رواية أبي العالية: " كان رجل من بني إسرائيل وكان غنيا ولم يكن له ولد، وكان له قريب وكان وارثه، فقتله ليرثه، ثم ألقاه على مجمع الطريق، وأتى موسى، فقال له: إن قريبي قتل، وأتى إلي أمر عظيم، وإني لا أجد أحدا يبين لي من قتله غيرك يا نبي الله. قال: فنادى موسى في الناس: أنشد الله من كان عنده من هذا علم إلا بينه لنا. فلم يكن عندهم علمه، فأقبل القاتل على موسى فقال: أنت نبي الله، فاسأل لنا ربك أن يبين لنا. فسأل ربه فأوحى الله إليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ … إلخ" (١).
رواية السُدي: "كان رجل من بني إسرائيل مكثرًا من المال، وكانت له ابنة وكان له ابن أخ محتاج. فخطب إليه ابن أخيه ابنته فأبى أن يزوجه إياها، فغضب الفتى وقال: والله لأقتلن عمي ولآخذن ماله ولأنكحن ابنته ولآكلن ديته. فأتاه الفتى وقد قدم تجار في بعض أسباط بني إسرائيل، فقال: يا عم انطلق معي فخذ لي من تجارة هؤلاء القوم لعلي أصيب منها، فإنهم إذا رأوك معي أعطوني. فخرج العم مع الفتى ليلاً، فلما بلغ الشيخ ذلك السبط قتله الفتى ثم رجع إلى أهله. فلما أصبح جاء كأنه يطلب عمه، كأنه لا يدري أين هو فلم يجده، فانطلق نحوه فإذا هو بذلك السبط مجتمعين عليه، فأخذهم وقال: قتلتم عمي فأدوا إلي ديته. وجعل يبكي ويحثو التراب على رأسه وينادي واعماه، فرفعهم إلى موسى، فقضى عليهم بالدية، فقالوا له: يا رسول الله، ادع لنا حتى يتبين له من صاحبه فيؤخذ صاحب الجريمة، فوالله إن ديته علينا لهينة، ولكنا نستحي أن نعير به. فذلك حين يقول الله جل ثناؤه: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢)﴾ [سورة البقرة: ٧٢] فقال لهم موسى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ قالوا: نسألك عن القتيل وعمن قتله وتقول اذبحوا بقرة، أتهزأ بنا؟ قال موسى: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧)﴾ [سورة البقرة: ٦٧] " (٢).
стр. 177
• أقوال أهل العلم التي تدل على عدم الفائدة من تعيين البعض من البقرة:
الطبري: " والصواب من القول في تأويل قوله عندنا: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ [سورة البقرة: ٧٣] أن يقال: أمرهم الله جل ثناؤه أن يضربوا القتيل ببعض البقرة ليحيا المضروب. ولا دلالة في الآية ولا خبر تقوم به حجة على أي أبعاضها التي أمر القوم أن يضربوا القتيل به. وجائز أن يكون الذي أمروا أن يضربوه به هو الفخذ، وجائز أن يكون ذلك الذنب وغضروف الكتف وغير ذلك من أبعاضها. ولا يضر الجهل بأي ذلك ضربوا القتيل، ولا ينفع العلم به مع الإقرار بأن القوم قد ضربوا القتيل ببعض البقرة بعد ذبحها، فأحياه الله. " (١).
الرازي: " واختلفوا في البعض الذي ضرب به القتيل فقيل: لسانها وقيل: فخذها اليمنى وقيل: ذنبها وقيل: العظم الذي يلي الغضروف وهو أصل الآذان، وقيل: البضعة بين الكتفين، ولا شك أن القرآن لا يدل عليه فإن ورد خبر صحيح قبل وإلا وجب السكوت عنه (٢) ..
ابن كثير: في قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ "هذا البعض أي شيء كان من أعضاء هذه البقرة فالمعجزة حاصلة به، وخرق العادة به كائن، وقد كان معينا في نفس الأمر، فلو كان في تعيينه لنا فائدة تعود علينا في أمر الدين أو الدنيا لبينه الله -تعالى- لنا، ولكن أبهمه، ولم يجئ من طريق صحيح عن معصوم بيانه فنحن نبهمه كما أبهمه الله" (٣).
الشوكاني (٤): "واختلف في تعيين البعض الذي أمروا بأن يضربوا القتيل به، ولا حاجة إلى ذلك مع ما فيه من القول بغير علم، ويكفينا أن نقول: أمرهم الله بأن يضربوه ببعضها، فأي بعض ضربوا به فقد فعلوا ما أمروا به، وما زاد على هذا فهو من فضول العلم
стр. 178
إذا لم يرد به برهان" (١).
الآلوسي: "والظاهر أن المراد بالبعض أي بعض كان إذ لا فائدة في تعينه، ولم يرد به نقل صحيح" (٢).
وبنحو هذا ذهب السعدي (٣)، والعثيمين (٤) رحمهما الله تعالى.
• دراسة المسألة:
بعد استعراض الروايات السابقة في قصة صاحب البقرة، وما تم الوقوف عليه من أقوال المفسرين من الفائدة في تعيين البعض من البقرة، يظهر ما يلي:
أولاً: جميع الروايات الواردة في قصة البقرة وصاحبها عمومًا لم تأتِ بسند صحيح إلى النبي ﷺ ، ولكنها جاءت من طرق صحيحة عن بعض التابعين كما تقدم.
ومثل هذه الروايات يُمكن الأخذ بها لأسباب:
الأول: أن قبول الروايات الواردة في التفسير قد تكون من الصحابة أو التابعين، فلا ينحصر قبول الرواية عن معصوم. والغريب أن القاسمي ﵀ كأنه اشترط في قبول الرواية الواردة في قصة البقرة وصاحبها أن تكون بسند صحيح إلى النبي ﷺ وهذا خلاف منهج أهل العلم بقبول ما رُوي عن الصحابة والتابعين.
الثاني: أن قصة البقرة وصاحبها مأخوذة من الإسرائيليات التي لا تخالف شرعنا، والنبي ﷺ قال: "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" (٥).
الثالث: أن الروايات الواردة في قصة البقرة وصاحبها فيها فائدة، وليس كما قال القاسمي ﵀، ومن تلك الفوائد:
стр. 179
- الزيادة في التوضيح وتفسير معنى الآيات، وبيان المُبهم.
- ضرورة الرجوع إلى أهل العلم في حال الاختلاف.
- أن من شدَّد شدَّد الله عليه.
- جزاء من قتل لأجل الميراث أنه لا يرث، وغير ذلك من الفوائد والله أعلم.
ثانيا: البعض من البقرة قد ورد عن بعض السلف على أقوال مختلفة:
قال ابن عباس ﵁ وأكثر المفسرين: ضربوه بالعظم الذي يلي الغضروف وهو المقتل (١).
وقال مجاهد وسعيد بن جبير (٢): بعجب الذنب لأنه أول ما يخلق وآخر ما يبلى، ويركب عليه الخلق (٣).
وقال الضحاك: بلسانها (٤).
وقال الكلبي (٥) وعكرمة (٦): بفخذها الأيمن، وقيل: بعضو منها لا بعينه (٧).
