فالنبي ﷺ كان مأمورا بالدعاء بالحكمة والموعظة الحسنة، فلما عارضوه بأباطيلهم قيل له ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [سورة النحل: ١٢٥] ثم لما لم ينفع، قال له ربه: فأعرض عنهم ولا تقابلهم بالدليل والبرهان، فإنهم لا يتبعون إلا الظن، ولا يتبعون الحق (١).
وعلى هذا يحمل كلام الزمخشري المتقدم ومن وافقه من أصحاب القول الأول، من أن الإعراض في الآية المراد منه: الإعراض عن دعوة من لا يريد اتباع الحق ممن هو ميؤوس منه، ولا تُرجى منه الهداية (٢).
وعليه فيجوز في هذه الحال أن يكون المراد من الإعراض في الآية: الإعراض عن دعوة من كانت هذه صفته، ويجوز أن يكون المراد من الإعراض: الهجران والعفو والصفح عن من كان معرضا عن ذكر الله. وذلك مما يلي:
أولا: من ذهب إلى أن المراد من الإعراض: الإعراض عن دعوة من كان معرضا عن ذكر الله، يؤيد ما ذهب إليه بعضًا من الأوجه:
الوجه الأول: ما يذكره جماعة من المفسرين بأن الآية نزلت في النضر بن الحارث، أو في الوليد بن المغيرة (٣)، ومعلوم أن مثل هؤلاء ممن تولى وأعرض ولم يرد إلا الحياة الدنيا، يكون الأفضل في حقهم: الإعراض عن دعوتهم، والله أعلم.
الوجه الثاني: مناسبة الآية لما قبلها: وذلك أنه لما كان هذا دأب هؤلاء المذكورين في قوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [سورة النجم: ٢٨] أنهم لا غرض لهم في اتباع الحق، وإنما غرضهم ومقصودهم، ما تهواه نفوسهم، أمر الله رسوله بالإعراض عمن تولى عن ذكره، الذي هو الذكر الحكيم، والقرآن العظيم (٤)، فمن كانت هذا حاله فالأولى ترك دعوته بالإعراض عنه.
стр. 1052
الوجه الثالث: سياق الآيات بعد الآية: وذلك أن الله تعالى لما قال: للنبي ﷺ ، أعرض وكان النبي ﷺ شديد الميل إلى إيمان قومه وكان ربما هجس في خاطره، أن في الذكرى بعد منفعة، وربما يؤمن من الكافرين قوم آخرون من غير قتال، قال له: ﴿رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [سورة النجم: ٣٠] فهو يعلم من يجيب ومن لا يجيب، وقد علم أن هؤلاء أهل الطبع، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [سورة الكهف: ٥٧] (١).
فقد أخبر الله تعالى نبيه ﷺ بأن هؤلاء القوم ممن كتب الله عليه الضلالة، فأعرض عن نصحهم ودعوتهم.
الوجه الرابع: أن الله تعالى أخبر أن سبب الإعراض هو التولي، لأن من لا يصغي إلى قول، كيف يفهم معناه؟
فأمر الله نبيه ﷺ بالإعراض عن من هذه حاله، ثم ذكر سبب التولي عن الذكر، وهو حصر إرادته في الحياة الدنيا. فالتولي عن الذكر سبب للإعراض عنهم، وإيثار الدنيا سبب التولي عن الذكر (٢).
فمن تولى عن الذكر، وأبى أن يُصغي إليه، فالمشروع في حقه الإعراض عن دعوته، والله أعلم.
ثانيًا: من ذهب إلى أن المراد من الإعراض: الهجران والعفو والصفح عن من كان معرضا عن ذكر الله، يؤيد ما ذهب إليه بعض من الأوجه:
الوجه الأول: نظائر الآيات التي تؤيد ما ذهب إليه أصحاب هذا القول كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [سورة الفرقان: ٦٣] وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ
стр. 1053
آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [سورة الجاثية: ١٤]، وقوله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الزخرف: ٨٩]، وقوله تعالى: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [سورة المزمل: ١٠].
الوجه الثاني: أنه قد جاء الأمر بالتذكير والنصح في قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني ذكر كل أحد، فمن الناس من ينتفع، ومنهم لا ينتفع، والذي ينتفع هو المؤمن (١).
• النتيجة:
يتبين من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الصواب أن تحمل الآية على المعنيين بحسب حال المدعو إن كان الأفضل في حقه الإعراض بترك دعوته إن كان معرضًا، أو بهجرانه والصفح عنه، بخلاف ما ذهب إليه القاسمي ﵀ من تعقبه على من قال بأن المراد من الإعراض في الآية: الإعراض عن دعوة من كان معرضا، بهذا الإطلاق، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك لكلا الفريقين، والله أعلم.
стр. 1054
سورة الرحمن
١٨٢ - قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ [سورة الرحمن: ١٩].
قال القاسمي: قيل: المراد بحري فارس والروم، فإنهما يلتقيان في البحر المحيط، وبينهما برزخ من الأرض، لا يتجاوزان حديهما بإغراق ما بينهما- وهو مروي عن قتادة والحسن- قال الشهاب: لكنه أورد عليه أنه لا يوافق قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [سورة الفرقان: ٥٣] الآية. والقرآن يفسر بعضه بعضا (١).
واختار ابن جرير ما روي عن ابن عباس ﵁ وغيره، أنه عني به بحر السماء وبحر الأرض وذلك أن الله قال ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [سورة الرحمن: ٢٢]، واللؤلؤ والمرجان إنما يخرج من أصداف بحر الأرض عن قطر ماء السماء. فمعلوم أن ذلك بحر الأرض وبحر السماء (٢).
وفيه ما في الذي قبله من عدم موافقته لتلك الآية. والأصل في الآي التشابه (٣).
• أقوال أهل العلم في المراد من قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ (٤):
القول الأول: أن المراد: خلط البحرين: البحر المالح والبحر العذب، وبينهما حاجز لا يُرى بالعين.
