← Тафсир

Тафсир · id 30149

تعقبات جمال الدين القاسمي على من سبقه من خلال كتابه محاسن التأويل

عبد الرحمن الحسن

Полный текст (1 202 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

القسم الثاني: الدراسة التطبيقية وفيها دراسة تعقبات القاسمي في تفسيره على من سبقه من أول تفسير القرآن إلى آخره حسب ترتيب سور القرآن الكريم.

стр. 142

سورة البقرة

стр. 143

سورة البقرة (١) ١ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [سورة البقرة: ٣٤]. قال القاسمي: " قالت المعتزلة: كان آدم كالقبلة يسجد إليه، ولم يسجدوا له. قالوا ذلك هربا من أن تكون الآية الكريمة حجة عليهم. فإن أهل السنة قالوا: إبليس من الملائكة، وصالح البشر أفضل من الملائكة، واحتجوا بسجود الملائكة لآدم. وخالفت المعتزلة في ذلك وقالت: الملائكة أفضل من البشر، وسجود الملائكة لآدم كان كالقبلة، ويبطله ما حكى الله سبحانه عن إبليس ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [سورة الإسراء: ٦٢] (٢). • أقوال أهل العلم في العلة من سجود الملائكة لآدم: القول الأول: أن سجود الملائكة لآدم كان سجود تحية وتكريم وتعظيم لآدم ﵇ لا سجود عبادة. القول الثاني: أن سجود الملائكة لآدم كان كالقبلة. أصحاب القول الأول: الطبري: "وكان سجود الملائكة لآدم تكرمة لآدم وطاعة لله، لا عبادة لآدم" (٣). البغوي (٤): "الأصح أن السجود كان لآدم على الحقيقة، وتضمن معنى الطاعة لله

стр. 144

بامتثال أمره، وكان ذلك سجود تعظيم وتحية لا سجود عبادة، كسجود إخوة يوسف له في قوله : ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [سورة يوسف: ١٠٠] (١). ابن تيمية: "قصة سجود الملائكة كلهم أجمعين لآدم ولعن الممتنع عن السجود له تشريف وتكريم له. وقد قال بعض الأغبياء: إن السجود إنما كان لله وجعل آدم قبلة لهم يسجدون إليه كما يسجد إلى الكعبة" (٢). الإيجي (٣): "السجود حقيقي طاعة لله وتعظيمًا لآدم وهو مشروع، وقيل انحناء لا وضع جبهة أو السجود لله وآدم قبلة وقد ضعفهما بعض العلماء" (٤). أصحاب القول الثاني: الشعبي (٥): "إنما كان آدم كالقبلة، ومعنى لآدم إلى آدم" (٦). وقال بعض المفسرين: جعل آدم قبلة لهم، والسجود لله كما جعلت الكعبة قبلة لصلاة المؤمنين، والصلاة لله (٧). • دراسة المسألة: بعد التتبع والنظر في أقوال أهل العلم في هذه المسألة، وما ذكره المفسرون في تفسير الآية، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن العلة من سجود

стр. 145

الملائكة لآدم: التحية والتكريم والتعظيم لآدم ﵇، وليس لأنه كالقبلة وذلك من أوجه: الأول: نظائر الآية من الآيات تدل على أن السجود سجود تحية كالسلام منهم عليه، وقد كانت الأمم السالفة تفعل ذلك كما يحيي المسلمون بعضهم بعضا بالسلام. وقال قتادة في قوله: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ كانت تحية الناس يومئذ سجود بعضهم لبعض (١). الثاني: أن القول بأن سجود الملائكة لآدم كان كالقبلة، ليس فيه تفضيل لآدم على الملائكة؛ كما أن السجود إلى الكعبة ليس فيه تفضيل للكعبة على المؤمن عند الله بل حرمة المؤمن عند الله أفضل من حرمتها. الثالث: أن آدم لو كان قبلة لم يمتنع إبليس من السجود أو يزعم أنه خير منه. فإن القبلة قد تكون أحجارا وليس في ذلك تفضيل لها على المصلين إليها، وقد يصلي الرجل إلى عنزة وبعير وإلى رجل ولا يتوهم أنه مفضل بذلك فمن أي شيء فر الشيطان؟. الرابع: أنه لو جعل آدم قبلة في سجدة واحدة لكانت القبلة وبيت المقدس أفضل منه بآلاف كثيرة إذ جعلت قبلة دائمة في جميع أنواع الصلوات؛ فهذه القصة الطويلة التي قد جعلت علما له ومن أفضل النعم عليه وجاءت إلى العالم بأن الله رفعه بها وامتن عليه ليس فيها أكثر من أنه جعله كالكعبة في بعض الأوقات مع أن بعض ما أوتيه من الإيمان والعلم والقرب من الرحمن أفضل بكثير من الكعبة؛ والكعبة إنما وضعت له ولذريته؛ أفيجعل من جسيم النعم عليه أو يشبه به في شيء نزرا قليلا جدا هذا ما لا يقوله عاقل" (٢). الخامس: أن من المفسرين من نبه على ضعف قول من قال أن سجود الملائكة لآدم كان كالقبلة، كما تقدم من كلام ابن تيمية، وقبله الرازي (٣)، وابن كثير الذي تبع الرازي ووافقه على تضعيفه (٤)، مما يؤكد ضعف هذا القول.

стр. 146

تنبيهات: الأول: نسب القاسمي ﵀ القول بأن سجود الملائكة لآدم كان كالقبلة للمعتزلة، والحق أن هذا القول قال به من أهل السنة الشعبي، وقال به من الأشاعرة البقاعي، إلا إن كان القاسمي ﵀ يريد أن أهل السنة خالفوا المعتزلة بالجملة، فإذا ظهر قلة منهم يُوافقون المعتزلة على قولهم فلا يمنع نسبة القول إليهم على وجه التحديد. الثاني: ذكر القاسمي ﵀ أن أهل السنة قالوا إن إبليس من الملائكة، والحق أن من أهل السنة من قال أن إبليس من الجن، كالحسن البصري، وشهر ابن حوشب (١)، وابن زيد، وغيرهم (٢)، وليس المقام مقام عرض المسألة بتفصيل، وإيراد أدلة كل فريق منهم. الثالث: ما استدل به القاسمي ﵀ مما حكاه الله -سبحانه- عن إبليس ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [سورة الإسراء: ٦٢] هو باعتبار أن إبليس من الملائكة، ولو استدل القاسمي بأدلة أخرى أصرح في الدلالة على تفضيل صالحي البشر على الملائكة لكان أولى، كأمره تعالى الملائكة بالسجود لآدم في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ والفاضل لا يسجد للمفضول. وغير ذلك من الأدلة التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وأطال فيها في هذه المسألة (٣). • النتيجة: يتبين من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن العلة من سجود الملائكة لآدم هي التكريم والتعظيم؛ لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.

