سبحانك وبحمدك. رب إني ظلمت نفسي فتب علي. إنك أنت التواب الرحيم" فهذه الكلمات من جنس خاتمة الوضوء. وخاتمة الوضوء: فيها التسبيح والتحميد والتوحيد والاستغفار. فالتسبيح والتحميد والتوحيد لله. فإنه لا يأتي بالحسنات إلا هو. والاستغفار من ذنوب النفس التي منها تأتي السيئات" (١).
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والحمد إنما يتم بالتوحيد، وهو مناط للتوحيد، ومقدمة له ولهذا يفتتح به الكلام، ويثنى بالتشهد، وكل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم، وكل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء" (٢).
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فإذا قيل: "لا إله إلا الله"؛ تضمنت هذه الكلمة إثبات جميع المحامد، وأنه ليس له فيها نظير؛ إذ هو إله، لا إله إلا هو، والشرك كله: إثبات نظير لله " (٣).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ولما كان حمده والثناء عليه وتمجيده هو مقصود الصلاة التي هي عماد اإسلام ورأس الطاعات شرع في أولها ووسطها وآخرها وجميع أركانها؛ ففي دعاء الاستفتاح يحمد ويثنى عليه ويمجد، وفي ركن القراءة يحمد ويثنى عليه ويمجد، وفي الركوع يثنى عليه بالتسبيح والتعظيم، وبعد رفع الرأس منه يحمد ويثنى عليه ويمجد كما كان النبي ﷺ يقول: "ربنا ولك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء
стр. 352
ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد" (١)، وفي السجود يثنى عليه بالتسبيح المتضمن لكماله المقدس والعلو المتضمن لمباينته لخلقه وفي التشهد يثنى عليه بأطيب الثناء من التحيات ويختم ذلك بذكر حمده ومجده" (٢).
٥٩. من ثمراته أن التوحيد والاستغفار بهما يكمل الدين.
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [مُحَمَّد: ١٩].
قال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هُود: ٣].
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فُصِّلَت: ٦].
قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا
стр. 353
وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [ال عِمْرَان: ١٣٣ - ١٣٦].
- عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يقول: «اللهم لك أسلمت، وبك آمنت وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت. اللهم إني أعوذ بعزتك، لا إله إلا أنت؛ أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون» (١).
- عن عمر بن الخطّاب (ت: ٢٣ هـ) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما منكم من أحدٍ يتوضَّأُ، فيُحسنُ الوضوءَ، ثم يقولُ: أشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه اللهم اجعلْني من التوابين، واجعلني من المتطهِّرين، إلا فُتِحَتْ له أبوابُ الجنَّةِ الثمانيةُ، يدخلُ من أيِّها شاء» (٢).
- عن أبي برزة الأسلمي (ت: ٦٤ هـ) ﵁: كان رسول الله ﷺ بآخرة إذا طال المجلس فقام قال: «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك»، فقال له بعضنا: إن هذا قول ما كنا نسمعه منك فيما خلا، فقال رسول الله ﷺ : «هو كفارة ما يكون في المجلس» (٣).
стр. 354
عن شداد بن أوس (ت: ٥٨ هـ) ﵁، أن النبي ﷺ قال: «سيد الاستغفار: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء لك بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، أعوذ بك من شر ما صنعت. إذا قال حين يمسي فمات دخل الجنة أو: كان من أهل الجنة وإذا قال حين يصبح فمات من يومه مثله» (١).
- قال شعيب بن أبي حمزة (ت: ١٦٢ هـ) ﵀: "جمع ﷺ في هذا الحديث من بديع المعاني وحسن الألفاظ، ما يحق له أن يسمى "سيد الاستغفار" ففيه الإقرار لله وحده بالإلهية والعبودية، والاعتراف بأنه الخالق، والإقرار بالعهد الذي أخذه عليه، والرجاء بما وعده به، والاستعاذة من شر ما جنى العبد على نفسه وإضافة النعماء إلى موجدها، وإضافة الذنب إلى نفسه، ورغبته في المغفرة، واعترافه بأنه لا يقدر أحد على ذلك إلا هو.
وقال أيضا: ويظهر أن اللفظ المذكور إنما يكون " سيد الاستغفار "، إذا جمع صحة النية والتوجه والأدب" (٢).
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀ "التوحيد هو جماع الدين الذي هو أصله وفرعه ولبه، وهو الخير كله، والاستغفار يزيل الشر كله، فأبلغ الثناء قول
стр. 355
لا إله إلا الله، وأبلغ الدعاء استغفر الله" (١).
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الاسْتِغْفَار والتوحيد بهما يكمل الدَّينكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [مُحَمَّد: ١٩] " (٢).
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وقد قرن الله في كتابه بين التوحيد والاستغفار في غير موضع كقوله ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [مُحَمَّد: ١٩] وفي قوله ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هُود: ٢ - ٣] وفي قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فُصِّلَت: ٦] " (٣).
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "رتب اقتران الاستغفار بالتوحيد في غير موضع كقوله ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [مُحَمَّد: ١٩] وقوله: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ [هُود: ٢ - ٣] وقوله: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فُصِّلَت: ٦] " (٤).
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "إذا اجتهد الإنسان، واستعان بالله،
стр. 356
ولازم الاستغفار والاجتهاد، فلابُدَّ أن يُؤتيه الله من فضله ما لم يخطر ببال" (١).
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فمن أحس بتقصير في قوله أو عمله أو حاله أو رزقه أو تقلب قلب؛ فعليه بالتوحيد والاستغفار ففيهما الشفاء إذا كانا بصدق وإخلاص" (٢).
