الثاني: أن القول بأن قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية. ناسخ لما كان في الجاهلية من التبني هو قول جماهير أهل العلم من المفسرين (١)، وبعضًا من الأصوليين (٢)، وجماعة من الفقهاء والمحدثين وشراح السنن (٣)، وقد عقد البيهقي في السنن الكبرى بابًا سمّاه: " باب نسخ التبني وإباحة نكاح امرأة فارقها من تبناه أو ابنة من كان في الدين أخاه"، ثم ساق حديث عبد الله بن عمر ﵁، أن زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٤).
ولا يُعلم عن أحد من أهل العلم من المتقدمين أو المتأخرين من رد القول بأن التبني منسوخ بقوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، إلا جماعة من المعاصرين (٥)، ولم يجد الباحث من أحدهم أنه استند على أدلة تؤيد ما ذهب إليه، والله أعلم.
تنبيه:
قول ابن العربي في أحكام القرآن: "قال جماعة: هذا ناسخ لما كانوا عليه في الجاهلية من التبني والتوارث، ويكون نسخا للسنة بالقرآن وقد بينا أن هذا لا يكون نسخا؛ لعدم شروط النسخ فيه؛ ولأن ما جاء من الشريعة لا يقال إنه نسخ لباطل الخلق .... إلخ" (٦). قد جاء ما يُناقضه من قوله الصريح بأن التبني منسوخ بالآية.
стр. 982
قال في الناسخ والمنسوخ: " ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ هذه الآية ناسخة لما سبق من الناس وأقرته الشريعة في نسبة الابن من التبني إلى الأب، كنسبة الابن من البنوة إلى الأب" (١).
ولا شك أن المتناقضان لا يجتمعان، ولا يُعلم المتقدم من أقواله من المتأخر حتى يُقال باحتمال أن أحدهما نسخ الآخر، فالأسلم التوقف في الجزم بما ذهب إليه، والله أعلم.
• النتيجة:
بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه جماهير أهل العلم من أن التبني منسوخ بقوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، لما تقدم إيراده من الوجهيْن الداليْن على ذلك، بخلاف ما ذهب إليه القاسمي ﵀، والله أعلم.
стр. 983
١٦٨ - قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [سورة الأحزاب: ٥٢].
قال القاسمي: ذهب بعض المفسرين إلى أن معنى الآية هو حظر نكاح ما بعد التسع اللاتي عنده ﷺ . وأن التسع نصابه كالأربع لغيره، وأن ذلك جزاء لاختيارهن إياه لما خيرهن. كما تقدم في الآية، ثم قالوا إنه تعالى رفع الحرج عنه في ذلك، ونسخ حكم هذه الآية، وأباح له التزوج، لكنه لم يفعله إتماما للمنة عليهن (١). ومنهم من قال إنها محكمة. وكل ذلك لا برهان معه، وتفكيك للمعنى، وغفلة عن سر تكريمه صلوات الله عليه بمقصود الخطاب … إلى أن قال: والمطلع على ما كتبوه هنا، يأخذه العجب من البعد عن مقصدها. فالحمد لله على إلهام الحق وتعليمه (٢).
• أقوال أهل العلم في المراد من قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ الآية، من حيث الإحكام والنسخ:
القول الأول: أن الآية مُحكمة، إما أن يكون المراد: أنه لا يحل للنبي ﷺ نكاح ما بعد التسع، ولا أن يُبدل غيرهُن من أزواج، وإما أن يكون المراد: لا يحل للنبي ﷺ نكاح النساء بعد التي أحل الله له بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ الآية. [سورة الأحزاب: ٥٠]، وإما أن يكون المراد: لا يحل للنبي ﷺ نكاح النساء من غير المسلمات؛ حتى من أهل الكتاب.
стр. 984
القول الثاني: أن الآية منسوخة، إما أن تكون نُسخت بالقرآن، نسخها قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾، وإما أن تكون نسخت بالسنة، نسخها حديث عائشة ﵂: "ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل له النساء" (١).
أصحاب القول الأول:
ابن عباس ﵁: «نهي رسول الله ﷺ أن يتزوج بعد نسائه الأول شيئا» وبنحو ذلك روي عن قتادة، والحسن، وابن سيرين، وأبي بن كعب، وعكرمة، والضحاك، ومجاهد (٢)، من أن الآية ليست منسوخة.
أبو حيان: " ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ الظاهر أنها محكمة، وهو قول أبي بن كعب وجماعة، منهم الحسن وابن سيرين، واختاره الطبري" (٣).
الآلوسي: "والظاهر على القول بأن الآية نزلت كرامة للمختارات، وتطييبًا لخواطرهن، وشكرا لحسن صنيعهن، عدم النسخ، والله تعالى أعلم" (٤).
ابن عاشور: "فلا ناسخ لهذه الآية من القرآن ولا هي ناسخة لغيرها" (٥).
أصحاب القول الثاني:
ابن عباس ﵁ في رواية: "الآية منسوخة بالآية التي سبقت وهي ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [سورة الأحزاب: ٥١] "، وبنحو ذلك روي عن عائشة، وعلي بن أبي طالب، وعلي بن الحسين (٦)، من أن الآية منسوخة.
стр. 985
الجصاص: "عن عائشة قالت "ما مات رسول الله ﷺ حتى حل له النساء" وهذا يوجب أن تكون الآية منسوخة وليس في القرآن ما يوجب نسخها فهي إذا منسوخة بالسنة ويحتج به في جواز نسخ القرآن بالسنة" (١).
المقري: " ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ وهي من أعاجيب القرآن المنسوخ نسخها الله بآية قبلها في النظم وهي قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ الآية" (٢).
ابن حزم: " ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ﴾ الآية. نسخها الله تعالى بآية قبلها في النظم وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ الآية" (٣).
