديثه الكثيرة مع نصوص القرآن تبين أن أهل الكبائر معرضون للخوف لم يحصل لهم الأمن التام ولا الاهتداء التام الذي يكونون به مهتدين إلى الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين من غير عذاب يحصل لهم؛ بل معهم أصل الاهتداء إلاهذا الصراط ومعهم أصل نعمة الله عليهم ولا بد لهم من دخول الجنة. وقول النبي ﷺ «إنما هو الشرك» إن أراد به الشرك الأكبر فمقصوده أن من لم يكن من أهله فهو آمن مما وعد به المشركون من عذاب الدنيا والآخرة وهو مهتد إلى ذلك.
وإن كان مراده جنس الشرك؛ فيقال: ظلم العبد نفسه كبخله لحب المال ببعض الواجب هو شرك أصغر، وحبه ما يبغضه الله حتى يكون يقدم هواه على محبة الله شرك أصغر ونحو ذلك. فهذا صاحبه قد فاته من الأمن والاهتداء بحسبه ولهذا كان السلف يدخلون الذنوب في هذا الظلم بهذا الاعتبار" (١).
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الأمن من عذاب الله وحصول السعادة إنما هو بطاعته تعالى لقوله: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ﴾ [النِّسَاء: ١٤٧]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفُرْقَان: ٧٧]، أي لو لم تدعوه كما أمر فتطيعوه فتعبدوه وتطيعوا رسله فإنه لا يعبأ بكم شيئا.
стр. 338
وهذه الوسيلة التي أمر الله أن تبتغى إليه فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المَائِدَة: ٣٥] قال عامة المفسرين كابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ومجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) وعطاء بن أبي رباح (ت: ١١٤ هـ) والفراء (ت: ٢٠٧ هـ): الوسيلة القربة.
- قال قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ): تقربوا إلى الله بما يرضيه.
- قال أبو عبيدة: توسلت إليه أي تقربت.
- وقال عبد الرحمن بن زيد (ت: ١٨٢ هـ): تحببوا إلى الله. والتحبب والتقرب إليه إنما هو بطاعة رسوله. فالإيمان بالرسول وطاعته هو وسيلة الخلق إلى الله ليس لهم وسيلة يتوسلون بها ألبتة إلا الإيمان برسوله وطاعته" (١).
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والخالص من الشرك يحصل له الأمن كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأَنْعَام: ٨٢] وقد فسر النبي ﷺ الظلم هنا بالشرك" (٢).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "إن الإيمان الكامل بالله تعالى غير المتلبس بأي شيء من الشرك يكون جزاؤه وأجره عظيماً، ومصير من أخلص لله تعالى بالتوحيد الجنة، والمفازة من النار، والتوحيد يكفّر الذنوب، ويمحو الخطايا، وأما الكفار فالشرك محبط لحسناتهم" (٣).
стр. 339
٥٠. من ثمراته أن التوحيد يحقق الرجاء بالله وحده.
قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإِسْرَاء: ٥٧].
- عن أنس بن مالك (ت: ٩٠ هـ) ﵁، أنَّ النَّبيَّ ﷺ دخلَ على شابٍّ وَهوَ في الموتِ فقالَ: «كيفَ تجدُكَ» قالَ واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ إنِّي أرجو اللَّهَ وإنِّي أخافُ ذنوبي فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : «لا يجتَمِعانِ في قلبِ عبدٍ في مثلِ هذا الموطِنِ إلَّا أعطاهُ اللَّهُ ما يرجو وآمنَهُ ممَّا يخافُ» (١).
وقوله: "لا يَجتمِعان"، أي: الرَّجاءُ والخوفُ مِنْ اللهِ، "في قلبِ عبدٍ في مثلِ هذا الموطنِ"، أي: عندَ قُربِ موتِه، "إلَّا أعطاه اللهُ ما يَرْجو وآمَنه ممَّا يَخافُ"، أي: إنَّ اللهَ يُعطيه ما يَرْجوه مِنْ عَفْوِه ودخولِ الجنَّةِ، ويُؤمِّنُه ممَّا يَخافُه؛ مِنْ النَّارِ.