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الاستغفار يخرج العبد من الفعل المكروه، إلى الفعل المحبوب من العمل الناقص إلى العمل التام ويرفع العبد من المقام الأدنى إلى الأعلى منه والأكمل؛ فإن العابد لله والعارف بالله في كل يوم بل في كل ساعة بل في كل لحظة يزداد علما بالله. وبصيرة في دينه وعبوديته بحيث يجد ذلك في طعامه وشرابه ونومه ويقظته وقوله وفعله ويرى تقصيره في حضور قلبه في المقامات العالية وإعطائها حقها فهو يحتاج إلى الاستغفار آناء الليل وأطراف النهار؛ بل هو مضطر إليه دائما في الأقوال والأحوال في الغوائب والمشاهد لما فيه من المصالح وجلب الخيرات ودفع المضرات وطلب الزيادة في القوة في الأعمال القلبية والبدنية اليقينية الإيمانية. وقد ثبتت: دائرة الاستغفار بين أهل التوحيد واقترانها بشهادة أن لا إله إلا الله من أولهم إلى آخرهم ومن آخرهم إلاأولهم ومن الأعلى إلى الأدنى. وشمول دائرة التوحيد والاستغفار للخلق كلهم وهم فيها درجات عند الله ولكل عامل مقام معلوم. فشهادة أن لا إله إلا الله بصدق ويقين تذهب الشرك كله دقه وجله خطأه وعمده أوله وآخره؛ سره
стр. 357
وعلانيته وتأتي على جميع صفاته وخفاياه ودقائقه. والاستغفار يمحو ما بقي من عثراته ويمحو الذنب الذي هو من شعب الشرك فإن الذنوب كلها من شعب الشرك. فالتوحيد يذهب أصل الشرك والاستغفار يمحو فروعه فأبلغ الثناء قول: لا إله إلا الله وأبلغ الدعاء قول: أستغفر الله. فأمره بالتوحيد والاستغفار لنفسه ولإخوانه من المؤمنين" (١).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀ في التعليق على حديث سيد الاستغفار: "تضمن هذا الاستغفار الاعتراف من العبد بربوبية الله وإلهيته وتوحيده، والاعتراف بأن خالفه العالم به، إذ أنشأه نشأة تستلزم عجزه عن أداء حقه وتقصيره فيه، والاعتراف بأنه عبده، الذي ناصيته بيده وفي قبضته، لا مهرب له منه، ولا ولي له سواه، ثم التزام الدخول تحت عهده، وهو أمره ونهيه، الذي عهده إليه على لسان رسوله، وأن ذلك بحسب استطاعتي، لا بحسب اداء حقك، فإنه غير مقدور للبشر، وإنما هو جهد المقل، وقدر الاستطاعة، ومع ذلك فأنا مصدقٌ لوعدك الذي وعدته لأهل طاعتك بالثواب، ولأهل معصيتك بالعقاب، فأنا مقيمٌ على عهدك، مصدقٌ بوعدك. ثم أفزع إلى الاستعاذة والاعتصام بك من شر ما فرطت فيه من أمرك ونهيك، فإنك إن لم تعذني من شره، وإلا أحاطت بي الهالكة، فإن إضاعة حقك سبب الهلاك، وأنا أقر لك
стр. 358
وألتزم بنعمتك علي، وأقر وألتزم وأبخع (١)، بذنبي، فمنك النعمة والإحسان والفضل، ومني الذنب والإساءة، فأسألك أن تغفر لي، بمحو ذنبي، وأن تعفيني من شره، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فلهذا كان هذا الدعاء، سيد الاستغفار، وهو متضمنٌ لمعنى العبودية " (٢).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ما يحتاج العبد إلى الاستغفار منه مما لا يعلمه أضعاف أضعاف ما يعلمه فما سلط عليه مؤذ إلا بذنب" (٣).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فالتوحيد يدخل العبد على الله ، والاستغفار والتوبة يرفع المانع ويزيل الحجاب الذي يحجب القلب عن الوصول إليه، فإذا وصل القلب إليه، زال همه وغمه وحزنه" (٤).
- قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "التوحيد أعظم الأسباب التي يستجلب بها المغفرة وعدمه مانع من المغفرة بالكلية وفي الحديث: «ابن آدم إن جئتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لقيتك بقرابها مغفرة» (٥) " (٦).
стр. 359
٦٠. من ثمراته أن التوحيد شرط في قبول الاستغفار.
- قال ابن تيمية: "من خصائص التوحيد، فإن المكلف لا ينفعه توحيد غيره عنه، ولا ينجيه ذلك من عذاب الله ، بل لا ينجيه إلا توحيد نفسه، ولا ينفعه مع عدم التوحيد الاستغفار عنه، بل لا ينفعه إلا استغفاره الذي تضمن توحيده وتوبته من الشرك. فصار الاستغفار مقرونا بالتوحيد من بداية، لا تقبل النيابة فيه ولا يهدى إلى الغير إلا إذا أتى هو به، فإذا كان هو من أهل ذلك نفعه حينئذ ما يريده
غيره من ذلك، بخلاف الأعمال والأدعية التي تفعل عن الغير وتهدى له وإن لم يأت بأصلها.
وإنما كان الاستغفار هو النهاية من العبد لأن الذنب لازم لجميع بني آدم، وإنما كمال المؤمنين من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في التوبة من الذنب والاستغفار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأَحْزَاب: ٧٢] إلى آخر السورة. وقد أخبر تعالى أنه يبدل سيئات التائب حسنات، وأنه يفرح بتوبة العبد أشد فرح يقدر" (١).
стр. 360
٦١. من ثمراته أن كلمة التوحيد تثقل الميزان.
- عن عبد الله بن عمرو (ت: ٦٥ هـ) ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ اللَّهَ سيُخَلِّصُ رجلًا من أمَّتي على رؤوسِ الخلائقِ يومَ القيامةِ فينشُرُ علَيهِ تسعةً وتسعينَ سجلًّا، كلُّ سجلٍّ مثلُ مدِّ البصرِ، ثمَّ يقولُ: أتُنكِرُ من هذا شيئًا؟ أظلمَكَ كتَبَتي الحافِظونَ؟ يقولُ: لا يا ربِّ، فيقولُ: أفلَكَ عذرٌ؟ فيقولُ: لا يا ربِّ، فيقولُ: بلَى، إنَّ لَكَ عِندَنا حسنةً، وإنَّهُ لا ظُلمَ عليكَ اليومَ، فتخرجُ بطاقةٌ فيها: "أشهدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ"، فيقولُ: احضُر وزنَكَ، فيقولُ: يا ربِّ، ما هذِهِ البطاقةُ مع هذِهِ السِّجلَّاتِ؟ فقالَ: فإنَّكَ لا تُظلَمُ، قالَ: فتوضَعُ السِّجلَّاتُ في كِفَّةٍ، والبطاقةُ في كفَّةٍ، فطاشتِ السِّجلَّاتُ، وثقُلتِ البطاقةُ، ولا يثقلُ معَ اسمِ اللَّهِ شيءٌ» (١).
