← Тафсир

Тафсир · id 30149

تعقبات جمال الدين القاسمي على من سبقه من خلال كتابه محاسن التأويل

عبد الرحمن الحسن

Полный текст (1 202 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

١٧٤ - قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [سورة الشورى: ٥١]. استدل مالك بقوله: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ على أن من حلف لا يكلم زيدا، فأرسل إليه رسولا أو كتابا، أنه يحنث. لأنه تعالى استثناه من الكلام، فدل على أنه منه (١). قال القاسمي: وفيه بعد. إذ لا يقال لمن ألهمه الله، إنه كلمه إلا مجازا. فلا يكون الاستثناء متصلا (٢). • أقوال أهل العلم في الاستثناء وما يترتب عليه من معنى في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾: القول الأول: أن الاستثناء متصل، وعليه: يكون الوحي بمعنى الكلام، أو نوعًا من الكلام. القول الثاني: أن الاستثناء منفصل، وعليه: يكون الوحي بمعنى الالهام أو الاعلام، وليس بمعنى الكلام. أصحاب القول الأول: العمراني: "الاستثناء إنما يكون من جنس المستثنى منه، ولقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ والوحي: هو الرسالة، فدل على أن الوحي كلام. ولأن الجميع وضع لتفهيم الآدمي، فأشبه الكلام" (٣). ابن الحاجب (٤): " ويجوز أن يكون استثناء منقطعا، وليس بواضح إذ المفهوم من

стр. 1017

سياق الكلام بيان حصول التكليم من الله لبشر، ولأنه لا ينبغي أن يعدل إلى المنقطع إلا بعد تعذر المتصل. والله أعلم" (١). ابن عاشور: "إسناد فعل يكلمه إلى الله إسناد مجازي عقلي. وبهذا الاعتبار صار استثناء الكلام الموصوف بأنه وحي استثناء متصلا " (٢). أصحاب القول الثاني: أبو علي الفارسي: " ويجوز في قوله: ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾ أمران: أحدهما: أن يكون استثناء منقطعا، والآخر أن يكون حالا" (٣). ابن رشد: " روى عن مالك: أنه لا يُنَوَّى فيهما جميعا - يعني نوى أن يكلمه بإرسال رسول أم لم ينوي-، وتلا قول الله : ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ الآية، وهو بعيد؛ لأن الصحيح في هذا الاستثناء إنما استثناء منفصل مقدر بـ (لكن) " (٤). أبو البقاء: " ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾: استثناء منقطع؛ لأن الوحي ليس بتكليم" (٥). • دراسة المسألة: من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم، واستقراء ما قيل في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن أن الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾ منفصل، وذلك من أوجه: أولا: أن الاستثناء المتصل يجب أن يكون المستثنى منه من جنس الكلام، كما تقول حضر الطلاب إلا زيدا، أو قام القوم إلا زيداً، وأما في هذه الآية فالمستثنى منه ليس من

стр. 1018

جنس المستثنى، فهناك فرق بين الكلام وفرق بين الوحي وإرسال الرسول. فالوحي هو: إلقاء وإلهام، وليس بتكليم، وكذا إرسال الرسول ليس بتكليم (١). ومن الشواهد على ذلك قوله تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [سورة آل عمران: ٤١] فاستثني الرمز من الكلام، والرمز ليس من جنس الكلام، وهكذا في هذه الآية، فالكلام ليس من جنس الوحي (٢). الثاني: سياق الآية الذي دل على أن الاستثناء منفصل، إذ لو كان الوحي بمعنى الكلام في هذه الآية، للزم أن يقع في الآية تكرار وهذا محال، وذلك لأن قوله تعالى في الآية ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ يدل على أن هذا النوع من الوحي كلام حقيقي، وكما هو معلوم أن الذي كلمه الله تعالى من وراء حجاب هو موسى ﵇، كما ذكر هذا جمع من المفسرين (٣). الثالث: مما يدل على أن الاستثناء منفصل وأن الوحي ليس كالتكليم: ما جاء عن الزهري أنه سئل عن قول الله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ الآية. قال: نزلت هذه الآية تعم من أوحى الله إليه من النبيين، فالكلام: كلام الله الذي كلم به موسى من وراء حجاب، والوحي: ما يوحي الله به إلى نبي من أنبيائه، فيثبت الله ما أراد من وحيه في قلب النبي فيتكلم به النبي ويبينه، وهو كلام الله ووحيه، ومنه ما يكون بين الله ورسله لا يكلم به أحد من الأنبياء أحدا من الناس، ولكنه سر غيب بين الله ورسله، ومنه ما يتكلم به الأنبياء ولا يكتبونه لأحد، ولا يأمرون بكتابته، ولكنهم يحدثون به الناس حديثا، ويبينون لهم أن الله أمرهم أن يبينوه للناس ويبلغوهم، ومن الوحي ما يرسل الله به من يشاء من اصطفى

стр. 1019

من ملائكته فيكلمون أنبياءه، ومن الوحي ما يرسل به إلى من يشاء فيوحون به وحيا في قلوب من يشاء من رسله" (١). تنبيه: ابن تيمية ﵀ له كلام حسن في بيان الفرق بين الوحي والتكليم في الآية، إذ يقول: "وقد دل كتاب الله على أن اسم الوحي والكلام في كتاب الله فيها عموم وخصوص، فإذا كان أحدهما عاما اندرج فيه الآخر، كما اندرج الوحي في التكليم العام في هذه الآية؛ يعني قوله : ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾. واندرج التكليم في الوحي العام؛ حيث قال تعالى: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [سورة طه: ١٣]. وأما التكليم الخاص الكامل فلا يدخل فيه الوحي الخاص الخفي الذي يشترك فيه الأنبياء وغيرهم .... إلخ (٢). ولا شك بأن قوله حسن وله حظ من النظر، ولعل الأقرب للصوام ما تقدم إيراده، والله أعلم. • النتيجة: يتبين من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الأقرب للصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن أن الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾ منفصل، بخلاف ما ذهب إليه القاسمي ﵀، لما تقدم إيراده من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.