وفي الحديث: بيانُ فَضلِ الخوفِ والرَّجاءِ مِنْ اللهِ تعالى، وأنَّهما سببٌ للنَّجاةِ من النارِ ودُخولِ الجنَّةِ؛ لأنَّهما يحثَّانِ الإنسانِ على حُسنِ العَملِ مع حُسنِ الاعتقادِ في اللهِ.
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فالرجاء ينبغي أن يتعلق بالله، ولا يتعلق بمخلوق ولا بقوة العبد ولا عمله، فإن تعليق الرجاء بغير الله إشراك، وإن كان الله قد جعل لها أسبابا فالسبب لا يستقل بنفسه، بل لا بد له من معاون، ولا بد أن يمنع المعارض المعوق له وهو لا يحصل ويبقى إلا بمشيئة الله تعالى.
стр. 340
ولهذا قيل: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع.
ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧)﴾ [الشَّرْح: ٧] ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾ [الشَّرْح: ٨] فأمر بأن تكون الرغبة إليه وحده، وقال: ﴿عَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣)﴾ [المَائِدَة: ٢٣] فالقلب لا يتوكل إلا على من يرجوه، فمن رجا قوته أو عمله أو علمه أو أو صديقه أو قرابته أو شيخه أو ملكه أو ماله غير ناظر إلى الله كان فيه نوع توكل على ذلك السبب، وما رجا أحد مخلوقا أو توكل عليه إلا خاب ظنه فيه فإنه مشرك: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾ [الحَج: ٣١] " (١).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وروح هذه الكلمة وسرها: إفراد الرب جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه، وتبارك اسمه، وتعالى جده، ولا إله غيره بالمحبة والإجلال والتعظيم، والخوف والرجاء، وتوابع ذلك من التوكل والإنابة، والرغبة والرهبة، فلا يحب سواه، وكل ما يحب غيره فإنما يحب تبعا لمحبته، وكونه وسيلة إلى زيادة محبته، ولا يخاف سواه، ولا يرجي سواه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يرغب إلا إليه، ولا يرهب إلا منه، ولا يحلف إلا بإسمه، ولا ينذر إلا له، ولا يتاب إلا إليه، ولا يسجد إلا له، ولا يذبح إلا له وباسمه، ويجتمع ذلك في حرف واحد، وهو: أن لا يعبد إلا إياه بجميع أنواع العبادة، فهذا هو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله؛ ولهذا حرم الله على النار من شهد أن لا إله
стр. 341
إلا الله حقيقة الشهادة، ومحال أن يدخل النار من تحقق بحقيقة هذه الشهادة وقام بها، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣)﴾ [المَعَارِج: ٣٣] " (١).
٥١. من ثمراته أن التوحيد صفوف أهله في روضات الجنات مصفوفة.
قال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [الطُّور: ٢٠].
- قال الفيروزأبادي: "وبمعنى صفوف أهل التوحيد في روضات الجنات" (٢).
- وقال ابن كثير: "ومعنى ﴿مَّصْفُوفَةٍ﴾ أي: وجوه بعضهم إلى بعض" (٣).
- قال القرطبي: " ﴿مَّصْفُوفَةٍ﴾ قال ابن الأعرابي: أي موصولة بعضها إلى بعض حتى تصير صفا" (٤).
٥٢. من ثمراته أن التوحيد حصن الله الأعظم.
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فإذا جرد العبد التوحيد فقد خرج
стр. 342
من قلبه خوف ما سواه، وكان عدوه أهون عليه من أن يخافه مع الله، بل يفرد الله بالمخافة وقد أمنه منه. وخرج من قلبه اهتمامه به، واشتغاله به وفكره فيه، وتجرد لله محبة وخشية وإنابة وتوكلا، واشتغالا به عن غيره، فيرى أن إعماله فكره في أمر عدوه وخوفه منه واشتغاله به من نقص توحيده، وإلا فلو جرد توحيده لكان له فيه شغل شاغل، والله يتولى حفظه والدفع عنه، فإن الله يدافع عن الذين آمنوا، فإن كان مؤمنا بالله فالله يدافع عنه ولا بد. وبحسب إيمانه يكون دفاع الله عنه.
فإن كمل إيمانه كان دفع الله عنه أتم دفع، وإن مزج، مزج له. وإن كان مرة الله عليه جملة. ومن أعرض عن الله بكليته أعرض الله عنه جملة. ومن كان مرة ومرة فالله له مرة ومرة.
