← Тафсир

Тафсир · id 30149

تعقبات جمال الدين القاسمي على من سبقه من خلال كتابه محاسن التأويل

عبد الرحمن الحسن

Полный текст (1 202 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ثم قال القاسمي مُعقِّبًا: " وهذا الزعم لم يصب المحز، فإن كلا من الآيتين سيق في معنى خاص به، فلا يتصور أن يكون في هذه الجملة طلب ما لا يستطاع من التقوى، بل المراد منها دوام الإنابة له تعالى وخشيته وعرفان جلاله وعظمته قلبا وقالبا" (١). ٣ - التصريح بقول: (لا حُجة فيه، من الضعف بمكان، لا يصح، لا يصلح) ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة: ١٥٨] ذكر قول أنس ابن مالك ﵁ (٢)، وابن الزبير ﵁ (٣)، ومجاهد (٤)، وعطاء (٥)، بأن: السعي سنة (٦). فقال القاسمي مُعقِّبًا: "أنه لا حُجة فيه" (٧). ب - وعند تفسيره لقوله تعالى ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨)﴾ [سورة النساء: ٨] ذكر قول ابن عباس وغيره

стр. 72

بأن الآية منسوخة بآية الميراث (١)، فقال القاسمي مُعقِّبًا بأنه: "من الضعف بمكان" (٢). ت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ [سورة المائدة: ٢٦] عقَّب على قول من قال بأن قوله: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ ظرف متعلق لـ (محرمة) ووصفه بأنه: "لا يصح إلا بتكلف" (٣). ث - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [سورة الصافات: ١٥٨]، ذكر قول من فسر (الجنة) بالملائكة. مستشهدا ببيت للأعشى يذكر سليمان ﵇: وَسَخَّرَ مِنْ جِنِّ الْمَلَائِكِ تِسْعَةً … قِيَامًا لَدَيْهِ يَعْمَلُونَ بِلَا أَجْرِ. فقال معقِّبًا: وبيت الأعشى لا يصلح حجة، لفساد مصداقه" (٤). ٤ - التصريح بقول: (أبعد، بعيد، بعيد جدا) ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ [سورة البقرة: ١٧٧] عقَّب على الحافظ ابن كثير الذي حمل الزكاة الواردة في الآية بزكاة النفس (٥). فقال القاسمي: "وقد أبعد من حمل الزكاة- هنا- على زكاة النفس وتخليصها من الأخلاق الدنيئة الرذيلة" (٦). ب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا

стр. 73

أَصَابَكُمْ﴾ [سورة آل عمران: ١٥٣] عقَّب على قول المُفَضِّل (١) بأن (لا) زائدة. قال القاسمي: "وعندي أنه بعيد، لا سيما مع تكرار (لا) في المعطوف" (٢). ت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [سورة آل عمران: ١٢٨] ذكر قول الفراء والزجاج (٣) بأن ﴿أَوْ يَتُوبَ﴾ منصوبا بالعطف على ﴿يكبتهم﴾ (٤). فقال القاسمي مُعقِّبًا: "هذا بعيد جدا" (٥). ٥ - التصريح بقول: (تكلَّف للجواب، تكلّفٌ لا يساعده نظم الآية، تكلَّفه جماعة من الفقهاء) ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [سورة البقرة: ٢٣٦] قال: " أخذ بعض المفسرين يحاول البحث بأن عنوان نفي الجناح- عما ذكر هنا- يفيد ثبوته فيما عداه، مع أنه لا جناح أيضا فيه. وتكلف للجواب- سامحه الله- ولا يخفاك أن مثل هذا العنوان كثيرا ما يراد به في التنزيل الترخيص والتسهيل" (٦). ب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [سورة النساء: ٢٥] بعد أن ذكر شروط نكاح الإماء قال مُعقّبا: " وما ذكرناه هو المطابق لمعنى الآية. ولا

стр. 74

يخلو ما عداه عن تكلف لا يساعده نظم الآية" (١). ت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [سورة النساء: ٣١] ذكر أن: "المرجع في تعريف الكبيرة إلى العد دون ضبطها بحد. كما تكلفه جماعة من الفقهاء (٢)، وطالت المناقشة بينهم في تلك الحدود. وإن منها ما ليس جامعا. ومنها ما ليس مانعا. فكله مما لا حاجة إليه بعد ورود صحاح الأخبار في بيان ذلك" (٣). ٦ - التصريح بقول: (شذَّ)، ومن ذلك: عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٩] قال: "وشذ قول الوافي (٤) وبعض الظاهرية: إن الخوف مختص بأن يكون من آدمي" (٥). ٧ - التصريح بخطأ فهم المُتعقب عليه من الآية لتقرير عقيدته، ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [سورة البقرة: ٢٧٥] قال: ". وبهذا تبين أن لا تعلق للمعتزلة بهذه الآية في تخليد الفساق. حيث بنوا على أن المتوعد عليه بالخلود العود إلى فعل الربا خاصة. ولا يخفى أنه لا يساعدهم على ذلك الظاهر الذي استدلوا به" (٦). ب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ

стр. 75

وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [سورة الأعراف: ١٩٨]. عقَّب على استنباط المعتزلة من الآية على أن: النظر غير الرؤية، وأنه لا يقتضي الرؤية بأقيسَة في غير محلها. فقال القاسمي: " ولا قرينة في الآية لتقاس على ما هنا. دع ما صح من الأخبار في وقوعها، مما هو بيان لها- فافهم-" (١). ٨ - التصريح بقول: (شبهة جهمية، نزعة اعتزالية)، ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [سورة آل عمران: ١٢٠] ذكر قول الرازي بأن: "إطلاق لفظ: (المحيط) على الله مجاز" (٢)، فقال القاسمي مُعقّبا: "ما ذكره شبهة جهمية مبناها قياس صفة القديم على الحوادث، وأخذ خاصتها به، وهو قياس مع الفارق" (٣). ب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ [سورة النساء: ١٤٨] عقَّب على قول بعض الزيدية (٤) من أن معنى المحبة المذكور في الآية: الإباحة، فقال: " هذه نزغة اعتزالية" (٥). ٩ - التصريح بقول: (غلط) ومن ذلك: عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [سورة النساء: ٥٩]. عقَّب على فهم كثير من الناس والمفسرين أن طاعة أولي الأمر العلماء، تقليدهم فيما يفتون به. ووصفه بأنه: غلط (٦).