стр. 1020

سورة الزخرف

стр. 1021

سورة الزخرف ١٧٥ - قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [سورة الزخرف: ٣٣]. قال القاسمي: ما قدمناه من أن معنى ولولا أن يكون الناس أمة واحدة على تقدير (لولا كراهة ذلك) وأن معنى كونهم أمة واحدة اجتماعهم على أمر واحد وهو الكفر، أي أن كراهة الاجتماع على الكفر هي المانعة من تمتيع الكافر بها على الوجه المذكور- هو ما ذكره المفسرون ..... إلى أن قال: وعندي أن لا حاجة لتقدير الكراهة. وأن معنى الآية غير ما ذكروه. وذلك أن المعنى: لولا أن يكونوا خلقوا ليكونوا أمة واحدة، للترافد والتعاون والتضام، وما به قوام حياتهم كالجسم الواحد … إلى أن قال: فليس المعنى على ما ذكروه أبدا كما يظهر واضحا لمن أنعم النظر .. إلخ (١). • أقوال أهل العلم في المراد من قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً﴾ (٢): القول الأول: أن المراد: لولا كراهية اجتماعهم على الكفر. القول الثاني: أن المراد: لولا أن يكون الناس أمة واحدة على طلب الدنيا ورفض الآخرة. أصحاب القول الأول: ابن عباس ﵁: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ يقول الله سبحانه: «لولا أن أجعل الناس كلهم كفارا، لجعلت للكفار لبيوتهم سقفا من فضة» وبنحو ذلك روي عن الحسن، وقتادة، والسدي (٣).

стр. 1022

البغوي: " ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي: لولا أن يصيروا كلهم كفارا فيجتمعون على الكفر" (١). ابن عطية: "ولولا كراهية أن يكون الناس كفارا كلهم وأهل حب في الدنيا وتجرد لها لوسَّع الله تعالى على الكفار غاية التوسعة ومكنهم من الدنيا" (٢). السخاوي: " ﴿وَلَوْلَا﴾ كراهة ﴿أَنْ يَكُونَ النَّاسُ﴾ كلهم على ملة واحدة، وهي الكفر، لو سعنا على الكفرة أكثر مما وسعنا؛ لحقارة أمر الدنيا عنده" (٣). أصحاب القول الثاني: ابن زيد: "قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: «لولا أن يختار الناس دنياهم على دينهم، لجعلنا هذا لأهل الكفر» " (٤). الكرماني: " ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي: مجتمعين على اختيار الدنيا على الآخرة" (٥). • دراسة المسألة: من خلال التأمل في أقوال أهل العلم واستقراء ما ذكره المفسرون في تأويل الآية، يتبين أن الصواب من أقوالهم: ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد من قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، أي: لولا كراهية اجتماعهم على الكفر، وهو الذي عليه أكثر المفسرين (٦)، وذلك من أوجه:

стр. 1023

الأول: من حيث دلالة السياق: فسياق الآيات قبلها يخبر الله تعالى عن أهل الكفر وتمتيعهم بالدنيا، وأنه لما جاءهم الحق وهو القرآن، ورسول مبين وهو: محمد ﷺ ، كفروا به وقالوا: ﴿هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾ [سورة الزخرف: ٣٠] وأن رحمة الله تعالى لهم وهي الجنة ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [سورة الزخرف: ٣٢] من الأموال، فناسب أن يكون المراد من قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي: ملة واحدة على دين الكفر، وإلا لجعلنا للكفار ما ذكرنا (١). الثاني: من حيث الظاهر: فظاهر الآية يدل على أن المراد: ولولا كراهية اجتماعهم على الكفر، لقرينة الجواب في قوله تعالى: ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ﴾، فالتمتع بالدنيا من شيم أهل الكفر، بخلاف شيم أهل الإيمان ولهذا ختم الآية بعدها بقوله: ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢). الثالث: نظائر الآية: فالغالب على أسلوب القرآن في ذكر متاع الدنيا، أن يذكره على سبيل التحقير والذم وسرعة الانقضاء، وهذا يكون للكافر، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [سورة البقرة: ١٢٦]، وقوله: ﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [سورة يونس: ٧٠]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [سورة لقمان: ٢٤]، وهكذا في هذه الآية والله أعلم (٣). الرابع: ما جاء عن بعض من السلف أن التوسعة وبسط الرزق ومتاع الدنيا في الغالب مما يبتليه الله تعالى لأهل الكفر، وأنه مفهوم من قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً

стр. 1024

وَاحِدَةً﴾. فقد جاء عن يحيى بن سلام، في قوله : ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾: "يوسع الرزق على من يشاء من عباده، ﴿وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ أي: ويقتر عليه نظرا له، يعني بذلك المؤمن، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ كقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ الآية" (١). فدل هذا على أنه فهم من أن يكون الناس أمة واحدة: أي مطبقة على الكفر، والله أعلم. • النتيجة: يتبين من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من المراد من الآية: لولا كراهية اجتماعهم على الكفر، خلافًا لما ذهب إليه القاسمي ﵀، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.

стр. 1025

١٧٦ - قوله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الزخرف: ٨٩]. قال الرازي: احتج قوم بهذه الآية على أنه يجوز السلام على الكافر. ثم قال: إن صح هذا الاستدلال فإنه يوجب الاقتصار على مجرد قوله (سلام) وأن يقال للمؤمن (سلام عليكم) والمقصود التنبيه على التحية التي تذكر للمسلم والكافر (١). قال القاسمي: وفيه نظر، لأنه جمود على الظاهر البحت هنا، والغفلة عن نظائره. من نحو قول إبراهيم ﵇ لأبيه ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [سورة مريم: ٤٧]، وآية ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [سورة القصص: ٥٥]، على أن الأكثر على أن الخبر هنا محذوف، أي (عليكم) والمقدر كالمذكور، والمحذوف لعلة كالثابت. فالصواب أن السلام للمتاركة. والله أعلم (٢). • أقوال أهل العلم في المراد من السلام في قوله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾: القول الأول: أن المراد من السلام: المتاركة، والإعراض. القول الثاني: أن المراد من السلام: أن يقول للمشركين: سلام. أصحاب القول الأول: مكي بن أبي طالب: " "تقديره: قل: أمري مسالمة منكم، ولم يؤمر بالسلام عليهم، وإنما أمر بالتبري منهم ومن دينهم" (٣). البغوي: " ﴿وَقُلْ سَلَامٌ﴾ معناه: المتاركة، كقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ " (٤).