وقال السُدي وأبي العالية، وابن زيد: الذي ضرب به منها هو البضعة التي بين الكتفين (٨).
стр. 180
وأما عن قول القاسمي ﵀: أن تعيين البعض من البقرة ليس فيه فائدة دينية ولا دنيوية، فهو كما قال، وذلك لسببين:
الأول: عدم الوقوف على كلام أحد من أهل العلم يُثبت بأن في تعيين البعض من البقرة فائدة، بل أقوالهم المُتقدمة تؤكد أن ليس في تعيين البعض من البقرة فائدة.
الثاني: أن الاجتهاد في تعيين البُضع من البقرة من التكلِّف، والعبرة بوقوع المعجزة، والله أعلم.
• النتيجة:
من خلال عرض ما تقدم من الروايات الواردة في قصة البقرة وصاحبها، يتبين أنها جاءت بسند صحيح عن بعض التابعين، فلا بأس بقبولها. لصحة سندها وتعلق الفائدة فيها كما تقدم، بخلاف ما ذهب إليه القاسمي ﵀.
وأما تعيين البعض من البقرة ليس فيه فائدة دينية ولا دنيوية، كما تقدم من كلام أهل العلم من المُفسرين، والله أعلم.
стр. 181
٧ - قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة البقرة: ٩٦].
قال القاسمي: وقول أبي مسلم: إن في الكلام تقديما وتأخيرا، وتقديره: ولتجدنهم وطائفة من الذين أشركوا أحرص الناس على حياة، ثم فسر هذه المحبة بقوله: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ فلا يخفى بُعدُه. لأنه إذا كانت القصة في شأن اليهود خاصة فالأليق بالظاهر، أن يكون المراد: ولتجدن اليهود أحرص على الحياة من سائر الناس ومن الذين أشركوا، ليكون ذلك أبلغ في إبطال دعواهم وفي إظهار كذبهم في قولهم: إن الدار الآخرة لنا، لا لغيرنا والله أعلم (١).
• أقوال أهل العلم في وقوع التقديم والتأخير في قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾:
القول الأول: أن في الكلام تقديما وتأخيرا، وتقديره: ولتجدنهم وطائفة من الذين أشركوا.
القول الثاني: أن الكلام على ظاهره، والمراد: ولتجدن اليهود أحرص على الحياة من سائر الناس ومن الذين أشركوا.
أصحاب القول الأول:
أبو مسلم الخرساني: " في الكلام تقديما وتأخيرا، وتقديره: ولتجدنهم وطائفة من الذين أشركوا أحرص الناس على حياة" (٢).
وقال بعض المفسرين: "في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى ولتجدنهم وطائفة من الذين
стр. 182
أشركوا أحرص الناس على حياة فيكونُ ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ صفةً لمحذوفٍ" (١).
أصحاب القول الثاني:
الطبري: " يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ وأحرص من الذين أشركوا على الحياة، كما يقال: هو أشجع الناس ومن عنترة، بمعنى: هو أشجع من الناس ومن عنترة، فكذلك قوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ لأن معنى الكلام: ولتجدن يا محمد اليهود من بني إسرائيل أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا" (٢).
السمرقندي: "يعني أن اليهود أحرص الناس على البقاء. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾، يعني أحرص من الذين أشركوا. " (٣).
السمعاني (٤): " ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ يعني اليهود. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ أي: وأحرص من الذين أشركوا" (٥).
ابن عطية (٦): "قيل المعنى: وأحرص من الذين أشركوا، لأن مشركي العرب لا يعرفون إلا هذه الحياة الدنيا" (٧).
стр. 183
• دراسة المسألة:
يظهر -والله أعلم- بعد استعراض أقوال أهل العلم والمفسرين في هذه المسألة، أن الصواب هو ما عليه أصحاب القول الثاني من أن الكلام في الآية على ظاهره، والمراد: ولتجدن اليهود أحرص على الحياة من سائر الناس ومن الذين أشركوا، للأوجه الآتية:
أولا: أن الخطاب في سياق الآيات التي قبلها وهي من قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤)﴾ [سورة البقرة: ٩٤] ورد في شأن اليهود خاصة والاحتجاج عليهم، كما هو عليه عامة المُفسرين (١).
والقاعدة المقررة عند أهل العلم بأن: إدخال الكلام في معاني ما قبله وما بعده أولى من الخروج به عنها، إلا بدليل يجب التسليم به (٢). فإذا تنازع المفسرون في تفسير آية، كان من فسرها بقرينة ما قبلها من الآيات وما بعدها أحسن وأوفق للنظم وأقرب للصواب.
ثانيًا: نظائر الآيات التي تصف اليهود بحب الدنيا والخوف من الموت بسبب ذنوبهم وما قدمت أيديهم، التي تدل على أنهم أحرص الناس على الحياة، حتى من المشركين الذين يُنكرون البعث، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [سورة الجمعة: ٧].
والقاعدة المقررة عند أهل العلم أن: "القول الذي تؤيده آيات قرآنية مقدّم على ما عدم ذلك" (٣).
стр. 184
ثالثًا: أن حمل الكلام في هذه الآية بأن فيه تقديم وتأخير تأباه الفصاحة، كما يقرره بعض المُفسرين:
قال أبو حيان: " وأما قول من زعم أن قوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ معطوفا على الضمير في قوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ﴾، أي: ولتجدنهم وطائفة من الذين أشركوا أحرص الناس على حياة، فيكون في الكلام تقديم وتأخير. فهو معنى يصح، لكن اللفظ والتركيب ينبو عنه ويخرجه عن الفصاحة، ولا ضرورة تدعو إلى أن يكون ذلك من باب التقديم والتأخير، لا سيما على قول من يخص التقديم والتأخير بالضرورة" (١).
وقال الآلوسي: "ومن الناس من جوز كون ﴿وَمِنَ الَّذِينَ﴾ صفة لمحذوف معطوف على الضمير المنصوب في ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ﴾ والكلام على التقديم والتأخير، أي: لَتَجِدَنَّهُمْ وطائفة من- الذين أشركوا أحرص الناس-.
ولا أظن يُقْدِم على مثل ذلك في كتاب الله تعالى من له أدنى ذوق، لأنه- وإن كان معنى صحيحا في نفسه- إلا أن التركيب ينبو عنه، والفصاحة تأباه، ولا ضرورة تدعو إليه لا سيما على قول من يخص التقديم والتأخير بالضرورة" (٢).
رابعًا: في تخصيص اليهود بالذكر وأنهم أحرص الناس على الحياة من المشركين زيادة في التوبيخ والتقريع.
يقول البيضاوي: "وإفراده - يعني اليهود- بالذكر للمبالغة، فإن حرصهم شديد إذ لم يعرفوا إلا الحياة العاجلة، والزيادة في التوبيخ والتقريع، فإنهم لما زاد حرصهم. وهم مقرون بالجزاء على حرص المنكرين. دل ذلك على علمهم بأنهم صائرون إلى النار" (٣).