стр. 147

٢ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة البقرة: ٣٤]. قال القاسمي: "اختلف الناس بأي سبب كفر إبليس -لعنه لله- فقالت الخوارج: إنما كفر بمعصية الله، وكل معصية كفر، وهذا قول باطل بالكتاب والسنة وإجماع الأمة" (١). • أقوال أهل العلم في كفر أهل المعاصي: القول الأول: أن صاحب المعصية ليس بكافر، إنما هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته. القول الثاني: أن صاحب المعصية كافر بالله . أصحاب القول الأول وهم: أهل السنة والجماعة: عبد الله بن عمر ﵁: " وقد أبانت هذه الآية - يعني قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة النساء: ٤٨]- أن كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه عليه ما لم تكن كبيرة شركا بالله" (٢). الإمام أحمد: "ومن مات من أهل القبلة موحدًا يصلى عليه، ويستغفر له، ولا يحجب عنه الاستغفار، ولا تترك الصلاة عليه لذنب أذنبه صغيرًا كان أو كبيرًا، وأمره إلى الله تعالى" (٣). ابن كثير: " ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ﴾ أي: لا يغفر لعبد لقيه وهو مشرك به ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: من الذنوب ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أي: من عباده" (٤).

стр. 148

السعدي (١): " أما ما دون الشرك من الذنوب والمعاصي فهو تحت المشيئة، إن شاء الله غفره برحمته وحكمته، وإن شاء عذب عليه وعاقب بعدله وحكمته" (٢). أصحاب القول الثاني: الخوارج والمعتزلة، ومن نحا نحوهم: الزمخشري: " ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [سورة النساء: ٩٣]: فإن قلت: هل فيها دليل على خلود من لم يتب من أهل الكبائر؟ قلت: ما أبين الدليل وهو تناول قوله: ﴿يَقْتُلْ مُؤْمِنًا﴾ أي: قاتل كان، من مسلم أو كافر، تائب أو غير تائب، إلا أن التائب أخرجه الدليل. فمن ادعى إخراج المسلم غير التائب فليأت بدليل مثله" (٣). القاضي عبد الجبار: " ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: المؤمن لا يكون مؤمنًا إلا بأن يقوم بحق العبادات وما وقعت منه كبيرة، خرج من أن يكون مؤمنًا" (٤). وكما هو معلوم أن الخوارج يقولون بكفر مرتكب الكبيرة، كما ينص على ذلك جمع من أهل العلم في معرض تقرير عقيدة أهل السنة في مرتكب الكبيرة، والرد على الخوارج (٥). • دراسة المسألة: من أصول أهل السنة والجماعة أنهم يحكمون على الفاسق بأنه مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، بخلاف الخوارج الذين يُكَفرون مرتكب الكبيرة.

стр. 149

والجواب عما ما ذهب إليه الخوارج من ثلاثة أوجه: الأول: الأدلة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة، التي تدل على أن صاحب الكبيرة مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته: فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [سورة الحجرات: ١٠]. قال البغوي: "وفي هاتين الآيتين دليل على أن البغي لا يزيل اسم الإيمان؛ لأن الله تعالى سماهم إخوة مؤمنين مع كونهم باغين" (١). ومن السنة: حديث أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "أتاني جبريل ﵇ فبشرني أنه من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق، قال: وإن زنى وإن سرق" (٢). قال الحافظ النووي ﵀: "أما قوله ﷺ : "وإن زنى وإن سرق" فهو حجة لمذهب أهل السنة أن أصحاب الكبائر لا يقطع لهم بالنار، وأنهم إن دخلوها أخرجوا منها، وختم لهم بالخلود في الجنة" (٣). وأما الإجماع: فقد حكاه ابن تيمية ﵀ فقال: "السلف والأئمة متفقون على ما تواترت به النصوص من أنه لا بد أن يدخل النار قوم من أهل القبلة، ثم يخرجون منها، وأما من جزم بأنه لا يدخل النار أحد من أهل القبلة، فهذا لا نعرفه قولا لأحد" (٤).

стр. 150

الثاني: مخالفة قول الخوارج من أن إبليس إنما كفر بمعصية الله، لسياق الآية ونظائرها، فالآية في سياق كفر العناد والاستكبار. قال ابن عباس: "كان يرى لنفسه أن له فضيلة على الملائكة بما عنده، فلذلك قال: أنا خير منه، ولذلك قال الله : ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [سورة ص: ٧٥] أي: استكبرت ولا كبر لك، ولم أتكبر أنا حين خلقته بيدي والكبر لي! فلذلك قال: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة ص: ٧٤] (١). فإذاً: كُفر إبليس بالرفض والإباء والاستكبار، وليس بمعصية الله فحسب، فكأنه يقول: كان الأولى أن تأمره أن يسجد لي! لأنك خلقتني من نار وأما هو فخلقته من طين، والنار أفضل من الطين" وهذا على حد زعمه، فلا شك أنه استخفاف بأمر الله الذي سببه الكفر. الثالث: أقوال المُفسرين في الآية التي تُنافي ما ذهب إليه الخوارج من أن سبب كفر إبليس هو الإباء والاستكبار والعناد، وليس بمعصية الله فحسب، ومن أشهرهم: الطبري: " وفي هذه الآية - يعني قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة البقرة: ٣٥]- دلالة واضحة على صحة قول من قال: إن إبليس أخرج من الجنة بعد الاستكبار عن السجود لآدم، وأسكنها آدم قبل أن يهبط إبليس إلى الأرض" (٢). فظاهر عبارة الطبري أن إبليس إنما كفر بسبب الاستكبار. السمرقندي (٣): "قوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ أي امتنع عن السجود تكبرًا: معناه أن كبره منعه من السجود" (٤). فمفهوم عبارة السمرقندي أن سبب كفر إبليس

стр. 151

هو الاستكبار وليس المعصية فحسب. الرازي: "بين تعالى أن ذلك الإباء كان على وجه الاستكبار بقوله ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ ثم كان يجوز أن يوجد الإباء والاستكبار مع عدم الكفر فبين تعالى أنه كفر بقوله: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ " (١). ابن كثير: "وقد ثبت في الصحيح «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر» (٢) وقد كان في إبليس من الكبر والكفر والعناد ما اقتضى طرده وإبعاده عن جناب الرحمة وحضرة القدس" (٣). تنبيهان: الأول: روي عن الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - في رواية الميموني (٤) أنه قال: "إنما أمر بالسجود فاستكبر وكان من الكافرين والاستكبار كفر، وقالت الخوارج كفر بمعصية الله -تعالى-، وكل معصية كفر وهذا قول باطل بالكتاب والسنة وإجماع الأمة" (٥). فعبارة القاسمي ﵀ تشبه عبارة الإمام أحمد ﵀، فلعله استفادها منه. الثاني: أخرج الطبري بسنده عن أبي العالية أنه كان يقول في تأويل قوله: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة البقرة: ٣٤] يعني العاصين (٦). وظاهر كلام أبي العالية ﵀ موافقة الخوارج في تفسيرهم، وليس كذلك.

стр. 152

قال ابن عطية: وتلك معصية كفر لأنها عن معتقد فاسد صدرت (١). • النتيجة: من خلال ما تقدم يتضح بطلان قول الخوارج في تفسير الآية من أن سبب كفر إبليس هو المعصية كما دلت عليه الأدلة المتقدمة، وتعقيب القاسمي ﵀ على تفسير الخوارج يتفق مع ما عليه أهل العلم من أئمة أهل السنة والمفسرين.