القول الثاني: أن المراد: بحري فارس والروم، فإنهما يلتقيان في البحر المحيط، وبينهما برزخ من الأرض.
стр. 1055
أصحاب القول الأول:
مقاتل: " ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾ يعني حاجزا حجز الله أحدهما عن الآخر بقدرته فـ ﴿يَبْغِيَانِ﴾ يعني لا يبغي أحدهما على الآخر فلا يختلطان ولا يتغير طعمهما"، وبنحو ذلك روي عن قتادة (١).
الزجاج: " ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ معنى مرج خلط، يعني البحر الملح والبحر العذب، وقوله تعالى: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾، البرزخ الحاجز، وهو حاجز من قدرة الله، لا يبغيان لا يبغي الملح على العذب فيختلط به، ولا العذب على الملح فيختلط به" (٢).
الثعلبي: " ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ العذب والملح، أي: خلاهما وأرسلهما وخلقهما ﴿يَلْتَقِيَانِ﴾ وقيل: مرج: خلط ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾ حاجز وحائل من قدرة الله وحكمته" (٣).
الزمخشري: " ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ أرسل البحر الملح والبحر العذب متجاورين متلاقيين، لا فصل بين الماءين في مرأى العين ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾ حاجز من قدرة الله تعالى ﴿لَا يَبْغِيَانِ﴾ لا يتجاوزان حدّيهما ولا يبغى أحدهما على الآخر بالممازجة" (٤).
أصحاب القول الثاني:
الحسن البصري: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ قال: «بحر الروم، وبحر فارس واليمن»، وبنحو ذلك روي عن قتادة في رواية (٥).
البيضاوي: " ﴿يَلْتَقِيَانِ﴾ يتجاوران ويتماس سطوحهما، أو بحري فارس والروم يلتقيان في المحيط لأنهما خليجان يتشعبان منه" (٦).
стр. 1056
ابن كثير: " وقوله: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا﴾ أي: بين العذب والمالح ﴿بَرْزَخًا﴾ أي: حاجزا، وهو اليبس من الأرض، ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أي: مانعا أن يصل أحدهما إلى الآخر، كقوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠)﴾ " (١).
السعدي: "المراد بالبحرين: البحر العذب، والبحر المالح، فهما يلتقيان كلاهما، فيصب العذب في البحر المالح، ويختلطان ويمتزجان، ولكن الله تعالى جعل بينهما برزخا من الأرض، حتى لا يبغي أحدهما على الآخر" (٢).
• دراسة المسألة:
من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم، واستقراء ما قيل في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن أن المراد من قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ خلط البحرين ماء المالح وماء العذب خلع أحدهما على الآخر، وهو الذي عليه أكثر المفسرين (٣)، وذلك من أوجه:
أولا: أن المراد من المرج في كلام العرب: الخلط، ومنه قوله تعالى: ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [سورة ق: ٥].
فلو كان البرزخ الذي بين العذب الفرات من البحرين والملح الأجاج أرضا أو يبسا لم يكن هناك مرج للبحرين، وقد أخبر جل ثناؤه أنه مَرَجَهما، وإنما عرفنا قدرته بحجزه هذا الملح الأجاج عن إفساد هذا العذب الفرات، مع اختلاط كل واحد منهما بصاحبه. فأما إذا كان كل واحد منهما في حيز عن حيز صاحبه فليس هناك مرج، ولا هناك من الأعجوبة ما
стр. 1057
يُنَبه عليه أهل الجهل به من الناس ويُذَكرون به (١).
ثانيًا: أن الله تعالى وصف البحرين بأنهما يلتقيان، والالتقاء يقتضي المجاورة فلا فصل بينهما في مرأى العين، ومع ذلك فلم يختلطا، ولهذا قال: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾ أي: حاجز يحجز بينهما ﴿لَا يَبْغِيَانِ﴾ أي: لا يبغي أحدهما على الآخر بأن يدخل فيه ويختلط به (٢).
ثالثًا: نظائر الآيات الدالة على أن المراد من البحرين: البحر العذب والبحر المالح، يلتقيان فلا يبغي المالح على العذب، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [سورة الفرقان: ٥٣] ولا يصح أن يكون المراد من الآية: بحر الروم وبحر الفرس، لأن كلا هذين البحرين ملح أجاج (٣)، وقوله تعالى في الآية: ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ المراد منه المنع، وأن ﴿مَحْجُورًا﴾ توكيد له، أي: منعًا شديدًا للاختلاط بينهما (٤).
ومن ذلك أيضًا: قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ [سورة النمل: ٦١] وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [سورة فاطر: ١٢] (٥).
تنبيه:
ما روي عن ابن عباس أنه قال بأن المراد من قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ «بحر في السماء والأرض يلتقيان كل عام» (٦)، جاء من طريق عطية العوفي، عن أبيه. وكلاهما
стр. 1058
ضعيف ومتكلم فيه (١).
• النتيجة:
يتبين من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الأقرب للصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد من قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ أي: خلع البحرين: البحر المالح والبحر العذب، وبينهما حاجز لا يُرى بالعين، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.
стр. 1059
١٨٣ - قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ [سورة الرحمن: ٣٥].
قال القاسمي بعد إيراده كلام ابن القيم وما استشهد عليه من الآيات التي تؤيد ما ذهب إليه من أن الخطاب في الآية للكفار يكون يوم القيامة: وأنت ترى أن لا قرينة تخصص الآية بالقيامة، وما استشهد به من الآيات لا يؤيده، لأنه ليس من نظائره. فالوجه ما ذكرناه (١).
• أقوال أهل العلم في الزمن الذي يُخاطب الله تعالى الكفار من الإنس والجن بقوله: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾:
القول الأول: أن خطاب الله تعالى للكفار من الجن والإنس في الآية يكون في الآخرة.
القول الثاني: أن خطاب الله تعالى للكفار من الجن والإنس في الآية يكون في الدنيا، يعني: إن أصررتما على الكفر والعصيان، فما أمامكم في الآخرة إلا هذا العذاب الأليم.
