← Акыда

Акыда · id 30148

لماذا التوحيد أولا

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (657 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "شغلوا قلوبهم بالدنيا! ولو شغلوها بالله والدّار الآخرة؛ لجالت في معاني كلامه وآياته المشهودة، ورجعت إلى أصحابها بغرائب الحِكم وطرف الفوائد" (١). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "لا تكون الروح الصافية إلا في بدن معتدل، ولا الهمة العالية إلا في نفس نفيسة" (٢). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "لابد للسالك من همَّة تسيِّره وترقِّيه، وعلم يبصِّره ويهديه، فلابد لكل طالب علم بجانب علمه من همة تسيره وترقيه في مدارج الطلب، بها يستعلي طالب العلم على سفاسف الأمور، ويتحلى بإرادة من حديد؛ إذ هو مقدم على أمر عظيم حاله، خطير شأنه، ألا وهو وراثة النبي ﷺ في التعليم والدعوة والبلاغ. فلا يصلح لهذه المنزلة من سفلت همته؛ فحامت حول الدنايا، أو ضعفت إرادته؛ فانكسرت أمام الصعاب والبلايا … وصاحب الهمة العالية أمانيه حائمة حول العلم والإيمان، والعلم الذي يقربه إلى الله ويدنيه من جواره، فأماني هذا إيمان ونور وحكمة، وأماني أولئك خدع وغرور" (٣). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الهمة إذا كانت عالية تعلقت به وحده دون غيره. وإذا كانت النية صحيحة سلك العبد الطريق الموصلة إليه.

стр. 387

فالنية تفرد له الطريق والهمة تفرد له المطلوب" (١). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وكمال كل إنسان إنما يتم بهذين النوعين "همة ترقيه" و "علم يبصره، ويهديه"، فإن مراتب السعادة والفلاح إنما تفوت العبد من هاتين الجهتين، أو من إحداهما: إما أن لا يكون له علم بها، فلا يتحرك في طلبها، أو يكون عالما بها، ولا تنهض همته إليها فلا يزال في حضيض طبعه محبوسا، وقلبه عن كماله الذي خلق له مصدودا منكوسا" (٢). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "القلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عن الله بقدر تعلقهَا بهَا،. فالقلوب آنِية الله فِي أرضه فأحبها إلَيه أرقها وأصلبها وأصفاها" (٣). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "بين العبد وبين السعادة والفلاح قوة عزيمة وصبر ساعة وشجاعة نفس وثبات قلب. والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء. والله ذو الفضل العظيم" (٤). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فمن علت همته، وخشعت نفسه، اتصف بكلِّ خلق جميل، ومن دنت همته، وطغت نفسه، اتصف بكلِّ خلق رذيل" (٥).

стр. 388

- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "جميعُ المصالحِ إنما تنشأُ من الوقتِ، فإنْ أضاعَه ضاعَتْ عليه مصالِحُه كلُّها، ومتى أضاعَ الوقتَ لم يستدركْه" (١). - قال محمد بن مفلح (ت: ٧٦٣ هـ) ﵀: "إنَّ مِنْ صِغَرِ الْهِمَّةِ، الْحَسَدُ لِلصِّدِّيقِ عَلَى النِّعْمَةِ" (٢). - قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "فمن كانت نفسه شريفة، وهِمَّته عالية لم يرض لها بالمعاصي؛ فإنها خيانةٌ، ولايرضى بالخيانة إلا من لا نفس له" (٣). - قال سعيد بن المسيّب (ت: ٩٤ هـ) ﵀: "ما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد" (٤). - قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: "فلا يلحقك العجز والكسل إذا رأيت أن الأمور لم تتمَّ لك بأول مرة، بل اصبر، وكرِّر مرَّة بعد أخرى، واصبر على ما يقال فيك من استهزاء وسخرية؛ لأن أعداء الدين كثيرون. ولا يثني عزمك أن ترى نفسك وحيدًا في الميدان، فأنت الجماعة وإن كنت واحدًا ما دمت على الحق، ولهذا ثِقْ بأنك منصور؛ إمَّا في الدنيا، وإمَّا في الآخرة" (٥).

стр. 389

٧١. من ثمراته أن التوحيد تكفل الله لأهله بالفتح والنصر في الدنيا، والعز والشرف. قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥)﴾ [النُّور: ٥٥]. - قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ يعنى يوحدونني ﴿لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ من الآلهة" (١). - قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "وقوله: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ يقول: يخضعون لي بالطاعة ويتذللون لأمري ونهيي ﴿لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ يقول: لا يشركون في عبادتهم إياي الأوثان والأصنام ولا شيئا غيرها، بل يخلصون لي العبادة فيفردونها إليَّ دون كل ما عبد من شيء غيري" (٢). - قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "وروي أن سبب هذه الآية أن أحد أصحاب النبي ﷺ شكا جهد مكافحة العدو وما كانوا فيه من الخوف على أنفسهم وأنهم لا يضعون أسلحتهم فنزلت هذه الآية عامة لأمة محمد ﵇" (٣).

стр. 390

- قال علي بن محمد الماوردي (ت: ٤٥٠ هـ) ﵀: " ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ فيه أربعة أوجه: أحدهما: لا يعبدون إلها غيري، حكاه النقاش. الثاني: لا يراءون بعبادتي أحدا. الثالث: لا يخافون غيري، قاله ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄. الرابع: لا يحبون غيري، قاله مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀ " (١). - قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "ومن فضائل التوحيد: أن الله تكفل لأهله بالفتح والنصر في الدنيا، والعز والشرف وحصول الهداية والتيسير لليسرى وإصلاح الأحوال والتسديد في الأقوال والأفعال" (٢). - قال. ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وكذلك الدفع عن العبد هو بحسب إيمانه، قال تعالى: ﴿* إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحَج: ٣٨] فإذا ضعف الدفع عنه فهو من نقص إيمانه، والله سبحانه إنما ضمن نصر دينه وحزبه وأوليائه بدينه علما وعملا، لم يضمن نصر الباطل، ولو اعتقد صاحبه أنه محق" (٣).

