والصد عن سبيله والعداوة لأهل دينه وغير ذلك من معاصي الله محيط بجميعه، حافظ له لا يعزب عنه شيء منه، حتى يوفيهم جزاءهم على ذلك كله ويذيقهم عقوبته عليه" (١).
ابن تيمية: "والله تعالى محيط بالمخلوقات كلها إحاطة تليق بجلاله" (٢).
السعدي: "يجعل الله مكرهم في نحورهم لأنه محيط بهم علمه وقدرته فلا منفذ لهم عن ذلك ولا يخفى عليهم منهم شيء" (٣).
أصحاب القول الثاني: وهم المخالفون لأهل السنة من المعتزلة والأشاعرة:
القاضي عبد الجبار: " ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ المراد إحاطة علمه بما نعمل، وذلك مشبه بالجسم المحيط بغيره، فكما أن ذلك الغير لا يخرج عما أحاط به فكذلك أعمالنا لا تخرج عن أن تكون معلومة لله وذلك من الله ترغيباً في عمل الخير والتحذير من المعاصي" (٤).
الزمخشري: " ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ إحاطة الله بالكافرين مجاز. والمعنى أنهم لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط به حقيقة" (٥).
الخفاجي: " ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ مجازاً عن قدرته عليهم ففيه استعارة، شبه اقتداره عليهم وكونهم في قبضة تصرّفه بإحاطة الجيش بالعدوّ بحيث لا يفوته ولا ينجيه منه حيلة وخداع" (٦).
الآلوسي: " ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ إحاطته تعالى به مجاز تشبيها لحال قدرته الكاملة التي لا يفوتها المقدور أصلا بإحاطة المحيط بالمحاط بحيث لا يفوته، فيكون في الإحاطة
стр. 282
استعارة تبعية" (١).
• دراسة المسألة:
من أسباب الانحراف في الأسماء والصفات الذي يقع فيه أهل البدع، الخوف من تشبيه الله بخلقه، فهم أرادوا تنزيه الله تعالى عن مُشابهة المخلوقين، فَنَفَوا حقيقة الصفات الثابتة في الكتاب والسنة، ووقعوا في التعطيل.
فأهل التأويل والتعطيل أمثال الفخر الرازي ومن معه أرادوا تنزيه الله تعالى عن مُشابهة خلقه، فعندما نظر في صفة الإحاطة وجد أن معناها الإحاطة من جميع الجوانب، فلو حُملت هذه الصفة على الحقيقة ستقتضي التجسيم وتشبيه الله تعالى بخلقه، فيجب أن تُحمل هذه الصفة على المجاز وليس الحقيقة، حتى لا يقع مُثبتها في التشبيه.
فهو مع الأسف أراد الفرار من التشبيه فوقع في التعطيل، بسبب قياس صفات الرب ﵎ على صفات المخلوقين، فهو شبَّه أولا ثم عطَّل.
فتعقّبه القاسمي ﵀ بأن ما ذكره شبهة جهمية مبناها قياس صفة القديم - وهو الله ﷻ على الحوادث - وهي المخلوقات- بأنه قياس مع الفارق، ففرق بين صفات الخالق وصفات المخلوقين، والسمعيات - وهي الآيات القرآنية والأحاديث النبوية- تُتلقّى من عرف المتكلم - وهو الله بأن يؤخذ بظاهرها أ و بالمعنى الظاهر الذي دلت عليه، لا من الوضع المحدث - وهو الشيء الجديد- فلا تأتي بالصفات التي تليق بالله تعالى وتجعل لها معاني تليق بالمخلوقين، وبالتالي تنفي حقيقة تلك الصفة خوفًا من التشبيه.
والذي يظهر أن السر في نفي هؤلاء القوم لصفة الإحاطة من حيث الحقيقة: الهروب من إثبات صفة العلو، إذ يلزم من إثبات صفة الإحاطة أن يكون الله تعالى عالٍ على خلقه سبحانه، فلما كان مُحيطًا بهم كان عاليًا عليهم.
قال ابن تيمية: " إذا كان مبايناً للعالم: فإما أن يقدر محيطاً به، أو لا يقدر محيطاً به، سواء قدر أنه محيط به دائماً، أو محيط به في بعض الأوقات، كما يقبض يوم القيامة ويطوي
стр. 283
السماوات، فإن قدر محيط به كان عالياً علو المحيط على المحاط به.
وقد تقدم قولهم: (إن الفلك كري) فيلزم أن تكون الأفلاك محيطة بالأرض، فهي فوقها باتفاق العلماء، فما كان محيطاً بالجميع أولى بالعلو والارتفاع، وإن لم يكن مماثلاً لشيء من المخلوقات ولا مجانساً لأفلاك ولا غيرها" (١).
وقال ابن القيم: "إنه إذا كان سبحانه مباينا للعالم فإما أن يكون محيطا به أو لا يكون محيطا به فإن كان محيطا به لزم علوه عليه قطعا ضرورة علو المحيط على المحاط به ولهذا لما كانت السماء محيطة بالأرض كانت عالية عليها" (٢).
وصفة الإحاطة صفة حقيقة ذاتية ثابتة لله تعالى على الوجه اللائق به، من الكتاب والسنة:
فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ [سورة الإسراء: ٦٠]، وقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [سورة فصلت: ٥٤] وقوله: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [سورة البروج: ٢٠].
قال ابن أبي العز: " وليس المراد من إحاطته بخلقه أنه كالفلك، وأن المخلوقات داخل ذاته المقدسة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وإنما المراد: إحاطة عظمته، وسعة علمه وقدرته، وأنها بالنسبة إلى عظمته كالخردلة" (٣).
ومن السنة: حديث: "اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء" (٤).
قال ابن تيمية: "لم يَجِئ هذا الاسم الباطن في قوله: وأنت الباطنُ فليس دونَك شيءٌ،
стр. 284
إلا مقرونًا بالاسم الظاهر الذي فيه ظهورُه وعُلوُّه، فلا يكون شيءٌ فوقَه؛ لأن مجموع الاسمينِ يدلَّان على الإحاطة والسَّعة، وأنه الظاهر فلا شيء فوقه، والباطن فلا شيء دونه" (١).
وبهذا يتبين جليًا أن صفة الإحاطة صفة حقيقية ثابتة لله تعالى، وليس كما يزعم أهل البدع من المعتزلة والأشاعرة أنها مجاز عن العلم أو القدرة فحسب.
بيان بطلان القول بالمجاز في الأسماء والصفات من وجهين:
الأول: أن القول بالمجاز في صفات الله تعالى الثابتة بالكتاب والسنة يستلزم منه نفي الصفات عن الله تعالى وتعطيل الرب، وتشبيهه بالمعدوم وذلك لأن الصفة تابعة للموصوف.
قال الذهبي: "ولو كانت الصفات ترد إلى المجاز، لبطل أن تكون صفات لله، وإنما الصفة تابعة للموصوف، فهو موجود حقيقة لا مجازاً، وصفاته ليست مجازاً، فإذا كان لا مثل له ولا نظير: لزم أن تكون لا مثل لها" (٢).
وقال أيضًا: " فإن من تأول سائر الصفات، وحمل ما ورد منها على مجاز الكلام، أداه ذلك السلب إلى تعطيل الرب، وأن يشابه المعدوم" (٣).
الثاني: أن القول بالمجاز في صفات الله تعالى مُخالف لما أجمع عليه أهل العلم من وجوب حملها على الحقيقة.
قال ابن عبد البر: " أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود. والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله وهم أئمة
стр. 285
الجماعة والحمد لله" (١).