стр. 1026

الزمخشري: " ﴿وَقُلْ﴾ لهم ﴿سَلَامٌ﴾ أي: تسلم منكم ومتاركة" (١). البقاعي: " ﴿وَقُلْ﴾ أي لهم: ﴿سَلَامٌ﴾ أي شأني الآن متاركتكم بسلامتكم مني وسلامتي منكم" (٢). أصحاب القول الثاني: الفراء: "رفع سلام بضمير عليكم وما أشبهه، ولو كان: وقل سلاما كان صوابا، كما قال: ﴿قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ [سورة هود: ٦٩] " (٣). الطبري: " ﴿وَقُلْ﴾ لهم ﴿سَلَامٌ﴾ عليكم ورفع سلام بضمير عليكم أو لكم" (٤). القشيري: " ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾ أي أمهلهم، وقل لكم منى سلام .. ولكن سوف تعلمون عقوبة ما تستوجبون" (٥). المنتجب الهمذاني: "قوله: ﴿وَقُلْ سَلَامٌ﴾ أي: أمري سلام، أو لكم سلام، أي: سلمتم مني لا أُؤاخذكم بسوء أعمالكم. وقيل التقدير: سلام عليكم" (٦). • دراسة المسألة: من خلال التتبع والنظر في أقوال أهل العلم، واستقراء ما أورده المفسرون في تفسير الآية، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد من السلام في قوله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾: المتاركة والإعراض، وذلك من أوجه: أولا: من حيث السياق: فسياق الآيات في مجادلة النبي ﷺ لقومه ودعوتهم إلى دين

стр. 1027

الإسلام، فكأن حال النبي ﷺ أنه آيس عن إيمانهم عند سماع قولنا له: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [سورة الزخرف: ٨٧]، وقال قولا، وهو: ﴿يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، فأجابه الله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾، فبناء على هذا السياق يُحمل المعنى على الأمر بالمتاركة والإعراض الكلي، والله أعلم (١). الثاني: من حيث اللغة: فالسلام يُطلق على عدة معاني، ومنها: المتاركة: كما تقول: سلام بسلام أي تركًا بترك، وهذا كقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ " (٢). الثالث: لو كان المراد من السلام في الآية: أن يُقال للمشركين: سلام، لما دلت السنة على النهي عن السلام على اليهود، وعموم المشركين، وكذا إذا بدأوا بالسلام فلا يُرد عليهم بالسلام، وإنما يقال لهم: (وعليكم). فقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تبدئوا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه» (٣). وروى البخاري في صحيحه من حديث عائشة ﵂ قالت: «دخل رهط من اليهود على رسول الله ﷺ ، فقالوا السام عليك ففهمتها فقلت عليكم السام واللعنة، فقال رسول الله ﷺ : مهلا يا عائشة، فإن الله يحب الرفق في الأمر كله. فقلت: يا رسول الله، أولم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله ﷺ : فقد قلت: وعليكم» (٤). • النتيجة: بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد من السلام في الآية: المتاركة، والإعراض.، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.

стр. 1028

جزء الأحقاف

стр. 1029

سورة الأحقاف ١٧٧ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [سورة الأحقاف: ٢٩]. قال الماوردي: في صرف الجن المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾، وجهان: أحدهما: أنهم صرفوا عن استراق سمع السماء، برجوم الشهب، ولم يصرفوا عنه بعد عيسى إلا بعد بعث رسول الله ﷺ فقالوا: ما هذا الحادث في السماء، إلا لحادث في الأرض، وتخيلوا به تجديد النبوة، فجابوا الأرض، حتى وقفوا على رسول الله ﷺ ببطن مكة عامدا إلى عكاظ، وهو يصلي الفجر، فاستمعوا القرآن، ورأوه كيف يصلي ويقتدي به أصحابه، فعلموا أنه لهذا الحادث، صرفوا عن استراق السمع برجوم الشهب. وهذا قول ابن عباس ﵁ (١). قال القاسمي: أقول: وعليه تكون (إلى) في (إليك) بمعنى لام التعليل. وذكر في (المغني) أنها تأتي مرادفة اللام، نحو ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ [سورة النمل: ٣٣] (٢). وفيه تكلف وبعد، لنبوه عما يقتضيه سياق بقية الآية (٣). • أقوال أهل العلم في المراد من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ (٤): القول الأول: أن المراد: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ﴾ أي: أملناهم إليك، وأقبلنا بهم نحوك، فتكون (إلى) على بابها.

стр. 1030

القول الثاني: أن المراد: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ﴾ أي: لأجلك، أو لأجل بعثتك، فتكون (إلى) تعليلية. أصحاب القول الأول: الواحدي: " أمر رسول الله ﷺ أن ينذر الجِنَّة ويدعوهم إلى الله ويقرأ عليهم القرآن، فصرف إليه نفر من الجن ليستمعوا منه وينذروا قومهم" (١). السمعاني: " ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ الآية معناه: وجهنا وجوههم إليك" (٢). الراغب الأصفهاني: " ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾، أي: أقبلنا بهم إليك وإلى الاستماع منك" (٣). السخاوي: " ﴿صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا﴾ أملناهم إليك" (٤). أصحاب القول الثاني: مكي بن أبي طالب: "أي: واذكر يا محمد إذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن، وصرفه إياهم هو الرجم الذي حل بهم بالشهب من السماء عند الاستماع على عادتهم" (٥). ابن عطية: " ﴿صَرَفْنَا﴾ معناه: رددناهم عن حال ما، يحتمل أنها الاستماع في السماء" (٦).