стр. 391

٧٢. من ثمراته أن التوحيد يحرر العبد من رق المخلوقين. قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)﴾ [الأَنفَال: ٢٦]. - قال قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀، قوله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأَنفَال: ٢٦] قال: "كان هذا الحي من العرب أذلَّ الناس ذلًا وأشقاهُ عيشًا، وأجوعَه بطونًا، وأعراه جلودًا، وأبينَه ضلالا مكعومين (١).، على رأس حجر، بين الأسدين فارس والروم، ولا والله ما في بلادهم يومئذ من شيء يحسدون عليه، من عاش منهم عاش شقيًّا، ومن مات منهم رُدِّي في الناس، يوكلون ولا يأكلون، والله ما نعلم قبيلًا من حاضر أهل الأرض يومئذ كانوا أشرَّ منهم منزلًا حتى جاء الله بالإسلام، فمكن به في البلاد، ووسَّع به في الرزق، وجعلكم به ملوكًا على رقاب الناس. فبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا الله على نعمه، فإن ربكم منعمٌ يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من الله ﵎" (٢). - قال محمد بن إدريس بن القاسم ﵀: "مثل الرزق الذي تطلبه … مثل الظل الذي يمشي معك. أنت لا تدركه متبعًا .... فإذا وليت عنه اتبعك" (٣).

стр. 392

- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "ومن أعظم فضائله: أنه يحرر العبد من رق المخلوقين والتعلق بهم وخوفهم ورجائهم والعمل لأجلهم، وهذا هو العز الحقيقي والشرف العالي. ويكون مع ذلك متألها متعبدا لله، لا يرجو سواه ولا يخشى إلا إياه، ولا ينيب إلا إليه، وبذلك يتم فلاحه ويتحقق نجاحه" (١). - قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: "فكل إنسان يفر من عبادة الله فإنه سيبقى في رق الشيطان" (٢). - قال عبد الله الغنيمان: "والتوحيد الخالص هو الذي يرفع نفوس معتقديه ويخلصها من رق الأغيار ويفك إرادتهم من أسر الرؤساء الروحانيين كما يسمون، وشيوخ الطرق الباطلة والدجل، والضلال والتعلقات بالأحياء والأموات، ويخلصها كذلك من إله المادة والتعلق بالطواغيت الماديين وكل مخلوق، فيطلق عزائمهم من قيود العبودية لغير الله والتعلقات بالأحياء والأموات، فيكون المؤمن مع الناس حرا عزيزا كريما، ومع الله عبدا خاضعا ذليلا خائفا، فهذا الذي يجب على العبد أن يعتني به أشد الاعتناء، ويحذر أشد الحذر أن ينحرف عنه؛ لأن الانحراف عنه هو الهلاك المحتم والخسران الأكبر والخلود في جهنم" (٣).

стр. 393

المسلم المؤمن بربه يتحرر من عبودية كل شيء سوى الله تعالى، فهو لا يرى لأحد عليه نعمة ولا فضل إلا للذي خلقه، فيرتبط قلبه بربه بعرى وثيقة، فلا يسجد ولا يخضع إلا للذي خلقه، ويتوكل على الله تعالى في كل شؤونه، فلا يطلب الرزق إلا من الله تعالى، ولا يخشى أحداً إلا الله تعالى. ٧٣. من ثمراته أن التوحيد أول ما يسأل عنه العبد في قبره: قال تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ [الصَّافَّات: ٢٤]. - قال ئالحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: "قال المفسرون: لما سيقوا إلى النار حبسوا عند الصراط لأن السؤال عند الصراط، فقيل: وقفوهم ﴿إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾. - قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: "عن لا إله إلا الله" (١). - قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: " ﴿وَقِفُوهُمْ﴾ أي: احبسوهم، وهذا قبل أن يدخلوا النار ﴿إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ عن لا إله إلا الله" (٢). قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ [إِبْرَاهِيم: ٢٧]. - عن البراء بن عازب (ت: ٧٢ هـ) ﵁ مرفوعاً: «المسلمُ إذا سُئِلَ في

стр. 394

القَبْرِ يَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فذلك قولُهُ تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إِبْرَاهِيم: ٢٧]» (١). - قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾، كلمة التوحيد، وهي قول: لا إله إلا الله ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يعني قبل الموت، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾، يعني في القبر. هذا قول أكثر أهل التفسير. وقيل: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: عند السؤال في القبر" (٢). - قال حافظ بن أحمد حكمي (ت: ١٣٧٧ هـ) ﵀: "وهذه الآية نصُّها في عذاب القبر بصريح الأحاديث، وباتِّفاق أئمة التفسير من الصحابة فالتابعين فمن بعدهم، وأن المراد بالتثبيت هو عند السؤال في القبر حقيقة"" (٣). ٧٤. من ثمراته أن قيام التوحيد مانع لقيام الساعة - عَنْ أَنَسٍ (ت: ٩٠ هـ) ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: اللَّهُ اللَّهُ» (٤). - عَنْ عبد الله بن عمرو (ت: ٦٥ هـ) ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ، فَيَبْعَثُ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ كَأَنَّهُ عُرْوَةُ

стр. 395

بْنُ مَسْعُودٍ فَيَطْلُبُهُ فَيُهْلِكُهُ، ثُمَّ يَمْكُثُ النَّاسُ سَبْعَ سِنِينَ لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّامِ فَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ أَوْ إِيمَانٍ إِلَّا قَبَضَتْهُ، حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ فِي كَبِدِ جَبَلٍ لَدَخَلَتْهُ عَلَيْهِ حَتَّى تَقْبِضَهُ، قَالَ: فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ لَا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُونَ مُنْكَرًا فَيَتَمَثَّلُ لَهُمْ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُ أَلَا تَسْتَجِيبُونَ؟ فَيَقُولُونَ: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ دَارٌّ رِزْقُهُمْ، حَسَنٌ عَيْشُهُمْ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ» (١). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وأخبر النبي ﷺ أن في آخر الزمان يرفع الله بيته من الأرض وكلامه من المصاحف وصدور الرجال فلا يبقى له في الأرض بيت يحج ولا كلام يتلى فحينئذ يقرب خراب العالم وهكذاالناس اليوم إنما قيامهم بقيام آثار نبيهم وشرائعه بينهم وقيام امورهم حصول مصالحهم واندفاع أنواع البلاء والشر عنهم بحسب ظهورها بينهم وقيامها. وهلاكهم وعنتهم وحلول البلاء والشر بهم عند تعطلها والإعراض عنها والتحاكم إلى غيرها واتخاذ سواها. ومن تأمل تسليط الله سبحانه على من سلطه على البلاد والعباد من الأعداء علم أن ذلك بسبب تعطيلهم لدين نبيهم وسننه وشرائعه فسلط الله عليهم من أهلكهم وانتقم منهم حتى إن البلاد التي لآثار الرسول ﷺ وسننه