• دراسة المسألة:
بعد التتبع والنظر في أقوال أهل العلم وما ذكره المفسرون في تفسير الآية، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن الآية وهي: قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ الآية، مُحكمة وليست بمنسوخة، وهو ما عليه جمهور أهل العلم (٤)، ويكون المعنى: لا يحل لك النساء من بعد اللواتي أحللتهن لك بقولي: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾، وذلك من أوجه:
الأول: أن قوله تعالى ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ جاء عقيب قوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ وغير جائز أن يقول: قد أحللت لك هؤلاء، ولا يحللن لك، إلا بنسخ أحدهما صاحبه، وعلى أن يكون وقت فرض إحدى الآيتين، فعل الأخرى منهما فإذ كان ذلك كذلك ولا برهان ولا دلالة على نسخ حكم إحدى الآيتين حكم الأخرى، ولا تقدم تنزيل إحديهما قبل صاحبتها، وكان غير مستحيل مخرجهما على الصحة إذ لا تعارض بينهما، لم
стр. 986
يجز أن يقال: إحداهما ناسخة الأخرى، فيكون المعنى: لا يحل لك النساء من بعد المسميات المتقدم ذكرهن في الآية قبل هذه الآية، ولم يكن في الآية المتقدم فيها ذكر المسميات بالتحليل لرسول الله ﷺ ذكر إباحة المسلمات كلهن، بل كان فيها ذكر أزواجه وملك يمينه الذي يفيء الله عليه، وبنات عمه وبنات عماته، وبنات خاله وبنات خالاته، اللاتي هاجرن معه، وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي (١).
الثاني: أن القاعدة المقررة عند أهل العلم أن الناسخ والمنسوخ إنما يؤخذ به إذا تعذر الجمع بين الآيتين، أما إذا طرأ الاحتمال، وأمكن الجمع بين الآيتين والعمل بهما فلا معنى للقول بالنسخ، إذا إن الآية تحتمل جميع المعاني المتقدمة من تحريم النساء على النبي ﷺ إلا اللاتي أحلها الله له في قوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾، أو تحريم النساء غير المسلمات عليه.
يقول الحافظ النووي: " ولا يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع لان في النسخ إخراج أحد الحديثين عن كونه مما يعمل به" (٢).
ويقول ابن العربي: "لا يصح القول على نسخ آية وإحكامها إلا بعد فهم معناها، وذلك أن قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ مفهوم وقوله: ﴿مِنْ بَعْدُ﴾ محتمل، لأنه يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: لا يحل لك النساء من بعد من عندك. والثاني: لا يحل لك النساء من غير المسلمات. الثالث: لا يحل لك النساء من بعد ما أحللنا لك في الآية المتقدمة" (٣).
الثالث: مما يدل على أن الآية مُحكمة، وتدل على أن النبي يجوز له أن ينكح ما بعد التسع أن الله تعالى قال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ ولفظ: (بعد) يجوز أن يكون بمعنى (غير) كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [سورة الجاثية: ٢٣] وهو استعمال كثير في
стр. 987
اللغة، ومما يؤيد هذا المعنى التعبير بلفظ الأزواج في قوله: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ أي غيرهن، وعلى هذا المحمل حمل الآية ابن عباس ﵁ فقد روى الترمذي عنه قال: «نهي رسول الله ﷺ عن أصناف النساء إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات» (١)، فقال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ فأحل الله المملوكات المؤمنات ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾، ويجوز أن يكون (بعد) مرادا به الشيء المتأخر عن غيره وذلك حقيقة معنى البعدية فيتعين تقدير لفظ يدل على شيء سابق (٢).
تنبيهان:
الأول: ما روي عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أنه قالت: " ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل له النساء " (٣). لم يصح إسناده، وعلّق عليه ابن العربي بقوله: «وجماعة وجعلوا حديث عائشة سنة ناسخة، وهو حديث واه، ومتعلق ضعيف» (٤).
الثاني: ما تعقب به القاسمي ﵀ على من سبقه بقوله: " وكل ذلك لا برهان معه، وتفكيك للمعنى، وغفلة عن سر تكريمه صلوات الله عليه بمقصود الخطاب"، ليس كما قال، فما تقدم بيانه من أقوال أهل العلم في المراد من الآية، ليس فيه تفكيك لمعنى الآية، ولم يذكر القاسمي ﵀ في تفسير الآية سر تكريمه ﵊ بمقصود الخطاب.
стр. 988
• النتيجة:
بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، من أن قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ من المحكم الذي يدل على جواز نكاح النبي ﷺ ما بعد التسع، بخلاف ما ذهب إليه القاسمي ﵀، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.
стр. 989
سورة يس
стр. 990
سورة يس
١٦٩ - قال القاسمي: هي مكية. واستثنى منها بعضهم قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [سورة يس: ١٢] الآية، لما أخرجه الترمذي والحاكم عن أبي سعيد قال: "كانت بنو سلمة في ناحية المدينة. فأرادوا النقلة إلى قرب المسجد فنزلت هذه الآية". ولا حاجة لدعوى الاستثناء فيها وفي نظائرها. لأن ذلك مبني على أن المراد بالنزول أن الواقعة كانت سببا لنزولها، مع أن النزول في الآثار يشمل ذلك، وكل ما تصدق عليه الآية، كما بيناه مرارا. لا سيما في المقدمة. يؤيده أنه جاء في هذه الرواية أنه ﷺ قرأ لهم هذه الآية. كما في رواية الصحيحين. وهكذا يقال فيما روي أن آية ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة يس: ٣٧]. من هذه السورة نزلت في المنافقين. فإن المراد ما ذكرناه. ولم يهتد لهذا التحقيق أرباب الحواشي هنا، فاحفظه (١).
• أقوال أهل العلم في سورة يس من حيث المكي والمدني:
القول الأول: أن سورة يس كلها مكية، من غير استثناء.
القول الثاني: أن سورة يس مكية، إلا ما استُثني منها كقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾.
أصحاب القول الأول:
ابن عباس ﵁ في رواية: " سورة يس نزلت بمكة"، وبنحو ذلك روي عن عائشة، والحسن، وعكرمة، وقتادة في رواية (٢).
стр. 991
ابن قتيبة: "سورة يس مكية كلها" (١).
أبو حفص النسفي: "وهذه السورة مكية، وهي ثلاث وثمانون آية، وقيل: اثنتان وثمانون آية" (٢).
أبو حيان: " هذه السورة مكية، إلا أن فرقة زعمت أن قوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ نزلت في بني سلمة من الأنصار" (٣).
أصحاب القول الثاني:
ابن عباس ﵁ في رواية: "سورة يس مكية إلا آية منها وهي قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا﴾ الآية، وبنحو ذلك روي عن قتادة في رواية (٤).