стр. 76

١٠ - التصريح بقول: (مخالف لظاهر الآية، عدول عن الظاهر) ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾ [سورة النساء: ١٤٠] ذكر قول أبو علي (١) وأبو هاشم (٢)، من أنه إن أنكر بقلبه لم يجب عليه أكثر من ذلك. وجاز له القعود، يعني مع عجزه عن الإنكار باليد أو باللسان، وعدم تأثير ذلك. ثم عقَّب عليه القاسمي بأنه: "مخالف لظاهر الآية. فلا عبرة به" (٣). ب - ومن ذلك تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [سورة المائدة: ٨٩]، عقَّب على قول بعض الحنفية من أن المراد: إطعام طعام يكفي العشرة، مفرعا عليه جواز إطعام مسكين واحد عشرة أيام. ووصفه القاسمي بأنه: "عدول عن الظاهر، لا يثبت إلا بنص" (٤). ١١ - التصريح بقول: (يأباه السباق والسياق، يدفعه السياق والسباق) ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [سورة المائدة: ٧٦] ذكر قول ابن كثير: " أن الخطاب في قوله تعالى: ﴿أتعبدون﴾ عاما للنصارى وغيرهم" (٥). وما جاء في (تنوير المقباس) أن (ما)

стр. 77

عبارة عن الأصنام خاصة" (١)، ثم قال مُعقّبا: "أن كلاهما مما يأباه السباق والسياق (٢). ب - ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [سورة الأنعام: ٦٥] تعقب على قول جماعة من السلف من أن الآية كائنة في المسلمين أو أنها خطاب لهم، فقال: " قوله: إنها كائنة، أي: في المسلمين، لا أنها خطاب لهم، ونزولها فيهم- كما وهم- إذ يدفعه السياق والسباق" (٣). ت - التصريح بقول: (غلو في الاستنباط) أو بما معناه، ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة الأعراف: ٣]. عقَّب على استدلال الكيا الهراسي (٤)، وابن الفرس (٥) بالآية أن المباح مأمور به، فقال: " هذا غلو في الاستنباط، وتعمق بارد" (٦). ب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [سورة الأنفال: ٧٥]. عقب على استدلال الإمامية بتقديم علي ﵁ على غيره في الإمامة، فقال: " على فرض صحة هذه الدلالة أن العباس ﵁ كان أولى بالإمامة، لأنه كان أقرب إلى رسول الله ﷺ من علي ﵁ " (٧).

стр. 78

١٢ - التصريح بطعن المتعقب عليه في أهل السنة، ومن ذلك: عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾ [سورة الأعراف: ٢٠٦]. عقَّب على إطلاق الرازي للفظ المُشَبهة على الحنابلة، فقال: " ويعني، سامحه الله، بالمشبهة الحنابلة، وهم براء من التشبيه" (١). ١٣ - التصريح بقول: (غريب، ركيك) ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الإسراء: ١]. عقَّب على الراغب الأصفهاني، والسمين الحلبي (٢) وغيرهم ممن جوَّز بأن يكون (أسرى) من (السراة) وهي الأرض الواسعة. فقال: " وهو غريب" (٣). ب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ [سورة الكهف: ٤٤]، ذكر قول من جوَّز كون (هنالك) معمولا ل (منتصرا) وإن الوقف عليه. أي على (هنالك) وإن (الولاية لله) جملة من مبتدأ وخبر مستأنفة. ثم قال مُعَقِّبًا: " هذا ركيك جدا، مفكك لرؤوس الآي في السورة" (٤). ١٤ - التصريح بقول: (ممنوع)، ومن ذلك: عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [سورة الأنعام: ٤٥] أورد قول ابن المنير (٥)، صاحب الانتصاف: "بأن الأظهر في المراد من

стр. 79

الحمد في قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [سورة النمل: ٥٩] الفاتحة لما بعده من إقامة البراهين على وحدانية الله تعالى" (١). فقال القاسمي مُعَقِّبًا: " ادعاء الأظهرية فيها ممنوع. فإن التنزيل يفسر بعضه بعضا. فتأمل" (٢). الخلاصة: أن مُجمل التعقبات الصريحة عند القاسمي ﵀ تدور حول الألفاظ الآتية أو ما في معناها وهي: (باطل، فاسد، ليس بشيء، مردود، مدفوع، واهٍ، لا حجة فيه، لا يصح، ضعيف، لا يصلح، بعيد، فيه تكلف، شاذ، غلط، خلاف الظاهر، يأباه السياق، فيه غلو، غريب، ممنوع. وكذا إذا قال: زعم فلان، أو نسب القول إلى أهل البدع، أو أجاب على خطأ الفهم من الآية، أو تعقب أحدا بطعنه في أهل السنة)، وغير ذلك والله أعلم. * * *

стр. 80

المبحث الثاني الصيغ غير الصريحة كما أن القاسمي ﵀ له تعقبات صريحة على من سبقه من الأعلام والمفسرين، إلا أن له كذلك صِيغًا تتضمن تعقبات غير صريحة على من سبقه وهي تدنو درجة على سابقتها من التعقبات الصريحة، يُفهم منها النقد والرد وعدم الرضا، وأكثرها تتلخص في الصيَغ التالية: ١ - أن يذكر قول المتعقب عليه ثم يعقبه بعبارة: (فيه نظر)، ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [سورة النساء: ٦٥] ذكر ما ورد في التفسير المنسوب لابن عباس ﵁ ما ذكر في قصة حاطب بن أبي بلتعة (١) وتلقيبه بالمنافق (٢). فقال مُعَقِّبًا: "وفي صحة هذا عن ابن عباس ﵁ نظر. وكيف؟ وقد كان ﵁ من البدريين. وقد انتفى النفاق عمن شهدها" (٣). ب - وفي معرض كلامه عن مكية سورة المائة ومدنيتها، أورد قول الشهاب الخفاجي: السورة مدنية، إلا قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ … إلخ﴾ [سورة المائدة: ٣]، فإنها نزلت بمكة (٤). فعقَّب عليه القاسمي بقوله: "أقول: في كلامه نظران: … ألخ" (٥). ٢ - أن يذكر قول المُتعقب عليه ويصفه بعبارة: (لا يتعلق به كبير فائدة، لا حاجة له)، ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا

стр. 81

بَقَرَةً﴾ [سورة البقرة: ٦٧]، عقَّب على ما ذكره أكثر المفسرين من قصة البقرة وصاحبها (١). ووصف هذه القصة من أنه "لم يُروَ منها شيئًا بسند صحيح. ولا يتعلق به كبير فائدة" (٢). ب - وعند ذكره لمكية سورة يس من مدنيتها، أورد قول بعضهم: أنها مكية واستثنى منها بعضهم قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [سورة يس: ١٢]. ثم عقَّب بعد ذلك بقوله: " ولا حاجة لدعوى الاستثناء فيها وفي نظائرها" (٣). ٣ - أن يورد ما ذكره بعض المفسرين من أحاديث نبوية أو آثار في تفسير الآية، ثم يعقبه بعبارة: (لا يعرف له سند صحيح، لم يُروَ من طريق صحيح ولا حسن فهي ساقطة عند المحققين): أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة آل عمران: ١٠٥] أورد ما ذكره بعض المفسرين مما روي من حديث: (اختلاف أمتي رحمة) (٤)، فقال مُعَقِّبًا: "ولا يعرف له سند صحيح" (٥). ب - ومن ذلك عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [سورة النساء: ٦٢]. عقَّب على اختيار الزجاج من أن المراد: قتل عمر صاحبهم الذي أقر أنه لا يرضى بحكم الرسول ﵊ (٦).

стр. 82

قال القاسمي: " واختياره غير مختار. لأن قصة قتل عمر لم ترو من طريق صحيح ولا حسن. فهي ساقطة عند المحققين" (١). ٤ - أن يتعقب على قول المتعقب عليه بعبارة: (لا يساعده، وليس بمتعين)، ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١)﴾ [سورة آل عمران: ١٢١] ذكر قول ابن جزي (٢)، بأن المراد: غدوة السبت، وأنه ﷺ كان في صباحه التبوؤ للمقاعد (٣). ووصف القاسمي هذا القول بأنه: "لا يساعده (من أهلك) لأنه لم يكن وقتئذ أهله معه" (٤). ب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [سورة النساء: ٤٧] عقَّب على ما ذكره المفسرون من تأويلات في معنى الطمس (٥). قال القاسمي: "لا يخفى أن جميع ما ذكر من التأويلات، غير الأول، لا يساعده مقام تشديد الوعيد، وتعميم التهديد" (٦). ت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ

стр. 83

ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [سورة النور: ٣٠]، أورد قول أبي العالية: كل شيء في القرآن من (حفظ الفرج) فهو من الزنى، إلا هذه الآية والتي بعدها، فهو أن لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة (١). ثم عقَّب القاسمي بعد ذلك بقوله: "وليس بمتعين. وعليه فيكون النهي عن الزنى يعلم منه بطريق الأولى" (٢). ٥ - أن يُوافق قول المُتعقب عليه في الظاهر لكنه يورد عبارة يُفهم منها معارضته لفهم المُتعقب عليه، ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة المائدة: ٦٨] أورد قول بعض المحققين بأن المراد: " إن هم عملوا بشرائع دينهم لا يكونون على الدين الحق الكامل بل الذي يفهم من الآية أنهم يكونون على شيء من الدين، وهو- ولا شك- خير من لا شيء" (٣). قال القاسمي عقب ذلك: " ولا يخفى أنهم إذا أقاموا التوراة والإنجيل، آمنوا بمحمد ﷺ . لما تتقاضى إقامتهما الإيمان به. إذ كثر ما جاء فيهما من البشارات به والتنويه باسمه ودينه، فإقامتهما على وجوههما تستدعي الإسلام البتة، بل هي هو، والله الموفق " (٤). ب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤١)﴾ [سورة الرعد: ٤١]. أورد قول من ابن عباس ﵁ وغيره أن المراد منها: موت علمائها وفقهائها وأهل الخير منها (٥).

стр. 84

ثم قال القاسمي مُعَقِّبًا: " ولا يخفاك أن هذا المعنى لا يذكره السلف تفسيرا للآية على أنه المراد منها، وإنما يذكرونه تهويلا لخطب موت العلماء بسبب أنهم أركان الأرض وصلاحها وكمالها وعمرانها، فموتهم نقص لها وخراب منها" (١). فكأن القاسمي ﵀ يتفق مع هذا المعنى، لكنه لا يعده تفسيراً للآية. ت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [سورة الرعد: ٤٣]. ذكر قول من قال بأن الشهادة فعل على سبيل الاستعارة بينما في الحقيقة هي قول، لأنه يغني عن الشهادة بل هو أقوى. ثم قال القاسمي: " ولا يخفى أن الشهادة أعم من القول والفعل" (٢). فالقاسمي يتفق مع قول القائل بأن الشهادة فعل، ولكنه يعترض عليه بأن تكون محصورة في الفعل في معنى هذه الآية، إنما هي أعم من القول والفعل. ٦ - أن يصف قول المُتَعقب عليه واستنباطه بعبارة: (فيه خفاء)، ومن ذلك: عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنعام: ٩٠]. عقَّب على قول الخفاجي بأن الآية تدل على أنه يحل أخذ الأجر للتعليم، وقول بعض مفسري الزيدية على عدم جواز ذلك (٣). ووصف القاسمي هذا الفهم أو الاستنباط أن: "فيه خفاء" (٤). ٧ - أن يُبدي استغرابه وعجبه من قول المُتعقب عليه بعبارة: (وعجيب)، ومن ذلك: عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [سورة نوح: ٢٣]. أورد استشكال الرازي انتقال الأصنام من قوم نوح إلى

стр. 85

أرض العرب وذلك لأن الدنيا قد خربت في زمان الطوفان. ثم عقَّب بعد ذلك بقوله: " وعجيب من الرازي أن لا يجد مخرجا من سؤاله، وهو على طرف الثمام" (١). الخلاصة: أن مُجمل التعقبات غير الصريحة عند القاسمي ﵀ تدور حول الألفاظ أو العبارات الآتية أو ما في معناها وهي: (فيه نظر، لا يتعلق به كبير فائدة، لا حاجة له، لا يُساعده، ليس بمُتعين، فيه خفاء، رد مالم يصح إسناده من حديث أو أثر، يلزم التفكيك، العجب والاستغراب من قول المتعقب عليه، الاعتراض على فهم المُتعقب عليه). * * *