стр. 185
ويقول القنوجي (١): "وإنما بلغوا في الحرص إلى هذا الحد الفاضل على حرص المشركين؛ لأنهم يعلمون بما يحل بهم من العذاب في الآخرة بخلاف المشركين من العرب ونحوهم فإنهم لا يقرون بذلك، فكان حرصهم على الحياة دون حرص اليهود" (٢).
• النتيجة:
يتبين من خلال عرض أقوال أهل العلم في هذه المسألة أن الراجح في قوله تعالى ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ أنه على ظاهره، يعني: أن اليهود أحرص الناس على الحياة من سائر الناس ومن الذين أشركوا، كما قال القاسمي ﵀، لما تقدم إيراده من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.
стр. 186
٨ - قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة البقرة: ٩٦].
قال القاسمي: وما ذكره بعض المفسرين من أن البصير في اللغة بمعنى العليم لا يخفى فساده، فإن العليم والبصير اسمان متباينا المعنى لغة. نعم! لو حمل أحدهما على الآخر مجازا لم يبعد، ولا ضرورة إليه هنا. ودعوى أن بعض الأعمال مما لا يصح أن يرى، فلذا حَمْلُ هذا البصر على العلم- هو من باب قياس الغائب على الشاهد (١)، وهو بديهي البطلان (٢).
• أقوال أهل العلم في معنى البصير في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾:
القول الأول: أن البصير بمعنى العليم.
القول الثاني: أن البصير معناه: ذو إبصار وإحاطة.
أصحاب القول الأول: وهم المعتزلة:
الزمخشري: " ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ عالم بأعمالهم ودرجاتها فمجازيهم على حسبها" (٣).
الأخفش (٤): في قوله: ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ [سورة طه: ٩٦] أي:
стр. 187
علمت ما لم تعلموا، من البَصيرة. وأبصَرتُ بالعَيْن (١).
أصحاب القول الثاني: وهم أهل السنة والجماعة:
الطبري: "يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ والله ذو إبصار بما يعملون، لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، بل هو بجميعها محيط ولها حافظ ذاكر حتى يذيقهم بها العقاب جزاءها. وأصل بصير مبصر من قول القائل: أبصرت فأنا مبصر؛ ولكن صرف إلى فعيل، كما صرف مسمع إلى سميع، وعذاب مؤلم إلى أليم، ومبدع السموات إلى بديع، وما أشبه ذلك" (٢).
القاضي أبي يعلى: " هذا الخبر (٣)، أفاد أن وصفه بأنه سميع بصير، لا على معنى وصفه بأنه "عليم"؛ كما ذهب إليه بعض أهل النظر" (٤).
• دراسة المسألة:
من خلال عرض ما تقدم من أقوال أهل العلم، والنظر في معنى البصير من حيث اللغة، يظهر -والله أعلم- أن القاسمي ﵀ يُريد من وصفه لقول من قال بأن البصير بمعنى العليم: المعتزلة من نحا نحوهم من نفي صفات الله -تعالى- التي أثبتها لنفسه، وما ذهب إليه القاسمي ﵀ هو الحق الذي عليه أهل السنة والجماعة، وذلك من وجهين:
الأول: أن الأصل المتقرر عند أهل السنة أن آيات الصفات تُحمل على ظاهرها، بخلاف من ظن بأن حملها على الظاهر يقتضي التشبيه أو التمثيل.
قال الإمام أحمد في سياق حديثه عن إثبات صفات الله -تعالى-: "ولكن نؤمن به كما
стр. 188
جاء على ظاهره ولا نناظر فيه أحدا" (١).
وقال القاضي أبي يعلى: "اعلم أنه غير ممتنع حمل هذا الخبر على ظاهره، إذ ليس فيه ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه، لأنا لا نثبت قدما وفخذا جارحة ولا أبعاضا، بل نثبت لك صفة كما أثبتنا الذات والوجه واليدين" (٢).
الثاني: من حيث اللغة: فالبصير كما أنه يجوز أن يُراد منه: العليم، بحسب ما ذهب إليه بعض أهل اللغة، فيقال: بَصُر الرجلُ يَبصُرُ: إِذا صَار عَلِيماً بالشَّيْء (٣)، فيجوز أيضًا أن يكون على ظاهره، تقول: بَصُرْتُ بالشيء بالضم والكسر لغة بَصَرًا بفتحتين عَلِمْتُ فأنا بصير به يتعدى بالباء في اللغة الفصحى وقد يتعدى بنفسه وهو ذو بصر، ويقال: أَبْصَرْتُهُ: إِذَا رَأَيْتَهُ (٤).
تنبيه:
ذهب جماعة من المفسرين من أهل السنة من أن معنى: (بصير) في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ عليم؛ أي أنه -جَلَّ وعلا- عليم بكل ما يعملونه في السر، والعلانية، أو أنه خبير بما يعمل عباده من خير وشر (٥).
ولا إشكال في ذلك لأن ذلك من التفسير باللازم، والمراد من التفسير باللازم: أن المفسر يفسر اللفظ بلازمه لا بمطابقه، للتنبيه على دخول هذا اللازم في معنى الآية، فمن لوازم صفة البصر: العلم، ومثل هذا النوع من التفسير يُعتبر من الطرق المُعتبرة عند المفسرين،
стр. 189
كما أشار ذلك ابن القيم ﵀ (١).
• النتيجة:
بعد عرض ما تقدم يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من أن الآية على ظاهرها بإثبات البصر لله -تعالى-، وأنه ذو إبصار وإحاطة لما تقدم إيراده من الوجهيْن الداليْن على ذلك، وهو ما ذهب إليه القاسمي ﵀.
إلا أن هذا لا يعني أن لا يراد من الإبصار: العلم، لأن ذلك من لوازم الصفة، بخلاف ما ذهب إليه القاسمي ﵀-والله أعلم.
стр. 190
٩ - قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [سورة البقرة: ١٠٢].
قال القاسمي: "وقد ساق الرازي ما ارتآه أبو مسلم في تفسير هذه الآية. ولم نشأ نقله لبعده عن الصواب" (١).
• أقوال أهل العلم في نزول السحر على الملكين (هاروت وماروت):
القول الأول: أن السحر لم يكن نازلاً على الملَكين هاروت وماروت.
القول الثاني: أن السحر كان نازلاً على الملكين.
أصحاب القول الأول:
ابن عباس ﵁: " ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ فإنه يقول: لم ينزل الله السحر " (٢).
الربيع بن أنس: " ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾: ما أنزل الله عليهما السحر" (٣).
الواحدي: "ومعنى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾: أي: علما وألهما وقذف في قلوبهما من علم التفرقة، وهو رقية وليس بسحر" (٤).
стр. 191
أصحاب القول الثاني:
جماعة من السلف وهم: قتادة، والسدي، وابن زيد (١).
البغوي: " ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ﴾ أي ويعلمون الذي أنزل على الملكين" (٢).
الزمخشري: " أي فيتعلم الناس من الملكين ﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ أي علم السحر الذي يكون سببا في التفريق بين الزوجين من حيلة وتمويه" (٣).
البيضاوي: "وهما ملكان أنزلا لتعليم السحر ابتلاء من الله للناس، وتمييزاً بينه وبين المعجزة" (٤).