النيسابوري: " سورة يس مكية سوى آية نزلت في اليهود قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا﴾ " (٥).
السيوطي: " سورة (يس) مكية، واستثني منها: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ " (٦).
الوادعي (٧): "إذا ثبت أن هذه الآية نزلت بمكة - يعني: قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ - فلا مانع من نزولها مرتين، وإن لم يثبت نزولها بمكة فقد تكون السورة مكية إلا
стр. 992
آية كما هو معروف" (١).
• دراسة المسألة:
بعد التتبع والنظر في أقوال أهل العلم وما ذكره المفسرون في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن سورة يس كلها مكية بلا استثناء، وذلك من وجهين:
الأول: أنه قد نقل ابن عطية إجماع المفسرين على أن السورة مكية، ولا شك أن الإجماع حجة باتفاق أهل العلم.
قال ابن عطية ﵀: "هذه السورة مكية بإجماع إلا أن فرقة قالت إن قوله، ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [سورة يس: ١٢] نزلت في بني سلمة من الأنصار حين أرادوا أن يتركوا ديارهم وينتقلوا إلى جوار مسجد رسول الله ﷺ فقال لهم: «دياركم تكتب آثاركم» " (٢).
الثاني: أن السور المكية؛ لها أسلوب تمتاز به، ومنها سورة يس بقوة الأسلوب، وجزالة اللفظ، بخلاف السور المدنية فإن أسلوبها ألين؛ لأنه يخاطب قومًا آمنوا، ويخاطب أيضًا قومًا فيهم أهل كتاب، ليس عندهم من البلاغة في اللغة العربية ما عند العرب، مما يدل على أن السورة مكية، وإذا جعلناها مكية فإننا لا نقول باستثناء شيء منها؛ لأن الأصل أن السورة المكية كلها مكية، وأن السورة المدنية كلها مدنية (٣).
وهذه السورة بدأت بذكر الأحرف المُقطعة، وفيها يذكر الله تعالى في الآيات قصص موسى ﵊، وتقرير البعث والنشور، مما يتفق مع ضوابط القرآن المكي.
стр. 993
الجواب عن استدلال من قال بالاستثناء في سورة يس:
ذهب أصحاب القول الثاني إلى أن سورة يس مكية إلا قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ فهو من المدني.
واستدلوا على ذلك بحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كانت بنو سلمة في ناحية المدينة فأرادوا النُقلَةَ إلى قرب المسجد فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ فقال رسول الله ﷺ : «إن آثاركم تكتب فلا تنتقلوا» (١).
والجواب عن هذا الاستدلال من أوجه:
الوجه الأول: أن أهل العلم اختلفوا في قبول الحديث، فمنهم من ذهب إلى أن الحديث حسن ومقبول كما تقدم عند الترمذي، ومنهم من رده ولم يعتبره سبب لنزول الآية:
قال ابن كثير بعد ذكر حديث أبي سعيد: (وفيه غرابة من حيث ذكر نزول هذه الآية والسورة بكمالها مكية فاللَّه أعلم) (٢).
وقال ابن عاشور: "وتوهم راوي الحديث عن الترمذي أن هذه الآية نزلت في ذلك، وسياق الآية يخالفه، ومكيتها تنافيه" (٣).
الوجه الثاني: يحتمل أن تكون الآية نزلت بمكة ولكن الله تعالى احتج بها عليهم في المدينة، ووافقها قول النبي ﷺ في المعنى، والله أعلم (٤).
الوجه الثالث: أن سياق الآيات قبلها يدل على أن الآية تُخاطب كفار قريش،
стр. 994
وليست خطابًا للمؤمنين فقوله تعالى ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ إلخ تذييل عام للفريقين المصممين على الكفر والمُشْفَعَين بالإنذار ترهيبا وترغيبا ووعيدا ووعدا، وتكرير الضمير لإفادة الحصر أو للتقوية (١).
الوجه الرابع: على التسليم بصحة الحديث، فيُحتمل أن تكون الآية نزلت مرتين، وفي هذا يقول ابن القيم ﵀ بعد إيراده قول من قال بنزول الآية: " وفي هذا القول نظر؛ فإن سورة "يس" مكية، وقصة بني سَلِمة بالمدينة، إلا أن يقال: هذه الآية وحدها مدنية.
وأحسن من هذا أن تكون ذُكِرت عند هذه القصة ودلَّت عليها، وذُكِّروا بها عندها، إما من النبي ﷺ أو من جبريل ﵇، فأطلق على ذلك: النزول، ولعل هذا مراد من قال في نظائر ذلك: نزلت مرتين (٢).
• النتيجة:
بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، من أن سورة يس كلها مكية، من غير استثناء، لما تقدم إيراده من الوجهيْن الداليْن على ذلك، وما تم إيراده من الجواب على ما استدل به أصحاب القول الثاني، والله أعلم.
стр. 995
١٧٠ - قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [سورة يس: ١٣].
قال القاسمي: وما من حاجة إلى تسمية تلك المبهمات كائنة ما كانت - يعني تعيين المراد من القرية بأنها أنطاكية-، ..... إلى أن قال: إلا أنه يؤاخذ من يجزم بتعيين مبهم ما، إن كان جزمه من غير طريق القواطع فإن القاطع. هو ما تواتر أو صح سنده إلى المعصوم، صحة لا مغمز فيها. وهذا مفقود في الأكثر، .... إلى أن قال: فالمفسر أحسن أحواله أن يمشي مع التنزيل، إجمالا فيما أجمله وتفصيلا فيما فصله، ولا يأخذ من إيضاح مبهماته إلا بما قام عليه قاطع أو كان لا ينبذه العلم الصحيح. وإلا فليعرض عن تسويد وجوه الصحف بذلك، بل عن تشويهها (١).
• أقوال أهل العلم في المراد من القرية في قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾:
القول الأول: أن المراد: قرية أنطاكية (٢).
القول الثاني: أن المراد: قرية من القرى، من غير تعيين وجزم بأنها أنطاكية.
أصحاب القول الأول:
الطبري: "يقول تعالى ذكره: ومثل يا محمد لمشركي قومك مثلا أصحاب القرية ذكر أنها أنطاكية" (٣).
