← Тафсир

Тафсир · id 30149

تعقبات جمال الدين القاسمي على من سبقه من خلال كتابه محاسن التأويل

عبد الرحمن الحسن

Полный текст (1 202 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الراغب الأصفهاني: " ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ يقتضي خلاف من ورّث ذوي الأرحام، إذ ليس لأحد منهم نصيب مفروض" (١). الرازي: " المراد من الأقربين من كان أقرب الناس إليه، وما ذاك إلا الوالدان والأولاد، فثبت أن هذا النص لا يدخل فيه ذوو الأرحام" (٢). • دراسة المسألة: في تفسير هذه الآية ذكر القاسمي أن من المفسرين من استدل بها على توريث ذوي الأرحام، والعلة من ذلك أنهم من الأقربون فلهم نصيب من الميراث، ويريد بذلك الفخر الرازي. قال الرازي: "احتج أبو بكر الرازي (٣) بهذه الآية على توريث ذوي الأرحام قال: لأن العمات والخالات والأخوال وأولاد البنات من الأقربين، فوجب دخولهم تحت قوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ أقصى ما في الباب أن قدر ذلك النصيب غير مذكور في هذه الآية، إلا أنا نثبت كونهم مستحقين لأصل النصيب بهذه الآية، وأما المقدار فنستفيده من سائر الدلائل. وأجاب أصحابنا عنه من وجهين: أحدهما: أنه تعالى قال في آخر الآية ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ أي نصيبا مقدرا، وبالإجماع ليس لذوي الأرحام نصيب مقدر، فثبت أنهم ليسوا داخلين في هذه الآية. وثانيهما: أن هذه الآية مختصة بالأقربين، فلم قلتم إن ذوي الأرحام من الأقربين؟ وتحقيقه أنه إما أن يكون المراد من الأقربين من كان أقرب من شيء آخر، أو المراد منه من كان أقرب من جميع الأشياء، والأول باطل لأنه يقتضي دخول أكثر الخلق فيه، لأن كل

стр. 317

إنسان له نسب مع غيره إما بوجه قريب أو بوجه بعيد، وهو الانتساب إلى آدم ﵇، ولا بد وأن يكون هو أقرب إليه من ولده، فيلزم دخول كل الخلق في هذا النص وهو باطل، ولما بطل هذا الاحتمال وجب حمل النص على الاحتمال الثاني وهو أن يكون المراد من الأقربين من كان أقرب الناس إليه، وما ذاك إلا الوالدان والأولاد، فثبت أن هذا النص لا يدخل فيه ذوو الأرحام، لا يقال: لو حملنا الأقربين على الوالدين لزم التكرار، لأنا نقول: الأقرب جنس يندرج تحته نوعان: الوالد والولد، فثبت أنه تعالى ذكر الوالد، ثم ذكر الأقربين، فيكون المعنى أنه ذكر النوع، ثم ذكر الجنس فلم يلزم التكرار" (١). والجواب عن الوجه الأول الذي ذكره الرازي: أن قوله تعالى: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ لا يخرجهم من حكمها وكونهم مرادين بها لأن الذي يجب لذوي الأرحام عند موجبي مواريثهم هو نصيب مفروض لكل واحد منهم وهو معلوم مقدر كأنصباء ذوي السهام لا فرق بينهما من هذا الوجه وإنما أبان الله تعالى أن لكل واحد من الرجال والنساء نصيبا مفروضا غير مذكور المقدار في الآية لأنه مؤذن ببيان وتقدير معلوم له يرد في التالي فكما ورد البيان في نصيب الوالدين والأولاد وذوي السهام بعضها بنص التنزيل وبعضها بنص السنة وبعضها بإجماع الأمة وبعضها بالقياس والنظر كذلك قد روى بيان أنصباء ذوي الأرحام بعضها بالسنة وبعضها بدليل الكتاب وبعضها باتفاق الأمة من حيث أوجبت الآية لذوي الأرحام أنصباء فلم يجز إسقاط عمومها فيهم ووجب توريثهم بها ثم إذا استحقوا الميراث بها كان المستحق من النصيب المفروض على ما ذهب إليه القائلون بتوريث ذوي الأرحام فيهم فهم وإن كانوا مختلفين في بعضها فقد اتفقوا في البعض وما اختلفوا فيه لم يخل من دليل لله تعالى يدل على حكم فيه (٢). والجواب عن الوجه الثاني: أنه لا يُسلَّم بحصر من كان أقرب الناس إليه بالوالدان والأولاد، إذ إنه يدخل في الأقربين من الأعمام والعمات والأخوال والخالات وأولادهم،

стр. 318

للسنة القولية: وهي قوله ﷺ : "الخال وارث من لا وارث له يعقل عنه ويرثه" (١)، حيث أثبت الشارع بأن الخال يرث، وغيره من ذوي الأرحام. وكذلك القياس: فكما أن ذوي الفروض والعصبات من الأقرباء يرثون، فكذلك ذوو الأرحام مثلهم والجامع: أن كلاً منهم قد ساوو الناس في الإسلام، وزادوا عليهم بالقرابة، فكانوا أولى من المسلمين بالميراث، ولهذا كان كل فرد ممن سبقوا أحق في الحياة بصلته، وصدقته وبعد وفاته بوصيته، ويكون ذوو الأرحام محجوبين بذوي الفروض والعصبات إن وجدوا، كما أن أصحاب الفروض يحجب بعضهم بعضا (٢). قال العثيمين ﵀: " والقول بعدم التوريث قول ضعيف ـ سبحان الله ـ نحرم الخال أو أبا الأم من مال القريب، ونضعه في بيت المال يأكله أبعد الناس!! مثل هذا لا تأتي به الشريعة، فالصواب المقطوع به أن ذوي الأرحام وارثون، لكن بعد ألا يكون ذو فرض أو عاصب، ولهذا نقول: ذوو الأرحام كل قريب ليس بذي فرض ولا عصبة (٣). وبهذا يتبين أن جواب الرازي عن استدلال من قال بتوريث ذوي الأرحام من قبيل الاجتهاد والاستدلال العقلي، وهو يتعارض مع السنة، وقول أكثر الصحابة، والمصلحة المرسلة، وفيه تكلف والله أعلم. تنبيهات: الأول: مسألة توريث ذوي الأرحام ذكرها العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀ وأطال فيها الكلام حتى انتهى بأن الخال يرث من لا وارث له، دون غيره من ذوي الأرحام (٤).

стр. 319

الثاني: أورد هذه المسألة والخلاف فيها: الآلوسي في تفسيره (١)، وأرى أن رده على من منع توريث ذوي الأرحام فيه تكلَّف، والله أعلم، لأنه ناقشها من الناحية الأصولية من جهة الفرق بين الواجب والفرض عند الحنفية والشافعية، وما يترتب عليه من توريث ذوي الأرحام، فلا حاجة إلى إيراده. الثالث: مسألة ميراث ذوي الأرحام قد اختلف فيها الفقهاء قديمًا وقبلهم الصحابة ﵃، وهي مبسوطة في كتب الفقه (٢). • النتيجة: بعد عرض ما تقدم في هذه المسألة من كلام أهل العلم وما فيها من الأدلة، يظهر أن الراجح مع أصحاب القول الأول، وهو: أن ذوي الأرحام لهم نصيب من الميراث إذا عدم أصحاب الفروض والعصبات، لما تقدم من الأدلة من الكتاب والسنة والقياس، والله أعلم.