مناقشة دليل أصحاب القول الثاني الذين لم يُثبتوا صفة الإحاطة على الحقيقة، بدعوى التشبيه بالأجسام:
اعلم أن لفظ الجسم من الألفاظ التي أحدثها المتكلمون الذين تأثروا بالفلاسفة، ولم تكن مُستعملة عند السلف في صفات الله تعالى.
قال ابن تيمية ﵀: " لفظ «الجسم» و «العرض» و «المتحيز» ونحو ذلك: ألفاظ اصطلاحية، وقد قدمنا غير مرة أن السلف والأئمة لم يتكلموا في ذلك في حق الله، لا بنفي ولا إثبات؛ بل بدعوا أهل الكلام بذلك وذموهم غاية الذم، والمتكلمون بذلك من النفاة أشهر، ولم يذم أحد من السلف أحدًا بأنه مجسم، ولا ذم المجسمة، وإنما ذموا الجهمية النفاة لذلك وغيره، وذموا أيضًا المشبهة الذين يقولون: صفاته كصفات المخلوقين، ومن أسباب ذمهم للفظ الجسم والعرض ونحو ذلك ما في هذه الألفاظ من الاشتباه ولبس الحق، كما قال الإمام أحمد: «يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويلبسون على جهال الناس بما يشبهون عليهم». وإنما النزاع المحقق أن السلف والأئمة آمنوا بأن الله موصوف بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله، من أن له علمًا وقدرة وسمعًا وبصرًا، ويدين ووجهًا وغير ذلك، والجهمية أنكرت ذلك، من المعتزلة وغيرهم" (٢).
ثم يقال لكل من نفى صفة من الصفات التي أثبتها الله تعالى لنفسه: ما مقصودك من الجسم؟
فإن قال أنه ذات لا تُشبه أحدا من المخلوقين فلا بأس بإثبات الجسم لأنه تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
وإن قال أنها ذات يلزم منها مشابهة الخلق، فليس بلازم، فكما أننا نُثبت لله تعالى ذاتًا لا تُشبه ذوات المخلوقين، فكذلك نُثبت له صفاتًا لا تُشبه صفات المخلوقين، فالقول في
стр. 286
الذات كالقول في الصفات.
وظاهر قول المفسرين في الآية: أن الله محيط بعلمه وقدرته وجزائه، وأن المراد من الإحاطة: إدراك الشيء بكماله (١)، ولم يذكر أحد منهم أن إطلاق لفظ المحيط على الله تعالى من المجاز وليس من الحقيقة، والله أعلم.
• النتيجة:
من خلال عرض ما تقدم من أقوال الفريقين، والأدلة الدالة على ثبوت صفة الإحاطة على الحقيقة، ومناقشة أدلة النافين لهذه الصفة، يتبين أن الخلاف في هذه المسألة بين أهل السنة وأهل البدع، ولا شك أن الحق مع أهل السنة الذين يتبعون الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، وليس على تحكيم العقول.
стр. 287
٢٧ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١)﴾ [سورة آل عمران: ١٢١].
قال القاسمي: فسر أكثر العلماء (غدوت) بأصلها، وهو الخروج غدوة أي بكرة. ثم استشكلوا أنه ﷺ خرج إلى أحد بعد صلاة الجمعة كما اتفقت عليه كلمة أهل السير، فكيف المطابقة؟
فمنهم من أجاب بأنه المراد غدوة السبت، وأنه كان في صباحه التبوؤ للمقاعد إلا أنه لا يساعده ﴿مِنْ أَهْلِكَ﴾ لأنه لم يكن وقتئذ أهله معه (١).
• أقوال أهل العلم في وقت خروج النبي ﷺ إلى أحد:
القول الأول: أنه خرج إلى أحد يوم الجمعة.
القول الثاني: أنه خرج إلى أحد يوم السبت.
أصحاب القول الأول:
الطبري: "رسول الله ﷺ إنما راح إلى أحد من أهله للقتال يوم الجمعة بعد ما صلى الجمعة في أهله بالمدينة بالناس" (٢).
ابن جزي: " ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ نزلت في غزوة أحد، وكان غزو رسول الله ﷺ للقتال صبيحة يوم السبت وخرج من المدينة يوم الجمعة بعد الصلاة وكان قد شاور أصحابه قبل الصلاة" (٣).
ابن عادل الحنبلي: "المفسِّرين أجمعوا على أنه إنما خرج بعد أن صَلَّى الجمعة" (٤).
стр. 288
البقاعي: " ﴿مِنْ أَهْلِكَ﴾ أي بالمدينة الشريفة صبيحة يوم الجمعة إلى أصحابك في مسجدك لتستشيرهم في أمر المشركين" (١).
أصحاب القول الثاني:
قال بعض المفسرين: "غدوه ﷺ كان يوم السبت للقتال" (٢).
المراغي: "واذكر لهم أيها الرسول وقت خروجك من بيتك غدوة وهي غدوة سحر يوم السبت سابع يوم من شوال من سنة ثلاث للهجرة" (٣).
العثيمين: "النبي ﷺ خرج إلى غزوة أحد في أول يوم السبت الحادي عشر من شوال سنة ثلاث من الهجرة. وفي هذا اليوم غدا الرسول الكريم من أهله" (٤).
• دراسة المسألة:
من خلال التتبع والنظر في أقوال المفسرين في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ وتحديد اليوم الذي خرج فيه النبي ﷺ لغزوة أحد، يظهر بأن الصواب أنه ﷺ ابتدأ خروجه يوم الجمعة وبوأ المؤمنين مقاعدهم للقتال يوم السبت، وذلك للأوجه الآتية:
أولا: الأخبار الواردة من أن النبي ﷺ خرج بعد أن صلى بأصحابه الجمعة، ووصل إلى أحد يوم السبت.
قال ابن جرير: " فإن قال لنا قائل: وكيف يكون ذلك يوم أُحُد ورسول الله ﷺ إنما راح إلى أحد من أهله للقتال يوم الجمعة بعد ما صلى الجمعة في أهله بالمدينة بالناس لما روي عن سعد بن معاذ ﵁: أن رسول الله ﷺ راح حين صلى الجمعة إلى أحد، دخل فلبس
стр. 289
لَأْمَته (١)، وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة، وقد مات في ذلك اليوم رجل من الأنصار، فصلى عليه رسول الله ﷺ ، ثم خرج عليهم وقال: «ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل»
قيل: إن النبي ﷺ وإن كان خروجه للقوم كان رواحا (٢) فلم يكن تبوئته للمؤمنين مقاعدهم للقتال عند خروجه، بل كان ذلك قبل خروجه لقتال عدوه؛ وذلك أن المشركين نزلوا منزلهم من أحد فيما بلغنا يوم الأربعاء، فأقاموا به ذلك اليوم ويوم الخميس ويوم الجمعة، حتى راح رسول الله ﷺ إليهم يوم الجمعة بعد ما صلى بأصحابه الجمعة، فأصبح بالشعب من أحد يوم السبت للنصف من شوال (٣).
ثانيًا: يحتمل أن يكون المراد من التبوئة: التبوئة ابتداءً، قبل اتخاذ المراضع للقتال وقبل مناهضة العدو.
قال ابن جرير: " فإن قال قائل: وكيف كانت تبوئته المؤمنين مقاعد للقتال غدوا قبل خروجه، وقد علمت أن التبوئة اتخاذ الموضع؟ قيل: كانت تبوئته إياهم ذلك قبل مناهضته عدوه عند مشورته على أصحابه بالرأي الذي رآه لهم بيوم أو يومين، وذلك أن رسول الله ﷺ لما سمع بنزول المشركين من قريش وأتباعها أُحُدا قال لأصحابه: أشيروا عليَّ ما أصنع؟ … الحديث (٤).
