← Тафсир

Тафсир · id 30149

تعقبات جمال الدين القاسمي على من سبقه من خلال كتابه محاسن التأويل

عبد الرحمن الحسن

Полный текст (1 202 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

فوجب أن يثبت ذلك الجناح عند حصول أحد هذين الأمرين ثم إن الجناح الذي يثبت عند أحد هذين الأمرين هو لزوم المهر، فوجب القطع بأن الجناح المنفي في أول الآية هو لزوم المهر (١). ثالثًا: سياق الآية التي بعدها وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [سورة البقرة: ٢٣٧] فقد أوجب الله تعالى فيها نصف المفروض وهذا القسم كالمقابل لذلك القسم - يعني الحكم في الآية التي قبلها- فيلزم أن يكون الجناح المنفي هناك هو المثبت هاهنا، فلما كان المثبت هاهنا هو لزوم المهر وجب أن يقال: الجناح المنفي هناك هو لزوم المهر والله أعلم" (٢). رابعًا: لو كان المراد من نفي الجناح: نفي الإثم أو الحرج فلماذا خص الله تعالى المطّقة قبل المسيس، والمُطلّقة قبل فرض الفرض فقط؟ وجميع أنواع المُطلّقات لا إثم في طلاقهن، وبهذا يُعلم أن العلة في تحصيصهم في الآية لما يترتب عليه انتفاء المهر. يقول ابن جرير الطبري: "وإنما عنى الله تعالى ذكره بقوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ المطلقات قبل الإفضاء إليهن في نكاح قد سمي لهن فيه الصداق. وإنما قلنا إن ذلك كذلك، لأن كل منكوحة فإنما هي إحدى اثنتين إما مسمى لها الصداق، أو غير مسمى لها ذلك، فعلمنا بالذي يتلو ذلك من قوله تعالى ذكره أن المعنية بقوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ إنما هي المسمى لها؛ لأن المعنية بذلك لو كانت غير المفروض لها الصداق لما كان لقوله: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ معنى معقول، إذ كان لا معنى لقول قائل: لا جناح عليكم إذا طلقتم النساء ما لم تفرضوا لهن فريضة في نكاح لم تماسوهن فيه أو ما لم تفرضوا لهن فريضة. فإذ كان لا معنى لذلك، فمعلوم أن الصحيح من التأويل في ذلك: لا جناح عليكم إن طلقتم المفروض لهن من نسائكم الصداق

стр. 247

قبل أن تماسوهن، وغير المفروض لهن قبل الفرض" (١). رابعًا: أن القول بأن معنى الجناح في هذه الآية: المهر، لا يتعارض مع ما ذهب إليه كثير من المفسرين من أن المراد من الجناح الحرج، بمعنى: لا حرج عليكم، فكلاهما فيه حرج من حيث لزوم دفع المال. ويؤيد ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن المراد من الجناح: الحرج أو الإثم، اللغة: فالمفهوم الاصطلاحي للجُناح هو: الإثم والحرج. وقد ورد بمعنيين: المعنى الأول: الحرج، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٥] ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾. المعنى الثاني: الإثم، كما جاء في قوله تعالى ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾ [سورة الأحزاب: ٥٥] سمى به لأنه مائل بالإنسان عن الحق (٢). • النتيجة: بعد إيراد أقوال المفسرين في هذه المسألة، والأدلة الدالة على إطلاق نفي الجُناح على نفي الحرج والإثم، والأدلة الدالة على إطلاق نفي الجُناح على التبعة في دفع المهر، يظهر أنه لا تعارض بين أقوالهم. وما ذكره الرازي من أوجه تؤيد المراد من أن المراد بالجناح في هذه الآية: لزوم المهر، معتبرة وليس فيها تكلف كما قال القاسمي ﵀، والله أعلم.

стр. 248

٢٠ - قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ [سورة البقرة: ٢٣٦]. قال القاسمي: تكلف بعض بجعل (أو) بمعنى (إلا) أو (حتى) وجعل الحرج بمعنى المهر مع أن الآية بينة بنفسها لا حاجة إلى أن تتجاذبها أطراف هذه الأبحاث. وعدولهم عن أقرب مما سلكوه- أعني كون (أو) بمعنى الواو- مع شيوعها في آيات كثيرة- عجيب، وأعجب منه تخطئة من جنح لهذا الأقرب، مع أن مما يرشحه مساق الآية بعدها (١). • أقوال أهل العلم في معنى (أو) في قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾: القول الأول: أن (أو) بمعنى: (إلا) أو (حتى)، أي: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن إلا أن تفرضوا لهن فريضة، أو حتى تفرضوا لهن فريضة. القول الثاني: أن (أو) بمعنى: الواو، تفيد العطف وتفيد التخيير بحسب الموضع. أصحاب القول الأول: الزمخشري: " ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ إلا أن تفرضوا لهن فريضة، أو حتى تفرضوا، وفرض الفريضة: تسمية المهر" (٢). الرازي: " ذكر كثير من المفسرين أن ﴿أَوْ﴾ هاهنا بمعنى الواو، ويريد: ما لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة، كقوله: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [سورة الصافات: ١٤٧] وأنت إذا تأملت

стр. 249

فيما لخصناه علمت أن هذا التأويل متكلف، بل خطأ قطعا والله أعلم" (١). أبو السعود: " ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ أي: إلا أن تفرضوا لهن، أو حتى تفرضوا لهن عند العقد مهرا على أن فريضة فعلية بمعنى مفعول والتاء لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية وانتصابه على المفعولية" (٢). أصحاب القول الثاني: الجرجاني (٣): " ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ﴾ ﴿أَوْ﴾ بمعنى الواو" (٤). ابن جزي: " ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ﴾ ﴿أَوْ﴾ فيه بمعنى الواو" (٥). السمعاني: في تفسير قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ "تقديره: ولم تمسوهن، ولم تفرضوا لهن فريضة" (٦). البغوي: "أي: ولم تمسوهن ولم تفرضوا" (٧). العثيمين: " ﴿أَوْ﴾ هنا على القول الراجح حرف عطف على ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ " (٨).

стр. 250

• دراسة المسألة: من خلال ما تقدم من أقوال المفسرين، وبعد البحث والنظر، يتبين أن لكل فريق أوجه تؤيد ما ذهب إليه: فالمعنى على القول الأول: أنه ينتفي الجناح عند انتفاء الجماع، إلا إن فُرض لها مهر، فلا ينتفي الجناح وإن انتفى الجماع، لأنه استثنى من الحالات التي ينتفي فيها الجناح حالة فرض الفريضة، فيَثبت فيها الجناح. والمعنى على القول الثاني: أنه ينتفي الجناح بانتفاء الجماع وتسمية المهر معا، فإن وُجد الجماع وانتفت التسمية فلها مهر المثل، وإن انتفى الجماع ووجدت التسمية فنصف المسمى، فيَثبت الجناح إذ ذاك في هذين الوجهين، وينتفي بانتفائهما، ويكون الجناح إذ ذاك يُطلَق على ما يلزم المطلِّق باعتبار هاتين الحالتين (١). والمتأمل في المعنيين يجد أن مؤداهمها: أن الجُناح ينتفي مالم يقع مسيس أو تسمية فرض، ويثبت بثبوتهما أو أحدهما، فلا تعارض بينهما، والله أعلم. ولكل قول أوجه تؤيد ما ذهب إليه: أوجه بيان أن (أو) بمعنى: (إلا) أو بمعنى: (حتى): أولا: من حيث اللغة: فـ (أو) في النحو تارة بمعنى: إلا أن؛ لأنها في معنى قولهم: هو قاتلي أو أفتدي منه، وقولك: لألزمنك أو تعطيني حقي، أي: إلا أن تعطيني حقي، وأخرى بمعنى حتى؛ لأنه فسر قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ بلا تبعة مهر عليكم، وهو دال على جواب الشرط، أي: ما لم تمسوهن، فالمعنى: ما لم تمسوهن لا مهر عليكم، إلا أن تفرضوا لهن، أو: حتى تفرضوا لهن فريضة، فحينئذ يجب المهر (٢). ثانيًا: من حيث الظاهر: أن قوله تعالى: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾: بمعنى إلا أن تفرضوا لهن فريضة، أو حتى تفرضوا، وفرض الفريضة: تسمية المهر، لأن المطلقة قبل