عن رجل من الأنصار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قال نوح لابنه: إني موصيك بوصيةٍ، وقاصرُها لكي لا تنساها: أوصيك باثنتين، وأنهاك عن اثنتين: أما اللتان أوصيك بهما، فيستبشر الله بهما وصالحُ خَلقِه، وهما يكثرانِ الولوجَ على الله: أوصيك بـ (لا إله إلا الله)؛ فإن السمواتِ والأرضَ لو كانتا حلقةً قصمتْهما، ولو كانتا في كفة وزنتْهما، وأوصيك بـ (سبحان الله وبحمده)؛ فإنهما صلاة الخَلق، وبهما يُرزَقُ الخَلقُ، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإِسْرَاء: ٤٤]، وأما اللتان أنهاك عنهما،
стр. 361
فيحتجب الله منهما وصالح خلقه: أنهاك عن الشِّرك، والكِبر» (١).
- عن عبد الله بن عمرو (ت: ٦٥ هـ) ﵄ عن النبي ﷺ : «إن نوحا ﵊ قال لابنه عند موته: آمرك بلا إله إلا الله فإن السموات السبع والأرضين السبع لو وضعن في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة لرجحت بهن لا إله إلا الله ولو أن السموات السبع والأرضين السبع كل حلقة مبهمة لفصمتهن لا إله إلا الله» (٢).
- قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "فقد تقرر في الشرع أن كلمة التوحيد ترجح ميزان من وزنت في أعماله ولا بد، فإن قال قائل كيف تثقل موازين العصاة من المؤمنين بالتوحيد ويصح لهم حكم الفلاح ثمتدخل طائفة منهم النار وذلك شقاء لا محالة؟ فقالت طائفة إنه توزن أعمالهم دون التوحيد فتخف الحسنات فيدخلون النار ثم عند إخراجهم يوزن التوحيد فتثقل الحسنات فيدخلون الجنة، وأيضا فمعرفة العاصي أنه غير مخلد فلاح وإن تقدمه شقاء على جهة التأديب" (٣).
- قال القاضي عياض (ت: ٥٤٤ هـ) ﵀: "وقد جاء فى الحديث هنا أيضًا: أفضل الذكر التهليل، وأنه أفضل ما قاله ﵇ والنبيون من قبله. وقد
стр. 362
قيل: إنه اسم الله الَاعظم، وهي كلمة الإخلاص" (١).
- قال محمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀: "ثم يؤتى ببطاقة والبطاقة: القطعة الصغيرة قدر الأنملة مكتوب فيها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا ﷺ رسول الله، فيقول: وما تغني هذه البطاقة مع هذه السجلات العظيمة الكثيرة؟! فيقال له: إنك لا تظلم. فتوضع تلك البطاقة الصغيرة في كفة الميزان وتلك السجلات العظيمة الهائلة في الكفة الأخرى، فطاشت تلك السجلات، وثقلت تلك البطاقة؛ لأن اسم الله -جل وعلا- لا يعادله شيء.
استدلوا بهذا الحديث على أن الموزون هو صحائف الأعمال لذكر وزن السجلات ووزن البطاقة التي فيها شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله.
- وذهبت جماعة من العلماء، ورواه غير واحد عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) (٢): أن الموزون نفس الأعمال، وأن الله يحول الأعمال الحسنة إلى أجرام حسنة مضيئة نيرة، والله -جل وعلا- قادر على كل شيء، فهو قادر على أن يقلب ما ليس بجسم أن يقلبه جسما، وقد جاء ما يدل على هذا كما جاء في حديث الترغيب في الزهراوين البقرة وآل عمران «أنهما تأتيان يوم القيامة
стр. 363
كأنهما غمامتان أو فرقان من طير صواف» (١)، وكما جاء في الحديث أن عمل الإنسان يتجسم له في صورة إنسان طيب الريح، وكذلك العمل الخبيث (٢)، وكما جاء في بعض الأحاديث أن القرآن يتمثل لصاحبه في قبره (٣)، وأمثال هذا كثيرة جدا، وعلى كل حال فالله قادر على أن يقلب الأعمال أجساما، فهو قادر على كل ما يشاء، فيجعل الأعمال الصالحة في صور نيرة حسنة. والأعمال القبيحة في صور مظلمة قبيحة، فتوضع هذه في كفة الحسنات وهذه في كفة السيئات، فتثقل موازين بعض، وتطيش موازين آخرين والعياذ بالله.
- وقال بعض أهل العلم: إن ما يوزن أصحاب الأعمال، واستدلوا بالحديث المعروف المشهور: أن الرجل السمين الأكول الشروب يأتي يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة (٤)، وفي مناقب عبد الله بن مسعود (ت: ٢٩ هـ) ﵁: أنهم لما رأوا دقة ساقيه قال لهم ﷺ «إنها في الميزان
стр. 364
أثقل من جبل أحد» (١).
- وما قاله ابن فورك (ت: ٤٠٦ هـ) ﵀، وغيره من المتكلمين: إن وزن حقيقة الأعمال مستحيل؛ لأن ما ليس بجسم يستحيل أن يكون جسما (٢)!! لا يعول عليه لأن الله قادر على كل ما يشاء، لا يتعاصى على قدرته شيء، فهو قادر على ما شاء، وقادر على ما لم يشأ أيضا، فهو قادر على هداية أبي بكر ﵁، وأبي لهب، وقد شاء أحد المقدورين وهو هداية أبي بكر، ولم يشأ مقدوره الثاني وهو هداية أبي لهب.
فهذه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الموزون صحف الأعمال.
والثاني: أن الموزون الأعمال، تقلب أجساما في صور موزونة.
الثالث: أن الموزون أصحاب الأعمال. وكان ابن جرير الطبري ﵀ كبير المفسرين يرى أن كفة الحسنات يكون فيها نفس الشخص وحسناته، وأن الكفة الأخرى فيها سيئاته (٣)، هكذا يقوله العلماء، وعلى كل حال فالتحقيق أنه
стр. 365
وزن حقيقي بميزان ذي لسان وكفتين" (١).