ثالثًا: ليس المراد من الغدو في قوله تعالى: ﴿غَدَوْتَ﴾ الخروج وقت الغدو تحديدًا، لأنه سيكون مُعارضًا للخبر المتقدم ذكره من أن النبي ﷺ خرج بعد أن صلى بأصحابه الجمعة، وإنما المراد مطلق الخروج، والله أعلم.
قال ابن عطية: قال غير الطبري: نهوض النبي ﷺ يوم الجمعة بعد الصلاة، هو غدوه،
стр. 290
وأنه بوأ المؤمنين في وقت حضور القتال، وقيل ذلك في ليلته، وسماه «غدوا» إذ كان قد اعتزم التدبير، والشروع في الأمر من وقت الغدو (١).
وقال في فتح البيان: "وعبر عن الخروج بالغدوّ الذي هو الخروج غدوة مع كونه ﷺ خرج بد صلاة الجمعة، لأنه قد يعبر بالغدوة والرواح عن الخروج والدخول من غير اعتبار أصل معناهما، كما يقال (أضحى) وإن لم يكن في وقت الضحى" (٢).
وهذا الوجه خلاف ما ذهب إليه بعض المفسرين من أنه لا يُقال غدوت فيما بعد الزوال إلّا على المجاز (٣).
تنبيه:
ما علل بها القاسمي ﵀ تعقبه على من قال بأن المراد: غدوة السبت، بأن قوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِكَ﴾ لا يساعده لأنه لم يكن وقتئذ أهله معه. فيه نظر من حيث اللغة والله أعلم.
قال أبو حيان: قول من جعل (مِنْ) في معنى (مع)، أي: وإذ غدوت مع أهلك في غاية البعد. وهذا تخريج يقوله وينقله على سبيل التجويز من لا بصر له بلسان العرب (٤).
قال ابن عادل الحنبلي: "قوله: ﴿مِنْ أَهْلِكَ﴾ متعلق بـ ﴿غَدَوْتَ﴾، وفي ﴿مِنْ﴾ وجهان:
أحدهما: أنها لابتداء الغاية، أي: من بين أهلك.
قال أبو البقاء: «وموضعه نصب، تقديره فارقت أهلَك».
قال شهابُ الدِّيْنِ: «وهذا الذي قاله ليس تفسير إعراب، ولا تفسير معنى؛ فإن المعنى
стр. 291
على غير ما ذكر».
الثاني: أنها بمعنى: «مع» أي: مع أهْلك، وهذا لا يساعده لفظ، ولا معنى (١).
• النتيجة:
بعد عرض ما تقدم من أقوال المفسرين في هذه المسألة يظهر أن الصواب في هذه المسألة أن النبي ﷺ خرج إلى أحد يوم الجمعة، وبوأ المؤمنين مقاعدهم للقتال يوم السبت.
وأما عن تعليل القاسمي ﵀ على من قال أن المراد غدوة السبت بأن قوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِكَ﴾ لا يُساعده لأنه لم يكن وقتئذ أهله معه، ففيه بعد وضعف كما تقدم من كلام أبي حيان وابن عادل الدمشقي الحنبلي، والله أعلم.
стр. 292
٢٨ - قوله تعالى: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (١٢٧) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾ [سورة آل عمران: ١٢٨].
قال القاسمي: جعل ﴿أَوْ يَتُوبَ﴾ منصوبا بالعطف على ﴿يَكْبِتَهُمْ﴾ - بعيد جدا. وإن قدمه بعض المفسرين على الوجه المتقدم. وذلك لأن قوله تعالى ﴿لَيْسَ لَكَ﴾ كلام مستأنف على ما صرحت به الروايات في سبب النزول. وهي المرجع في التأويل- والله أعلم- (١).
• أقوال أهل العلم على رجوع العطف في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾:
القول الأول: أن العطف في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ يرجع على (الأمر) أو على (شيء)، في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ أي: ليس لك من أمرهم شيء، أو من التوبة عليهم، أو من تعذيبهم، أو ليس لك من أمرهم شيء أو التوبة عليهم أو تعذيبهم.
القول الثاني: أن العطف في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ راجع إلى الكبت أيضًا في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ أي: ليقطعَ أو يكبتهم أو يتوب عليهم أو يعذبهم.
أصحاب القول الأول:
ما أورده بعض المفسرين من أن: العطف في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ يرجع على (الأمر) أو على (شيء) (٢).
محيي الدين درويش (٣): " ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ (أو) حرف عطف و ﴿يَتُوبَ﴾ فعل
стр. 293
مضارع معطوف على اسم خالص من التقدير بالفعل فهو منصوب بأن مضمرة بعد العاطف وهو ﴿أَوْ﴾ " (١).
أصحاب القول الثاني:
الفراء (٢): "إن شئت جعلته معطوفا على قوله: ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم أي أو يتوب عليهم أو يعذبهم" (٣).
الزجاج: "جائز أن يكون عطفاً على قوله: ليقطع طرفاً من الذين كفروا أو يكبتهم أو يتوب عليهم أو يعذبهم" (٤).
الطبري: " يعني بذلك تعالى ذكره: ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم، أو يتوب عليهم، أو يعذبهم، فإنهم ظالمون، ليس لك من الأمر شيء، فقوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة آل عمران: ١٢٨] منصوب عطفا على قوله: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ [سورة آل عمران: ١٢٧] " (٥).
أبو السعود: " ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ عطف على يكبتهم والمعنى أن مالك أمرهم على الإطلاق هو الله نصركم عليهم ليهلكهم أو يكبتهم أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم إن أصروا" (٦).
стр. 294
• دراسة المسألة:
ذكر القاسمي ﵀ في تفسيره أن قوله تعالى: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾. منصوب بإضمار (أن) في حكم اسم معطوف ب (أو) على (الأمر) أو على (شيء)، أي ليس لك من أمرهم شيء، أو من التوبة عليهم، أو من تعذيبهم، أو ليس لك من أمرهم شيء أو التوبة عليهم أو تعذيبهم (١).
والمتأمل فيما ذهب إليه كلا الفريقين، يجد أن لكل فريق منهم أوجهًا تؤيد ما ذهب إليه، وذلك مما يلي:
أوجه بيان ما ذهب إليه أصحاب القول الأول:
الوجه الأول: أن الروايات الواردة في سبب نزول الآية محصورة في الآية ذاتها، وليس فيها إيراد للآية التي قبلها وهي قوله تعالى: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾.
وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية أقوال نذكر منها اثنان:
الأول: أنها نزلت بسبب دعاء النبي ﷺ على بعض كفار قريش، لما آذوه، وفعلوا به ما فعلوا.
فقد روى البخاري ومسلم في صحيحهما أن رسول الله ﷺ كان يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة، ويكبر ويرفع رأسه: (سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد)، ثم يقول وهو قائم: (اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم كسني يوسف، اللهم العن لحيان، ورعلاً، وذكوان، وعصيَّة، عصت الله ورسوله)، ثم إنه ترك ذلك لما أنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (٢).
стр. 295
الثاني: أنها نزلت بسبب ما جرى للنبي ﷺ يوم أُحد، وكان قد جُرِح، وكُسرت بعض أسنانه.
فقد روى مسلم في صحيحه عن أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ كُسرت رَباعيته يوم أحد، وشُجَّ في رأسه، فجعل يسلت الدم عنه، ويقول: (كيف يفلح قوم شجوا نبيهم، وكسروا رباعيته، وهو يدعوهم إلى الله؟)، فأنزل الله : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (١).