أصحاب القول الأول:
الثعلبي: " وفي الخبر: يحاط على الخلق يوم القيامة بالملائكة، وبلسان من نار، ثم ينادون ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ فذلك قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾ " (٢).
ابن القيم: "وفي الآية تقرير آخر، وهو أن يكون هذا الخطاب في الآخرة، إذا أحاطت الملائكة بأقطار الأرض، وأحاط سرادق النار بالآفاق، فهرب الخلائق، فلا يجدون مهربا ولا منفذا" (٣).
стр. 1060
ابن كثير: " ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ والمعنى لو ذهبتم هاربين يوم القيامة، لردتكم الملائكة والزبانية بإرسال اللهب من النار، والنحاس المذاب عليكم لترجعوا " (١).
أصحاب القول الثاني:
الحداد: " ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ أي يرسل على من استحقّ منكما بمعاصيه لهب من النار" (٢).
الشنقيطي: " ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾ الآية، فهو يدل على ذلك التقدير على أنهم لو أرادوا النفوذ في أقطارها حرقهم ذلك الشواظ والنحاس" (٣).
العثيمين: " ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾ يعني لو استطعتم، أو لو حاولتم أن تنفذوا من أقطار السماوات، لكان هذا الجزاء ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ أي: محمى بالنار" (٤).
• دراسة المسألة:
من خلال التأمل في أقوال أهل العلم واستقراء ما ذكره المفسرون في تأويل الآية، يتبين أن الأقرب للصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن الخطاب في قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ يكون في الآخرة، وذلك من أوجه:
الأول: نظائر الآية وظاهرها الذي يدل على أن الخطاب يكون في الآخرة: ففي مقام الحشر، والملائكة محدقة بالخلائق، لا يقدر أحد على الذهاب إلا بسلطان، أي بأمر الله، كما يقول جل وعلا: ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ [سورة
стр. 1061
القيامة: ١٢]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [سورة يونس: ٢٧]، ولهذا قال تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ والمعنى لو ذهبتم هاربين يوم القيامة، لردتكم الملائكة والزبانية بإرسال اللهب من النار والنحاس المذاب عليكم لترجعوا (١).
الثاني: من حيث دلالة السياق: فسياق الآيات في الحديث عن أهوال يوم القيامة، فما قبل هذه الآية وما بعدها يدل على أن الخطاب يكون في الآخرة، فإن قبلها قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾، وهذا في الآخرة، وبعدها قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [سورة الرحمن: ٣٧] وهذا في الآخرة (٢).
الثالث: أن الخطاب في الآيات لجميع الإنس والجن، فإنه جاء بصيغة العموم، وهي قوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ فلا بد أن يشترك الكل في سماع هذا الخطاب ومضمونه، وهذا إنما يكون إذا جمعهم الله في صعيد واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر. وقال تعالى: ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ ولم يقل: إن استطعتما، لإرادة الجماعة، كما في آية أخرى ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾ [سورة الأنعام: ١٣٠]، وقال: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا﴾، ولم يقل: يرسل عليكم، لإرادة الصنفين، أي لا يختص به صنف عن صنف، بل يرسل ذلك على الصنفين معا (٣).
стр. 1062
• النتيجة:
يتبين من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الأقرب للصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من الخطاب في قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾، يكون في الآخرة، خلافًا لما ذهب إليه القاسمي ﵀، لما تقدم إيراده من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.
стр. 1063
* * *
جزء قد سمع
стр. 1064
سورة الحشر
١٨٤ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة الحشر: ١٠].
قال القاسمي: جعل الزمخشري قوله: ﴿وَالَّذِينَ﴾ عطفا على ﴿الْمُهَاجِرِينَ﴾ كالموصول قبله في قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا﴾ الآية. فيكون قوله ﴿يُحِبُّونَ﴾ وقوله ﴿يَقُولُونَ﴾ حالين (١).
وجوز السمين: وجها ثانيا، وهو كون الموصول فيهما مبتدأ، وما بعده خبره (٢).
وعندي أن هذا هو الوجه، وما قبله تكلف، وأن الموصولين مستأنفان لمدح إيمان الأنصار والتابعين لهم بتلك الأخلاق الفاضلة، والخصال الكاملة (٣).
• أقوال أهل العلم في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية، وموقعه من الإعراب وما يترتب عليه من معني:
القول الأول: أن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية، معطوف على ما قبله، ويكون المعنى: أن الفيء (٤) في قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [سورة الحشر: ٧] الآية، وما بعدها يشملهم جميعًا.
القول الثاني: أن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية، ابتداء وحكم جديد لا علاقة له بالفيء، فكل من جاء بعد الصحابة يدعو لهم بالمغفرة.
стр. 1065
أصحاب القول الأول:
الجصاص: " ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [سورة الحشر: ٧] إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ وهم لا محالة داخلون في استحقاق الفيء كالأولين، والواو فيه للجمع" (١).
الثعلبي: "ولا شك أن قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: عطف على قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ وأنهم مشاركون للفقراء المهاجرين والأنصار في الفيء ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾: من صلة: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا﴾ فمعنى الآية: والذين جاؤوا من بعدهم -وهم مع استحقاقهم الفيء" (٢).
الرازي: "اعلم أن قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ عطف أيضا على المهاجرين وهم الذين هاجروا من بعد، وقيل: التابعون بإحسان وهم الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة" (٣).
ابن جزي: " ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ هذا معطوف على المهاجرين والأنصار المذكورين قبل، فالمعنى أن الفيء للمهاجرين والأنصار ولهؤلاء الذين جاءوا من بعدهم" (٤).
أصحاب القول الثاني:
ظاهر قول السمرقندي: " ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ يعني: التابعين، ويقال: يعني: الذين هاجروا من بعد الأولين. يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان" (٥).
стр. 1066
ابن عبد البر: "قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ إنما هو استئناف كلام للدعاء لهم بدعائهم لمن سبقهم بالإيمان، لا لغير ذلك" (١).