стр. 320

٣٤ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨)﴾ [سورة النساء: ٨]. قال القاسمي: ذكر هاهنا كثير من المفسرين آثارا عن بعض السلف بأن هذه الآية منسوخة بآية. الميراث. وهي من الضعف بمكان. ولقد أبعد القائل بالنسخ عن فهم سر الآية فيما ندبت إليه من هذه المكرمة الجليلة. وهي إسعاف من ذكر من المال الموروث، والنفس الأبية تنفر من أن تأخذ المال الجزل، وذو الرحم حاضر محروم، ولا يسعف ولا يساعد. فالآية بينة بنفسها، واضحة في معناها وضوح الشمس في الظهيرة، لا تنسخ أو تقوم الساعة (١). • أقوال أهل العلم في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ من حيث الإحكام والنسخ: القول الأول: أن الآية منسوخة بآية الميراث. القول الثاني: أن الآية محكمة وليست منسوخة، فيُعطى الفقراء والمساكين ما تيسر من مال الميراث الذي جاء بغير كد ولا تعب، لأن نفوسهم مُتَشوفة إليه، وقلوبهم متطلعة إليه، ففيه جبرا لخواطرهم. أصحاب القول الأول: سعيد بن المسيب: " ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ قال: «هي منسوخة» "، وبنحو ذلك روي عن أبي مالك، والضحاك (٢). الشافعي: " ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ «نُسِخَ بما جَعل الله للذكر

стр. 321

والأنثى: من الفرائض» " (١). العُليمي (٢): " ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ أي: فارْضَخُوا لهم من المال قبل القسمة، وحكمُ هذه الآية منسوخ" (٣). أصحاب القول الثاني: ابن عباس ﵁: «إن ناسا يزعمون أن هذه الآية نسخت ولا والله ما نسخت ولكنها مما تهاون الناس هما واليان: والٍ يرث وذاك الذي يرزق ووالٍ لا يرث فذاك الذي يقول بالمعروف يقول: لا أملك لك أن أعطيك.» (٤)، وبنحو ذلك روي عن أبي موسى الأشعري، ومن التابعين إبراهيم النخعي والشعبي والزهري ومجاهد والحسن وسعيد بن جبير (٥). القرطبي: القول بأن الآية محكمة أصح، فإنها مبينة استحقاق الورثة لنصيبهم، واستحباب المشاركة لمن لا نصيب له ممن حضرهم (٦). ابن نور الدين (٧): "جمهور أهل العلم كعائشةَ وأبي موسى: هي محكَمَةٌ غيرُ منسوخة وهو الصحيحُ في النقل عن ابن عباس رضي اللهـ تعالى عنهما" (٨). الشنقيطي: "وآية القسمة ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ

стр. 322

فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ والصحيح فيها أيضا عدم النسخ" (١). • دراسة المسألة: من خلال الاستقراء والنظر في أقوال المفسرين من السلف ومن بعدهم في هذه المسألة، يظهر أن الصواب مع أصحاب القول الثاني وهو: أن الآية مُحكمة وليست منسوخة، وهو قول جمهور أهل العلم (٢)، للأدلة التالية: أولا: فعل السلف ﵃ الذي يُفسر الآية بمشروعية إعطاء الفقراء والمساكين من مال الميراث: فقد روى ابن أبي حاتم أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق قسم ميراث أبيه عبد الرحمن، وعائشة حية. فلم يدع في الدار مسكينا ولا ذا قرابة إلا أعطاه من ميراث أبيه وتلا هذه الآية: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ الآية (٣). وقد أُثر عن بعض الصحابة والتابعين أنهم كانوا يرضخون للفقراء من الميراث ويأمرون به (٤). ثانيًا: أنه يشترط في الناسخ والمنسوخ اخلاف الحكمين: بحيث ينفي الأول الآخر والعكس، ويتعذر حملهما، فغير جائز أن يقال لحكم من الأحكام بأنه ناسخ لحكم آخر، أو منسوخ بحكم آخر، إلا والحكمان اللذان قضى لأحدهما بأنه ناسخ، والآخر بأنه منسوخ ناف كل واحد منهما صاحبه، غير جائز اجتماع الحكم بهما في وقت واحد بوجه من الوجوه، وإن كان جائزا صرفه إلى غير النسخ، أو يقوم بأن أحدهما ناسخ والآخر منسوخ

стр. 323

حجة يجب التسليم لها (١). ثالثًا: أن الآية الكريمة لا تتعارض مع آية المواريث لأنها إنما تأمر بما يؤدى إلى التعاطف والتراحم بين الناس، وهذا أمر لا ينسخ، بل هو ثابت في كل زمان ومكان (٢). رابعًا: أن المذكور في الآية للقرابة غير الوارثين، ليس هو من جملة الميراث، حتى يقال: إنها منسوخة بآية المواريث، إلا أن يقولوا: إن أولي القربى المذكورين هنا هم الوارثون كان للنسخ وجه (٣). خامسًا: القائلون بالنسخ مجمعون- قولا واحدا- على أن هذه الآية منسوخة بآية المواريث. والقول بنسخ هذه الآية يسدّ على الفقراء والمساكين واليتامى بابا من أبواب الرحمة، أراد الله سبحانه أن يفتحه عليهم، كما أنه يقطع آصرة المودة بين ذوى القربى، التي أمر الله بها أن توصل (٤). سادسًا: أن الذي يقول إنها منسوخة لا يخلو أمره من إحدى جهتين إما أن تكون كانت ندبا ثم نسخت وهذا محال لأن الندب إلى الخير لا ينسخ لأن نسخه معناه: [لا تفعلوا الخير] وهذا محال أو تكون كانت واجبة فنسخت وهذا أيضا لا يكون لأن قائله يقول إنه كان إذا حضر أولو القربى واليتامى والمساكين أعطوهم ولم يعطوا العصبة فنسخ ذلك بالفرض وهذا لم يعرف قط في جاهلية ولا إسلام (٥). سابعًا: الذي يظهر من كلام المتقدمين أن النسخ عندهم في الإطلاق أعم منه في كلام الأصوليين، فقد يُطلقون على تقييد المطلق نسخًا، وعلى تخصيص العموم بدليل متصل أو منفصل نسخًا، وعلى بيان المبهم والمجمل نسخًا (٦).

стр. 324

قال الشاطبي: "والجمع بين الآيتين ممكن لاحتمال حمل الآية على الندب، والمراد بأولي القربى: من لا يرث، بدليل قوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ﴾، فقيد - كما ترى - الرزق بالحضور، فدل أن المراد غير الوارثين، وبيَّن الحسن أن المراد الندب أيضاً بدليل آية الوصية والميراث، فهو من بيان المجمل والمبهم" (١). تنبيه: تعقيب القاسمي ﵀ على قول من قال بأن الآية منسوخة، ووصفُ قوله بالضعف وأنه لم يفهم سر الآية، مما لا ينبغي إذ في ظاهره القدح والانتقاص من قدر كبار التابعين القائلين به، وإن كان الحق معه. • النتيجة: مما تقدم يتبين أن الصواب في هذه المسألة مع أصحاب القول الثاني وهو: أن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ ليس بمنسوخ بل هو نص مُحكم، يُفيد إعطاء الفقراء والمساكين ما تيسر من مال الميراث رفقًا بهم وجبرًا لخواطرهم، لما تقدم ذكره من الأدلة، وعليه جمع من السلف، ومن بعدهم من العلماء والمُفسرين، والجمع بين الأدلة مُقدم على النسخ كما هو مقرر عند أهل العلم، والله أعلم.