فالتوحيد حصن الله الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين، قال بعض السلف: من خاف الله خافه كل شيء. ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء" (١).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الطاعة حصن الله الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين من عقوبة الدنيا والآخرة، ومن خرج عنه أحاطت به المخاوف من كل جانب. فمن أطاع الله انقلبت المخاوف في حقه أمانا، ومن عصاه انقلبت مآمنه مخاوف، فمن خاف الله آمنه من كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء" (٢).
стр. 343
- عن محمد بن المنكدر (ت: ١٣٠ هـ) ﵀ قال: "إن الله تعالى يحفظ المؤمن في ولده وولد ولده ويحفظه في دويرته وفي دويرات حوله فما يزالون في حفظ وعافية ما كان بين أظهرهم" (١).
٥٣. من ثمراته أن كلمة التوحيد تثمر لقائلها عملا صالحًا كل وقت.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦)﴾ [إِبْرَاهِيم: ٢٤ - ٢٦].
- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: "الكلمة الطيبة لا إله إلا الله، والكلمة الخبيثة الشرك" (٢).
- قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ هي: لا إله إلا الله" (٣).
- قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: "والحكمة في تمثيل الإيمان بالشجرة؛ هي: أنّ الشجرة لاتكون شجرة إلا بثلاثة أشياء: عرقٌ
стр. 344
راسخٌ، وأصلٌ قائمٌ، وفرعٌ عالٍ، كذلك الإيمان لا يتم إلا بثلاثة أشياء: تصديقٌ بالقلب، وقولٌ باللسان، وعملٌ بالأبدان" (١).
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فَكُلُّ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ الْعَبْدُ وَلَا يَكُونُ طَاعَةً لِلَّهِ وَعِبَادَةً وَعَمَلًا صَالِحًا فَهُوَ بَاطِلٌ فَإِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إلَّا مَا كَانَ لِلَّهِ وَإِنْ نَالَ بِذَلِكَ الْعَمَلِ رِئَاسَةً وَمَالًا فَغَايَةُ الْمُتَرَئِّسِ أَنْ يَكُونَ كَفِرْعَوْنَ وَغَايَةُ الْمُتَمَوِّلِ أَنْ يَكُونَ كقارون" (٢).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "والمقصود أن كلمة التوحيد إذا شهد بها المؤمن عارفا بمعناها وحقيقتها نفيا وإثباتا متصفا بموجبها قائما قلبه ولسانه وجوارحه بشهادته، فهذه الكلمة الطيبة هي التي رفعت هذا العمل من هذا الشاهد، أصلها ثابت راسخ في قلبه، وفروعها متصلة بالسماء، وهي مخرجة لثمرتها كل وقت" (٣).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "شبه سبحانه الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة. لأن الكلمة الطيبة تثمر العمل الصالح، والشجرة الطيبة تثمر الثمر النافع. وهذا ظاهر على قول جمهور المفسرين الذين يقولون: الكلمة الطيبة: هي شهادة أن لا إله إلا الله. فإنها تثمر جميع الأعمال الصالحة، الظاهرة والباطنة. فكل عمل صالح مرض لله فهو ثمرة هذه الكلمة.
стр. 345
- وفي تفسير علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ قال: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾: شهادة أن لا إله إلا الله ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾: وهو المؤمن. أصلها ثابت قول: لا إله إلا الله في قلب المؤمن وفرعها في السماء يقول: يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء.
- قال الربيع بن أنس (ت: ١٣٩ هـ) ﵀: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾: هذا مثل الإيمان. فإن الإيمان الشجرة الطيبة، وأصلها الثابت الذي لا يزول: الإخلاص فيه. وفرعها فيالسماء: خشية الله. والتشبيه على هذا القول أصح وأظهر وأحسن. فإنه سبحانه شبه شجرة التوحيد في القلب بالشجرة الطيبة الثابتة الأصل، الباسقة الفرع في السماء علوا، التي لا تزال تؤتي ثمرتها كل حين.