стр. 251

الدخول بها إن سمي لها مهر، فلها نصف المهر المسمى، وإن لم يسم، فليس لها نصف مهر المثل، ولكن المتعة (١). ثالثًا: أنه لا تبعة على المطلق بمطالبة المهر أصلا إذا كان الطلاق قبل المسيس على كل حال إلا في حال تسمية المهر فإن عليه حينئذ نصف المسمى وفي حال عدم تسميته عليه المتعة لا نصف مهر المثل وأما إذا كان بعد المساس فعليه في صورة التسمية تمام المسمى وفي صورة عدمها تمام مهر المثل (٢). رابعًا: أن التقييد في الآية وهو: المسيس أو الفرض ينتهي برفع قيده. قال الآلوسي: "كأنه قيل: أنتم ما لم تمسوهن بغير جناح وتبعة إلا إذا- فرضت الفريضة- فيكون الجناح لأن المقيد في المعنى ينتهي برفع قيده فتأمل (٣). خامسًا: أن جعل ﴿أَوْ﴾ بمعنى: الواو في الآية، يوهم تقدير حرف النفي فيصير ما لم تمسوهن وما لم تفرضوا فيكون الشرط حينئذ أحد النفيين لا نفي أحد الأمرين فيلزم أن لا يجب المهر إذا عدم المسيس ووجد الفرض أو عدم الفرض ووجد المسيس، ولا يخفى أنه غير وارد (٤). أوجه بيان أن (أو) بمعنى: الواو: أولا: نظائر الآيات: فقد تكون «أو» بمعنى الواو. كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [سورة الصافات: ١٤٧] أي وكفورا. وقوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ [سورة الأعراف: ٣] " أي وهم قائلون. وقوله: " ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [سورة الصافات: ١٤٧] " أي ويزيدون (٥).

стр. 252

ثانيًا: من حيث الظاهر: أنه تعالى عطف عليها بعد ذلك المفروض لها فقال: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [سورة البقرة: ٢٣٧]. فلو كان الأول لبيان طلاق المفروض لها قبل المسيس لما كرره (١). ثالثًا: من حيث اللغة: (أَوْ) في نحو هذا الموضع تفيد ما يفيد الواو على وجه، وذلك أنه إذا قيل: افعل كذا إن جاءك زيد أو عمرو، يقتضي أن تفعله إذا جاء أحدهما، ولا شك أنه يحتاج أن يفعله إذا جاءا جميعاً؛ لأنه قد جاء أحدهما وزيادة، وعلى هذا قال النحويون: جالس الحسن أو ابن سيرين يقتضي أنه إذا جالسهما فقد امتثل، وعلى هذا قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [سورة النساء: ٤٣] فظاهر الآية يقتضي أنه إن لم يكن لها مسيس أو لم يكن لها فرض أو لم يكن الأمران فلها المتعة، فكأنه قيل: إذا طلقتموهن ولم يحصل الأمران: المسيس والفرض، أو حصل المسيس ولم يحصل الفرض، فمتعوهن (٢). رابعًا: من حيث اللغة أيضًا: أن (أَوْ) في قوله: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ عاطفة على ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ المنفي، و (أو) إذا وقعت في سياق النفي تفيد مفاد واو العطف فتدل على انتفاء المعطوف والمعطوف عليه معا، ولا تفيد المفاد الذي تفيده في الإثبات، وهو كون الحكم لأحد المتعاطفين (٣). خامسًا: من حيث اللغة أيضًا: أن مفاد «أو» في الإثبات نظير مفاد النكرة وهو الفرد المبهم، فإذا دخل النفي استلزم نفي الأمرين جميعا، ولهذا كان المراد في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [سورة الإنسان: ٢٤] النهي عن طاعة كليهما، لا عن طاعة أحدهما دون الآخر (٤).

стр. 253

تنبيهات: الأول: لا يتوهم أن صاحب الكشاف أهمل تقدير العطف لعدم استقامته، بل لأن غيره هنا أوضح وأنسب، فقوله: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ بمعنى (إلا) أو (حتى)، أبعد عن الخفاء في دلالة (أو) العاطفة في سياق النفي (١). الثاني: ذُكرت معاني أخرى في المراد من (أو) في الآية غير ما ذكر، من كونها على بابها من كونِها لأحد الشيئين، أو أن في الكلام جملةٍ محذوفةٍ تقديره: «فَرَضْتُم أو لم تَفْرِضُوا» (٢)، وليس المقام يحسن بإيراد تلك المعاني والحديث فيها، وإنما يُكتفى بتعقب القاسمي ﵀ وذكر اختياره. الثالث: انتقد بعض أهل التفسير على من قال بأن المراد من (أو) العطف بالواو، أو بمعنى (إلا) أو بمعنى (حتى) ووصفه بالتعسف، ومن التطويل الذي لا وجه له، لوضوح المراد من الآية (٣). • النتيجة: بعد عرض ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، والأوجه التي تؤيد كل قول، يظهر والله أعلم أنه لا تعارض بينها، فمن جعل (أو) بمعنى (إلا) أو (حتى) في الآية يؤيده ظاهر الآية واللغة كما تقدم، ومن جعل (أو) بمعنى الواو كذلك، والمؤدى واحد. فتعقب القاسمي ﵀ على من جعل (أو) بمعنى (إلا) أو (حتى) ووصفه أنه من التكلف غير مُسلَّم، والله أعلم.