стр. 396

وشرائعه فيها ظهور دفع عنها بحسب ظهور ذلك بينهم" (١). ٧٥. من ثمراته أن التوحيد يدخل الله به الجنة. - فعن عبادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، وأن النار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» (٢). - وفي حديث جابر بن عبد الله (ت: ٧٨ هـ) ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة» (٣). - وفي حديث عمر (ت: ٢٣ هـ) ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء" (٤). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ويعفى لأهل التوحيد المحض الذى لم يشوبوه بالشرك ما لا يعفى لمن ليس كذلك فلو لقى الموحد الذى لم يشرك

стр. 397

بالله شيئًا البتة ربه بقراب الأرض خطايا أتاه بقرابها مغفرة، ولا يحصل هذا لمن نقص توحيده وشابه بالشرك، فإن التوحيد الخالص الذى لا يشوبه شرك لا يبقى معه ذنب. فإنه يتضمن من محبة الله تعالى وإجلاله، وتعظيمه، وخوفه، ورجائه وحده ما يوجب غسل الذنوب" (١). ٧٦. من ثمراته أن التوحيد يمنع دخول النار بالكلية إذا كمل في القلب. ففي حديث عتبان بن مالك الأنصاري (ت: وسط خلافة معاوية) ﵁ عن النبي ﷺ : « … فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» (٢). - عن عبادة بن الصامت (ت: ٣٤ هـ) ﵁ مرفوعا: «من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، حرم الله عليه النار» (٣). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الكامل: هُوَ من كَانَ لله أطوع وعَلى مَا يُصِيبهُ أَصْبِر. فَكلما كَانَ أتبع لما يَأْمر الله بِهِ وَرَسُوله وَأعظم مُوَافقَة لله فِيمَا يُحِبهُ ويرضاه وصبرا على مَا قدره وقضاه كَانَ أكمل وَأفضل. وكل من نقص عَنْ هذَيْن كَانَ فِيهِ من النَّقْص بِحَسب ذَلِك" (٤).

стр. 398

- قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: "قولهتعالى: ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾ [فُصِّلَت: ٦]: "فمن كان له أصل الاستقامة في التوحيد أمن من النار بالخلود، ومن كان له كمال الاستقامة في الأصول والفروع أمن الوعيد" (١). - قال سليمان بن عبد الله آل الشيخ (ت: ١٢٣٣ هـ) ﵀: "وأحسن ما قيل في معناه ما قاله شيخ الإسلام وغيره: إن هذه الأحاديث إنما هي فيمن قالها ومات عليها كما جاءت مقيدة، وقالها خالصا من قلبه مستيقنا بها قلبه، غير شاك فيها بصدق ويقين، فإنحقيقة التوحيد انجذاب الروح إلى الله جملة، فمن شهد أن لا إله إلا الله خالصا من قلبه، دخل الجنة، لأن الإخلاص هو انجذاب القلب إلى الله تعالى بأن يتوب من الذنوب توبة نصوحا، فإذا مات على تلك الحال نال ذلك؛ فإنه قد تواترت الأحاديث بأنه يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، وما يزن خردلة، وما يزن ذرة، وتواترت بأن كثيرا ممن يقول: لا إله إلا الله يدخل النار ثم يخرج منها، وتواترت بأن الله حرم على النار أن تأكل أثر السجود من ابن آدم، فهؤلاء كانوا يصلون ويسجدون لله، وتواترت بأنه يحرم على النار من قال: لا إله إلا الله، ومن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، لكن جاءت مقيدة بالقيود الثقال، وأكثر من يقولها لا يعرف الإخلاص ولا اليقين، ومن لا يعرف ذلك يخشى عليه أن يفتن عنها عند الموت فيحال بينه وبينها، وأكثر من يقولها إنما

стр. 399

يقولها تقليدا أو عادة، ولم يخالط الإيمان بشاشة قلبه، وغالب من يفتن عند الموت وفي القبور أمثال هؤلاء كما في الحديث: سمعت الناس يقولون شيئا فقلته. وغالب أعمال هؤلاء إنما هو تقليد واقتداء بأمثالهم وهم أقرب الناس من قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾ [الزُّخْرُف: ٢٣]. وحينئذ فلا منافاة بين الأحاديث، فإنه إذا قالها بإخلاص ويقين تام، لم يكن في هذه الحال مصرا على ذنب أصلا، فإنه كمال إخلاصه ويقينه يوجب أن يكون الله أحب إليه من كل شيء، فإذا لا يبقى في قلبه إرادة لما حرم الله ولا كراهية لما أمر الله، وهذا هو الذي يحرم من النار، وإن كانت له ذنوب قبل ذلك، فإن هذا الإيمان، وهذه التوبة، وهذا الإخلاص، وهذه المحبة وهذا اليقين، لا يتركون له ذنبا إلا يمحى كما يمحى الليل بالنهار، فإذا قالها على وجه الكمال المانع من الشرك الأكبر والأصغر، فهذا غير مصر على ذنب أصلا، فيغفر له ويحرم على النار، وإن قالها على وجه خلص بهعلى الشرك الأكبر دون الأصغر، ولم يأت بعدها بما يناقض ذلك، فهذه الحسنة لا يقاومها شيء من السيئات، فيرجح بها ميزان الحسنات، كما في حديث البطاقة، فيحرم على النار ولكن تنقص درجته في الجنة بقدر ذنوبه، وهذا بخلاف من رجحت سيئاته على حسناته ومات مصرا على ذلك، فإنه يستوجب النار، وإن قال: لا إله إلا الله، وخلص بها من الشرك الأكبر، لكنه لم يمت على ذلك، بل أتى بعد ذلك بسيئات رجحت على حسنة توحيده، فإنه في حال قولها كان مخلصا، لكنه أتى بذنوب أوهنت ذلك التوحيد والإخلاص فأضعفته، وقويت نار الذنوب حتى أحرقت ذلك، بخلاف المخلص المستيقن، فإن حسناته لا تكون إلا راجحة