стр. 153

٣ - قوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [سورة البقرة: ٣٦]. قال القاسمي: من الناس من قال بأن كيفية إغواء الشيطان آدم كان بالوسوسة، كما قال: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [سورة الأعراف: ٢٠]، فإغواؤه إغراؤه بوسواسه وسلطانه الذي جعل له، كما قال ﷺ : «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» (١). وزعموا أن الشيطان لم يدخل الجنة إلى آدم بعد ما أخرج منها (٢). • أقوال العلماء في كيفية دخول إبليس الجنة إلى آدم: القول الأول: أن إبليس دخل الجنة إلى آدم بعدما أُخرج منها، واختُلف في كيفية الدخول: فمنهم من قال: إن إبليس دخل في فم الحية وأدخلته الجنة خُفية، ومنهم من قال: إنه مُنِعَ من الدخول على جهة التكرمة كما كان يدخل مع الملائكة، ولم يمنع أن يدخل للوسوسة ابتلاء لآدم وحواء، ومنهم من قال: تمثل بصورة دابة فدخل ولم تعرفه الخزنة. القول الثاني: إن إبليس لم يدخل الجنة ولم يصل إلى آدم بعد ما أخرج منها، وإنما بوسواسه الذي أعطاه الله تعالى، واختُلف في كيفية الوسوسة: فمنهم من قال: إنّ إبليس وقفَ على باب الجنة وناداهما، ومنهم من قال: أن إبليس كان في الأرض وأوصل الوسوسة إليهما في الجنة. أصحاب القول الأول: قال ابن عباس وابن مسعود، وناس من أصحاب النبي ﷺ : "لما قال الله لآدم: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ

стр. 154

الظَّالِمِينَ﴾ [سورة البقرة: ٣٥]، أراد إبليس أن يدخل عليهما الجنة فمنعته الخزنة، فأتى الحية وهي دابة لها أربع قوائم كأنها البعير، وهي كأحسن الدواب، فكلمها أن تدخله في فمها حتى تدخل به إلى آدم، فأدخلته في فمها، فمرت الحية على الخزنة فدخلت ولا يعلمون؛ لما أراد الله من الأمر، فكلمه من فمها فلم يبال بكلامه، فخرج إليه فقال: ﴿يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [سورة طه: ١٢٠]، يقول: هل أدلك على شجرة إن أكلت منها كنت ملكا مثل الله ، أو تكونا من الخالدين فلا تموتان أبدا. وحلف لهما بالله: إني لكما لمن الناصحين، وإنما أراد بذلك ليبدي لهما ما توارى عنهما من سوآتهما بهتك لباسهما. وكان قد علم أن لهما سوأة لما كان يقرأ من كتب الملائكة، ولم يكن آدم يعلم ذلك، وكان لباسهما الظُفُر. فأبى آدم أن يأكل منها، فتقدمت حواء فأكلت ثم قالت: يا آدم كل؛ فإني قد أكلت فلم يضرني. فلما أكل آدم ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [سورة طه: ١٢١] " (١). جمهور المفسرين: ": أن إبليس منع من دخول الجنة مُكَرّمًا، فأما على وجه الردع والإهانة، فلا يمتنع" (٢). أصحاب القول الثاني: الحسن البصري (٣): " إنّ إبليس وقفَ على باب الجنة وناداهما" (٤).

стр. 155

المَازِرِيّ (١) كما يقول الثعالبي (٢): "وقالت طائفة: إن إبليس لم يدخل الجنة بعد أن أخرج منها، وإنما أغوى آدم بشيطانه، وسلطانه، ووساوسه التي أعطاه الله -تعالى-، كما قال النبي ﷺ : «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» وإلى هذا القول نحا المازري" (٣). الزمخشري: أورد في تفسيره قول من قال: " كان يدنو من السماء فيكلمهما" (٤). • دراسة المسألة: بعد استعراض أقوال أهل العلم والمفسرين في مسألة كيفية دخول إبليس الجنة بعد ما أُخرج منها، يظهر أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن إبليس دخل في فم الحية وأدخلته الجنة خُفية وهو ما عليه جمهور أهل العلم (٥)، أو أنه لم يُمنع من دخول الجنة مطلقًا، إنما مُنِعَ من الدخول على جهة التكرمة كما كان يدخل مع الملائكة، وذلك من أوجه: الأول: أن ما روي عن ابن عباس ﵁ وابن مسعود ﵁ من أن إبليس دخل في فم الحية جاء من رواية الإسرائيليات التي لا تُخالف شرعنا، وهذه الروايات لا بأس بالأخذ بها عند من يرى أن الإسرائيليات من مصادر التفسير (٦).

стр. 156

الثاني: أن ما روي عن ابن عباس ﵁ وابن مسعود ﵁ إسناده صحيح وهو من الأمور الغيبية، والصحابي إذا تكلم في الأمور الغيبية فله حكم الرفع، والله أعلم (١). الثالث: الشواهد من الأحاديث والسنة النبوية التي تؤيد ما ذهب إليه أصحاب الفريق الأول. فقد روى الطبراني في معجمه عن ساكنة بنت الجعد، عن سَرَّى بنت نبهان الغنوية (٢) قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقتلوا - يعني الحيات- ما ظهر منها كبيرها وصغيرها، أسودها وأبيضها فإن من قتلها من أمتي كانت فداء له من النار، ومن قتلته كان شهيدا» (٣). قال القرطبي: قال علماؤنا: وإنما كانت له فداء من النار لمشاركتها إبليس وإعانته على ضرر آدم وولده، فلذلك كان من قتل حية فكأنما قتل كافرا. وقد قال رسول الله ﷺ : (لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبدا) (٤). فالشاهد هو: ما ذهب إليه بعض العلماء أن العلة من قتل الحيات: مشاركتها إبليس وإعانته على ضرر آدم ﵇، رغم ضعف الحديث المتقدم، والله أعلم. إلا أن الرازي عقّب على هذا الاستدلال بقوله: " واعلم أن هذا وأمثاله مما يجب أن لا يلتفت إليه لأن إبليس لو قدر على الدخول في فم الحية فلم لم يقدر على أن يجعل نفسه حية ثم يدخل الجنة، ولأنه لما فعل ذلك بالحية فلم عوقبت الحية مع أنها ليست بعاقلة ولا مكلفة" (٥).

стр. 157

وهذا التعقيب غير مُسَلَّم، فكان بإمكان الحية أن ترفضه كما رفض من قبل سائر الحيوانات، بناءً على هذا الاستدلال، والله أعلم. الرابع: مما يؤيد صحة الاستدلال بهذه الرواية، أنه جاء ما يؤيدها مما روي عن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [سورة البقرة: ٣٦] قال: آدم، وحواء، وإبليس، والحية" (١). الخامس: أن آدم وحواء ﵉ كانا يعرفانه ويعرفان ما عنده من الحسد والعداوة، فيستحيل في العادة أن يقبلا قوله وأن يلتفتا إليه، فلا بد وأن يكون المباشر للوسوسة من بعض أتباع إبليس (٢). وهذا يقتضي دخول إبليس الجنة إليهما لإغوائهما. السادس: أن منع إبليس من دخول الجنة هو على جهة التكريم وليس على جهة التحقير. ويحتمل أن دخول إبليس الجنة إلى آدم كان دخولاً عَرَضياً لا للإقامة، فليس هناك مانع شرعي يمنع من دخول إبليس الجنة. قال العلامة ابن باز ﵀: "كونه دخل ووسوس وتمكن ليس هناك مانع شرعي فيما نعلم يمنع من الدخول لها ذاك الوقت وإنما يمنع الكفار يوم القيامة لا يدخلونها، يساقون إلى النار وقد تكون هناك طريقة أيضاً استعملها للوسوسة غير الدخول بالمكاتبة بشيء آخر بكلام من بعيد" (٣)، فالحاصل أنها حصلت الوسوسة وحصلت التأثر بها من آدم ومن حواء. مناقشة استدلال الفريق الثاني: استدل من قال بأن إبليس لم يدخل الجنة إلى آدم وحواء إنما أغواهما مُشافهة بقوله تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [سورة الأعراف: ٢١]، وذلك يقتضي المشافهة،