стр. 996
الزجاج: " جاء في التفسير أنهم أهل إنطاكية، وجه إليهم عيسى اثنين فكذبوهما" (١).
الثعلبي: " قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ وهي أنطاكية" (٢).
البغوي: " ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ يعني: اذكر لهم شبها مثل حالهم من قصة أصحاب القرية وهي أنطاكية" (٣).
أصحاب القول الثاني:
ابن كثير: " هذه القرية المذكورة في القرآن العظيم قرية أخرى غير أنطاكية، كما أطلق ذلك غير واحد من السلف أيضا. أو تكون أنطاكية إن كان لفظها محفوظا في هذه القصة مدينة أخرى غير هذه المشهورة المعروفة، فإن هذه لم يعرف أنها أهلكت لا في الملة النصرانية ولا قبل ذلك، والله أعلم" (٤).
السعدي: " وتعيين تلك القرية، لو كان فيه فائدة، لعينها الله، فالتعرض لذلك وما أشبهه من باب التكلف والتكلم بلا علم" (٥).
العثيمين: "المراد بالقرية هنا: قرية غير معينة، وتكون (ال) للجنس لا للعهد الذهني، يعني: اضرب مثلًا لهم في قرية غير معينة وهذا هو الصحيح، وذلك لأن الله لو كان في بيان هذه القرية بعينها مصلحة لبينها" (٦).
• دراسة المسألة:
بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم، واستقراء ما ذكره المفسرون في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، من أن المراد من القرية في قوله
стр. 997
تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ قرية أنطاكية، وذلك من أوجه:
الأول: أن القول بتعيين المراد من القرية في قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ بأنها قرية أنطاكية، هو الذي عليه أكثر المفسرين (١)، وقيل جميع المفسرين (٢).
وقال الكرماني: "أصحاب القرية وهي: أنطاكية بإجماع المفسرين" (٣).
الثاني: أن القول بتعيين المراد من القرية في قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ هو الذي عليه جماعة من السلف، كابن عباس، وعكرمة، وقتادة وبريدة، والزهري، ومقاتل، ويحيى بن سلام، وغيرهم (٤).
ولا يُعلم لم مخالف من السلف إلا ما قاله عبد الملك بن جريج في تفسير الآية: " ذكر لنا: أنها قرية من قرى الروم" (٥)، وهذا لا يعني أنه ينفي بأن تكون هذه القرية: أنطاكية، والله أعلم.
الثالث: ما جاء عن الحسن: أن الرجل الصالح الذي جاء من أقصى المدينة يسعى، يدعو قومه إلى عبادة الله ويُريد هدايتهم، قد قتله قومه، خرقوا خرقا في حلقه فعلقوه من سور المدينة، وقبره في سوق أنطاكية، فأوجب الله له الجنة (٦).
فدل هذا على أن المقصود من القرية في الآية هي: قرية أنطاكية، والله أعلم.
стр. 998
تنبيه:
ذكر القاسمي بأن تعيين البلدة بأنها أنطاكية وتسمية الرسل، إنما روي موقوفا ومنقطعا، وفي بعض إسناده متهمون. ولذا قد يرد على من يقطع بذلك ما لا مخرج له منه (١).
وهذا الذي ذكره ليس على جميع ما روي، فإن ما رواه الطبري في تفسيره عن قتادة: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ الآية. [سورة يس: ١٤] قال: «ذكر لنا أن عيسى ابن مريم بعث رجلين من الحواريين إلى أنطاكية مدينة بالروم فكذبوهما، فأعزهما بثالث» (٢). إسناده حسن لأن فيه بشر بن معاذ العقدي وهو صدوق (٣)، وباقي رجاله ثقات.
وكذا ما رواه عن عكرمة: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ قال: أنطاكية (٤). فإن رجال إسناده ثقات، وإسناده صحيح.
أما ما رواه الطبري عن كعب بن الأحبار ووهب بن منبه، قال: " كان بمدينة أنطاكية فرعون من الفراعنة يقال له أبطيحس بن أبطيحس يعبد الأصنام، صاحب شرك" الأثر (٥). فلم يصح إسناده كما قال القاسمي ﵀، لأن فيه: محمد بن حميد الرازي، وهو ضعيف (٦).
وفي إسناده أيضًا: أن ابن إسحاق يقول: فيما بلغه عن ابن عباس، والبلاغات ضعيفة لأن فيها انقطاع، فلا يُعلم من بينه وبين ابن عباس وكعب بن الأحبار، والله أعلم.
стр. 999
• النتيجة:
يتبين من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد من القرية في قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾، هي قرية أنطاكية، بخلاف ما ذهب إليه القاسمي ﵀، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.
стр. 1000
سورة الصافات
стр. 1001
سورة الصافات
١٧١ - قوله تعالى: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾ [سورة الصافات: ٨].
قال القاسمي: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾ قرئ بالتخفيف والتشديد. وأصله (يتسمعون) أي يتطلبون السماع. والضمير لكل شيطان. لأنه في معنى الشياطين. والجملة مستأنفة لبيان ما عليه حال المسترقة للسمع من أنهم لا يقدرون أن يسمعوا إلى كلام الملائكة إلخ. أو هي علة للحفظ. أي لئلا يسمعوا. فحذفت اللام ثم (أن) وأهدر عملها. وضعفوه بلزوم اجتماع حذفين، وهو منكر. كما ذكروه في قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [سورة النساء: ١٧٦]، أي لئلا تضلوا، وقد يقال: إنما ينكر حذف شيئين فيما يخل بانسجام الكلام. أما في تقدير أمر له نظائر، ومرجعه إلى تحليل معنى. لا يأباه اللفظ- فلا وجه للتعصب في رده، لمجرد أن الكوفيين، مثلا، ذهبوا إليه أو غيرهم. وشاهد المعنى أعدل من حكم القواعد وتحكيمها (١).
• أقوال أهل العلم في المراد من الجملة في قوله تعالى: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾:
القول الأول: أن الجملة في قوله تعالى: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾: مستأنفة، والمعنى: أن حال المسترقة للسمع أنهم لا يقدرون أن يسمعوا إلى كلام الملائكة، لعدم جواز اجتماع الحذفين، يعني: (أن) و (لا) إن قيل بأن المراد: لئلا يسمعوا، فإن ذلك منكر.
