← Тафсир

Тафсир · id 30149

تعقبات جمال الدين القاسمي على من سبقه من خلال كتابه محاسن التأويل

عبد الرحمن الحسن

Полный текст (1 202 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

١١ - التعقب على المعنى المراد من الآية الذي يستند على القياس مع الفارق، ومن ذلك: عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [سورة المائدة: ٧٥] عقَّب على قول الخفاجي الذي جعل السر في الآية: "أنه تعالى بين أولا أقصى مراتب كمالهما، وأنه لا يقتضي الألوهية، وقدمه لئلا يواجههما بذكر نقائص البشرية الموجبة لبطلان ما ادعوا فيهما، على حد قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [سورة التوبة: ٤٣]. حيث قدم العفو على المعاتبة له ﷺ " (١). فقال القاسمي: "قياسه على الآية قياس مع الفارق لاختلاف المقامين" (٢). ١٢ - التعقب على عبارات يذكرها بعض الُفسرين بسبب فوات العلم بها، ومن ذلك: عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [سورة التين: ١] عقَّب على قول ابن جرير الطبري بأنه: "لا يعرف جبل يسمى تينا ولا جبل يقال له زيتون" (٣). فقال: "وفيه نظر، لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ. كيف وجبل الزيتون هو من جبال فلسطين، معروف ذلك عند علماء أهل الكتاب والمؤلفين في تقويم البلاد" (٤). ١٣ - التعقب على إيراد بعض المُفسرين لمسائل لا علاقة لها بتفسير الآية، ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ

стр. 107

الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ [سورة النساء: ٩٤] عقَّب على إيراد الرازي لمسألة: لو قال اليهودي والنصراني: أنا مؤمن، أو قال: أنا مسلم، هل يُحكم على بإسلامه؟ (١). قال القاسمي: " وأما مسألة من أراد الدخول في الإسلام وهو على عقيدة فاسدة، وأنه لا بد في صحة إسلامه من تبرئه عنها، ونبذها ظهريا، وأنه لا يكتفى بقوله: أنا مسلم- فذاك بحث آخر مسلم. لكن ليس مما تشمله الآية" (٢). ب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [سورة الرعد: ٤١]، عقَّب على إيراد بعض المفسرين ماروي عن ابن عباس ﵁ ومجاهد: أن نقصها من أطرافها هو: «ذهاب علمائها، وفقهائها، وخيار أهلها» (٣). فقال: " ولا يخفاك أن هذا المعنى لا يذكره السلف تفسيرا للآية على أنه المراد منها، وإنما يذكرونه تهويلا لخطب موت العلماء بسبب أنهم أركان الأرض وصلاحها وكمالها وعمرانها" (٤). * * *

стр. 108

المبحث الثاني التعقبات في علوم القرآن. علوم القرآن: هي العلوم التي ترتبط بالقرآن الكريم ارتباطًا وثيقًا، كنزول القرآن، وأسباب النزول، والمكي والمدني، والناسخ والمنسوخ، وجمع القرآن، وإعجاز القرآن، وغير ذلك من العلوم. وكما أن القاسمي ﵀ له تعقبات على من سبقه في التفسير، كذلك له تعقبات على من سبقه في المسائل والمباحث المتعلقة بعلوم القرآن، وأبرزها ما يلي: ١ - التعقب على القول بوقوع النسخ في الآية، ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران: ١٠٢] أورد قول قتادة وغيره: بأن الآية: "نسختها هذه الآية التي في التغابن ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [سورة التغابن: ١٦] (١)، فقال: " زعم بعضهم أن هذه الجملة من الآية منسوخة بآية: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، متأولا حق تقاته بأن يأتي العبد بكل ما يجب لله ويستحقه. قال: فهذا يعجز العبد عن الوفاء، فتحصيله ممتنع. وهذا الزعم لم يصب المحز، فإن كلا من الآيتين سيق في معنى خاص به" (٢). ب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [سورة النساء: ٨] عقَّب على قول ابن عباس ﵁، وسعيد بن المسيب والضحاك (٣) بأن هذه الآية منسوخة بآية الميراث (٤).

стр. 109

فقال: " ولقد أبعد القائل بالنسخ عن فهم سر الآية فيما ندبت إليه من هذه المكرمة الجليلة. وهي إسعاف من ذكر من المال الموروث، والنفس الأبية تنفر من أن تأخذ المال الجزل، وذو الرحم حاضر محروم، ولا يسعف ولا يساعد. فالآية بينة بنفسها، واضحة في معناها وضوح الشمس في الظهيرة، لا تنسخ أو تقوم الساعة" (١). ت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [سورة النساء: ٢١] عقَّب على قول ابن زيد (٢) وغيره في قوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ [سورة النساء: ٢٠] إلى قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [سورة النساء: ٢١] قال: «ثم رخص بعد» فقال: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [سورة البقرة: ٢٢٩] " قال: «فنسخت هذه تلك» (٣). قال القاسمي: "فالقائل بالنسخ فاته سر الحكمين. وليت شعري ماذا يقول في الحديث المروي في البخاري وغيره، وهو قوله ﷺ لامرأة ثابت: «أتردين عليه حديقته .... » الحديث (٤) " (٥). ث - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٦٩] عقَّب على قول السيوطي في الإكليل: "قد يستدل بقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ … ﴾ إلخ، على أن من جالس أهل المنكر، وهو غير راض بفعلهم، فلا إثم عليه. لكن آية النساء تدل على أنه آثم، ما لم يفارقهم، لأنه

стр. 110

قال: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [سورة النساء: ١٤٠] أي إن قعدتم فأنتم مثلهم في الإثم، وهي متأخرة. فيحتمل أن تكون ناسخة لهذه" (١). قال القاسمي بعد إيراده لوجه الرد: " وبالجملة فاستدلال (الإكليل) واهٍ، ولذا عبر ب (قد)، ودعوى النسخ أوهى. فتأمل! " (٢). ٢ - التعقب على الاستدلال بسبب النزول الوارد في الآية، ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [سورة النساء: ٧٧] عقَّب على قول بعض المُفسرين بأن الآية نزلت في جماعة من الصحابة المهاجرين، مُستشهدين برواية عن ابن عباس ﵁ في سبب نزولها (٣). فقال: "والقول بنزولها في بعض المؤمنين لا يصح" ثم ذكر القاسمي أوجه عدم الصحة (٤). ب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة التوبة: ١٩]. عقَّب على قول أبي السعود" فالخطاب إما للمشركين على طريقة الالتفات وهو المتبادر من تخصيص ذكر الإيمان بجانب المشبه به وإما لبعض المؤمنين المؤثرين للسقاية والعمارة ونحوهما على الهجرة والجهاد ونظائرهما وهو المناسب للاكتفاء في الرد عليهم ببيان عدم مساواتهم عند الله للفريق الثاني " (٥). فقال: " وتأييد أبي السعود نزولها في المسلمين بما أطال فيه، ذهول عن سياق الآية وعن سياقها، فيما صدعت فيه من شديد التهويل، وعن لاحقها في درجات التفضيل، وقصر الفوز والرحمة والرضوان