стр. 325

٣٥ - قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧)﴾ [سورة النساء: ١٧]. قال القاسمي: ما ذكره كثير من المفسرين من أن المراد من قوله تعالى: ﴿مِنْ قَرِيبٍ﴾ ما قبل حضور الموت- بعيد من لفظ الآية وسرها التي أرشدت إليه. أعني البدار إلى التوبة قبل أن تعمل سموم الذنوب بروح الإيمان، عياذاً بالله تعالى (١). • أقوال أهل العلم في المراد من قوله تعالى: ﴿مِنْ قَرِيبٍ﴾: القول الأول: أن المراد: ما قبل حضور الموت. القول الثاني: أن المراد: وقت الاحتضار والغرغرة. أصحاب القول الأول: الزمخشري: " ﴿مِنْ قَرِيبٍ﴾ أى: من زمان قريب. والزمان القريب: ما قبل حضرة الموت ألا ترى إلى قوله ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾. فبين أن وقت الاحتضار هو الوقت الذي لا تقبل فيه التوبة، فبقى ما وراء ذلك في حكم القريب" (٢). البيضاوي: " ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ من زمان قريب، أي قبل حضور الموت لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ " (٣). أبو السعود: " ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ أي من زمان قريب وهو ما قبل حضور الموت كما ينبى عنه ما سيأتي من قوله تعالى ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ فإنه صريح

стр. 326

في أن وقت الاحتضار هو الوقت الذي لا تقبل فيه التوبة فبقي ما وراءه في حيز القبول" (١). أصحاب القول الثاني: الطبري: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: تأويله ثم يتوبون قبل مماتهم في الحال التي يفهمون فيها أمر الله ﵎ ونهيه، وقبل أن يغلبوا على أنفسهم وعقولهم، وقبل حال اشتغالهم بكرب الحشرجة وغم الغرغرة، فلا يعرفوا أمر الله ونهيه، ولا يعقلوا التوبة" (٢). ابن كثير: "يقول تعالى: إنما يتقبل الله التوبة ممن عمل السوء بجهالة، ثم يتوب ولو قبل معاينة الملك لقبض روحه قبل الغرغرة" (٣). البقاعي: " ﴿أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ أي بأن وصل إلى حد الغرغرة، وهي حالة المعاينة" (٤). • دراسة المسألة: ذكر القاسمي ﵀ في تفسير هذه الآية أن المراد من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ أي: من زمان قريب. وظاهر الآية اشتراط وقوع التوبة عقب المعصية بلا تراخ. وإنها بذلك تنال درجة قبولها المحتم تفضلا. إذ بتأخيرها وتسويفها يدخل في زمرة المصرين. فيكون في الآية إرشاد إلى المبادرة بالتوبة عقب الذنب. والإنابة إلى المولى بعده فورا. ووجوب التوبة على الفور مما لا يستراب فيه. إذ معرفة كون المعاصي مهلكات من نفس الإيمان. وهو واجب على الفور (٥). ولعل الأقرب إلى الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، وهو أن المراد من قوله تعالى: ﴿مِنْ قَرِيبٍ﴾ وقت الاحتضار والغرغرة، وذلك من أوجه:

стр. 327

الوجه الأول: أن سياق الآية التي بعدها يدل على أن وقت عدم قبول التوبة هو وقت الاحتضار وليس وقت ما قبل حضور الموت. قال القاسمي: (فإن قيل): من أين يستفاد قبول التوبة قبل حضور الموت؟ (قلنا) يستفاد من الآية التي بعدها، ومن الأحاديث الوافرة في ذلك. لا من قوله تعالى ﴿مِنْ قَرِيبٍ﴾ بما أولوه. وذلك لأن الآية الثانية وهي قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ صريحة في أن وقت الاحتضار هو الوقت الذي لا تقبل فيه التوبة. فبقي ما وراءه في حيّز القبول (١). الوجه الثاني: دلالة السنة النبوية على أن وقت عدم قبول التوبة: وقت الاحتضار والغرغرة، فقد وردت أحاديث عديدة تدل على ذلك: منها: ما رواه الإمام أحمد عن ابن عمر عن النبيّ ﷺ قال: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" (٢). ورواه ابن ماجة والترمذيّ وقال: حسن غريب. ومنها: ما رواه أبو داود الطيالسيّ عن عبد الله بن عمرو قال: "من تاب قبل موته بعام تيب عليه. ومن تاب قبل موته بيوم تيب عليه. ومن تاب قبل موته بساعة تيب عليه. (قال أيوب). فقلت له إنما قال الله : ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾. فقال: إنما أحدثك ما سمعت من رسول الله ﷺ " (٣). ومنها: ما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه" (٤).

стр. 328

الوجه الثالث: أن التوبة لا تكون توبة إلا ممن ندمٍ على ما سلف منه، وعزمٍ منه على ترك المعاودة، وهو يعقل الندم، ويختار ترك المعاودة: فأما إذا كان بكرب الموت مشغولا وبغمّ الحشرجة مغمورًا، فلا إخالُه إلا عن الندم على ذنوبه مغلوبًا. ولذلك قال من قال: "إن التوبة مقبولة، ما لم يغرغر العبد بنفسه"، فإن كان المرء في تلك الحال يعقل عقلَ الصحيح، ويفهم فهم العاقل الأريب، فأحدث إنابة من ذنوبه، ورجعةً من شروده عن رَبه إلى طاعته، كان إن شاء الله ممن دخل في وعد الله الذي وعد التائبين إليه من إجرامهم من قريب بقوله: "إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب" (١). الوجه الرابع: أن قرب الموت لا يمنع من قبول التوبة، بل المانع من قبول التوبة مشاهدة الأحوال التي عندها يحصل العلم بالله تعالى على سبيل الاضطرار، وإنما قلنا إن نفس القرب من الموت لا يمنع من قبول التوبة لوجوه: الأول: أن جماعة أماتهم الله تعالى ثم أحياهم مثل قوم من بني إسرائيل، ومثل أولاد أيوب ﵇، ثم إنه تعالى كلفهم بعد ذلك الإحياء، فدل هذا على أن مشاهدة الموت لا تخل بالتكليف. الثاني: أن الشدائد التي يلقاها من يقرب موته تكون مثل الشدائد الحاصلة عند الْقُولَنْجُ (٢)، ومثل الشدائد التي تلقاها المرأة عند الطلق أو أزيد منها، فإذا لم تكن هذه الشدائد مانعة من بقاء التكليف فكذا القول في تلك الشدائد. الثالث: أن عند القرب من الموت إذا عظمت الآلام صار اضطرار العبد أشد وهو تعالى يقول: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [سورة النمل: ٦٢] فتزايد الآلام في ذلك الوقت بأن يكون سببا لقبول التوبة أولى من أين يكون سببا لعدم قبول التوبة، فثبت بهذه الوجوه أن نفس القرب من الموت ونفس تزايد الآلام والمشاق، لا يجوز أن يكون مانعا من

стр. 329

قبول التوبة (١). قال الشيخ محمد رشيد رضا: "ذهب جمهور المفسرين إلى تفسير الزمن القريب بما قبل حضور الموت، واحتجوا على ذلك بالآية الثانية التي تنفي قبول توبة الذين يتوبون إذا حضر أحدهم الموت. وليس ذلك بحجة لهم، لأن الظاهر أن هذه الآية بينت الوقت الذي تقبل فيه التوبة من كل مذنب حتما، والآية الثانية بينت الوقت الذي لا تقبل فيه توبة مذنب قط، وما بين الوقتين مسكوت عنه، وهو محل الرجاء والخوف، فكلما قرب وقت التوبة من وقت اقتراف الذنب كان الرجاء أقوى، وكلما بعد الوقت بالإصرار، وعدم المبالاة، والتسويف كان الخوف من عدم القبول هو الأرجح، لأن الإصرار قد ينتهي قبل حضور الموت بالرين، والختم، وإحاطة الخطيئة" (٢). تنبيه: الذي يظهر لي والله أعلم أن ما ذهب جماعة من السلف كالضحاك وعكرمة وابن زيد من أن المراد: ثم يتوبون من قبل الموت (٣). وما ذهب إليه ابن عباس ﵁ في رواية أخرى وأبي مجلز ومحمد بن قيس والضحاك في رواية إلى أن المراد من القريب في قوله تعالى: ﴿مِنْ قَرِيبٍ﴾ أي: يتوبون من قبل معاينة مَلَك الموت (٤). أنه لا تعارض بينهما، لدلالة قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [سورة المؤمنون: ٩٩] وجميع الأحاديث المُتقدمة التي أوردها القاسمي ﵀ يُمكن أن يُستدل بها على أن المراد من قبول التوبة: ما قبل حضور الموت لأنه يكون في الغالب قبل وقت الغرغرة ومُعاينة ملك الموت.