القول الثاني: أن الجملة في قوله تعالى: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾: تعليلية، والمعنى: لئلا يسمعوا، لجواز اجتماع الحذفين.
стр. 1002
أصحاب القول الأول:
الزمخشري: "كل واحد من هذين الحذفين غير مردود على انفراده، فأما اجتماعهما فمنكر من المنكرات، على أن صون القرآن عن مثل هذا التعسف واجب" (١).
السخاوي: "و ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾ مستأنف، التقدير: أن سائلا قال: فما شأنهم عند التسمع؟ قلت: لا يسمعون، وهم مطرودون عن التسمع" … إلى أن قال: "الحذف في هذين الحرفين معا منكر، أما حذف أحدهما فجائز" (٢).
البيضاوي: " ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ كلام مبتدأ لبيان حالهم بعد ما حفظ السماء عنهم، ولا يجوز جعله صفة لكل شيطان فإنه يقتضي أن يكون الحفظ من شياطين لا يسمعون، ولا علة للحفظ على حذف اللام … إلى أن قال: فإن اجتماع ذلك منكر" (٣).
أبو حيان: "قول من قال: إن الأصل لأن لا يسمعوا، فحذفت اللام و (أن)، فارتفع الفعل، قول متعسف يُصان كلام الله عنه" (٤).
أبو السعود: "فأمَّا اجتماعهما -يعني حذف (أن) و (لا) - فمن أنكر المنكرات التي يجب تنزيه ساحة التنزيل الجليل عن أمثالها" (٥).
أصحاب القول الثاني:
الطبري: " الأخبار الواردة عن رسول الله ﷺ وعن أصحابه، أن الشياطين قد تتسمع الوحي، ولكنها ترمى بالشهب لئلا تسمع" (٦).
стр. 1003
السمرقندي: "من قرأ بالتشديد فأصله يتسمعون، فأدغمت التاء في السين، وشددت. يعني: لكيلا يستمعون إلى الملإ الأعلى يعني: إلى الكتبة" (١).
ابن أبي زمنين: " ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾ أي: لئلا يسمعون ﴿إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ يعني: الملائكة في السماء" (٢).
الكرماني: " ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ أي: إلى كلام الملأ الأعلى وهم الملائكة، وتقديره: أن لا يسمعوا أي: لئلا يسمعوا، فلما حذف (أن) رفعه الفعل وعداه بإلى لأنه في معنى الإصغاء" (٣).
ابن الجوزي: " ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾ أي لكيلا يسمعوا إلى الملأ الأعلى وهم الملائكة" (٤).
ابن كثير: " ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ أي: لئلا يصلوا إلى الملأ الأعلى، وهي السماوات ومن فيها من الملائكة" (٥).
• دراسة المسألة:
بعد التتبع والنظر في أقوال أهل العلم وما ذكره المفسرون في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما عليه أصحاب القول الثاني من أن الجملة في قوله تعالى: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾: تعليلية، والمعنى: لئلا يسمعوا، وأنه يجوز اجتماع الحذفين، وذلك من أوجه:
الأول: الشواهد من الآيات القرآنية التي تدل على ذلك: ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ أي: أي لئلا تضلوا. فحذف اللام و «لا» جميعا من محليهما (٦).
стр. 1004
وكذا قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [سورة النحل: ١٥]، أي: لئلا تميد بكم (١).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [سورة فاطر: ٤١]، أي: لئلَاّ تزولا. وقوله: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ [سورة الحج: ٦٥] يعني لئلا تقع على الأرض (٢).
الثاني: الشواهد من اللغة الدالة على جواز اجتماع الحذفين، ومن ذلك قول الشاعر:
ألا أيُّهذا الزاجري أحضرُ الوَغى … وأن أشهدَ اللذّاتِ هل أنت مُخْلدي (٣).
فأصل الكلام: ألا أيُّهذا الزاجري عن أن أحضرُ الوَغى. يريد عن حضور الوغى، وحذف (عن) فصار (أن أحضرُ الوَغى) ثم حذف (أنّ) ورفع الفعل
والوغى: الأصوات في الحرب، والوغى: الحرب. يقول: يا أيها الرجل، أنت تلحانيْ وتزجرني حتى لا أحضر الحرب، وتلومني على حضورها وعلى أن أنفق مالي في شرب الخمرْ واللذات، وأنا قد علمت أني ميت، لا يمكنني أن أدفع الموت عن نفسي، فإن كنت أنت يمكنك أن تدفع عني الموت، أطعتك فيما تأمرني به من إمساك مالي، وترك إنفاقي. وإن لم يمكنك هذا فاتركني أصرف مالي فيما أشتهي في أيام حياتيْ وانتفع به (٤).
الثالث: مما يدل على أن اجتماع الحذفين في الحروف جائز في اللغة، جواز حذف جمل متعددة، وإذا جاز حذف الجمل فلم لا يجوز حذف حرفين (٥).
من أمثلة ذلك: قوله تعالى حكاية عن مريم- ﵍ ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي
стр. 1005
غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [سورة مريم: ٢١]، فقوله: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾، تعليل معلله محذوف: أي وإنما فعلنا ذلك لنجعله آية للناس، فذكر السبب الذي صدر الفعل من أجله، وهو جعله آية للناس، ودل به على المسبب الذي هو الفعل (١).
وكذا في قوله تعالى في سورة يوسف: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ [سورة يوسف: ٤٦] في الآيات تقدير حذف يفهمه من ينظر في سياق الآيات ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ فأرسلوه إلى يوسف، فقابل يوسف فقال له: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا﴾ (٢).
الرابع: ما ورد من آثار عن بعض من السلف تدل على أن الجملة في قوله تعالى: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾: تعليلية، والمعنى: لئلا يسمعوا.
قال يحيى بن سلام: "قوله: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾ أي: لئلا يسمعوا ﴿إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ الملائكة في السماء، وكانوا يسمعون قبل أن يبعث النبي ﷺ أخبارا من أخبار السماء، فأما الوحي فلم يكونوا يقدرون على أن يسمعوه، وكانوا يقعدون منها مقاعد للسمع، فلما بعث الله النبي ﷺ منعوا من تلك المقاعد" (٣).