القرطبي: "قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ استئناف كلام بالدعاء لمن سبقهم بالإيمان، لا لغير ذلك" (٢).
قال بعض المفسرين: " ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ مبتدأ، ندبوا بالدعاء للأولين، والثناء عليهم، وهم من يجيء بعد الصحابة إلى يوم القيامة" (٣).
• دراسة المسألة:
بعد التتبع والنظر واستقراء ما ذكره المفسرون وأهل العلم في هذه المسألة، يظهر أن الصواب هو ما عليه أصحاب القول الأول من أن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية، معطوف على ما قبله، فيكون الفيء شاملا للفقراء ومن معهم، والذين تَبَوَّءُوا الدار، والذين جاءوا من بعدهم، وهو الذي عليه أكثر المفسرين (٤)، وذلك من أوجه:
أولا: ما رويَ عن مالك بن أوس بن الحدثان (٥) أنه قال: قرأ عمر بن الخطاب: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ حتى بلغ ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة التوبة: ٦٠]، ثم قال هذه لهؤلاء، ثم قرأ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ [سورة الأنفال: ٤١]، ثم قال: هذه لهؤلاء، ثم قرأ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ حتى بلغ للفقراء ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا
стр. 1067
مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ثم قال: استوعبت هذه الآية المسلمين عامة، وليس أحد إلا له فيها حق (١).
ووجه الدلالة: أن عمر بن الخطاب فسَّر الآية بأن الذين جاءوا من بعد الصحابة رضوان الله عليهم، من التابعين، بأن الفيء يشملهم جميعًا، فدل هذا بأن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ معطوف على ما سبقه، والله أعلم.
وروى عن مالك بن أنس أنه قال: من تنقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ ، أو كان في قلبه عليه غل فليس له حق في فيء المسلمين، ثم تلا هذه الآيات. قال: وهذا نص في الكتاب بين (٢).
الثاني: نظائر الآية الدالة على أن الذين جاء ذكرهم في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ هم القسم الثالث ممن يستحق فقراؤهم من مال الفيء، وهم المهاجرون ثم الأنصار، ثم التابعون لهم بإحسان، كما قال في آية براءة: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ﵃﴾ [سورة التوبة: ١٠٠] فالتابعون لهم بإحسان هم المتبعون لآثارهم الحسنة وأوصافهم الجميلة، الداعون لهم في السر والعلانية؛ ولهذا قال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ﴾ أي: قائلين: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا﴾ أي: بغضا وحسدا (٣).
الثالث: أن قول من قال: إن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ مبتدأ خبره ﴿يَقُولُونَ﴾ غير صحيح؛ لأنه يقتضي أنه تعالى أخبر بأن كل من يأتي بعدهم يقول: ﴿رَبَّنَا
стр. 1068
اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا﴾ الآية. والواقع خلافه؛ لأن كثيراً ممن جاء بعدهم يسبون الصحابة ويلعنونهم، والحق أن قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا﴾ معطوف على ما قبله (١).
• النتيجة:
بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية، معطوف على ما قبله، وأن الفيء يشمل الفقراء، والذين ذكروا بعدهم، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، بخلاف ما ذهب إليه القاسمي ﵀، والله أعلم.
стр. 1069
جزء تبارك
стр. 1070
سورة المعارج
١٨٥ - قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [سورة المعارج: ٤].
قال القاسمي: نقل الرازي عن أبي مسلم أن هذا اليوم هو يوم الدنيا كلها، من أول ما خلق الله إلى آخر الفناء. فبين تعالى أنه لا بد في يوم الدنيا من عروج الملائكة ونزولهم، وهذا اليوم مقدر بخمسين ألف سنة. ثم لا يلزم على هذا أن يصير وقت القيامة معلوما، لأنا لا ندري كم مضى وكم بقي (١). انتهى. وهو بعيد (٢).
• أقوال أهل العلم في المراد من اليوم في قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (٣):
القول الأول: أن المراد: يوم القيامة، عند وقوف الناس للحساب.
القول الثاني: أن المراد: يوم الدنيا كلها، من أول ما خلق الله إلى آخر الفناء.
أصحاب القول الأول:
ابن عباس ﵁: "قوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ فهذا يوم القيامة، جعله الله على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة"، وبنحو ذلك وري عن عكرمة، وقتادة، والضحاك، وابن زيد (٤).
النحاس: "فهذا يوم القيامة جعله الله على الكفار مقدار خمسين ألف
стр. 1071
سنة" (١).
السمرقندي: " ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ يعني: ذلك العذاب واقع في يوم القيامة، مقداره خمسين ألف سنة" (٢).
السمعاني: " ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال ابن عباس: هو يوم القيامة، وهو أصح القولين" (٣).
أصحاب القول الثاني:
عكرمة في رواية: «﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ الدنيا من أولها إلى آخرها يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، لا يدري أحد ما مضى؟ ولا كم بقي؟ إلا الله» وبنحو ذلك روي عن مجاهد، ووهب بن منبه (٤).
قال بعض من المفسرين: " المراد مدة الدنيا من أولها إلى آخرها خمسون ألف سنة" (٥).
• دراسة المسألة:
من خلال التتبع والنظر في أقوال أهل العلم، وما ذكروه في هذه المسألة يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد من اليوم الذي مقداره خمسين ألف سنة: يوم القيامة، وذلك من أوجه:
الأول: ما دل عليه ظاهر قول النبي ﷺ : فقد روى مسلم في صحيحه بسنده عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ ، قال: «ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته، إلا أحمي عليه
стр. 1072
في نار جهنم، فيجعل صفائح فيكوى بها جنباه، وجبينه، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار» الحديث (١).
ودلالة الحديث ظاهرة بأن اليوم الذي مقداره خمسين ألف سنة هو يوم القيامة.
وروى أحمد في مسنده بسنده عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "ينصب للكافر يوم القيامة مقدار خمسين ألف سنة، كما لم يعمل في الدنيا، وإن الكافر ليرى جهنم، ويظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة" (٢).