стр. 158

وكذا قوله: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [سورة الأعراف: ٢٢] (١). والجواب: أن هذا لا يمنع دخول إبليس الجنة، وإغواؤهما مُشافهة. كما تقدم في رواية ابن عباس وابن مسعود ﵃. وقول من قال: أن إبليس كان في الأرض وأوصل الوسوسة إليهما في الجنة. بعيد لأن الوسوسة كلام خفي والكلام الخفي لا يمكن إيصاله من الأرض إلى السماء (٢). تنبيهان: الأول: من أهل العلم من اجتهد للجمع بين القولين، كالعلامة محمد الأمين الشنقيطي (٣) في تفسيره إذ يقول: "والمفسرون يذكرون في ذلك قصة الحية، وأنه دخل فيها فأدخلته الجنة، والملائكة الموكّلون بها لا يشعرون بذلك، وكل ذلك من الإسرائيليات، والواقع أنه لا إشكال في ذلك؛ لإمكان أن يقف إبليس خارج الجنة قريباً من طرفها، بحيث يسمع آدم كلامه وهو في الجنة، وإمكان أن يدخله الله إياها لامتحان آدم وزوجه، لا لكرامة إبليس، فلا محال عقلاً في شيء من ذلك، والقرآن قد جاء بأن إبليس كلّم آدم، وحلف له حتى غره وزوجه بذلك" (٤). وهذا قول حسن، إلا أن القول بدخول إبليس الجنة أرجح لما تقدم إيراده. الثاني: اعلم رحمك الله أن الواجب في أمور الغيب الإيمان والوقوف بحد ما ورد، فلا ينبغي التكلف بالبحث عما طوى الله علمه عنا، فنحن نؤمن بأن وسوسة إبليس لآدم وزوجه وهما في الجنة وهو قد طرد منها وقعت، كما أخبر سبحانه في محكم تنزيله: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا﴾ [سورة الأعراف: ٢٠].

стр. 159

فالاشتغال كثيرا بتفاصيل القصص التي طوى القرآن ذكرها أو قد تكون من أمور الغيب، ولم يَرِد بها أثرٌ صحيح عن النبي ﷺ ليس فيه كبير فائدة، فلا ينبغي الانشغال بالمفضول عن الفاضل، والله أعلم. • النتيجة: بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يظهر أن الأقرب للصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن إبليس دخل الجنة إلى آدم بعد ما أُخرج منها، سواء خُفية في فم الحية، أو أنه دخل على غير جهة التكرمة، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.

стр. 160

٤ - قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [سورة البقرة: ٤٨]. قال القاسمي: تمسكت المعتزلة بهذه الآية على أن الشفاعة لا تقبل للعصاة لأنه نفى أن تقضي نفس عن نفس حقا أخلت به من فعل أو ترك، ثم نفى أن يقبل منها شفاعة شفيع. فعلم أنها لا تقبل للعصاة. والجواب: أنها خاصة بالكفار. ويؤيده أن الخطاب معهم كما قال: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [سورة المدثر: ٤٨]، وكما قال عن أهل النار ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [سورة الشعراء: ١٠١] فمعنى الآية أنه تعالى لا يقبل فيمن كفر به فدية ولا شفاعة، ولا ينقذ أحدا من عذابه منقذ ولا يخلص منه أحد (١). • أقوال أهل العلم في قبول الشفاعة للعُصاة: القول الأول: أنها تُقبل للعُصاة من الموحدين. القول الثاني: أنها لا تُقبل للعُصاة مُطلقًا. أصحاب القول الأول، وهم: أهل السنة والجماعة: الطبري: " قوله: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ إنما هي لمن مات على كفره غير تائب إلى الله " (٢). البغوي: "قوله: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ أي لا تقبل منها شفاعة إذا كانت كافرة" (٣). ابن كثير: " ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ يعني عن الكافرين، كما قال: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ

стр. 161

الشَّافِعِينَ﴾ " (١). الإيجي: " ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾: في شأن الكفار رد عليهم حيث قالوا: آباؤنا الأنبياء شفعاء لنا" (٢). أصحاب القول الثاني، وهم: المعتزلة: القاضي عبد الجبار (٣): "فإن قيل: أفتقولون بالشفاعة وتؤمنون بها؟ قيل لهم: نعم، ولكنها للمؤمنين دون الفاسقين، لأن الله أخبر أنه يُخَلِّد الفاسقين في النار" (٤). الزمخشري: " فإن قلت: هل فيه - يعني قوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ - دليل على أن الشفاعة لا تقبل للعصاة؟ قلت: نعم، لأنه نفى أن تقضى نفس عن نفس حقا أخلت به من فعل أو ترك" (٥). قال البيضاوي: "تمسكت المعتزلة بهذه الآية على نفي الشفاعة لأهل الكبائر، وأجيب بأنها مخصوصة للكفار، ويؤيد هذا أن ميثاق الخطاب معهم. والآية نزلت ردا لما كانت اليهود تزعم أن آباءهم تشفع لهم" (٦). • دراسة المسألة: من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يؤمنون بثبوت الشفاعة لأهل الكبائر من المؤمنين، بخلاف المعتزلة الذين أثبتوها للمؤمنين دون أهل الكبائر. والحق هو الذي عليه أهل السنة والجماعة، لثبوت أدلة الشفاعة من الكتاب والسنة

стр. 162

والإجماع، والأثر: فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣)﴾ [سورة آل عمران: ١٩٣]. قال الرازي: "احتج أصحابنا بهذه الآية على أن شفاعة محمد ﷺ في حق أصحاب الكبائر مقبولة يوم القيامة؛ وذلك لأن هذه الآية دلّت على أن هؤلاء المؤمنين طلبوا من الله غفران الذنوب مطلقاً من غير أن يقيدوا ذلك بالتوبة، فأجاب الله قولهم وأعطاهم مطلوبهم، فإذا قبل شفاعة المؤمنين في العفو عن الذنب، فلأن يقبل شفاعة محمّد ﷺ فيه كان أولى" (١). وقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [سورة محمد: ١٩]. قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: "وللمؤمنين والمؤمنات": أي، ولذنوبهم، وهذا أمر بالشفاعة" (٢). ومعلوم أن مرتكب الكبيرة لا يزول عنه الإيمان بمجرد ارتكابها إلا أن يستحل الكبيرة. ومن السنة: ما رواه الطبراني في معجمه عن ابن عمر ﵄ قال: كنا نمسك عن الاستغفار، لأهل الكبائر، حتى سمعنا نبينا ﷺ يقول "إني ادَّخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي يوم القيامة" (٣). قال ابن خزيمة (٤): " أي من ارتكب من الذنوب الكبائر فأدخلوا النار بالكبائر، إذ إن