• دراسة المسألة:
ذكر الرازي في تفسيره لهذه الآية أن أبا مسلم الأصفهاني أنكر في الملكين أن يكون السحر نازلاً عليهما واحتج بما يلي من وجوه:
الأول: أن السحر لو كان نازلا عليهما لكان منزله هو الله تعالى، وذلك غير جائز لأن السحر كفر وعبث ولا يليق بالله إنزال ذلك.
الثاني: أن قوله: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ يدل على أن تعليم السحر كفر، فلو ثبت في الملائكة أنهم يعلمون السحر لزمهم الكفر، وذلك باطل.
الثالث: كما لا يجوز في الأنبياء أن يبعثوا لتعليم السحر فكذلك في الملائكة بطريق الأولى.
الرابع: أن السحر لا ينضاف إلا إلى الكفرة والفسقة والشياطين المردة، وكيف
стр. 192
يضاف إلى الله ما ينهى عنه ويتوعد عليه بالعقاب؟
وهل السحر إلا الباطل المموه وقد جرت عادة الله -تعالى- بإبطاله كما قال في قصة موسى ﵇: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ [سورة يونس: ٨١].
ثم عقَّب الرازي على أبي مسلم فقال: "ثم إن أبا مسلم ﵀ سلك في تفسير الآية نهجا آخر يخالف قول أكثر المفسرين، فقال: "كما أن الشياطين نسبوا السحر إلى ملك سليمان مع أن ملك سليمان كان مبرأ عنه، فكذلك نسبوا ما أنزل على الملكين إلى السحر مع أن المنزل عليهما كان مبرأ عن السحر، وذلك لأن المنزل عليهما كان هو الشرع والدين والدعاء إلى الخير، وإنما كانا يُعَلّمان الناس ذلك مع قولهما: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ توكيداً لبعثهم على القبول والتمسك، وكانت طائفة تتمسك، وأخرى تخالف وتعدل عن ذلك، ويتعلمون منهما أي: من الفتنة والكفر مقدار ما يفرقون به بين المرء وزوجه"، فهذا تقرير مذهب أبي مسلم (١).
والقاسمي ﵀ عقّب على قول أبي مسلم ووصفه بأنه بعيد عن الصواب، فهو يخالف ما روي عن عائشة ﵂: «في قصة ذكرتها عن امرأة، قدمت المدينة، فذكرت أنها صارت في العراق ببابل، فأتت بها هاروت وماروت فتعلمت منهما السحر» (٢).
مناقشة الأوجه التي ذكرها أبو مسلم من إنكار أن يكون السحر نزل على المَلَكين:
أما قوله: لو نزل السحر عليهما لكان منزل ذلك السحر هو الله تعالى.
فالجواب: تعريف صفة الشيء قد يكون لأجل الترغيب في إدخاله في الوجود وقد يكون لأجل أن يقع الاحتراز عنه كما قال الشاعر:
عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه (٣)
стр. 193
قوله ثانيا: أن تعليم السحر كفر لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾.
فالجواب: أن هذا ليس على إطلاقه، وذلك لأن السحر لو لم يكن يُعلم لما أمكن الفرق بينه وبين المعجز، والعلم بكون المعجز معجزا واجب وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجبا وما يكون واجبا كيف يكون حراما وقبيحا (١).
وقول أبو مسلم هذا يخالف ما روي عن السدي وقتادة والحسن وابن جريج من أنه: أخذ عليهما - أي هاروت وماروت- أن لا يعلما أحدا حتى يقولا: إنما نحن فتنة فلا تكفر" (٢).
قوله ثالثا: أنه لا يجوز بعثة الأنبياء ﵈ لتعليم السحر فكذا الملائكة.
فالجواب: لا نسلم أنه لا يجوز بعثة الأنبياء ﵈ لتعليمه بحيث يكون الغرض من ذلك التعليم التنبيه على إبطاله.
قوله رابعا: إنما يضاف السحر إلى الكفرة والمردة فكيف يضاف إلى الله -تعالى- ما ينهى عنه؟
فالجواب: فرق بين العمل وبين التعليم فلم لا يجوز أن يكون العمل منهيا عنه؟ وأما تعليمه لغرض التنبيه على فساده فإنه يكون مأمورا به" (٣).
يُضاف على ما تقدم أيضًا أن ابن جرير الطبري ذكر بعضًا من الأوجه التي استدل بها القائلون بإثبات نزول السحر على المَلكين هاروت وماروت:
قال ابن جرير "وقالوا: إن قال لنا قائل: وهل يجوز أن ينزل الله السحر؟ أم هل يجوز لملائكته أن تعلمه الناس؟
стр. 194
قلنا له: إن الله قد أنزل الخير والشر كله، وبين جميع ذلك لعباده، فأوحاه إلى رسله وأمرهم بتعليم خلقه وتعريفهم ما يحل لهم مما يحرم عليهم؛ وذلك كالزنا والسرقة وسائر المعاصي التي عرفوها ونهاهم عن ارتكابها، فالسحر أحد تلك المعاصي التي أخبرهم بها ونهاهم عن العمل بها.
قالوا: ليس في العلم بالسحر إثم، كما لا إثم في العلم بصنعة الخمر ونحت الأصنام والطنابير والملاعب، وإنما الإثم في عمله وتسويته (١).
قالوا: وكذلك لا إثم في العلم بالسحر، وإنما الإثم في العمل به وأن يضر به من لا يحل ضره به.
قالوا: فليس في إنزال الله إياه على الملكين ولا في تعليم الملكين من علماه من الناس إثم إذا كان تعليمهما من علماه ذلك بإذن الله لهما بتعليمه بعد أن يخبراه بأنهما فتنة وينهاه عن السحر والعمل به والكفر؛ وإنما الإثم على من يتعلمه منهما ويعمل به، إذ كان الله تعالى ذكره قد نهاه عن تعلمه والعمل به.
قالوا: ولو كان الله أباح لبني آدم أن يتعلموا ذلك، لم يكن من تعلمه حرجا، كما لم يكونا حرجين لعلمهما به، إذ كان علمهما بذلك عن تنزيل الله إليهما" (٢).
تنبيه:
تعقب الحافظ ابن كثير على الإمام ابن جرير فقال: " ادعى أن هاروت وماروت ملكان أنزلهما الله إلى الأرض، وأذن لهما في تعليم السحر اختبارا لعباده وامتحانا، بعد أن بين لعباده أن ذلك مما ينهى عنه على ألسنة الرسل، وادعى أن هاروت وماروت مطيعان في تعليم ذلك؛ لأنهما امتثلا ما أمرا به. وهذا الذي سلكه غريب جدا! " (٣).
стр. 195
والذي يظهر أن الحق مع الإمام ابن جرير ﵀، لظهور أدلته المتقدمة التي ذكرها وقوتها والله أعلم.
• النتيجة:
بعد عرض ما تقدم ذكره من أقوال المفسرين في هذه المسألة، يظهر أن الراجح من أقوالهم ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن السحر كان نازلا على الملكين هاروت وماروت؛ لما تقدم إيراده من الأدلة والأوجه التي تؤيد ذلك، بخلاف ما ذهب إليه أبو مسلم. والله أعلم.