стр. 1031

القرطبي: "ومعنى: ﴿صَرَفْنَا﴾ وجهنا إليك وبعثنا. وذلك أنهم صُرفوا عن استراق السمع من السماء برجوم الشهب" (١). • دراسة المسألة: بعد التتبع والنظر واستقراء ما ذكره المفسرون وأهل العلم في هذه المسألة، لم يتم الوقوف على أحد من المفسرين ممن نص على أن (إلى) في قوله تعالى: ﴿إِلَيْكَ﴾ تعليلية، وإنما بناء على فهم القاسمي ﵀ من كلام الماوردي وإيراده المعنى الذي دلت عليه بعض الآثار من أن الجن صرفوا عن استراق سمع السماء برجوم الشهب، من أجل بعثة النبي ﷺ ، ولعل تعقبه على الماوردي يرده ما يلي: أولا: أن ما ذكره الماوردي من أن الجن صرفوا عن استراق سمع السماء، برجوم الشهب بعد بعثة رسول الله ﷺ ، قد جاء عن بعض من السلف، كابن عباس، وسعيد بن جبير (٢). ويشهد لذلك ما روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عباس ﵁ قال: "انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين، فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب، قالوا: ما ذاك إلا من شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الأمر، فمر النفر الذين توجهوا نحو تهامة بالنبي ﷺ وهو بـ «نخلة» (٣) وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن تسمعوا له، فقالوا: هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك رجعوا إلى قومهم فقالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ [سورة الجن: ٢]، فأنزل الله على

стр. 1032

نبيه قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن" (١). فظاهر هذا الحديث يدل على أن سبب صرف الجن عن استراق سمع السماء هو بعثة النبي ﷺ ، والله أعلم. ثانيًا: أن سياق الآية لا يتعارض مع هذا المعنى، بخلاف ما يقول القاسمي ﵀، فسياق الآيات وظاهرها يخبر الله تعالى أن الجن لما سمعوا القرآن آمنوا، ثم ولوا إلى قومهم منذرين، فأي مانع يمنع أن يكون سبب استراق السمع هو بعثة النبي، وأن تكون (إلى) في قوله: ﴿إِلَيْكَ﴾ تعليلية؟!. • النتيجة: بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن كلا المعنييْن محتمل، وأنه لا مانع بأن يكون المراد من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ﴾ أي: لأجل بعثتك، فتكون (إلى) في قوله تعالى: ﴿إِلَيْكَ﴾ تعليلية، بخلاف ما ذهب إليه القاسمي ﵀، والله أعلم.

стр. 1033

سورة الحجرات

стр. 1034

سورة الحجرات ١٧٨ - قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [سورة الحجرات: ١٤]. قال السيوطي: استدل بالآية من لم ير الإيمان والإسلام مترادفين، بل بينهما عموم وخصوص مطلق، لأن الإسلام الانقياد للعمل ظاهرا، والإيمان تصديق القلب كما قال: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (١). قال القاسمي: وهذا الاستدلال في غاية الضعف. لأن ترادفهما شرعا لا يمنع من إطلاقهما بمعناهما اللغوي في بعض المواضع. وإبانة ذلك موكولة إلى القرائن، وهي جلية، كما هنا. وإلا فآية ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [سورة آل عمران: ١٩]، أكبر مناد على اتحادهما (٢). • أقوال أهل العلم في دلالة قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ على الفرق بين الإسلام والإيمان: القول الأول: أن الآية دالة على أن هناك فرق بين الإسلام والإيمان: فالإسلام الانقياد للعمل ظاهرا، والإيمان تصديق القلب، فالإسلام أعم من الإيمان. القول الثاني: أن الآية دالة على أن الإسلام والإيمان مترادفيْن، وأن الإيمان داخل في الإسلام.

стр. 1035

أصحاب القول الأول: ابن عطية: "الإسلام: هو الاستسلام والإظهار الذي يستعصم به ويحقن الدم، وهذا هو الإسلام في قوله: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾، والْإِيمانُ الذي هو التصديق أخص من الأول وأعم بوجه" (١). ابن الفرس: "يحتج بهذه الآية من يفرق بين الإيمان والإسلام، وهو الصحيح، لأن الإسلام أعم من الإيمان، فكل مؤمن مسلمًا وليس كل مسلم مؤمنًا. ومن الناس من يقول: الإسلام والإيمان بمعنى واحد والآية حجة عليه" (٢). ابن جزي: " ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ نزلت في بني أسد بن خزيمة، وهي قبيلة كانت تجاور المدينة أظهروا الإسلام، وكانوا إنما يحبون المغانم وعرض الدنيا، فأكذبهم الله في قولهم آمنا وصدقهم لو قالوا أسلمنا، وهذا على أن الإيمان هو التصديق بالقلب، والإسلام هو الانقياد بالنطق بالشهادتين، والعمل بالجوارح فالإسلام والإيمان في هذا الموضع متباينان في المعنى" (٣). ابن كثير: "استفيد من هذه الآية الكريمة: أن الإيمان أخص من الإسلام كما هو مذهب أهل السنة والجماعة" (٤). أصحاب القول الثاني: المروزي (٥): "وقالت طائفة ثالثة وهم الجمهور الأعظم من أهل السنة والجماعة وأصحاب الحديث: الإيمان الذي دعا الله العباد إليه، وافترضه عليهم هو الإسلام الذي جعله دينا" (٦).

стр. 1036

أبو طالب المكي (١): " الإسلام والإيمان كشيء واحد، لا إيمان لمن لا إسلام له، ولا إسلام لمن لا إيمان له، إذ لا يخلو المسلم من إيمان به يصحّ إسلامه" (٢). البيهقي (٣): " الأحاديث في تسمية شرائع الإسلام إيمانا وأن الإيمان والإسلام عبارتان عن دين واحد إذا كان الإسلام حقيقة ولم يكن بمعنى الاستسلام، وأن الإيمان يزيد وينقص" (٤). ابن عبد البر: "الذي عليه جماعة أهل الفقه والنظر، أن الإيمان والإسلام سواء، بدليل ما ذكرنا من كتاب الله قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة الذاريات: ٣٦] " (٥). • دراسة المسألة: من المسائل التي اختلف فيها أهل العلم قديمًا، مسألة مفهوم الإسلام والإيمان إذا اقترنا، فهل هما شيء واحد، أم بينهما فرق؟. وبعد التتبع والنظر في أقوال أهل العلم وما ذكره المفسرون وأهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن أن الآية دالة على أن هناك فرق بين الإسلام والإيمان، وذلك من أوجه: الأول: أن القول بالتفريق بين الإسلام والإيمان إذا اجتمعا وهو الذي عليه جماعة من