الثاني: أن جماعة من المفسرين ذكروا أن استطالة هذا اليوم بوقوعه في خمسين ألف سنة، إما لشدته على الكفار أو لكثرة ما فيه من الحالات والمحاسبات (٣)، وهذا لا يكون إلا في يوم القيامة.
الثالث: مما يدل على أن المراد باليوم في قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ يوم القيامة، أن الله تعالى قال في موضع آخر: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [سورة السجدة: ٥]، ولدفع إيهام التعارض بين الآيتين في المقدار المذكور، ذكر جمع من المفسرين بأن الاختلاف باعتبار حال المؤمن والكافر، فيوم القيامة يطول على الكافر ويقصر على المسلم، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [سورة المدثر: ١٠] (٤).
الرابع: سياق الآيات الذي يدل على أن المراد باليوم في الآية: يوم القيامة، فقد ذهب جماعة من المفسرين بأن المراد من العذاب الواقع في قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾
стр. 1073
[سورة المعارج: ١] يكون يوم القيامة، أو أن المراد من العذاب: واد في جهنم (١)، والمؤدى واحد.
• النتيجة:
بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد من اليوم في قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ يوم القيامة، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.
стр. 1074
سورة نوح
١٨٦ - قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [سورة نوح: ٢٣].
قال الرازي: في انتقالها عن قوم نوح إلى العرب. إشكال، لأن الدنيا قد خربت في زمان الطوفان، فكيف بقيت تلك الأصنام، وكيف انتقلت إلى العرب. ولا يمكن أن يقال إن نوحا ﵇ وضعها في السفينة وأمسكها، لأنه ﵇ إنما جاء لنفيها وكسرها، فكيف يمكن أن يقال إنه وضعها في السفينة سعيا منه في حفظها؟ (١).
قال القاسمي: ونحن نقول: إن جوابه بديهي، وهو أن انتقالها إلى العرب بواسطة نقل أحوال قوم نوح وأبنائهم وعوائدهم، على ألسنة الرحل والسّمار، لأن سيرة القرن المتقدم في العصر المتأخر، وسنة الخالف أن يؤرخ السالف. وجلي أن النفس أميل إلى الجهل منها إلى العلم، لا سيما إذ زين له المنكر بصفة تميل إليها، فتكون ألصق به. وهكذا كان بعد انقراض العلم وحملته، أن حدث ما حدث من عبادتها، كما أشارت إليه رواية ابن عباس عند البخاري: حتى إذا هلك أولئك، وتنسّخ العلم، عبدت. وعجيب من الرازيّ أن لا يجد مخرجا من سؤاله، وهو على طرف الثّمام (٢).
• أقوال أهل العلم في ثبوت انتقال الأصنام التي كان يعبدها قوم نوح ﵇ إلى جزيرة العرب:
الزجاج: "هذه خمسة أصنام كانت في قوم نوح يعبدونها. ثم صارت إلى العرب" (٣).
السمعاني: "وفي التفسير: أن ودا كانت لكلب، والسواع كانت لهذيل، ويغوث كانت لبني غطيف بن دارم، ويعوق كانت لهمدان، ونسرا كانت لحمير، وقد قيل على
стр. 1075
خلاف هذا.، وكانت بقية هذه الأصنام لهم من زمان نوح قد غرقت، فاستخرجها لهم إبليس حتى عبدوها" (١).
السخاوي: "كانت هذه الأصنام أكبر الآلهة عندهم، وقد انتقلت هذه الأصنام عن قوم نوح إلى العرب" (٢).
أبو السعود: " ﴿وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ أي ولا تذرن عبادة هؤلاء خصوها بالذكر مع اندراجها فيما سبق لأنها كانت أكبر أصنامهم وأعظمها عندهم وقد انتقلت هذه الأصنام عنهم إلى العرب" (٣).
• دراسة المسألة:
بعد التتبع والنظر في أقوال أهل العلم وما ذكره المفسرون في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه عامة أهل العلم من أن ود وسواع ويغوث ويعوق ونسرا أصنام وصور، كان قوم نوح يعبدونها ثم عبدتها العرب، وذلك من وجهين:
الأول: أن القول بأن الأصنام كانت في قوم نوح ثم انتقلت إلى أرض العرب بعد الطوفان، أو عبدتها العرب بعد ذلك، هو الذي عليه جماعة من السلف، كابن عباس ﵁، وقتادة (٤)، ولم يُعلم لهم مخالف في عصرهم، وهو أعلم بالتنزيل ممن جاء بعدهم، بل هو الذي عليه جمهور المفسرين (٥).
روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵁: "صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أما ود: كانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع: كانت لهذيل، وأما يغوث: فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجوف عند سبأ، وأما يعوق: فكانت لهمدان، وأما
стр. 1076
نسر: فكانت لحمير، لآل ذي الكلاع، أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك، وتنسخ العلم عبدت" (١).
الثاني: أن من العرب من سُميَ باسم تلك الأصنام، كعمرو بن عبد ود، وعبد يغوث (٢)، مما يدل على أن تلك الأصنام كانت تعبد وتُقدس عند العرب، فدل هذا على أنها انتقلت إليهم، والله أعلم.
الجواب عن استشكال الرازي:
استشكل الرازي ﵀ انتقال الأصنام من الأرض التي كان يُقيم فيها قوم نوح ﵇ إلى أرض العرب بحجة أن الدنيا خربة وقت الطوفان، والغريب أن القاسمي ﵀ لم يكن جوابه حول إثبات انتقال الأصنام بذاتها ردا على الفخر الرازي، وإنما أجاب بإثبات معرفة العرب لتك الأصنام بأن الخالف يؤرخ للسالف.
