• النتيجة:
بعد عرض ما تقدم من الأقوال والأدلة، يتبين بطلان قول من قال في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ أنه يُحمل على المجاز والتمثيل، لعدم وجود قرينة تصرف المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي، ولمخالفته ما عليه المفسرون من السلف، فحمل لفظ الآية على المجاز والتمثيل ليس بشي كما قال القاسمي ﵀.
стр. 212
١٣ - قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة البقرة: ١٣٤].
قال الرازي: "الآية دالة على بطلان التقليد، لأن قوله ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ يدل على أن كسب كل واحد يختص به، ولا ينتفع به غيره، ولو كان التقليد جائزا، لكان كسب المتبوع نافعا للتابع، فكأنه قال: إني ما ذكرت حكاية أحوالهم طلبا منكم أن تقلدوهم، ولكن لتنبهوا على ما يلزمكم، فتستدلوا وتعلموا أن ما كانوا عليه من الملة هو الحق" (١). انتهى.
قال القاسمي: ومعلوم أن اتباع الأنبياء ﵈، والإيمان بهم، لا يسمى تقليدا، لخروجه عن حده المقرر في كتب الأصول (٢).
• أقوال أهل العلم في وصف من اتبع الأنبياء ﵈ بالتقليد:
القول الأول: أن اتباع الأنبياء يُسمى تقليدًا.
القول الثاني: أن اتباع الأنبياء لا يُسمى تقليدًا.
أصحاب القول الأول:
الشافعي: "ولا يحل تقليد أحد سوى رسول اللَّه ﷺ " (٣).
ابن رشد (٤): "التقليد هو قبول قول قائل يغلب على الظن صدقه لحسن الثقة فيه. والفرق بين هذا وبين، تقليده ﷺ ، أن تقليده هو قبول قول يقع للإنسان اليقين به لدلالة
стр. 213
المعجزة على صدقه ﷺ " (١).
الماوردي (٢): "وأما من يجوز تقليدهم فهم أربعة أصناف: أحدها: النبي ﷺ فيما شرعه وأمر به" (٣).
أصحاب القول الثاني:
ابن قدامة (٤): " لا يسمى الأخذ بقول النبي ﷺ والإجماع تقليدًا؛ لأن ذلك هو الحجة في نفسه" (٥).
السمعاني: " فأما اتباع الرسول ﷺ والتسليم لحكمه فواجب ولا نقول إنه تقليد بل هو اتباع محض " (٦).
القرافي (٧): "التقليد هو الاتباع الذي لا حجة فيه، واتباعه ﵇ -فيه حجج المعجزة وغيرها، فهذا ليس تقليدًا" (٨).
الطوفي: " وليس قبول قول النبي ﷺ تقليدا، إذ هو حجة في نفسه" (٩).
стр. 214
• دراسة المسألة:
قبل بيان الصواب في هذه المسألة، يجب التنبيه على أن علماء الأصول قسَّموا التقليد باعتبار حكمه إلى نوعان: تقليد جائز، وتقليد غير جائز.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: "والتحقيق أن التقليد منه ما هو جائز، ومنه ما ليس بجائز، ومنه ما خالف فيه المتأخرون المتقدمين من الصحابة وغيرهم من القرون الثلاثة المفضلة.
أما التقليد الجائز: الذي لا يكاد يخالف فيه أحد من المسلمين فهو تقليد العامي عالماً أهلاً للفتيا في نازلة نزلت به، وهذا النوع من التقليد كان شائعاً في زمن النبي ﷺ ، ولا خلاف فيه، فقد كان العامي، يسأل من شاء من أصحاب رسول الله ﷺ عن حكم النازلة تنزل به، فيفتيه فيعمل بفتياه، وإذا نزلت به نازلة أخرى لم يرتبط بالصحابي الذي أفتاه أولاً، بل يسأل عنها من شاء من أصحاب رسول الله ﷺ ثم يعمل بفتياه.
وأما ما لا يجوز من التقليد بلا خلاف: فهو تقليد المجتهد الذي ظهر له الحكم باجتهاد، مجتهد آخر يرى خلاف ما ظهر له هو، للإجماع على أن المجتهد إذا ظهر له الحكم باجتهاده، لا يجوز له أن يقلد غيره المخالف لرأيه" (١).
فتفسير الرازي للآية بقوله: "فكأنه -تعالى- قال: إني ما ذكرت حكاية أحوالهم طلبا منكم أن تقلدوهم"، يُحمل على ذم التقليد الذي يُخالف شرعنا، والله أعلم.
والظاهر أن القاسمي ﵀ نظر إلى مفهوم التقليد باعتبار أنه اتباع شخص أو طريقة من غير دليل، والله أعلم.
والظاهر أن الرازي يُريد من عبارته، دفع التوهم بأن طريقة الدين التقليد. كما يقول في تفسير الآية: " لما ذكر -تعالى- حسن طريقة الأنبياء الذين ذكرهم في هذه الآيات بين أن الدليل لا يتم بذلك، بل كل إنسان مسؤول عن عمله، ولا عذر له في ترك الحق بأن يتوهم أنه متمسّك بطريقة من تقدم؛ لأنهم أصابوا أو أخطئوا لا ينفع هؤلاء ولا يضرهم لئلا
стр. 215
يتوهم أن طريقة الدين التقليد" (١).
وقد ذكر بعض أهل العلم أوجهًا لتوجيه كلام الشافعي ﵀ المتقدم:
الأول: أن الشافعي ﵀ أطلق على جعل القبول من النبي ﷺ تقليدا ولم يرد حقيقة التقليد، وإنما أراد القبول من السؤال عن وجهه (٢).
الثاني: لعل الشافعي أراد بتقليده ﵊ أنه ليس لأحد أن يقول له: من أين قلت؟ ولا: لم قلت؟ (٣).
الثالث: أن المعنى أنه لا يجوز لكل أحد تقليد أحد بعد الرسول، بل يفترقون، فعالمهم لا يقلد، وعاميهم يقلد. وأما الرسول فنسبة العالم والجاهل إليه سواء، والكل بالنسبة إليه بمنزلة الجاهل عند المجتهد يأخذ بقوله تقليدا (٤).
فبناءً على ما تقدم فالأظهر أن يُقال: إن أُريدَ من تقليد الأنبياء الاتباع والانقياد بالسمع والطاعة، فهذا مطلوب شرعا، بأمر الله -تعالى- باتباع أنبيائه، ولا مانع بأن يُسمى تقليدًا، إذ إن هذا التقليد يقتضي التمسك بدين الله تعالى وهذا هو التقليد المحمود.
وأما إن أريد بالتقليد أتباع غيرهم من المجتهدين مع العلم بخطأ اجتهادهم، ومخالفته للحق، فهذا هو التقليد المذموم الذي أمرنا الله -تعالى- باجتنابه، والله أعلم.
تنبيه:
استنبط بعض المفسرين من الآية بأنها دالة على بطلان التقليد، موافقة للرازي:
قال ابن عادل الحنبلي (٥): " وصف هؤلاء الأنبياء فيما أنتم عليه من الدين لا يسوغ
стр. 216
التقليد في هذا الجنس، فعليكم بترك الكلام في تلك الأمة، فلها ما كسبت، وانظروا فيما دعاكم إليه محمد ﷺ فإن ذلك أنفع لكم، وأعود عليكم، ولا تُسألون إلا عن عملكم" (١).