стр. 1037

السلف كالحسن، وابن سيرين، وشريك، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيي بن معين، وقتادة، والزهري، وحماد بن زيد، وغيرهم (١). الثاني: سياق الآيات الذي يدل على أن هناك فرق بين الإسلام والإيمان في قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ الآية. وذلك أن السورة من أولها إلى هذه الآية في النهي عن المعاصي، من النهي عن الاقتتال والسخرية والغيبة والتجسس، وليس فيها ذكر المنافقين حتى يكون النفاق في مقابل الإسلام والإيمان في الآية (٢). الثالث: سياق الآيات بعد قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ الآية. وذلك لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [سورة الحجرات: ١٥]، الآية، يعني - والله أعلم - أن المؤمنين الكاملي الإيمان، هم هؤلاء، لا أنتم، بل أنتم منتف عنكم الإيمان الكامل (٣)، مما يدل على أن هناك عموم وخصوص في مفهوم الإسلام والإيمان. الرابع: أن الله تعالى قال في الآية: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ وهذا الحرف - أي: (لما) ينفى به ما قرب وجوده وانتظر وجوده ولم يوجد بعد. فيقول لمن ينتظر غائبا أي (لما). ويقول قد جاء لما يجئ بعد. فلما قالوا: ﴿آمَنَّا﴾ قيل: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ بعد بل الإيمان مرجو منتظر منهم (٤)، فدل هذا على الفرق بين الإسلام والإيمان في الآية وأن بينهما عموم وخصوص.

стр. 1038

الخامس: نظائر الآيات القرآنية الدالة على التفريق في مفهوم الإسلام والإيمان إذا اجتمعا (١). ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [سورة الأحزاب ٣٥] فقد جاء لفظ الإيمان في هذه الآية مقترنًا بلفظ الإسلام في سياق واحد، فدل لفظ ﴿الْمُسْلِمِينَ﴾ على معنى غير لفظ (المؤمنين)، وكذلك (المسلمات) و (المؤمنات)، مما يدل على أن بينهما تفاوت وعموم وخصوص. قال ابن كثير: " قوله: ﴿الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ دليل على أن الإيمان غير الإسلام، وهو أخص منه، لقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (٢). ومن ذلك أيضًا: قوله تعالى: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [سورة الزخرف: ٦٩]. قال ابن كثير: "أي: آمنت قلوبهم وبواطنهم، وانقادت لشرع الله جوارحهم وظواهرهم" (٣)، وهذا يؤكد أن الإسلام يتعلق بالأعمال الظاهرة والإيمان يتعلق بالأعمال الباطنة، والله أعلم. وغير ذلك من الآيات الدالة على ذلك. السادس: الدلائل من السنة والأحاديث النبوية الدالة على أن الإسلام والإيمان إذا اقترنا، فإن كلا منهما يُراد به معنى، مغايرا للآخر. ومن ذلك: حديث جبريل المشهور عندما جاء للنبي ﷺ وقال له: يا محمد، أخبرني

стр. 1039

عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، … ثم قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر، خيره وشره" الحديث (١). قال الشوكاني: "وقد أوضح رسول الله ﷺ الفرق بين الإسلام والإيمان في الحديث في الصحيحين وغيرهما، الثابت من طرق، أنه سئل عن الإسلام فقال: (أن تشهد أن لا إله إلا الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتصوم رمضان)، وسئل عن الإيمان فقال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، والقدر خيره وشره). فالمرجع في الفرق بينهما هو هذا الذي قاله الصادق المصدوق، ولا التفات إلى غيره مما قاله أهل العلم في رسم كل واحد منهما برسوم مضطربة مختلفة متناقضة، وأما ما في الكتاب العزيز من اختلاف مواضع استعمال الإسلام والإيمان فذلك باعتبار المعاني اللغوية والاستعمالات العربية، والواجب تقديم الحقيقة الشرعية على اللغوية، والحقيقة الشرعية هي هذه التي أخبرنا بها رسول الله ﷺ وإجابة سؤال السائل له" (٢). وغير ذلك من دلائل السنة التي أوردها ابن كثير ﵀ في تفسيره، وقبله جماعة من أهل العلم (٣). • النتيجة: بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، من أن قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ الآية. دال على أن هناك فرق بين الإسلام والإيمان، فالإسلام أعم من الإيمان، بخلاف ما ذهب إليه القاسمي ﵀، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.

стр. 1040

جزء الذاريات

стр. 1041

سورة الذاريات ١٧٩ - قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [سورة الذاريات: ٥٤]. قول بعض المفسرين هنا- ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي فأعرض عن مجادلتهم، بعد ما كررت عليهم الدعوة- بعيد عن المعنى بمراحل، لأن مجادلتهم مما كان مأمورا بها على المدى، لأنها العامل الأكبر لإظهار الحق، كما قال تعالى: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [سورة الفرقان: ٥٢]. وكذا قول البعض في قوله تعالى: ﴿فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ أي في إعراضك بعد ما بلغت فإنه مناف للأمر بالذكرى بعد. فالصواب ما ذكرناه في تفسير الآية، لأنه المحاكي لنظائرها. وأقعد التفاسير ما كان بالأشباه والنظائر- كما قيل-: وخير ما فسرته بالوارد (١). • أقوال أهل العلم في المراد من قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾: القول الأول: فأعرض عنهم يا محمد إذا لم يستجيبوا لك، أو أعرض عن مقابلتهم بالأسوأ. القول الثاني: أن المراد: أعرض عن مجادلتهم. أصحاب القول الأول: الماتريدي: " ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾، فأعرض ولا تكافئهم بإساءتهم إليك بقولهم: إنه ساحر، وإنه مجنون؛ فإن اللَّه تعالى سيكفيهم عنك" (٢).