وإذا تأملت هذا التشبيه رأيته مطابقا لشجرة التوحيد الثابتة الراسخة في القلب التي فروعها من الأعمال الصالحة صاعدة إلى السماء. ولا تزال هذه الشجرة تثمر الأعمال الصالحة كل وقت، بحسب ثباتها في القلب، ومحبة القلب لها، وإخلاصه فيها، ومعرفته بحقيقتها، وقيامه بحقوقها، ومراعاتها حق رعايتها. فمن رسخت هذه الكلمة في قلبه بحقيقتها التي هي حقيقتها، واتصف قلبه بها، وانصبغ بها بصبغة الله التي لا أحسن صبغة منها. فعرف حقيقة إلهيته التي يثبتها قلبه لله، ويشهد بها لسانه، وتصدقها جوارحه، ونفي تلك الحقيقة ولوازمها عن كل ما سوى الله وواطأ قلبه لسانه في هذا النفي والإثبات، وانقادت جوارحه لمن شهد له بالوحدانية طائعة سالكة سبل ربه ذللا غير ناكبة عنها ولا باغية سواها بدلا. كما لا يبتغي القلب سوى معبوده الحق بدلا. فلا ريب أن هذه الكلمة من هذا القلب على هذا اللسان لا تزال تؤتي ثمرتها من
стр. 346
العمل الصالح الصاعد إلى الله كل وقت. فهذه الكلمة الطيبة هي التي رفعت هذا العمل الصالح إلى الرب تعالى.
وهذه الكلمة الطيبة تثمر كلما كثيرا طيبا، يقارنه عمل صالح، فيرفع العمل الصالح الكلم الطيب، كما قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فَاطِر: ١٠] فأخبر سبحانه، أن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب. وأخبر أن الكلمة الطيبة تثمر لقائلها عملا صالحا كل وقت.
والمقصود: أن كلمة التوحيد إذا شهد بها المؤمن عارفا بمعناها وحقيقتها نفيا وإثباتا، ومتصفا بموجبها، قائما قلبه ولسانه وجوارحه بشهادته.
فهذه الكلمة الطيبة هي التي رفعت هذا العمل من هذا الشاهد أصلها ثابت راسخ في قلبه. وفروعها متصلة بالسماء. وهي مخرجة ثمرتها كل وقت …
والشجرة لا تبقى حية إلا بمادة تسقيها وتنميها. فإذا قطع عنها السقي أوشك أن تيبس.
فهكذا شجرة الإسلام في القلب، إن لم يتعاهدها صاحبها بسقيها كل وقت بالعلم النافع والعمل الصالح، والعود بالتذكر على التفكر، وبالتفكر على التذكر، وإلا أوشك أن تيبس.
ومن هاهنا تعلم شدة حاجة العباد إلى ما أمر الله به من العبادات على تعاقب الأوقات، ومن عظيم رحمته، وتمام نعمته وإحسانه إلى عباده: أن وظفها عليها وجعلها مادة لسقي غراس التوحيد الذي غرسه في قلوبهم" (١).
стр. 347
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "والإخلاص والتوحيد شجرة في القلب، فروعها الأعمال، وثمرها طيب الحياة في الدنيا والنعيم المقيم في الآخرة. وكما أن ثمار الجنة لا مقطوعةٍ ولا ممنوعةٍ فثمرة التوحيد والإخلاص في الدنيا كذلك" (١).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "شجرة الإسلام في القلب، إن لم يتعاهدها صاحبها بسقيها كل وقت بالعلم النافع والعمل الصالح، والعود بالتذكر على التفكر، وبالتفكر على التذكر، وإلا أوشك أن تيبس" (٢).
٥٤. من ثمراته أن كلمة التوحيد أفضل الذكر.
عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «أفضلُ الذِّكرِ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأفضَلُ الدُّعاءِ الحمدُ للهِ» (٣).
عن ابن عمرو أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (٤).
وعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ كَرِيزٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ. وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ" (٥).
стр. 348
٥٥. من ثمراته أن كلمة التوحيد أفضل الكلام.
- قال ابن تيمية: "و " لا إله إلا الله " تقتضي الإخلاص والتوكل. والإخلاص يقتضي الشكر. فهي أفضل الكلام. وهي أعلى شعب الإيمان" (١).
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ): "كلمة التوحيد أفضل الكلام، وأعظمه" (٢).