وهنا يَرِدُ إشكال وهو: أن قصة أحد متقدمة على قصة رعل، وذكوان، الذين دعا عليهم رسول الله ﷺ ، فكيف الجمع؟
أجاب الحافظ ابن حجر على هذا بقوله: "يحتمل أن يكون نزول الآية تراخى عن قصة أحد؛ لأن قصة رعل، وذكوان، كانت بعدها، وفيه بُعْد. والصواب أنها نزلت في شأن الذين دعا عليهم بسبب قصة أُحد. ويؤيد ذلك ظاهر قوله في صدر الآية: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: يقتلهم، ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ أي: يخزيهم، ثم قال: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: فيسلموا، ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ أي: إن ماتوا كفاراً" (٢).
قال الشيخ أحمد شاكر مُعلِّقا على كلام ابن حجر: "وهذا تحقيق نفيس جيد من الطراز العالي" (٣).
الوجه الثاني: الاستشهادات اللغوية من الشعر التي تؤيد ذلك، فتقدير الكلام: «ليس لك من الأمر أو من توبته عليهم أو تعذيبهم شيء» أو يكون التقدير: "ليس لك من الأمر شيء أو أن يتوب عليهم»، فلما كان في تأويل الاسم عُطف على الاسم قبله - يعني (أن) مع الفعل المضارع تُؤَوَّل باسم مصدر (أو توبته) يعني تأويل الاسم بفعل- فهو من باب
стр. 296
قوله:، كقول الشاعر: [ينسب لميسون بنت بحدل]:
ولولا رجالٌ من رِزامٍ أعِزَّةً … وآلُ سُبَيْعٍ أو أَسُوْءَكَ علقما
(أو أَسُوْءَكَ) يعني: أو أن أسوءك علقما.
وقولها:
لَلُبْسُ عباءَةٍ وتَقَرَّ عيني … أَحَبُّ إليَّ من لُبْسِ الشُّفُوفِ (١).
(عباءة وتقر) يعني: أو أن تقر.
أوجه بيان ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني:
الوجه الأول: ظاهر لفظ وسياق الآيات الذي يدل على مشيئة الله تعالى وتقديره لأعداء الإسلام بالخزي والعذاب أو بالتوبة والهداية، فكلا الآيتين في سياق موضوع واحد.
قال ابن جرير: "وهذا القول - يعني العطف على ﴿يَكْبِتَهُمْ﴾ - أولى بالصواب؛ لأنه لا شيء من أمر الخلق إلى أحد سوى خالقهم قبل توبة الكفار وعقابهم وبعد ذلك" (٢).
وقال أبو القاسم القزويني (٣): "الأحسن أنه عطف على ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ ليبقي اللفظ على وضعه، ثم يكون (ليس لك من الأمر شيء) اعتراضاً" (٤).
الوجه الثاني: العطف على ﴿يَكْبِتَهُمْ﴾ تأويله فيه زيادة قوة وردع، بخلاف غيره فليس فيه ذلك (٥).
الوجه الثالث: الاستشهادات اللغوية التي تؤيد جواز العطف على ﴿يَكْبِتَهُمْ﴾
стр. 297
فالقول بأن قوله تعالى: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ عطف على قوله: ﴿لِيَقْطَعَ﴾، ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾. و ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾: فاصل بين المعطوف والمعطوف عليه، كما يقال: أعطيت زيدًا درهمًا فاعرفه وبكرًا. على معنى: أن الله يفعل بعباده ما يريد، فإما أن يستأصلهم، أو يذلهم، أو يتوب عليهم إن أسلموا، أو يعذبهم إن أصروا على ما هم عليه" (١).
الوجه الرابع: يحتمل أن يكون قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ نزلت معه الآية التي قبلها، والله أعلم، فناسب أن يرجع العطف فيها على الكبت بنفس السياق.
قال الشيخ محمد رشيد رضا: "ولما كانت هذه الآية مما نزل في وقعة أحد كما روي في الصحيح تعين أن تكون التي قبلها كذلك وإلا كانت غير مفهومة إلا بتكلف ينزه القرآن عن مثله على كونه لا حاجة إليه" (٢).
تنبيه:
وردت معاني أخرى في (أو): فقيل أنها بمعنى: (حتى) وقيل بمعنى: (إلا) (٣)، وليس المقام هنا بإيراده وبيانه، والتفصيل في الحديث عنه، لأن الحديث يدور حول اختيار القاسمي وتعقبه على من سبقه.
• النتيجة:
بعد عرض ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، وما ذُكر فيها من أوجه يظهر والله أعلم أن كلا القولين سائغ ولا تعارض بينهما، فلا إشكال إن قيل أن قوله تعالى: ﴿أَوْ يَتُوبَ﴾ منصوبا بالعطف على قوله تعالى: ﴿يَكْبِتَهُمْ﴾ أو يكون منصوب بإضمار ﴿أَنْ﴾ عطفًا على قوله ﴿الْأَمْرِ﴾، فكلاهما يجوز، والجمع بين القولين مُقدم على الترجيح، والله أعلم.
стр. 298
٢٩ - قوله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٥٣)﴾ [سورة آل عمران: ١٥٣].
قال المفضل: (لا) زائدة، والمعنى لتتأسفوا على ما فاتكم وعلى ما أصابكم عقوبة لكم، كقوله: ﴿أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [سورة الأعراف: ١٢]، و: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ [سورة الحديد: ٢٩]، أي أن تسجد وليعلم.
قال القاسمي: وعندي أنه بعيد، لا سيما مع تكرار (لا) في المعطوف، واستقامة المعنى الجيد على اعتبارها، فالوجه ما سلف (١).
• أقوال أهل العلم في (لا) من حيث كونها ثابتة أصلية، أم زائدة:
القول الأول: أن (لا) أصلية ثابتة على معناها. والمعنى: لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من غنيمة القوم، ولا ما أصابكم في أنفسكم من القتل والجراحات، أو لتتمرَّنوا على ما يصيبكم من الغموم.
القول الثاني: أن (لا) زائدة وليست أصلية. كقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ أي: أن تسجد.
أصحاب القول الأول:
الطبري: "قوله: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ يقول: ما فاتكم من غنيمة القوم، ولا ما أصابكم في أنفسكم من القتل والجراحات" (٢).
الثعلبي: " ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ من الفتح والغنيمة، ﴿وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ (ما) في موضع خفض، أي: ولا على ما أصابكم من القتل والهزيمة، حتى
стр. 299
أنساكم ذلك هذا الغم، وأهمكم ما أنتم فيه عما كان أصابكم قبله" (١).
الزمخشري: " ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا﴾ لتتمرنوا على تجرع الغموم، وتضروا باحتمال الشدائد، فلا تحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع ولا على مصيب من المضار" (٢).
ابن عطية: "قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ معناه: من الغنيمة ﴿وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ معناه: من القتل والجرح وذل الانهزام وما نيل من نبيكم" (٣).
أصحاب القول الثاني:
المفضل: "معنى لكيلا تحزنوا لكي تحزنوا، ولا زائدة كقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ أي: أن تسجد" (٤).
أبو البقاء (٥): " (لا) زائدة لأنه لا يترتب على الاغتمام انتفاء الحزن. فالمعنى: على أنه غمهم ليحزنهم عقوبة لهم على تركهم موافقتهم" (٦).
السيوطي: " ﴿لِكَيْلَا﴾ متعلق بـ (عفا) أو بـ (أثابكم) فلا زائدة" (٧).
الشربيني (٨): " ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ أي: من الغنيمة متعلق بعفا
стр. 300
أو بأثابكم فلا زائدة" (١).