стр. 111

على المشبه به" (١). ٣ - التعقب على سوء فهم المراد من سبب النزول الوارد في الآية، ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [سورة الأعراف: ٢٠٤]. عقَّب على قول الرازي: "قيل أن الآية نزلت في السكوت عند الخطبة، وكثير من الناس قد استبعد هذا القول، وقال اللفظ عام وكيف يجوز قصره على هذه الصورة الواحدة. وأقول هذا القول في غاية البعد لأن لفظة إذا تفيد الارتباط، ولا تفيد التكرار" (٢). قال القاسمي: " قدمنا في مقدمة الكتاب مصطلح السلف في قولهم (نزلت هذه الآية في كذا) وبينا أنه قد يراد بذلك، أن الآية تشمل ذلك الشيء لدخوله في عمومها، لا أنه سبب لنزولها، وذلك في بعض المقامات، وما هنا منه. وبتحقيق هذا يسقط ما للرازي هنا من أنه إذا قيل بنزولها في منع المأموم من الجهر بالقراءة، يذهب تناسب الآية مع ما قبلها من إفحام المشركين، بأن يستمعوا لقراءته، ليقفوا على إعجازه. وما للخازن، بأن الآية مكية، وخطبة الجمعة والعيدين شرعتا بالمدينة- فافهمه" (٣). ب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة المائدة: ٨٥] عقَّب على الحافظ ابن كثير الذي قال بأن: "نزول هذه الآيات في النجاشي وأصحابه فيه نظر لأن الآية مدنية" (٤). فقال: " إن نظره مدفوع، فإنه حكى في هذه الآية بعد الهجرة ما وقع قبلها، ونظائره في التنزيل كثيرة، ولا إشكال فيه" (٥).

стр. 112

٤ - التعقب على الحكم بمكية السورة من مدنيتها، ومن ذلك: أ - عند مطلع كلامه عن سورة المائدة، عقَّب على كلام الشهاب الخفاجي بأن: " السورة مدنية، إلا قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [سورة المائدة: ٣]، فإنها نزلت بمكة" (١). فقال القاسمي: "في كلامه نظران .... إلخ" (٢). ب - وعند مطلع كلامه عن سورة يس، عقَّب على من قال بأن السورة مكية واستثنى منها قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [سورة يس: ١٢] (٣). قال القاسمي: "ولا حاجة لدعوى الاستثناء فيها وفي نظائرها" (٤). * * *

стр. 113

المبحث الثالث التعقبات في العلوم الأخرى المتعلقة بالتفسير مما تميز به القاسمي ﵀ عن علماء عصره، أنه برع في علوم عديدة: في العقيدة والحديث والفقه والاستنباط واللغة والبلاغة والأخبار، وغير ذلك. والقارئ في تفسيره يجد أنه أورد جميع تلك العلوم في تفسيره، مما جعله مميزًا ومملوءً بالفوائد والمسائل المتنوعة في شتى العلوم. ومما امتاز به للقاسمي ﵀ أن كان مُتحرراً من قيود التقليد، فكانت له تعقبات على من سبقه من الأعلام والمفسرين في تفسيره في شتى العلوم المتعلقة بالتفسير، وأبرزها ما يلي: * أولا: تعقباته في الأصول ومسائل الاعتقاد، ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [سورة البقرة: ١٢٤]. عقَّب على قول الزمخشري: " في الآية دليل على أن الفاسق لا يصلح للإمامة" (١). واستدلال الشيعة بها على وجوب العصمة في الأئمة، ظاهرا وباطنا (٢). قال القاسمي: "إن استدلال الفرقتين على مدعاهما وقوف مع عموم اللفظ. إلا أن الآية الكريمة بمعزل عن إرادة خلافة السلطنة والملك" (٣). ب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [سورة الأنعام: ١٠٣]. عقَّب على استدلال المعتزلة بها على نفي رؤية الله تعالى

стр. 114

يوم القيامة (١). قال القاسمي: "ومن فهم من بعض الفرق، كالمعتزلة، من هذه الآية أن المنفي هو الإدراك في النشأتين، فقد نادى على نفسه بالجهل بما دل عليه كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ المتواترة" (٢). ت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [سورة الأنعام: ١٤٩]، عقَّب على استدلال الشيعة والمعتزلة بهذه الآية أن الله لا يشاء المعاصي والكفر، وذلك بقول الزمخشري: " فمن علق وجود القبائح من الكفر والمعاصي بمشيئة الله وإرادته فقد كذب التكذيب كله، وهو تكذيب الله وكتبه ورسله" (٣). وقول الطبرسي (٤): "إن فيها تكذيبا ظاهرا لمن أضاف مشيئة ذلك إلى الله سبحانه" (٥). بأن هذا التأويل من الزعم الذي يخالف ما عليه أهل السنة والجماعة (٦). ث - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [سورة الحجرات: ١٤]. عقَّب على من لم ير الإيمان والإسلام مترادفين، بل بينهما عموم وخصوص مطلق (٧). فقال: " وهذا الاستدلال في غاية الضعف. لأن ترادفهما شرعا لا يمنع من إطلاقهما بمعناهما اللغوي في بعض المواضع" (٨).

стр. 115

* ثانيًا: تعقباته على الاستشهاد بالأحاديث الضعيفة، ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة آل عمران: ١٠٥] عقَّب على إيراد بعض المفسرين، ما روي من حديث (اختلاف أمتي رحمة) (١)، فقال: "لا يعرف له سند صحيح" (٢). ب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ [سورة النساء: ١٢٨] عقَّب على إيراد بعض المفسرين قصة عزم النبي ﷺ على طلاق سودة بنت زمعة (٣). فقال: " قول بعض المفسرين في هذه القصة: أن النبي ﷺ كان عزم على طلاق سودة- باطل وسوء فهم من القصة. إذ لم يرو عزمه ﷺ على ذلك. لا في الصحاح ولا في السنن ولا في المسانيد. غاية ما روي في السنن أن سودة خشيت الفراق لكبرها" (٤). ت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة الحج: ٥٢]. أورد قول الحافظ ابن حجر: "بأن قصة الغرانيق لها ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل وكذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض" (٥). فعقَّب عليه القاسمي بقوله: " بأن الخلاف في الاحتجاج بالمرسل وعدم الاحتجاج به، فيما هو من قبيل الأعمال وفروع الأحكام، لا في أصول العقائد ومعاقد الإيمان، فهي هفوة من ابن حجر يغفرها الله له" (٦).