والجواب عن هذا الاستشكال: ما روي عن ابن عباس ﵁: كان نوح ﵇ يحرس جسد آدم ﵇ على جبل بالهند يحول بين الكافرين، وبين أن يطوفوا بقبره، فقال لهم الشيطان: إن هؤلاء يفتخرون عليكم، ويزعمون أنهم بنو آدم دونكم، وإنما هو جسد، وأنا أصور لكم مثله تطوفون به، فنحت خمسة أصنام، وحملهم على عبادتها، وهي: ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسرا. فلما كان أيام الغرق دفن الطوفان تلك الأوثان فطمها بالتراب، فلم تزل مدفونة حتى أخرجها الشيطان لمشركي العرب (٣).
فدل هذا الأثر أن الأصنام دفنت في التراب حتى أخرجها الشيطان لمشركي العرب.
стр. 1077
• النتيجة:
بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه عامة أهل العلم من أن الأصنام التي كان يعبده قوم نوح ﵇ انتقلت إلى أرض العرب، وليس في ذلك إشكال، لما تقدم إيراه، والله أعلم.
стр. 1078
سورة المرسلات
١٨٧ - قوله تعالى: ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ [سورة المرسلات: ١٢].
قال القاسمي: في (الإكليل) قال إلكيا الهراسي: عنى بالكفات الانضمام. ومراده أنها تضمهم في الحالتين. وهذا يدل على وجوب مواراة الميت فلا يرى منه شيء. وقال ابن عبد البرّ: احتج ابن القاسم في قطع النباش بهذه الآية. لأنه تعالى جعل القبر للميت كالبيت للحيّ، فيكون حرزا (١).
ونقله القفّال عن ربيعة. وعندي أن مثل هذا الاحتجاج من الإغراق في الاستنباط وتكلف التماس ما يؤيد المذهب المتبوع كيفما كان، مما يعد تعسّفا وتعصّبا. وبين فحوى الآية وهذا الاستنباط ما بين المنجد والمتهم. ومثله أخذ بعضهم من الآية السابقة ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ تأجيل القضاة الخصوم في الحكومات، ليقع فصل القضاء عند تمام التأجيل. كما نقله في (الإكليل) عن ابن الفرس (٢).
ومآخذ الدين والتشريع ليست من الأحاجي والمعميات. وبالله التوفيق (٣).
• أقوال أهل العلم في المراد من قوله تعالى: ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾:
القول الأول: أن الآية على ظاهرها، والمراد: لأي يوم أخرت عن معاجلة الثواب والعقاب.
القول الثاني: أن المراد: تأجيل القضاة الخصوم في الحكومات، ليقع فصل القضاء عند تمام التأجيل.
стр. 1079
أصحاب القول الأول:
الطبري: " ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ يقول تعالى ذكره معجبا عباده من هول ذلك اليوم وشدته: لأي يوم أجلت الرسل ووقتت" (١).
السمرقندي: "يعني: لأي يوم أجلت الرسل، ليشهدوا على قومهم. ثم بين فقال: ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾ يعني: أجلها ليوم الفصل وهو يوم القضاء" (٢).
مكي بن أبي طالب: " ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣)﴾ أي: أجلت الرسل ليوم يفصل الله فيه بين خلقه، فيأخذ للمظلوم من الظالم ويجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته" (٣).
السمعاني: " ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ أي: جمعت لوقتها، وهو يوم القيامة؛ ليشهدوا على الأمم، ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ أي: لأي يوم أخرت" (٤).
أصحاب القول الثاني:
ابن عطية: "وفي هذه الآية انتزع القضاة الآجال في الأحكام ليقع فصل القضاء عند تمامها" (٥).
ابن الفرس: " ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣)﴾: انتزع الناس من هذه الآية تأجيل القضاة للخصوم في الحكومات ليقع فصل القضاء عند تمام التأجيل" (٦).
стр. 1080
• دراسة المسألة:
بعد التتبع والنظر في أقوال أهل العلم وما ذكره المفسرون في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن قوله تعالى: ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ على ظاهره، بأن الله تعالى يُعجب عباده من هول ذلك اليوم وشدته، فيُؤخِّر فيه الرسل ليشهدوا على قومهم، وذلك من أوجه:
الأول: من حيث دلالة السياق: فسياق الآيات جاء في الحديث عن الآخرة، والمتغيرات التي تحصل للعالم من طمس النجوم، وانشقاق السماء، ونسف الجبال، وذلك اليوم هو اليوم الذي أقتت فيه الرسل، وأجلت للحكم بينها وبين أممها، ولهذا قال: ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ استفهام للتعظيم والتفخيم والتهويل ثم أجاب بقوله: ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾ أي: بين الخلائق، بعضهم لبعض، وحساب كل منهم منفردا (١).
فسياق الآيات في التهويل من يوم الفصل وهو القيامة، وليس هناك أي ذكر أو إشارة إلى تأجيل القضاة الخصوم في الحكومات للحكم بين الناس.
الثاني: ظاهر الآية الذي يدل على أن تأجيل الرسل ليوم القيامة يدل على التعظيم والتعجيب من هول يوم القيامة الذي يُفصل فيه بين الخلائق (٢)، وليس فيه أي دلالة ولا إشارة على تأجيل القضاة للخصوم في الحكومات ليقع فصل القضاء عند تمام التأجيل، فظاهر الآية يدل على الحديث عن اليوم الآخر.
الثالث: أن المقرر عند أهل العلم أن من شروط الاستنباط: أن يكون بينه وبين اللفظ ارتباط صحيح، لا بمجرد فهم العربية.
وفي هذا يقول القرطبي: "فمن لم يحكم ظاهر التفسير وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية؛ كثر غلطه، ودخل في زمرة من فسر القرآن بالرأي … ولا مطمع في الوصول
стр. 1081
إلى الباطن قبل إحكام الظاهر" (١).
ولو أتيح المجال لكل من أراد أن يستنبط حكمًا من القرآن، واعتُد بقوله بمجرد فهمه للعربية، لاستغل كل صاحب بدعة أو هوى، أو متعصب لمذهب، بأن يستنبط من الآيات ما شاء لنصرة مذهبه وطريقته.