стр. 196
١٠ - قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [سورة البقرة: ١٠٢].
قال القاسمي: "وقد ساق الرازي ما ارتآه أبو مسلم في تفسير هذه الآية. ولم نشأ نقله لبعده عن الصواب. وهكذا ما ذكره الإمام ابن حزم في كتابه «الفصل» في بحث «عصمة الملائكة» (١) ففيه تكلف وتمحل (٢) غريب، كما يعلم بمراجعتهما" (٣).
• أقوال أهل العلم في (هاروت وماروت) إن كانا من الملائكة أم من الجن:
القول الأول: أنهما مَلكين من الملائكة.
القول الثاني: أنهما من الجن.
أصحاب القول الأول:
الطبري: " فمعنى الآية على تأويل هذا القول الذي ذكرنا عمن ذكرناه عنه: واتبعت اليهود الذي تلت الشياطين في ملك سليمان الذي أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت. وهما ملكان من ملائكة الله" (٤).
الثعلبي (٥): " «هاروت وماروت»: اسمان سريانيان، وهما في محل الخفضِ على تفسير
стр. 197
الملكين بدلًا منهما" (١).
ابن جزي: " هارُوتَ وَمارُوتَ اسمان علمان بدل من الملكين" (٢).
أبو السعود: "وهما ملكان أنزلا لتعليم السحر ابتلاء من الله للناس" (٣).
أصحاب القول الثاني:
ابن حزم: "هاروت وماروت المذكورين في القرآن لا يخلو أمرهما من أحد وجهين لا ثالث لهما: إما أن يكونا جنين من أحياء الجن كما روينا عن خالد بن أبي عمران (٤) وغيره وموضعهما حينئذ في الجو بدل من الشياطين كأنه قال: ولكن الشياطين كفروا هاروت وماروت، ويكون الوقوف على قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ﴾ ويتم الكلام هنا، وإما أن يكونا ملكين أنزل الله عليهما شريعة حق ثم مسخها فصارت كفرا كما فعل بشريعة موسى وعيسى -عليهما الصلاة والسلام- فتمادى الشياطين على تعليمهما وهي بعد كفر كأنه قال تعالى ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ (٥).
القرطبي: "اليهود قالوا: إنّ الله أنزل جبريل وميكائيل بالسحر، فنفى الله ذلك، وفي الكلام تقديم وتأخير. التقدير: وما كفر سليمان، وما أنزل على الملكين، ولكنّ الشياطين كفروا يعلّمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت، فهاروت وماروت بدل من الشياطين.
стр. 198
وهذا أولى ما حملت عليه الآية، فالسحر من استخراج الشياطين للطافة جوهرهم، ودقة أفهامهم" (١).
• دراسة المسألة:
بعد عرض ما تقدم من أقوال المفسرين، يظهر أن الراجح والصواب أن هاروت وماروت من الملائكة ولَيْسا من الجن، بخلاف ما قرره ابن حزم في الفِصل، وذلك للأوجه الآتية:
أولاً: سياق الآية وظاهر اللفظ الذي يدل على أن هاروت وماروت من الملائكة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾. ولم يقل الشياطين.
ثانيًا: القول بأن هاروت وماروت كانا ملكين من السماء، وأنهما أنزلا إلى الأرض، فكان من أمرهما ما كان، هو ما ذهب إليه كثير من السلف (٢).
ثالثًا: القول بأن ﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ بدل من ﴿الشَّيَاطِينَ﴾ وأن المراد بالشياطين شيطانان وضعا السحر للناس هما هاروت وماروت، من الخطأ إذ يلزم أن يصير قوله: ﴿عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ كلاما حشوا (٣).
رابعًا: ورود بعض الآثار الصحيحة التي ظاهرها يدل على أن هاروت وماروت من الملائكة.
ومن ذلك: ما أخرجه عبد الرزاق في تفسيره عن عبيد الله بن عبد الله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ كانا ملكين من الملائكة، فأهبطا ليحكما بين الناس. وذلك أن الملائكة سخروا من حكام بني آدم، فحاكمت إليهما امرأة، فحافا لها. ثم ذهبا يصعدان فحيل بينهما وبين ذلك، ثم خيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب
стр. 199
الدنيا (١).
خامسًا: على القول بأن في الآية تقديم وتأخير، وأن هاروت وماروت بدل من الشياطين، فإنه لا يدل على أن هاروت وماروت من الجن والشياطين، بل يدل على أنهما من البشر، وهذا خلاف ما تقدم تقريره بأنهم من الملائكة.
قال ابن جرير: فإن قال لنا قائل: وكيف وجه تقديم ذلك؟ قيل: وجه تقديمه أن يقال: واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما أنزل على الملكين، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت. فيكون معنيا بالملكين: جبريل وميكائيل؛ لأن سحرة اليهود فيما ذكر كانت تزعم أن الله أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل إلى سليمان بن داود. فأكذبها الله بذلك وأخبر نبيه محمدا ﷺ أن جبريل وميكائيل لم ينزلا بسحر قط، وبرأ سليمان مما نحلوه من السحر، فأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين، وأنها تعلم الناس ببابل، وأن الذين يعلمونهم ذلك رجلان اسم أحدهما هاروت واسم الآخر ماروت؛ فيكون هاروت وماروت على هذا التأويل ترجمة على الناس وردا عليهم (٢).
سادسًا: جميع الأوجه التي تقدم ذكرها في المسألة السابقة من أن السحر كان نازلاً على الملكين تدل على أن هاروت وماروت كانا ملكين من الملائكة وليسا من الجن.
تنبيهات:
الأول: تعقب الحافظ ابن كثير ﵀ على قول ابن حزم فقال: "وادعى ابن جرير أن هاروت وماروت ملكان أنزلهما الله إلى الأرض، وأذن لهما في تعليم السحر اختبارا لعباده وامتحانا، بعد أن بين لعباده أن ذلك مما ينهى عنه على ألسنة الرسل، وادعى أن هاروت وماروت مطيعان في تعليم ذلك؛ لأنهما امتثلا ما أمرا به.
стр. 200
وهذا الذي سلكه غريب جدا! وأغرب منه قول من زعم أن هاروت وماروت قبيلان من الجن [كما زعمه ابن حزم] " (١).
الثاني: تعقب الآلوسي على قول القرطبي فقال: "وممّا يقضي منه العجب ما قاله الإمام القرطبي: إنّ هاروت وماروت بدل من الشياطين".
ثم قال: "وأعجب من هذا قوله: وهذا أولى ما حملت عليه الآية من التأويل وأصح ما قيل فيها، ولا تلتفت إلى ما سواه.
ولا يخفى لدى كل منصف أنه لا ينبغي لمؤمن حمل كلام الله -تعالى وهو في أعلى مراتب البلاغة والفصاحة- على ما هو أدنى من ذلك وما هو إلا مسخ لكتاب الله -تعالى عز شأنه- وإهباط له عن شأوه ومفاسد قلة البضاعة لا تحصى" (٢).