стр. 116

* ثالثًا: تعقباته على الأقوال الضعيفة والشاذة في الأحكام، ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة: ١٥٨] عقَّب على استدلال أنس ابن مالك وابن الزبير ومجاهد وعطاء بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ على أن السعي سنة، وأن من تركه لا شيء عليه (١). بأن هذا الاستدلال: "لا حجة فيه" (٢). ب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٩] قال: " وشذ قول الوافي وبعض الظاهرية: إن الخوف مختص بأن يكون من آدمي" (٣). ت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [سورة النساء: ١٠٣] عقَّب على قول أبي يوسف (٤) والحسن بن زياد (٥): "صلاة الخوف كانت خاصة للرسول ﷺ ولا تجوز لغيره" (٦)، فقال: "تعلق بظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ [سورة النساء: ١٠٣] من لم ير صلاة الخوف بعده ﷺ ، زاعما أنها خاصة

стр. 117

بعهده ﷺ . لاشتراطه كونه فيهم .... الخ" (١). ث - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [سورة التوبة: ٢٨]، عقَّب على قول الجمهور بعدم نجاسة بدن المشرك لأن الله تعالى أحل طعام أهل الكتاب، فقال: "الاستدلال بكونه تعالى أحل طعام أهل الكتاب غير ناهض، لأن البحث في المشركين وقاعدة التنزيل الكريم، التفرقة بينهم وبين أهل الكتاب، فلا يتناول أحدهما الآخر فيه. لأن الله تعالى أحل طعام أهل الكتاب" (٢). ج - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [سورة الشورى: ٥١]. عقَّب على استدلال الإمام مالك ﵀ بقوله: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ على أن من حلف لا يكلم زيدا، فأرسل إليه رسولا أو كتابا، أنه يحنث. لأنه تعالى استثناه من الكلام، فدل على أنه منه (٣). فقال: " وفيه بعد، إذ لا يقال لمن ألهمه الله، إنه كلمه إلا مجازا. فلا يكون الاستثناء متصلا" (٤). * رابعًا: التعقب على استنباط بعض من الأعلام والمفسرين، ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة البقرة: ١٣٤] عقَّب على استنباط الرازي من الآية بأنها دالة على بطلان التقليد، وذلك بقوله: " الآية دالة على بطلان التقليد" (٥). فقال: "وكما هو معلوم أن اتباع الأنبياء ﵈، والإيمان بهم، لا يسمى تقليدا، لخروجه عن حده

стр. 118

المقرر في كتب الأصول" (١). ب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [سورة النساء: ٩٢]، عقَّب على استنباط الإمام حنيفة ﵀ من الآية على أن دية المسلم والذمي سواء يهودياً كان أو نصرانياً أو مجوسياً لأنه تعالى ذكر في كل منهما الكفارة والدية، فوجب أن تكون ديتهما سواء، كما أن الكفارة عنهما سواء (٢). فقال: " والاستدلال بالآية على تماثل ديتي المسلم والكافر المتقدم- غير ظاهر" (٣). ت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [سورة الأعراف: ٣٢]. عقَّب على استنباط سنان بن سلمة (٤) منها: جواز لبس الحرير والخز - بمعنى حرير ممزوج بالوبر، أو الصوف- للرجال (٥)، فقال: "عدم شمول الآية للحرير غني عن البيان، لأن ما خصه الدليل لا يتناوله العام. والأحاديث في تحريم الحرير لا تحصى كثرة، فاستنباط حله منها مردود على زاعمه" (٦). ث - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ [سورة النساء: ١٣٧] عقَّب على بعض الزيدية الذين استنبطوا من الآية قبول توبة المُرتد مُطلقًا. فقال: "دلالتها على ذلك في

стр. 119

صورة عدم تكرار الردة. وأما معه، فلا. كما لا يخفى" (١). ج - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [سورة المرسلات: ٢٦]. عقَّب على استنباط إلكيا الهراسي من الآية: "وجوب مواراة الميت ودفنه ودفن شعره وسائر ما يزايله" (٢). وعلى استنباط ابن القاسم (٣) منها مشروعية قطع النباش. لأنه تعالى جعل القبر للميت كالبيت للحي، فيكون حرزا (٤). قال القاسمي: "وعندي أن مثل هذا الاحتجاج من الإغراق في الاستنباط وتكلف التماس ما يؤيد المذهب المتبوع كيفما كان، مما يعد تعسفا وتعصبا. وبين فحوى الآية وهذا الاستنباط ما بين المنجد والمتهم" (٥). * خامسًا: التعقبات المتعلقة باللغة، ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [سورة البقرة: ٢١٧] قال: " وزعم الفرَّاء أنه معطوف على الهاء في (به) أي: كفر به وبالمسجد الحرام" (٦). ب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [سورة آل عمران: ١٢٨] عقَّب على الفرَّاء والزجاج بأن جعَلا ﴿أَوْ يَتُوبَ﴾ منصوبا بالعطف على ﴿يَكْبِتَهُمْ﴾ (٧). فقال: "هذا بعيد جدا" (٨).

стр. 120

ت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ [سورة آل عمران: ١٥٣] ذكر قول المفضل بأن: (لا) في الآية زائدة، والمعنى لتتأسفوا على ما فاتكم وعلى ما أصابكم عقوبة لكم، كقوله: ﴿أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [سورة الأعراف: ١٢]، و: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ [سورة الحديد: ٢٩]، أي أن تسجد وليعلم. فقال: "وعندي أنه بعيد، لا سيما مع تكرار (لا) في المعطوف، واستقامة المعنى الجيد على اعتبارها" (١). ث - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [سورة الصافات: ١٥٨]. عقَّب على فسَّر الجن بالملائكة مُستشهداً ببيت للأعشى (٢) وهو يذكر سليمان ﵇: وسخر من جن الملائك تسعة … قياما لديه يعملون محاربا قال القاسمي: "وبيت الأعشى لا يصلح حجة، لفساد مصداقه" (٣). * سادسًا: التعقبات المتعلقة بالبلاغة، ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة البقرة: ١٣١] عقَّب على الزمخشري الذي حمل القول في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ على المجاز بأن المعنى: "أخطر بباله دلائل التوحيد المؤدية إلى المعرفة الداعية إلى الإسلام" (٤). فقال: " وقول بعضهم: هو تمثيل، والمعنى: أخطر بباله دلائل التوحيد المؤدية

стр. 121

إلى المعرفة الداعية إلى الإسلام- ليس بشيء" (١). ب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [سورة القصص: ٨٨] عقَّب على ما روي عن مجاهد والثوري أن المراد: إلا ما أريد به وجهه (٢). فقال: "فيه بعد وتكلف يذهب رونق النظم، وماء الفصاحة" (٣). ت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [سورة الروم: ٧]. قال: "وأما قول أبي السعود: وتنكير ظاهرا للتحقير والتخسيس دون الوحدة كما توهم (٤)، فغفلة عن مشاركتها للتعليل الذي به يطابق البدل المبدل منه. فافهم" (٥). * سابعًا: السيَر والأخبار، ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الأنفال: ١]. عقَّب على إيراد الزمخشري ما روي أن المسلمين اختلفوا في غنائم بدر، لمن الحكم فيها أللمهاجرين أم للأنصار، أم لهم جميعا؟ (٦). فقال: " ولا أدري من أين سرت لهم هذه الرواية. فإن رواة الآثار لم يخرجوها في صحاحهم ولا سننهم، بل ولا أصحاب السير، كابن إسحاق وابن هشام. وهل يمكن للمسلمين أن يختلفوا للحكم على الغنائم، ويتنازعوا ولايتها، والرسول بين أظهرهم؟ ومتى عهد ذلك من سيرتهم؟ سبحانك هذا بهتان عظيم!