стр. 1042

السمرقندي: " ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ يعني: فأعرض عنهم يا محمد، بعد ما بلغت الرسالة، وأعذرت" (١). البغوي: " ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾، فأعرض عنهم، ﴿فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾، لا لوم عليك فقد أديت الرسالة وما قصرت فيما أمرت به" (٢). أبو حفص النسفي: " ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾: أي: تَوَلَّ عن مُكافاتهم ومُبادَأَتِهم بالقتال" (٣). ابن كثير: " ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي: فأعرض عنهم يا محمد، ﴿فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ يعني: فما نلومك على ذلك" (٤). أصحاب القول الثاني: البيضاوي: " ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ فاعرض عن مجادلتهم بعد ما كررت عليهم الدعوة فأبوا إلا الإِصرار والعناد. ﴿فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ على الإِعراض بعد ما بذلت جهدك في البلاغ" (٥). البقاعي: " ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي كلف نفسك الإعراض عن الإبلاغ في إبلاغهم بالمجادلة والصدع بالتغليظ بعد ما تقدم منك من الإبلاغ ﴿فَمَا أَنْتَ﴾ بسبب الإعراض بعد الإنذار" (٦). أبو السعود: " ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ فأعرض عن جدالهم فقد كررت عليهم الدعوة فأبوا إلا الإباء" (٧).

стр. 1043

الشوكاني: " فتول عنهم أي: أعرض عنهم، وكف عن جدالهم ودعائهم إلى الحق، فقد فعلت ما أمرك الله به وبلغت رسالته" (١). • دراسة المسألة: بعد التتبع والنظر في أقوال أهل العلم وما ذكره المفسرون في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد من قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ أي: فأعرض عنهم يا محمد إذا لم يستجيبوا لك، أو أعرض عن مقابلتهم بالأسوأ، وذلك من وجهين: الأول: أنه لم يرد عن أحد من السلف رضوان الله عليهم أنهم فسروا الأمر بالتولي في الآية: النهي عن المجادلة، وإنما الوارد عنهم أن الله تعالى أمر نبيه بالتولي والإعراض عنهم إذا بلغ ولم يستجيبوا له وأصروا على العناد، إذ ليس على الرسول إلا البلاغ، كذا روي بما معناه عن مجاهد، وابن زيد، وقتادة (٢)، وهم خير ممن جاء بعدهم ممن فسر الآية بالنهي عن المجادلة. الثاني: أن القول بأن المراد من الآية: النهي عن المقابلة بالأسوأ، والصبر على الأذى: له نظائر من الآي: كقوله تعالى: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ [سورة الأحزاب: ٤٨]، أي: وأعرض عن أذاهم لك، واصبر عليه، ولا يمنعك ذلك عن القيام بأمر الله في عباده، والنفوذ لما كلفك (٣). وكقوله: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [سورة المزمل: ١٠] يعني: الهجر الذي لا عتاب معه (٤).

стр. 1044

الثالث: أن الله تعالى أمر نبيه بالتذكير بعد الأمر بالتولي، فقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ معطوف على قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي فتولّ عن هؤلاء المعاندين الضالين، ولا ترهق نفسك بالجري وراءهم، ولكن ذلك لا يمنعك من أن تدعوهم وتذكرهم، ومما يدخل في أساليب التذكير: الحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، والله أعلم. • النتيجة: بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد بالآية: الاعراض عن المشركين إذا لم يستجيبوا وأصروا في العناد، أو الاعراض عن مقابلتهم بالأسوأ، وليس المراد: النهي عن المجادلة، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.

стр. 1045

سورة النجم ١٨٠ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [سورة النجم: ١٨]. قال القاسمي: ذهب بعضهم إلى أن هذه السورة أنزلت لإثبات المعراج النبوي، أعني: عروجه ﷺ ، وصعوده وارتقاءه إلى ما فوق السموات السبع، كما ذكر في أحاديث المعراج عن سدرة المنتهى فوق السماوات، ومشاهدة جبريل على صورته .... إلى أن قال: ومما قدمنا يظهر أن نزول السورة لتأييد الرسالة النبوية، وتحقيق الوحي، بأنه تعليم ملك كريم، مرئي للحضرة النبوية رؤية تدفع كل لبس، لا لإثبات المعراج. ثم قال: وبالجملة، فالمعول عليه هو أن المعراج لم يرد له ذكر في القرآن مطلقا، وما ورد في هذه السورة وسورة التكوير، فلا علاقة له بالمعراج، وإنما هي رؤية النبي صلوات الله عليه لجبريل من الأرض على صورته الحقيقية كما تقدم (١). • أقوال أهل العلم في السبب الذي من أجله أنزلت سورة النجم: القول الأول: أن السبب الذي من أجله أنزلت سورة النجم هو: تحقيق الوحي، وإثبات المعراج النبوي، وهو عروج النبي ﷺ ، وصعوده إلى السموات السبع. القول الثاني: أن السبب الذي من أجله أنزلت سورة النجم هو: تحقيق الوحي. أصحاب القول الأول: الزركشي: حديث المعراج مصداقه في سورة الإسراء وفي صدر سورة النجم (٢).

стр. 1046

العثيمين: "للنبي ﷺ إسراءً ومعراجاً، فالإسراء ذكره الله في سورة الإسراء، والمعراج ذكره الله في سورة النجم وكلاهما في ليلة واحدة" (١). أصحاب القول الثاني: ابن عطية: "سبب نزولها أن المشركين قالوا: إن محمداً يتقول القرآن ويختلق أقواله، فنزلت السورة في ذلك" (٢). أي نزلت للرد على مقالة المشركين. العليمي: "وسبب هذه السورة أن المشركين قالوا: إن محمدا ﷺ يتقول القرآن، ويختلق أقواله، فنزلت الآية في ذلك" (٣). • دراسة المسألة: من خلال استقراء ما ذكره أهل العلم في دلالة سورة النجم على ثبوت معراج النبي ﷺ ، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن سورة النجم فيها دلالة على إثبات المعراج النبوي، وذلك من أوجه: الأول: دلالة السنة: فقد أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «عرج بي الملك»؛ قال: «ثم انتهيت إلى السدرة وأنا أعرف أنها سدرة، أعرف ورقها وثمرها» الحديث (٤). ووجه الدلالة: أن سدرة المنتهى قد جاء ذكرها في سورة النجم عند قوله تعالى: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [سورة النجم: ١٤].