- وقال ابن تيمية: "ولهذا ورد في فضل هذه الكلمة شهادة أن لا إله إلا الله من الدلائل ما يضيق هذا الموضع عن ذكره وهي أفضل الكلام وما فيها من العلم والمحبة أفضل العلوم والمحبات كالحديث الذي في السنن أفضل الذكر لا إله ألا الله" (٣).
٥٦. من ثمراته أن كلمة التوحيد من الباقيات الصالحات.
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والباقيات الصالحات نوعان:
فسبحان الله وبحمده فيها الشكر والتنزيه والتعظيم، ولا إله إلا الله والله أكبر فيها التوحيد والتكبير" (٤).
стр. 349
٥٧. من ثمراته أن كلمة التوحيد كان النبي ﷺ يدعو بها عند الكرب.
- عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: إنَّ نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ عند الكربِ: «لا إله إلا الله العظيمُ الحليمُ، لا إله إلا الله ربُّ العرشِ العظيمُ، لا إله إلا اللهُ ربُّ السمواتِ وربُّ الأرضِ وربُّ العرشِ الكريمُ» (١).
٥٨. من ثمراته أن التوحيد مقرون بالتحميد.
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وفي حديث أبي سعيد «الحمد رأس الشكر والتوحيد»، كما جمع بينهما فيأم القرآن. فأولها تحميد وأوسطها: توحيد وآخرها: دعاء. وكما في قوله: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غَافِر: ٦٥] وفي حديث الموطأ «أفضل ما قلت. أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد. وهو على كل شيء قدير. من قالها: كتب الله له ألف حسنة. وحط عنه ألف سيئة وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك. ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل قال مثلها أو زاد عليه. ومن قال في يوم مائة مرة: سبحان الله وبحمده حطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر» (٢).
стр. 350
وفضائل هذه الكلمات في أحاديث كثيرة: وفيها: التوحيد والتحميد. فقوله «لا إله إلا الله وحده لا شريك له» توحيد. وقوله «له الملك وله الحمد» تحميد. وفيها معان أخرى شريفة. وقد جاء الجمع بين التوحيد والتحميد والاستغفار في مواضع مثل حديث كفارة المجلس «سبحانك اللهم وبحمدك. أشهد أن لا إله إلا أنت. أستغفرك وأتوب إليك» فيه: التسبيح والتحميد والتوحيد والاستغفار. من قالها في مجلس إن كان مجلس لغط كانت كفارة له وإن كان مجلس ذكر: كانت كالطابع له. وفي حديث أيضا "إن هذا يقال عقب الوضوء". ففي الحديث الصحيح في مسلم وغيره من حديث عقبة عن عمر بن الخطّاب ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ «ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية. يدخل من أيها شاء»، وفي حديث آخر أنه يقول «سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك». وقد روي عن طائفة من السلف في الكلمات التي تلقاها آدم من ربه نحو هذه الكلمات. روى ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ) ﵀، عن مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀، أنه قال "اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك. رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي. إنك خير الغافرين. اللهم لا إله إلا أنت. سبحانك وبحمدك. رب إني ظلمت نفسي فارحمني. فأنت خير الراحمين. لا إله إلا أنت.
стр. 351
سبحانك وبحمدك. رب إني ظلمت نفسي فتب علي. إنك أنت التواب الرحيم" فهذه الكلمات من جنس خاتمة الوضوء. وخاتمة الوضوء: فيها التسبيح والتحميد والتوحيد والاستغفار. فالتسبيح والتحميد والتوحيد لله. فإنه لا يأتي بالحسنات إلا هو. والاستغفار من ذنوب النفس التي منها تأتي السيئات" (١).
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والحمد إنما يتم بالتوحيد، وهو مناط للتوحيد، ومقدمة له ولهذا يفتتح به الكلام، ويثنى بالتشهد، وكل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم، وكل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء" (٢).