стр. 122

ولكن هو الرأي (قاتله الله!) (١). ب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة الأعراف: ٦٩]. عقَّب على ما ذكره بعض المؤرخين من طول قوم عاد، وضخامة أجسامهم، كما يورد السمرقندي في تفسيره ما روي عن الكلبي: كان طول قوم عاد أطولهم مائة وعشرين ذراعا وأقصرهم ثمانون ذراعا. وعن قتادة: كان طول كل رجل منهم اثني عشر ذراعا (٢)، ونحو ذلك. قال القاسمي: "لا يعتمد على ما يذكره بعض المؤرخين المولعين بنقل الغرائب، بدون وضعها على محك النظر والنقد، من المبالغة في طول قوم عاد، وضخامة أجسامهم، وأن أطولهم كان مائة ذراع، وأقصرهم كان ستين ذراعا، فإن ذلك لم يقم عليه دليل عقلي ولا نقلي، وهو وهم" (٣). ت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [سورة نوح: ٢٣] عقَّب على ما أورده الرازي واستشكله من انتقال الأصنام عن قوم نوح إلى العرب لأن الدنيا، إذ يقول: " وفيه إشكال لأن الدنيا قد خربت في زمان الطوفان، فكيف بقيت تلك الأصنام، وكيف انتقلت إلى العرب، ولا يمكن أن يقال: إن نوحا ﵇ وضعها في السفينة وأمسكها لأنه ﵇ إنما جاء لنفيها وكسرها فكيف يمكن أن يقال إنه وضعها في السفينة سعيا منه في حفظها" (٤). قال القاسمي: "وعجيب من الرازي أن لا يجد مخرجا من سؤاله، وهو على طرف الثمام (٥).

стр. 123

الفصل الرابع: منهج القاسمي في تعقباته على من سبقه وقيمتها العلمية. وفيه مبحثان: المبحث الأول: منهجه في عرض التعقبات. المبحث الثاني: القيمة العلمية لتعقبات القاسمي في تفسيره.

стр. 124

المبحث الأول منهجه في عرض التعقبات استفاد العلامة القاسمي ﵀ ممن سبقه في تفسير كتاب الله تعالى من الأعلام والمفسرين كالطبري والزمخشري والرازي والشهاب الخفاجي وابن تيمية وتلميذه ابن القيم وابن كثير، وبعدهم السيوطي وأبي السعود، وغيرهم كثير. فاطَّلع على كُتبهم ونقل منها ما يراه مُناسبًا، واستعرض آراءهم واستبان وجهة نظرهم، فأخذ منهم ما يُناسب منهجه الذي سار عليه في تفسيره. وهذه التعقبات من الأساليب التي تُستخدم لبيان الحق وتوضيحه، وإصلاح الخطأ وإزالة اللبس، وكشف الباطل والتحذير منه. وقد كان للعلامة القاسمي ﵀ منهج متميز في تعقباته يدل على غزارة علمه، وجلالة قدره، وسعة خُلُقه حيث كان يلتزم جانب النزاهة والاحترام، فهو لا يستصغر ويُحقّر من ذات الأشخاص، وإنما يُبين الخطأ والزلل ويرده بأسلوب علمي بعيد عن عن الألفاظ الجارحة والعبارات المُستهجنة في الغالب. فكان من منهجه في التعقبات، أنه يُفسر الآية ثم يورد بعدها تنبيهات يُبين فيها ما وقع فيه بعض الأعلام من الخلل والزلل، ثم يُعقب عليه، وربما ذكر تعقباته في اللطائف التي يوردها في تفسيره لبعض الآي، أو في معرض بيانه للتفسير الإجمالي للآية، وهذا قليل. ويتلخص منهجه في تعقباته على من سبقه في الأمور التالية: ١ - التعقب بتحديد وذكر اسم المُتعقب عليه، ومن ذلك: أ- عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [سورة البقرة: ١٠٢] تعقب على أبي مسلم الخرساني وابن حزم، فقال: " وقد ساق الرازي ما ارتآه أبو مسلم في تفسير هذه الآية. ولم نشأ نقله لبعده عن الصواب. وهكذا ما ذكره الإمام ابن حزم في كتابه «الفصل» في بحث «عصمة الملائكة» ففيه تكلف

стр. 125

وتمحل غريب، كما يعلم بمراجعتهما" (١). ب- وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [سورة المائدة: ٥٤] تعقب على الزمخشري فقال: " فتأويل مثل الزمخشري لها- أي المحبة- بإثابته تعالى لهم أحسن الثواب، وتعظيمهم والثناء عليهم والرضا عنهم، تفسير باللازم، منزع كلامي لا سلفي. وقد أنكر الزمخشري أيضا كون محبة العباد لله حقيقية، وفسرها بالطاعة وابتغاء المرضاة. فرده صاحب (الانتصاف) بأنه خلاف الظاهر" (٢). ت- وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٢٤] تعقب على ابن المُنيّر فقال: " جعل الناصر في (الانتصاف) ضل بمعنى سلبوا علمه، فكأنهم نسوه وذهلوه دهشا. وهو بعيد، لعدم ملاقاته للآية الأخرى، وهي قوله تعالى: ﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [سورة الأعراف: ٣٧] والتنزيل يفسر بعضه بعضا" (٣). ٢ - التعقب بإبهام المُتعقب عليه، ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [سورة البقرة: ٦٧]. قال: "ذكر أكثر المفسرين قصة البقرة وصاحبها بروايات مختلفة لم نورد شيئا منها لأنه لم يرو بسند صحيح إلى النبي ﷺ ، ولا يتعلق به كبير فائدة" (٤). ففي هذا المثال لم يُعيِّن القاسمي ﵀ المُفسرين المُتعقب عليهم، وإنما أبهمهم. ب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا

стр. 126

يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة البقرة: ٩٦] قال: "وما ذكره بعض المفسرين من أن البصير في اللغة بمعنى العليم لا يخفى فساده" (١). وكذا في هذا المثال لم يُعيِّن القاسمي ﵀ المُفسرين المُتعقب عليهم، وإنما أبهمهم. ت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [سورة النساء: ٧] قال: "وقد استدل بالآية على توريث ذوي الأرحام لأنهم من الأقربين. وهو استدلال وجيه. ولا حجة لمن حاول دفعه" (٢). فلم يُبين القاسمي ﵀ من الذي حاول دفعه، وعقَّب عليه، وسيأتي مزيد بيان إن شاء الله تعالى ببيان المبهمين الذين عقَّب عليهم القاسمي ﵀. ٣ - التعقب بذكر إحدى الطوائف المُخالفة لأهل السنة والجماعة، ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [سورة البقرة: ٤٨] تعقب على فرقة المُعتزلة، فقال: "تمسكت المعتزلة بهذه الآية على أن الشفاعة لا تقبل للعصاة لأنه نفى أن تقضي نفس عن نفس حقا أخلت به من فعل أو ترك، ثم نفى أن يقبل منها شفاعة شفيع. فعلم أنها لا تقبل للعصاة. والجواب: أنها خاصة بالكفار .... " (٣). ب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [سورة البقرة: ١٢٤] تعقب على المعتزلة والشيعة، فقال: " وقد استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن الظالم ليس بأهل للإمامة. والكشاف أوسع المقال، في ذلك، هنا، وأبدع في إيراد الشواهد. كما أن الشيعة استدلت