الثالث: ما أورده بعض المفسرين كابن كثير وابن الجوزي وغيرهم عن الملكين هاروت وماروت من قصص عجيبة وأخبار غريبة، قد جمعها العلامة محمد أبو شهبة وبين زيفها (٣).
فائدة:
سُئل العلامة ابن باز ﵀ عن هاروت وماروت هل هما ملكان أم بشران؟
فأجاب ﵀: "اختلف العلماء في هذا. والأظهر: أنهما ملكان نزلا ابتلاء وامتحانا، كما قال الله : ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ الآية.
وقال بعض أهل العلم: إنهما ملكان من بني آدم ابتلي الناس بهما. والقول الأول هو الأظهر. والقراءة على هذا في القول الأول بفتح اللام، وعلى القول الثاني بكسرها" (٤).
стр. 201
• النتيجة:
من خلال عرض ما تقدم من أقوال أهل العلم يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن هاروت وماروت من الملائكة وليسا من الجن، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.
стр. 202
١١ - قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ [سورة البقرة: ١٢٤].
قال القاسمي: استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن الظالم ليس بأهل للإمامة. والكشاف أوسع المقال، في ذلك، هنا، وأبدع في إيراد الشواهد. كما أن الشيعة استدلت بها على صحة قولهم في وجوب العصمة في الأئمة، ظاهرا وباطنا. على ما نقله الرازي عنهم وحاورهم.
وأقول: إن استدلال الفرقتين على مدعاهما وقوف مع عموم اللفظ. إلا أن الآية الكريمة بمعزل عن إرادة خلافة السلطنة والملك (١).
• أقوال أهل العلم في دلالة الآية على وجوب العصمة في الأئمة:
القول الأول: أن الآية تدل على العصمة في الأئمة ظاهراً وباطناً.
القول الثاني: عدم دلالة الآية على العصمة في الأئمة لا ظاهراً ولا باطناً.
أصحاب القول الأول: الشيعة الاثني عشرية (٢):
ابن بابويه القمي (٣): في تفسير قوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾: "فإذن لا يكون الإمام إلا معصوما، ولا تعلم عصمته إلا بنصّ الله عليه" (٤).
الطوسي (٥): " واستدل أصحابنا بهذه الآية على أن الإمام لا يكون إلا معصومًا من
стр. 203
القبائح، لأن الله -تعالى- نفى أن ينال عهده - الذي هو الإمامة- ظالم، ومن ليس بمعصوم فهو ظالم إما لنفسه أو لغيره" (١).
الطبطبائي (٢): " يستنتج من الآية: أن الإمام يجب أن يكون معصومًا عن الضلال والمعصية، وإلا كان غير مهتد بنفسه، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [سورة الأنبياء: ٧٣] " (٣).
أصحاب القول الثاني: أهل السنة ومن وافقهم من الأشاعرة.
الرازي: " أما الشيعة فيستدلون بهذه الآية على صحة قولهم في وجوب العصمة ظاهرا وباطنا، وأما نحن فنقول: مقتضى الآية ذلك، إلا أنا تركنا اعتبار الباطن فتبقى العدالة الظاهرة معتبرة" (٤).
النيسابوري (٥): قال في تفسيره للآية" العبرة بالعدالة الظاهرة فنحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر خلافا للشيعة فإنهم يقولون بوجوب العصمة ظاهرا وباطنا" (٦).
المظهري (٧): "ليس في الآية حجة للروافض على كون العصمة شرطا في الإمامة والله
стр. 204
اعلم" (١).
• دراسة المسألة:
استدل الشيعة الاثني عشرية بهذه الآية على وجوب العصمة في الأئمة، ظاهرا وباطنا، والذي أوقع الشيعة في هذا الاستدلال الغريب البعيد هو فساد منهجهم في التفسير وقولهم أن للقرآن معنى ظاهراً ومعنى باطناً لا يعرفه إلا الأئمة (٢)، فلا غرابة أن تصدر منهم مثل هذه الاستدلالات التي توافق أهواءهم، والله أعلم.
والجواب على استدلالهم من وجوه عدة:
الوجه الأول: مخالفة استدلالهم لنظائر الآيات، كقوله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [سورة الشعراء: ٨٢]. فإذا كانت الآية تدل على العصمة فهل كان يعلم إبراهيم ذلك؟ فإمامة الهدى ليست خاصة بمعصومين فقد جعلها الله لبني إسرائيل ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [سورة السجدة: ٢٤] وجعلها عامة لكل مستضعف فقال ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [سورة القصص: ٥] والشيعة يجعلون هذه الآية في مرتبة لا تليق إلا بطينة خاصة من البشر وهي طينة المعصومين.
الوجه الثاني: ليس في القرآن الكريم، ولا في أحاديث الرسول ﷺ ما يدل على هذه العصمة. فقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ ليس فيه معنى العصمة، فهناك فرق كبير بين الظلم وعدم العصمة، فغير المعصوم إذا أخطأ فلم يصر على هذا الخطأ وتاب وأناب إلى الله -تعالى- فليس بظالم. ثم أين هذا من السهو والنسيان الذي لا يحاسب عليه الإنسان، كما قال الرسول ﷺ : "إن الله
стр. 205
قد تجاوز عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه" (١).
الوجه الثالث: أن استدلالهم هذا مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها فإن الله -تعالى- يقول ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [سورة النساء: ٥٩]. الآية فلم يأمرنا بالرد عند التنازع إلا إلى الله والرسول ﷺ فمن أثبت شخصا معصوما غير الرسول أوجب رد ما تنازعوا فيه إليه لأنه لا يقول عنده إلا الحق كالرسول ﷺ وهذا خلاف القرآن، وأيضا فإن المعصوم تجب طاعته مطلقا بلا قيد ومخالفه يستحق الوعيد والقرآن إنما أثبت هذا في حق الرسول خاصة قال تعالى ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [سورة النساء: ٦٩]. وقال ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [سورة الجن: ٢٣]. فدل القرآن في غير موضع على أن من أطاع الرسول كان من أهل السعادة ولم يشترط في ذلك طاعة معصوم آخر.
ومن عصى الرسول كان من أهل الوعيد وإن قدر أنه أطاع من ظن أنه معصوم فالرسول ﷺ هو الذي فرق الله به بين أهل الجنة وأهل النار، وبين الأبرار والفجار، وبين الحق والباطل، وبين الغي والرشاد، والهدى والضلال، وجعله القسيم الذي قسم به عباده إلى شقي وسعيد فمن اتبعه فهو السعيد ومن خالفه فهو الشقي وليست هذه المرتبة لغيره ولهذا اتفق أهل العلم أهل الكتاب والسنة على أن كل شخص سوى الرسول فإنه يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ فإنه يجب تصديقه في كل ما أخبر وطاعته في كل ما أمر فإنه المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى" (٢).