стр. 330

• النتيجة: بعد عرض ما تقدم من الأقوال يظهر أن الأقرب للصواب أن يقال: أن وقت التوبة ممتد إلى وقت حضور الموت وليس قبله، لما تقدم ذكره من الأدلة والأوجه الدالة على ذلك، وإن كان الظاهر أنه لا تعارض بين الأقوال، والله أعلم.

стр. 331

٣٦ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠)﴾ [سورة النساء: ٢٠]. قال القاسمي: لو زعم القائل بالنسخ أن قوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ﴾، عام في المخلوعة ومن أُريد طلاقها- نقول هذا باطل وفاسد. لأن مورد الآية في إرادته، هو فراقها مبتدئا. فلا يصْدُق على المختلعة. لأنه لا يراد الاستبدال بغيرها ابتداء من جانب الزوج. وبالجملة فكل من قرأ صدر الآيتين على أن كلا في حكم على حدة. لا تعلق فيها له بالآخر. والنسخ لا يُصار إليه بالرأي. وقد كثُر في المتأخرين دعوى النسخ في الآيات هكذا بلا استناد قوي. بل لما يتراءى ظاهرا بلا إمعان. فتثبت هذا (١). • أقوال أهل العلم في الخلع الذي يترتب عليه استحقاق الزوج قيمة المهر الذي دفعه لزوجته، الذي جاء بيانه في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [سورة البقرة: ٢٢٩] من حيث الإحكام والنسخ: القول الأول: أن استحقاق قيمة المهر في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ﴾. القول الثاني: عكس الأول وهو: أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ﴾ الآية، منسوخ بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. القول الثالث: أنه لا نسخ في الآيتين، فكُلا من الآيتين له حكم مختلف.

стр. 332

أصحاب القول الأول: بكر بن عبد الله المزني (١): سأله عقبة بن أبي الصهباء (٢) عن رجل تريد امرأته منه الخلع، قال: لا يحل له أن يأخذ منها شيئا. قلت: يقول الله تعالى ذكره في كتابه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ قال: هذه نسخت. قلت: فإني حفظت؟ قال: حفظت في سورة النساء قول الله تعالى ذكره: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ (٣). أصحاب القول الثاني: ابن زيد: قوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ قال: «ثم رخص بعد» فقال: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ قال: «فنسخت هذه تلك» " (٤). أصحاب القول الثالث: الطبري: "وأولى الأقوال بالصواب في ذلك قول من قال: إنها محكمة غير منسوخة، وغير جائز للرجل أخذ شيء مما آتاها إذا أراد طلاقها من غير نشوز كان منها، ولا ريبة أتت بها" (٥).

стр. 333

النحاس (١): "وهذا قول شاذ خارج عن الإجماع وليس إحدى الآيتين رافعة للأخرى فيقع النسخ" (٢). الجصاص (٣): " ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ ومن الناس من يقول إنها منسوخة بقوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ وذلك غلط" (٤). ابن عطية: " وليس في شيء من هذه الآيات ناسخ ولا منسوخ، وكلها ينبني بعضها مع بعض" (٥). • دراسة المسألة: بعد التأمل والنظر في أقوال المفسرين وما ذكروه من أدلة في هذه المسألة، يظهر أن الصواب مع أصحاب القول الثالث، وهو: أن كلا الآيتين من قبيل المحكم ولا نسخ فيه، وأن استحقاق الزوج لقيمة المهر من المختلعة ثابت، وذلك لدلالة الكتاب والسنة والاجماع: أولا: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [سورة البقرة: ٢٢٩] وهو صريح في أن الزوجة إذا كرهت خلق زوجها أو خلقه أو نقص دينه أو خافت إثما بترك حقه، أبيح لها أن تفتدي منه وحلّ له أخذ الفداء مما آتاها، لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ إلخ (٦).

стр. 334

ثانيًا: من السنة: ما رواه البخاري وغيره، وهو قوله ﷺ لامرأة ثابت: «أتردّين عليه حديقته! فقالت: نعم. فقال ﷺ لزوجها: اقبل الحديقة وطلقها» (١). فهذا الحديث صريح في مشروعية الخلع، وأن للزوج استرداد ما دفعه من صداق أو مهر. ثالثًا: من الإجماع: فقد حكاه غير واحد من أهل العلم. قال ابن جرير: فأما ما قاله بكر بن عبد الله من أن هذا الحكم في جميع الآية منسوخ بقوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [سورة النساء: ٢٠] فقول لا معنى له، فنتشاغل بالإنابة عن خطئه لإجماع الجميع من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم من المسلمين، على تخطئته وإجازة أخذ الفدية من المفتدية نفسها لزوجها، وفي ذلك الكفاية عن الاستشهاد على خطئه بغيره (٢). رابعًا: أن قوله تعالى في البقرة: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [سورة البقرة: ٢٢٩]- صريح في أن الزوجة إذا كرهت خلق زوجها أو خلقه أو نقص دينه أو خافت إثما بترك حقه، أبيح لها أن تفتدي منه وحلّ له أخذ الفداء مما آتاها، لقوله تعالى ثمّ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ إلخ. والحكمة في حل الأخذ ظاهرة. وهي جبر الزوج مما لحقه من ضعة اختلاعها له وهيمنتها حينئذ عليه، واسترداد ما لو أخذ منه، لكان في صورة المظلوم. لأنه لم يجنح للفراق ولا رغب فيه. فكان من العدل الإلهيّ أن لا يجمع عليه بين خسارتي التمتع والمال. وأما هذه الآية فهي في حكم آخر. وهو ما إذا أراد استبدال زوجته لطموح بصره إلى غيرها من غير أن تفتدي منه، أو ترغب في خلع نفسها منه، فيضن بما آتاها ويأسف لأن تحوزه وهو لا يريدها وليس لها في نفسه وقع، فعزم عليه أن لا يأخذ مما أصدقها شيئا قط بعد الإفضاء. لأنه لو أبيح له الأخذ

стр. 335

حينئذ لكان ظلما واضحا. لأنه أخذ بلا جريرة منها. فكان في إبقاء ما في يدها مما آتاها جبر لما نابها من ألم الإعراض عنها واطراحها، رحمة منه تعالى، وعدلا في القضيتين. فالقائل بالنسخ فاته سر الحكمين" (١). خامسًا: أن قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ يُحمل على المضاجرة والتضييق من قِبل الزوج، ليحمل الزوجة على الافتداء منه وإعطاؤه الصداق أو شيئًا منه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [سورة النساء: ١٩] فأما إن وهبته المرأة شيئا عن طيب نفس منها. فقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [سورة النساء: ٤] وأما إذا تشاقق الزوجان، ولم تقم المرأة بحقوق الرجل وأبغضته ولم تقدر على معاشرته، فلها أن تفتدي منه بما أعطاها، ولا حرج عليها في بذلها، ولا عليه في قبول ذلك منها؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ الآية (٢). سادسًا: أن الآية التي في سورة النساء إنما حرم الله فيها على زوج المرأة أن يأخذ منها شيئا مما آتاها، بأن أراد الرجل استبدال زوج بزوج من غير أن يكون هنالك خوف من المسلمين عليهما بمقام أحدهما على صاحبه أن لا يقيما حدود الله، ولا نشوز من المرأة على الرجل. وإذا كان الأمر كذلك، فقد ثبت أن أخذ الزوج من امرأته مالا على وجه الإكراه لها والإضرار بها حتى تعطيه شيئا من مالها على فراقها حرام، ولو كان ذلك حبة فضة فصاعدا، وأما الآية التي في سورة البقرة، فإنها إنما دلت على إباحة الله تعالى ذكره له أخذ الفدية منها في حال الخوف عليهما أن لا يقيما حدود الله بنشوز المرأة، وطلبها فراق الرجل، ورغبته فيها (٣).