٦٢. من ثمراته أن كلمة التوحيد من أحب الكلام إلى الله.
- فعن سمرةَ بن جندب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «أحبُّ الكلامِ إلى اللهِ أربعٌ: سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إله إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ، لا يضرُّك بأيِّهنَّ بدأتَ» (٢).
٦٣. من ثمراته أن المعرض عن التوحيد مشرك، شاء أم أبى.
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨) ﵀: "كل من كان عن التوحيد والسنة أبعد، كان إلى الشرك والابتداع والافتراء أقرب كالرافضة الذين هم أكذب طوائف أهل الأهواء، وأعظمهم شركا، فلا يوجد في أهل الأهواء أكذب منهم، ولا أبعد عن التوحيد منهم" (٣).
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "كل من كان عن التوحيد والسنة أبعد، كان إلى الشرك والابتداع والافتراء أقرب كالرافضة الذين هم أكذب طوائف أهل الأهواء، وأعظمهم شركا، فلا يوجد في أهل الأهواء أكذب منهم، ولا أبعد عن التوحيد منهم" (٤).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فالمعرض عن التوحيد مشرك، شاء أم أبى، والمعرض عن السنة مبتدع ضال، شاء أم أبى، والمعرض عن محبة الله وذكره عبد الصور، شاء أم أبى، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم" (٥).
стр. 366
- قال محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٥ هـ) ﵀: "لا خلاف بين المسلمين أن المشرك إذا مات على شركِه، لم يكن من أهل المغفرة التي تفضَّلَ اللهُ بها على غير أهلِ الشرك حسبما تقتضيه مشيئتُه، وأما غير أهل الشرك من عصاة المسلمين، فداخلون تحت المشيئة؛ يغفر لمن يشاء، ويعذِّب من يشاء" (١).
٦٤. من ثمراته أن التوحيد أصل كل زكاء ونماء.
قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾ [الأَعْلَى: ١٤].
- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: قال لا إله إلا الله فتطهر من الشرك" (٢).
- عن عكرمة (ت: ١٠٥ هـ) ﵀، في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾ [الأَعْلَى: ١٤] "من قال لا إله إلا الله" (٣).
- قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾ [الأَعْلَى: ١٤]، أفلح في هذه الآية معناه: فاز ببغيته، وتزكى معناه: طهر نفسه ونماها إلى الخير" (٤).
стр. 367
- قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾ [الأَعْلَى: ١٤]: أي تطهّر من الشرك وقال: لا إله إلاّ الله" (١).
- قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: "أي: قد أدرك طلبته وظفر ببغيته من تظهر الكفر وعمل بطاعة الله" (٢).
- قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: " ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾ [الأَعْلَى: ١٤] "تطهر من الشرك وقال: لا إله إلا الله" (٣).
- قال العز بن عبد السلام (ت: ٦٣٩ هـ) ﵀: " ﴿تَزَكَّى﴾ تطهر من الشرك بالإيمان" (٤).
- قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: "أي من تطهر من الشرك بإيمان" (٥).
- قال علي بن يحيى السمرقندي (ت: ٨٨٠ هـ تقريبًا) ﵀: " ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾ يعني فاز ونجا من هذا العذاب وسعد بالجنة من تزكى يعني وحّد الله تعالى وزكى نفسه بالتوحيد" (٦).
стр. 368
- قال محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الإيجي (ت: ٩٠٥ هـ تقريبًا) ﵀: " ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾: تطهر نفسه من الكفر والمعصية" (١).
- قال محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ) ﵀: " ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾ أي من تطهر من الشرك فآمن بالله ووحده وعمل بشرائعه" (٢).
قال تعالى عن موسى ﵇ فى خطابه لفرعون: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾ [النَّازِعَات: ١٨].
- عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ في قوله: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾ قال: إلى أن تقول لا إله إلا الله" (٣).
- عن عكرمة (ت: ١٠٥ هـ) ﵀، قول موسى لفرعون: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾ هل لك إلى أن تقول لا إله إلا الله" (٤).
قال قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀: "إلى أن تُسْلِم" (٥).
- قال ابن زيد (ت: ١٨٢ هـ) ﵀، في قوله: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾ قال: إلى أن تسلم. قال: والتزكّي في القرآن كله: الإسلام، وقرأ قول الله ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾ [طه: ٧٦] قال: من أسلم، وقرأ: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عَبَس: ٣] قال: يسلم، وقرأ: ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ [عَبَس: ٧] أن لا يسلم" (٦).
стр. 369
- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾ [النَّازِعَات: ١٨]، يقول: "هل لك أن تصلح ما قد أفسدت، يقول: وأدعوك لتوحيد الله" (١).
- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "وقوله: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾ [النَّازِعَات: ١٨]، يقول: فقل له: هل لك إلى أن تتطهّر من دنس الكفر، وتؤمَنَ بربك" (٢).
- قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: " ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾ [النَّازِعَات: ١٨] "إلى أن تؤمن" (٣).
- قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀: " ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾ [النَّازِعَات: ١٨] "ومعناه تسلّم وتصلح وتطهّر" (٤).
- قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: "فقل له، ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾. "أي: هل لك يا فرعون في أن تتطهر من دنس الكفر، وتؤمن بربك؟ " (٥).
- قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ) ﵀: " ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾ أترغب في أن تتطهر من كفرك بالإيمان" (٦).
стр. 370
- قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: " ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾ " والتزكي هو التطهر من النقائص، والتلبس بالفضائل، وفسر بعضهم: ﴿تَزَكَّى (١٨)﴾ بتسلم وفسرها بقول: لا إله إلا الله، وهذا تخصيص، وما ذكرناه يعم جميع هذا" (١).
- قال علي بن محمد بن إبراهيم الشيحي المعروف بالخازن (ت: ٧٤١ هـ) ﵀: " ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾ أي: تتطهر من الشّرك والكفر" (٢).
- قال ابن جزي (ت: ٧٤١ هـ) ﵀: " ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾ [النَّازِعَات: ١٨] أن تتطهر من الكفر والذنوب والعيوب والرذائل، وقال بعضهم: تزكى تسلم، وقيل: تقول لا إله إلا الله، والأول أعم" (٣).