стр. 127

بها على صحة قولهم في وجوب العصمة في الأئمة، ظاهرا وباطنا. على ما نقله الرازي عنهم وحاورهم. أقول: إن استدلال الفرقتين على مدعاهما وقوف مع عموم اللفظ. إلا أن الآية الكريمة بمعزل عن إرادة خلافة السلطنة والملك" (١). ت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ [سورة النساء: ١٣٧]. قال: قال بعض الزيدية في تفسيره: دلت الآية على أن توبة المرتد تقبل. لأنه تعالى أثبت إيمانا بعد كفر، تقدمه إيمان (٢) وأقول: دلالتها على ذلك في صورة عدم تكرار الردة. وأما معه، فلا. كما لا يخفى (٣). ٤ - التعقب مع ذكر تعليل التعقب، ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ [سورة البقرة: ١٧٧] قال: "وقد أبعد من حمل الزكاة- هنا- على زكاة النفس وتخليصها من الأخلاق الدنيئة الرذيلة، كقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [سورة الشمس: ٩] وقوله: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ [سورة النازعات: ١٨]، ووجه البعد: أن الزكاة المقرونة بالصلاة في التنزيل لا يراد بها إلا زكاة المال، وأما مع الانفراد فعلى حسب المقام" (٤). ب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران: ١٠٢] قال: " زعم بعضهم أن هذه الجملة من الآية

стр. 128

منسوخة بآية: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [سورة التغابن: ١٦]، متأولا حق تقاته بأن يأتي العبد بكل ما يجب لله ويستحقه. قال: فهذا يعجز العبد عن الوفاء، فتحصيله ممتنع. وهذا الزعم لم يصب المحز، فإن كلا من الآيتين سيق في معنى خاص به، فلا يتصور أن يكون في هذه الجملة طلب ما لا يستطاع من التقوى، بل المراد منها دوام الإنابة له تعالى وخشيته وعرفان جلاله وعظمته قلبا وقالبا، كما بينا. وهذا من المستطاع لكل منيب" (١). ت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [سورة النساء: ٨] قال: " ذكر هاهنا كثير من المفسرين آثارا عن بعض السلف بأن هذه الآية منسوخة بآية. الميراث. وهي من الضعف بمكان. ولقد أبعد القائل بالنسخ عن فهم سر الآية فيما ندبت إليه من هذه المكرمة الجليلة. وهي إسعاف من ذكر من المال الموروث، والنفس الأبية تنفر من أن تأخذ المال الجزل، وذو الرحم حاضر محروم، ولا يسعف ولا يساعد. فالآية بينة بنفسها، واضحة في معناها وضوح الشمس في الظهيرة، لا تنسخ أو تقوم الساعة" (٢). ٥ - التعقب مع عدم ذكر تعليل التعقب، ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [سورة البقرة: ٢١٧]، قال: " ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ عطف على سبيل الله أي: وصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام. وزعم الفراء أنه معطوف على الهاء في ﴿بِهِ﴾ أي: كفر به وبالمسجد الحرام" (٣). فالقاسمي ﵀ تعقب على الفراء ولم يُعلل تعَقُبه. ب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ

стр. 129

أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة المائدة: ٣٣] قال: "زعم بعضهم أن الآية نزلت نسخا لعقوبة العرنيين المتقدمة" (١). ولم يُبين القاسمي ﵀ العلة من هذا التعقب، وإنما وصف قولهم بنسخ الآية بأنه من زعمهم. ت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ [سورة العاديات: ٢]. تعقب على قول من قال بأن المراد بالموريات: الحرب، فقال: "وكون المراد به الحرب بعيد" (٢). ولم يُبين العلة من هذا البعد. ٦ - الالتزام الحرفي بلفظ المُتَعَقب عليه، ثم تعَقُبه، ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [سورة آل عمران: ١٥٦] أورد قول أبي السعود بنصه: "وليس المقصود بالنهي عدم مماثلتهم في النطق بهذا القول بل في الاعتقاد بمضمونه والحكم بموجبه" (٣). فقال: "بل الآية تفيد الأمرين. أعني حفظ الاعتقاد المقصود أولا وبالذات، وحفظ المنطق مما يوقع في إضلال الناس" (٤). فالقاسمي ﵀ التزم بنقل النص الحرفي من كلام أبي السعود ثم عقَّب عليه. ب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [سورة النساء: ٢] قال: " خص من ذلك مقدار أجر الملل عند كون الولي فقيرا لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [سورة النساء: ٦] كذا قاله البيضاوي وتابعه أبو السعود (٥). وعندي أنه لا حاجة إلى تخصيص هذا

стр. 130

النهي بالفقير في هذه الآية لأنها في الغني، لقوله: ﴿إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾. فلا يشمل مساقها الفقير" (١). وعند الرجوع إلى تفسير أبي السعود نجد العبارة منقولة بنصها. ت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنعام: ٤٥] نقل عبارة ابن المُنيّر بنصها: "ونظيرها قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨) قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة النمل: ٥٩] فيمن وقف هاهنا، وجعل الحمد على إهلاك المتقدم ذكرهم من الطاغين، ومنهم من وقف على المنذرين وجعل الحمد متصلا بما بعده من إقامة البراهين على وحدانية الله تعالى، وأنه ﷻ خير مما يشركون. فعلى الأول يكون الحمد ختما، وعلى الثاني فاتحة، وهو مستعمل فيهما شرعا، ولكنه في آية النمل أظهر في كونه مفتتحا لما بعده، وفي آية الأنعام ختم لما تقدمه حتما، إذ لا يقتضي السياق غير ذلك" (٢). ثم عقَّب عليه القاسمي ﵀ فقال: "إذا جرينا على ما هو الأسد في الآي من توافق النظائر، اقتضى حمل آية النمل على ما هنا، وادعاء الأظهرية فيها ممنوع. فإن التنزيل يفسر بعضه بعضا. فتأمل" (٣). ٧ - التصرف في كلام المُتعقب عليه، تعديلاً أو إبدالاً أو اختصارًا، ثم تعَقُبه، ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [سورة النساء: ٤٣] قال: "في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ رد على من أباح جلوس الجنب مطلقا إذا توضأ. لأن الله تعالى جعل غاية التحريم الغسل. فلا يقوم مقامه الوضوء. كذا في (الإكليل) (٤).