стр. 86

المبحث الثالث مصادره في التعقبات. تنوعت مصادر القاسمي ﵀ في معرض كلامه حينما يتعقب أحدًا من الأعلام أو المفسرين، وذلك لتنوع معارفه وفنونه واتساعها، فهو كسائر أهل العلم، يستفيد من الكتُب المؤلَّفة في التفسير وعلوم القرآن، وكتب اللغة والبلاغة، وكُتب ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في العقيدة خاصة. وفيما يلي محاولة لعرض أهم تلك المصادر، ويُمكن تقسيمها إلى ما يلي: * أولاً: مصادره من كتب التفسير: ١ - جامع البيان لابن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ): فعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ [سورة قريش: ١]، عقَّب على قول الزجاج (١) وغيره بأن اللام في (لإيلاف) متعلق بما قبله أي: فجعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش (٢). ثم استشهد القاسمي بما يُؤيد تعقُّبه من كلام ابن جرير الطبري ﵀ (٣). ٢ - تفسير ابن أبي حاتم (ت: ٣٢٧ هـ) (٤): فعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [سورة النساء: ٦١] أورد الآثار الصحيحة

стр. 87

المروية عن ابن عباس ﵁ في سبب نزولها، ثم ذكر قول أبي مسلم الأصفهاني في تفسيرها، وعقَّب عليه بأن "ما استظهره مناف لما روي في نزولها" (١)، فهذا يدل على أن القاسمي عقَّب عليه بناء على رجوعه إلى تفسير ابن أبي حاتم. ٣ - مفاتيح الغيب للفخر الرازي (ت: ٦٠٦ هـ): فعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [سورة البقرة: ١٠٢] عقَّب على قول من قال: أن هاروت وماروت كانا من الملائكة وذكروا في ذلك قصة وأحاديث عجيبة، ثم أعقب تعقبه بإيراد كلام الرازي في أوجه بطلان هذه القصة (٢). فهذا يدل على أن القاسمي ﵀ استفاد ذلك من كلام الرازي. ٤ - تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ): فعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [سورة النساء: ١٢٨]، ذكر قول بعض المفسرين: أن النبي ﷺ كان عزم على طلاق سودة، وعقَّب عليهم أن ذلك: باطل وسوء فهم من القصة، ثم نبه على ما روي من كونه ﷺ بعث إليها بطلاقها، أنه غريب مُرسل كما قاله ابن كثير (٣)، فهذا يدل على أن تعقبه بناء على ما استفاده من تفسير ابن كثير، والله أعلم (٤).

стр. 88

٥ - إرشاد العقل السليم لأبي السعود العمادي (ت: ٩٨٢ هـ): فعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة المائدة: ٧١] عقَّب على الزمخشري بأن قوله تعالى ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ إشارة إلى عبادتهم العجل، وكذا ما قيل بأن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا﴾ إشارة إلى طلبهم الرؤية (١). ثم ذكر القاسمي أن ذلك أفاده أبي السعود (٢). فألفاظ التعقب لم ينقلها القاسمي ﵀ عن أبي السعود، وإنما استفاد من أبي السعود أن هذا المعنى لا تعلق لها بما حكي عنهم، والله أعلم. ٦ - حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي للشهاب الخفاجي (ت: ١٠٦٩ هـ): فعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٨٢] عقَّب على الزمخشري الذي أبى تفسير الظلم بالكفر. ثم استشهد القاسمي بقول الخفاجي الذي يُؤيد تعقبه للزمخشري (٣). * ثانيًا: مصادره من كتب علوم القرآن: ١ - كتاب الاتقان في علوم القرآن للسيوطي (ت: ٩١١ هـ): فعند معرض كلامه عن مكية سورة المائدة من مدنيتها أورد كلام الشهاب الخفاجي: "أن السورة مدنية، إلا قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [سورة المائدة: ٣] " (٤)، فقال مُعَقِّبًا: "بأن في كلامه نظر: وهو بناءً على أن المكي ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة. والمدني ما نزل بالمدينة، وهو اصطلاح لبعض السلف. ولكن الأشهر كما في (الإتقان) أن المكي ما نزل

стр. 89

قبل الهجرة. والمدني ما نزل بعدها، سواء نزل بمكة أم بالمدينة" (١). فهذا التعقب بناءً على ما وقف عليه من كلام السيوطي في الاتقان. ٢ - الإكليل في استنباط التنزيل للسيوطي (ت: ٩١١ هـ): فعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة التوبة: ١٠٣]، عقَّب على من زعم أن المراد بـ ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾: الصلاة على الموتى. ثم ذكر القاسمي أن المراد بالصلاة حكاه السيوطي في الإكليل (٢). * ثالثًا: مصادره من كتب السُنة: ١ - كتاب التمهيد لابن عبد البر (ت: ٤٦٣ هـ): فعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [سورة المائدة: ٦٤] عقَّب على قول الزمخشري بأن: "إثبات اليد لا يصح حقيقة له تعالى" (٣)، ثم استشهد القاسمي بكلام ابن عبد البر (٤)، في شرح الموطأ بأن أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز (٥).