стр. 163

الله وعد تكفير الذنوب الصغائر باجتناب الكبائر" (١). وأما الإجماع: فقد أجمع السلف على ذلك، ونفل الإجماع غير واحد من أهل العلم. قال أبو عثمان الصابوني (٢): "ويؤمن أهل الدين والسنة بشفاعة الرسول ﷺ لمذنبي أهل التوحيد ومرتكبي الكبائر، كما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله ﷺ . وهذه الجمل التي أثبتها في هذا الجزء كانت معتقد جميعهم، لم يخالف فيها بعضهم بعضاً، بل أجمعوا عليها كلها" (٣). وقال ابن تيمية: " وقد اتفق المسلمون على أن نبينا شفيع يوم القيامة وأن الخلق يطلبون منه الشفاعة لكن عند أهل السنة أنه يشفع في أهل الكبائر وأما عند الوعيدية فإنما يشفع في زيادة الثواب" (٤). وأما الأثر: فقد رُوي عن حذيفة بن اليمان ﵁ (٥) أنه قال: " إذا كان يوم القيامة جمع الناس في صعيد واحد فيقال: يا محمد فيقول: لبيك وسعديك والخير بين يديك والشر ليس إليك تباركت وتعاليت، والمهدي من هديت، ومنك وإليك ولا ملجأ منك إلا إليك، تباركت وتعاليت سبحان رب البيت، قال عند ذلك يشفعني " (٦).

стр. 164

وعن عبد الله الداناج (١)، قال: شهدت أنس بن مالك ﵁، وقال له رجل: يا أبا حمزة! إن قوما يكذبون بالشفاعة، قال ﵁: لا تجالسوهم، فقال له رجل: إن قوما يكذبون بعذاب القبر، قال ﵁: لا تجالسوهم" (٢). وقال أيوب السختياني (٣): "من كذب بالشفاعة فلا نصيب له فيها" (٤). وبهذا يتبين بطلان القول الذي ينفي إثبات الشفاعة للعُصاة من الموحدين. مناقشة استدلال المعتزلة: استدل المعتزلة بقوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾ على نفي الشفاعة عن العصاة والموحدين، والجواب على استدلالهم من أوجه: الأول: ما تقدمت به الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع وأقوال أهل العلم التي تُثبت وقوع الشفاعة لأهل الكبائر. الثاني: أن نفي الشفاعة الذي استدل به المعتزلة في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾ [سورة البقرة: ٤٨]. يُحمل على مواقف أُخرى في يوم القيامة لم يأذن الله -تعالى- للشافع أن يشفع فيها، دون غيرها من المواقف. قال ابن المُنيّر مُعقّبًا على الزمخشري: "أما من جحد الشفاعة فهو جدير أن لا ينالها. وأما من آمن بها وصدقها وهم أهل السنة والجماعة، فأولئك يرجون رحمة اللَّه. ومعتقدهم

стр. 165

أنها تنال العصاة من المؤمنين، وإنما ادخرت لهم. وليس في الآية دليل لمنكريها، لأن قوله: ﴿يَوْمًا﴾ أخرجه منكرًا، ولا شك أن في القيامة مواطن، ويومها معدود بخمسين ألف سنة، فبعض أوقاتها ليس زمانا للشفاعة وبعضها هو الوقت الموعود وفيه المقام المحمود لسيد البشر -عليه أفضل الصلاة والسلام-. قد وردت آي كثيرة ترشد إلى تعدد أيامها واختلاف أوقاتها. منها قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [سورة المؤمنون: ١٠١]، مع قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧)﴾ [سورة الصافات: ٢٧]. فيتعين حمل الآيتين على يومين مختلفين، متغايرين: أحدهما محل للتساؤل والآخر ليس محلا له، وكذلك الشفاعة، وأدلة ثبوتها لا تحصى كثرة، رزقنا اللَّه الشفاعة وحشرنا في زمرة أهل السنة والجماعة" (١). الثالث: أن استدلالهم بالآية مخالف لما أجمع عليه المفسرون من أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ النفس الكافرة لا كل نفس" (٢). فائدة: الذي أوقع المعتزلة في هذا المعتقد الفاسد -والله أعلم- هو الاقتصار على بعض القرآن دون بعض، وتحكيم العقول، فمن قرأ أدلة الكتاب والسنة مع فهم السلف والعلماء الراسخين تبين له أن الشفاعة ثابتة للعصاة من الموحدين كما تقدم. قال الإمام الآجري: "والمعتزلة يخالفون هذا كله، لا يلتفتون إلى سنن رسول الله ﷺ ، ولا إلى سنن الصحابة ﵃، وإنما يعارضون بمتشابه القرآن، وبما أراهم العقل عندهم" (٣).

стр. 166

• النتيجة: بعد عرض أقوال الأئمة من أهل السنة والمفسرين يتبين جليًا أن الشفاعة ثابتة للعُصاة من الموحدين وهذا هو الحق الذي أجمع عليه أهل السنة، وأن النفي في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ خاص بالكفار، كما دلت على ذلك الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع، وأقوال أهل العلم.

стр. 167

٥ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥)﴾ [سورة البقرة: ٥٥]. قال القاسمي: كما أخبر تعالى بأنه لا يرى في الدنيا فقد وعد الوعد الصادق برؤيته في الدار الآخرة في آيات عديدة، كما تواترت الأحاديث الصحيحة بذلك، وهي قطعية الدلالة. لا ينبغي لمنصف أن يتمسك في مقابلها بتلك القواعد الكلامية التي جاء بها قدماء المعتزلة وزعموا أن العقل قد حكم بها (١). • أقوال أهل العلم في دلالة الآية على نفي رؤية الله تعالى يوم القيامة: القول الأول: أن الآية ليس فيها دلالة على نفي رؤية المؤمنين لربهم تبارك تعالى يوم القيامة. القول الثاني: أن الآية فيها دلالة على نفي رؤية المؤمنين لربهم تبارك تعالى يوم القيامة. أصحاب القول الأول، وهم: أهل السنة والجماعة، ومن وافقهم: السمرقندي: فاحتج بعض من ينفي الرؤية في الآخرة بهذه الآية؛ حيث أخذتهم الصاعقة لما سألوا الرؤية. قالوا: فلو كان يجوز أن يرى لكان لا تأخذهم الصاعقة، ولا استوجبوا بذلك العذاب والعقوبة. وأما عندنا، فإنه ليس في الآية دليل نفي الرؤية، بل فيها إثباتها (٢). ابن عطية: "وامتحنهم الله -يعني اليهود- بذلك فقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ ولم يطلبوا من الرؤية محالا، أما إنه عند أهل السنة ممتنع في الدنيا من طريق

стр. 168

السمع" (١). أبو حيان: "وليس في الآية ما يدل على ما ذهب إليه الزمخشري من استحالة الرؤية" (٢). الشنقيطي: " واستدلال المعتزلة بهذه الآية، وأمثالها على أن رؤية الله مستحيلة استدلال باطل ومذهبهم والعياذ بالله من أكبر الضلال، وأعظم الباطل، وقول الزمخشري في كلامه على هذه الآية: إن الله لا يُرى، قول باطل، وكلام فاسد. والحق الذي لا شك فيه: أن المؤمنين يرون الله بأبصارهم يوم القيامة كما تواترت به الأحاديث عن الصادق المصدوق ﷺ ، ودلت عليه الآيات القرآنية منطوقا ومفهوما" (٣). أصحاب القول الثاني، وهم: المعتزلة: القاضي عبد الجبار: " ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥)﴾ يدل على أن الرؤية على الله تعالى لا تجوز" (٤). الزمخشري: "وفي هذا الكلام - يعني في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [سورة البقرة: ٥٥]- دليل على أن موسى ﵇ - رادّهم القول وعرّفهم أن رؤية ما لا يجوز عليه أن يكون في جهة محال وأن من استجاز على اللَّه الرؤية فقد جعله من جملة الأجسام أو الأعراض" (٥). دراسة المسألة: من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يؤمنون برؤية ربهم ﵎ يوم القيامة، بخلاف المعتزلة الذين أنكروا رؤية الله -تعالى- يوم القيامة.