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فإذا قيل: "لا إله إلا الله"؛ تضمنت هذه الكلمة إثبات جميع المحامد، وأنه ليس له فيها نظير؛ إذ هو إله، لا إله إلا هو، والشرك كله: إثبات نظير لله " (٣).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ولما كان حمده والثناء عليه وتمجيده هو مقصود الصلاة التي هي عماد اإسلام ورأس الطاعات شرع في أولها ووسطها وآخرها وجميع أركانها؛ ففي دعاء الاستفتاح يحمد ويثنى عليه ويمجد، وفي ركن القراءة يحمد ويثنى عليه ويمجد، وفي الركوع يثنى عليه بالتسبيح والتعظيم، وبعد رفع الرأس منه يحمد ويثنى عليه ويمجد كما كان النبي ﷺ يقول: "ربنا ولك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء
стр. 352
ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد" (١)، وفي السجود يثنى عليه بالتسبيح المتضمن لكماله المقدس والعلو المتضمن لمباينته لخلقه وفي التشهد يثنى عليه بأطيب الثناء من التحيات ويختم ذلك بذكر حمده ومجده" (٢).
٥٩. من ثمراته أن التوحيد والاستغفار بهما يكمل الدين.
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [مُحَمَّد: ١٩].
قال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هُود: ٣].
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فُصِّلَت: ٦].
قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا
стр. 353
وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [ال عِمْرَان: ١٣٣ - ١٣٦].
- عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يقول: «اللهم لك أسلمت، وبك آمنت وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت. اللهم إني أعوذ بعزتك، لا إله إلا أنت؛ أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون» (١).
- عن عمر بن الخطّاب (ت: ٢٣ هـ) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما منكم من أحدٍ يتوضَّأُ، فيُحسنُ الوضوءَ، ثم يقولُ: أشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه اللهم اجعلْني من التوابين، واجعلني من المتطهِّرين، إلا فُتِحَتْ له أبوابُ الجنَّةِ الثمانيةُ، يدخلُ من أيِّها شاء» (٢).
- عن أبي برزة الأسلمي (ت: ٦٤ هـ) ﵁: كان رسول الله ﷺ بآخرة إذا طال المجلس فقام قال: «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك»، فقال له بعضنا: إن هذا قول ما كنا نسمعه منك فيما خلا، فقال رسول الله ﷺ : «هو كفارة ما يكون في المجلس» (٣).
стр. 354
عن شداد بن أوس (ت: ٥٨ هـ) ﵁، أن النبي ﷺ قال: «سيد الاستغفار: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء لك بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، أعوذ بك من شر ما صنعت. إذا قال حين يمسي فمات دخل الجنة أو: كان من أهل الجنة وإذا قال حين يصبح فمات من يومه مثله» (١).
- قال شعيب بن أبي حمزة (ت: ١٦٢ هـ) ﵀: "جمع ﷺ في هذا الحديث من بديع المعاني وحسن الألفاظ، ما يحق له أن يسمى "سيد الاستغفار" ففيه الإقرار لله وحده بالإلهية والعبودية، والاعتراف بأنه الخالق، والإقرار بالعهد الذي أخذه عليه، والرجاء بما وعده به، والاستعاذة من شر ما جنى العبد على نفسه وإضافة النعماء إلى موجدها، وإضافة الذنب إلى نفسه، ورغبته في المغفرة، واعترافه بأنه لا يقدر أحد على ذلك إلا هو.
وقال أيضا: ويظهر أن اللفظ المذكور إنما يكون " سيد الاستغفار "، إذا جمع صحة النية والتوجه والأدب" (٢).
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀ "التوحيد هو جماع الدين الذي هو أصله وفرعه ولبه، وهو الخير كله، والاستغفار يزيل الشر كله، فأبلغ الثناء قول
стр. 355
لا إله إلا الله، وأبلغ الدعاء استغفر الله" (١).
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الاسْتِغْفَار والتوحيد بهما يكمل الدَّينكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [مُحَمَّد: ١٩] " (٢).
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وقد قرن الله في كتابه بين التوحيد والاستغفار في غير موضع كقوله ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [مُحَمَّد: ١٩] وفي قوله ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هُود: ٢ - ٣] وفي قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فُصِّلَت: ٦] " (٣).
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "رتب اقتران الاستغفار بالتوحيد في غير موضع كقوله ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [مُحَمَّد: ١٩] وقوله: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ [هُود: ٢ - ٣] وقوله: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فُصِّلَت: ٦] " (٤).
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "إذا اجتهد الإنسان، واستعان بالله،