стр. 90

٢ - شرح النووي على صحيح مسلم (ت: ٦٧٦ هـ) (١): فعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [سورة الفتح: ٢٩]. عقَّب على تكفير الإمام مالك ﵀، الروافض. بأن تكفيره هذا خلاف ما اتفق عليه المحققون من أهل السنة والجماعة من أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة، ثم أشار القاسمي بأن هذا مبسوط في كتب العقائد، وأوضحه النووي في شرح (مقدمة مسلم) (٢). ٣ - كتاب قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث للمؤلف ﵀ (ت: ١٣٣٢ هـ): فعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [سورة الأنعام: ٥٢] عقَّب على قول الرازي: بأن النبي ﷺ طرد ضعفاء المسلمين (٣). ثم أحال القاسمي على كتابه: قواعد التحديث (٤). * رابعًا: مصادره من كتب اللغة: ١ - كتاب شرح التصريح على التوضيح للأزهري على ألفية ابن مالك لابن هشام (٥): فعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [سورة النساء: ٤٦] عقَّب على قول أبي

стр. 91

السعود: "بأن قراءة الرفع في ﴿قَلِيلًا﴾ فيه نسبة القراء إلى الاتفاق على غير المختار" (١)، ووصفه بأنه: "مردود، وأن النصب عربي جيد"، ثم أعقب ذلك بشيء من الأمثلة من كتاب التوضيح لابن هشام (٢). ٢ - كتاب تاج العروس للزبيدي (٣): فعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٣٨] عقَّب على قول أبي البقاء بأنه: لا يجوز أن يكون ﴿فَرَّطْنَا﴾ مفعولا به، لأن ﴿فَرَّطْنَا﴾ تتعدى بنفسها، بل بحرف الجر، وقد عديت بـ (في) إلى الكتاب، فلا تتعدى بحرف آخر. ثم استند القاسمي على تعقُّبه بما استشهد به الزبيدي من شِعر في شرحه على القاموس (٤). ٣ - كتاب القاموس المحيط للفيروز آبادي: فعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [سورة الأعراف: ٤٢]، عقَّب على تخطأة الرازي من ظن أن الوسع بذل المجهود (٥). ثم استشهد القاسمي بكلام الفيروز آبادي من القاموس المحيط (٦).

стр. 92

٤ - كتاب إضاءة الرّاموس وإضافة النّاموس لأبي عبد الله محمد بن الطيب الفاسي (١): فعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [سورة الصافات: ١٥٨]. عقَّب على من فسر (الجنة) بالملائكة، وأورد بما يُؤيد تعقبه من كلام الفاسي في شرحه على القاموس للفيروز آبادي (٢). * خامسًا: مصادره من كتب أخرى اشتملت على فنون من العلم في العقيدة والفقه والزهد ونحو ذلك: ١ - كتاب إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي (٣): فعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [سورة النساء: ١٧] أورد كلام الغزالي في مسألة: اشتراط وقوع التوبة عقب المعصية بلا تراخ (٤). ثم قال بعد ذلك: " إذا عرفت هذا، فما ذكره كثير من المفسرين من أن المراد من قوله تعالى: ﴿مِنْ قَرِيبٍ﴾ ما قبل حضور الموت- بعيد من لفظ الآية وسرها التي أرشدت إليه" (٥)، فهذا يدل على أنه استفاد ذلك منه، والله أعلم.

стр. 93

٢ - كتاب الرسالة للإمام الشافعي: فعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [سورة النساء: ٢٤]. أورد كلام الإمام الشافعي ﵀ من كتابه الرسالة في وجوب اتباع الكتاب والسنة (١). ثم أعقبه بقوله: " وإنما أوردنا هذا تزييفا لزعم الخوارج أن حديث (لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها) المروي في الصحيحين وغيرهما، خبر واحد. وتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لا يجوز. كما نقله عنهم الرازي" (٢)، فكان تعقبه عليهم بناءً على ما استفاده من كلام الشافعي ﵀، والله أعلم. ٣ - كتاب أعلام الموقعين لابن القيم: فعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [سورة النساء: ٥٩]. عقَّب على فهم كثير من الناس والمفسرين أن طاعة أولي الأمر العلماء، تقليدهم فيما يفتون به. ووصف القاسمي ذلك بأنه: غلط، ثم أورد فصلا من كلام ابن القيم من كتاب (أعلام الموقعين) في عقد مجلس مناظرة بين مقلد وبين صاحب حجة منقاد للحق حيث كان (٣)، فهذا يدل على أن تعقبه بناء على ما استفاده من كلام ابن القيم، والله أعلم. ٤ - كتاب الانتصاف من الكشاف (حاشية ابن المنيِّر) (٤): فعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [سورة المائدة: ٥٤] عقَّب على قول الزمخشري بتأويل المحبة بإثابته

стр. 94

تعالى لهم أحسن الثواب، وتفسيره المحبة بالطاعة وابتغاء المرضاة (١). وأن صاحب (الانتصاف) رد هذا التأويل بأنه خلاف الظاهر (٢)، فهذا مما استفاده من الانتصاف. ٥ - كتاب العلو للذهبي (٣): فعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾ [سورة الأعراف: ٢٠٦]. عقَّب على إطلاق الرازي للفظ المُشَبهة على الحنابلة (٤). وأحال القاسمي بما يُثبت براءتهم من التشبيه براء من التشبيه على كتاب العلو للذهبي (٥). ٦ - العهد القديم (سفر دانيال): فعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [سورة الكهف: ٩٤] عقَّب على قول من قال بأن: لفظ: (ذو القرنين) من أوضاع العرب خاصة. ثم أثبت القاسمي خلاف ذلك مما نقله عن التوراة (٦). تنبيهان: الأول: القاسمي ﵀ في تفسيره نقل من مصادر عديدة من كتب التفسير وغيرها مما فيها تعقبات صريحة بلفظها، ولم تُذكر في هذا الموضوع، لأن الهدف من هذه الدراسة هو تتبع ألفاظ القاسمي ﵀ في التعقبات التي صدرت منه ودراستُها، وليس ألفاظ التعقب التي نقلها عن غيره.

стр. 95

الثاني: ما ذُكر في هذا المبحث هو عبارة عن أشهر المصادر التي اعتمد عليها القاسمي ﵀ في تعقباته على من سبقه بحسب ما وقفت عليه، ولا شك أنه اعتمد على غيرها مما قد خَفِي وقد يظهر إن شاء الله خلال الدراسة والتحرير والسير على تعقباته في القسم الثاني من الدراسة، وبالله التوفيق. * * *

стр. 96

الفصل الثالث: أنواع التعقبات عند القاسمي. وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: التعقبات في التفسير. المبحث الثاني: التعقبات في علوم القرآن. المبحث الثالث: التعقبات في العلوم الأخرى المتعلقة بالتفسير.