стр. 336

سابعًا: أن النسخ يقع إذا كان هناك نفي ورفع للحكم المتقدم، بحكم متأخر يُنافي المتقدم، ولا نفي هنا بين الآيتين حتى يُقال بالنسخ. قال ابن جرير الطبري ﵀ بعد إيراده لأقوال السلف في الآية: "وأولى الأقوال بالصواب في ذلك، قولُ من قال: "إنها محكمة غير منسوخة"، وغير جائز للرجل أخذ شيء مما آتاها، إذا أراد طلاقها من غير نشوز كان منها، ولا ريبة أتت بها. وذلك أن الناسخ من الأحكام، ما نَفَى خلافه من الأحكام، على ما قد بيَّنا في سائر كتبنا. (١) وليس في قوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾، نَفْي حكمِ قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. لأن الذي حرَّم الله على الرجل بقوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾، أخذُ ما آتاها منها إذا كان هو المريدَ طلاقَها. وأما الذي أباح له أخذَه منها بقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، فهو إذا كانت هي المريدةَ طلاقَه وهو له كاره، ببعض المعاني التي قد ذكرنا في غير هذا الموضع. وليس في حكم إحدى الآيتين نفي حكم الأخرى. وإذ كان ذلك كذلك، لم يجز أن يُحكم لإحداهما بأنها ناسخة، وللأخرى بأنها منسوخة، إلا بحجة يجبُ التسليم لها (٢). ثامنًا: أن من المفسرين من قال أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ نزلت في الرجل يريد أن يفارق امرأته ويكره أن يصل إليها ما فرض لها من المهر فلا يزال يتبعها بالأذى حتى ترد عليه ما أعطاها لتخلص منه. فنهى الله تعالى عن ذلك، فأما آية الخلع فلا تعلق لها بشيء من ذلك (٣). فمما تقدم يتبين من الأوجه التي ذكرها أهل العلم من المفسرين ضعف قول من قال بأن الآية ناسخة لآية البقرة، فكُلاً من الآيتين له حكم مُستقل.

стр. 337

• النتيجة: من خلال عرض ما تقدم في هذه المسألة يتبين أنه لا وجه للنسخ في قوله: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ والعكس كذلك، وأن كلا من الآيتين سيق لحكم مخصوص فيُحمل على المحكم، لما تقدم من أقوال الأعلام من المفسرين الذين نصوا على بطلان القول بالنسخ، وما تقدم ذكره من الأدلة، والله أعلم.

стр. 338

٣٧ - قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [سورة النساء: ٢٤]. قال القاسمي: قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ عام مخصوص بمحرمات أخر دلت عليها دلائل أخر. وإنما أوردنا هذا تزييفا لزعم الخوارج أن حديث (لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها) المروي في الصحيحين وغيرهما، خبر واحد. وتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لا يجوز (١). • أقوال أهل العلم في الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح: القول الأول: تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح. القول الثاني: جواز الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح. أصحاب القول الأول: المفسرون من أهل السنة وغيرهم. البغوي: "وكذلك لا يجوز أن يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها" (٢). البيضاوي: " ﴿مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ما سوى المحرمات الثمان المذكورة. وخص عنه بالسنة ما في معنى المذكورات كسائر محرمات الرضاع، والجمع بين المرأة وعمتها وخالتها" (٣). الشوكاني: "وألحقت السنة المتواترة تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها" (٤). السعدي: "ذكر الله الجمع بين الأختين وحرمه وحرم النبي ﷺ الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، فكل امرأتين بينهما رحم محرم لو قدر إحداهما ذكرًا والأخرى أنثى

стр. 339

حرمت عليه فإنه يحرم الجمع بينهما، وذلك لما في ذلك من أسباب التقاطع بين الأرحام" (١). أصحاب القول الثاني: طائفة من الشيعة والخوارج. يقول الرازي: "وزعم الخوارج أن حديث: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها» خبر واحد، وتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لا يجوز" (٢). ويقول أبو حيان: "استدلت الخوارج ومن وافقهم من الشيعة على جواز نكاح المرأة على عمتها وعلى خالتها، والجمع بينهما" (٣). ويقول القرطبي: "وأجاز الخوارج الجمع بين الأختين وبين المرأة وعمتها وخالتها ولا يعتد بخلافهم لأنهم مرقوا من الدين" (٤). • دراسة المسألة: الناظر في الأدلة وأقوال أهل العلم في هذه المسألة، يجد أنه لا شك في أن الصواب ما عليه أصحاب القول الأول وهو: تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح، لدلالة الكتاب والسنة والإجماع. فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [سورة النساء: ٢٣]. ووجه الدلالة: أن تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها متلقى من الآية نفسها، لأن الله تعالى حرم الجمع بين الأختين، والجمع بين المرأة وعمتها في معنى الجمع بين الأختين، أو لأن الخالة في معنى الوالدة والعمة في معنى الوالد (٥). أو يقال: أن قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ يدل على كون القرابة

стр. 340

القريبة مانعة من الجمع في النكاح، وهذا المعنى حاصل بين المرأة وعمتها أو خالتها، فكان الحكم المذكور في الأختين مذكورا في العمة والخالة من طريق الدلالة، بل هاهنا أولى، وذلك لأن العمة والخالة يشبهان الأم لبنت الأخ ولبنت الأخت، وهما يشبهان الولد للعمة والخالة، واقتضاء مثل هذه القرابة لترك المضارة أقوى من اقتضاء قرابة الأختية لمنع المضارة، فكان قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ مانعا من العمة والخالة بطريق الأولى (١). ومن السنة: ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث جابر ﵁، قال: "نهى رسول الله ﷺ أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها" (٢). فوجب أن يكون هذا الحديث مضموما إلى الآية فيكون قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ مستعملا فيمن عدا الأختين وعدا من بين النبي ﷺ تحريم الجمع بينهن (٣). وأما الإجماع: فقد حكاه غير واحد من أهل العلم. قال ابن المنذر: "وأجمعوا على أن لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها: لا الكبرى على الصغرى ولا الصغرى على الكبرى" (٤). وقال ابن عطية: "ثبت عن النبي ﷺ أنه نهى أن يجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، وأجمعت الأمة على ذلك" (٥). الجواب عن الشبهة التي احتج بها طائفة من الشيعة والخوارج على جواز الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها: من مفاسد هذا القول أن ظاهره يوهم وقوع التناقض في الأحكام الشرعية. وهذا محال