• دراسة المسألة:
ذكر القاسمي ﵀ في تفسيره لهذه الآية أن المراد بقوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ أي: لتتمرنوا بالصبر على الشدائد، والثبات فيها، وتتعودوا رؤية الغلبة والظفر والغنيمة، وجميع الأشياء من الله لا من أنفسكم، فلا تحزنوا على ما فاتكم من الحظوظ والمنافع. وقوله: ﴿وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ من الغموم والمضار (٢). فـ (لا) ثابتة أصلية على معناها وليست زائدة.
ومن خلال النظر في أقول الفريقين واستدلالاتهم من كتب التفسير، يظهر أن الصواب في هذه المسألة أن (لا) أصلية على معناها وليست زائدة، وذلك لوجوه:
أولا: أن تأويل الآية على القول بأن (لا) زائدة وأن المعنى تتأسفوا على ما فاتكم وعلى ما أصابكم عقوبة لكم، مردود بقوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [سورة الحديد: ٢٣] وقوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة آل عمران: ١٤٠].
ثانيًا: إن حزن المسلمين على ما فاتهم وأصابهم من شأنه أن يؤثر في نفوسهم تأثيرا سلبيا، فيُقعدهم عن الجهاد، ويُثبطهم عن مواصلة السير، وذلك أمرا لا يرضاه الله ورسوله، ولا يليق بهم.
ثالثًا: إن حزنهم على ما فاتهم وأصابهم يتعارض مع الإيمان بالقدر، والإيمان بالقدر، خيره وشره، أصل من أصول الإيمان.
стр. 301
رابعًا: إن هذا التركيب في كتاب الله ﵎: ﴿لِكَيْ لَا﴾، لم تأتِ (لا) فيه زائدة البتة، بل كانت عمدة لا يتم المعنى بدونها، نقرأ في قوله سبحانه: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [سورة الأحزاب: ٣٧]، فلا يجوز مُطلقًا أن يُقال: إن (لا) زائدة، والمعنى: لكي يكون على المؤمنين حرج. وقوله سُبحانه: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [سورة الحشر: ٧]، فلا يصح المعنى لو حذفت (لا) وقيل: لكي يكون دولة.
وعلى هذا، فـ (لا) في قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾، لا يصح القول بزيادتها، إذ لا يتم المعنى بدونها.
خامسا: أن تأويل الآية: لتتمرّنوا على الصبر في الشدائد، فلا تحزنوا على نفع فات أو ضرٍّ آت، هو الذي يليق بالنظم الكريم، وذلك أن غزوة أحد ليست هي آخر مرحلة من مراحل الجهاد في حياة المسلمين، فالجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة، والحرب سجال، فالآية تقرير علوي للمسلمين، وحثٌ لهم على أن يصبروا إذا أصيبوا في بعض معاركهم مع عدو الله وعدوهم، لأنهم ظفروا بإحدى الحسنيين … هي دعوة لهم لكي يتغلبوا على جراحاتهم وأحزانهم (١).
تنبيهات:
الأول: مسألة وقوع الزيادة في القرآن مما اختلف فيه العلماء قديمًا، والحق الذي أدين الله به أنه ليس في القرآن ألفاظ زائدة لا أثر لها في الاعراب أو المعنى.
يقول ابن تيمية: "ولا يذكر في القرآن لفظا زائدا إلا لمعنى زائد وإن كان في ضمن ذلك التوكيد وما يجيء من زيادة اللفظ في مثل قوله ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ وقوله ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ وقوله ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ فالمعنى مع هذا أزيد من المعنى
стр. 302
بدونه. فزيادة اللفظ لزيادة المعنى وقوة اللفظ لقوة المعنى" (١).
الثاني: التعبير بالزائد في القرآن يوهم ظاهره وقوع مالا فائدة منه في القرآن، وكلام الله منزه عن ذلك.
يقول الزركشي: "واعلم أن الزيادة واللغو من عبارة البصريين والصلة والحشو من عبارة الكوفيين، والأولى اجتناب مثل هذه العبارة في كتاب الله تعالى" (٢).
الثالث: تعليل القاسمي لتعقبه يؤيده قول الآلوسي: "ولا يخفى أن تأكيد (لا) وتكريرها يبعد القول بزيادتها" (٣).
• النتيجة:
بعد عرض ما تقدم من أقوال المفسرين في هذه المسألة، يظهر أن الصواب هو أن (لا) في قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ ثابتة أصلية، لما تقدم من الأوجه ومن كلام المفسرين، والقول بأنها زائدة بعيد، والله أعلم.
стр. 303
٣٠ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [سورة آل عمران: ١٥٦].
قال أبو السعود: ليس المقصود بالنهي عدم مماثلتهم في النطق بهذا القول، بل في الاعتقاد بمضمونه والحكم بموجبه (١).
قال القاسمي: أقول: بل الآية تفيد الأمرين. أعني حفظ الاعتقاد المقصود أولا وبالذات، وحفظ المنطق مما يوقع في إضلال الناس، ويخل بالمقام الإلهي، كما بينته السنة (٢).
• أقوال أهل العلم في المقصود بالنهي في قوله تعالى: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾:
القول الأول: أن المقصود عدم مماثلة الكفار في الاعتقاد دون المماثلة في القول.
القول الثاني: أن المقصود عدم مماثلة الكفار في الاعتقاد والقول.
أصحاب القول الأول:
ظاهر كلام ابن عطية: " نهى الله تعالى المؤمنين عن الكون مثل الكفار والمنافقين في هذا المعتقد الفاسد، الذي هو أن من سافر في تجارة ونحوها ومن قاتل فقتل لو قعد في بيته لعاش ولم يمت في ذلك الوقت الذي عرض فيه نفسه للسفر أو للقتال، وهذا هو معتقد المعتزلة في القول بالأجلين، وهو نحو منه" (٣).
أبو السعود: وتقدم قوله.
стр. 304
أصحاب القول الثاني:
الزمخشري: " ﴿لَا تَكُونُوا﴾ بمعنى: لا تكونوا مثلهم في النطق بذلك القول واعتقاده" (١).
أبو حيان: "أخبر الله عنهم - يعني المنافقين- أنهم قالوا لإخوانهم: وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا، وكان قولا باطلا واعتقادا فاسدا نهى تعالى المؤمنين أن يكونوا مثلهم في هذه المقالة الفاسدة والاعتقاد السيء" (٢).
ابن كثير: "ينهى تعالى عباده المؤمنين عن مشابهة الكفار في اعتقادهم الفاسد، الدال عليه قولهم عن إخوانهم الذين ماتوا في الأسفار وفي الحروب: لو كانوا تركوا ذلك لما أصابهم ما أصابهم. فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾ " (٣).
الشوكاني: " ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ اللام متعلقة بقوله: ﴿وَقَالُوا﴾ أي: قالوا ذلك واعتقدوه ليكون حسرة في قلوبهم" (٤). فيُفهم من كلامه: النهي عن المشابهة في القول والاعتقاد.
• دراسة المسألة:
بعد التأمل والنظر في أقوال المفسرين وما ذكروه في تفسير الآية، يظهر والله أعلم أن الآية عامة في النهي عن مشابهة المشركين في القول والاعتقاد، وذلك من أوجه:
أولا: ما ذكره بعض المفسرين أن المراد من الآية: المنافقين الذين قالوا في السرايا التي بعث النبي ﵊ إلى بئر معونة: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ فنُهي المسلمون أن يقولوا مثل قولهم (٥). فإن كانوا نهوا عن القول مثل قولهم فالاعتقاد من باب أولى.