ولذلك نجد عدداً من المفسرين يؤكد صحة المعنى المستنبط، ولكن بعدم ربطه بالآية التي استُخرج منها، بل بربطه بدليل آخر، ومن ذلك مثلا ما قاله ابنُ عطية ﵀ معلقاً على ما حُكِيَ عن الخليل بن أحمد، من أن النهار من طلوع الفجر بدليل قول الله ﵎: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [سورة هود: ١١٤] قال: "والقول في نفسه صحيح وقد ذكرتُ حُجَّتَه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سورة البقرة: ١٦٤]، وفي الاستدلال بهذه الآية نظر" (٢).
وهكذا في هذه الآية، فتأجيل القضاة الخصوم في الحكومات، ليقع فصل القضاء عند تمام التأجيل، في ذاته لا بأس به، بل ربما يكون ضروريًا، إلا أن هذا الحكم لا يُستفاد ولا يُستنبط من الآية، والله أعلم.
• النتيجة:
بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن الآية على ظاهرها، والمراد: لأي يوم أخرت عن معاجلة الثواب والعقاب، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.
стр. 1082
١٨٨ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [سورة المرسلات: ٢٦].
قال القاسمي: في (الإكليل) قال إلكيا الهراسي: عنى بالكفات الانضمام. ومراده أنها تضمهم في الحالتين. وهذا يدل على وجوب مواراة الميت فلا يرى منه شيء. وقال ابن عبد البرّ: احتج ابن القاسم في قطع النباش بهذه الآية. لأنه تعالى جعل القبر للميت كالبيت للحيّ، فيكون حرزا (١).
ونقله القفّال عن ربيعة. وعندي أن مثل هذا الاحتجاج من الإغراق في الاستنباط وتكلف التماس ما يؤيد المذهب المتبوع كيفما كان، مما يعد تعسّفا وتعصّبا. وبين فحوى الآية وهذا الاستنباط ما بين المنجد والمتهم (٢).
• أقوال أهل العلم في دلالة قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾ على وجوب مواراة الميت، ووجوب قطع يد النباش:
القول الأول: أن الآية دالة على وجوب مواراة الميت، ووجوب قطع يد النباش.
القول الثاني: أن الآية على ظاهرها، وغير دالة على ذلك.
أصحاب القول الأول:
ربيعة بن أبي عبد الرحمن (٣): يقطع - يعني: النباش- وتلا قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ
стр. 1083
كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾ (١).
الجصاص: " ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾ وهذا يدل على وجوب مواراة الميت ودفنه ودفن شعره وسائر ما يزايله" (٢).
ابن العربي: "احتج علماؤنا بهذه الآية في قطع النباش لأنه سرق من حرز مكفوت، وحمى مضموم، وقد مهدنا ذلك في مسائل الخلاف، وقررنا أن ينظر في دخوله في هذه الآية بأن نقول: هذا حرز كفات، لقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾ " (٣).
ابن عاشور: "يؤخذ من الآية وجوب الدفن في الأرض إلا إذا تعذر ذلك" (٤).
أصحاب القول الثاني:
الطبري: " معنى الكلام: ألم نجعل الأرض كفات أحيائكم وأمواتكم، تكفت أحياءكم في المساكن والمنازل، فتضمهم فيها وتجمعهم، وأمواتكم في بطونها في القبور، فيدفنون فيها" (٥).
السمعاني: " ومعنى الكفات هاهنا: هو أن الأرض تضم الخلق أحياء وأمواتا، فالضم في حال الحياة هو باكتنانهم واستقرارهم على ظهرها، وبعد الممات باكتنانهم في بطنها وهو القبور" (٦).
ابن الفرس: "قال أبو عمر عبد البر: احتج من رأى القطع بقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾، وأن النبي ﷺ سمى القبر بيتًا (٧)، وليس في هذا كله ما
стр. 1084
يوجب تسليم القطع" (١).
الآلوسي: "واستدل الكيا بالآية على وجوب مواراة الميت ودفنه. وقال ابن عبد البر: احتج ابن القاسم بها على قطع النباش لأنه تعالى جعل القبر للميت كالبيت للحيّ فيكون حرزا ولا يخفى ضعف الاستدلالين" (٢).
• دراسة المسألة:
بعد التتبع والنظر في أقوال أهل العلم وما ذكره المفسرون في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن الآية على ظاهرها، فقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾ على ظاهره، بأن الأرض تكفت الأحياء في المساكن والمنازل، فتضمهم فيها وتجمعهم، والأموات في بطونها في القبور، وذلك من أوجه:
الأول: أن القول بأن المراد من الكفت: بأن الأرض تضم الناس في بطنها، وتحفظهم، وأن الآية على ظاهرها، دون الاستدلال على وجوب مواراة الميت أو وجوب قطع يد النباش، هو الذي عليه جماعة من السلف، كابن عباس، ومجاهد، والشعبي، وقتادة (٣)، وهم أعلم بالتنزيل ممن جاء بعدهم، ولا يُعلم لهم مخالف.
الثاني: سياق الآيات وظاهرها الذي يدل على أن الله تعالى يمتن على عباده بتعداد نعمه عليهم، وتذكيره بآلائه ونعمه وقدرته وسلطانه، بأن جعل لهم الأرض كفاتا للأحياء والأموات، ليشكروا الله تعالى، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [سورة طه: ٥٥] (٤).
وقوله تعالى بعد الآية ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ جاءت مُنَكّرة للتفخيم، أي: تكفت أحياء لا
стр. 1085
يعدون، أمواتا لا يحصرون (١).
وبهذا يتبين أن الآية ليس فيها أي دلالة تدل على وجوب مواراة الميت، فإن مواراة الميت لا نزاع فيها بين الناس، إلا طوائف من مجوس الهند وبعضًا من الرومان ممن يقوم بحرق الميت (٢)، وليست فيها إشارة أو مفهوم يدل على وجوب قطع يد النباش الذي ينبش القبور، ويسرق ما يجد فيها، والله أعلم.