وقال ابن بدران (٢): "وفي الآية زجر عظيم لمن جعل التقليد مذهبه، وسار مع قول مقلده كيفما كان، ثم إن أتاه الحق وظهر له الدليل أعرض عنه جانبًا، وراغ عنه، وأخذ يؤوله حسبما يريد، ويختار له هواه، ويسلك مسالك أولئك المعاندين، الذين قلدوا أحبارهم ورهبانهم فيما ابتدعوه لهم من الدين، ورتبوه لهم من المفتريات" (٣).
فائدة:
أفضل من تكلم عن مسألة العمل بقول النبي ﷺ هل يسمى تقليدا؟ وأوسع البسط والمقال فيها، بحسب ما وقفت عليه، هو الزركشي في البحر المحيط، والله أعلم (٤).
• النتيجة:
بعد استعراض ما تقدم من الأقوال والتوجيهات في هذه المسألة يظهر أن قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ يصح أن يُستدل به على بطلان التقليد الغير جائز، وأن اتباع الأنبياء لا بأس بأن يُسمى تقليدا، فهو يُحمل على التقليد المحمود، وهذا بخلاف ظاهر ما تعقب به القاسمي ﵀ ورده على الرازي بأن اتباع الأنبياء لا يُسمى تقليدا مطلقا، والله أعلم.
стр. 217
١٤ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة: ١٥٨].
قال القاسمي: تمسك بعضهم بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ على أن السعي سنة، وأن من تركه لا شيء عليه. فإن كان مأخذه منها: إن التطوع التبرع بما لا يلزم فقد قدمنا أنه عرف فقهي لا لغوي، فلا حجة فيه. وإن كان نفي الجناح، فقد علمت المراد منه (١).
• أقوال أهل العلم في حكم السعي بين الصفا والمروة (٢):
القول الأول: أن السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج والعمرة.
القول الثاني: أن السعي بين الصفا والمروة سُنة.
أصحاب القول الأول:
عائشة: " لعمري ما حج من لم يسع بين الصفا والمروة؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ وبنحو ذلك روي عن ابن عمر ﵁، وجابر ﵁ (٣).
سفيان الثوري (٤): "من نسي السعي بين الصفا والمروة حتى يرجع إلى بلاده فإنه يجزئه دم يهديه" (٥).
стр. 218
أبو حنيفة: "إن عاد تارك الطواف بينهما لقضائه فحسن، وإن لم يعد فعليه دم" (١).
الشافعي: "على من ترك السعي بين الصفا، والمروة حتى رجع إلى بلده العود إلى مكة حتى يطوف بينهما لا يجزيه غير ذلك" (٢).
أصحاب القول الثاني:
ابن عباس ﵁: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، يقول: "ليس عليه إثم، ولكن له أجر" (٣).
أنس بن مالك ﵁: "الطواف بينهما تطوع" (٤). يعني بين الصفا والمروة.
عبد الله بن الزبير ﵁: "هما تطوع" (٥).
مجاهد: في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ قال: "فلم يحرج من لم يطف بهما" (٦).
• دراسة المسألة:
يظهر -والله أعلم- أن الصواب في هذه المسألة أن السعي ركن من أركان الحج والعمرة، لدلالة الكتاب والسنة، وسياق الآيات وسبب نزول الآية:
فمن الكتاب: قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة: ١٥٨].
قال الشنقيطي: " فتصريحه تعالى بأن الصفا والمروة من شعائر الله يدل على أن السعي
стр. 219
بينهما أمر حتم لا بد منه، لأن شعائر الله عظيمة، لا يجوز التهاون بها" (١).
ومن السنة: ما رواه مسلم في صحيحه عن جابرٍ ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لِتَأخُذُوا عني مناسِكَكم" (٢).
قال ابن كثير: "القول الراجح هو: ركنية السعي، لأنه ﵇ طاف بينهما، وقال: "لتأخذوا عني مناسككم". فكل ما فعله في حجته تلك واجب لا بد من فعله في الحج، إلا ما خرج بدليل، والله أعلم (٣).
وأيضًا: ما رواه ابن خزيمة في صحيحه من حديث حبيبةَ بنت أبي تِجْراةَ (٤)، عَنِ النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "اسْعَوْا؛ فإن الله كتب عليكم السَّعي" (٥). وكتب بمعنى: أوجب.
وأما عن دلالة السياق: فإنها تدل على أن المراد من التطوع، الزيادة على الفرض من عمرة أو طواف أو غير ذلك.
قال الآلوسي: في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ أي: "من انقاد انقيادا- خيرا أو بخير، أو آتيا بخير- فرضا كان أو نفلا، وهو عطف على ﴿فَمَنْ حَجَّ﴾ مؤكد أمر الحج والعمرة والطواف تأكيد الحكم الكلي للجزئي، أو من تبرع تبرعا- خيرا- أو بخير أو آتيا بخير من حج أو عمرة أو طواف لقرينة المساق، وعليه تكون الجملة مسوقة لإفادة شرعية التنفل بالأمور الثلاثة" (٦).
وأما عن دلالة سبب نزول الآية: فقد روى الشيخان في صحيحهما عن عروة قال:
стр. 220
قلت لعائشة زوج النبي ﷺ : "ما أرى على أحد لم يطف بين الصفا والمروة شيئا، وما أبالي ألا أطوف بينهما، قالت: بئس ما قلت، يا ابن أختي! طاف رسول الله ﷺ ، وطاف المسلمون؛ فكانت سنة، وإنما كان من أهل لمناة الطاغية، التي بالمشلل (١)، لا يطوفون بين الصفا والمروة، فلما كان الإسلام سألنا النبي ﷺ عن ذلك؟ فأنزل الله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [سورة البقرة: ١٥٨]. ولو كانت كما تقول، لكانت: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما" (٢).
قال القاسمي: "وجواب عائشة، ﵂، لعروة هو من دقيق علمها وفهمها الثاقب وكبير معرفتها بدقائق الألفاظ. لأن الآية الكريمة إنما دل لفظها على رفع الجناح عمن يطوف بهما، وليس فيه دلالة على عدم وجوب السعي ولا على وجوبه. ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾، أي: من فعل خيرا فإن الله يشكره عليه ويثيبه به. ومعنى (تطوع) أتى بما في طوعه أو بالطاعة، وإطلاقه على ما لا يجب عرف فقهي لا لغوي" (٣).
فالآية لا حجة فيها على القول بأن السعي سُنة وليس بواجب، لأن المراد من التطوع: الازدياد في الخير والطاعة، ولفظ التطوع ليس مخصوص بالمستحب لأن تخصيص التطوع بالمستحب اصطلاح عند الفقهاء، وليس اصطلاح لغوي تدل عليه الآية.
وقد وُجد من المفسرين من قال بأن إطلاق التطوع على الازدياد في الخير والطاعة اصطلاح فقهي، بخلاف ما ذهب إليه القاسمي ﵀.
قال أبو زهرة (٤): " التطوع المبالغة في الطاعة فيما أمر الله تعالى به من فرض وواجب
стр. 221
ومندوب، فهي المبالغة في أصل الطاعة، وإطلاقها على النفل غير المفروض والمندوبات ونحو ذلك هو من قبيل الاصطلاح الفقهي باعتبار أن النوافل والمندوبات مكملات للفرائض التي هي أصل الطاعات" (١).
وقال العثيمين ﵀: في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ "أي: ازداد خيراً في الطاعة؛ ويشمل الواجب، والمستحب؛ وتخصيص التطوع بالمستحب اصطلاح فقهي؛ أما في الشرع فإنه يشمل الواجب، والمستحب" (٢).