وقال مقاتل بن سليمان: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾، يعني: الملائكة، وكانوا قبل النبي ﷺ يسمعون كلام الملائكة (٤).
وأخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس ﵁، قال: " كانت للشياطين مقاعد في السماء، قال: فكانوا يسمعون الوحي، قال: وكانت النجوم لا تجري، وكانت الشياطين لا
стр. 1006
ترمى، قال: فإذا سمعوا الوحي نزلوا إلى الأرض، فزادوا في الكلمة تسعا؛ قال: فلما بعث رسول الله ﷺ جعل الشيطان إذا قعد مقعده جاء شهاب، فلم يخطه حتى يحرقه" (١).
فدل هذا على أن العلة من الحفظ لئلا يستمع الشياطين إلى الوحي، وإلا لما كان للحفظ معنى في قوله تعالى: ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ [سورة الصافات: ٧].
• النتيجة:
بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن الجملة في قوله تعالى: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾: تعليلية، والمعنى: لئلا يسمعوا، وأنه يجوز اجتماع الحذفين، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، الله أعلم.
стр. 1007
١٧٢ - قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [سورة الصافات: ١٥٨].
قال القاسمي: فسر بعضهم (الجنة) بالملائكة المحدث عنها قبل. والضمير في (إنهم) للكفرة. ولعل ما ذكرناه أولى، لخلوه عن تشتيت الضمائر، ولموافقته للأغلب من استعمال الجن والجنة. وذلك فيما عدا الملائكة. وقلنا (الأغلب) لما سمع من إطلاق الجن في الملائكة.
قال الأعشى يذكر سليمان ﵇:
وَسَخَّرَ مِنْ جِنِّ الْمَلَائِكِ تِسْعَةً … قِيَامًا لَدَيْهِ يَعْمَلُونَ بِلَا أَجْرِ (١).
إلى أن قال القاسمي: وبيت الأعشى لا يصلح حجة، لفساد مصداقه. لأن سليمان لم تسخر الملائكة لتشيد له المباني. وليس ذلك من عملهم ﵈. وقد مر الكلام على ذلك في تفسير سورة (سبأ) (٢).
• أقوال أهل العلم في المراد من الجِنَّة في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ (٣):
القول الأول: أن المراد من الجِنة: الجن والشياطين.
القول الثاني: أن المراد من الجِنة: الملائكة.
стр. 1008
أصحاب القول الأول:
جماعة من السلف وهم: ابن عباس، وعطية السعدي ﵁ (١)، وقتادة في رواية، والحسن (٢).
أبو حفص النسفي: "قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ﴾: وهم الجن" (٣).
أبو حيان: "الظاهر أن الجِنة هم الشياطين" (٤).
ابن القيم: "والصحيح: خلاف ما ذهب إليه هؤلاء - يعني: الملائكة-، وأن الجنة هم الجن أنفسهم، كما قال تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [سورة الناس: ٦] " (٥).
أصحاب القول الثاني:
جماعة من السلف وهم: مجاهد، وقتادة في رواية، والسدي، وعكرمة (٦).
الفراء: " وقوله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ يقال: الجنة هاهنا الملائكة. جعلوا بينه وبين خلقه نسبا" (٧).
الزجاج: " ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ الجنة ههنا الملائكة" (٨).
الزمخشري: " ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ أي: وجعلوا بين الله وبين الجنة وأراد
стр. 1009
الملائكة نسباً وهو زعمهم أنهم بناته" (١).
• دراسة المسألة:
من خلال استقراء ما ذكره أهل العلم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾، يتبين أن الصواب من أقوالهم ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد من الجِنة: الجن من الشياطين والمردة، وذلك من أوجه:
الأول: أن الجِنة اسم للجن لا للملائكة، قال الله تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ يعني الجن، وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سورة المؤمنون: ٧٠] أي جن أصابه بمس، ولا يمكن أن يعبر بالجن الذين خلقوا من نار عن الملائكة الذين خلقوا من نور، وهم من أشرف خلق الله ، قال الله تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [سورة الأنبياء: ٢٨] فالمراد بالجنة هنا الجن الذين هم: خلق غيبي خلقوا من نار، ولكن كيف جعلوا نسبًا؟ المراد بالنسب مجرد الصلة وليس النسب الذي هو القرابة، بل النسب الذي هو الصلة، وذلك أن المشركين لما قالوا: إن الملائكة بنات الله. قيل لهم: لا بنات إلا بزوجة، قالوا: نعم إن الله -جل وعلا وسبحانه عما يصفون- تزوج من الجن جنية فولدت الملائكة -قاتلهم الله- هذا هو النسب الذي جعلوا بين الله وبين الجنة، فالمراد أن النسب هنا مطلق الصلة، لا صلة القرابة فقط، هذا هو المعنى الذي يدل عليه استعمال الجنة في كلام الله، وأن المراد بالجِنة الجن (٢).
الثاني: من حيث اللغة: فإن الجِنة تطلق على جماعة الجن خاصة، كما في قوله تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ وقوله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ (٣)، بخلاف لفظ:
стр. 1010
(الجن) فإنه يجوز أن يُراد به: الملائكة باعتبار أنها مستترة عن الحواس، لأن الجن مأخوذ من الاجتنان، وهو الستر فعلى هذا تدخل الملائكة فيه فكل الملائكة جن لاستتارهم وليس كل جن ملائكة (١).
الثالث: أن من أهل العلم من رد إطلاق الجن على الملائكة وذلك أن الله خلق الملائكة من نور لا من نار كالجن. والملائكة معصومون. ولا يتناسلون ولا يتصفون بذكورة وأنوثة، بخلاف الجن. ولهذا قال الجماهير: الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [سورة البقرة: ٣٤]، منقطع أو متصل. لكونه كان مغمورا فيهم، متخلقا بأخلاقهم (٢).
تنبيه:
أكثر أهل العلم من المفسرين على أن المراد من الجِنة في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ الملائكة (٣)، وهذا لا يعني أن يكون الراجح هو ما ذهبوا إليه، فالعبرة ليست بالكثرة، ولعل الصواب هو ما تقدم تقريره، والله أعلم.
• النتيجة:
من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الأقرب للصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد من الجِنة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ﴾: الجن والشياطين، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.