- قال أبو حيان الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ) ﵀: " ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾: تزكى: تتحلى بالفضائل وتتطهر من الرذائل، والزكاة هنا يندرج فيها الإسلام وتوحيد الله تعالى" (٤).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "القلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عن الله بقدر تعلقهَا بهَا. فالقلوب آنِية الله فِي أرضه فأحبها إلَيه أرقها
стр. 371
وأصلبها وأصفاها" (١).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فما كبر النفوس وشرفها، ورفعها، وأعزها مثل طاعة الله، وما صغر النفوس وأذلها، وحقرها مثل معصية الله " (٢).
- قال علي بن يحيى السمرقندي (ت: ٨٨٠ هـ تقريبًا) ﵀: " ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾ يعني: ألم يأن لك أن تسلم. ويقال: معناه هل ترغب في توحيد ربك، وتشهد أن لا إله إلا الله، وتزكي نفسك من الكفر، والشرك" (٣).
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾ [طه: ٧٦].
- قال الكلبي (ت: ٢٠٤ هـ) ﵀: "يعني أعطى زكاة نفسه وقال: لا إله إلاّ الله" (٤).
- قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: " قوله: ﴿مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾ أي: من آمن" (٥).
- قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀: " ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ
стр. 372
تَزَكَّى (٧٦)﴾ أي صلح، وقيل: تطهّر من الكفر والمعاصي" (١).
- قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ) ﵀: "قوله ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾ تطهر من الشرك بقول لا إله إلا الله" (٢).
- قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: " ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾ أي: من تطهر من الكفر والمعاصي" (٣).
- قال عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي (ت: ٧١٠ هـ) ﵀: " ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾ تطهر من الشرك بقول لا إله إلا الله" (٤).
- قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: " ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾ أي: طهر نفسه من الدنس والخبث والشرك، وعبد الله وحده لا شريك له، وصدق المرسلين فيما جاءوا به من خَبَر وطلب" (٥).
- قال علي بن يحيى السمرقندي (ت: ٨٨٠ هـ تقريبًا) ﵀: " ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾ يعني: ثواب من وحَّد" (٦).
قال تعالى ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فُصِّلَت: ٦ - ٧].
стр. 373
- عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ في قول الله : ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فُصِّلَت: ٦ - ٧] الذين لا يقولون لا إله إلا الله" (١).
- عن عكرمة (ت: ١٠٥ هـ) ﵀، قوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾: الذين لا يقولون لا إله إلا الله" (٢).
- قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: " ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ أي: لا يوحدون الله" (٣).
- قال منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي ﵀: "وقال بعضهم: لا يؤتون الزكاة أي: لا يقولون لا إله إلا الله، قال ابن عباس، في رواية عطاء، فعلى هذا معناه: لا يطهرون أنفسهم من الشرك بقبول التوحيد" (٤).
- قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ قال ابن عباس: الذين لا يقولون لا إله إلا الله وهي زكاة الأنفس، والمعنى: لا يطهرون أنفسهم من الشرك بالتوحيد" (٥).
стр. 374
- قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "وقال ابن عباس ﵄، والجمهور: ﴿الزَّكَاةَ﴾ في هذه الآية: لا إله إلا الله التوحيد كما قال موسى لفرعون: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾، ويرجح هذا التأويل أن الآية من أول المكي، وزكاة المال إنما نزلت بالمدينة، وإنما هذه زكاة القلب والبدن، أي تطهيرهما من الشرك والمعاصي، وقاله مجاهد والربيع" (١).
- قال عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي (ت: ٧١٠ هـ) ﵀: " ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فُصِّلَت: ٧] لا يفعلون ما يكونون به أزكياء وهو الإيمان" (٢).
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "التوحيد الذي هو إخلاص الدين لله أصل كل خيرمن علم نافع وعمل صالح" (٣).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "قال أكثر المفسرين من السلف ومن بعدهم: هي التوحيد: شهادة أن لا إله إلا الله، والإيمان الذى به يزكو القلب، فإنه يتضمن نفي إلهية ما سوى الحق من القلب، وذلك طهارته، وإثبات إلهيته سبحانه؛ وهو أصل كل زكاة ونماء، فإن التزكى وإن كان أصله النماء والزيادة والبركة فإنما يحصل بإزالة الشر. فلهذا صار التزكى ينتظم الأمرين جميعًا. فأصل ما تزكو به القلوب والأرواح. هو التوحيد: والتزكية جعل الشئ زكيا، إما فى ذاته، وإما فى الاعتقاد والخبر عنه، كما يقال: عدلته وفسقته، إذا جعلته
стр. 375
كذلك فى الخارج، أو فى الاعتقاد والخبر" (١).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: " قال تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فُصِّلَت: ٦ - ٧]. أي: لا يؤتون ما تزكى به أنفسهم من التوحيد" (٢).
عن عمير بن حبيب الخطمي (لم أقف على تاريخ وفاته) ﵁ قال: "الإيمان يزيد وينقص. فقيل: فما زيادته؟ وما نقصانه؟ قال: إذا ذكرنا ربنا وخشيناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه" (٣).
- قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ): "من اتقى الله وفق لمعرفة الحق" (٤).
٦٥. من ثمراته أن أهل التوحيد هم أسعد الناس بشفاعة النبي ﷺ -.
يقول الله تعالى مثنيًا على المهاجرين والأنصار ومن اتبعهم بإحسان ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التَّوْبَة: ١٠٠].
- قال ابن القيم: "أسعد الناس بشفاعة سيد الشفعاء يوم القيامة أهل
стр. 376
التوحيد، الذين جردوا التوحيد وخلصوه من تعلقات الشرك وشوائبه، وهم الذين ارتضى الله سبحانه" (١).
٦٦. من ثمراته أن الكلمة التى تحط بها الخطايا، هي كلمة التوحيد.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾ [البَقَرَةِ: ٥٨].
- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: " وقوله -جل وعلا-: ﴿قُولُوا حِطَّةٌ﴾ قال: "لا إله إلا الله" (٢).