стр. 254

٢١ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)﴾ [سورة البقرة: ٢٣٩]. قال القاسمي: "هذه الآية قد أطلقت الخوف. فيدخل فيه أي مخافة من عدو أو سبع أو جمل صائل، وهذا قول الأكثر. وشذ قول الوافي (١) وبعض الظاهرية: إن الخوف مختص بأن يكون من آدمي" (٢). • أقوال أهل العلم في المراد بالخوف من الآية من حيث العموم أو الخصوص بالآدمي: القول الأول: أن الخوف عام في أي مخافة، سواء كانت من عدو أو سبع أو جمل صائل. القول الثاني: أن الخوف مختص بأن يكون من آدمي. أصحاب القول الأول: الطبري: "ولم يخص الخوف على ذلك على نوع من الأنواع" (٣). الزمخشري: "فإن كان بكم خوف من عدو أو غيره، وهذا القول أصح لأن هذا الحكم ثابت عند حصول الخوف، سواء كان الخوف من العدو أو من غيره" (٤). ابن عطية: " هذه هي صلاة الفذ الذي قد ضايقه الخوف على نفسه في حال المسايفة أو من سبع يطلبه أو عدو يتبعه أو سيل يحمله، وبالجملة فكل أمر يخاف منه على روحه فهو

стр. 255

مبيح ما تضمنته هذه الآية " (١). البيضاوي: " ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ من عدو أو غيره" (٢). أصحاب القول الثاني: الوافي وبعض الظاهرية كما يقول القاسمي ﵀. • دراسة المسألة: من خلال عرض ما تقدم من أقوال المفسرين في الآية نجد أن أكثرهم ينصون على أن الخوف عام في كل مخافة سواء كان من آدمي أو سبع أو غير، ويُفهم من قول غيرهم من المفسرين وإن لم ينص على هذا العموم. ومما يدل على أن الخوف المذكور في هذه الآية عام في كل مخوف ما يلي: أولا: أن الأصل في الألفاظ العموم، إلا بدليل يصرف المعنى العام الذي أفاده اللفظ إلى معنى خاص، ولا دليل، والله أعلم. ثانيًا: أن الله تعالى لم يذكر ما يخاف منه، ليشمل الخوف من كافر وظالم وسبع، وغير ذلك من أنواع المخاوف" (٣). ثالثًا: أن حال الخوف قد تكون في حال الحرب، وقد تكون في غيرها كهجوم وحش مفترس، فيبقى الخوف على عمومه (٤). رابعًا: أن العلة من صلاة الخوف هي دفع الضرر، وهذه العلة ثابتة في حال قتال العدو

стр. 256

وفي حال صول السبع وغيره، فوجب أن يكون الحكم فيهما واحد (١). خامسًا: بالنظر إلى قول عامة الفقهاء من المذاهب الأربعة في هذه المسألة نجد أنهم ينصون على أن الصلاة على الدابة تجوز إن كانت المخافة من عدو أو سبع أو غير ذلك (٢). تنبيهان: الأول: نسب القاسمي ﵀ لبعض الظاهرية القول بأن الخوف المذكور في الآية مختص بأن يكون من آدمي، وكما هو معلوم أن إمام أهل الظاهر هو ابن حزم ﵀، ولم يقل بهذا التخصيص، بل قال: " ولم يخص خوفا من خوف؛ فلا يجوز تخصيصه أصلا" (٣). ولعل القاسمي ﵀ يُريد ناسًا آخرين من أهل الظاهر، الله أعلم بهم. الثاني: فرَّق الإمام مالك ﵀ بين خوف العدو المقاتل وبين خوف السبع ونحوه بأن استحب في غير خوف العدو الإعادة في الوقت إن وقع الأمن، وأكثر فقهاء الأمصار على أن الأمر سواء (٤). • النتيجة: بعد عرض ما تقدم في هذه المسألة، يتبين أن الخوف الوارد في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ عام، فيعم الخوف من الآدمي أو السبع أو غير ذلك، كما تقدم من قول عامة المفسرين، والأدلة الدالة على ذلك وما أشير إليه من الفقهاء. وأن تخصيص الخوف بأن يكون من آدمي، فيه شذوذ كما وصف بذلك القاسمي ﵀، والله أعلم.

стр. 257

٢٢ - قوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)﴾ [سورة البقرة: ٢٧٥]. قال القاسمي: ومن أحل ما حرم الله فهو كافر. فلذا استحق الخلود. وبهذا تبين أن لا تعلق للمعتزلة بهذه الآية في تخليد الفساق. حيث بنوا على أن المتوعد عليه بالخلود العود إلى فعل الربا خاصة. ولا يخفى أنه لا يساعدهم على ذلك الظاهر الذي استدلوا به. فإن الذي وقع العود إليه محمول على ما تقدم. كأنه قال: ومن عاد إلى ما سلف ذكره، وهو فعل الربا واعتقاد جوازه والاحتجاج عليه بقياسه على البيع (١). • أقوال أهل العلم بتخليد الفاسقين في النار: القول الأول: أن الفاسق خلوده في النار أمدي، وليس أبدي، وأن الخلود في النار لمن استحل الربا لا بمجرد الفعل. القول الثاني: أن الفاسق خلوده في النار أبدي، وأن الخلود في النار عام لمن استحل الربا أو لم يستحل. أصحاب القول الأول: المفسرون من أهل السنة: البغوي: " ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ بعد التحريم إلى أكل الربا مستحلا له" (٢). الشوكاني: " ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ يعني: في الربا بعد التحريم فاستحله بقولهم: إنما البيع مثل الربا" (٣).

стр. 258

القنوجي: "الخلود مستعاراً على معنى المبالغة كما تقول العرب: مُلك خالد أي طويل البقاء، والمصير إلى هذا التأويل واجب للأحاديث المتواترة القاضية بخروج الموحّدين من النار" (١). السعدي: "وليس فيها - يعني الآية- حجة للخوارج، كغيرها من آيات الوعيد، فالواجب أن تصدق جميع نصوص الكتاب والسنة، فيؤمن العبد بما تواترت به النصوص، من خروج من في قلبه أدنى مثقال حبة خردل من الإيمان من النار" (٢). أصحاب القول الثاني: المعتزلة: الزمخشري: " ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ إلى الربا ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ وهذا دليل بين على تخليد الفساق" (٣). القاضي عبد الجبار: "فإن قيل: أفتقولون: إنهم يُخَلّلون في النار - يعني الفُسّاق- ويبقون فيها دائمًا أم يخرجون منها؟ قيل له: بل يُخلّدون فيها على ما أخبر الله في كتابه، فقال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [سورة النساء: ١٤]، وقال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [سورة النساء: ٩٣]، وقال: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾ [سورة الانفطار: ١٦] فبين الله تعالى أنهم لا يغيبون عنها" (٤).

стр. 259

• دراسة المسألة: من الأصول الفاسدة التي بنى المعتزلة عليه مذهبهم: إنفاذ الوعيد في الآخرة على أصحاب الكبائر، وأن الله لا يقبل فيهم شفاعة، ولا يخرج أحدا منهم من النار، فهم كفار خارجون عن الملة مخلدون في نار جهنم. قال الشهرستاني (١): "واتفقوا -أي المعتزلة- على أن المؤمن إذا خرج من الدنيا على طاعة وتوبة استحق الثواب والعوض، وإذا خرج من غير توبة عن كبيرة ارتكبها استحق الخلود في النار لكن يكون عقابه أخف من عقاب الكفار وسموا هذا النمط وعداً ووعيداً" (٢). ومن طريقة المبتدعة أنهم يحملون النصوص الشرعية على ما يُوافق مذهبهم وأهواءهم، ففي هذه الآية استدلوا على أن الفاسق مُخلد في النار. وقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة على أن الفاسق خلوده في النار أمدي، وليس أبدي، وهو تحت المشيئة، إن شاء الله عذَّبه وإن شاء غفر له. فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة النساء: ٤٨] رُوي عن ابن عمر أنه قال: "كنا نشهد لمن ارتكب الكبائر بالنار بهذه الآيات؛ حتى نزل قوله تعالى ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فتوقفنا" (٣). ومن السنة: ما أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي ذر ﵁ قال: "أتيت النبي ﷺ وعليه ثوب أبيض، وهو نائم، ثم أتيته وقد استيقظ، فقال: "ما من عبد قال: لا إله إلا الله،