الثالث: مما يدل على عدم دلالة الآية على وجوب مواراة الميت، أو وجوب قطع يد النباش، أن الآية تخبر عن حال الأرض، فقوله: ﴿كِفَاتًا﴾ حال من الأرض، أي: في حال كونها ضامّة جامعة للخلق، وتكون الحال مقدرة (٣)، فلا يُفهم منها وجوب مواراة الميت، أو وجوب قطع يد النباش.
الرابع: أن من شروط الاستنباط: أن يحتمل المعنى المُستَنبط ظاهر لفظ القرآن، وليس بمجرد فهم اللغة، وقد تقدم بيان هذا الشرط في المسألة السابقة (٤).
فظاهر القرآن يدل على امتنان الله تعالى على عباده ورحمته بهم بأن جعل تلك القبور حفظًا لهم وسترا لأجسادهم لأي تعرض لتلف ونحو ذلك، وليس فيه وجوب قطع يد النباش.
• النتيجة:
يتبين مما تقدم ذكره في هذه المسألة، أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن الآية على ظاهرها، وغير دالة على وجوب مواراة الميت، أو قطع يد النباش الذي يسرق من القبور، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.
стр. 1086
جزء عم
стр. 1087
سورة المطففين
١٨٩ - قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [سورة المطففين: ١].
قال القاسمي: وهي مكية على الأظهر. فإن سياقها يؤيد أنها كأخواتها اللائي نزلن بمكة، لا سيما خاتمتها، فإنها صفات المستهزئين الذين كانوا بمكة. وحملها على المنافقين بالمدينة بعيد، إذ لم يبلغ بهم الحال ذلك (١).
• أقوال أهل العلم في سورة المطففين من حيث المكي والمدني:
القول الأول: أن سورة المطففين مكية.
القول الثاني: أن سورة المطففين مدنية.
القول الثالث: أن سورة المطففين مكية إلا أمر التطفيف فإنه نزل بالمدينة.
أصحاب القول الأول:
ابن عباس ﵁ في رواية: "نزلت بمكة: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ "، وبنحو ذلك روي عن ابن الزبير، والضحاك، ومجاهد، وعطاء، وغيرهم (٢).
الواحدي: " سورة المطففين ثلاثون وست آيات، مكية" (٣).
ابن جزي: " سورة المطففين مكية وآياتها ستة وثلاثون، نزلت بعد العنكبوت وهي آخر سورة نزلت بمكة" (٤).
الفيروز آبادي: " السورة مكّية. وآياتها ست وثلاثون. وكلماتها مائة وتسع.
стр. 1088
وحروفها أربعمائة وثلاثون" (١).
أصحاب القول الثاني:
مقاتل: " هي أول سورة نزلت بالمدينة"، وبنحو ذلك روي عن الحسن، وعكرمة، من أن السورة مدنية (٢).
الثعلبي: " سورة المطففين مدنية وهي سبعمائة وثمانون حرفا، ومائة وتسع وستون كلمة، وست وثلاثون آية" (٣).
السمعاني: "سورة المطففين وهي مدنية، قال ابن عباس: هي أول سورة نزلت بالمدينة" (٤).
ابن كثير: "سورة المطففين وهي مدنية" (٥).
أصحاب القول الثالث:
ابن عباس ﵁ في رواية: "نزل بعضها بمكة ونزل أمر التطفيف بالمدينة"، وبنحو ذلك روي عن قتادة (٦).
أبو العباس الضرير (٧): " أولها مدني وآخرها مكي" (٨).
стр. 1089
ابن عقيلة المكي: "سورة المطففين مكية، واستثني منها ست آيات من أولها" (١).
قال جماعة من المفسرين: سورة المطففين مكية في الجملة ما عدا آيات التطفيف في أول السورة (٢).
• دراسة المسألة:
من المسائل التي اختلف فيها أهل العلم قديمًا وكثر فيها الكلام، وتعددت فيها الأقوال: مسألة سورة المطففين من حيث المكي والمدني.
والذي يظهر بعد التتبع والنظر والاستقراء في أقوال أهل العلم وما ذكره المفسرون في هذه المسألة، أن الصواب والله أعلم بأن يُقال: أن سورة المطففين مكية في الجملة ما عدا آيات التطفيف في أول السورة، وهو الذي ذهب إليه أصحاب القول الثالث، وذلك مما يلي:
أولا: أن القول بأن سورة المطففين من السور المكية تؤيده ضوابط المكي التي نص عليها أهل العلم، فكل سورة فيها لفظ كلا فهي مكية، وكل سورة آياتها قصيرة فهي مكية (٣).
وسورة المطففين فيها لفظ: (كلا) في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [سورة المطففين: ٧] فهذه الآية وما بعدها يظهر أنها من نمط المكي (٤).
وفيها أيضًا ذكر الأساطير في قوله: ﴿تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [سورة المطففين: ١٣] ومعظم ما اشتملت عليه السورة: التعريض بمنكري البعث (٥)، وكل ذلك من المكي.
стр. 1090
ثانيًا: أن القول بأن سورة المطففين من السور المدنية تؤيده الآثار الواردة عن بعض من السلف:
فقد روى ابن جرير الطبري بسنده عن ابن عباس، قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا، فأنزل الله: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ فأحسنوا الكيل (١).
وقال محمد بن كعب: كان بالمدينة يهود تجار يطففون، ففيهم نزلت (٢).
قال السدي: كان بالمدينة رجل يكنى أبا جهينة له مكيالان يأخذ بالأوفى ويعطي بالأنقص، فنزلت السورة فيه (٣).
وبهذا يتبين أن سورة المطففين تُعد من السور المكية لما اشتملت عليه من ضوابط المكي، وفيها آيات قصة التطفيف وما يتعلق بها من أحكام، تدل على أنها مدنية، فالسورة بعضها مكي وبعضها مدني، والله أعلم.
• النتيجة:
يتبين مما تقدم ذكره في هذه المسألة، أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثالث من أن سورة المطففين مكية إلا ما جاء من ذكر التطفيف فإنه من المدني، لما تقدم بيانه، والله أعلم.