- قال عكرمة (ت: ١٠٥ هـ) ﵀: "هي قول: لا إله إلا الله" (٣).
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الاعتراف بالخطيئة مع التوحيد إن كان متضمنا للتوبة أوجب المغفرة؛ وإذا غفر الذنب زالت عقوبته؛ فإن المغفرة هي وقاية شر الذنب" (٤).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ أي: حط عنا خطايانا. هذا قول الحسن ﵀، وقتادة ﵀، وعطاء بن أبي رباح ﵀. وقال
стр. 377
عكرمة ﵀ وغيره: أي قولوا: لا إله إلا الله. وكأن أصحاب هذا القول اعتبروا الكلمة التي تحط بها الخطايا، وهي كلمة التوحيد.
- وقال سعيد بن جبير ﵀، عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: أمروا بالاستغفار. وعلى القولين فيكونون مأمورين بالدخول بالتوحيد والاستغفار، وضمن لهم بذلك مغفرة خطاياهم، فتلاعب الشيطان بهم، فبدلوا قولا غير الذي قيل لهم، وفعلا غير الذي أمروا به" (١).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الكلمة التى تحط بها الخطايا، وهى كلمة التوحيد" (٢).
٦٧. من ثمراته أن التوحيد إذا تم وكمل في القلب وتحقق تحققا كاملا بالإخلاص التام، فإنه يصير القليل من عمله كثيرًا.
- قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: "ومن فضائله التي لا يلحقه فيها شيء: أن التوحيد إذا تم وكمل في القلب وتحقق تحققا كاملا بالإخلاص التام، فإنه يصير القليل من عمله كثيرًا، وتضاعف أعماله وأقواله بغير حصر ولا حساب، ورجحت كلمة الإخلاص في ميزان العبد بحيث لا تقابلها السماوات والأرض وعمارها من جميع خلق الله، كما فيحديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «قال موسى ﵇: يا رب علمني شيئا
стр. 378
أذكرك وأدعوك به. قال: قل ياموسى لا إله إلا الله. قال: يا رب كل عبادك يقولون هذا. قال: يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله فيكفة، مالت بهن لا إله إلا الله» " (١).
وفي حديث البطاقة التي فيها لا إله إلا الله التي وزنت تسعة وتسعين سجلا من الذنوب، كل سجل يبلغ مد البصر، وذلك لكمال إخلاص قائلها، وكم ممن يقولها لا تبلغ هذا المبلغ؛ لأنه لم يكن في قلبه من التوحيد والإخلاص الكامل مثل ولا قريب مما قام بقلب هذا العبد" (٢).
٦٨. من ثمراته أن أهل التوحيد أبعد الناس عن التلبس بالنجاسات.
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "نجاسة الزنا واللواط أغلظ من غيرهما من النجاسات، من جهة أنها تفسد القلب، وتضعف توحيده جدًا، ولهذا كان أحظى الناس بهذه النجاسة أكثرهم شركاء، فكلما كان الشرك في العبد أغلب كانت هذه النجاسة والخبائث فيه أكثر، وكلما كان أعظم إخلاصا كان منها أبعد، كما قال تعالى عن يوسف الصديق ﵇ ﴿كَذَلِكَ
стр. 379
لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾ [يُوسُف: ٢٤] " (١).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "النجاسة تارة تكون محسوسة ظاهرة، وتارة تكون معنوية باطنة فيغلب على الروح والقلب الخبث والنجاسة، حتى إن صاحب القلب الحى ليشم من تلك الروح والقلب رائحة خبيثةيتأذى بها، كما يتأذى من يشم رائحة النتن، ويظهر ذلك كثيرا فى عرقه، حتى ليوجد لرائحة عرقه نتنا، فإن نتن الروح والقلب يتصل بباطن البدن أكثر من ظاهره. والعرق يفيض من الباطن" (٢).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فكلما قوى شرك العبد بلى بعشق الصور، وكلما قوى توحيده صرف ذلك عنه" (٣).
٦٩. من ثمراته أن صاحب التوحيد له من العزة بحسب ما معه من التوحيد.
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المُنَافِقُون: ٨].
قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
[ال عِمْرَان: ٩٣١].
قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فَاطِر: ١٠].
стр. 380
- قال الإمام قتادة (ت ١١٧ هـ) ﵀: "من كان يريد العزة فليتعزز بطاعة الله". أخرجه الطبري واختاره" (١).
- كان داود الطائي (ت: ١٦٥ هـ) ﵀ يقول: "ما أخرج الله عبداً من ذل المعاصي إلى عز التقوى إلا أغناه بلا مال، وأعزه بلا عشيرة، وآنسه بلا أنيس" (٢).
- قال سفيان بن عيينة (ت: ١٩٨ هـ) ﵀: "ليس في الأرض صاحب بدعة إلاَّ وهو يجد ذلَّة تغشاه، قالتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الأَعْرَاف: ١٥٢] " (٣).
- قال يحيى بن معاذ الرازي (ت: ٢٥٨ هـ) ﵀ "على قَدرِ إعزازِ المَرءِ لله يُلبسُه الله من عِزه ويُقيم له العِزَّ في قُلوبِ المُؤمِنين، وعلى قَدر خَوفِك من الله يهابك الخلق" (٤).
- قال أبو حاتم محمد بن حبَّان البستي (ت: ٣٥٤ هـ) ﵀: "من استغنى بالله أغناه الله، ومن تعزز بالله لم يفقره، كما أن من أعتز بالعبيد أذله" (٥).
- قال أبو حاتم محمد بن حبَّان البستي (ت: ٣٥٤ هـ) ﵀: "القناعة تكون بالقلب؛ فمن غني قلبه غنيت يداه، ومن افتقر قلبه لم ينفعه غناه، ومن قنع
стр. 381
لم يتسخط وعاش آمنا مطمئنًا، ومن لم يقنع لم يكن له في الفوائت نهاية لرغبته، والجَدُّ والحرمان كأنهما يصطرعان بين العباد" (١).
- قال ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ) ﵀: عند قوله ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾ [الطَّلَاق: ٢] "التقوى سبب للمخرج من كل غم. فلا ينبغي لمخلوق أن يتوكل أو يتسبب أو يتفكر إلا في طاعة الله تعالى، وامتثال أمره، فإن ذلك سبب لفتح كل مرتج" (٢).