стр. 260

ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق" (١). وهذا يعطي أن صاحب الإيمان مستحق للجنة وأن الذنوب لا تمنعه ذلك لكن قد يحصل له قبل الدخول نوع من العذاب؛ إما في الدنيا وإما في البرزخ وإما في العرصة وإما في النار (٢). وأما الإجماع: فقد حكاه ابن تيمية ﵀ فقال: " وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن عقوبة الذنوب تزول عن العبد بنحو عشرة أسباب: أحدها: التوبة، وهذا متفق عليه بين المسلمين" (٣). وقال السعدي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: "وقد علم بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة أن التوحيد والإيمان مانع من الخلود في النار، فلولا ما مع الإنسان من التوحيد لصار عمله صالحا للخلود فيها بقطع النظر عن كفره" (٤). مناقشة استدلال المعتزلة من الآية على تخليد الفاسق في النار: استدل المعتزلة على مذهبهم في إنفاذ الوعيد على العُصاة من المسلمين بالخلود في النار بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ والجواب على استدلالهم من أوجه: الوجه الأول: مُخالفة هذا الاستدلال لظاهر الآية: قال ابن المنير مُعقبًا على الزمخشري: "وهو يبنى على أن المتوعد عليه بالخلود العود إلى

стр. 261

فعل الربا خاصة، ولا يساعده على ذلك الظاهر الذي استدل به، فإن الذي وقع العود إليه مسكوت عنه في الآية. ألا تراه قال: ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ فلم يذكر المعود إليه، فيحمل على ما تقدم كأنه قال: ومن عاد إلى ما سلف ذكره ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، والذي سلف ذكره فعل الربا واعتقاد جوازه، والاحتجاج عليه بقياسه على البيع. ولا شك عندنا- أهل السنة والجماعة- أن من تعاطى معاملة الربا مستحلا لها مكابرا في تحريمها مسندا إحلالها إلى معارضة آيات الله البينات بما يتوهمه من الخيالات فقد كفر ثم ازداد كفرا، وإذا ذاك يكون الموعود بالخلود في الآية من يقال إنه كافر مكذب غير مؤمن، وهذا لا خلاف فيه، فلا دليل للزمخشري إدا على اعتزاله في هذه الآية، والله الموفق. وإنما هو موكل بتحميل الآيات من المعتقدات الباطلة ما لا تحتمله، وأنى له ذلك في الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد" (١). الوجه الثاني: مخالفة هذا الاستدلال لسياق الآيات بعدها: قال ابن الوزير: "وظاهرها في الكفار، لأنه قال في أولها: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾، وهذا الكلام يخُصُّ الكافرين، لأنه صريح الإنكار لتحريم الربا، والاحتجاج على الله تعالى بالقياس كما احتج الشيطان في تفضيل نفسه على آدمَ، وإنما الذي يَخُصُّ المؤمن من وعيد الربا قوله تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وليس فيه ذكر الخلود، على أنه من أشَدِّ وعيدٍ، وأعظم تهديد" (٢). الوجه الثالث: أن الوعيد المذكور في الآية من باب التغليظ في الوعيد وليس حمله على الخلود الأبدي للعصاة. قال ابن عاشور: "تمسك بظاهر هاته الآية ونحوها الخوارج القائلون بتكفير مرتكب الكبيرة كما تمسكوا بنظائرها. وغفلوا عن تغليظ وعيد الله تعالى في وقت نزول القرآن إذ

стр. 262

الناس يومئذ قريب عهدهم بكفر. ولا بد من الجمع بين أدلة الكتاب والسنة" (١). الوجه الرابع: أن استدلالهم بالآية يُخالف ما عليه عامة المفسرين من أن المراد: من عاد إلى أكل الربا مُعتقدا استحلاله، فهو الخالد في نار جهنم (٢). • النتيجة: من خلال عرض ما تقدم في هذه المسألة، يظهر جليًا أن لا تعلق للمعتزلة على ما ذهبوا إليه من إنفاذ الوعيد للعصاة بتخليدهم في نار جهنم، لما تقدم من أقوال أهل العلم والمفسرين، وما تقدم ذكره من الأدلة التي تدل على أن الفاسق تحت المشيئة، وأن الآية التي استدلوا بها فيمن استحل الربا لا بمجرد الفعل، والله أعلم. * * *

стр. 263

سورة آل عمران

стр. 264

سورة آل عمران ٢٣ - قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾ [سورة آل عمران: ٨٩]. قال القاسمي: من ثمرات الآية صحة التوبة من الكافر والعاصي بالردة وغيرها، وذلك إجماع. إلا توبة المرتد ففيها خلاف شاذ. فعند أكثر العلماء أن توبته مقبولة لهذا الآية وغيرها. وعند ابن حنبل لا تقبل توبته- رواه عنه في (شرح الإبانة) قيل (١) وهو غلط. لهذه الآية ولقوله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا﴾ [سورة النساء: ١٣٧]. فأثبت إيمانا بعد كفر تقدمه إيمان، ولو تكررت منه الردة صحت توبته أيضا عند جمهور العلماء (٢). • أقوال أهل العلم في قبول توبة المرتد: القول الأول: أن توبة المرتد مقبولة. القول الثاني: أن توبة المرتد غير مقبولة. أصحاب القول الأول: الطبري: " يعني: إلا الذين تابوا من بعد ارتدادهم عن إيمانهم، فراجعوا الإيمان بالله وبرسوله، وصدقوا بما جاءهم به نبيهم ﷺ من عند ربهم" (٣). القرطبي: " ويدخل في الآية بالمعنى كل من راجع الإسلام وأخلص" (٤).

стр. 265

أبو حيان: " أكثر الأقوال أنها نزلت في قوم ارتدوا ثم راجعوا الإسلام؟ ولذلك جاء الاستثناء وهو قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ وهو استثناء متصل، ولذلك قال من بعد ذلك أي: من بعد ذلك الكفر العظيم" (١). الشوكاني: " أي: من بعد الارتداد وأصلحوا بالإسلام ما كان قد أفسدوه من دينهم بالردة. وفيه دليل: على قبول توبة المرتد إذا رجع إلى الإسلام، مخلصا، ولا خلاف في ذلك فيما أحفظ" (٢). أصحاب القول الثاني: الحجاوي (٣): " ولا تقبل توبة من سب الله أو رسوله ولا من تكررت ردته بل يقتل بكل حال" (٤). البهوتي (٥): " (ولا تقبل) في الدنيا (توبة من سب الله) تعالى، (أو) سب (رسوله) سبا صريحا، أو تنقصه، (ولا) توبة (من تكررت ردته)، ولا توبة زنديق وهو المنافق الذي يظهر الإسلام ويخفي الكفر، (بل يقتل بكل حال)، لأن هذه الأشياء تدل على فساد عقيدته وقلة مبالاته بالإسلام" (٦). ابن بلبان (٧): " لا تقبل ظاهرا ممن سب الله او رسوله او تكررت ردته ولا من منافق