стр. 131

قال القاسمي: إنما يكون هذا حجة لو كانت الآية نصًا في تأويل واحد، وحيث تطرَّق الاحتمال لها على ما رأيت فلا (١). وعند الرجوع إلى الإكليل للسيوطي نجد أن ما نقله القاسمي ﵀ فيه تصرف يسير ليس فيه إخلال بالنقل. ب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سورة النساء: ٦٥] قال: "وقع في التفسير المنسوب لابن عباس، هاهنا، ذكر حاطب بن أبي بلتعة وتلقيبه بالمنافق وإدراجه تحت قوله تعالى رأيت المنافقين. وفي صحة هذا عن ابن عباس نظر. وكيف؟ وقد كان ﵁ من البدريين. وقد انتفى النفاق عمن شهدها" (٢). فما أورده القاسمي ﵀ من تنوير المقباس ليس بنصه، إنما بمعناه، فعند الرجوع إلى تنوير المقباس نجد نص العبارة: " ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ [سورة النساء: ٦١] لحاطب بن أبي بلتعة المنافق الذي كان له خصومة مع الزبير بن العوام" (٣). ت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [سورة المائدة: ٦٤] قال: " ما زعمه الزمخشري ومن تابعه من أن إثبات اليد لا يصح حقيقة له تعالى فإنه نزعة كلامية اعتزالية" (٤). وعند الرجوع إلى تفسير الزمخشري نجد بأن العبارة فيها تصرف واختصار، فعبارة الزمخشري: "غل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [سورة الإسراء: ٢٩] ولا يقصد من يتكلم به إثبات يد ولا غل ولا بسط" (٥).

стр. 132

٨ - مراعاة الأدب ومعرفة قدر المُتعقب عليه، ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [سورة البقرة: ٢٣٦] قال: " أخذ بعض المفسرين يحاول البحث بأن عنوان نفي الجناح- عما ذكر هنا- يفيد ثبوته فيما عداه، مع أنه لا جناح أيضا فيه. وتكلف للجواب- سامحه الله- ولا يخفاك أن مثل هذا العنوان كثيرا ما يراد به في التنزيل الترخيص والتسهيل" (١). فالشاهد هو قول القاسمي: " وتكلف للجواب سامحه الله" الذي يدل على مراعاة الأدب ومعرفة قدر المُتعقب عليه. ب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [سورة الأعراف: ٢٠٦]. أورد قول الرازي: "المشبهة تمسكوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ .. ﴾ وقالوا: لفظ (عند) مشعر بالجهة" (٢). ثم أجاب بما هو معروف للخلف. ويعني، سامحه الله، بالمشبهة الحنابلة، وهم براء من التشبيه، كما يعلمه من طالع عقائدهم (٣). فالشهاد هو قول القاسمي: "ويعني سامحه الله" الذي يدل سلامة قلبه من النيل من خصومه، ودعائه لهم بالرحمة والمغفرة، لعل الله تعالى أن يغفر لهم. ت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة الحج: ٥٢]. قال: " وأما ما ذكره ابن حجر من أن القصة [يعني قصة الغرانيق] رويت مرسلة من طرق على شرط الصحيح، وأنه يحتج بها من يرى الاحتجاج بالمرسل (٤). فقد ذهب عليه كما قال في الإبريز أن العصمة من العقائد التي يطلب فيها اليقين. فالحديث الذي يريد خرمها ونقضها، لا يقبل على أي وجه جاء. وقد عد

стр. 133

الأصوليون الخبر الذي يكون على تلك الصفة، من الأخبار التي يجب القطع بكذبها. هذا لو فرض اتصال الحديث، فما ظنك بالمراسيل؟ وإنما الخلاف في الاحتجاج بالمرسل وعدم الاحتجاج به، فيما هو من قبيل الأعمال وفروع الأحكام، لا في أصول العقائد ومعاقد الإيمان بالمرسل وما جاءوا به. فهي هفوة من ابن حجر يغفرها الله له" (١). فالشاهد هو اعتذار القاسمي ﵀ للحافظ ابن حجر ودعاؤه له بالمغفرة. ٩ - التشنيع في الوصف على المُتعقب عليه، ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [سورة النساء: ٣٣] أورد قول أبي مسلم الأصفهاني: " بأن المراد من الذين عاقدت أيمانكم: الزوج والزوجة" (٢). فقال: "هذا التأويل المذكور وما قبله طريقة من لا يقف مع الآثار السلفية في التفسير. ويرى مزاحمتهم في الاجتهاد في ذلك ذهابا إلى أن ما لم يتواتر في معنى الآية، من خبر أو إجماع، فلا حجة في المروي منه آحادا، مرفوعا أو موقوفا، وإن صح. وهذه الطريقة سبيل طائفة قصرت في علم السمع وأقلت البحث عنه. فنشأ من ذلك النقص من الدين والزيادة فيه بالرأي المحض. " (٣). ب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [سورة الأنعام: ١٠٣]. قال: "كون المنفي من الإدراك في هذه الآية هو الإدراك الدنيوي خاصة، لا يحتاج إلى حجة ولا برهان. ومن فهم من بعض الفرق، كالمعتزلة، من هذه الآية أن المنفي هو الإدراك في النشأتين، فقد نادى على نفسه بالجهل بما دل عليه كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ المتواترة" (٤). فالشاهد هو الوصف بالجهل بما دل عليه الكتاب والسنة.

стр. 134

ت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الأنفال: ١]. أورد ما وقع عند الزمخشري أن المسلمين اختلفوا في غنائم بدر، لمن الحكم فيها اللمهاجرين أم للأنصار، أم لهم جميعا؟. فأجيبوا بأن الحاكم فيها الرسول، وليس لأحد فيها حكم (١). وتأثر الزمخشري أبو السعود في سوقه لما ذكر، وزاد عليه اعتماده له، بتطويل ممل (٢). قال القاسمي: "ولا أدري من أين سرت لهم هذه الرواية. فإن رواة الآثار لم يخرجوها في صحاحهم ولا سننهم، بل ولا أصحاب السير، كابن إسحاق وابن هشام. وهل يمكن للمسلمين أن يختلفوا للحكم على الغنائم، ويتنازعوا ولايتها، والرسول بين أظهرهم؟ ومتى عهد ذلك من سيرتهم؟ سبحانك هذا بهتان عظيم! ولكن هو الرأي (قاتله الله!) ونبذ كتب السنة، والتقليد البحث، الذي لا يهتم صاحبه بحقائق الأشياء، ولا يريد معرفتها ولا فحصها بالعقل يضع قدمه على القدم، حيث يكون مطواعا لآراء غيره، منقادا لها مصدقا ما ينطق به فمه، غثا كان أو سمينا. اللهم نور بصيرتنا بفضلك" (٣). وهذا من أعظم الوصف في التشنيع، فالغيرة على اتباع الكتاب والسنة ونبذ التقليد تجعل القاسمي ﵀ يلقي مثل هذه الأوصاف على أهل البدع خاصة، وله في سلفه الصالح وموقفهم من المبتدعة أسوة حسنة. * * *

стр. 135

المبحث الثاني القيمة العلمية لتعقبات القاسمي في تفسيره. تُعتبر التعقبات سِمة من سمات أهل العلم من السلف الصالح ومن سار على طريقتهم، إذ يُبتغى من ورائها إصابة الحق، والتمييز بينه وبين الباطل، وسد الخلل والثغر الذي لا يسلم من إنسان مهما بلغ في العلم، وإن كان أوحد عصره، "فليس من ناقل خبر وحامل أثر من السلف الماضين الى زماننا وان كان من أحفظ الناس وأشدهم توقيا واتقانا لما يحفظ وينقل الا الغلط والسهو ممكن في حفظه ونقله" (١). يقول الإمام المُزني (٢) ﵀ "لو عورض كتاب سبعين مرة لوجد فيه خطأ، أبى الله أن يكون كتاب صحيحا غير كتابه" (٣). ولا لوم على العلماء إن وقع منهم الخطأ والزلل، بل نحسب أن يكون في اجتهادهم الذي أخطأوا فيه أنهم مأجورون، لحديث عمرو بن العاص، أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" (٤). وذلك لأن "الكلام الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه هو: كلام الله الحكيم، وكلام من شهد بعصمته القرآن الكريم. وكلّ كلام بعد ذلك فله خطأ وصواب، وقشر ولباب" (٥).