стр. 341

في الشريعة الإسلامية، إذا كيف يجيز الله تعالى في كتابه حُكمًا من الأحكام ويُحرِّمه نبيه ﷺ . وما هذا إلا لفساد طريقة هؤلاء القوم الذين نظروا إلى النصوص الشرعية بعين عوراء، فأخذوا منها ما يُوافق أهوائهم، وضربوا بما لا يوافق أهواءهم عرض الحائط، ولم يجتهدوا بالجمع بينهما بحمل الخاص على العام، وما يقرره أهل العلم في تأويلها، وتهوينهم من شأن وقدر خبر الآحاد وظنهم أنه لا يرتقي إلى درجة تخصيص عموم القرآن، وليس المقام هنا أن تورد الأدلة والنقولات التي تدل على حجية خبر الآحاد. والجواب عن شبهتهم من أوجه: الأول: أن حديث: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها» بلغ في الشهرة مبلغ التواتر، وتخصيص عموم القرآن بخبر المتواتر جائز (١). عند من يشترط التواتر. الثاني: أن تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد جائز عند جمهور أهل العلم. قال الحافظ النووي: "قالت طائفة من الخوارج والشيعة يجوز واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ واحتج الجمهور بهذه الأحاديث خصوا بها الآية، والصحيح الذي عليه جمهور الأصوليين جواز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لأنه ﷺ مبين للناس ما أنزل إليهم من كتاب الله" (٢). الثالث: أنه قد دخلت تخصيصات أخرى من السنة في قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ كتخصيص تحريم زواج المتلاعنان الوارد في قوله ﵊: «المتلاعنان لا يجتمعان أبدا» (٣)، فلا يُقال أنهما يجتمعان لعموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾.

стр. 342

الرابع: مما يدل على جواز تخصيص عموم المتواتر، بأخبار الآحاد: أن التخصيص بيان، والبيان يجوز بكل ما يزيل اللبس، ولذا كان جمهور العلماء على جواز بيان المتواتر، بأخبار الآحاد، كتخصيص عموم: وأحل لكم ما وراء ذلكم، وهو متواتر بحديث: «لا تنكح المرأة على عمتها أو خالتها»، وهو خبر آحاد (١). الخامس: أن الصحابة ﵃ أجمعوا على تخصيص القرآن بخبر الواحد، ولم يُخالف منهم أحد، فكان إجماعاً (٢). تنبيهان: الأول: بعض أهل العلم ومن المُفسرين شنَّع على قول من أجاز الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح ووصفه بالشذوذ والضلال أو البدعة، كالجصاص (٣)، وابن قدامة (٤)، والبهوتي (٥). الثاني: لم أجد في تفاسير الخوارج كتفسير كتاب الله العزيز لهود بن مُحَكَّم الهُوَّاري، وتفسير هميان الزاد لمحمد إطفيش الوهبى، القول بجواز الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح، ولعل زعم الخوارج الذي أورده القاسمي ﵀، مما نُقل عنهم، أو لعله قول طائفة منهم، والله أعلم. • النتيجة: بعد عرض ما تقدم في هذه المسألة، يتبين جليًا أن الحق مع أصحاب القول الأول، وهو: تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح، لما تقدم من أقوال أهل العلم، والأدلة من الكتاب والسنة والإجماع، والأوجه التي تبين بطلان ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني.

стр. 343

٣٨ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [سورة النساء: ٢٥]. قال القاسمي بعد بيان معنى الآية: وما ذكرناه هو المطابق لمعنى الآية. ولا يخلو ما عداه عن تكلف لا يساعده نظم الآية (١). • أقوال أهل العلم في اشتراط عدم ملك الصداق لمن يريد نكاح الأمة: القول الأول: يشترط لمن يريد نكاح الأمة أن لا يجد سعة وصداقًا لنكاح الحرة. القول الثاني: عدم اشتراط ذلك، فيجوز أن ينكح الأمة مع الغنى وملك صداق الحرة. أصحاب القول الأول: ابن عباس ﵁: قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ يقول: «من لم يكن له سعة» وبنحو ذلك روي عن مجاهد، وسعيد بن جبير، والسدي، وابن زيد (٢). الإمام مالك: "والطول عندنا المال، فمن لم يستطع الطول وخشي العنت فقد أرخص الله له في نكاح الأمة المؤمنة" (٣). الإمام الشافعي: "وفي إباحة اللَّه الإماء المؤمنات على ما شرط، لمن لم يجد طولاً، وخاف العنت، دلالة - واللَّه تعالى أعلم - على تحريم نكاح إماء أهل الكتاب، وعلى أن الإماء المؤمنات لايحللنْ إلا لمن جمع الأمرين مع إيمانهن" (٤).

стр. 344

أصحاب القول الثاني: علي بن أبي طالب ﵁: " ينكح الأمة وإن كان موسرا"، وبنحو ذلك روي عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وسعيد ابن المسيب في رواية، وإبراهيم النخعي، والحسن في رواية، والزهري (١). الإمام أبو حنيفة: "الغنى والفقير سواء في جواز نكاح الأمة"، ويفسر الآية: "بأن من لم يملك فراش الحرة، على أن النكاح هو الوطء، فله أن ينكح أمة" (٢). الجصاص: "ليس في قوله تعالى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ الآية، إلا إباحة نكاح الإماء لمن كانت هذه حاله ولا دلالة فيه على حكم من وجد طولا" (٣). • دراسة المسألة: في تفسير هذه الآية بين القاسمي ﵀ المعنى الإجمالي المراد بالآية، فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ﴾ أي: لم يقدر مِنْكُمْ أيها الأحرار، بخلاف العبيد، أن يحصل ﴿طَوْلًا﴾ أي: غنى يمكنه به ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ أي الحرائر المتعففات، بخلاف الزواني إذ لا عبرة بهن ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إذ لا عبرة بالكوافر ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: فله أن ينكح بعض ما يملكه أيمان إخوانكم ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ﴾ أي: إمائكم حال الرق الْمُؤْمِناتِ لا الكتابية. لأنه لا يحتمل مع عار الرق عار الكفر (٤). ثم أورد كلام الفخر الرازي: " وقد استفيد من سياق هذه الآية أن الله تعالى شرط في نكاح الإماء شرائط ثلاثة: اثنان منها في الناكح والثالث في المنكوحة. أما اللذان في الناكح فأحدهما: أن يكون غير واجد لما يتزوج به الحرة المؤمنة من الصداق. وهو معنى قوله:

стр. 345

﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ فعدم استطاعة الطول عبارة عن عدم ما ينكح به الحرة. فإن قيل: الرجل إذا كان يستطيع التزوج بالأمة، يقدر على التزوج بالحرة الفقيرة، فمن أين هذا التفاوت؟ قلنا: كانت العادة في الإماء تخفيف مهورهن ونفقتهن لاشتغالهن بخدمة السادات. وعلى هذا التقدير يظهر التفاوت ..... إلخ (١). ولعل القاسمي ﵀ يُريد من تَعَقُّبه: ما تقدم إيراده من قول الإمام أبو حنيفة ﵀ في معنى الآية، والله أعلم. والذي يظهر أن الراجح في هذه المسألة مع أصحاب القول الأول، وهو: أن نكاح الأمة مشروط لمن لم يجد سعة وطولا لنكاح الحرة، وذلك من أوجه: الأول: من حيث الظاهر: فإن ظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ يدل على أن نكاح الأمة مشروط لمن لم يجد طولا وسعة. الثاني: من حيث اللغة: فإن المراد من الطول الفضل والاستطاعة بالنكاح ولا يكون ذلك إلا لمن ملك مالاً، فالمراد من الطول: الفضل، ومنه التطَوُّل وهو التفضُّل، وقال تعالى: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ [سورة غافر: ٣] ويقال: تطاول لهذا الشيء أي تناوله، كما يقال: يد فلان مبسوطة وأصل هذه الكلمة من الطول الذي هو خلاف القصر لأنه إذا كان طويلا ففيه كمال وزيادة، كما أنه إذا كان قصيرا ففيه قصور ونقصان، وسمي الغنى أيضا طولا، لأنه ينال به من المرادات مالا ينال عند الفقر، كما أن بالطول ينال ما لا ينال بالقصر (٢). الثالث: أن الحكم منوط بعلته: فإنه تعالى ذكر عدم القدرة على طول الحرة، ثم ذكر عقيبه التزوج بالأمة، وذلك الوصف يناسب هذا الحكم لأن الإنسان قد يحتاج إلى الجماع، فإذا لم يقدر على جماع الحرة بسبب كثرة مؤنتها ومهرها، وجب أن يؤذن له في نكاح