الوجه الرابع: أن قولهم إن غير المعصوم يسمى ظالما فيتناوله قوله تعالى ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ ليس كما زعموا، إذ الظالم لغة: من يضع الشيء في غير محله، وشرعا:
стр. 206
العاصي. وغير المعصوم قد يكون محفوظا فلا يصدر عنه ذنب أو يصدر عنه ويتوب منه حالا توبة نصوحا فالآية لا تتناوله وإنما تتناول العاصي على أن العهد في الآية كما يحتمل أن يراد به الإمامة العظمى يحتمل أيضا أن المراد به النبوة أو الإمامة في الدين أو نحوهما من مراتب الكمال وهذه الجهالة منهم إنما اخترعوها ليبنوا عليها بطلان خلافة غير علي (١).
الوجه الخامس: أن العصمة من الخطأ كبيره وصغيره، عمداً وسهواً ونسياناً من المولد إلى الممات أمر يتنافى مع الطبيعة البشرية، فلا يقبله العقل إلا بالدليل قطعي من النقل. وهذه الآية الكريمة لا تثبته للأئمة عموماً فضلاً عن أئمة الجعفرية على وجه الخصوص، على أن دلالة القرآن الكريم تتنافى مع مثل هذه العصمة حتى بالنسبة لخير البشر جميعاً الذين اصطفاهم الله تعالى للنبوة والرسالة (٢).
الوجه السادس: أن استدلالهم هذا يؤدي إلى أن جميع المسلمين وكذلك الشيعة وأهل البيت - إلا من تعتقد الشيعة عصمتهم - جميعهم ظلمة لأنهم غير معصومين، وقد قال شيخهم الطوسي بأن: "الظّلم اسم ذمّ فلا يجوز أن يطلق إلا على مستحقّ اللّعن لقوله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ " (٣).
الوجه السابع: أن علماء الشيعة الزيدية يقررون نقض استدلال الشيعة الاثني عشرية بهذه الآية، حيث يقول الزيدي: "احتج الرافضة بالآية على أن الإمامة لا يستحقها من ظلم مرة، ورام الطعن في إمامة أبي بكر ﵁ وعمر ﵁، وهذا لا يصح لأن العهد إن حمل على النبوة فلا حجة، وإن حمل على الإمامة فمن تاب من الظّلم لا يوصف بأنّه ظالم، ولم يمنعه - تعالى - من نيل العهد إلا حال كونه ظالمًا" (٤).
стр. 207
• النتيجة:
من خلال ما تم عرضه من أقوال أهل العلم في هذه المسألة يتبين جليًا بطلان استدلال الشيعة الاثني عشرية بقوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ على وجوب العصمة للأئمة، وأن الحق مع أصحاب القول الثاني من أهل السنة والجماعة من أن الآية لا تدل على ذلك، لما تقدم إيراده من الأوجه، والله أعلم.
стр. 208
١٢ - قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة البقرة: ١٣١].
قال القاسمي: وظاهر النظم الكريم أن القول حقيقي، وليس في ذلك مانع، ولا ما جاء ما يوجب تأويله. وقول بعضهم: هو تمثيل، والمعنى: أخطر بباله دلائل التوحيد المؤدية إلى المعرفة الداعية إلى الإسلام ليس بشيء. ولا معنى لحمل شيء من الكلام على المجاز، إذا أمكنت فيه الحقيقة بوجه ما (١).
• أقوال أهل العلم في المراد من القول في قوله تعالى لإبراهيم ﵇: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ من حيث الحقيقة والمجاز:
القول الأول: أن القول حقيقي على ظاهره.
القول الثاني: أنه مجاز، والمعنى: أخطر بباله دلائل التوحيد المؤدية إلى المعرفة الداعية إلى الإسلام.
أصحاب القول الأول:
الطبري: " ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ إذ قال له ربه: أخلص لي العبادة، واخضع لي بالطاعة" (٢).
مكي بن أبي طالب: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ أي واذكروا إذ قال له ربه أسلم، أي أخلص لي العبادة والطاعة" (٣).
السمعاني: " ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ يعني أي: استسلم وأخلص عبادتك لله ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أخلصت وفوضت إليه" (٤).
стр. 209
ابن كثير: " ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: أمره الله بالإخلاص له والاستسلام والانقياد، فأجاب إلى ذلك شرعا وقدرا" (١).
أصحاب القول الثاني:
الزمخشري: " معنى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾: أخطر بباله النظر في الدلائل المؤدية إلى المعرفة والإسلام" (٢).
البيضاوي: " كأنه قيل: اذكر ذلك الوقت لتعلم أنه المصطفى الصالح المستحق للإمامة والتقدم، وأنه نال ما نال بالمبادرة إلى الإذعان وإخلاص السر حين دعاه ربه وأخطر بباله دلائله المؤدية إلى المعرفة الداعية إلى الإسلام" (٣).
ابن عرفة (٤): "هذا إما قول حقيقة بعد رؤية الكوكب والقمر والشمس وإما بمعنى الإلهام إلى ذلك وخلقه في قلبه بنصب الدلائل العقلية عليه" (٥).
• دراسة المسألة:
من خلال النظر في أقوال المفسرين في هذه الآية نجد أن مثل هذا التأويل الباطل - وهو المعنى المجازي- يكثر عند المعتزلة وهو حمل ألفاظ الحقيقة على المجاز وخاصة فيما يتعلق بصفات الله -تعالى-، لأنهم يظنون أن إثبات المعنى الحقيقي يستلزم منه التجسيم وتشبيه الله بخلقه، تعالى الله عن ذلك.
وهذا القول ليس بغريب أن يصدر من الزمخشري المعتزلي الذي يفتخر باعتزاليته، لأن
стр. 210
إثبات المعنى الحقيقي يلزم منه إثبات صفة الكلام لله تعالى حقيقة، وهذا يُخالف عقيدة المعتزلة، فقالوا بما معناه أن هذا من المجاز، وعقيدة الأشاعرة الذين يريدون بالكلام: الكلام النفسي وليس الحقيقي.
وتفسير الزمخشري لقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ بمعنى: أخطر بباله دلائل التوحيد المؤدية إلى المعرفة الداعية إلى الإسلام. مردود من أوجه:
الأول: أنه خلاف ظاهر اللفظ، ولا يجوز العدول عن الظاهر إلا بدليل يصرف المعنى الظاهر إلى معنىً آخر.
يقول ابن جرير الطبري: " وغير جائز ترك الظاهر المفهوم من الكلام إلى باطن لا دلالة على صحته" (١).
الثاني: أن مثل هذا التأويل يُعتبر من المجاز وهو: اللفظ المستعمل في غير ما وضع له (٢)، ومسألة وقوع المجاز في القرآن أو في اللغة مما اختُلف فيه وليس المقام بأن يُذكر هذا الخلاف، ولكن على التسليم بوقوعه فهو مشروط بوجود قرينة تصرف من المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي إن كان فيما لا يتعلق بصفات الله تعالى كما في هذه الآية، ولا قرينة (٣).
الثالث: أن مثل هذا التفسير يُخالف أقوال المفسرين من السلف -رضوان الله عليهم- كابن عباس، والحسن، وعطاء، وغيرهم (٤)، التي تفيد المعنى الحقيقي، وهم أعلم بكتاب الله تعالى ممن جاء بعدهم، وكل خير في اتباعهم.