стр. 266

وساحر" (١). • دراسة المسألة: من خلال عرض ما تقدم من الأقوال في هذه المسألة، يظهر أن أصحاب القول الثاني وهم الحنابلة، يُخصصون عدم قبول توبة المُرتد فيمن تكررت ردته، وليس فيمن ارتد مرة ثم تاب ورجع إلى الإسلام. وقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة والأثر على قبول توبة المرتد: فمن الكتاب: عموم قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [سورة الأنفال: ٣٨]، فهذا عام فيمن دخل في الإسلام أو ارتد ثم أسلم. والقول بعدم قبول توبته معارض لقول الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة آل عمران: ٨٩]، ومعارض أيضًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا﴾ [سورة النساء: ١٣٧]، ووجه الاستدلال: أن الله تعالى أثبت في هذه الآية إيمانا بعد كفر تقدمه إيمان (٢). ومن السنة: ما أخرجه مسلم في صحيحه في حديث إسلام عمرو بن العاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال له: "أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟ وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ وأن الحج يهدم ما كان قبله؟ " (٣). وحديث: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول

стр. 267

الله" (١)، وإذا ثبت بهما إسلام الكافر الأصلي فكذا المرتد (٢). ومن الأثر: ما رواه ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عباس ﵁ أنه قال: ارتد رجل (٣) من الأنصار عن الإسلام فندم فأرسل إلى قومه: سلوا رسول الله ﷺ : هل لي من توبة؟ فسألوه، فأنزل الله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ حتى بلغ ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فكتبوا بها إليه، فرجع وأسلم (٤). فبناءً على هذه الأدلة ودلالة العموم فيها يظهر أن توبة المرتد مقبولة إن شاء الله تعالى، وإن تكررت ردته. تنبيهات: الأول: ما نسبه القاسمي ﵀ إلى الإمام أحمد بالقول بعدم قبول توبة المرتد، ليس على إطلاقه، فالإمام أحمد ﵀ رواية أخرى في قبول توبة المرتد. قال أحمد: المرتد يستتاب ثلاثاً، والمرأة المرتدة تستتاب ثلاثاً، والزنديق (٥). والقول بقبول توبة المرتد هو الذي عليه أكثر الحنابلة أو هو المقرر في المذهب (٦). بخلاف ظاهر ما ذكره القاسمي ﵀.

стр. 268

الثاني: إيراد القاسمي ﵀ لهذه المسألة، ووجه استدلاله على قبول توبة المرتد بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا﴾ [سورة النساء: ١٣٧] قريبًا منه قول الماتريدي (١) في تفسيره إذ يقول "فيه دليل أنه تقبل توبة المرتد إذا تاب، ليس -كما قال بعض الناس- أنه لا تقبل توبة المرتد؛ لأنه أثبت لهم الإيمان بعد الكفر والارتداد بقوله: ﴿آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا﴾ ثم كذا؛ فدل أنه إذا تاب يقبل منه (٢). الثالث: ظاهر كلام القاسمي ﵀ في تفسيره لهذه الآية أنه يميل إلى القول بقبول توبة المرتد وإن تكررت منه الردة، بينما في تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا﴾ قرر بأن دلالة الآية على ذلك في صورة عدم تكرار الردة، وأما معه، فلا (٣)، وسيأتي مزيد بيان إن شاء الله تعالى (٤). • النتيجة: بعد عرض ما تقدم من أقوال المفسرين وأهل العلم في هذه المسألة، يظهر جليًا أن الصواب هو قبول توبة المرتد، لما تقدم ذكره من الأدلة من الكتاب والسنة والأثر، وأن الخلاف في هذه المسألة شاذ كما يقول القاسمي ﵀. ولعل القائلين بعدم قبول توبة المرتد يُريدون بذلك من تكررت ردته، لا بمجرد وقوعه في الردة، والله أعلم.

стр. 269

٢٤ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [سورة آل عمران: ١٠٢]. قال القاسمي: زعم بعضهم أن هذه الجملة من الآية منسوخة بآية: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [سورة التغابن: ١٦]، متأولا ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ بأن يأتي العبد بكل ما يجب لله ويستحقه. قال: فهذا يعجز العبد عن الوفاء، فتحصيله ممتنع. وهذا الزعم لم يصب المحز، فإن كلا من الآيتين سيق في معنى خاص به، فلا يتصور أن يكون في هذه الجملة طلب ما لا يستطاع من التقوى، بل المراد منها دوام الإنابة له تعالى وخشيته وعرفان جلاله وعظمته قلبا وقالبا، كما بينا. وهذا من المستطاع لكل منيب (١). • أقوال أهل العلم في قوله تعالى: ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ من حيث الإحكام والنسخ: القول الأول: أن الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. القول الثاني: أن الآية مُحكمة وليست بمنسوخة. أصحاب القول الأول: قتادة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾: " نسختها هذه الآية التي في التغابن ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ "، وبنحو ذلك روي عن الربيع بن أنس، والسدي، وابن زيد، وغيرهم (٢). ابن أبي زَمَنِيْن (٣): " ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ هي مثل قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ

стр. 270

تُقَاتِهِ﴾ وهما منسوختان؛ نسختهما الآية التي في التغابن ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ " (١). الزجاج: "قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ منسوخ بقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ " (٢). ابن حزم: "قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ منسوخ بالآية التي في التغابن وهي قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ فكان هذا تيسرا من التعسير الأول وتخفيفا من التشديد الأول" (٣). أصحاب القول الثاني: ابن عباس ﵁: قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ «لم تنسخ، ولكن حق تقاته أن تجاهد في الله حق جهاده» وبنحو ذلك روي عن طاووس (٤). السمعاني: "قال أهل المعاني: لا يستقيم النسخ فيه، وقوله ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ تفسير لهذه الآية؛ لأن من أطاع الله في وقت وجوب الطاعة، وذكره في وقت وجوب الذكر، وشكره في موضع وجوب الشكر، فقد اتقى الله حق تقاته، وهذا لم يصر منسوخا" (٥). ابن عطية: " قالت جماعة من أهل العلم: لا نسخ في شيء من هذا، وهذه الآيات متفقات، فمعنى هذه: اتقوا الله حق تقاته فيما استطعتم، وذلك أن ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ هو

стр. 271

بحسب أوامره ونواهيه، وقد جعل تعالى الدين يسرا، وهذا هو القول الصحيح" (١). القرطبي: "قيل: إن قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ بيان لهذه الآية. والمعنى: فاتقوا الله حق تقاته ما استطعتم، وهذا أصوب، لأن النسخ إنما يكون عند عدم الجمع والجمع ممكن فهو أولى" (٢). • دراسة المسألة: من خلال النظر والتتبع في أقوال المفسرين وخلافهم في الآية من حيث الإحكام والنسخ، يظهر أن الصواب مع أصحاب القول الثاني وهو أن الآية مُحكمة وليست منسوخة، ويدل على ذلك ما يلي: أولا: ما تقدم من قول القاسمي ﵀ أن كلا من الآيتين سيق في معنى خاص به، فلا يتصور أن يكون في هذه الجملة طلب ما لا يستطاع من التقوى، بل المراد منها دوام الإنابة له تعالى وخشيته وعرفان جلاله وعظمته قلبا وقالبا. ثانيًا: أنه لا يستقيم النسخ فيه، فقوله ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ تفسير لهذه الآية؛ لأن من أطاع الله في وقت وجوب الطاعة، وذكره في وقت وجوب الذكر، وشكره في موضع وجوب الشكر، فقد اتقى الله حق تقاته. وهذا لم يصر منسوخا، وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ موافق له؛ لأن التقوى إن كان في موضع الأمر والوجوب، والأوامر والواجبات على قدر الاستطاعة، فتكون إحدى الآيتين موافقة للأخرى، فلا يستقيم فيه النسخ (٣). ثالثًا: الظاهر أن قوله: ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ من باب إضافة الصفة إلى موصوفها، كما تقول: ضربت زيدا شديد الضرب، أي: الضرب الشديد. فكذلك هذا أي اتقوا الله الاتقاء الحق، أي الواجب الثابت. أما إذا جعلت التقاة جمعا فإن التركيب يصير مثل: اضرب زيدا حق ضُرَّابه، فلا يدل هذا التركيب على معنى: اضرب زيدا كما يحق أن يكون ضرابه. بل