стр. 97

المبحث الأول التعقبات في التفسير تقدم مما سبق أن القاسمي ﵀ انتهج في تفسيره المنهج التحليلي الذي يُبين تفسير الآية من جميع النواحي العلمية، وبناءً على هذا المنهج تعددت أنواع التعقبات عند القاسمي ﵀ على من سبقه من الأعلام والمُفسرين. ومن أبرز هذه الأنواع: تعقباته في التفسير، التي تندرج ضمنها بعضًا من الأنواع المُتعلقة بتفسير الآي وهي: ١ - التعقب على المعاني التي لا تحتملها الفاظ الآية، ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ [سورة البقرة: ١٧٧] عقَّب على الحافظ ابن كثير الذي حمل الزكاة في هذه الآية على زكاة النفس (١). فقال القاسمي: "وقد أبعد من حمل الزكاة- هنا- على زكاة النفس وتخليصها من الأخلاق الدنيئة الرذيلة، ووجه البُعد: أن الزكاة المقرونة بالصلاة في التنزيل لا يراد بها إلا زكاة المال" (٢). فتعقُب القاسمي على ابن كثير مبني على مخالفة المعنى لألفاظ الآية. ب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [سورة النساء: ١٧] عّقَّب على الزمخشري وغيره ممن قال بأن المراد من قوله تعالى: ﴿مِنْ قَرِيبٍ﴾ ما قبل حضور الموت (٣).

стр. 98

فقال القاسمي: "ما ذكره كثير من المفسرين من أن المراد من قوله تعالى من قريب ما قبل حضور الموت- بعيد من لفظ الآية وسرها التي أرشدت إليه (١). ت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ [سورة العاديات: ٢]، عّقَّب على قول قتادة وغيره بأن المراد من الموريات: هجن الحرب (٢). فقال: "وكون المراد بالموريات الحرب بعيد" (٣). ٢ - التعقب على المعاني التي تُخالف ظاهر اللفظ من الآية صراحة، ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [سورة البقرة: ٢٣٦] عّقَّب على عبارة الزمخشري: " ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ لا تبعة عليكم من إيجاب مهر" (٤)، وعبارة الرازي: "الجناح المنفي هناك هو لزوم المهر والله أعلم" (٥). فقال القاسمي: " تكلف بعض بجعل (أو) بمعنى (إلا) أو (حتى) وجعل الحرج بمعنى المهر مع أن الآية بينة بنفسها لا حاجة إلى أن تتجاذبها أطراف هذه الأبحاث" (٦). ب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [سورة النساء: ١٤٠] عقَّب على قول أبي علي الجبائي وأبي هاشم الجبائي: "جواز القعود إن أنكر بقلبه" (٧). فقال القاسمي: " ما قالاه مخالف لظاهر الآية. فلا عبرة به" (٨).

стр. 99

ت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [سورة المائدة: ٨٩]. عقَّب على قول بعض الأعلام كأبي حنيفة والجصاص، بأن المراد: "إطعام طعام يكفي العشرة، مفرعا عليه جواز إطعام مسكين واحد عشرة أيام" (١). ووصف القاسمي هذا المراد بأنه: "عدول عن الظاهر، لا يثبت إلا بنص" (٢) ٣ - التعقب على المعاني التي تُخالف سياق الفاظ الآية، ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [سورة النساء: ٨٣] عقَّب على قول الزمخشري والبيضاوي (٣)، وأبي السعود وغيرهم: من أن المراد من الذين ذُكروا في الآية: "طائفة من ضعفة المسلمين" (٤). قال القاسمي: " فإن أرادوا بالضعفة المنافقين، فصحيح. وإلا فبعيد غاية البعد كما يعلم من سباق الآية وسياقها" (٥). ب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [سورة المائدة: ٧٦] قال: جعل ابن كثير الخطاب في قوله تعالى: ﴿أَتَعْبُدُونَ﴾ عاما للنصارى وغيرهم، أي قل لهؤلاء العابدين غير الله من سائر فرق بني آدم (٦). وما جاء في (تنوير المقباس) أن (ما) عبارة عن الأصنام خاصة (٧). وكلاهما

стр. 100

مما يأباه السباق والسياق (١). ت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ الآية [سورة التوبة: ١١٧]. ذكر قول أبي مسلم من أنه يجوز أن يكون المراد بـ (ساعة العسرة) جميع الأحوال والأوقات الشديدة على الرسول، وعلى المؤمنين، فيدخل فيه غزوة الخندق وغيرها (٢). ثم قال القاسمي معقّبًا: هذا الاحتمال، وإن كان مما يسعه اللفظ الكريم، إلا أنه يبعده عنه سياق الآية، وسباقها، القاصران على غزوة تبوك (٣). ٤ - التعقب على تخصيص بعض المعاني دون بعض المراد ذكرها في الآية، ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [سورة آل عمران: ١٥٦] عقَّب على أبي السعود قوله: "وليس المقصود بالنهي عدم مماثلتهم في النطق بهذا القول بل في الاعتقاد بمضمونه والحكم بموجبه" (٤). فقال: "بل الآية تفيد الأمرين. أعني حفظ الاعتقاد المقصود أولا وبالذات، وحفظ المنطق مما يوقع في إضلال الناس" (٥). ب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [سورة النساء: ٢] عقَّب على قول البيضاوي: "وقد خص من ذلك مقدار أجر المثل عند كون الولي فقيراً (٦). فقال: " وعندي أنه لا

стр. 101

حاجة إلى تخصيص هذا النهي بالفقير في هذه الآية لأنها في الغني" (١). ت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [سورة التوبة: ١٠٨]. عقَّب على قول الرازي: "المراد من الطهارة: التطهر عن الذنوب والمعاصي، وهذا القول متعين" (٢). قال القاسمي: " لا تسلم دعوى التعين، فإن اللفظ يتناول الطهارتين الباطنة والظاهرة" (٣). ٥ - التعقب على مخالفة المُفسر للأحاديث والآثار المُبينة للمعنى، ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [سورة النساء: ٣٣] عقَّب على قول أبي مسلم الأصفهاني: " بأن المراد من الذين عاقدت أيمانكم: الزوج والزوجة" (٤). فقال: "هذا التأويل المذكور وما قبله طريقة من لا يقف مع الآثار السلفية في التفسير. ويرى مزاحمتهم في الاجتهاد في ذلك" (٥). ب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية [سورة النساء: ٩٢] عقَّب على قول أبي بكر الأصم وجمهور الخوارج الذين أوجبوا الدية على