стр. 305
وقيل: المراد: قول المنافق عبد الله بن أبي ابن سلول. وهو مروي عن مجاهد (١).
وعن ابن إسحاق: " أي: لا تكونوا كالمنافقين الذي ينهون إخوانهم عن الجهاد في سبيل الله، والضرب في الأرض في طاعة الله، وطاعة رسوله، ويقولون إذا ماتوا أو قتلوا: لو أطاعونا ما ماتوا، وما قتلوا " (٢).
ووجه الاستدلال: أن المؤمنين نهوا أن يقولوا مثل قول عبد الله بن أبي ابن سلول والمنافقين، والنهي عن الاعتقاد من باب أولى.
ثانيًا: ظاهر الآية عموم النهي في القول والاعتقاد، وقول أبي السعود بأنها تقتصر على الاعتقاد يحتاج إلى دليل أو قرينة تؤيد ذلك، والأصل أن الآية عامة، والله أعلم.
يقول ابن جرير الطبري: "وغير جائز ادعاء خصوص في آية عام ظاهرها إلا بحجة يجب التسليم لها" (٣).
ثالثًا: أن النبي ﷺ نهى عن الأقوال التي تُنافي الرضا بالقضاء والقدر، ومن ذلك نهيه ﷺ عن قول القائل بعد فوات الأمر: "لو أني فعلت كذا وكذا. وقال: إنها تفتح عمل الشيطان" (٤). وكذا في هذه الآية فالنهي عام في القول والاعتقاد.
• النتيجة:
من خلال ما تقدم ذكره في هذه المسألة، يظهر والله أعلم أن الصواب هو: أن النهي الوارد في قوله تعالى: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يفيد العموم في القول والاعتقاد، لما تقدم ذكره من الأوجه وأقوال المفسرين.
* * *
стр. 306
سورة النساء
стр. 307
سورة النساء
٣١ - قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢)﴾ [سورة النساء: ٢].
قال القاسمي: تنبيه: خص من ذلك مقدار أجر المثل عند كون الولي فقيرا لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [سورة النساء: ٥] كذا قاله البيضاوي وتابعه أبو السعود. وعندي أنه لا حاجة إلى تخصيص هذا النهي بالفقير في هذه الآية لأنها في الغني، لقوله: ﴿إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾. فلا يشمل مساقها الفقير (١).
• أقوال أهل العلم بتخصيص النهي في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾:
القول الأول: أن النهي مخصوص بالوصي الغني الذي يمتلك المال، وليس للفقير.
القول الثاني: أن النهي مخصوص بالوصي الفقير، فإذا كان الوصي يعمل في مال اليتيم فله أن يأخذ أجرة المثل.
أصحاب القول الأول:
البيضاوي: "ولا تأكلوها مضمومة إلى أموالكم، أي لا تنفقوهما معاً ولا تسووا بينهما، وهذا حلال وذاك حرام وهو فيما زاد على قدر أجره لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [سورة النساء: ٦] " (٢).
أبو السعود: "أي لا تأكلوها مضمومة إلى أموالكم ولا تسووا بينهما وهذا حلال وذاك حرام وقد خص من ذلك مقدار أجر المثل عند كون الولي فقيرا" (٣).
стр. 308
أصحاب القول الثاني:
القنوجي: "خص النهي بالمضموم وإن كان أكل مال اليتيم حراماً وإن لم يضم إلى مال الوصي، لأن أكل ماله مع الاستغناء عنه أقبح، فلذلك خص النهي به، أو لأنهم كانوا يأكلونه مع الاستغناء عنه، فجاء النهي على ما وقع منهم فالقيد للتشنيع" (١).
ابن عاشور: "فيه من التشنيع عليهم حيث يأكلون حقوق الناس مع أنهم أغنياء" (٢).
• دراسة المسألة:
بعد استقراء ما ذكره المفسرون في هذه الآية، يتبين أن لكل فريق أوجها التي تؤيد ما ذهب إليه بالنهي في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾، إلا أن أصحاب القول الثاني يرد على ما ذهبوا إليه بشيء من الإيرادات، وبيان ذلك مما يلي:
أوجه ما ذهب إليه أصحاب الفريق الأول:
أولا: سياق الآية: حيث إن النهي فيها عن ضم أموال اليتامى إلى أموال تكون بحوزة صاحبها، وأي أموال تكون بحوزة الفقير الذي لا يجد قوت يومه.
ثانيًا: أن ظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يدل على جواز أكل الفقير بقد الحاجة، ثم تعويض اليتيم بهذا القدر أو رد مثله إن تيسر الأمر، أما قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ فهو يقع في الغالب عند الغني، فيدل على النهي المطلق، والله أعلم.
ثالثًا: من حيث البلاغة: فإن توجيه النهي للأغنياء أبلغ، وذلك أن أكل الغني لأموال اليتامى مع عدم حاجته لذلك أقبح من أكل الفقير لأموال اليتامى، فالمنهيّ كلما كان أقبح كانت النفس عنه أنفر والداعية إليه أبعد. ولا شك أن المستقر في النفوس أن أكل مال اليتيم مع الغنى عنه أقبح صور الأكل. فخصص بالنهي تشنيعا على من يقع فيه. حتى إذا استحكم
стр. 309
نفوره من أكل ماله على هذه الصورة الشنعاء دعاه ذلك إلى الإحجام عن أكل ماله مطلقا.
رابعًا: فيه تدريب للمخاطب على النفور من المحارم. ولا تكاد هذه الفائدة تحصل لو خصص النهي بأكله مع الفقر، إذ ليست الطباع في هذه الصورة معينة على الاجتناب، كإعانتها عليه في حال الأكل من مال اليتيم مع الغنى (١).
أوجه ما ذهب إليه أصحاب الفريق الثاني:
أولا: من حيث نظائر الآية: فإن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يدل على جواز ضم الفقير مال اليتيم لماله بالمعروف على قدر أجرة عمله.
والاستشهاد بنظائر الآية وإن كان له حظ من النظر إلا أن دلالة السياق المتقدم ذكرها مقدمة على الاستشهاد بنظائر الآية، إذا سياق الآية يدل على أن النهي موجه للأغنياء، بينما الموضوع يختلف في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فهنا يجوز أن يأخذ الفقير من مال اليتيم بقدر أجرته، فلا تُقاس هذه الآية على تلك، والله أعلم.
ثانيًا: من حيث البلاغة: فإن أهل البيان يقولون: المنهي متى كان درجات فطريق البلاغة النهى عن أدناها تنبيها على الأعلى، كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [سورة الإسراء: ٢٣] وإذا اعتبرت هذا القانون بهذه الآية وجدته ببادئ الرأي مخالفا لها، إذ أعلى درجات أكل مال اليتيم في النهى أن يأكله وهو غنى عنه، وأدناها أن يأكله وهو فقير إليه، فكان مقتضى القانون المذكور أن ينهى عن أكل مال اليتيم من هو فقير إليه، حتى يلزم نهى الغنى عنه من طريق الأولى (٢).
وهذا الاستشهاد يُقابله ما تقدم في الوجه الثالث من أوجه ما ذهب إليه أصحاب الفريق الأول، من حيث البلاغة.
стр. 310
• النتيجة:
بعد ما تقدم ذكره يظهر أن الأقرب إلى الصواب في هذه المسألة أن النهي في الآية موجه للأغنياء، وهو ما ذهب إليه القاسمي ﵀ للأدلة المتقدم ذكرها، من حيث السياق والظاهر والبلاغة.
ولو أمكن حمل الآية على المعنيين معًا: بأن يكون النهي موجه للأغنياء، أو يكون عامًا مخصوصًا بالفقراء، لم يقع تعارض، والله أعلم.