- قال ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ) ﵀: "من لم يعتز بطاعة الله لم يزل ذليلاً، ومن لم يَستشفِ بكتاب الله لم يزل عليلاً" (٣)،
- قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ ﵀: "وجد المؤمن بهذه الشهادة أبوة إبراهيم، وهو قوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحَج: ٧٨]. وأمومة أزواج النبي ﷺ ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأَحْزَاب: ٦]. وأخوة المؤمنين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحُجُرَات: ١٠]. واستغفار الأنبياء: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [مُحَمَّد: ١٩]. واستغفار الملائكة: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غَافِر: ٧]. وشفيعًا مثل محمد ﷺ : «شفاعتي لأهل الكبائر من أُمتي» (٤) " (٥).
стр. 382
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "من كان إيمانه أقوى من غيره، كان جنده من الملائكة أقوى" (١).
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الحرية حرية القلب، والعبودية عبودية القلب" (٢).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "والله سبحانه إنما ضمن نصر دينه وحزبه وأوليائه بدينه علما وعملا، لم يضمن نصر الباطل، ولو اعتقد صاحبه أنه محق، وكذلك العزة والعلو إنما هما لأهل الإيمان الذى بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، وهو علم وعمل وحال، قال تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾ [ال عِمْرَان: ١٣٩]. فللعبد من العلو بحسب ما معه من الإيمان، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المُنَافِقُون: ٨]. فله من العزة بحسب ما معه من الإيمان وحقائقه، فإذا فاته حظ من العلو والعزة، ففى مقابلة ما فاته من حقائق الإيمان، علما وعملا ظاهرا وباطنا" (٣).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "العزة والعلو إنما هما لأهل الإيمان الذى بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، وهو علم وعمل وحال، قال تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾ [ال عِمْرَان: ١٣٩] " (٤).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "إِذا اسْتغنى النَّاس بالدنيا فاستغن أَنْت بِاللَّه، وَإِذا فرحوا بالدنيا فافرح أَنْت بِاللَّه، وَإِذا أنسوا بأحبابهم فَاجْعَلْ أنسك بِاللَّه؛ تنَلْ بذلك غَايَة الْعِزّ والرفعة" (٥).
стр. 383
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "لا تسأل سوى مولاك فسؤال العبد غير سيده تشنيع عليه" (١).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀ "فللعبد من العلو بحسب ما معه من الإيمان، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المُنَافِقُون: ٨] " (٢).
- قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "فالأيام خزائن للناس ممتلئة بما خزنوه فيها من خير وشر، وفي يوم القيامة تفتح هذه الخزائن لأهلها؛ فالمتقون يجدون في خزائنهم العز والكرامة، والمذنبون يجدون في خزائنهم الحسرة والندامة" (٣).
- قال محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٥ هـ) ﵀: "جرت عادة الله سبحانه كما يدل عليه الاستقراء برفع شأن من عودي لسبب علمه وتصريحه بالحق، وانتشار محاسنه بعد موته، وارتفاع ذكره، وانتفاع الناس بعلمه" (٤).
- قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀: عند تفسير قوله تعالى ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فَاطِر: ١٠] "من كان يريد العِزَّة، فإنَّها جميعها لله وحده، فليطلبها منه، وليتسبَّب لنيلها بطاعته -جل وعلا- فإنَّ مَنْ أطاعه، أعطاه العِزَّة في الدُّنْيا والآخرة" (٥).
- قال الشيخ عبد العزيز السلمان (ت: ١٤٢٢ هـ):
"إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى … تقلب عريانا وإن كان كاسيا
стр. 384
"ولباس التقوى يستمر مع العبد لا يبلى ولا يبيد. وهو جمال القلب والروح. ولباس الثياب إنما يستر العورة الظاهرة في وقت من الأوقات ثم يبلي ويبيد" (١).
٧٠. من ثمراته أن التوحيد يورث الهمة العالية.
- روي عن عمر بن الخطّاب (ت: ٢٣ هـ) ﵁ أنه قال: "لا تصغرنَّ همتكم؛ فإني لم أرَ أقعد عن المكرمات من صغر الهمم" (٢).
- قال سفيان الثوري (ت: ١٦١ هـ) ﵀: "إذا هممت بأمر من أمور الآخرة فشمر إليها وأسرع من قبل أن يحول بينها وبينك الشيطان" (٣).
- قال الإمام مالك بن أنس (ت: ١٧٩ هـ) ﵀: "عليك بمعالي الأمور وكرائمها، واتقِ رذائلها وما سفَّ منها؛ فإنَّ الله تعالى يحبُّ معالي الأمور، ويكره سفسافها" (٤).
- قال ممشاد الدينوري (ت ٢٩٩) ﵀: "الهِمَّة مقدمة الأشياء؛ فمن صلحت له همته وصدق فيها صلح له ما وراءها من الأعمال والأحوال" (٥).
- قال أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن حبان، الدارمي، البُستي (ت: ٣٥٤ هـ): ﵀ "لن تصفو القلوب من وجود الدرن فيها حتى تكون الهمم في اللَّه هما
стр. 385
واحدا، فإذا كان كذلك كفي الهم في الهموم إلا الهم الذي يؤول متعقبه إلى رضا الباري جل وعز بلزوم تقوى الله في الخلوة والملاء" (١).
- قال ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ) ﵀: "ولله أقوام ما رضوا من الفضائل إلا بتحصيل جميعها؛ فهم يبالغون في كل علم ويجتهدون في كل عمل يثابرون على كل فضيلة فإذا ضعفت أبدانهم عن بعض ذلك قامت النيات نائبة وهم لها سابقون" (٢).
- قال النووي (ت: ٦٧٦ هـ) ﵀: "وليس بعاقل من أمكنه درجة وِراثة الأنبياء، ثم فَوَّتها! " (٣).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ضعف الإرادة والطلب: من ضعف حياة القلب وكلما كان القلب أتم حياة كانت همته أعلى وإرادته ومحبته أقوى" (٤).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الهمة العلية لا تزال حائمة حول ثلاثة أشياء، تعرف لصفة من الصفات العليا تزداد بمعرفتها محبة وإرادة؛ وملاحظة لمنة تزداد بملاحظتها شكر أو طاعة؛ وتذكر لذنب تزداد بتذكره توبة وخشية" (٥).