стр. 169

والحق هو الذي عليه أهل السنة والجماعة، لثبوت أدلة الرؤية من الكتاب والسنة والإجماع. فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [سورة القيامة: ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، والزيادة هي النظر إلى وجهه كما فسر بذلك النبي ﷺ (١). ومن السنة: ما أخرجه البخاري بسنده عن جرير بن عبد الله ﵁ (٢) قال: كنا عند النبي ﷺ فنظر إلى القمر ليلة، يعني: البدر، فقال: "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته" الحديث (٣). وأما الإجماع: فقد قال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي (٤) بعد أن ساق جملة من أحاديث الرؤية: " فهذه الأحاديث كلها أو أكثر منها قد رويت في الرؤية على تصديقها والإيمان بها، أدركنا أهل الفقه والبصر من مشايخنا ولم يزل المسلمون قديماً وحديثاً يرونها ويؤمنون بها، لا يستنكرونها ولا ينكرونها ومن أنكرها من أهل الزيغ نسبوه إلى الضلال بل كان من أكبر رجائهم وأجزل ثواب الله ﵎ في أنفسهم النظر إلى وجه الله الكريم، خالقهم يوم القيامة حتى ما يعدلون به شيئاً من نعيم الجنة" (٥).

стр. 170

وأما شبهة المعتزلة التي ألقاها الزمخشري بنفي الرؤية في تفسيره للآية، فالجواب عليها من وجهين: الوجه الأول: أن لفظ التجسيم من البدع اللفظية عند المعتزلة وغيرهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: الكلام في وصف الله بالجسم نفياً وإثباتاً بدعة لم يقل به أحد من سلف الأمة وأئمتها: إن الله ليس بجسم كما لم يقولوا: إن الله جسم؛ بل من أطلق أحد اللفظين استفصل عما أراد بذلك، فإن في لفظ الجسم بين الناطقين به نزاعاً كثيراً، فإن أراد تنزيهه عن معنى يجب تنزيهه عنه مثل أن ينزهه عن مماثلة المخلوقات فهذا حق. ولا ريب أن من جعل الرب جسماً من جنس المخلوقات فهو أعظم من المبتدعة ضلالاً؛ دع من يقول منهم: إنه لحم ودم ونحو ذلك من الضلالات المنقول عنهم. إلى أن قال -رحمه الله تعالى-: وهكذا مثبت لفظ الجسم إن أراد بإثباته ما جاءت به النصوص صوبنا معناه ومنعناه من الألفاظ المجملة، وإن أراد بلفظ الجسم ما يجب تنزيه الرب عنه من مماثلة المخلوقات رددنا ذلك عليه وبينا ضلاله وإفكه … انتهى (١). الوجه الثاني: أن سبب العقوبة التي حلت ببني إسرائيل هي التعنت والشك في الخبر الذي أخبرهم به موسى ﵇ من أن الله -تعالى- رؤيته غير ممكنة في الدنيا، وليس طلب مالا يجوز. قال ابن المنير مُعقِّبًا على الزمخشري: "لقد انتهز الزمخشري ما اعتقده فرصة من هذه الآية التي لا مطمع له عند التحقيق في التشبث بها، فبنى الأمر على أن العقوبة سببها طلب ما لا يجوز على اللَّه -تعالى- من الرؤية على ظنه، وأنى له ذلك وثم سبب ظاهر في العقوبة سوى ما ادعاه هو كل السبب. وذلك أن موسى ﵇ لما علم جواز رؤيته تعالى طلبها في آية الأعراف في دار الدنيا، فأخبره اللَّه -تعالى- أنه لا يراه في الدنيا، وصار ذلك عنده وعند بنى إسرائيل أصلاً مقرراً، كما هو عندنا الآن معاشر أهل السنة أن اللَّه -تعالى- لا يرى في

стр. 171

دار الدنيا، لأنه أخبر أنه لا يرى والخبر واجب الصدق وكما أخبر أنه لا يرى في دار الدنيا فقد وعد الوعد الصادق برؤيته في الدار الآخرة وتخصيص ذلك بالمؤمنين، وبعد استقرار هذا المعتقد طلب بنو إسرائيل الرؤية في الدنيا تعنتاً أو شكاً في الخبر، فأنزل اللَّه -تعالى- بهم تلك العقوبة. وكيف تخيل الزمخشري وشيعته أن موسى ﵇ طلب من اللَّه ما لا يجوز عليه. وهل هو لو كان الأمر على ما تخيل إلا كبني إسرائيل. ومعاذ اللَّه، لقد برأه من ذلك وكان عند اللَّه وجيها. وأما الأدلة العقلية على جواز رؤيته -تعالى- عقلا والسمعية على وقوعها في الدار الآخرة، فأكثر من أن تحصى وهي مستقصاه في فن الكلام. وإنما غرضنا في هذا الباب مباحثة الزمخشري والرد عليه من حيث يتمسك على ظنه وأخذه قوما منه. واللَّه الموفق" (١). قال الآلوسي (٢): "وقد استدل المعتزلة وطوائف من المبتدعة بهذه الآية على استحالة رؤية الباري- ؛ لأنها لو كانت ممكنة لما أخذتهم الصاعقة بطلبها، والجواب أن أخذ الصاعقة لهم ليس لمجرد الطلب ولكن لما انضم إليه من التعنت وفرط العناد كما يدل عليه مساق الكلام حيث علقوا الإيمان بها، ويجوز أيضا أن يكون ذلك الأخذ لكفرهم بإعطاء الله تعالى التوراة لموسى ﵇ وكلامه إياه أو نبوته لا لطلبهم. وقد يقال: إنهم لما لم يكونوا متأهلين لرؤية الحق في هذه النشأة كان طلبهم لها ظلما فعوقبوا بما عوقبوا، وليس في ذلك دليل على امتناعها مطلقا في الدنيا والآخرة" (٣). وأما عن قول القاضي عبد الجبار من أن المراد من الإدراك في قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ هو رؤية البصر، بمعنى لا تراه الأبصار. فالجواب عليه من أوجه: الأول: أن تفسيره مخالف لنظائر الآية التي تدل على أن المراد من الإدراك: الإحاطة.