стр. 211
• النتيجة:
بعد عرض ما تقدم من الأقوال والأدلة، يتبين بطلان قول من قال في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ أنه يُحمل على المجاز والتمثيل، لعدم وجود قرينة تصرف المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي، ولمخالفته ما عليه المفسرون من السلف، فحمل لفظ الآية على المجاز والتمثيل ليس بشي كما قال القاسمي ﵀.
стр. 212
١٣ - قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة البقرة: ١٣٤].
قال الرازي: "الآية دالة على بطلان التقليد، لأن قوله ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ يدل على أن كسب كل واحد يختص به، ولا ينتفع به غيره، ولو كان التقليد جائزا، لكان كسب المتبوع نافعا للتابع، فكأنه قال: إني ما ذكرت حكاية أحوالهم طلبا منكم أن تقلدوهم، ولكن لتنبهوا على ما يلزمكم، فتستدلوا وتعلموا أن ما كانوا عليه من الملة هو الحق" (١). انتهى.
قال القاسمي: ومعلوم أن اتباع الأنبياء ﵈، والإيمان بهم، لا يسمى تقليدا، لخروجه عن حده المقرر في كتب الأصول (٢).
• أقوال أهل العلم في وصف من اتبع الأنبياء ﵈ بالتقليد:
القول الأول: أن اتباع الأنبياء يُسمى تقليدًا.
القول الثاني: أن اتباع الأنبياء لا يُسمى تقليدًا.
أصحاب القول الأول:
الشافعي: "ولا يحل تقليد أحد سوى رسول اللَّه ﷺ " (٣).
ابن رشد (٤): "التقليد هو قبول قول قائل يغلب على الظن صدقه لحسن الثقة فيه. والفرق بين هذا وبين، تقليده ﷺ ، أن تقليده هو قبول قول يقع للإنسان اليقين به لدلالة
стр. 213
المعجزة على صدقه ﷺ " (١).
الماوردي (٢): "وأما من يجوز تقليدهم فهم أربعة أصناف: أحدها: النبي ﷺ فيما شرعه وأمر به" (٣).
أصحاب القول الثاني:
ابن قدامة (٤): " لا يسمى الأخذ بقول النبي ﷺ والإجماع تقليدًا؛ لأن ذلك هو الحجة في نفسه" (٥).
السمعاني: " فأما اتباع الرسول ﷺ والتسليم لحكمه فواجب ولا نقول إنه تقليد بل هو اتباع محض " (٦).
القرافي (٧): "التقليد هو الاتباع الذي لا حجة فيه، واتباعه ﵇ -فيه حجج المعجزة وغيرها، فهذا ليس تقليدًا" (٨).
الطوفي: " وليس قبول قول النبي ﷺ تقليدا، إذ هو حجة في نفسه" (٩).
стр. 214
• دراسة المسألة:
قبل بيان الصواب في هذه المسألة، يجب التنبيه على أن علماء الأصول قسَّموا التقليد باعتبار حكمه إلى نوعان: تقليد جائز، وتقليد غير جائز.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: "والتحقيق أن التقليد منه ما هو جائز، ومنه ما ليس بجائز، ومنه ما خالف فيه المتأخرون المتقدمين من الصحابة وغيرهم من القرون الثلاثة المفضلة.
أما التقليد الجائز: الذي لا يكاد يخالف فيه أحد من المسلمين فهو تقليد العامي عالماً أهلاً للفتيا في نازلة نزلت به، وهذا النوع من التقليد كان شائعاً في زمن النبي ﷺ ، ولا خلاف فيه، فقد كان العامي، يسأل من شاء من أصحاب رسول الله ﷺ عن حكم النازلة تنزل به، فيفتيه فيعمل بفتياه، وإذا نزلت به نازلة أخرى لم يرتبط بالصحابي الذي أفتاه أولاً، بل يسأل عنها من شاء من أصحاب رسول الله ﷺ ثم يعمل بفتياه.
وأما ما لا يجوز من التقليد بلا خلاف: فهو تقليد المجتهد الذي ظهر له الحكم باجتهاد، مجتهد آخر يرى خلاف ما ظهر له هو، للإجماع على أن المجتهد إذا ظهر له الحكم باجتهاده، لا يجوز له أن يقلد غيره المخالف لرأيه" (١).
فتفسير الرازي للآية بقوله: "فكأنه -تعالى- قال: إني ما ذكرت حكاية أحوالهم طلبا منكم أن تقلدوهم"، يُحمل على ذم التقليد الذي يُخالف شرعنا، والله أعلم.
والظاهر أن القاسمي ﵀ نظر إلى مفهوم التقليد باعتبار أنه اتباع شخص أو طريقة من غير دليل، والله أعلم.
والظاهر أن الرازي يُريد من عبارته، دفع التوهم بأن طريقة الدين التقليد. كما يقول في تفسير الآية: " لما ذكر -تعالى- حسن طريقة الأنبياء الذين ذكرهم في هذه الآيات بين أن الدليل لا يتم بذلك، بل كل إنسان مسؤول عن عمله، ولا عذر له في ترك الحق بأن يتوهم أنه متمسّك بطريقة من تقدم؛ لأنهم أصابوا أو أخطئوا لا ينفع هؤلاء ولا يضرهم لئلا
стр. 215
يتوهم أن طريقة الدين التقليد" (١).
وقد ذكر بعض أهل العلم أوجهًا لتوجيه كلام الشافعي ﵀ المتقدم:
الأول: أن الشافعي ﵀ أطلق على جعل القبول من النبي ﷺ تقليدا ولم يرد حقيقة التقليد، وإنما أراد القبول من السؤال عن وجهه (٢).
الثاني: لعل الشافعي أراد بتقليده ﵊ أنه ليس لأحد أن يقول له: من أين قلت؟ ولا: لم قلت؟ (٣).
الثالث: أن المعنى أنه لا يجوز لكل أحد تقليد أحد بعد الرسول، بل يفترقون، فعالمهم لا يقلد، وعاميهم يقلد. وأما الرسول فنسبة العالم والجاهل إليه سواء، والكل بالنسبة إليه بمنزلة الجاهل عند المجتهد يأخذ بقوله تقليدا (٤).
فبناءً على ما تقدم فالأظهر أن يُقال: إن أُريدَ من تقليد الأنبياء الاتباع والانقياد بالسمع والطاعة، فهذا مطلوب شرعا، بأمر الله -تعالى- باتباع أنبيائه، ولا مانع بأن يُسمى تقليدًا، إذ إن هذا التقليد يقتضي التمسك بدين الله تعالى وهذا هو التقليد المحمود.
وأما إن أريد بالتقليد أتباع غيرهم من المجتهدين مع العلم بخطأ اجتهادهم، ومخالفته للحق، فهذا هو التقليد المذموم الذي أمرنا الله -تعالى- باجتنابه، والله أعلم.
تنبيه:
استنبط بعض المفسرين من الآية بأنها دالة على بطلان التقليد، موافقة للرازي:
قال ابن عادل الحنبلي (٥): " وصف هؤلاء الأنبياء فيما أنتم عليه من الدين لا يسوغ