стр. 346

الأمة، إذا ثبت هذا فنقول: الحكم إذا كان مذكورا عقيب وصف يناسبه، فذلك الاقتران في الذكر يدل على كون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف، إذا ثبت هذا فنقول: لو كان نكاح الأمة جائزا بدون القدرة على طول الحرة ومع القدرة عليه لم يكن لعدم هذه القدرة أثر في هذا الحكم البتة، لكنا بينا دلالة الآية على أن له أثرا في هذا الحكم، فثبت أنه لا يجوز التزوج بالأمة مع القدرة على طول الحرة (١). الرابع: من حيث المفهوم: وهو أن تخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه، والدليل عليه أن القائل إذا قال: الميت اليهودي لا يبصر شيئا، فإن كل أحد يضحك من هذا الكلام ويقول: إذا كان غير اليهودي أيضا لا يبصر فما فائدة التقييد بكونه يهوديا، فلما رأينا أن أهل العرف يستقبحون هذا الكلام ويعللون ذلك الاستقباح بهذه العلة، علمنا اتفاق أرباب اللسان على أن التقييد بالصفة يقتضي نفي الحكم في غير محل القيد" (٢). الخامس: من حيث الضرورة: فإن الضرورة تتحقق إذا عدم المال وخاف على نفسه العنت، ولم يجد إلا نكاح الأمة ليقضي فيها وطره، فتكون حاجته في نكاح الأمة كحاجة المضطر للميتة، وليس كذلك إن كان موسرًا فإنه ليس بموضع ضرورة (٣). فتبين مما تقدم أن الله تعالى خصص في الآية من لم يجد السعة في نكاح الحرة المؤمنة فله أن ينكح الأمة، وأما ما عداه ممن وجد طولا وسعة فليس له إلا نكاح الحرة. تنبيهان: الأول: ما قيل من جواز نكاح الأمة في حال إن كان الناكح موسرا، قد تعقبه غير واحد من أهل العلم ومن المفسرين، ووصفوه بالتكلف والضعف، ولا يساعده ظاهر الآية كما قال القاسمي ﵀ (٤).

стр. 347

الثاني: القول بأن المراد من الطول: السعة هو اختيار جمع من المفسرين، كابن عطية (١)، والقرطبي (٢)، والبيضاوي (٣)، وأبو حيان (٤). • النتيجة: من خلال عرض ما تقدم في هذه المسألة يظهر أن الراجح مع أصحاب القول الأول، وهو أن المراد بالطول في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾: الغنى والسعة، فمن كان ذا طول وسعة في أن ينكح الحرة المؤمنة، فلا يعدل عنها إلى الأمة. لما تقدم ذكره من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.

стр. 348

٣٩ - قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [سورة النساء: ٣١]. قال القاسمي: وعندي أن الصواب هو الوقوف في تعداد الكبائر على ما صحت به الأحاديث. فإن رسول الله ﷺ مبين لكتاب الله ، أمين على تأويله. والمرجع في بيان كتاب الله تعالى إلى السنة الصحيحة. كما أن المرجع في تعريف الكبيرة إلى العد دون ضبطها بحد. كما تكلفه جماعة من الفقهاء، وطالت المناقشة بينهم في تلك الحدود. وإن منها ما ليس جامعا. ومنها ما ليس مانعا. فكله مما لا حاجة إليه بعد ورود صحاح الأخبار في بيان ذلك (١). • أقوال أهل العلم في المرجع من تحديد الكبائر من حيث التعريف: القول الأول: أن الكبائر محصورة بعدد ما ورد في السنة الصحيحة، ونصّت عليه أنه كبيرة. القول الثاني: أن الكبائر غير محصورة بعدد معين، فكل ما نهى الله عنه ورسوله ﷺ فهو كبيرة. أصحاب القول الأول: منهم من قال بأن الكبائر سبع: الواردة في حديث " اجتنبوا السبع الموبقات" (٢) وهو مروي عن عبيد بن عمير الليثي (٣)، وعطاء (٤).

стр. 349

ومنهم من قال أنها تسع: الواردة في حديث " اجتنبوا السبع الموبقات" مع الإلحاد في المسجد الحرام، وبكاء الوالدين من العقوق، وهو مروي عن ابن عمر ﵁ (١). ومنهم من قال أنها أربع: وهي: الشرك بالله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله، والإياس من روح الله. وهو مروي عن ابن مسعود ﵁ (٢). الطبري: "وأولى ما قيل في تأويل (الكبائر) بالصحة، ما صح به الخبر عن رسول الله ﷺ دون ما قاله غيره) .. فالكبائر إذاً: الشرك به، وعقوق الوالدين، وقتل النفس … إلخ" (٣). أصحاب القول الثاني: ابن عباس: "كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة" (٤). أبو العالية: إن ناسا يقولون: الكبائر سبع، وقد خفت أن تكون الكبائر سبعين، أو يزدن على ذلك" (٥). سعيد بن جبير: "كل ذنب نسبه الله إلى النار، فهو من الكبائر" (٦). الضحاك: " الكبائر: كل موجبة أوجب الله لأهلها النار، وكل عمل يقام به الحد فهو من الكبائر" (٧). • دراسة المسألة: في تفسير هذه الآية أورد القاسمي ﵀ كلام الإمام ابن القيم في (الجواب الكافي): "وقد دل القرآن والسنة وإجماع الصحابة، والتابعين بعدهم، والأئمة، على أن من الذنوب

стр. 350

كبائر وصغائر ..... ألخ" (١). ثم أشار القاسمي ﵀ أن الإمام ابن القيم ﵀ ذكر الأدلة وساق الخلاف في تعدادها. ومُجمل الأقوال التي لم تحصر الكبائر بعدد معين ما يلي: منهم من قال: كل ما نهى الله عنه في القرآن فهو كبيرة، وما نهى عنه الرسول ﷺ فهو صغيرة. وقالت طائفة: ما اقترن بالنهي عنه وعيد من لعن أو غضب أو عقوبة فهو كبيرة، وما لم يقترن به شيء من ذلك فهو صغيرة. وقيل: كل ما ترتب عليه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة، فهو كبيرة، وما لم يرتب عليه لا هذا ولا هذا، فهو صغيرة. وقيل: كل ما اتفقت الشرائع على تحريمه فهو من الكبائر، وما كان تحريمه في شريعة دون شريعة فهو صغيرة. وقيل: كل ما لعن الله أو رسوله فاعله فهو كبيرة. وقيل: كل ما ذكر من أول سورة النساء إلى قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [سورة النساء: ٣١] (٢). وهذه الأقوال لا تسلم من إيرادات ترد عليها، وليس المقام بتفصيل الكلام عن كل قول. والذي يظهر أن الراجح في هذه المسألة والأقرب إلى الصواب هو ما ذهب إليه الماوردي من أن: "الكبيرة ما وجبت فيه الحدود أو توجه إليها الوعيد" (٣)، وهو قريب من