стр. 272

لو صرح بهذا التركيب لاحتيج في فهم معناه إلى تقدير أشياء يصح بها المعنى، والتقدير: اضرب زيدا ضربا حقا كما يحق أن يكون ضرب ضرابه. ولا حاجة تدعو إلى تحميل اللفظ غير ظاهره وتكلف تقادير يصح بها معنى لا يدل عليه ظاهر اللفظ (١). رابعًا: أن معنى قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أي: كما يحق أن يتقى، وذلك بأن تُجْتَنَبَ جميع معاصيه، ومثل هذا لا يجوز أن يُنْسخ؛ لأنه إباحة لبعض المعاصي، وإذا كان كذلك صار معنى هذه الآية ومعنى قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ واحداً؛ لأن من اتقى الله ما استطاع فقد اتقاه حق تقاته؛ ولأن حق تقاته ما استطاع من التقوى؛ لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها والوسع دون الطاقة، ونظير هذه الآية قوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [سورة الحج: ٧٨] (٢). خامسًا: غير جائز في حكمة الله وعدله ورأفته وفضله أن يتعبد خلقه بما لا تبلغه قدرتهم لأن هذا جور لا عدل، تعالى الله عن ذلك، بل قد أخبر أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها، فالآيتان متفقتان وكيف يأمرنا أن نطيعه ولا نعصيه والنبي المعبر عن الله يقول: "استقيموا ولن تحصوا" (٣)، أي لن تحيطوا بالاستقامة إلى جميع الطاعات فإذا كان هو لا يطيق أن يتقي الله حتى لا يعصيه فمن ذا الذي كان يقدر على ذلك؟ (٤). مناقشة دليل أصحاب القول الأول القائلين بأن الآية منسوخة: سبب القول بأن الآية منسوخة عند أصحاب القول الأول أنهم تأولوا قوله تعالى: ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ بأن يأتي العبد بكل ما يجب لله ويستحقه. قال: فهذا يعجز العبد عن الوفاء، فتحصيله ممتنع. وأيضا أنه لما نزلت هذه الآية شق ذلك عليهم، فقالوا: يا رسول الله ومن يقوى على

стр. 273

هذا؟ فأنزل الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [سورة التغابن ١٦] فنسخت هذه الآية (١). والجواب على هذا الاستدلال من أوجه: الأول: أن المراد من النسخ عند المتقدمين البيان تخصيص العام، وتقييد المطلق، وتبيين المجمل، وليس رفع الحكم (٢). يقول السخاوي: " فإن قولنا: نسخ وتخصيص، واستثناء اصطلاح وقع بعد ابن عباس ﵁، وكان ابن عباس يسمي ذلك نسخاً" (٣). والثاني: على فرض التسليم والاعتداد بقول من قال بنسخ الآية، فالجمع بين النصوص مقدم على النسخ. قال الحافظ ابن رجب (٤): "وإذا أمكن الجمع بينها والعمل بها كلها وجب ذلك، ولم يجز دعوى النسخ معهُ، وهذه قاعدة مطردة " (٥). الثالث: أن ابن عباس ﵁ له رواية أخرى في تفسير الآية مفادها: أن الآية لم تُنسخ، ومعنى ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾: أن تجاهد في الله حق جهاده. قال في تأويلها: ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يجاهدوا في سبيل الله حق جهاده، ولا يأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا لله بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم» (٦). وسببب الاختلاف يرجع إلى اختلاف المعنى المراد بها، فالمعتقد نسخها يرى أن ﴿حَقَّ

стр. 274

تُقَاتِهِ﴾ الوقوف مع جميع ما يجب له ويستحقه، وهذا يعجز الكل عن الوفاء به، فتحصيله من الواحد ممتنع، والمعتقد إحكامها يرى أن ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أداء ما يلزم العبد على قدر طاقته (١). • النتيجة: بعد عرض ما تقدم في هذه المسألة، يتبين أن الراجح في تفسير الآية أنها مُحكمة وليست منسوخة على المعنى المشهور عند أهل العلم من المفسرين، لما تقدم بيانه من الأوجه، والجواب على ما استدل به القائلين بالنسخ. وأن القائلين بالنسخ يُريدون بالنسخ من الآية: بيان المُجمل منها، والله أعلم.

стр. 275

٢٥ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [سورة آل عمران: ١٠٥]. قال القاسمي: ذكر بعض المفسرين، هنا، ما روي من حديث (اختلاف أمتي رحمة) (١)، ولا يعرف له سند صحيح، ورواه الطبراني والبيهقي في (المدخل) بسند ضعيف عن ابن عباس مرفوعا. قال بعض المحققين: هو مخالف لنصوص الآيات والأحاديث، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [سورة هود: ١١٩]. ونحوه قوله ﷺ : "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم" وغيره من الأحاديث الكثيرة. والذي يقطع به أن الاتفاق خير من الخلاف- انتهى- (٢). • المفسرون الذين أوردوا الحديث في تفسير الآية ولم يُنبهوا على ضعفه: ابن عطية: " وأما الافتراق في مسائل الفروع والفقه فليس يدخل في هذه الآية، بل ذلك، هو الذي قال فيه رسول الله ﷺ : «خلاف أمتي رحمة» " (٣). البيضاوي: " والأظهر أن النهي فيه مخصوص بالتفرق في الأصول دون الفروع لقوله ﵇ «اختلاف أمتي رحمة» " (٤). أبو السعود: " فالمنهي عنه إنما هو الاختلاف في الأصول دون الفروع إلا أن يكون مخالفا للنصوص البينة أو الإجماع لقوله ﵊: «اختلاف أمتي رحمة» " (٥).

стр. 276

• دراسة المسألة: بعد التأمل والنظر في الحديث وإسناده رواية ودراية يتبين جليًا أنه ضعيف وغير مقبول، وما كان ينبغي لبعض المفسرين أن يوردوه في تفسير الآية. فالحديث ضعيف من جهتين: الأولى: من جهة الرواية: أن هذا الحديث لا يُعرف له سند صحيح عن النبي ﷺ . الثانية: من جهة الدراية: أن هذا الحديث مخالف لنصوص الآيات والأحاديث التي تنهى عن الاختلاف والتفرق. أما الجهة الرواية: ففي إسناده ثلاث علل: الأولى: في إسناده سليمان بن ابي كريمة الصيداوي، ضعفهُ ابو حاتم الرازي (١). الأولى: أن في إسناده جويبر بن سَعِيد الأزدي وهو متروك الحديث كما قال النسائي والدارقطني (٢). الثانية: في إسناد الحديث انقطاع، فالضحاك لم يلق ابن عباس ﵁ (٣). قال الألباني: حديث " اختلاف أمتي رحمة " لا أصل له، ولقد جهد المحدثون في أن يقفوا له على سند فلم يوفقوا" (٤). وأما من جهة الدراية: فالحديث ضعيف من أربعة أوجه: الأول: معارضته لعموم نصوص الكتاب التي تدعو إلى الاجتماع والنهي عن الاختلاف، كقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ وقوله تعالى ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا

стр. 277

وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ وهذا يدل على أن الرحمة إنما ينالها الذين لم يختلفوا. وغير ذلك من الآيات. قال ابن القيم ﵀: " أنَّ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾، نكرة في سياق الشرط تعم كل ما تنازع فيه المؤمنون من مسائل الدين دقه وجله، جليه وخفيه " (١). الثاني: أن هذا الحديث يتعارض مع النصوص الصحيحة الصريحة من السنة النبوية كحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "فإِنَّما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم" (٢). وحديث: "إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب" (٣). وحديث: "الجماعة رحمة والفرقة عذاب" (٤). الثالث: معارضته للآثار الواردة عن بعض الصحابة، فقد روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: " الخلاف شر" (٥)، وقال علي ﵁: "اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الاختلاف" (٦). الرابع: معارضته للمعقول، فلو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطًا، وهذا لا شك في بطلانه. قال ابن حزم ﵀: "وهذا من أفسد قول يكون؛ لأنه لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطاً، وهذا ما لا يقوله مسلم؛ لأنه ليس إلا اتفاق أو اختلاف، وليس إلا

стр. 278

رحمة أو سخط، وأما الحديث المذكور فباطل مكذوب، من توليد أهل الفسق" (١). وقال المزني ﵀: "ولو كان الاختلاف رحمة، لكان الاجتماع عذاباً؛ لأن العذاب خلاف الرحمة" (٢). وهذا الوجه اعترض عليه الخطابي (٣) وغيره بقوله: " إن الشيء وضده قد يجتمعان في الحكمة، ويتفقان في المصلحة. ألا ترى أن الموت لم يكن فسادا، وإن كانت الحياة صلاحا، ولم يكن السقم سفها، وإن كانت الصحة حكمة، ولا الفرق خطأ، إذا كان الغنى صوابا … إلخ" (٤). وعلى التسليم بهذا الاعتراض، فلا يسلم الاختلاف مما يترتب عليه من نزاع وفرقة وبغضاء بحسب المُختلفين، والمُختَلَف فيه، وكذا ما يُسببه الخلاف من تسليط أعداء الله. يقول المقبلي ﵀: "والعجب ممن يقول "الاختلاف رحمة"، مع بيان الكتاب والسنة في غير موضع أنه عذاب وبلاء على هذه الأمة" (٥). ويقول ابن تيمية: "وبلاد الشرق من أسباب تسليط الله التتر عليها كثرة التفرق والفتن بينهم في المذاهب وغيرها" (٦). تنبيه: ما ذكره الخطابي ﵀ وغيره من أن حديث "اختلاف أمتي رحمة" محمول على الاختلاف في أحكام الفروع دون الأصول (٧) - على التسليم بصحة تقسيم الأحكام إلى

стр. 279

أصول وفروع- فمردود بما تقدم ذكره من الأدلة التي دلت بعمومها على ذم الاختلاف، والله أعلم. • النتيجة: بعد إيراد ما تقدم من أقوال أهل العلم في الحكم على حديث " اختلاف أمتي رحمة" يتبين جليًا أن الحديث شديد الضعف، رواية ودراية، لما تقدم ذكره من الأوجه التي تدل على ذلك، وما كان ينبغي لبعض المفسرين أن يوردوه في تفسيرهم للآية، والله أعلم.

стр. 280

٢٦ - قوله تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)﴾ [سورة آل عمران: ١٢٠]. قال الرازي: إطلاق لفظ (المحيط) على الله مجاز، لأن المحيط بالشيء هو الذي يحيط به من كل جوانبه، وذلك من صفات الأجسام، لكنه تعالى لما كان عالما بكل الأشياء، قادرا على كل الممكنات، جاز في مجاز اللغة أنه محيط بها، ومنه قوله: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [سورة البروج: ٢٠] (١). قال القاسمي: أقول: ما ذكره شبهة جهمية مبناها قياس صفة القديم على الحوادث، وأخذ خاصتها به، وهو قياس مع الفارق. والسمعيات تتلقى من عرف المتكلم بالخطاب، لا من الوضع المحدث. فليس لأحد أن يجعل الألفاظ التي جاءت في القرآن موضوعة لمعاني، ثم يريد أن يفسر مراد الله تعالى بتلك المعاني (٢). • أقوال أهل العلم في إثبات صفة الإحاطة لله : القول الأول: أن صفة الإحاطة ثابتة لله تعالى حقيقية، فالله تعالى محيط بالمخلوقات كلِّها بعلمه وقدرته، إحاطة تَليق بجلاله. القول الثاني: أن صفة الإحاطة ليست ثابتة لله تعالى حقيقية، وإنما هي مجاز عن العلم والقدرة. أصحاب القول الأول: وهم أهل السنة والجماعة: مقاتل بن حيان: " ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ يقول: أحاط علمه بأعمالهم" (٣). الطبري: " يقول جل ثناؤه: إن الله بما يعمل هؤلاء الكفار في عباده وبلاده من الفساد

стр. 281

والصد عن سبيله والعداوة لأهل دينه وغير ذلك من معاصي الله محيط بجميعه، حافظ له لا يعزب عنه شيء منه، حتى يوفيهم جزاءهم على ذلك كله ويذيقهم عقوبته عليه" (١). ابن تيمية: "والله تعالى محيط بالمخلوقات كلها إحاطة تليق بجلاله" (٢). السعدي: "يجعل الله مكرهم في نحورهم لأنه محيط بهم علمه وقدرته فلا منفذ لهم عن ذلك ولا يخفى عليهم منهم شيء" (٣). أصحاب القول الثاني: وهم المخالفون لأهل السنة من المعتزلة والأشاعرة: القاضي عبد الجبار: " ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ المراد إحاطة علمه بما نعمل، وذلك مشبه بالجسم المحيط بغيره، فكما أن ذلك الغير لا يخرج عما أحاط به فكذلك أعمالنا لا تخرج عن أن تكون معلومة لله وذلك من الله ترغيباً في عمل الخير والتحذير من المعاصي" (٤). الزمخشري: " ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ إحاطة الله بالكافرين مجاز. والمعنى أنهم لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط به حقيقة" (٥). الخفاجي: " ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ مجازاً عن قدرته عليهم ففيه استعارة، شبه اقتداره عليهم وكونهم في قبضة تصرّفه بإحاطة الجيش بالعدوّ بحيث لا يفوته ولا ينجيه منه حيلة وخداع" (٦). الآلوسي: " ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ إحاطته تعالى به مجاز تشبيها لحال قدرته الكاملة التي لا يفوتها المقدور أصلا بإحاطة المحيط بالمحاط بحيث لا يفوته، فيكون في الإحاطة