стр. 172

ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [سورة الشعراء: ٦١] وليس المراد من الإدراك في الآية مجرد الرؤية، فأن الشيء قد يرى الشيء ولا يدركه. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٥] فكما جاز أن يعلم الخلق أشياء ولا يحيطون بها علما، كذلك جائز أن يروا ربهم بأبصارهم ولا يدركوه بأبصارهم، إذ كان معنى الرؤية غير معنى الإدراك، ومعنى الإدراك غير معنى الرؤية، وأن معنى الإدراك: إنما هو الإحاطة (١). الثاني: أن تفسيره مُخالف لما عليه بعض السلف من أن المراد بالإدراك: الإحاطة. وليس مجرد الرؤية (٢). الثالث: أن تفسيره مُخالفٌ للدلالة اللغوية من لفظ الإدراك، فالمراد من الإدراك في اللغة: بلوغ الشيء مبلغه ومن ذلك الإحاطة. قال السمين: "يقال للحبل الذي يوصل به حبل آخر ليدرك الماء درك، ولما يلحق الإنسان من تبعةٍ درك كالدرك في البيع. قال تعالى: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧)﴾ [سورة طه: ٧٧]، أي: تبعًة. وأدرك: بلغ أقصى الشيء، وأدرك الصبي: بلغ غاية الصبا، وذلك حين البلوغ، قال: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾ [سورة يونس: ٩٠]، وقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (٣). الرابع: في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ دلالة على أن الإدراك لا يراد به هنا مجرد الرؤية، إذ لو كان مجرد الرؤية، لم يكن له تعالى بذلك اختصاص ولا تمدُّح، لأنا نحن نرى الأبصار، فدل على أن معنى الإدراك الإحاطة بحقيقة الشيء، فهو تعالى لا تحيط بحقيقته

стр. 173

الأبصار، وهو محيط بحقيقتها (١). قال ابن تيمية: " قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، إنما نفى الإدراك الذي هو الإحاطة، كما قاله أكثر العلماء. ولم ينف مجرد الرؤية، لأن المعدوم لا يُرى، وليس في كونه لا يُرى مدح، إذ لو كان كذلك لكان المعدوم ممدوحًا، وإنما المدح في كونه لا يُحاط به وإن رُئي، كما أنه لا يُحاط به وإن عُلم، فكما أنه إذا عُلم لا يحاط به علمًا، فكذلك إذا رُئي لا يحاط به رؤية" (٢). تنبيهات: الأول: ما روي عن السُدي من أنه فسر قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ بمعنى: "لا يراه شيء، وهو يرى الخلائق" (٣). لا يدل على نفي الرؤية مُطلقًا، إنما يُحمل على نفي الرؤية في الدنيا، لما روي عن إسماعيل بن علية (٤) في قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾، قال: هذا في الدنيا (٥). الثاني: ما روي عن مجاهد، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [سورة القيامة: ٢٣] قال: تنتظر منه الثواب (٦). تعقَّبه ابن كثير فقال: "وقد أبعد هذا القائل النُّجعَة، وأبطل فيما ذهب إليه. وأين هو من قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [سورة المطففين: ١٥]؟ " (٧).

стр. 174

الثالث: الأشاعرة يُثبتون رؤية الله -تعالى-، ولكن ليس كإثبات أهل السنة، فهم يقولون أن الله يُرى لا في جهة! فلا يُرى من فوق، ولا تحت، ولا يمين، ولا شمال، ولا أمام، ولا خلف، وذلك لأنهم ينفون عن الله -تعالى- صفة العلو. قال ابن أبي العز (١): " ومن قال: يرى لا في جهة، فليراجع عقله!! فإما أن يكون مكابرا لعقله أو في عقله شيء، وإلا فإذا قال يرى لا أمام الرائي ولا خلفه ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا فوقه ولا تحته، رد عليه كل من سمعه بفطرته السليمة، ولهذا ألزم المعتزلة من نفى العلو بالذات بنفي الرؤية، وقالوا: كيف تعقل رؤية بغير جهة (٢). وقد دلت الأحاديث الصحيحة الصريحة بإثبات رؤية الله -تعالى- في جهة، فقد روي عن أبي سعيد الخدري، قال: قلنا يا رسول الله: هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: «هل تضارون في رؤية الشمس والقمر إذا كانت صحوا؟»، قلنا: لا، قال: «فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ، إلا كما تضارون في رؤيتهما» (٣)، ومعلوم أننا نرى الشمس والقمر عيانًا في جهة. • النتيجة: بعد عرض ما تقدم من الأدلة وأقوال المُفسرين يتبين جليًا عدم دلالة الآية وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ على نفي الرؤية مطلقًا كما زعم المعتزلة، وأن الحق هو الذي عليه أهل السنة والجماعة من أن الآية خاصة بنفي رؤية الله في الدنيا، لا في الآخرة.

стр. 175

٦ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [سورة البقرة: ٦٧]. قال القاسمي: ذكر أكثر المفسرين قصة البقرة وصاحبها بروايات مختلفة لم نورد شيئا منها لأنه لم يرو بسند صحيح إلى النبي ﷺ ، ولا يتعلق به كبير فائدة. كما أن البعض من البقرة لم يجئ من طريق صحيح عن معصوم بيانه. فنحن نبهمه كما أبهمه الله تعالى. إذ ليس في تعيينه لنا فائدة دينية ولا دنيوية. وإن كان معينا في نفس الأمر. وأيا كان فالمعجزة حاصلة به (١). • أشهر الروايات الصحيحة الواردة في قصة صاحب البقرة: رواية عبيدة السلماني (٢): "كان رجل من بني إسرائيل عقيما لا يولد له، وكان له مال كثير، وكان ابن أخيه وارثه، فقتله ثم احتمله ليلا فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبح يدعيه عليهم حتى تسلحوا، وركب بعضهم إلى بعض، فقال ذوو الرأي منهم والنهى: علام يقتل بعضكم بعضا وهذا رسول الله فيكم؟ فأتوا موسى- ﵇ فذكروا ذلك له، فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧)﴾. قال: فلو لم يعترضوا لأجزأت عنهم أدنى بقرة، ولكنهم شددوا فشدد عليهم، حتى انتهوا إلى البقرة التي أمروا بذبحها فوجدوها عند رجل ليس له بقرة غيرها، فقال: والله لا أنقصها من ملء جلدها ذهبا، فأخذوها بملء جلدها ذهبا فذبحوها، فضربوه ببعضها فقام فقالوا: من قتلك؟ فقال: هذا، لابن أخيه. ثم مال ميتا، فلم يعط من ماله شيئا، فلم يورث قاتل بعد" (٣).