стр. 351

أصحاب القول الثاني، وذلك من أوجه: الأول: أنه يشمل كل ما ثبت في النصوص أنه كبيرة كالشرك، والقتل، والزنا، والسحر، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، وغير ذلك من الكبائر التي فيها عقوبات مقدرة، ويشمل أيضاً ما ورد فيه الوعيد كالفرار من الزحف وأكل مال اليتيم وأكل الربا وعقوق الوالدين واليمين الغموس وشهادة الزور، ويشمل كل ذنب توعد صاحبه بأنه لا يدخل الجنة، وما قيل فيه من فعله فليس منا، وما ورد من نفي الإيمان عن من ارتكبه كقوله ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن … الحديث" (١)، (٢). فكل من نفي الله عنه الإيمان والجنة أو كونه من المؤمنين فهو من أهل الكبائر، لأن هذا النفي لا يكون لترك مستحب، ولا لفعل صغيرة، بل لفعل كبيرة. الثاني: أنه مأثور عن بعض السلف من الصحابة والتابعين. كما تقدم الثالث: أن هذا الضابط يمكن الفرق به بين الصغائر والكبائر بخلاف غيره. وذلك أن الله تعالى قال: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [سورة النساء: ٣١]، فقد وعد مجتنب الكبائر بتكفير السيئات واستحقاق الوعد الكريم، وكل من وعد بغضب الله أو لعنته أو نار أو حرمان جنته أو ما يقتضي ذلك، فإنه خارج عن هذا الوعد فلا يكون من مجتنبي الكبائر، وكذلك من استحق أن يقام عليه الحد، لم تكن سيئاته مكفرة عنه باجتناب الكبائر. إذ لو كان كذلك لم يكن له ذنب يستحق أن يعاقب عليه، والمستحق أن يقام عليه الحد له ذنب العقوبة عليه (٣). الرابع: أن جمع من أهل العلم ذهب إلى أن الكبائر غير محصورة بعدد معين، إنما هي كل ما أطلق الله عليها بأنها كبيرة، أو رتَّب عليها عقابًا ووعيدا، أو علَّق عليها حدًّا، ونحو

стр. 352

ذلك. وإلى هذا ذهب ابن الصلاح (١) والإمام أحمد فيما نقله القاضي أبو يعلى ورجحه القرطبي (٢) وابن تيمية وتقدم ما نُقل عنه في الأوجه، والذهبي (٣) وغيرهم. قال القرطبي في شرح مسلم: " والصحيح إن شاء الله تعالى: أن كل ذنب أطلق الشرع عليه أنه كبير أو عظيم، أو أخبر بشدة العقاب عليه، أو علق عليه حدا، أو شدد النكير عليه وغلظه، وشهد بذلك كتاب الله أو سنة أو إجماع: فهو كبيرة. " (٤). وقد استحسن ابن حجر العسقلاني هذا التعريف فقال: " ومن أحسن التعاريف قول القرطبي في المُفهم " (٥). مناقشة قول الطبري ﵀ بحصر الكبائر في كل ما جاء وصفه بأنه كبيرة: ظاهر عبارة الطبري المتقدمة: حصر الكبائر بما نص عليه النبي ﷺ بأنه كبيرة دون غيره مما عليه حد أو وعيد ولم ينص على أنه كبيرة، وهذا مردود والله أعلم من أوجه: الأول: يلزم من قوله أن بعض الذنوب كالسرقة والرشوة مثلاً لا تُعد من الكبائر لعدم ورود نص يصرح بأنها من الكبائر، على الرغم من أن مفسدة هذه قد تكون في بعض الأحيان أكبر من مفسدة بعض المنصوص عليها (٦). الثاني: أن هذا القول يلزم منه أن يكون عدد الكبائر محصورًا بعدد الأصابع، وكل ذنب لم يوصف بأنه كبيرة فهو من الصغائر، وهذا خلاف مفهوم الأوصاف التي وصف فاعلها بأنه ملعون أو عليه حد، فلا يصف الشارع من فعل هذه الأفعال التي فيها لعن أو حد أو وعيد إلا لِعظمها وشناعتها.

стр. 353

الثالث: لا يلزم من قول النبي الحصر، إذ قد يكون حصرها في هذا الحديث: تعظيم قبحها وشناعتها، فقد يأتي لفظ في القرآن أو السنة النبوية بعدد ولا يلزم منه الحصر، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [سورة التوبة: ٨٠] فليس مفهومه: إن استغفر لهم أكثر من ذلك أن الله سيغفر لهم. وكذا وقوله: " سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب " (١)، ليس معناه الحصر في السبعين ألف، بل هم أكثر من ذلك، وكذلك حديث: "لله تسعة وتسعون اسما، مائة إلا واحدا" (٢)، لا يدل على الحصر، إذ إن أسماء الله تعالى غير محصورة بعدد معين، كما تقول: عندي إحدى عشر ثوبًا، فلا يمنع أن يكون عندي غيرها، والله أعلم. • النتيجة: بعد ذكر ما تقدم في هذه المسألة، يظهر والله أعلم أن الراجح فيها ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن الضابط في الكبائر: ما رتَّب عليه الشارع عقوبة وحدًّا، وليس الحصر بالعدد، لما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم، وما تم إيراده من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.

стр. 354

٤٠ - قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)﴾ [سورة النساء: ٣٣]. أورد القاسمي في تفسيره لهذه الآية قول أبي علي الجبائي، وقول أبي مسلم الأصفهاني (١). ثم قال: هذا التأويل المذكور وما قبله طريقة من لا يقف مع الآثار السلفية في التفسير. ويرى مزاحمتهم في الاجتهاد في ذلك. ذهابا إلى أن ما لم يتواتر في معنى الآية، من خبر أو إجماع، فلا حجة في المروي منه آحادا، مرفوعا أو موقوفا، وإن صح. وهذه الطريقة سبيل طائفة قصرت في علم السمع وأقلت البحث عنه. فنشأ من ذلك النقص من الدين والزيادة فيه بالرأي المحض (٢). • أقوال أهل العلم في المراد من ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: القول الأول: أن المراد من ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: الحُلَفاء. القول الثاني: أن المراد من ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: الموالي، أو الزوج والزوجة. أصحاب القول الأول: ابن عباس ﵁: قوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾. فكان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الآخر، فأنزل الله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [سورة الأحزاب: ٦]، وبنحو ذلك روي عن الحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، وعكرمة، والضحاك (٣). الماوردي: " ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ هي مفاعلة من عقد

стр. 355

الحلف، ومعناه: والذين عاقدت أيمانكم وأيمانهم بالحلف بينكم وبينهم، فآتوهم نصيبهم" (١). البغوي: "المعاقدة: المحالفة والمعاهدة" (٢). ابن كثير: " ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ أي: والذين تحالفتم بالأيمان المؤكدة أنتم وهم، فآتوهم نصيبهم من الميراث، كما وعدتموهم في الأيمان المغلظة" (٣). أصحاب القول الثاني: أبو علي الجبائي: "تقدير الآية: ولكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون والذين عاقدت أيمانكم موالي، ورثة، فآتوهم نصيبهم. أي: فآتوا الموالي والورثة نصيبهم. فقوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. معطوف على قوله: ﴿الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾. والمعنى: إن ما ترك الذين عاقدت أيمانكم فله وارث هو أولى به. وسمى الله تعالى الوارث مولى. والمعنى: لا تدفعوا المال إلى الحليف بل إلى المولى والوارث، وعلى هذا التقدير فلا نسخ في الآية" (٤). أبو مسلم الأصفهاني: "المراد بـ ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الزوج والزوجة. والنكاح يسمى عقدا. قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٥]. فذكر تعالى الوالدين والأقربين وذكر معهم الزوج والزوجة. ونظيره آية المواريث، في أنه لما بين ميراث الولد والوالدين، ذكر معهم ميراث الزوج والزوجة" (٥). الكرماني (٦): " ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يريد الزوج والزوجة، واليمين اليد
следующие страницы →