* * *
стр. 1011
سورة الشورى
стр. 1012
سورة الشورى
١٧٣ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [سورة الشورى: ٣٩].
نقل السيوطي في (الإكليل) عن الكيا الهراسيّ أنه قال: قد ندب الله إلى العفو في مواضع من كتابه، وظاهر هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ أن الانتصار أفضل (١). قال، وهو محمول على من تعدى وأصرّ، لئلا يتجرأ الفساق على أهل الدين. وآيات العفو فيمن ندم وأقلع (٢).
قال القاسمي: وعجيب فهمه الأفضلية من الآية، فإنها لا تدل عليه، عبارة ولا إشارة. فإنه تعالى لم يرغب في الانتصار. وإنما بين أنه مشروع لهم إذا شاءوا. ثم بين بعده أن مشروعيته بشرط رعاية المماثلة. ثم بين أن العفو أولى، وهو الذي انتهى إليه الكلام، وتم به السياق. وكذلك لا حاجة إلى حمل الانتصار على من تعدى. وذلك لأن الانتصار بالمثل من فروع علم العقوبات والجزاء المشروعة لإقامة الحق والعدل، .... إلخ (٣).
• أقوال أهل العلم في دلالة قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ على أفضلية الانتصار:
القول الأول: أن الآية تدل على أن الانتصار أفضل.
القول الثاني: أن الآية تدل على أن الانتصار مشروع، وليس بأفضل.
أصحاب القول الأول:
الجصاص: " ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ يدل ظاهره على أن الانتصار في
стр. 1013
هذا الموضع أفضل، ألا ترى أنه قرنه إلى ذكر الاستجابة لله تعالى وإقامة الصلاة؟ " (١).
ابن الفرس: " ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ يدل ظاهره على أن الانتصار في هذا الموضع أفضل وهو محمول على ما ذكر النخعي من أنهم كانوا يكرهون للمؤمنين أن يدلوا أنفسهم فيجترؤوا عليهم الفساق" (٢).
أصحاب القول الثاني:
الزبير الغرناطي: " ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ فأشار إلى أن هؤلاء لا يظلمون أحدا وان أقصى ما يقع منهم الانتصار ممن يظلمهم وذلك مباح لهم غير قبيح" (٣).
الرازي: " فإنه تعالى لم يرغب في الانتصار بل بين أنه مشروع فقط، ثم بين بعده أن شرعه مشروط برعاية المماثلة، ثم بين أن العفو أولى بقوله فمن عفا وأصلح فأجره على الله" (٤).
ابن كثير: " ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ أي: فيهم قوة الانتصار ممن ظلمهم واعتدى عليهم، ليسوا بعاجزين ولا أذلة، بل يقدرون على الانتقام ممن بغى عليهم، وإن كانوا مع هذا إذا قدروا وعفوا" (٥).
أبو السعود: " ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ أي ينتقمون ممن بغى عليهم على ما جعله الله تعالى لهم كراهة التذلل وهو وصف لهم بالشجاعة بعد وصفهم بسائر مهمات الفضائل وهذا لا ينافي وصفهم بالغفران فإن كلا منهما فضيلة محمودة في موقع نفسه ورذيلة مذمومة في موقع صاحبه" (٦).
стр. 1014
• دراسة المسألة:
بعد التتبع والنظر في أقوال أهل العلم وما ذكره المفسرون في هذه المسألة، يتبين أن الأصل في هذه المسألة يرجع إلى إمام المسلمين وولي أمرهم، بحسب المصحة التي يراها، إن كان الانتصار أفضل أم العفو.
وعليه فالآية تدل على أن الانتصار أفضل من العفو في أحوال، وتدل على أنه مشرع في أحوال إن كان العفو أفضل، وذلك مما يلي:
أولا: فيما يتعلق بالجهاد وقتال الكفار والأذى الجسماني، فإن الانتصار في هذه الحال أفضل من العفو والله أعلم، فإذا نال المسلمين البغي من الكفار فهم ينتصرون بالجهاد؛ كما قال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ الآية [سورة الحج: ٣٩]. في هذا يقول عطاء في تفسير الآية: يعني المؤمنين الذين أخرجهم الكفار من مكة، وبغوا عليهم، ثم مكنهم الله في الأرض، حتى انتصروا ممن ظلمهم (١).
وعن عبد الملك ابن جريج، في قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ﴾ قال: "هذا محمد ﷺ ظلم وبغي عليه وكذب ﴿هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ قال: ينتصر محمد ﷺ بالسيف" (٢).
ثانيًا: فيما يتعلق بالخصومات والنزاعات التي تحصل بين الناس والأذى اللفظي، ففي مثل هذه الحال يكون العفو أفضل من الانتصار، كما يدل عليه سياق الآيات بعدها، فالمنتصر مستوفٍ لحقٍّ جُعل له، والغافر تارك الحق، لكن إذا جُعل له الاستيفاء دخل فيما ذكر من المستجيبين لله تعالى، لكن تارك الحق أفضل من مستوفي الحق، وعلى ذلك حث اللَّه تعالى رسوله بالعفو عن المظلمة وترك الانتصار والمكافأة، وأخبر أنه من عزم الأمور حيث قال: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [سورة الشورى: ٤٣] (٣).
стр. 1015
وفي هذا أيضًا يقول إبراهيم النخعي في تفسير الآية: " كانوا يكرهون للمؤمنين أن يستذلوا، وكانوا إذا قدروا عفوا" (١).
ثالثًا: فيما يتعلق في أحوال إقامة العقوبات على أهل الفسق والفجور: فإذا كان الباغي معلنا بالفجور، مُصرا على الظلم، وقحا في الجمهور، مؤذيا للصغير والكبير، فيكون الانتقام منه أفضل، وإذا كان معترفًا بالزلة، ويسأل المغفرة، فالعفو هاهنا أفضل، وفي مثله نزلت: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [سورة البقرة: ٢٣٧] (٢).
وبهذا يتبين أن الآية تدل على أن الانتصار أفضل في أحوال، وليس كما يُفهم من قول القاسمي ﵀ من أن الآية لا تدل على ذلك. وتدل أيضًا بأن العفو أفضل في أحوال، كما تقدم.