стр. 400

على سيئاته، ولا يكون مصرا على سيئة، فإن مات على ذلك دخل الجنة، وإنما يخاف على المخلص أن يأتي بسيئات راجحة يضعف إيمانه، فلا يقولها بإخلاص ويقين مانع من جميع السيئات، ويخشى عليه من الشرك الأكبر والأصغر، فإن سلم من الأكبر بقي معه من الأصغر، فيضيف إلى ذلك سيئات تنضم إلى هذا الشرك، فيرجح جانب السيئات، فإن السيئات تضعف الإيمان واليقين، فيضعف بذلك قول: لا إله إلا الله، فيمتنع الإخلاص في القلب، فيصير المتكلم بها كالهاذي أو النائم، أو من يحسن صوته بآية من القرآن من غير ذوق طعم ولا حلاوة، فهؤلاء لم يقولوها بكمال الصدق واليقين، بل يأتون بعدها بسيئات تنقص ذلك الصدق واليقين، بل يقولونها من غير يقين وصدق، ويموتون على ذلك ولهم سيئات كثيرة تمنعهم من دخول الجنة، وإذا كثرت الذنوب ثقل على اللسان قولها، وقسا القلب عن قولها، وكره العمل الصالح، وثقل عليه سماع القرآن، واستبشر بذكر غيره، واطمأن إلى الباطل واستحلى الرفث ومخالطة أهل الغفلة، وكره مخالطة أهل الحق، فمثل هذا إذا قالها قال بلسانه ما ليس في قلبه، وبفيه ما لا يصدق عمله، كما قال الحسن: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر فيالقلوب وصدقته الأعمال، فمن قال خيرا وعمل خيرا قبل منه، ومن قال شرا وعمل شرا لم يقبل منه. - وقال بكر بن عبد الله المزني (ت: ١٠٨ هـ) ﵀: "ما سبقهم أبو بكر ﵁، بكثرة صيام ولا صلاة، ولكن بشيء وقر في قلبه" (١).

стр. 401

فمن قال: لا إله إلا الله ولم يقم بموجبها، بل اكتسب مع ذلك ذنوبا وسيئات، وكان صادقا في قولها موقنا بها، لكن ذنوبه أضعاف أضعاف صدقه ويقينه، وانضاف إلى ذلك الشرك الأصغر العملي، رجحت هذه الأشياء على هذه الحسنة، ومات مصرا على الذنوب، بخلاف من يقولها بيقين وصدق تام، فإنه لا يموت مصرا على الذنوب، إما أن لا يكون مصرا على سيئة أصلا أو يكون توحيده المتضمن لصدقه ويقينه رجح حسناته. والذين يدخلون النار ممن يقولها قد فاتهم أحد هذين الشرطين: إما أنهم لم يقولوها بالصدق واليقين التامين المنافيين للسيئات، أو لرجحان السيئات، أو قالوها واكتسبوا بعد ذلك سيئات رجحت على حسناتهم، ثم ضعف لذلك صدقهم ويقينهم، ثم لم يقولوها بعد ذلك بصدق ويقين تام، لأن الذنوب قد أضعفت ذلك الصدق واليقين من قلوبهم، فقولها من مثل هؤلاء لا يقوى على محو السيئات بل ترجح سيئاتهم على حسناتهم. انتهى ملخصا" (١). ٧٧. من ثمراته أن التوحيد يمنع الخلود في النار إذا كان في القلب منه أدنى مثقال حبة من خردل وأنه إذا اكتمل في القلب يمنع دخول النار بالكلية. - عن عبادة بن الصامت (ت: ٣٤ هـ) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 402

«من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» (١). - عن أَنسٍ (ت: ٩٠ هـ) ﵁: "أن نبي الله ﷺ ، ومعاذ بن جبل رديفه على الرحل، قال: يا معاذ قال: لبيك رسول الله وسعديك، قال: يا معاذ قال: لبيك رسول الله وسعديك، قال: يا معاذ قال: لبيك رسول الله وسعديك، قال: ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار، قال: يا رسول الله، أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا، قال: إذا يتكلوا، فأخبر بها معاذ عند موته تأثما" (٢). - عن عتبان بن مالك الأنصاري (ت: وسط خلافة معاوية) ﵁ «فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله" (٣). - عن جابر (ت: ٧٨ هـ) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار» (٤). - عن أبي سعيد الخدري (ت: ٧٤ هـ) ﵁، قال: « … أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان … » (٥). - عن عبد الله بن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁ قال: يقول أهل النار لمن دخلها

стр. 403

من أهل التوحيد: قد كان هؤلاء مسلمين، فما أغنى عنهم؟! قال: فيغضب لهم ربهم فيدخلهم الجنة، فعند ذلك يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين" (١). - قال سعيد بن محمد الغساني ويعرف بأبي عثمان بن الحداد (ت: ٣٠٢ هـ) ﵀ عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النِّسَاء: ٤٨]: "إن الله تعالى لا يخلد في النار من عمل عملا مقبولا منه، إذ قبول العمل يوجب ثوابه، والتخليد في العذاب يمنع ثواب الأعمال، وقد أخبر الله تعالى في كتابه الصادق به ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النِّسَاء: ٤٠]، وترك المثوبة على الإحسان ظلم، تعالى الله عن ذلك" (٢). - قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: "وفي تفسير السدي رحمة الله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هُود: ١٠٧] يعني: ما نقص لأهل التوحيد الذين أخرجوا من النار" (٣). - قال علي بن خلف بن عبد الملك ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) ﵀: "وأما قوله فى حديث أبى ذر: «من قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك دخل الجنة وإن زنا وإن سرق». وقول البخارى: فقال هذا عند الموت إذا تاب وندم وقال: لا إله إلا الله، غفر له. هذا تفسير يحتاج إلى تفسير آخر، وذلك أن التوبة والندم إنما تنفع فى الذنوب التى بين العبد وبين ربه، فأما مظالم العباد فلا تسقطها عنه التوبة.

стр. 404

ومعنى الحديث أن من مات على التوحيد أنه يدخل الجنة وإن ارتكب الذنوب، ولا يخلد فى النار بذنوبه كما يقوله الخوارج وأهل البدع" (١). - قال النووي (ت: ٦٧٦ هـ) ﵀: "لا يخلد في النار أحد مات على التوحيد، وهذه قاعدة متفق عليها عند أهل السنة" (٢). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "ولا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد بل يخرج من النار من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان أو مثقال شعيرة من إيمان أو مثقال ذرة من إيمان" (٣). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ولذلك كان مثقال ذرة من إيمان بالله ورسوله يخلص من الخلود في دار الآلام فكيف بالإيمان الذي يمنع من دخولها" (٤). - قال الشيخ حافظ بن أحمد حكمي (ت: ١٣٧٧ هـ) ﵀: "فاعلم أن الذي أثبتته الآيات القرآنية والسنن النبوية ودرج عليه السلف الصالح والصدر الأول من الصحابة والتابعين لهم بإحسان من أئمة التفسير والحديث والسنة أن العصاة من أهل التوحيد على ثلاث طبقات:

стр. 405

الأولى: قوم رجحت حسناتهم بسيئاتهم، فأولئك يدخلون الجنة ولا تمسهم النار أبدا. الثانية: قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار، وهؤلاء هم أصحاب الأعراف الذين ذكر الله تعالى أنهم يقفون بين الجنة والنار ما شاء الله أن يقفوا ثم يؤذن لهم في دخول الجنة كما قال الله تعالى بعد أن أخبر بدخول أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، وتناديهم فيها، قال: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ٤٦] إلى قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ٤٩] الطبقة الثالثة: قوم لقوا الله تعالى مصرين على كبائر الإثم والفواحش ومعهم أصل التوحيد والإيمان، فرجحت سيئاتهم بحسناتهم، فهؤلاء هم الذين يدخلون النار بقدر ذنوبهم، ومنهم من تأخذه إلى كعبيه ومنهم من تأخذه إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، حتى أن منهم من لم يحرم الله منه على النار إلا أثر السجود، وهذه الطبقة هم الذين يأذن الله تعالى في الشفاعة فيهم لنبينا محمد ﷺ ولغيره من بعده من الأنبياء والأولياء والملائكة ومن شاء الله أن يكرمه، فيحد لهم حدا فيخرجونهم، ثم يحد لهم حدا فيخرجونهم وهكذا فيخرجون من كان في قلبه وزن دينار من خير، ثم من كان في قلبه وزن نصف دينار من خير، ثم من كان في قلبه وزن برة من خير، إلى أن يخرجوا منها من في قلبه وزن ذرة من خير، إلى أدنى من مثقال ذرة إلى أن

стр. 406

يقول الشفعاء: ربنا لم نذر فيها خيرا. ولن يخلد في النار أحد ممن مات على التوحيد ولو عمل أي عمل، ولكن كل من كان منهم أعظم إيمانا وأخف ذنبا كان أخف عذابا في النار وأقل مكثا فيها وأسرع خروجا منها، وكل من كان أعظم ذنبا وأضعف إيمانا كانبضد ذلك، والأحاديث في هذا الباب لا تحصى كثرة وإلى ذلك أشار النبي ﷺ بقوله: «من قال: لا إله إلا الله نفعته يوما من الدهر يصيبه قبل ذلك ما أصابه» (١)؛ وهذا مقام ضلت فيه الأفهام وزلت فيه الأقدام واختلفوا فيه اختلافا كثيرا: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾ [البَقَرَةِ: ٢١٣] " (٢). ٧٨. من ثمراته أن الأعمال والأقوال متوقفة في قبولها وكمالها على التوحيد. فجميع الأعمال، والأقوال الظاهرة والباطنة متوقفة في قبولها وفي كمالها، وفي ترتيب الثواب عليها على التوحيد، فكلما قوي التوحيد والإخلاص لله كملت هذه الأمور وتمّت. وفي السُّنة النبوية دلالةٌ على عدم نفع الأعمال لمن لم يوفِّ حقَّ التوحيد وأشرَكَ بالله تعالى؛

стр. 407

- فعن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) رضي الله تعالى عنه قال: قال النبيُّ ﷺ : «قال اللهُ ﵎: أنا أغنَى الشركاءِ عن الشركِ؛ مَنْ عمِل عملًا أشرَكَ فيه معِي غيرِي، تركتُه وشِركَه» (١). - عن أم المؤمنين عائشة (ت: ٥٨ هـ) ﵂ قالت: يا رسولَ اللهِ، ابنُ جُدْعَانَ كان في الجاهليةِ يصلُ الرَّحِمَ، ويُطعِمُ المسكينَ، فهلْ ذاكَ نافعُهُ؟ قال: «لا ينفعهُ؛ إنهُ لم يقُلْ يومًا: ربِّ اغفرْ لي خَطيئتي يومَ الدِّينِ» (٢). - قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [الأَحْزَاب: ٧١] لا يقبل العمل إلا ممن قال: لا إله إلا الله، مخلصا من قلبه" (٣). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "ففعل جميع المأمورات وترك جميع المحظورات يدخل في التوحيد في قول: لا إله إلا الله؛ فإنه من لم يفعل الطاعات لله ويترك المعاصي لله: لم يقبل الله عمله، قال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾ [المَائِدَة: ٢٧] " (٤). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "العمل بغير إخلاصٍ ولا اقتداءٍ؛ كالمسافر يملأُ جرابه رملاً يُثقله ولا ينفعه" (٥).

стр. 408

- قال سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري الحنبلي (ت ٧١٦ هـ) ﵀: " ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [مُحَمَّد: ١٩] يحتج به على تقديم أصول الدين كالتوحيد على فروعه كالاستغفار وغيره؛ لتقديمه التوحيد هاهنا، ولأن رتبة الأصل قبل رتبة الفرع، وعلى أن المعتبر في الأصول العلم لا غيره" (١). - قال أبو السعود العمادي محمد بن محمد بن مصطفى (ت: ٨٩٨ هـ) ﵀: " ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فُصِّلَت: ٣٠] أي جمعوا بين التوحيد الذي هو خلاصة العلم، والاستقامة في أمور الدين التي هي منتهى العمل؛ وثم للدلالة على تراخي رتبة العمل وتوقف الاعتداد به على التوحيد" (٢). - قال محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي (ت ١٢٠٦ هـ) ﵀ "فمعلوم أن التوحيد هو أعظم فريضة جاء بها النبي ﷺ وهو أعظم من الصلاة والزكاة والصوم والحج فكيف إذا جحد الإنسان شيئا من هذه الأمور كفر، ولو عمل بكل ما جاء به الرسول، وإذا جحد التوحيد الذي هو دين الرسل كلهم لا يكفر، سبحان الله ما أعجب هذا الجهل" (٣). - قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "جميع الأعمال متوقفة في صحتها وقبولها على التوحيد" (٤).

стр. 409

- قال محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ (ت: ١٣٨٩ هـ) ﵀: "فالحاصل أنه لو قدر أن التوحيد بعض المذكورات لكان جحده كفرًا، فكيف وهو أساس ذلك كله؟! بل التوحيد قد يكفي وحده في إسلام العبد ودخوله الجنة؛ فإنه إذا تكلم بكلمة التوحيد ثم توفى قبل وجوب شيء من الفروع عليه كفى التوحيد وحده؛ فالتوحيد ليس فقيرا إليها بل هي الفقيرة إليه في صحتها" (١). ٧٩. من ثمراته أن الكمل من أهل التوحيد يدخلون الجنة بغير حساب. - عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ قال: قال النبي ﷺ : «عُرضت عليّ الأمم، فأخذ النبي يمر معه الأمة، والنبي يمر معه النفر، والنبي يمر معه العشرة، والنبي يمر معه الخمسة، والنبي يمر وحده، فنظرت فإذا سواد كثير، قلت: يا جبريل، هؤلاء أمتي؟ قال: لا، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد كثير. قال: هؤلاء أمتك، وهؤلاء سبعون ألفاً قدامهم لا حساب عليهم ولا عذاب، قلت: ولم؟ قال: كانوا لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون، فقام إليه عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: اللهم اجعله منهم. ثم قام إليه رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: سبقك بها عكاشة» (٢). - عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 410

«أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها ولا يمتخطون، ولا يتغوطون، آنيتهم فيها الذهب، أمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامرهم الأَلُوَّة، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب رجل واحد، يسبحون الله بكرة وعشياً» (١). - عن سهل بن سعد (ت: ٩٠ هـ) ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفاً أو سبعمائة ألف لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، وجوههم على صورة القمر ليلة البدر» (٢). - عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ وفي الحديث: «هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون» (٣) فالمشار إليهم في الحديث هم في منزلة عالية من هذه الأمة لمزايا خاصة اختصوا بها تتعلق بالتوحيد. ٨٠. من ثمراته أن كلمة التوحيد توجب البراءة من الشرك وأهله. - قال ابن تيمية: "فإن أهل الملل متفقون على أن الرسل جميعهم نهوا من عبادة الأصنام، وكفروا من يفعل ذلك، وأن المؤمن لا يكون مؤمنا حتى يتبرأ من عبادة الأصنام وكل معبود سوى الله، كما قال الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ

стр. 411

دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [المُمْتَحنَة: ٤]. وقال الخليل: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧)﴾ [الشُّعَرَاء: ٧٥ - ٧٧] .. وقال الخليل لأبيه وقومه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧)﴾ [الزُّخْرُف: ٢٦ - ٢٧]. وقال الخليل وهو إمام الحنفاء، الذي جعل الله في ذريته النبوة والكتاب، واتفق أهل الملل على تعظيمه لقوله: ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ [الأَنْعَام: ٧٨ - ٧٩] " (١). ٨١. من ثمراته أن كلمة التوحيد فيها تبرئة من الشرك الأصغر وتكفره. - قال ابن تيمية: "ظلم العبد نفسه كبخله لحب المال ببعض الواجب هو شرك أصغر، وحبه ما يبغضه الله حتى يكون يقدم هواه على محبة الله شرك أصغر ونحو ذلك. فهذا صاحبه قد فاته من الأمن والاهتداء بحسبه ولهذا كان السلف يدخلون الذنوب في هذا الظلم بهذا الاعتبار" (٢). وجاء في الحديث: «الشركُ أخفَى في أمتي من دبيبِ النملِ على الصَّفا،

стр. 412

فقال أبو بكرٍ: فكيف النجاةُ من ذلك؟ فقال: يا أبا بكرٍ ألا أُعلِمُكَ شيئًا إذا قلتَه برِئتَ من قليلِهِ وكثيرِهِ، قلِ: اللهمَّ إني أعوذُ بك أن أُشرِكَ وأنا أعلمُ، وأستغفرُك مما لا أعلم» (١). ٨٢. من ثمراته أن التوحيد يُسَهِّل على العبد فعل الخيرات، وترك المنكرات. التوحيد إذا كَمُل في القلب حبّب الله لصاحبه الإيمان، وزيّنه في قلبه، وكرَّه إليه الكفر والفسوق والعصيان، وجعله من الراشدين. - قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "التوحيد إذا كَمُل في القلب حبّب الله لصاحبه الإيمان، وزيّنه في قلبه، وكرَّه إليه الكفر والفسوق والعصيان، وجعله من الراشدين" (٢). فالموحِّد المخلص لله في توحيده تخفُّ عليه الطاعات؛ لِمَا يرجو من ثواب ربه ورضوانه، ويهوِّن عليه ترك ما تهواه النفس من المعاصي؛ لِمَا يخشى من سخط الله وعقابه.

стр. 413

٨٣. من ثمراته أن التوحيد يشرح الصدر ويخفف عن العبد المكاره، ويهوِّن عليه الآلام، ويسلِّيه عن المصائب. قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥)﴾ [الأَنْعَام: ١٢٥]. - قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ يقول: "يوسع قلبه للتوحيد والإيمان به" (١). - عن ابن جريج (ت: ١٥٠ هـ) ﵀، قوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾، بـ "لا إله إلا الله" (٢). - قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ﴾ لدينه، ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾، نزلت في النبي ﷺ ، يعني يوسع قلبه، ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ﴾ عن دينه، ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا﴾ بالتوحيد، يعني أبا جهل، حتى لا يجد التوحيد من الضيق مجازا، ثم قال: ﴿حَرَجًا﴾ شكا، ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾، يقول: هو بمنزلة المتكلف الصعود إلى السماء لا يقدر عليه، ﴿كَذَلِكَ﴾، يعني هكذا، ﴿يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ﴾، يقول: الشر، ﴿عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥)﴾ بالتوحيد" (٣).

стр. 414

- قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: عند تفسير قوله تعالى: ﴿* قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سَبَإ: ٤٦] "ومن وحد الله حق التوحيد يشرح الله صدره ويرفع في الآخرة قدره" (١). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ): "التوحيد، وعلى حسب كماله وقوته وزيادته يكون انشراح صدر صاحبه. قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزُّمَر: ٢٢] " (٢). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "من وطَّن قلبه عند ربه سكن واستراح، ومن أرسله في الناس اضطرب، واشتد به القلق" (٣). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فأتبع الناس لرسوله ﷺ أشرحهم صدرا، وأوضعهم وزرا، وأرفعهم ذكرا، وكلما قويت متابعته علما وعملا وحالا وجهادا، قويت هذه الثلاثة حتى يصير صاحبها أشرح الناس صدرا، وأرفعهم في العالمين ذكرا. وأما وضع وزره فكيف لا يوضع عنه ومن في السماوات والأرض ودواب البر والبحر يستغفرون له؟ وهذه الأمور الثلاثة متلازمة، كما أضدادها متلازمة،

стр. 415

فالأوزار والخطايا تقبض الصدر وتضيقه، وتخمل الذكر وتضعه، وكذلك ضيق الصدر يضع الذكر ويجلب الوزر، فما وقع أحد في الذنوب والأوزار إلا من ضيق صدره وعدم انشراحه، وكلما ازداد الصدر ضيقا كان أدعى إلى الذنوب والأوزار، لأن مرتكبها إنما يقصد بها شرح صدره، ودفع ما هو فيه من الضيق والحرج، وإلا فلو اتسع بالتوحيد والإيمان ومحبة الله ومعرفته وانشرح بذلك لاستغنى عن شرحه بالأوزار" (١). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀ عن انشراح الصدر، ووضع الوزر، ورفع الذكر"لا يزال المطيع لله ورسوله الذي باشر قلبه روح التوحيد وتجريده ومحبة الله ورسوله وامتثال أمره دائرا بين تلك المنازل الثلاث" (٢). - قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "يقول تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأَنْعَام: ١٢٥] أي: ييسره له وينشطه ويسهله لذلك، فهذه علامة على الخير، كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢)﴾ [الزُّمَر: ٢٢] وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧)﴾ [الحُجُرَات: ٧] " (٣). - قال محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الإيجي ﵀ (ت: ٩٠٥ هـ