стр. 176

رواية أبي العالية: " كان رجل من بني إسرائيل وكان غنيا ولم يكن له ولد، وكان له قريب وكان وارثه، فقتله ليرثه، ثم ألقاه على مجمع الطريق، وأتى موسى، فقال له: إن قريبي قتل، وأتى إلي أمر عظيم، وإني لا أجد أحدا يبين لي من قتله غيرك يا نبي الله. قال: فنادى موسى في الناس: أنشد الله من كان عنده من هذا علم إلا بينه لنا. فلم يكن عندهم علمه، فأقبل القاتل على موسى فقال: أنت نبي الله، فاسأل لنا ربك أن يبين لنا. فسأل ربه فأوحى الله إليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ … إلخ" (١). رواية السُدي: "كان رجل من بني إسرائيل مكثرًا من المال، وكانت له ابنة وكان له ابن أخ محتاج. فخطب إليه ابن أخيه ابنته فأبى أن يزوجه إياها، فغضب الفتى وقال: والله لأقتلن عمي ولآخذن ماله ولأنكحن ابنته ولآكلن ديته. فأتاه الفتى وقد قدم تجار في بعض أسباط بني إسرائيل، فقال: يا عم انطلق معي فخذ لي من تجارة هؤلاء القوم لعلي أصيب منها، فإنهم إذا رأوك معي أعطوني. فخرج العم مع الفتى ليلاً، فلما بلغ الشيخ ذلك السبط قتله الفتى ثم رجع إلى أهله. فلما أصبح جاء كأنه يطلب عمه، كأنه لا يدري أين هو فلم يجده، فانطلق نحوه فإذا هو بذلك السبط مجتمعين عليه، فأخذهم وقال: قتلتم عمي فأدوا إلي ديته. وجعل يبكي ويحثو التراب على رأسه وينادي واعماه، فرفعهم إلى موسى، فقضى عليهم بالدية، فقالوا له: يا رسول الله، ادع لنا حتى يتبين له من صاحبه فيؤخذ صاحب الجريمة، فوالله إن ديته علينا لهينة، ولكنا نستحي أن نعير به. فذلك حين يقول الله جل ثناؤه: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢)﴾ [سورة البقرة: ٧٢] فقال لهم موسى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ قالوا: نسألك عن القتيل وعمن قتله وتقول اذبحوا بقرة، أتهزأ بنا؟ قال موسى: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧)﴾ [سورة البقرة: ٦٧] " (٢).

стр. 177

• أقوال أهل العلم التي تدل على عدم الفائدة من تعيين البعض من البقرة: الطبري: " والصواب من القول في تأويل قوله عندنا: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ [سورة البقرة: ٧٣] أن يقال: أمرهم الله جل ثناؤه أن يضربوا القتيل ببعض البقرة ليحيا المضروب. ولا دلالة في الآية ولا خبر تقوم به حجة على أي أبعاضها التي أمر القوم أن يضربوا القتيل به. وجائز أن يكون الذي أمروا أن يضربوه به هو الفخذ، وجائز أن يكون ذلك الذنب وغضروف الكتف وغير ذلك من أبعاضها. ولا يضر الجهل بأي ذلك ضربوا القتيل، ولا ينفع العلم به مع الإقرار بأن القوم قد ضربوا القتيل ببعض البقرة بعد ذبحها، فأحياه الله. " (١). الرازي: " واختلفوا في البعض الذي ضرب به القتيل فقيل: لسانها وقيل: فخذها اليمنى وقيل: ذنبها وقيل: العظم الذي يلي الغضروف وهو أصل الآذان، وقيل: البضعة بين الكتفين، ولا شك أن القرآن لا يدل عليه فإن ورد خبر صحيح قبل وإلا وجب السكوت عنه (٢) .. ابن كثير: في قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ "هذا البعض أي شيء كان من أعضاء هذه البقرة فالمعجزة حاصلة به، وخرق العادة به كائن، وقد كان معينا في نفس الأمر، فلو كان في تعيينه لنا فائدة تعود علينا في أمر الدين أو الدنيا لبينه الله -تعالى- لنا، ولكن أبهمه، ولم يجئ من طريق صحيح عن معصوم بيانه فنحن نبهمه كما أبهمه الله" (٣). الشوكاني (٤): "واختلف في تعيين البعض الذي أمروا بأن يضربوا القتيل به، ولا حاجة إلى ذلك مع ما فيه من القول بغير علم، ويكفينا أن نقول: أمرهم الله بأن يضربوه ببعضها، فأي بعض ضربوا به فقد فعلوا ما أمروا به، وما زاد على هذا فهو من فضول العلم

стр. 178

إذا لم يرد به برهان" (١). الآلوسي: "والظاهر أن المراد بالبعض أي بعض كان إذ لا فائدة في تعينه، ولم يرد به نقل صحيح" (٢). وبنحو هذا ذهب السعدي (٣)، والعثيمين (٤) رحمهما الله تعالى. • دراسة المسألة: بعد استعراض الروايات السابقة في قصة صاحب البقرة، وما تم الوقوف عليه من أقوال المفسرين من الفائدة في تعيين البعض من البقرة، يظهر ما يلي: أولاً: جميع الروايات الواردة في قصة البقرة وصاحبها عمومًا لم تأتِ بسند صحيح إلى النبي ﷺ ، ولكنها جاءت من طرق صحيحة عن بعض التابعين كما تقدم. ومثل هذه الروايات يُمكن الأخذ بها لأسباب: الأول: أن قبول الروايات الواردة في التفسير قد تكون من الصحابة أو التابعين، فلا ينحصر قبول الرواية عن معصوم. والغريب أن القاسمي ﵀ كأنه اشترط في قبول الرواية الواردة في قصة البقرة وصاحبها أن تكون بسند صحيح إلى النبي ﷺ وهذا خلاف منهج أهل العلم بقبول ما رُوي عن الصحابة والتابعين. الثاني: أن قصة البقرة وصاحبها مأخوذة من الإسرائيليات التي لا تخالف شرعنا، والنبي ﷺ قال: "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" (٥). الثالث: أن الروايات الواردة في قصة البقرة وصاحبها فيها فائدة، وليس كما قال القاسمي ﵀، ومن تلك الفوائد:

стр. 179

- الزيادة في التوضيح وتفسير معنى الآيات، وبيان المُبهم. - ضرورة الرجوع إلى أهل العلم في حال الاختلاف. - أن من شدَّد شدَّد الله عليه. - جزاء من قتل لأجل الميراث أنه لا يرث، وغير ذلك من الفوائد والله أعلم. ثانيا: البعض من البقرة قد ورد عن بعض السلف على أقوال مختلفة: قال ابن عباس ﵁ وأكثر المفسرين: ضربوه بالعظم الذي يلي الغضروف وهو المقتل (١). وقال مجاهد وسعيد بن جبير (٢): بعجب الذنب لأنه أول ما يخلق وآخر ما يبلى، ويركب عليه الخلق (٣). وقال الضحاك: بلسانها (٤). وقال الكلبي (٥) وعكرمة (٦): بفخذها الأيمن، وقيل: بعضو منها لا بعينه (٧). وقال السُدي وأبي العالية، وابن زيد: الذي ضرب به منها هو البضعة التي بين الكتفين (٨).

стр. 180

وأما عن قول القاسمي ﵀: أن تعيين البعض من البقرة ليس فيه فائدة دينية ولا دنيوية، فهو كما قال، وذلك لسببين: الأول: عدم الوقوف على كلام أحد من أهل العلم يُثبت بأن في تعيين البعض من البقرة فائدة، بل أقوالهم المُتقدمة تؤكد أن ليس في تعيين البعض من البقرة فائدة. الثاني: أن الاجتهاد في تعيين البُضع من البقرة من التكلِّف، والعبرة بوقوع المعجزة، والله أعلم. • النتيجة: من خلال عرض ما تقدم من الروايات الواردة في قصة البقرة وصاحبها، يتبين أنها جاءت بسند صحيح عن بعض التابعين، فلا بأس بقبولها. لصحة سندها وتعلق الفائدة فيها كما تقدم، بخلاف ما ذهب إليه القاسمي ﵀. وأما تعيين البعض من البقرة ليس فيه فائدة دينية ولا دنيوية، كما تقدم من كلام أهل العلم من المُفسرين، والله أعلم.
следующие страницы →