стр. 136

ولذلك كان تعقب العلماء بعضهم على البعض الآخر سنة ماضية منذ عهد أصحاب رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا، وها هي أم المؤمنين عائشة ﵂، تستدرك على بعض أصحاب رسول الله ﷺ في مواطن متعددة، جمعها الزركشي (١) في كتابه القيِّم: (الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة) (٢)، وتلاه السيوطي في كتابه القيِّم كذلك: (عين الإصابة في استدراك عائشة على الصحابة) (٣). والناظر في تعقبات القاسمي ﵀ على من سبقه، يجد فيها قيمة علمية جلية، تُعَبر عن رفعة قدره وغزارة علمه في شتى الفنون من العلوم الشرعية واللغوية، وهذه القيمة العلمية تبرز فيما يلي: أولا: أن في تعقب القاسمي على من سبقه، بيان للخطأ والزلل الذي وقع فيه ذلك العَلَم المُتَعقب عليه، وهذا من أمانة الدين وأمانة العلم، التي هي أولى وأعظم من أمانة المال. ومما يُبين أهمية حفظ العلم وأمانته ما روي عن بعض السلف من آثار تدل على حفظ أمانة الدين والعلم، منها على سبيل التمثيل: ما روي عن أبي سعيد (٤) أنه قال: كان أبو بكر (٥) ضعيفاً في التصريف والنحو خاصة، وفي كتاب (الجمهرة) خلل كثير، قلنا له: فلو فصلت بالبيان عن هذا الخلل وفتحت لنا باباً من العلم فقال: نحن إلى ستر زلات العلماء أحوج منا إلى كشفها، وانتهى الكلام.

стр. 137

فلما نهضنا من مجلسه قال بعض أصحابنا: قد كان ينبغي لنا أن نقول له: (حراسة العلم أولى من حراسة العالم)، وفي السكوت عن أبي بكر إجلال ولكن خيانة للعلم (١). وكذا يُقال لكل من تعمد السكوت عن الخطأ والباطل من غير سبب سائغ، أو من غير مصلحة راجحة، أن ذلك من خيانة العلم، فتعقب القاسمي ﵀ على من سبقه هو امتثال لمنهج العلماء السابقين وما كانوا عليه من حفظ العلم وأمانته، والله أعلم. ثانيًا: في تعقب القاسمي ﵀ على من سبقه تمييز بين ضعيف الأقوال ومردودها وما لا يُعتد به من صحيحها، وبيان الحق مما هو مطلوب به في الشريعة الإسلامية، وقد بين أهل العلم قديمًا في كُتبهم ومصنفاتهم أهمية بيان الحق من الباطل والتمييز بين الأقوال الصحيحة من المردودة. يقول الحافظ الخطيب البغدادي (٢) ﵀ في مقدمة (الموضح): "ولما جعل الله تعالى في الخلق أعلاما ونصب لكل قوم إماما لزم المهتدين بمبين أنوارهم والقائمين بالحق في اقتفاء آثارهم ممن رزق البحث والفهم وإنعام النظر في العلم بيان ما أهملوا وتسديد ما أغفلوا إذ لم يكونوا معصومين من الزلل ولا آمنين من مقارفة الخطأ والخطل وذلك حق العالم على المتعلم وواجب على التالي للمتقدم" (٣). ويقول العلامة ابن الوزير اليماني (٤): "ولو أنّ العلماء ﵃ تركوا الذّبّ عن الحقّ خوفاً من كلام الخلق: لكانوا قد أضاعوا كثيراً، وخافوا حقيراً" (٥). وقد تقدمت الأمثلة على الأقوال الضعيفة والمردودة التي عقَّب عليها القاسمي ﵀.

стр. 138

ثالثًا: في تعقب القاسمي ﵀ على من سبقه حل في بعض المسائل المشكلة، أو بيان غفلة من أحد الأعلام، أو إيضاح وهم وقع فيه، وهذا مطلب شرعي لإزالة الشك والوهم واللبس الذي يقع عند القارئ، وهذا من احقاق الحق، وقد تقدمت الأمثلة على تعقب القاسمي ﵀ على وقوع الغفلة أو الوهم أو بما معناه عند الأعلام. رابعًا: تعقب القاسمي ﵀ على أهل البدع من الرافضة والمعتزلة وغيرهم من علامات الأمانة التي يحملها، إذ إن السكوت عن أقوال المبتدعة غش للأمة، وخيانة لها، لأن البدع من موجبات غضب الله وسخطه، لقوله ﷺ : "وكل ضلالة في النار" (١). والسكوت عنها يؤدي إلى انتشارها واعتقادها وتعلّق الناس بها وتوقير أهلها، والناس أسرع ما يكونون إلى الباطل، والله المُستعان. وقد كثرت الآثار عن بعض السلف في التحذير من البدع وأهلها، من ذلك: ما روي عن إبراهيم بن ميسرة (٢) أنه قال: «ومن وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام» (٣). ويقول الإمام مالك ﵀: " ومن أحدث في هذه الأمة شيئا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله ﷺ خان الدين، لأن الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [سورة المائدة: ٣] فما لم يكن يومئذ دينا، لا يكون اليوم دينا" (٤). خامسًا: تعقب القاسمي ﵀ على من سبقه من أهل البدع الذين يُفسرون الآيات بالوجه الذي يوافق بدعهم وأهوائهم، هو من رحمة الله تعالى بهم أن سخر لهم من