стр. 102

القاتل لا على عاقلته (١). فقال: "وقد خالف أبو بكر الأصم وجمهور الخوارج، فأوجبوا الدية على القاتل لا على عاقلته، واحتجوا بوجوه خمسة عقلية ساقها الفخر الرازي، وكلها مما لا يساوي فلسا" (٢). ٦ - التعقب على التأويلات التي لا تستند على أدلة، ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [سورة يونس: ٩٨]. عقَّب على قول أَبِي الْجَلْد (٣) الذي أورده ابن كثير في تفسيره: أن العذاب تدلى عليهم، وغشيهم، وجعل يدور على رؤوسهم، وغامت السماء غيما أسود، ونحو هذا (٤). فقال: " وليس في التنزيل بيان لهذا، ولا في صحيح السنة، وكأن من زعمه فهمه من لفظ ﴿كَشَفْنَا﴾، ولا صراحة فيه" (٥). ب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [سورة الكهف: ٩٤]. عقّب على قول الرازي: "بأن قوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ [سورة الكهف: ٨٦] يدل على أنه تعالى تكلم معه من غير واسطة، وذلك يدل على أنه كان نبيا وحمل هذا اللفظ على أن المراد أنه خاطبه على ألسنة بعض الأنبياء فهو عدول عن الظاهر" (٦). فقال: " ولا يخفى ضعف الاستدلال بهذه الأدلة على نبوته. لأن مقام إثباتها

стр. 103

يحتاج إلى تنصيص وتخصيص. وأما تعمق الجري وراء العموميات، لاستفادة مثل ذلك، فغير مقنع" (١). ٧ - التعقب على الإشارات التي يفهمها بعض المُفسرين من الآيات، ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [سورة المائدة: ٧١] عقَّب على قول الزمخشري: بأن قوله تعالى: ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ إشارة إلى عبادتهم العجل (٢). ووصفه القاسمي: بأنه بعيد (٣). ب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾ [سورة الكهف: ١٦] عقَّب على ابن كثير والسيوطي، بزعمهما أن الآية تفيد مشروعية العزلة واستحبابها مطلقا (٤). فقال: " زعم قوم أن الآية تفيد مشروعية العزلة واستحبابها مطلقا. وهو خطأ. فإنها تشير إلى التأسي بأهل الكهف في الاعتزال" (٥). ٨ - التعقب على المعنى الذي لا تؤيده نظائر الآيات، ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة البقرة: ٣٤] عقَّب على المعتزلة الذين قالوا: أن الملائكة أفضل من البشر (٦). قال القاسمي: أهل السنة قالوا: إبليس من الملائكة، وصالح البشر أفضل من الملائكة، واحتجوا بسجود الملائكة لآدم. وخالفت المعتزلة في ذلك وقالت: الملائكة أفضل من البشر،

стр. 104

وسجود الملائكة لآدم كان كالقبلة، ويبطله ما حكى الله سبحانه عن إبليس ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [سورة الإسراء: ٦٢] (١). ب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [سورة الأنعام: ٣٨] أورد قول ابن عباس ﵁ فيما نقل عنه الواحدي بأن المماثلة هي: في معرفته تعالى، وتوحيده وتسبيحه (٢). وقوله أيضًا: بأن المماثلة في أنها تحشر يوم القيامة كالناس (٣). فقال القاسمي مُعقِّبًا: "لا شك في صحة الوجهين بذاتهما، وصدق المثلية فيهما، ولكن الحمل عليهما يبعده عدم ملاقاته للآية الأخرى. فالأمس، تأييدا للنظائر" (٤). ت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)﴾ [الأنعام: ٥٢] عقَّب على المهايمي (٥)، حيث حمل الآية على أرباب الشرف والمال أيضًا، لكونهم يكرهون مجالسة المساكين (٦). قال القاسمي: "وفيه بعد، لعدم ملاقاته لآية نوح السالفة (٧). ولا يخفى مراعاة النظائر" (٨).

стр. 105

٩ - التعقب على المعاني التي تستند على تحكيم العقول، ومن ذلك: عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [سورة المعارج: ٤]. عقَّب على قول أبي مسلم: إن هذا اليوم هو يوم الدنيا كلها من أول ما خلق الله إلى آخر الفناء، فبين تعالى أنه لا بد في يوم الدنيا من عروج الملائكة ونزولهم، وهذا اليوم مقدر بخمسين ألف سنة، ثم لا يلزم على هذا أن يصير وقت القيامة معلوما، لأنا لا ندري كم مضى وكم بقي القول (١). قال القاسمي: وهو بعيد، وهذه الآية كآية ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [سورة السجدة: ٥]، ولا منافاة في التقدير، لأن المعني به الاستطالة، لشدته على الكفار، أو لكثرة ما فيه من الحالات والمحاسبات. والقرآن يفسر بعضه بعضا والله أعلم (٢). ١٠ - التعقب على عدول المُفسِّر عن المعنى المشهور من تفسير الآية، ومن ذلك: عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ [سورة الكهف: ٢٤]. عقَّب على قول ابن المُنيِّر بأن المراد: "لا تقولن ذلك إلا أن يشاء الله أن تقول هذا القول" (٣). قال القاسمي" دعوى الناصر في (الانتصاف) أن الغرض: النهي عن هذا القول إلا مقرونا بمشيئته تعالى- قصر للآية على أحد معانيها، وذهاب إلى ما هو المشهور في تأويلها، وعدم تمعن في مثل هذا المعنى الدقيق، بل وفي بقية المعاني الأخر التي اللفظ الكريم يحتملها (٤).