стр. 416

تقريبًا): " ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ﴾ [الأَنْعَام: ١٢٥]: يوسع قلبه، ﴿لِلْإِسْلَامِ﴾: للتوحيد" (١). - قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "يقول تعالى مبينا لعباده علامة سعادة العبد وهدايته، وعلامة شقاوته وضلاله: إن من انشرح صدره للإسلام، أي: اتسع وانفسح، فاستنار بنور الإيمان، وحيي بضوء اليقين، فاطمأنت بذلك نفسه، وأحب الخير، وطوعت له نفسه فعله، متلذذا به غير مستثقل، فإن هذا علامة على أن الله قد هداه، ومَنَّ عليه بالتوفيق، وسلوك أقوم الطريق" (٢). فبحسب كمال التوحيد في قلب العبد يتلقَّى المكاره والآلام بقلب منشرح ونفس مطمئنة، وتسليمٍ ورضًا بأقدار الله المؤلمة، وهو من أعظم أسباب انشراح الصدر. - قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "فبحسب تكميل العبد للتوحيد والإيمان، يتلقى المكاره والآلام بقلب منشرح ونفس مطمئنة وتسليم ورضا بأقدار الله المؤلمة" (٣). - قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "ومن فضائله:

стр. 417

أنه السبب الأعظم لتفريج كربات الدنيا والآخرة ودفع عقوبتهما" (١). - قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "ومن فضائله: أنه يسهل على العبد فعل الخير وترك المنكرات ويسليه عن المصيبات، فالمخلص لله في إيمانه وتوحيده تخف عليه الطاعات لما يرجو من ثواب ربه ورضوانه، ويهون عليه ترك ما تهواه النفس من المعاصي، لما يخشى من سخطه وعقابه" (٢). - قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: "فإذا رأيت من نفسك أن صدرك ينشرح بالطاعة، وأنه يضيق بالمعصية، فهذه بشرى بشرى لك أنك من عباد الله المؤمنين وأوليائه المتقين، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (جعلت قرة عيني في الصلاة) " (٣). قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢)﴾ [الزُّمَر: ٢٢]. - قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ يقول: أفمن وسع الله قلبه للتوحيد ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ﴾ يعني على هدى ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾ يعني النبي ﷺ ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ﴾ يعني الجافية ﴿قُلُوبُهُمْ﴾

стр. 418

فلم تلن، يعني أبا جهل ﴿مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ يعني عن توحيد الله ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢)﴾ آية يعني أبا جهل يقول الله تعالى للنبي ﷺ : ليس المشرح صدره بتوحيد الله كالقاسي قلبه ليسا بسواء" (١). - قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "يقول تعالى ذكره: أفمن فَسَح الله قلبه لمعرفته، والإقرار بوحدانيته، والإذعان لربوبيته، والخضوع لطاعته ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزُّمَر: ٢٢] يقول: فهو على بصيرة مما هو عليه ويقين، بتنوير الحقّ في قلبه، فهو لذلك لأمر الله متبع، وعما نهاه عنه منته فيما يرضيه، كمن أقسى الله قلبه، وأخلاه من ذكره، وضيّقه عن استماع الحق، واتّباع الهدى، والعمل بالصواب؟ وترك ذكر الذي أقسى الله قلبه" (٢). - قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: " ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الزُّمَر: ٢٢] أي: وسع ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزُّمَر: ٢٢] أي: ذلك النور في قلبه ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [الزُّمَر: ٢٢] الآية: أي: أن الذي شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ليس كالقاسي قلبه الذي هو في ضلال مبين عن الهدى؛ يعني: المشرك" (٣). - قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: " وقوله: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزُّمَر: ٢٢] معناه: على بصيرة ويقين من توحيد ربه" (٤).

стр. 419

- قال علي بن يحيى السمرقندي (ت: ٨٨٠ هـ تقريبًا) ﵀: " ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الزُّمَر: ٢٢] يعني: وسع الله قلبه للإسلام. ويقال: لين الله قلبه لقبول التوحيد، ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزُّمَر: ٢٢] يعني: على هدى من الله تعالى" (١). - قال أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني (ت: ٨٨٠ هـ) ﵀: "ذكر الله يوجب النور والهداية والاطمئنان في النفوس الطاهرة الروحانيَّة، ويوجب القَسْوَة والبعد عن الحقّ في النفوس الخبيثة الشَّيْطَانِيَّة" (٢). - قال يحيى بن معاذ الرازي (ت: ٢٥٨ هـ) ﵀: "ما جفت الدموع إلا لقساوة القلوب، وما قست القلوب إلا لكثرة الذنوب، وما كثرت الذنوب إلا من كثرة العيوب" (٣). ٨٤. من ثمراته أن التوحيد أول ما يتم البدء به مع الأطفال في تعليمهم. - قال الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "فإذا كان وقت نطقهم فليلقّنوا لا إله إلا الله محمد رسول الله وليكن أول ما يقرع مسامعهم معرفة الله سبحانه، وتوحيده، وأنه سبحانه فوق عرشه، ينظر إليهم، ويسمع كلامهم، وهو معهم أينما كانوا" (٤).

стр. 420

- قال ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ) ﵀: "كان السلف إذا نشأ لأحدهم ولد؛ شغلوه بحفظ القرآن وسماع الحديث، فيثبت الإيمان في قلبه" (١). ٨٥. من ثمراته أن الله يدفع عن الموحدين أهل الإيمان شرور الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿* إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨)﴾ [الحَج: ٣٨]. - قال ابن كثير: "يخبر تعالى أنه يدفع عن عباده الذين توكلوا عليه وأنابوا إليه شر الأشرار وكيد الفجار، ويحفظهم ويكلؤهم وينصرهم، كما قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزُّمَر: ٣٦] وقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطَّلَاق: ٣] " (٢). - قال البغوي: "يدفع غائلة المشركين عن المؤمنين ويمنعهم عن المؤمنين. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨)﴾ [الحَج: ٣٨]، أي: خوان في أمانة الله كفور لنعمته، قال ابن عباس: خانوا الله فجعلوا معه شريكا وكفروا نعمه" (٣).