стр. 139

يرُد أقوالهم، إذ إن المُبتدع الداعي إلى بدعته بفعله هذا يسُنُّ سنة سيئة يحمل بها وزره ووزر من تبعه، فإذا انبرى لها من يردها فإن ذلك يُخفف اتباعها أو يقطع السبيل لاتباعها، فيُخَفَّف على المبتدع حِملَ أوزار من تبعه. سادسًا: في تعقب القاسمي ﵀ على من سبقه بيان لوجه الاستدلال ووجه الحجة على المُتعقب عليه، فهو يأتي بحجة وفهم صحيح للآية يُستفاد منه كيفية الاستدلال والفهم الصحيح للآيات، وقد تقدمت الأمثلة على ذلك. سابعًا: يتميز القاسمي ﵀ بالتحرر من الاتباع والتقليد في تعقباته، فهو يتعقب على العالم بما يراه صوابًا بما يُوافق الكتاب والسنة وما عليه السلف الصالح، وما يتفق مع الأدلة الشرعية الصحيحة، وليس نصرة لأحد من الناس أو لجماعة ينتمي لها، وهذا ظاهر في تعقباته. ثامنًا: يتميز القاسمي ﵀ أنه يقوي تَعَقُبَه بأدلة ونقولات عمن سلفه من الأئمة والأعلام، تدرء عنه الشذوذ والتفرد بالأقوال الغريبة التي تُخالف ما عليه الأئمة، كما تقدم في الحديث عن مصادره في التعقبات. تاسعًا: المتأمل في تعقبات القاسمي ﵀ على من سبقه يتيقن أنها لا تصدر إلا ممن وسع علمه وكثُر اطلاعه، وهذا ملموس بشكل واضح في تنوعها في شتى الفنون العلمية، كما تقدم في ذكر أنواع التعقبات، والله أعلم. فكما أن لتعقبات القاسمي ﵀ قيمة علمية، إلا أنه يؤخذ عليها مأخذان في الجملة: أولا: في بعض الأحيان يُعقب القاسمي ﵀ على قول من سبقه دون ذكر سبب التعقب، وهذا يجعل القارئ لا يُسلِّم بكلامه، لعدم وجود الدليل على رد هذا القول (١). ثانيًا: في بعض الأحيان يتعقب القاسمي على من سبقه بعبارات فيها شدة وقسوة ربما لا يرتضيها القارئ، ولو جاء بعبارات ألطف لكان أفضل.

стр. 140

ومما يُمثّل على ذلك: أنه عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [سورة الأنفال: ١]. أورد قول الزمخشري ومن تابعه من أن المسلمين اختلفوا في غنائم بدر (١). فقال مُعقبًا: "ولا أدري من أين سرت لهم هذه الرواية. فإن رواة الآثار لم يخرجوها في صحاحهم ولا سننهم، بل ولا أصحاب السير، كابن إسحاق وابن هشام. وهل يمكن للمسلمين أن يختلفوا للحكم على الغنائم، ويتنازعوا ولايتها، والرسول بين أظهرهم؟ ومتى عهد ذلك من سيرتهم؟ سبحانك هذا بهتان عظيم! ولكن هو الرأي (قاتله الله!) ونبذ كتب السنة، والتقليد البحت … إلخ" (٢). * * *

стр. 141

القسم الثاني: الدراسة التطبيقية وفيها دراسة تعقبات القاسمي في تفسيره على من سبقه من أول تفسير القرآن إلى آخره حسب ترتيب سور القرآن الكريم.

стр. 142

سورة البقرة

стр. 143

سورة البقرة (١) ١ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [سورة البقرة: ٣٤]. قال القاسمي: " قالت المعتزلة: كان آدم كالقبلة يسجد إليه، ولم يسجدوا له. قالوا ذلك هربا من أن تكون الآية الكريمة حجة عليهم. فإن أهل السنة قالوا: إبليس من الملائكة، وصالح البشر أفضل من الملائكة، واحتجوا بسجود الملائكة لآدم. وخالفت المعتزلة في ذلك وقالت: الملائكة أفضل من البشر، وسجود الملائكة لآدم كان كالقبلة، ويبطله ما حكى الله سبحانه عن إبليس ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [سورة الإسراء: ٦٢] (٢). • أقوال أهل العلم في العلة من سجود الملائكة لآدم: القول الأول: أن سجود الملائكة لآدم كان سجود تحية وتكريم وتعظيم لآدم ﵇ لا سجود عبادة. القول الثاني: أن سجود الملائكة لآدم كان كالقبلة. أصحاب القول الأول: الطبري: "وكان سجود الملائكة لآدم تكرمة لآدم وطاعة لله، لا عبادة لآدم" (٣). البغوي (٤): "الأصح أن السجود كان لآدم على الحقيقة، وتضمن معنى الطاعة لله

стр. 144

بامتثال أمره، وكان ذلك سجود تعظيم وتحية لا سجود عبادة، كسجود إخوة يوسف له في قوله : ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [سورة يوسف: ١٠٠] (١). ابن تيمية: "قصة سجود الملائكة كلهم أجمعين لآدم ولعن الممتنع عن السجود له تشريف وتكريم له. وقد قال بعض الأغبياء: إن السجود إنما كان لله وجعل آدم قبلة لهم يسجدون إليه كما يسجد إلى الكعبة" (٢). الإيجي (٣): "السجود حقيقي طاعة لله وتعظيمًا لآدم وهو مشروع، وقيل انحناء لا وضع جبهة أو السجود لله وآدم قبلة وقد ضعفهما بعض العلماء" (٤). أصحاب القول الثاني: الشعبي (٥): "إنما كان آدم كالقبلة، ومعنى لآدم إلى آدم" (٦). وقال بعض المفسرين: جعل آدم قبلة لهم، والسجود لله كما جعلت الكعبة قبلة لصلاة المؤمنين، والصلاة لله (٧). • دراسة المسألة: بعد التتبع والنظر في أقوال أهل العلم في هذه المسألة، وما ذكره المفسرون في تفسير الآية، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن العلة من سجود

стр. 145

الملائكة لآدم: التحية والتكريم والتعظيم لآدم ﵇، وليس لأنه كالقبلة وذلك من أوجه: الأول: نظائر الآية من الآيات تدل على أن السجود سجود تحية كالسلام منهم عليه، وقد كانت الأمم السالفة تفعل ذلك كما يحيي المسلمون بعضهم بعضا بالسلام. وقال قتادة في قوله: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ كانت تحية الناس يومئذ سجود بعضهم لبعض (١). الثاني: أن القول بأن سجود الملائكة لآدم كان كالقبلة، ليس فيه تفضيل لآدم على الملائكة؛ كما أن السجود إلى الكعبة ليس فيه تفضيل للكعبة على المؤمن عند الله بل حرمة المؤمن عند الله أفضل من حرمتها. الثالث: أن آدم لو كان قبلة لم يمتنع إبليس من السجود أو يزعم أنه خير منه. فإن القبلة قد تكون أحجارا وليس في ذلك تفضيل لها على المصلين إليها، وقد يصلي الرجل إلى عنزة وبعير وإلى رجل ولا يتوهم أنه مفضل بذلك فمن أي شيء فر الشيطان؟. الرابع: أنه لو جعل آدم قبلة في سجدة واحدة لكانت القبلة وبيت المقدس أفضل منه بآلاف كثيرة إذ جعلت قبلة دائمة في جميع أنواع الصلوات؛ فهذه القصة الطويلة التي قد جعلت علما له ومن أفضل النعم عليه وجاءت إلى العالم بأن الله رفعه بها وامتن عليه ليس فيها أكثر من أنه جعله كالكعبة في بعض الأوقات مع أن بعض ما أوتيه من الإيمان والعلم والقرب من الرحمن أفضل بكثير من الكعبة؛ والكعبة إنما وضعت له ولذريته؛ أفيجعل من جسيم النعم عليه أو يشبه به في شيء نزرا قليلا جدا هذا ما لا يقوله عاقل" (٢). الخامس: أن من المفسرين من نبه على ضعف قول من قال أن سجود الملائكة لآدم كان كالقبلة، كما تقدم من كلام ابن تيمية، وقبله الرازي (٣)، وابن كثير الذي تبع الرازي ووافقه على تضعيفه (٤)، مما يؤكد ضعف هذا القول.
следующие страницы →