стр. 282

استعارة تبعية" (١). • دراسة المسألة: من أسباب الانحراف في الأسماء والصفات الذي يقع فيه أهل البدع، الخوف من تشبيه الله بخلقه، فهم أرادوا تنزيه الله تعالى عن مُشابهة المخلوقين، فَنَفَوا حقيقة الصفات الثابتة في الكتاب والسنة، ووقعوا في التعطيل. فأهل التأويل والتعطيل أمثال الفخر الرازي ومن معه أرادوا تنزيه الله تعالى عن مُشابهة خلقه، فعندما نظر في صفة الإحاطة وجد أن معناها الإحاطة من جميع الجوانب، فلو حُملت هذه الصفة على الحقيقة ستقتضي التجسيم وتشبيه الله تعالى بخلقه، فيجب أن تُحمل هذه الصفة على المجاز وليس الحقيقة، حتى لا يقع مُثبتها في التشبيه. فهو مع الأسف أراد الفرار من التشبيه فوقع في التعطيل، بسبب قياس صفات الرب ﵎ على صفات المخلوقين، فهو شبَّه أولا ثم عطَّل. فتعقّبه القاسمي ﵀ بأن ما ذكره شبهة جهمية مبناها قياس صفة القديم - وهو الله ﷻ على الحوادث - وهي المخلوقات- بأنه قياس مع الفارق، ففرق بين صفات الخالق وصفات المخلوقين، والسمعيات - وهي الآيات القرآنية والأحاديث النبوية- تُتلقّى من عرف المتكلم - وهو الله بأن يؤخذ بظاهرها أ و بالمعنى الظاهر الذي دلت عليه، لا من الوضع المحدث - وهو الشيء الجديد- فلا تأتي بالصفات التي تليق بالله تعالى وتجعل لها معاني تليق بالمخلوقين، وبالتالي تنفي حقيقة تلك الصفة خوفًا من التشبيه. والذي يظهر أن السر في نفي هؤلاء القوم لصفة الإحاطة من حيث الحقيقة: الهروب من إثبات صفة العلو، إذ يلزم من إثبات صفة الإحاطة أن يكون الله تعالى عالٍ على خلقه سبحانه، فلما كان مُحيطًا بهم كان عاليًا عليهم. قال ابن تيمية: " إذا كان مبايناً للعالم: فإما أن يقدر محيطاً به، أو لا يقدر محيطاً به، سواء قدر أنه محيط به دائماً، أو محيط به في بعض الأوقات، كما يقبض يوم القيامة ويطوي

стр. 283

السماوات، فإن قدر محيط به كان عالياً علو المحيط على المحاط به. وقد تقدم قولهم: (إن الفلك كري) فيلزم أن تكون الأفلاك محيطة بالأرض، فهي فوقها باتفاق العلماء، فما كان محيطاً بالجميع أولى بالعلو والارتفاع، وإن لم يكن مماثلاً لشيء من المخلوقات ولا مجانساً لأفلاك ولا غيرها" (١). وقال ابن القيم: "إنه إذا كان سبحانه مباينا للعالم فإما أن يكون محيطا به أو لا يكون محيطا به فإن كان محيطا به لزم علوه عليه قطعا ضرورة علو المحيط على المحاط به ولهذا لما كانت السماء محيطة بالأرض كانت عالية عليها" (٢). وصفة الإحاطة صفة حقيقة ذاتية ثابتة لله تعالى على الوجه اللائق به، من الكتاب والسنة: فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ [سورة الإسراء: ٦٠]، وقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [سورة فصلت: ٥٤] وقوله: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [سورة البروج: ٢٠]. قال ابن أبي العز: " وليس المراد من إحاطته بخلقه أنه كالفلك، وأن المخلوقات داخل ذاته المقدسة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وإنما المراد: إحاطة عظمته، وسعة علمه وقدرته، وأنها بالنسبة إلى عظمته كالخردلة" (٣). ومن السنة: حديث: "اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء" (٤). قال ابن تيمية: "لم يَجِئ هذا الاسم الباطن في قوله: وأنت الباطنُ فليس دونَك شيءٌ،

стр. 284

إلا مقرونًا بالاسم الظاهر الذي فيه ظهورُه وعُلوُّه، فلا يكون شيءٌ فوقَه؛ لأن مجموع الاسمينِ يدلَّان على الإحاطة والسَّعة، وأنه الظاهر فلا شيء فوقه، والباطن فلا شيء دونه" (١). وبهذا يتبين جليًا أن صفة الإحاطة صفة حقيقية ثابتة لله تعالى، وليس كما يزعم أهل البدع من المعتزلة والأشاعرة أنها مجاز عن العلم أو القدرة فحسب. بيان بطلان القول بالمجاز في الأسماء والصفات من وجهين: الأول: أن القول بالمجاز في صفات الله تعالى الثابتة بالكتاب والسنة يستلزم منه نفي الصفات عن الله تعالى وتعطيل الرب، وتشبيهه بالمعدوم وذلك لأن الصفة تابعة للموصوف. قال الذهبي: "ولو كانت الصفات ترد إلى المجاز، لبطل أن تكون صفات لله، وإنما الصفة تابعة للموصوف، فهو موجود حقيقة لا مجازاً، وصفاته ليست مجازاً، فإذا كان لا مثل له ولا نظير: لزم أن تكون لا مثل لها" (٢). وقال أيضًا: " فإن من تأول سائر الصفات، وحمل ما ورد منها على مجاز الكلام، أداه ذلك السلب إلى تعطيل الرب، وأن يشابه المعدوم" (٣). الثاني: أن القول بالمجاز في صفات الله تعالى مُخالف لما أجمع عليه أهل العلم من وجوب حملها على الحقيقة. قال ابن عبد البر: " أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود. والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله وهم أئمة

стр. 285

الجماعة والحمد لله" (١). مناقشة دليل أصحاب القول الثاني الذين لم يُثبتوا صفة الإحاطة على الحقيقة، بدعوى التشبيه بالأجسام: اعلم أن لفظ الجسم من الألفاظ التي أحدثها المتكلمون الذين تأثروا بالفلاسفة، ولم تكن مُستعملة عند السلف في صفات الله تعالى. قال ابن تيمية ﵀: " لفظ «الجسم» و «العرض» و «المتحيز» ونحو ذلك: ألفاظ اصطلاحية، وقد قدمنا غير مرة أن السلف والأئمة لم يتكلموا في ذلك في حق الله، لا بنفي ولا إثبات؛ بل بدعوا أهل الكلام بذلك وذموهم غاية الذم، والمتكلمون بذلك من النفاة أشهر، ولم يذم أحد من السلف أحدًا بأنه مجسم، ولا ذم المجسمة، وإنما ذموا الجهمية النفاة لذلك وغيره، وذموا أيضًا المشبهة الذين يقولون: صفاته كصفات المخلوقين، ومن أسباب ذمهم للفظ الجسم والعرض ونحو ذلك ما في هذه الألفاظ من الاشتباه ولبس الحق، كما قال الإمام أحمد: «يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويلبسون على جهال الناس بما يشبهون عليهم». وإنما النزاع المحقق أن السلف والأئمة آمنوا بأن الله موصوف بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله، من أن له علمًا وقدرة وسمعًا وبصرًا، ويدين ووجهًا وغير ذلك، والجهمية أنكرت ذلك، من المعتزلة وغيرهم" (٢). ثم يقال لكل من نفى صفة من الصفات التي أثبتها الله تعالى لنفسه: ما مقصودك من الجسم؟ فإن قال أنه ذات لا تُشبه أحدا من المخلوقين فلا بأس بإثبات الجسم لأنه تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. وإن قال أنها ذات يلزم منها مشابهة الخلق، فليس بلازم، فكما أننا نُثبت لله تعالى ذاتًا لا تُشبه ذوات المخلوقين، فكذلك نُثبت له صفاتًا لا تُشبه صفات المخلوقين، فالقول في
следующие страницы →