ولكن هذا لا يعني ولا يلزم معارضته للاصطلاح اللغوي لأننا إذا نظرنا إلى معنى التطوع في اللغة نجد أنه لا يختلف عن معناه عند الفقهاء.
قال الراغب: التطوع: لغة تكلف الطاعة، وعرفا: التبرع بما لا يلزم كالنفل قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ " (٣).
وقال الكفوي (٤): "التطوع: في الأصل: تكلف الطاعة، وفي التعارف: تبرع بما لا يلزم كالنفل" (٥).
وقال ابن منظور: " التطوع: ما تبرع به من ذات نفسه مما لا يلزمه فرضه" (٦).
وبهذا يتبين أنه لا اختلاف في معنى التطوع في اصطلاح الفقهاء واللغويين، وإنما الاختلاف بين الاصطلاح الفقهي واللغوي وبين الاصطلاح الشرعي كما تقدم من قول العثيمين ﵀.
стр. 222
مناقشة دليل من قال بأن السعي بين الصفا والمروة سُنة وليس بواجب:
استدل من قال بعدم وجوب السعي بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾، ولا شك أن هذا لا حجة فيه كما قال القاسمي ﵀، لأن التطوع المذكور في الآية ليس فيه دلالة على أن السعي سُنة، وذلك من وجهين:
الأول: أن المراد: من تطوع بالحج والعمرة بعد قضاء حجته الواجبة عليه.
قال ابن جرير: " معنى ذلك: ومن تطوع بالحج والعمرة بعد قضاء حجته الواجبة عليه، فإن الله شاكر له على تطوعه له بما تطوع به من ذلك ابتغاء وجهه فمجازيه به، عليم بما قصد وأراد بتطوعه بما تطوع به.
وإنما قلنا: إن الصواب في معنى قوله: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ [سورة البقرة: ١٨٤] هو ما وصفنا دون قول من زعم أنه معني به: فمن تطوع بالسعي والطواف بين الصفا، والمروة؛ لأن الساعي بينهما لا يكون متطوعا بالسعي بينهما إلا في حج تطوع أو عمرة تطوع لما وصفنا قبل (١)؛ وإذا كان ذلك كذلك كان معلوما أنه إنما عنى بالتطوع بذلك التطوع بما يعمل ذلك فيه من حج أو عمرة.
وأما الذين زعموا أن الطواف بهما تطوع لا واجب، فإن الصواب أن يكون تأويل ذلك على قولهم: فمن تطوع بالطواف بهما فإن الله شاكر؛ لأن للحاج والمعتمر على قولهم الطواف بهما إن شاء وترك الطواف، فيكون معنى الكلام على تأويلهم: فمن تطوع بالطواف بالصفا، والمروة، فإن الله شاكر تطوعه ذلك عليم بما أراد ونوى الطائف بهما كذلك" (٢).
ونقل الحافظ ابن حجر عن الطحاوي (٣) أنه قال: "لا حجة لمن قال إن السعي مستحب بقوله ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ لأنه راجع إلى أصل الحج والعمرة لا إلى خصوص السعي
стр. 223
لإجماع المسلمين على أن التطوع بالسعي لغير الحاج والمعتمر غير مشروع والله أعلم" (١).
الثاني: يُحتمل أن يكون التطوع مصروفًا لشيء آخر، وليس للسعي بين الصفا والمروة.
قال الرازي: " وأما التمسك بقوله: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ فضعيف، لأن هذا لا يقتضي أن يكون المراد من هذا التطوع هو الطواف المذكور أولا، بل يجوز أن يكون المقصود منه شيئا آخر، قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ ثم قال: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [سورة البقرة: ١٨٤] فأوجب عليهم الطعام، ثم ندبهم إلى التطوع بالخير فكان المعنى: فمن تطوع وزاد على طعام مسكين كان خيرا، فكذا هاهنا يحتمل أن يكون هذا التطوع مصروفا إلى شيء آخر وهو من وجهين:
أحدهما: أنه يزيد في الطواف فيطوف أكثر من الطواف الواجب مثل أن يطوف ثمانية أو أكثر (٢).
الثاني: أن يتطوع بعد حج الفرض وعمرته بالحج والعمرة مرة أخرى حتى طاف بالصفا والمروة تطوعا" (٣).
وقال ابن عاشور (٤): "قوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ تذييل لما أفادته الآية من الحث على السعي بين الصفا والمروة بمفاد قوله: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، والمقصد
стр. 224
من هذا التذييل الإتيان بحكم كلي في أفعال الخيرات كلها من فرائض ونوافل أو نوافل فقط فليس المقصود من خيرا خصوص السعي لأن خيرا نكرة في سياق الشرط فهي عامة ولهذا عطفت الجملة بالواو دون الفاء لئلا يكون الخير قاصرا على الطواف بين الصفا والمروة (١).
ثم قال ابن عاشور: "وتطوع يطلق بمعنى فعل طاعة وتكلفها، ويطلق مطاوع طوعه أي جعله مطيعا فيدل على معنى التبرع غالبا لأن التبرع زائد في الطاعة. وعلى الوجهين فانتصاب خيرا على نزع الخافض أي: تطوع بخير، أو بتضمين تطوع معنى فعل أو أتى. ولما كانت الجملة تذييلا فليس فيها دلالة على أن السعي من التطوع أي من المندوبات لأنها لإفادة حكم كلي بعد ذكر تشريع عظيم، على أن تطوع لا يتعين لكونه بمعنى تبرع بل يحتمل معنى أتى بطاعة أو تكلف طاعة" (٢).
فمما تقدم يتبين أنه لا دلالة في الآية على أن السعي بين الصفا والمروة سُنة كما قال القاسمي ﵀، لأنه قد يُراد من التطوع: التطوع بالحج والعمرة بعد قضاء حجة الإسلام الواجبة كما تقدم من كلام ابن جرير ﵀.
وقد يُراد من التطوع: عموم الخير لأن ﴿خَيْرًا﴾ نكرة في سياق الشرط فهي تفيد العموم كما تقدم من كلام ابن عاشور ﵀، ولأن عموم النفل المراد من التطوع أوفق لسياق الآية كما قال الآلوسي ﵀، والله أعلم.
• النتيجة:
بعد عرض ما تقدم يتبين الصواب في هذه المسألة أن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ لا يدل على أن السعي سنة لما تقدم من الأدلة، ومن أقوال أهل العلم من المفسرين.
إلا أن تعليل القاسمي ﵀ تعقبه: بأن المراد من التطوع التبرع بما لا يلزم وهو عرف فقهي لا لغوي، يُعارضه ما تقدم من كلام الراغب والكفوي وابن منظور، والله أعلم.
стр. 225
١٥ - قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ [سورة البقرة: ١٧٧].
قال القاسمي: وقد أبعد من حمل الزكاة- هنا- على زكاة النفس وتخليصها من الأخلاق الدنيئة الرذيلة، كقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ وقوله: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾، ووجه البعد: أن الزكاة المقرونة بالصلاة في التنزيل لا يراد بها إلا زكاة المال، وأما مع الانفراد فعلى حسب المقام (١).
• أقوال أهل العلم من المراد بالزكاة في هذه الآية:
القول الأول: أن المراد: زكاة المال.
القول الثاني: أن المراد: زكاة النفس.
أصحاب القول الأول:
ابن جرير الطبري: " ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ أعطاها على ما فرضها الله عليه" (٢).