стр. 311
٣٢ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [سورة النساء: ٣].
قال الرازي: فقهاء الأمصار مجمعون على أنه لا يجوز الزيادة على الأربع. وهذا هو المعتمد، وأن مخالف هذا الإجماع من أهل البدعة. فلا عبرة بمخالفته (١).
قال القاسمي: قوله: (من أهل البدعة) لا يجوز أخذه على عمومه لما ستراه (٢).
• أقوال أهل العلم فيمن يقول بجواز الزيادة على الأربع في النكاح:
القول الأول: أن القائلين بجواز الزيادة على الأربع هم أهل البدع.
القول الثاني: أن القائلين بجواز الزيادة على الأربع ليسوا من أهل البدع مطلقًا، وإنما قال بذلك من أهل السنة.
أصحاب القول الأول:
ابن حزم: "لم يختلف في أنه لا يحل لأحد زواج أكثر من أربع نسوة: أحد من أهل الإِسلام وخالف في ذلك قوم من الروافض لا يحل لهم عقد الإِسلام" (٣).
ابن الهمام الحنفي (٤): "وأجاز الروافض تسعاً من الحرائر، ونقل عن النخعي وابن أبي ليلى - أي جواز التسع- وأجاز الخوارج ثماني عشرة، وحكي عن بعض الناس إباحة أي عدد شاء بلا حصر" (٥).
стр. 312
الشاطبي: " ثم أتى بعض من نسب إلى الفرق ممن حرف التأويل في كتاب الله، فأجاز نكاح أكثر من أربع نسوة، إما اقتداء ـ في زعمه ـ بالنبي ﷺ حيث أحل له أكثر من ذلك أن يجمع بينهن، ولم يلتفت إلى إجماع المسلمين أن ذلك خاص به ﵇، وإما تحريفا لقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ فأجاز الجمع بين تسع نسوة، ذلك، ولم يفهم المراد من الراوي ولا من قوله: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ فأتى ببدعة أجراها في هذه الأمة لا دليل عليها ولا مستند فيها" (١).
أصحاب القول الثاني:
الشوكاني: "وأما القعقعة بدعوى الإجماع فما أهونها وأيسر خطبها عند من لم تفزعه هذه الجلبة وكيف يصح إجماع خالفته الظاهرية وابن الصباغ (٢)، والعمرانيّ (٣)، والقاسم بن إبراهيم (٤)، نجم آل الرسول، وجماعة من الشيعة، وثلة من محققي المتأخرين" (٥).
ذكر القنوجي أن: " الظاهرية ذهبت إلى أنه يحل للرجل أن يتزوج تسعا ولعل وجهه قوله تعالى ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ ومجموع ذلك لا باعتبار ما فيه من العدل تسع وحكي ذلك عن ابن الصباغ والعمراني وبعض الشيعة وحكي أيضا عن القاسم بن إبراهيم" (٦).
стр. 313
• دراسة المسألة:
يُريد القاسمي ﵀ من هذه المسألة: أن من أهل السنة الأجلاء المعتبرين الذين ليسوا من أهل البدعة من قال بجواز الزيادة على الأربع.
والمراد من قوله ﵀ (لما ستراه) هو ما تقدم ذكره عن الشوكاني.
ومن خلال عرض ما تقدم من الأقوال، يظهر والله أعلم أن القائلين بجواز الزيادة على الأربع هم عامة أهل البدع من الشيعة وغيرهم.
والجواب عما نقل القاسمي ﵀ عن الشوكاني: أن الرواية عن الظاهرية بجواز نكاح التسع لم تصح كما قال الشوكاني، وكذا عن ابن الصباغ وغيره. وأما الشيعة قاتلهم الله فلا عبرة بقولهم، ولا يقدح خلافهم في صحة الإجماع وأيضًا: فإن ابن الصباغ وإبراهيم بن القاسم، والعمراني ونحوهم، من المتأخرين عن الأئمة الأربعة وأصحابهم الذين دارت عليهم الفتوى في عصرهم واتفقت الأمة على الأخذ بأقوالهم مجمعون على تحريم الزيادة على أربع بالنكاح (١)، ولم نعلم واحدا من الصحابة ذهب إلى جواز هذه الزيادة (٢).
وعلى فرض وجود أحد من أهل السنة أو الأعلام المعتبرين من خالف الإجماع وقال بجواز الزيادة على الأربع، فإن هذا اجتهاد منه، وهذه المخالفة لا تُخرجه من دائرة أهل السنة.
وقول الرازي: أن مخالف هذا الإجماع من أهل البدعة، باعتبار الغالب، والله أعلم، فأصحاب هذا القول في الغالب من أهل البدعة كالشيعة ونحوهم.
تنبيه:
القول بجواز الزيادة على الأربع ليس المشهور عند الشيعة، فقد وجد منهم من قال بتحريم الزيادة على الأربع (٣).
стр. 314
• النتيجة:
بعد عرض ما تقدم من الأقوال في هذه المسألة يتبين أن الفقهاء مجمعون على أنه لا يجوز الزيادة على الأربع في النكاح، وأن مُخالفوا هذا الإجماع هم في الغالب من أهل البدعة، وما نُسب إلى الظاهرية وابن الصباغ وإبراهيم بن القاسم، والعمراني لا يصح، والله أعلم.
стр. 315
٣٣ - قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)﴾ [سورة النساء: ٧].
قال القاسمي: وقد استدل بالآية على توريث ذوي الأرحام لأنهم من الأقربين. وهو استدلال وجيه. ولا حجة لمن حاول دفعه (١).
• أقوال أهل العلم في نصيب ذوي الأرحام من الميراث:
القول الأول: أن ذوي الأرحام لهم نصيب من الميراث إذا لم يكن هناك ذو فرض أو عاصب.
القول الثاني: أن ذوي الأرحام ليس لهم نصيب من الميراث، وإنما يكون الباقي لبيت مال المسلمين.
أصحاب القول الأول:
مذهب أكثر السلف وأبي حنيفة، والثوري، وإسحاق، وأحمد في المشهور عنه: يكون باقي المال لذوي الأرحام (٢).
الكيا الهراسي: "في الآية دلالة على جعل القرابة مطلقة للميراث، إلا أنه لم يجعل لهم إلا النصيب المفروض لا المال المطلق، وليس في الآية ذلك النصيب المفروض" (٣).
أصحاب القول الثاني:
مذهب مالك والشافعي وأحمد في رواية: أن من لا وارث له بفرض ولا تعصيب يكون ماله لبيت مال المسلمين (٤).
стр. 316
الراغب الأصفهاني: " ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ يقتضي خلاف من ورّث ذوي الأرحام، إذ ليس لأحد منهم نصيب مفروض" (١).
الرازي: " المراد من الأقربين من كان أقرب الناس إليه، وما ذاك إلا الوالدان والأولاد، فثبت أن هذا النص لا يدخل فيه ذوو الأرحام" (٢).
• دراسة المسألة:
في تفسير هذه الآية ذكر القاسمي أن من المفسرين من استدل بها على توريث ذوي الأرحام، والعلة من ذلك أنهم من الأقربون فلهم نصيب من الميراث، ويريد بذلك الفخر الرازي.
قال الرازي: "احتج أبو بكر الرازي (٣) بهذه الآية على توريث ذوي الأرحام قال: لأن العمات والخالات والأخوال وأولاد البنات من الأقربين، فوجب دخولهم تحت قوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ أقصى ما في الباب أن قدر ذلك النصيب غير مذكور في هذه الآية، إلا أنا نثبت كونهم مستحقين لأصل النصيب بهذه الآية، وأما المقدار فنستفيده من سائر الدلائل.