стр. 421

٨٦. من ثمراته أن الله يمن على أهل التوحيد بالحياة الطيبة والطمأنينة إليه والطمأنينة بذكره. قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأَنْعَام: ١٢٢]. - قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: "والنور عبارة عن الهدى والإيمان" (١). قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النَّحْل: ٩٧]. - عن علي بن أبي طالب (ت: ٤٠ هـ) ﵁ أنه فسرها بالقناعة. وكذا قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ)، وعكرمة (ت: ١٠٥ هـ)، ووهب بن منبه (ت: ١١٤ هـ) " (٢). - قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ "إنها السعادة" (٣). - عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄، وجماعة أنهم فسروها: "بالرزق الحلال الطيب" (٤).

стр. 422

- قال الضحاك بن مزاحم (ت: ١٠٢ هـ) ﵀: "هي الرزق الحلال والعبادة في الدنيا" (١). - قال الضحاك بن مزاحم (ت: ١٠٢ هـ) ﵀ أيضا: "هي العمل بالطاعة والانشراح بها" (٢). - قال الحسن البصري (ت: ١١٠ هـ) ﵀: "تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء: في الصلاة وفي الذكر وقراءة القرآن فإن وجدتم وإلا فاعلموا أن الباب مغلق" (٣). - قال الحسن البصري (ت: ١١٠ هـ) ﵀، ومجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀، وقتادة (ت: ١١٨ هـ) ﵀: "لا يطيب لأحد حياة إلا في الجنة" (٤). - قالوا للخليل بن أحمد الفراهيدي (ت: ١٧٠ هـ) ﵀: ما الإيمان؟ قال: الطمأنينة" (٥). - قال جعفر الصادق (ت: ١٤٨ هـ): "هي المعرفة بالله، وصدق المقام بين يدي الله" (٦).

стр. 423

- قال أبو بكر الوراق (ت: ٢٤٠ هـ) ﵀: "هي حلاوة الطاعة" (١). - قال سهل بن عبد الله التستري (ت: ٢٨٣ هـ) ﵀: "هي أن ينزع عن العبد تدبيره ويرد تدبيره إلى الحق" (٢). قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: "وقيل هي السعادة، وقيل: الاستغناء عن الخلق والافتقار إلى الحق. وقيل: الرضا بالقضاء" (٣). - قال ابن تيمية: (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: " قال ابن تيمية: "الْعَبْدَ لَا يَطْمَئِنُّ إلَى نَفْسِهِ؛ فَإِنَّ الشَّرَّ لَا يَجِيءُ إلَّا مِنْهَا؛ وَلَا يَشْتَغِلُ بِمَلَامِ النَّاسِ وَذَمِّهِمْ، وَلَكِنْ يَرْجِعُ إلَى الذُّنُوبِ فَيَتُوبُ مِنْهَا وَيَسْتَعِيذُ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّ نَفْسِهِ وَسَيِّئَاتِ عَمَلِهِ، وَيَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُعِينَهُ عَلَى طَاعَتِهِ؛ فَبِذَلِكَ يَحْصُلُ لَهُ الْخَيْرُ وَيُدْفَعُ عَنْهُ الشَّرُّ" (٤). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "سر عظيم من أسرار التوحيد، وهو أن القلب لا يستقر ولا يطمئن ويسكن إلا بالوصول إليه، وكل ما سواه مما يحب ويراد فمراد لغيره، وليس المراد المحبوب لذاته إلا واحدا إليه المنتهى، ويستحيل أن يكون المنتهى إلى اثنين كما يستحيل أن يكون ابتداء المخلوقات من اثنين، فمن كان انتهاء محبته ورغبته وإرادته وطاعته إلى غيره بطل عليه ذلك، وزال عنه وفارقه أحوج ما كان إليه، ومن كان انتهاء محبته ورغبته ورهبته

стр. 424

وطلبه هو سبحانه ظفر بنعمه ولذته وبهجته وسعادته أبد الآباد" (١). - قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "هذا وعد من الله تعالى لمن عمل صالحا وهو العمل المتابع لكتاب الله تعالى وسنة نبيه من ذكر أو أنثى من بني آدم، وقلبه مؤمن بالله ورسوله، وإن هذا العمل المأمور به مشروع من عند الله بأن يحييه الله حياة طيبة في الدنيا وأن يجزيه بأحسن ما عمله في الدار الآخرة. والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت. والصحيح أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله" (٢). - قال تعالى عن يوسف ﵇: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾ [يُوسُف: ٢٤]. - قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "وذلك أن من أخلصه الله لنفسه فاختاره، فهو مُخْلِصٌ لله التوحيدَ والعبادة،، ومن أخلص توحيدَ الله وعبادته فلم يشرك بالله شيئًا، فهو ممن أخلصه الله" (٣). ٨٧. من ثمراته أن التوحيد غذاء الإنسان وقوته وصلاحه وقوامه. - قال قتادة (ت: ١١٨ هـ) ﵀ وغيره من السلف: "إن الله سبحانه لم يأمر العباد بما أمرهم به لحاجته إليه، ولا نهاهم عنه بخلًا منه، بل أمرهم بما فيه

стр. 425

صلاحهم، ونهاهم عما فيه فسادهم" (١). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الإيمان بالله وعبادته ومحبته وإجلاله هو غذاء الإنسان وقوته وصلاحه وقوامه كما عليه أهل الإيمان، وكما دل عليه القرآن، لا كما يقول من يعتقد من أهل الكلام ونحوهم: إن عبادته تكليف ومشقة وخلاف مقصود القلب لمجرد الامتحان والاختبار، أو لأجل التعويض بالأجرة كما يقوله المعتزلة وغيرهم؛ فإنه وإن كان فى الأعمال الصالحة ما هو على خلاف هوى النفس، والله ـ سبحانه يأجر العبد على الأعمال المأمور بها مع المشقة، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ﴾ [التَّوْبَة: ١٢٠]، وقال ﷺ لعائشة (ت: ٥٨ هـ) ﵂: «أجرك على قدر نصبك» ـ فليس ذلك هو المقصود الأول بالأمر الشرعى، وإنما وقع ضمنا وتبعا لأسباب ليس هذا موضعها، وهذا يفسر فى موضعه. ولهذا لم يجئ فى الكتاب والسنة وكلام السلف إطلاق القول على الإيمان والعمل الصالح: أنه تكليف، كما يطلق ذلك كثير من المتكلمة والمتفقهة، وإنما جاء ذكر التكليف فى موضع النفى، كقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٦]، ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ [النِّسَاء: ٨٤] ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطَّلَاق: ٧] أى: وإن وقع فى الأمر تكليف، فلا يكلف إلا قدر الوسع، لا أنه
следующие страницы →