السمرقندي: " ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ المكتوبة، ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ المفروضة" (٣).
الثعلبي: " ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ المفروضة. ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ الواجبة" (٤).
البغوي: "وأعطى الزكاة" (٥).
стр. 226
أصحاب القول الثاني:
ما أورده الحافظ ابن كثير في تفسيره من أنه: " يحتمل أن يكون المراد به زكاة النفس، وتخليصها من الأخلاق الدنية الرذيلة، كقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [سورة الشمس: ١٠] وقول موسى لفرعون: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [سورة النازعات: ١٨، ١٩] وقوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [سورة فصلت: ٧] ويحتمل أن يكون المراد زكاة المال (١).
• دراسة المسألة:
من خلال عرض ما تقدم من الأقوال يتبين أن الحق والصواب من المراد بالزكاة في هذه الآية: زكاة المال، وهو ما ذهب إليه عامة المفسرين، وذلك من أوجه:
الأول: أن هذه السورة مدنية بلا خلاف، وزكاة المال إنما فرضت بالمدينة كما هو معلوم.
الثاني: أن الزكاة المذكورة في هذه الآية جاء التعبير عنها بالإيتاء، وهذا لا يكون إلا في زكاة المال، بخلاف قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [سورة المؤمنون: ٤]. فقد يُراد بها أفعال المؤمنين المفلحين.
الثالث: أن زكاة الأموال تكون في القرآن عادةً مقرونةً بالصلاة من غير فصلٍ بينهما، كما في هذه الآية وكقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وقوله: ﴿وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ﴾ (٢).
الرابع: أن الزكاة إذا أطلقت فالمراد بها زكاة المال إلا إذا وجدت قرينة أو دلالة من حيث السياق وغير ذلك تُبين أن المراد بها زكاة النفس كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [سورة الشمس: ١٠].
стр. 227
الخامس: أنه يلزم من هذا التفسير أن يكون جميع المواضع التي جاءت في الحث على الزكاة يُحتمل أن يُراد منها زكاة النفس، وهذا بعيد، والله أعلم.
السادس: أن القول بأن المراد زكاة النفس يُعد مُخالفًا لقول بعض السلف في تفسير الآية كسعيد بن جبير ومقاتل بن حيان من أن المراد: الزكاة المفروضة (١)، وأقوالهما مقدمة على أقوال من جاء بعدهم.
• النتيجة:
بعد عرض ما تقدم يتبين أن الصواب في هذه المسألة أن تفسير الزكاة في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ بزكاة النفس بعيد، كما قال القاسمي ﵀، لما تقدم ذكره من أقوال المفسرين، والأوجه المتقدمة التي تؤيد أن المراد: زكاة المال، والله أعلم.
стр. 228
١٦ - قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [سورة البقرة: ١٨٧].
قال شمر (١): سموا الأبيض أحمر تطيرا بالأبرص، حكاه عن أبي عمرو بن العلاء (٢).
قال القاسمي: ويظهر أنه لا حاجة إلى هذا، فإن طلوع الفجر يصحبه حمرة. وفي (القاموس) (٣) الفجر ضوء الصباح، وهو حمرة الشمس في سواد الليل. فافهم (٤).
• أقوال أهل العلم في سبب تسمية الخيط الأبيض: أحمر:
القول الأول: أن السبب هو: التطير بالأبرص.
القول الثاني: أن السبب هو: أن طلوع الفجر يصحبه حمرة، وهي: حمرة الشمس.
أصحاب القول الأول:
شمر: " الأحمر الأبيض: تطيرا بالأبرص؛ يقال: أتاني كل أسود منهم وأحمر، ولا يقال أبيض؛ معناه جميع الناس عربهم وعجمهم" (٥).
أصحاب القول الثاني:
النخجواني (٦): في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾ قال: "من الوقت المبين إِلى
стр. 229
ابتداء اللَّيْلِ وهو غروب الشمس بحيث لا يرى في الأفق الشرقي بياض وحمرة منها" (١).
القزويني (٢): " وأما وقت الصبح، فإنما سمي صبحا لحمرته، ويقال: إن صباحة الوجه إنما سميت للحمرة صباحة، والصبح الحمرة" (٣).
• دراسة المسألة:
في تفسير هذه الآية أورد القاسمي ﵀ بعضًا من الروايات الواردة فيها في المراد بالخيط الأبيض والأسود، ومن ذلك:
ما رواه الإمام أحمد عن قيس بن طلق (٤) عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قال: "ليس الفجر المستطيل في الأفق. ولكنه المعترض الأحمر" (٥).
ورواه الترمذي بلفظ: "كلوا واشربوا ولا يهيدنكم الساطع المصعد، وكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر" (٦).
وأورد القاسمي قول بعضهم: المراد بالأحمر الأبيض، كما فسر به حديث: "بعثت إلى الأحمر والأسود" (٧).
والذي يظهر والله أعلم أن شمر لم يُرد من تسمية الخيط الأبيض بالأحمر بأنه تطيرا
стр. 230
بالأبرص (١) على وجه العموم حتى يُحمل على تفسير الآية، وإنما أراد به الناس من العرب والعجم.
قال في اللسان: قال ابن الأعرابي (٢): الأحمران النبيذ واللحم؛ وأنشد:
الأحمرَينِ الرَّاحَ والمُحَبَّرَا
قال شمر: أراد الخمر والبرود. والأحمر الأبيض: تطيرا بالأبرص؛ يقال: أتاني كل أسود منهم وأحمر، ولا يقال أبيض؛ معناه جميع الناس عربهم وعجمهم؛ يحكيها عن أبي عمرو بن العلاء.
وفي الحديث: "بعثت إلى الأحمر والأسود".
وفي حديث آخر عن أبي ذر: أنه سمع النبي ﷺ يقول: "أوتيت الليلة خمسا لم يؤتها نبي قبلي؛ أرسلت إلى الأحمر والأسود" (٣).
قال شمر: يعني العرب والعجم والغالب على ألوان العرب السمرة والأدمة وعلى ألوان العجم البياض والحمرة (٤).
فإن كان مراد شمر من لفظ الخيط الأبيض الوارد في الآية: الأحمر تطيراً بالأبرص فلا شك أن هذا لا حاجة له كما قال القاسمي ﵀، لأن المراد من الفجر: حمرة الشمس كما هو مقرر عند أهل اللغة (٥)، والله أعلم.
стр. 231
• النتيجة:
بعد عرض ما تقدم من أقوال أهل العلم واللغويين يتبين أن إيراد القاسمي ﵀ لقول شمر من تسمية الأبيض بالأحمر ليس صريحًا في مراده من تفسير الآية، وما تقدم ذكره يظهر منه أنه يُريد عموم الناس من العرب والعجم، والله أعلم.
стр. 232
١٧ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [سورة البقرة: ٢٢١].
قال القاسمي: "هذا وقد قيل: معنى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو﴾ وأولياء الله يدعون، وهم المؤمنون. على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. تشريفا لهم، وتفخيما لشأنهم، حيث جعل فعلهم فعل نفسه صورة. وملحظه رعاية المقابلة، كأنه قيل: أعداء الله يدعون إلى النار، وأولياء الله يدعون إلى الجنة والمغفرة. إلا إن فيه فوات رعاية تناسب الضمائر، فإن الضمير في المعطوف على الخبر أعني قوله تعالى: ﴿وَيُبَيِّنُ﴾ لله تعالى، فيلزم التفكيك" (١).