وأجاب أصحابنا عنه من وجهين:
أحدهما: أنه تعالى قال في آخر الآية ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ أي نصيبا مقدرا، وبالإجماع ليس لذوي الأرحام نصيب مقدر، فثبت أنهم ليسوا داخلين في هذه الآية.
وثانيهما: أن هذه الآية مختصة بالأقربين، فلم قلتم إن ذوي الأرحام من الأقربين؟ وتحقيقه أنه إما أن يكون المراد من الأقربين من كان أقرب من شيء آخر، أو المراد منه من كان أقرب من جميع الأشياء، والأول باطل لأنه يقتضي دخول أكثر الخلق فيه، لأن كل
стр. 317
إنسان له نسب مع غيره إما بوجه قريب أو بوجه بعيد، وهو الانتساب إلى آدم ﵇، ولا بد وأن يكون هو أقرب إليه من ولده، فيلزم دخول كل الخلق في هذا النص وهو باطل، ولما بطل هذا الاحتمال وجب حمل النص على الاحتمال الثاني وهو أن يكون المراد من الأقربين من كان أقرب الناس إليه، وما ذاك إلا الوالدان والأولاد، فثبت أن هذا النص لا يدخل فيه ذوو الأرحام، لا يقال: لو حملنا الأقربين على الوالدين لزم التكرار، لأنا نقول: الأقرب جنس يندرج تحته نوعان: الوالد والولد، فثبت أنه تعالى ذكر الوالد، ثم ذكر الأقربين، فيكون المعنى أنه ذكر النوع، ثم ذكر الجنس فلم يلزم التكرار" (١).
والجواب عن الوجه الأول الذي ذكره الرازي: أن قوله تعالى: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ لا يخرجهم من حكمها وكونهم مرادين بها لأن الذي يجب لذوي الأرحام عند موجبي مواريثهم هو نصيب مفروض لكل واحد منهم وهو معلوم مقدر كأنصباء ذوي السهام لا فرق بينهما من هذا الوجه وإنما أبان الله تعالى أن لكل واحد من الرجال والنساء نصيبا مفروضا غير مذكور المقدار في الآية لأنه مؤذن ببيان وتقدير معلوم له يرد في التالي فكما ورد البيان في نصيب الوالدين والأولاد وذوي السهام بعضها بنص التنزيل وبعضها بنص السنة وبعضها بإجماع الأمة وبعضها بالقياس والنظر كذلك قد روى بيان أنصباء ذوي الأرحام بعضها بالسنة وبعضها بدليل الكتاب وبعضها باتفاق الأمة من حيث أوجبت الآية لذوي الأرحام أنصباء فلم يجز إسقاط عمومها فيهم ووجب توريثهم بها ثم إذا استحقوا الميراث بها كان المستحق من النصيب المفروض على ما ذهب إليه القائلون بتوريث ذوي الأرحام فيهم فهم وإن كانوا مختلفين في بعضها فقد اتفقوا في البعض وما اختلفوا فيه لم يخل من دليل لله تعالى يدل على حكم فيه (٢).
والجواب عن الوجه الثاني: أنه لا يُسلَّم بحصر من كان أقرب الناس إليه بالوالدان والأولاد، إذ إنه يدخل في الأقربين من الأعمام والعمات والأخوال والخالات وأولادهم،
стр. 318
للسنة القولية: وهي قوله ﷺ : "الخال وارث من لا وارث له يعقل عنه ويرثه" (١)، حيث أثبت الشارع بأن الخال يرث، وغيره من ذوي الأرحام.
وكذلك القياس: فكما أن ذوي الفروض والعصبات من الأقرباء يرثون، فكذلك ذوو الأرحام مثلهم والجامع: أن كلاً منهم قد ساوو الناس في الإسلام، وزادوا عليهم بالقرابة، فكانوا أولى من المسلمين بالميراث، ولهذا كان كل فرد ممن سبقوا أحق في الحياة بصلته، وصدقته وبعد وفاته بوصيته، ويكون ذوو الأرحام محجوبين بذوي الفروض والعصبات إن وجدوا، كما أن أصحاب الفروض يحجب بعضهم بعضا (٢).
قال العثيمين ﵀: " والقول بعدم التوريث قول ضعيف ـ سبحان الله ـ نحرم الخال أو أبا الأم من مال القريب، ونضعه في بيت المال يأكله أبعد الناس!! مثل هذا لا تأتي به الشريعة، فالصواب المقطوع به أن ذوي الأرحام وارثون، لكن بعد ألا يكون ذو فرض أو عاصب، ولهذا نقول: ذوو الأرحام كل قريب ليس بذي فرض ولا عصبة (٣).
وبهذا يتبين أن جواب الرازي عن استدلال من قال بتوريث ذوي الأرحام من قبيل الاجتهاد والاستدلال العقلي، وهو يتعارض مع السنة، وقول أكثر الصحابة، والمصلحة المرسلة، وفيه تكلف والله أعلم.
تنبيهات:
الأول: مسألة توريث ذوي الأرحام ذكرها العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀ وأطال فيها الكلام حتى انتهى بأن الخال يرث من لا وارث له، دون غيره من ذوي الأرحام (٤).
стр. 319
الثاني: أورد هذه المسألة والخلاف فيها: الآلوسي في تفسيره (١)، وأرى أن رده على من منع توريث ذوي الأرحام فيه تكلَّف، والله أعلم، لأنه ناقشها من الناحية الأصولية من جهة الفرق بين الواجب والفرض عند الحنفية والشافعية، وما يترتب عليه من توريث ذوي الأرحام، فلا حاجة إلى إيراده.
الثالث: مسألة ميراث ذوي الأرحام قد اختلف فيها الفقهاء قديمًا وقبلهم الصحابة ﵃، وهي مبسوطة في كتب الفقه (٢).
• النتيجة:
بعد عرض ما تقدم في هذه المسألة من كلام أهل العلم وما فيها من الأدلة، يظهر أن الراجح مع أصحاب القول الأول، وهو: أن ذوي الأرحام لهم نصيب من الميراث إذا عدم أصحاب الفروض والعصبات، لما تقدم من الأدلة من الكتاب والسنة والقياس، والله أعلم.
стр. 320
٣٤ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨)﴾ [سورة النساء: ٨].
قال القاسمي: ذكر هاهنا كثير من المفسرين آثارا عن بعض السلف بأن هذه الآية منسوخة بآية. الميراث. وهي من الضعف بمكان. ولقد أبعد القائل بالنسخ عن فهم سر الآية فيما ندبت إليه من هذه المكرمة الجليلة. وهي إسعاف من ذكر من المال الموروث، والنفس الأبية تنفر من أن تأخذ المال الجزل، وذو الرحم حاضر محروم، ولا يسعف ولا يساعد. فالآية بينة بنفسها، واضحة في معناها وضوح الشمس في الظهيرة، لا تنسخ أو تقوم الساعة (١).
• أقوال أهل العلم في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ من حيث الإحكام والنسخ:
القول الأول: أن الآية منسوخة بآية الميراث.
القول الثاني: أن الآية محكمة وليست منسوخة، فيُعطى الفقراء والمساكين ما تيسر من مال الميراث الذي جاء بغير كد ولا تعب، لأن نفوسهم مُتَشوفة إليه، وقلوبهم متطلعة إليه، ففيه جبرا لخواطرهم.
أصحاب القول الأول:
سعيد بن المسيب: " ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ قال: «هي منسوخة» "، وبنحو ذلك روي عن أبي مالك، والضحاك (٢).
الشافعي: " ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ «نُسِخَ بما جَعل الله للذكر