стр. 1047

الثاني: الروايات الواردة عن جماعة من السلف التي تدل على أن سورة النجم فيها دلالة على إثبات المعراج النبوي، ومن ذلك: ما روي عن شريك بن أبي نمر (١) قال: سمعت أنس بن مالك ﵁، يحدثنا عن ليلة المسرى، برسول الله ﷺ أنه «عرج جبرائيل برسول الله ﷺ إلى السماء السابعة، ثم علا به بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله إليه ما شاء، فأوحى الله إليه فيما أوحى خمسين صلاة على أمته كل يوم وليلة» وذكر الحديث (٢). وما روي عن عبد الله ابن عباس ﵁ أنه قال: «لما أسري برسول الله ﷺ انتهي به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة، إليها ينتهي من يعرج من الأرض أو من تحتها، فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها، فيقبض فيها» (٣). وعن أبي هريرة ﵁ وغيره قال: لما أسري بالنبي ﷺ انتهى به إلى سدرة المنتهى فغشيها نور الخلاق، وغشيتها الملائكة من تحت عرش الله، أمثال الغربان حين يقعن على الشجر، قال: فكلمه عند ذلك فقال: "سل تعطه" فقال: "غفرانك ربنا" (٤). الثالث: سياق الآيات ودلالاتها التي تدل على ثبوت معراج النبي ﷺ في السورة: فقد ذهب جماعة من المفسرين بأن المراد من قوله تعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ أي:

стр. 1048

استوى جبريل ومحمد ﵉ ليلة المعراج ﴿بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ (١). وأخبر الله تعالى في الآيات: أن النبي ﷺ رأى جبريل ﵇ على صورته عند سدرة المنتهى ليلة المعراج كما قال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤)﴾ والسدرة شجرة النبق. وهي في السماء السابعة، ويقال: في السادسة، وقد ورد التصريح بها في حديث المعراج من الصحاح عن جمع من الصحابة (٢). وأخبر جل وعلا في السورة أن النبي ﷺ ﴿رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ والآيات الكبرى كانت في ليلة المعراج كما ذهب إلى ذلك جمع من المفسرين (٣). • النتيجة: من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن سورة النجم فيها دلالة على إثبات المعراج النبوي، وهو: عروج النبي ﷺ ، وصعوده إلى السموات السبع، خلافً لما ذهب إليه القاسمي ﵀، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.

стр. 1049

١٨١ - قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [سورة النجم: ٢٩]. قال القاسمي: المراد من (الإعراض) هجرهم هجرا جميلا، وترك إيذائهم. وقول الزمخشري: "أي أعرض عن دعوة من رأيته معرضا عن ذكر الله … إلخ" (١) لا يصح. لأن الصدع بالحق لا تسامح فيه، لا سيما والدعوة للمعرضين، وهي تستلزم أن يحاجوا به بمنتهى الطاقة لقوله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [سورة الفرقان: ٥٢]، وإنما معنى الآية: فاصفح عنهم ودع أذاهم في مقابلة ما يجهلون به عليك، كما بين ذلك في مواضع من التنزيل، والقرآن يفسر بعضه بعضا (٢). • أقوال أهل العلم في المراد من الإعراض في قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾: القول الأول: أن المراد من الإعراض: الإعراض عن دعوة من كان معرضا عن ذكر الله. القول الثاني: أن المراد من الإعراض: الهجران والعفو والصفح عن من كان معرضا عن ذكر الله. أصحاب القول الأول: البيضاوي: " ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ فأعرض عن دعوته والاهتمام بشأنه فإن من غفل عن الله وأعرض عن ذكره .... لا تزيده الدعوة إلا عناداً وإصراراً على الباطل" (٣).

стр. 1050

الإيجي: " ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى﴾: أعرض، ﴿عَنْ ذِكْرِنَا﴾: فلم يتدبر، ولم يتأمل، ﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾: ولا تجادله ولا تدعه إلى الهدى" (١). أبو السعود: " ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾ المراد النهي عن دعوته والاعتناء بشأنه" (٢). مرعي الكرمي: " والمعنى اعرض عن دعوة من رأيته معرضا عن القرآن وما فيه مقبلا على الدنيا وما فيها" (٣). أصحاب القول الثاني: الكرماني: " ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى﴾: فاصفح عمَّن أعرض" (٤). ابن كثير: " ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾ أي: أعرض عن الذي أعرض عن الحق واهجره" (٥). العثيمين: " ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ يعني أعرض عنه لا تتبعه ولا يهمنك أمره، وليس المعنى: أعرض عنه لا تنصحه. لأن التذكير واجب" (٦). • دراسة المسألة: بعد التتبع والنظر في أقوال أهل العلم وما ذكره المفسرون في هذه المسألة، يتبين أن الأصل في هذه المسألة: بذل النصح والإرشاد والدعوة لكل مخالف، مسلمًا كان أم كافرا، إلا في أحوال تكون فيه الدعوة غير صالحة لمن كان مُعرضًا، متعصبًا لهواه، ليس همه إلا الحياة الدنيا.

стр. 1051

فالنبي ﷺ كان مأمورا بالدعاء بالحكمة والموعظة الحسنة، فلما عارضوه بأباطيلهم قيل له ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [سورة النحل: ١٢٥] ثم لما لم ينفع، قال له ربه: فأعرض عنهم ولا تقابلهم بالدليل والبرهان، فإنهم لا يتبعون إلا الظن، ولا يتبعون الحق (١). وعلى هذا يحمل كلام الزمخشري المتقدم ومن وافقه من أصحاب القول الأول، من أن الإعراض في الآية المراد منه: الإعراض عن دعوة من لا يريد اتباع الحق ممن هو ميؤوس منه، ولا تُرجى منه الهداية (٢). وعليه فيجوز في هذه الحال أن يكون المراد من الإعراض في الآية: الإعراض عن دعوة من كانت هذه صفته، ويجوز أن يكون المراد من الإعراض: الهجران والعفو والصفح عن من كان معرضا عن ذكر الله. وذلك مما يلي: أولا: من ذهب إلى أن المراد من الإعراض: الإعراض عن دعوة من كان معرضا عن ذكر الله، يؤيد ما ذهب إليه بعضًا من الأوجه: الوجه الأول: ما يذكره جماعة من المفسرين بأن الآية نزلت في النضر بن الحارث، أو في الوليد بن المغيرة (٣)، ومعلوم أن مثل هؤلاء ممن تولى وأعرض ولم يرد إلا الحياة الدنيا، يكون الأفضل في حقهم: الإعراض عن دعوتهم، والله أعلم. الوجه الثاني: مناسبة الآية لما قبلها: وذلك أنه لما كان هذا دأب هؤلاء المذكورين في قوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [سورة النجم: ٢٨] أنهم لا غرض لهم في اتباع الحق، وإنما غرضهم ومقصودهم، ما تهواه نفوسهم، أمر الله رسوله بالإعراض عمن تولى عن ذكره، الذي هو الذكر الحكيم، والقرآن العظيم (٤)، فمن كانت هذا حاله فالأولى ترك دعوته بالإعراض عنه.