• أقوال أهل العلم في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾:
القول الأول: أن في الآية حذف مضاف وتقدير مضاف إليه مقامه، والمراد: وأولياء الله يدعون.
القول الثاني: أن الآية على ظاهرها، وليس فيها حذف مضاف وتقدير مضاف إليه مقامه، وأن المراد: والله يدعوكم إلى العمل بشرعه أو بما يدخلكم الجنة، ويوجب لكم النجاة.
أصحاب القول الأول:
الزمخشري: " ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ﴾ يعنى وأولياء الله وهم المؤمنون يدعون إلى الجنة والمغفرة وما يوصل إليهما فهم الذين تجب موالاتهم ومصاهرتهم" (٢).
стр. 233
الطيبي (١): "حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه تفخيماً لشأنهم، وإنما قدر المضاف لأن قوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ لا يستقيم من غير تقدير إذ لا يقول: الله يدعو بإذنه، ولأنه واقع في مقابل ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾، وهم أعداء الله، قوبل بأولياء الله" (٢).
النيسابوري: " المراد أن أولياء الله وهم المؤمنون يدعون إلى الجنة المغفرة وما يؤدي إليهما، فهم الذين تحب موالاتهم ومصاهرتهم وأن يؤثروا على غيرهم" (٣).
وقال بعض المفسرين: بأن المراد من الآية: وأولياء الله، بإقامة المضاف إليه مقام المضاف تعظيمًا لهم (٤).
أصحاب القول الثاني:
الطبري: " اقبلوا من الله ما أمركم به، فاعملوا به، وانتهوا عما نهاكم عنه، فإنه يدعوكم إلى الجنة. يعني بذلك: يدعوكم إلى العمل بما يدخلكم الجنة ويوجب لكم النجاة إن عملتم به من النار، وإلى ما يمحو خطاياكم أو ذنوبكم فيعفو عنها، ويسترها عليكم" (٥).
ابن كثير: " ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ أي: بشرعه وما أمر به وما نهى عنه" (٦).
البقاعي: " ﴿وَاللَّهُ﴾ أي بعز جلاله وعظمة كماله ﴿يَدْعُو﴾ أي بما يأمر به ﴿إِلَى
стр. 234
الْجَنَّةِ﴾ أي الأفعال المؤدية إليها" (١).
السعدي: " ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ﴾ أي: يدعو عباده لتحصيل الجنة والمغفرة، التي من آثارها، دفع العقوبات وذلك بالدعوة إلى أسبابها من الأعمال الصالحة، والتوبة النصوح، والعلم النافع، والعمل الصالح" (٢).
• دراسة المسألة:
القاسمي ﵀ عقَّب على أصحاب القول الأول بأن تأويلهم يلزم منه: فوات رعاية تناسب الضمائر، فإن الضمير في المعطوف على الخبر في قوله تعالى: ﴿وَيُبَيِّنُ﴾ لله تعالى، فيلزم التفكيك، لأنه لا يُقال: وأولياء الله يُبينون آياته.
ويُبين ابن عاشور ﵀ سبب هذا التأويل فيقول: " أن من المفسرين من حمل الإذن - في قوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ - على التيسير والقضاء، والباء على أنها ظرف لغو فرأى هذا القيد غير جزيل الفائدة فتأول قوله: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو﴾ بمعنى وأولياء الله يدعون وهم المؤمنون" (٣).
فسبب تأويل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو﴾ بمعنى: وأولياء الله يدعون، هو الإشكال في التقييد بقوله تعالى: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ فإنه لا يستقيم من غير تقدير أو أنه غير جزيل الفائدة كما تقدم، فاحتاج إلى هذا التأويل.
ولعل الراجح في تفسير الآية هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني وذلك لوجهين:
الأول: أن نسبة الدعاء إلى الله تعالى في قوله: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو﴾ آكد وأبلغ من طلب المعادلة بين المشركين والمؤمنين فيقال: وأولياء الله مقابل أعداء الله.
стр. 235
قال أبو حيان مُعَقبًا على الزمخشري بعد أن ذكر قولَه: " وحامله على أن ذلك هو على حذف مضاف طلبُ المعادلة بين المشركين والمؤمنين في الدعاء، فلما أخبر عن من أشرك أنه يدعو إلى النار، جعل من آمن يدعو إلى الجنة. ولا يَلزم ما ذَكَر، بل إجراء اللفظ على ظاهره من نسبة الدعاء إلى الله -تعالى- هو آكد في التباعد من المشركين، حيث جُعِلَ موجد العالِمَ منافيا لهم في الدعاء، فهذا أبلغ من المعادلة بين المشركين والمؤمنين" (١).
فأبو حيان يتفق مع القاسمي بنفي هذا التقدير وهو: (وأولياء الله يدعون)، إلا أن سبب النفي عند أبو حيان بأن نسبة الدعاء إلى الله تعالى آكد وأبلغ من التقدير بأولياء الله يدعون للمعادلة بين المشركين والمؤمنين، وسبب النفي عند القاسمي هو عدم تناسب الضمائر كما تقدم، ولعله استفاد هذا من أبي السعود كما في الوجه الثاني، والله أعلم.
قال العثيمين ﵀: " دعوة إلى النار، ودعوة إلى الجنة والمغفرة، ومع ذلك نجد أن المسألة ليس فيها تقابل، وإلا لو كان فيها تقابل لقال: أولئك يدعون إلى النار والمؤمنون يدعون إلى الجنة والمغفرة، لكنه عدل عن دعوة المؤمن إلى دعوة الله؛ لأن المؤمن يكون منه تقصير في الدعوة إلى جنة الله ومغفرته، لكن الله دعا إلى الجنة والمغفرة، وكلما ازداد الإنسان إيمانًا بالله ازداد دعوةً إلى جنة الله ومغفرته" (٢).
الثاني: أن الضمير في المعطوف على الخبر وهو قوله تعالى: ﴿وَيُبَيِّنُ﴾ لله تعالى، فيلزم التفكيك.
قال أبو السعود (٣): "قيل معنى ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو﴾ وأولياء الله يدعون وهم المؤمنون على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه تشريفا لهم وأنت خبير بأن الضمير في المعطوف
стр. 236
على الخبر أعني قوله تعالى ﴿وَيُبَيِّنُ﴾ لله تعالى فيلزم التفكيك" (١).
أما الآلوسي فذهب إلى أن الضمائر تتناسب على حذف المضاف، بخلاف ما ذهب إليه القاسمي.
قال في تفسيره: " ومن الناس من قدّر في الآية مضافا أي فريق الله أو أولياؤه وهم المؤمنون فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه تشريفا لهم.
واعترض بأن الضمير في المعطوف على الخبر لله تعالى فيلزم التفكيك مع عدم الداعي لذلك.
وأجيب بأن الداعي كون هذه الجملة معللة للخيرية السابقة ولا يظهر التعليل بدون التقدير، وكذا لا تظهر الملاءمة لقوله سبحانه: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ بدون ذلك فإن تقييد دعوته تعالى ﴿بِإِذْنِهِ﴾ ليس فيه حينئذ كثير فائدة بأي تفسير فسر- الإذن- وأمر التفكيك سهل لأنه بعد إقامة المضاف إليه مقام المضاف للتشريف بجعل فعل الأول فعلا للثاني صورة فتتناسب الضمائر" (٢).