• النتيجة:
يتبين من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الصواب بأن الآية تدل على أن الانتصار ليس بأفضل مطلقًا، وإنما أفضل في أحوال، بخلاف ظاهر ما ذهب إليه القاسمي ﵀ من أن الآية تدل على أن العفو أفضل في جميع الأحوال لما تقدم بيانه، والله أعلم.
стр. 1016
١٧٤ - قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [سورة الشورى: ٥١].
استدل مالك بقوله: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ على أن من حلف لا يكلم زيدا، فأرسل إليه رسولا أو كتابا، أنه يحنث. لأنه تعالى استثناه من الكلام، فدل على أنه منه (١).
قال القاسمي: وفيه بعد. إذ لا يقال لمن ألهمه الله، إنه كلمه إلا مجازا. فلا يكون الاستثناء متصلا (٢).
• أقوال أهل العلم في الاستثناء وما يترتب عليه من معنى في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾:
القول الأول: أن الاستثناء متصل، وعليه: يكون الوحي بمعنى الكلام، أو نوعًا من الكلام.
القول الثاني: أن الاستثناء منفصل، وعليه: يكون الوحي بمعنى الالهام أو الاعلام، وليس بمعنى الكلام.
أصحاب القول الأول:
العمراني: "الاستثناء إنما يكون من جنس المستثنى منه، ولقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ والوحي: هو الرسالة، فدل على أن الوحي كلام. ولأن الجميع وضع لتفهيم الآدمي، فأشبه الكلام" (٣).
ابن الحاجب (٤): " ويجوز أن يكون استثناء منقطعا، وليس بواضح إذ المفهوم من
стр. 1017
سياق الكلام بيان حصول التكليم من الله لبشر، ولأنه لا ينبغي أن يعدل إلى المنقطع إلا بعد تعذر المتصل. والله أعلم" (١).
ابن عاشور: "إسناد فعل يكلمه إلى الله إسناد مجازي عقلي. وبهذا الاعتبار صار استثناء الكلام الموصوف بأنه وحي استثناء متصلا " (٢).
أصحاب القول الثاني:
أبو علي الفارسي: " ويجوز في قوله: ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾ أمران: أحدهما: أن يكون استثناء منقطعا، والآخر أن يكون حالا" (٣).
ابن رشد: " روى عن مالك: أنه لا يُنَوَّى فيهما جميعا - يعني نوى أن يكلمه بإرسال رسول أم لم ينوي-، وتلا قول الله : ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ الآية، وهو بعيد؛ لأن الصحيح في هذا الاستثناء إنما استثناء منفصل مقدر بـ (لكن) " (٤).
أبو البقاء: " ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾: استثناء منقطع؛ لأن الوحي ليس بتكليم" (٥).
• دراسة المسألة:
من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم، واستقراء ما قيل في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن أن الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾ منفصل، وذلك من أوجه:
أولا: أن الاستثناء المتصل يجب أن يكون المستثنى منه من جنس الكلام، كما تقول حضر الطلاب إلا زيدا، أو قام القوم إلا زيداً، وأما في هذه الآية فالمستثنى منه ليس من
стр. 1018
جنس المستثنى، فهناك فرق بين الكلام وفرق بين الوحي وإرسال الرسول.
فالوحي هو: إلقاء وإلهام، وليس بتكليم، وكذا إرسال الرسول ليس بتكليم (١).
ومن الشواهد على ذلك قوله تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [سورة آل عمران: ٤١] فاستثني الرمز من الكلام، والرمز ليس من جنس الكلام، وهكذا في هذه الآية، فالكلام ليس من جنس الوحي (٢).
الثاني: سياق الآية الذي دل على أن الاستثناء منفصل، إذ لو كان الوحي بمعنى الكلام في هذه الآية، للزم أن يقع في الآية تكرار وهذا محال، وذلك لأن قوله تعالى في الآية ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ يدل على أن هذا النوع من الوحي كلام حقيقي، وكما هو معلوم أن الذي كلمه الله تعالى من وراء حجاب هو موسى ﵇، كما ذكر هذا جمع من المفسرين (٣).
الثالث: مما يدل على أن الاستثناء منفصل وأن الوحي ليس كالتكليم: ما جاء عن الزهري أنه سئل عن قول الله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ الآية. قال: نزلت هذه الآية تعم من أوحى الله إليه من النبيين، فالكلام: كلام الله الذي كلم به موسى من وراء حجاب، والوحي: ما يوحي الله به إلى نبي من أنبيائه، فيثبت الله ما أراد من وحيه في قلب النبي فيتكلم به النبي ويبينه، وهو كلام الله ووحيه، ومنه ما يكون بين الله ورسله لا يكلم به أحد من الأنبياء أحدا من الناس، ولكنه سر غيب بين الله ورسله، ومنه ما يتكلم به الأنبياء ولا يكتبونه لأحد، ولا يأمرون بكتابته، ولكنهم يحدثون به الناس حديثا، ويبينون لهم أن الله أمرهم أن يبينوه للناس ويبلغوهم، ومن الوحي ما يرسل الله به من يشاء من اصطفى
стр. 1019
من ملائكته فيكلمون أنبياءه، ومن الوحي ما يرسل به إلى من يشاء فيوحون به وحيا في قلوب من يشاء من رسله" (١).
تنبيه:
ابن تيمية ﵀ له كلام حسن في بيان الفرق بين الوحي والتكليم في الآية، إذ يقول: "وقد دل كتاب الله على أن اسم الوحي والكلام في كتاب الله فيها عموم وخصوص، فإذا كان أحدهما عاما اندرج فيه الآخر، كما اندرج الوحي في التكليم العام في هذه الآية؛ يعني قوله : ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾. واندرج التكليم في الوحي العام؛ حيث قال تعالى: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [سورة طه: ١٣]. وأما التكليم الخاص الكامل فلا يدخل فيه الوحي الخاص الخفي الذي يشترك فيه الأنبياء وغيرهم .... إلخ (٢).
ولا شك بأن قوله حسن وله حظ من النظر، ولعل الأقرب للصوام ما تقدم إيراده، والله أعلم.
• النتيجة:
يتبين من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الأقرب للصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن أن الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾ منفصل، بخلاف ما ذهب إليه القاسمي ﵀، لما تقدم إيراده من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.