стр. 106

١١ - التعقب على المعنى المراد من الآية الذي يستند على القياس مع الفارق، ومن ذلك: عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [سورة المائدة: ٧٥] عقَّب على قول الخفاجي الذي جعل السر في الآية: "أنه تعالى بين أولا أقصى مراتب كمالهما، وأنه لا يقتضي الألوهية، وقدمه لئلا يواجههما بذكر نقائص البشرية الموجبة لبطلان ما ادعوا فيهما، على حد قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [سورة التوبة: ٤٣]. حيث قدم العفو على المعاتبة له ﷺ " (١). فقال القاسمي: "قياسه على الآية قياس مع الفارق لاختلاف المقامين" (٢). ١٢ - التعقب على عبارات يذكرها بعض الُفسرين بسبب فوات العلم بها، ومن ذلك: عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [سورة التين: ١] عقَّب على قول ابن جرير الطبري بأنه: "لا يعرف جبل يسمى تينا ولا جبل يقال له زيتون" (٣). فقال: "وفيه نظر، لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ. كيف وجبل الزيتون هو من جبال فلسطين، معروف ذلك عند علماء أهل الكتاب والمؤلفين في تقويم البلاد" (٤). ١٣ - التعقب على إيراد بعض المُفسرين لمسائل لا علاقة لها بتفسير الآية، ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ

стр. 107

الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ [سورة النساء: ٩٤] عقَّب على إيراد الرازي لمسألة: لو قال اليهودي والنصراني: أنا مؤمن، أو قال: أنا مسلم، هل يُحكم على بإسلامه؟ (١). قال القاسمي: " وأما مسألة من أراد الدخول في الإسلام وهو على عقيدة فاسدة، وأنه لا بد في صحة إسلامه من تبرئه عنها، ونبذها ظهريا، وأنه لا يكتفى بقوله: أنا مسلم- فذاك بحث آخر مسلم. لكن ليس مما تشمله الآية" (٢). ب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [سورة الرعد: ٤١]، عقَّب على إيراد بعض المفسرين ماروي عن ابن عباس ﵁ ومجاهد: أن نقصها من أطرافها هو: «ذهاب علمائها، وفقهائها، وخيار أهلها» (٣). فقال: " ولا يخفاك أن هذا المعنى لا يذكره السلف تفسيرا للآية على أنه المراد منها، وإنما يذكرونه تهويلا لخطب موت العلماء بسبب أنهم أركان الأرض وصلاحها وكمالها وعمرانها" (٤). * * *

стр. 108

المبحث الثاني التعقبات في علوم القرآن. علوم القرآن: هي العلوم التي ترتبط بالقرآن الكريم ارتباطًا وثيقًا، كنزول القرآن، وأسباب النزول، والمكي والمدني، والناسخ والمنسوخ، وجمع القرآن، وإعجاز القرآن، وغير ذلك من العلوم. وكما أن القاسمي ﵀ له تعقبات على من سبقه في التفسير، كذلك له تعقبات على من سبقه في المسائل والمباحث المتعلقة بعلوم القرآن، وأبرزها ما يلي: ١ - التعقب على القول بوقوع النسخ في الآية، ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران: ١٠٢] أورد قول قتادة وغيره: بأن الآية: "نسختها هذه الآية التي في التغابن ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [سورة التغابن: ١٦] (١)، فقال: " زعم بعضهم أن هذه الجملة من الآية منسوخة بآية: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، متأولا حق تقاته بأن يأتي العبد بكل ما يجب لله ويستحقه. قال: فهذا يعجز العبد عن الوفاء، فتحصيله ممتنع. وهذا الزعم لم يصب المحز، فإن كلا من الآيتين سيق في معنى خاص به" (٢). ب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [سورة النساء: ٨] عقَّب على قول ابن عباس ﵁، وسعيد بن المسيب والضحاك (٣) بأن هذه الآية منسوخة بآية الميراث (٤).

стр. 109

فقال: " ولقد أبعد القائل بالنسخ عن فهم سر الآية فيما ندبت إليه من هذه المكرمة الجليلة. وهي إسعاف من ذكر من المال الموروث، والنفس الأبية تنفر من أن تأخذ المال الجزل، وذو الرحم حاضر محروم، ولا يسعف ولا يساعد. فالآية بينة بنفسها، واضحة في معناها وضوح الشمس في الظهيرة، لا تنسخ أو تقوم الساعة" (١). ت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [سورة النساء: ٢١] عقَّب على قول ابن زيد (٢) وغيره في قوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ [سورة النساء: ٢٠] إلى قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [سورة النساء: ٢١] قال: «ثم رخص بعد» فقال: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [سورة البقرة: ٢٢٩] " قال: «فنسخت هذه تلك» (٣). قال القاسمي: "فالقائل بالنسخ فاته سر الحكمين. وليت شعري ماذا يقول في الحديث المروي في البخاري وغيره، وهو قوله ﷺ لامرأة ثابت: «أتردين عليه حديقته .... » الحديث (٤) " (٥). ث - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٦٩] عقَّب على قول السيوطي في الإكليل: "قد يستدل بقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ … ﴾ إلخ، على أن من جالس أهل المنكر، وهو غير راض بفعلهم، فلا إثم عليه. لكن آية النساء تدل على أنه آثم، ما لم يفارقهم، لأنه

стр. 110

قال: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [سورة النساء: ١٤٠] أي إن قعدتم فأنتم مثلهم في الإثم، وهي متأخرة. فيحتمل أن تكون ناسخة لهذه" (١). قال القاسمي بعد إيراده لوجه الرد: " وبالجملة فاستدلال (الإكليل) واهٍ، ولذا عبر ب (قد)، ودعوى النسخ أوهى. فتأمل! " (٢). ٢ - التعقب على الاستدلال بسبب النزول الوارد في الآية، ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [سورة النساء: ٧٧] عقَّب على قول بعض المُفسرين بأن الآية نزلت في جماعة من الصحابة المهاجرين، مُستشهدين برواية عن ابن عباس ﵁ في سبب نزولها (٣). فقال: "والقول بنزولها في بعض المؤمنين لا يصح" ثم ذكر القاسمي أوجه عدم الصحة (٤). ب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة التوبة: ١٩]. عقَّب على قول أبي السعود" فالخطاب إما للمشركين على طريقة الالتفات وهو المتبادر من تخصيص ذكر الإيمان بجانب المشبه به وإما لبعض المؤمنين المؤثرين للسقاية والعمارة ونحوهما على الهجرة والجهاد ونظائرهما وهو المناسب للاكتفاء في الرد عليهم ببيان عدم مساواتهم عند الله للفريق الثاني " (٥). فقال: " وتأييد أبي السعود نزولها في المسلمين بما أطال فيه، ذهول عن سياق الآية وعن سياقها، فيما صدعت فيه من شديد التهويل، وعن لاحقها في درجات التفضيل، وقصر الفوز والرحمة والرضوان
следующие страницы →