وهذا الذي ذكره وإن كان له حظ من النظر، إلا أنه يبقى الاشكال في قوله تعالى: ﴿وَيُبَيِّنُ﴾، فتأويل الآية: والله يدعو ويُبين، أسلم وأوفق للنظم ولظاهر الآية من أن يُقال: وأولياء الله يدعون والله يُبين.
• النتيجة:
بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يظهر أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن الآية وهي قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو﴾ على ظاهرها، وليس فيها حذف مضاف وتقدير مضاف إليه مقامه، لما تقدم إيراده من الوجهيْن الدالين على ذلك، والله أعلم.
стр. 237
١٨ - قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة البقرة: ٢٢٨].
قال القاسمي: (المعروف) ما عرفته الطباع السليمة ولم تنكره (١)، مما قبله العقل، ووافق كرم النفس، وأقره الشرع. وقد قال بعض الفقهاء: لا يجب عليها خدمة زوجها في عجن وخبز وطبخ ونحوه، لأن المعقود عليه منفعة البضع، فلا يملك غيرها من منافعها .. !
ولكن مفاد الآية يرد هذا ويدل على وجوب المعروف من مثلها لمثله وبه أفتى الإمام ابن تيمية وفاقا للمالكية (٢).
• أقوال أهل العلم في حكم خدمة الزوجة لزوجها:
القول الأول: عدم وجوب خدمة الزوجة لزوجها.
القول الثاني: وجوب خدمة الزوجة لزوجها.
أصحاب القول الأول:
ابن قدامة: "المعقود عليه من جهتها الاستمتاع، فلا يلزمها غيره، كسقي دوابه، وحصاد زرعه. فأما قسم النبي ﷺ بين علي وفاطمة، فعلى ما تليق به الأخلاق المرضية، ومجرى العادة، لا على سبيل الإيجاب" (٣).
النووي: "ولا يجب عليها خدمته في الخبز والطحن والطبخ والغسل وغيرها من الخدم
стр. 238
لان المعقود عليه من جهتها هو الاستمتاع فلا يلزمها ما سواه" (١).
أبو بكر الصقلي (٢): " وليس على المرأة من خدمة بيتها شيء" (٣).
ابن حزم: "ومن ألزم المرأة خدمة دون خدمة فقد شرع ما لم يأذن به الله تعالى، وقال ما لا يصح، وما لا نص فيه" (٤).
أصحاب القول الثاني:
الرازي: "الزوج كالأمير والراعي، والزوجة كالمأمور والرعية، فيجب على الزوج بسبب كونه أميرا وراعيا أن يقوم بحقها ومصالحها، ويجب عليها في مقابلة ذلك إظهار الانقياد والطاعة للزوج" (٥). ومن لوازم إظهار الانقياد: القيام بخدمته، والله أعلم.
ابن العربي (٦): "ولا يخفى على لبيب فضل الرجال على النساء، ولو لم يكن إلا أن المرأة خلقت من الرجل فهو أصلها، لكن الآية لم تأت لبيان درجة مطلقة حتى يتصرف فيها بتعديد فضائل الرجال على النساء؛ فتعين أن يطلب ذلك بالحق في تقدمهن في النكاح؛ فوجدناها على سبعة أوجه: وذكر منها: حق الخدمة، وهو حق خاص، وله تفصيل، بيانه في مسائل الفروع" (٧).
أبو حيان: "معنى: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بالوجه الذي لا ينكر في الشرع وعادات الناس،
стр. 239
ولا يكلف أحدهما الآخر من الأشغال ما ليس معروفا له، بل يقابل كل منهما صاحبه بما يليق به" (١).
الآلوسي: " والمراد- بالمماثلة- المماثلة في الوجوب- لا في جنس الفعل- فلا يجب عليه إذا غسلت ثيابه أو خبزت له أن يفعل لها مثل ذلك، ولكن يقابله بما يليق بالرجال" (٢).
فظاهر كلام الآلوسي أن مما عليهن بالمعروف: القيام بخدمة الزوج.
وذهب الحنفية وجمهور المالكية: وأبو ثور (٣)، وأبو بكر بن أبي شيبة (٤) وأبو إسحاق الجوزجاني (٥)، وهو اختيار ابن تيمية في الفتاوى (٦) وتلميذه ابن القيم في الزاد (٧) ﵏ إلى وجوب خدمة المرأة لزوجها بالمعروف (٨).
• دراسة المسألة:
بعد استعراض ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يظهر والله أعلم أن الراجح من أقوالهم هو: وجوب خدمة المرأة زوجها بحسب استطاعتها وما جرت به العادة، لدلالة الكتاب والسنة الدالة على ذلك:
стр. 240
فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [سورة البقرة: ٢٢٨].
فقد روي عن زيد بن أسلم، وابن زيد من أن المراد من قوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ الإمرة، والطاعة (١)، فيُفهم منه وجوب خدمة الزوجة لزوجها إذا أمرها.
قال الحافظ ابن كثير في تفسير الآية: "ولهن على الرجال من الحق مثل ما للرجال عليهن، فليؤد كل واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف" (٢).
فمفهوم كلامه أنه إذا جرت العادة عند العامة بخدمة الزوجة لزوجها فيلزمها ذلك، فليس من العدل وما هو مُتعارف عليه أن يقوم الرجل بتدبير أمور البيت الخارجية، ويوفر الخادم لزوجته ليقوم بتدبير الأمور الداخلية مقابل الاستمتاع، إذ إن الاستمتاع مُقابَل بمثله.
ومن الكتاب أيضًا قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [سورة النساء: ٣٤].
قال الحافظ ابن كثير: "أي: الرجل قيم على المرأة، أي هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها إذا اعوجت". ومن لوازم كونه رئيسًا وحاكمًا عليها أن تقوم بخدمته" (٣).
ومن السنة: ما أخرجه البخاري في صحيحه عن علي ﵁: أن فاطمة ﵉ أتت النبي ﷺ تشكو إليه ما تلقى في يدها من الرحى، وبلغها أنه جاءه رقيق، فلم تصادفه، فذكرت ذلك لعائشة، فلما جاء أخبرته عائشة، قال: فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبنا نقوم، فقال: «على مكانكما» فجاء فقعد بيني وبينها، حتى وجدت برد قدميه على بطني، فقال: «ألا أدلكما على خير مما سألتما؟ إذا أخذتما مضاجعكما - أو أويتما إلى فراشكما - فسبحا ثلاثا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين، وكبرا أربعا وثلاثين، فهو خير لكما من خادم» (٤).
стр. 241
قال ابن القيم: "فلم يقل لعلي: لا خدمة عليها، وإنما هي عليك وهو ﷺ لا يحابي في الحكم أحدا" (١).
ومن السنة أيضًا: ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أسماء أنها قالت: "كنت أخدم الزبير خدمة البيت، وكان له فرس، وكنت أسوسه، فلم يكن من الخدمة شيء أشد علي من سياسة الفرس، كنت أحتش له وأقوم عليه وأسوسه" (٢).
قال ابن القيم: "ولما رأى أسماء والعلف على رأسها، والزبير معه لم يقل: له لا خدمة عليها، وأن هذا ظلم لها، بل أقره على استخدامها، وأقر سائر أصحابه على استخدام أزواجهم مع علمه بأن منهن الكارهة والراضية هذا أمر لا ريب فيه" (٣).
مناقشة دليل القائلين بعدم وجوب خدمة المرأة زوجها:
استدل بعض الفقهاء من الآية عدم وجوب خدمة الزوجة لزوجها، والعلة من ذلك أن المعقود عليه منفعة البضع فقط، فلا يملك غيرها من منافعها.