стр. 386
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "شغلوا قلوبهم بالدنيا! ولو شغلوها بالله والدّار الآخرة؛ لجالت في معاني كلامه وآياته المشهودة، ورجعت إلى أصحابها بغرائب الحِكم وطرف الفوائد" (١).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "لا تكون الروح الصافية إلا في بدن معتدل، ولا الهمة العالية إلا في نفس نفيسة" (٢).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "لابد للسالك من همَّة تسيِّره وترقِّيه، وعلم يبصِّره ويهديه، فلابد لكل طالب علم بجانب علمه من همة تسيره وترقيه في مدارج الطلب، بها يستعلي طالب العلم على سفاسف الأمور، ويتحلى بإرادة من حديد؛ إذ هو مقدم على أمر عظيم حاله، خطير شأنه، ألا وهو وراثة النبي ﷺ في التعليم والدعوة والبلاغ. فلا يصلح لهذه المنزلة من سفلت همته؛ فحامت حول الدنايا، أو ضعفت إرادته؛ فانكسرت أمام الصعاب والبلايا … وصاحب الهمة العالية أمانيه حائمة حول العلم والإيمان، والعلم الذي يقربه إلى الله ويدنيه من جواره، فأماني هذا إيمان ونور وحكمة، وأماني أولئك خدع وغرور" (٣).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الهمة إذا كانت عالية تعلقت به وحده دون غيره. وإذا كانت النية صحيحة سلك العبد الطريق الموصلة إليه.
стр. 387
فالنية تفرد له الطريق والهمة تفرد له المطلوب" (١).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وكمال كل إنسان إنما يتم بهذين النوعين "همة ترقيه" و "علم يبصره، ويهديه"، فإن مراتب السعادة والفلاح إنما تفوت العبد من هاتين الجهتين، أو من إحداهما: إما أن لا يكون له علم بها، فلا يتحرك في طلبها، أو يكون عالما بها، ولا تنهض همته إليها فلا يزال في حضيض طبعه محبوسا، وقلبه عن كماله الذي خلق له مصدودا منكوسا" (٢).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "القلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عن الله بقدر تعلقهَا بهَا،. فالقلوب آنِية الله فِي أرضه فأحبها إلَيه أرقها وأصلبها وأصفاها" (٣).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "بين العبد وبين السعادة والفلاح قوة عزيمة وصبر ساعة وشجاعة نفس وثبات قلب. والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء. والله ذو الفضل العظيم" (٤).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فمن علت همته، وخشعت نفسه، اتصف بكلِّ خلق جميل، ومن دنت همته، وطغت نفسه، اتصف بكلِّ خلق رذيل" (٥).
стр. 388
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "جميعُ المصالحِ إنما تنشأُ من الوقتِ، فإنْ أضاعَه ضاعَتْ عليه مصالِحُه كلُّها، ومتى أضاعَ الوقتَ لم يستدركْه" (١).
- قال محمد بن مفلح (ت: ٧٦٣ هـ) ﵀: "إنَّ مِنْ صِغَرِ الْهِمَّةِ، الْحَسَدُ لِلصِّدِّيقِ عَلَى النِّعْمَةِ" (٢).
- قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "فمن كانت نفسه شريفة، وهِمَّته عالية لم يرض لها بالمعاصي؛ فإنها خيانةٌ، ولايرضى بالخيانة إلا من لا نفس له" (٣).
- قال سعيد بن المسيّب (ت: ٩٤ هـ) ﵀: "ما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد" (٤).
- قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: "فلا يلحقك العجز والكسل إذا رأيت أن الأمور لم تتمَّ لك بأول مرة، بل اصبر، وكرِّر مرَّة بعد أخرى، واصبر على ما يقال فيك من استهزاء وسخرية؛ لأن أعداء الدين كثيرون. ولا يثني عزمك أن ترى نفسك وحيدًا في الميدان، فأنت الجماعة وإن كنت واحدًا ما دمت على الحق، ولهذا ثِقْ بأنك منصور؛ إمَّا في الدنيا، وإمَّا في الآخرة" (٥).
стр. 389
٧١. من ثمراته أن التوحيد تكفل الله لأهله بالفتح والنصر في الدنيا، والعز والشرف.
قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥)﴾ [النُّور: ٥٥].
- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ يعنى يوحدونني ﴿لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ من الآلهة" (١).
- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "وقوله: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ يقول: يخضعون لي بالطاعة ويتذللون لأمري ونهيي ﴿لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ يقول: لا يشركون في عبادتهم إياي الأوثان والأصنام ولا شيئا غيرها، بل يخلصون لي العبادة فيفردونها إليَّ دون كل ما عبد من شيء غيري" (٢).
- قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "وروي أن سبب هذه الآية أن أحد أصحاب النبي ﷺ شكا جهد مكافحة العدو وما كانوا فيه من الخوف على أنفسهم وأنهم لا يضعون أسلحتهم فنزلت هذه الآية عامة لأمة محمد ﵇" (٣).
стр. 390
- قال علي بن محمد الماوردي (ت: ٤٥٠ هـ) ﵀: " ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدهما: لا يعبدون إلها غيري، حكاه النقاش.
الثاني: لا يراءون بعبادتي أحدا.
الثالث: لا يخافون غيري، قاله ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄.
الرابع: لا يحبون غيري، قاله مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀ " (١).
- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "ومن فضائل التوحيد: أن الله تكفل لأهله بالفتح والنصر في الدنيا، والعز والشرف وحصول الهداية والتيسير لليسرى وإصلاح الأحوال والتسديد في الأقوال والأفعال" (٢).
- قال. ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وكذلك الدفع عن العبد هو بحسب إيمانه، قال تعالى: ﴿* إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحَج: ٣٨] فإذا ضعف الدفع عنه فهو من نقص إيمانه، والله سبحانه إنما ضمن نصر دينه وحزبه وأوليائه بدينه علما وعملا، لم يضمن نصر الباطل، ولو اعتقد صاحبه أنه محق" (٣).