стр. 1052

الوجه الثالث: سياق الآيات بعد الآية: وذلك أن الله تعالى لما قال: للنبي ﷺ ، أعرض وكان النبي ﷺ شديد الميل إلى إيمان قومه وكان ربما هجس في خاطره، أن في الذكرى بعد منفعة، وربما يؤمن من الكافرين قوم آخرون من غير قتال، قال له: ﴿رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [سورة النجم: ٣٠] فهو يعلم من يجيب ومن لا يجيب، وقد علم أن هؤلاء أهل الطبع، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [سورة الكهف: ٥٧] (١). فقد أخبر الله تعالى نبيه ﷺ بأن هؤلاء القوم ممن كتب الله عليه الضلالة، فأعرض عن نصحهم ودعوتهم. الوجه الرابع: أن الله تعالى أخبر أن سبب الإعراض هو التولي، لأن من لا يصغي إلى قول، كيف يفهم معناه؟ فأمر الله نبيه ﷺ بالإعراض عن من هذه حاله، ثم ذكر سبب التولي عن الذكر، وهو حصر إرادته في الحياة الدنيا. فالتولي عن الذكر سبب للإعراض عنهم، وإيثار الدنيا سبب التولي عن الذكر (٢). فمن تولى عن الذكر، وأبى أن يُصغي إليه، فالمشروع في حقه الإعراض عن دعوته، والله أعلم. ثانيًا: من ذهب إلى أن المراد من الإعراض: الهجران والعفو والصفح عن من كان معرضا عن ذكر الله، يؤيد ما ذهب إليه بعض من الأوجه: الوجه الأول: نظائر الآيات التي تؤيد ما ذهب إليه أصحاب هذا القول كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [سورة الفرقان: ٦٣] وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ

стр. 1053

آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [سورة الجاثية: ١٤]، وقوله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الزخرف: ٨٩]، وقوله تعالى: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [سورة المزمل: ١٠]. الوجه الثاني: أنه قد جاء الأمر بالتذكير والنصح في قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني ذكر كل أحد، فمن الناس من ينتفع، ومنهم لا ينتفع، والذي ينتفع هو المؤمن (١). • النتيجة: يتبين من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الصواب أن تحمل الآية على المعنيين بحسب حال المدعو إن كان الأفضل في حقه الإعراض بترك دعوته إن كان معرضًا، أو بهجرانه والصفح عنه، بخلاف ما ذهب إليه القاسمي ﵀ من تعقبه على من قال بأن المراد من الإعراض في الآية: الإعراض عن دعوة من كان معرضا، بهذا الإطلاق، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك لكلا الفريقين، والله أعلم.

стр. 1054

سورة الرحمن ١٨٢ - قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ [سورة الرحمن: ١٩]. قال القاسمي: قيل: المراد بحري فارس والروم، فإنهما يلتقيان في البحر المحيط، وبينهما برزخ من الأرض، لا يتجاوزان حديهما بإغراق ما بينهما- وهو مروي عن قتادة والحسن- قال الشهاب: لكنه أورد عليه أنه لا يوافق قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [سورة الفرقان: ٥٣] الآية. والقرآن يفسر بعضه بعضا (١). واختار ابن جرير ما روي عن ابن عباس ﵁ وغيره، أنه عني به بحر السماء وبحر الأرض وذلك أن الله قال ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [سورة الرحمن: ٢٢]، واللؤلؤ والمرجان إنما يخرج من أصداف بحر الأرض عن قطر ماء السماء. فمعلوم أن ذلك بحر الأرض وبحر السماء (٢). وفيه ما في الذي قبله من عدم موافقته لتلك الآية. والأصل في الآي التشابه (٣). • أقوال أهل العلم في المراد من قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ (٤): القول الأول: أن المراد: خلط البحرين: البحر المالح والبحر العذب، وبينهما حاجز لا يُرى بالعين. القول الثاني: أن المراد: بحري فارس والروم، فإنهما يلتقيان في البحر المحيط، وبينهما برزخ من الأرض.

стр. 1055

أصحاب القول الأول: مقاتل: " ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾ يعني حاجزا حجز الله أحدهما عن الآخر بقدرته فـ ﴿يَبْغِيَانِ﴾ يعني لا يبغي أحدهما على الآخر فلا يختلطان ولا يتغير طعمهما"، وبنحو ذلك روي عن قتادة (١). الزجاج: " ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ معنى مرج خلط، يعني البحر الملح والبحر العذب، وقوله تعالى: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾، البرزخ الحاجز، وهو حاجز من قدرة الله، لا يبغيان لا يبغي الملح على العذب فيختلط به، ولا العذب على الملح فيختلط به" (٢). الثعلبي: " ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ العذب والملح، أي: خلاهما وأرسلهما وخلقهما ﴿يَلْتَقِيَانِ﴾ وقيل: مرج: خلط ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾ حاجز وحائل من قدرة الله وحكمته" (٣). الزمخشري: " ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ أرسل البحر الملح والبحر العذب متجاورين متلاقيين، لا فصل بين الماءين في مرأى العين ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾ حاجز من قدرة الله تعالى ﴿لَا يَبْغِيَانِ﴾ لا يتجاوزان حدّيهما ولا يبغى أحدهما على الآخر بالممازجة" (٤). أصحاب القول الثاني: الحسن البصري: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ قال: «بحر الروم، وبحر فارس واليمن»، وبنحو ذلك روي عن قتادة في رواية (٥). البيضاوي: " ﴿يَلْتَقِيَانِ﴾ يتجاوران ويتماس سطوحهما، أو بحري فارس والروم يلتقيان في المحيط لأنهما خليجان يتشعبان منه" (٦).
следующие страницы →