والجواب عما استدلوا عليه من وجهين:
الأول: أن المهر في مقابلة البضع، وكل من الزوجين يقضي وطره من صاحبه، فإنما أوجب الله سبحانه نفقتها وكسوتها ومسكنها في مقابلة استمتاعه بها وخدمتها، وما جرت به عادة الأزواج.
الثاني: أن العقود المطلقة إنما تنزّل على العرف، والعرف خدمة المرأة، وقيامها بمصالح البيت الداخلة (٤).
قال الألباني: " ولم نجد لمن قال بعدم الوجوب دليلا صالحا" (٥).
стр. 242
وبهذا يتبين رجحان قول من ذهب إلى وجوب خدمة الزوجة لزوجها من الفقهاء والمفسرين، وضعف من قول من قال بعدم الوجوب.
تنبيهان:
الأول: خدمة المرأة زوجها تخضع للعرف، وعلى قدر استطاعتها، فليس للزوج أن يُكلِّفها ما لا طاقة لها به.
قال العثيمين ﵀: " أما خدمتها لزوجها فهذا يرجع إلى العرف، فما جرى العرف بأنها تخدم زوجها فيه وجب عليها خدمته فيه، وما لم يجرِ به العرف لم يجب عليها، ولا يجوز للزوج أن يلزم زوجته بخدمة أمه أو أبيه أو أن يغضب عليها إذا لم تقم بذلك، وعليه أن يتقي الله ولا يستعمل قوته، فإن الله تعالى فوقه، وهو العلي الكبير ، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [سورة النساء: ٣٥] " (١).
الثاني: القائلين بعدم وجوب خدمة المرأة زوجها لهم أدلة أخرى غير ما ذُكر، وليس المقام بأن تُذكر وتُناقش، وإنما يُكتفى بالدليل أو العلة التي ذكرها القاسمي ﵀ عنهم (٢).
• النتيجة:
بعد عرض ما تقدم من أقوال أهل العلم والمفسرين في هذه المسألة، يظهر أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من وجوب خدمة المرأة زوجها إذا أمرها، لدلالة الكتاب والسنة المتقدمة، وبعض كلام أهل العلم، والله أعلم.
стр. 243
١٩ - قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٦].
قال القاسمي: أخذ بعض المفسرين يحاول البحث بأن عنوان نفي الجناح- عما ذكر هنا- يفيد ثبوته فيما عداه، مع أنه لا جناح أيضا فيه. وتكلف للجواب- سامحه الله- (١) ولا يخفاك أن مثل هذا العنوان كثيرا ما يراد به في التنزيل الترخيص والتسهيل (٢).
• أقوال أهل العلم في المراد من نفي الجُناح في الآية:
القول الأول: أن المراد من نفي الجناح: نفي ثبوت إيجاب المهر.
القول الثاني: أن المراد من نفي الجُناح: نفي الإثم والحرج.
أصحاب القول الأول:
الزمخشري: "أي: لا تبعة عليكم من إيجاب مهر ﴿إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ ما لم تجامعوهن أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ إلا أن تفرضوا لهن فريضة، أو حتى تفرضوا، وفرض الفريضة: تسمية المهر. وذلك أن المطلقة غير المدخول بها إن سمى لها مهر فلها نصف المسمى، وإن لم يسم لها فليس لها نصف مهر المثل ولكن المتعة. والدليل على أن الجناح تبعة المهر قوله: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ فقوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾: إثبات للجناح المنفي ثمة" (٣).
الرازي: " المراد من الجناح في هذه الآية لزوم المهر، فتقدير الآية: لا مهر عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة، بمعنى: لا يجب المهر إلا بأحد هذين
стр. 244
الأمرين، فإذا فقدا جميعا لم يجب المهر" (١).
البيضاوي: "لا تبعة من مهر" (٢).
الشوكاني: "المراد بالجناح هنا: التبعة من المهر ونحوه، فرفعه رفع لذلك، أي: لا تبعة عليكم بالمهر ونحوه إن طلقتم النساء على الصفة المذكورة" (٣).
أصحاب القول الثاني:
الطبري: " ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: لا حرج عليكم إن طلقتم النساء، يقول: لا حرج عليكم في طلاقكم نساءكم وأزواجكم ما لم تمسوهن، يعني بذلك: ما لم تجامعوهن. والمماسة في هذا الموضوع كناية عن اسم الجماع" (٤).
السمرقندي: " لا جناح عليكم، أي لا حرج عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن" (٥).
القرطبي: " إخبار برفع الحرج عن المطلق قبل البناء والجماع، فرض مهرا أو لم يفرض" (٦).
ابن عاشور: "لا يعرف إطلاق الجناح على غير معنى الإثم، ولذلك حمله جمهور المفسرين هنا على نفي الإثم في الطلاق (٧).
стр. 245
• دراسة المسألة:
ذكر القاسمي في تفسير هذه الآية أن من المفسرين من قال بأن نفي الجناح في هذه الآية محصور على الطلاق في أمرين فقط وهما: ما لم يقع مسيس أو مالم يُفرض الفرض كما هو ظاهر الآية.
وتعَقُّبه على هذا التأويل بناء على المشهور من المراد من نفي الجُناح: وهو نفي الحرج أو نفي الإثم، وأن المراد من نفي الجناح الترخيص والتسهيل.
وظاهر كلام المُتقدم ذكرهم - أصحاب القول الأول- يُريدون من نفي الجناح: لا تبعة من إيجاب مهر إذا لم يقع مسيس أو فرض مهر، وليس الوقوع في الإثم والحرج بالطلاق.
وبناءً على عرض ما تقدم من كلام المُفسرين، يظهر أنه لا تعارض بين أقوالهم، فيجوز أن يكون المراد: لا إثم عليكم ولا حرج إن طلقتم النساء سواء دخلتم بهن أو لم تدخلوا بهن، فرضتم لهن فريضة من مهر أو لم تفرضوا لهن، ويجوز أن يكون المراد: لا تبعة عليكم من مهر مالم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة.
ويؤيد ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد من الجناح: التبعة من المهر ونحوه، ما يلي:
أولاً: من حيث اللغة: "أن أصل الجناح في اللغة هو الثقل، يقال: أجنحت السفينة إذا مالت لثقلها والذنب يسمى جناحا لما فيه من الثقل، قال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [سورة العنكبوت: ١٣] إذا ثبت أن الجناح هو الثقل، ولزوم أداء المال ثقل فكان جناحا، فثبت أن اللفظ محتمل له" (١).
ثانيًا: ظاهر قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ أن نفي الجناح محدودا إلى غاية وهي إما المسيس أو الفرض، والتقدير:
стр. 246
فوجب أن يثبت ذلك الجناح عند حصول أحد هذين الأمرين ثم إن الجناح الذي يثبت عند أحد هذين الأمرين هو لزوم المهر، فوجب القطع بأن الجناح المنفي في أول الآية هو لزوم المهر (١).
ثالثًا: سياق الآية التي بعدها وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [سورة البقرة: ٢٣٧] فقد أوجب الله تعالى فيها نصف المفروض وهذا القسم كالمقابل لذلك القسم - يعني الحكم في الآية التي قبلها- فيلزم أن يكون الجناح المنفي هناك هو المثبت هاهنا، فلما كان المثبت هاهنا هو لزوم المهر وجب أن يقال: الجناح المنفي هناك هو لزوم المهر والله أعلم" (٢).
رابعًا: لو كان المراد من نفي الجناح: نفي الإثم أو الحرج فلماذا خص الله تعالى المطّقة قبل المسيس، والمُطلّقة قبل فرض الفرض فقط؟ وجميع أنواع المُطلّقات لا إثم في طلاقهن، وبهذا يُعلم أن العلة في تحصيصهم في الآية لما يترتب عليه انتفاء المهر.
يقول ابن جرير الطبري: "وإنما عنى الله تعالى ذكره بقوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ المطلقات قبل الإفضاء إليهن في نكاح قد سمي لهن فيه الصداق. وإنما قلنا إن ذلك كذلك، لأن كل منكوحة فإنما هي إحدى اثنتين إما مسمى لها الصداق، أو غير مسمى لها ذلك، فعلمنا بالذي يتلو ذلك من قوله تعالى ذكره أن المعنية بقوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ إنما هي المسمى لها؛ لأن المعنية بذلك لو كانت غير المفروض لها الصداق لما كان لقوله: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ معنى معقول، إذ كان لا معنى لقول قائل: لا جناح عليكم إذا طلقتم النساء ما لم تفرضوا لهن فريضة في نكاح لم تماسوهن فيه أو ما لم تفرضوا لهن فريضة. فإذ كان لا معنى لذلك، فمعلوم أن الصحيح من التأويل في ذلك: لا جناح عليكم إن طلقتم المفروض لهن من نسائكم الصداق
стр. 247
قبل أن تماسوهن، وغير المفروض لهن قبل الفرض" (١).
رابعًا: أن القول بأن معنى الجناح في هذه الآية: المهر، لا يتعارض مع ما ذهب إليه كثير من المفسرين من أن المراد من الجناح الحرج، بمعنى: لا حرج عليكم، فكلاهما فيه حرج من حيث لزوم دفع المال.
ويؤيد ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن المراد من الجناح: الحرج أو الإثم، اللغة:
فالمفهوم الاصطلاحي للجُناح هو: الإثم والحرج. وقد ورد بمعنيين:
المعنى الأول: الحرج، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٥] ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾.
المعنى الثاني: الإثم، كما جاء في قوله تعالى ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾ [سورة الأحزاب: ٥٥] سمى به لأنه مائل بالإنسان عن الحق (٢).
• النتيجة:
بعد إيراد أقوال المفسرين في هذه المسألة، والأدلة الدالة على إطلاق نفي الجُناح على نفي الحرج والإثم، والأدلة الدالة على إطلاق نفي الجُناح على التبعة في دفع المهر، يظهر أنه لا تعارض بين أقوالهم.
وما ذكره الرازي من أوجه تؤيد المراد من أن المراد بالجناح في هذه الآية: لزوم المهر، معتبرة وليس فيها تكلف كما قال القاسمي ﵀، والله أعلم.
стр. 248
٢٠ - قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ [سورة البقرة: ٢٣٦].
قال القاسمي: تكلف بعض بجعل (أو) بمعنى (إلا) أو (حتى) وجعل الحرج بمعنى المهر مع أن الآية بينة بنفسها لا حاجة إلى أن تتجاذبها أطراف هذه الأبحاث. وعدولهم عن أقرب مما سلكوه- أعني كون (أو) بمعنى الواو- مع شيوعها في آيات كثيرة- عجيب، وأعجب منه تخطئة من جنح لهذا الأقرب، مع أن مما يرشحه مساق الآية بعدها (١).
• أقوال أهل العلم في معنى (أو) في قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾:
القول الأول: أن (أو) بمعنى: (إلا) أو (حتى)، أي: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن إلا أن تفرضوا لهن فريضة، أو حتى تفرضوا لهن فريضة.
القول الثاني: أن (أو) بمعنى: الواو، تفيد العطف وتفيد التخيير بحسب الموضع.
أصحاب القول الأول:
الزمخشري: " ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ إلا أن تفرضوا لهن فريضة، أو حتى تفرضوا، وفرض الفريضة: تسمية المهر" (٢).
الرازي: " ذكر كثير من المفسرين أن ﴿أَوْ﴾ هاهنا بمعنى الواو، ويريد: ما لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة، كقوله: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [سورة الصافات: ١٤٧] وأنت إذا تأملت
стр. 249
فيما لخصناه علمت أن هذا التأويل متكلف، بل خطأ قطعا والله أعلم" (١).
أبو السعود: " ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ أي: إلا أن تفرضوا لهن، أو حتى تفرضوا لهن عند العقد مهرا على أن فريضة فعلية بمعنى مفعول والتاء لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية وانتصابه على المفعولية" (٢).
أصحاب القول الثاني:
الجرجاني (٣): " ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ﴾ ﴿أَوْ﴾ بمعنى الواو" (٤).
ابن جزي: " ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ﴾ ﴿أَوْ﴾ فيه بمعنى الواو" (٥).
السمعاني: في تفسير قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ "تقديره: ولم تمسوهن، ولم تفرضوا لهن فريضة" (٦).
البغوي: "أي: ولم تمسوهن ولم تفرضوا" (٧).
العثيمين: " ﴿أَوْ﴾ هنا على القول الراجح حرف عطف على ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ " (٨).
стр. 250
• دراسة المسألة:
من خلال ما تقدم من أقوال المفسرين، وبعد البحث والنظر، يتبين أن لكل فريق أوجه تؤيد ما ذهب إليه:
فالمعنى على القول الأول: أنه ينتفي الجناح عند انتفاء الجماع، إلا إن فُرض لها مهر، فلا ينتفي الجناح وإن انتفى الجماع، لأنه استثنى من الحالات التي ينتفي فيها الجناح حالة فرض الفريضة، فيَثبت فيها الجناح.
والمعنى على القول الثاني: أنه ينتفي الجناح بانتفاء الجماع وتسمية المهر معا، فإن وُجد الجماع وانتفت التسمية فلها مهر المثل، وإن انتفى الجماع ووجدت التسمية فنصف المسمى، فيَثبت الجناح إذ ذاك في هذين الوجهين، وينتفي بانتفائهما، ويكون الجناح إذ ذاك يُطلَق على ما يلزم المطلِّق باعتبار هاتين الحالتين (١).
والمتأمل في المعنيين يجد أن مؤداهمها: أن الجُناح ينتفي مالم يقع مسيس أو تسمية فرض، ويثبت بثبوتهما أو أحدهما، فلا تعارض بينهما، والله أعلم. ولكل قول أوجه تؤيد ما ذهب إليه:
أوجه بيان أن (أو) بمعنى: (إلا) أو بمعنى: (حتى):
أولا: من حيث اللغة: فـ (أو) في النحو تارة بمعنى: إلا أن؛ لأنها في معنى قولهم: هو قاتلي أو أفتدي منه، وقولك: لألزمنك أو تعطيني حقي، أي: إلا أن تعطيني حقي، وأخرى بمعنى حتى؛ لأنه فسر قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ بلا تبعة مهر عليكم، وهو دال على جواب الشرط، أي: ما لم تمسوهن، فالمعنى: ما لم تمسوهن لا مهر عليكم، إلا أن تفرضوا لهن، أو: حتى تفرضوا لهن فريضة، فحينئذ يجب المهر (٢).
ثانيًا: من حيث الظاهر: أن قوله تعالى: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾: بمعنى إلا أن تفرضوا لهن فريضة، أو حتى تفرضوا، وفرض الفريضة: تسمية المهر، لأن المطلقة قبل