← Тафсир

Тафсир · id 30149

تعقبات جمال الدين القاسمي على من سبقه من خلال كتابه محاسن التأويل

عبد الرحمن الحسن

Полный текст (1 202 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

أصحاب القول الثاني، وذلك من أوجه: الأول: أنه يشمل كل ما ثبت في النصوص أنه كبيرة كالشرك، والقتل، والزنا، والسحر، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، وغير ذلك من الكبائر التي فيها عقوبات مقدرة، ويشمل أيضاً ما ورد فيه الوعيد كالفرار من الزحف وأكل مال اليتيم وأكل الربا وعقوق الوالدين واليمين الغموس وشهادة الزور، ويشمل كل ذنب توعد صاحبه بأنه لا يدخل الجنة، وما قيل فيه من فعله فليس منا، وما ورد من نفي الإيمان عن من ارتكبه كقوله ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن … الحديث" (١)، (٢). فكل من نفي الله عنه الإيمان والجنة أو كونه من المؤمنين فهو من أهل الكبائر، لأن هذا النفي لا يكون لترك مستحب، ولا لفعل صغيرة، بل لفعل كبيرة. الثاني: أنه مأثور عن بعض السلف من الصحابة والتابعين. كما تقدم الثالث: أن هذا الضابط يمكن الفرق به بين الصغائر والكبائر بخلاف غيره. وذلك أن الله تعالى قال: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [سورة النساء: ٣١]، فقد وعد مجتنب الكبائر بتكفير السيئات واستحقاق الوعد الكريم، وكل من وعد بغضب الله أو لعنته أو نار أو حرمان جنته أو ما يقتضي ذلك، فإنه خارج عن هذا الوعد فلا يكون من مجتنبي الكبائر، وكذلك من استحق أن يقام عليه الحد، لم تكن سيئاته مكفرة عنه باجتناب الكبائر. إذ لو كان كذلك لم يكن له ذنب يستحق أن يعاقب عليه، والمستحق أن يقام عليه الحد له ذنب العقوبة عليه (٣). الرابع: أن جمع من أهل العلم ذهب إلى أن الكبائر غير محصورة بعدد معين، إنما هي كل ما أطلق الله عليها بأنها كبيرة، أو رتَّب عليها عقابًا ووعيدا، أو علَّق عليها حدًّا، ونحو

стр. 352

ذلك. وإلى هذا ذهب ابن الصلاح (١) والإمام أحمد فيما نقله القاضي أبو يعلى ورجحه القرطبي (٢) وابن تيمية وتقدم ما نُقل عنه في الأوجه، والذهبي (٣) وغيرهم. قال القرطبي في شرح مسلم: " والصحيح إن شاء الله تعالى: أن كل ذنب أطلق الشرع عليه أنه كبير أو عظيم، أو أخبر بشدة العقاب عليه، أو علق عليه حدا، أو شدد النكير عليه وغلظه، وشهد بذلك كتاب الله أو سنة أو إجماع: فهو كبيرة. " (٤). وقد استحسن ابن حجر العسقلاني هذا التعريف فقال: " ومن أحسن التعاريف قول القرطبي في المُفهم " (٥). مناقشة قول الطبري ﵀ بحصر الكبائر في كل ما جاء وصفه بأنه كبيرة: ظاهر عبارة الطبري المتقدمة: حصر الكبائر بما نص عليه النبي ﷺ بأنه كبيرة دون غيره مما عليه حد أو وعيد ولم ينص على أنه كبيرة، وهذا مردود والله أعلم من أوجه: الأول: يلزم من قوله أن بعض الذنوب كالسرقة والرشوة مثلاً لا تُعد من الكبائر لعدم ورود نص يصرح بأنها من الكبائر، على الرغم من أن مفسدة هذه قد تكون في بعض الأحيان أكبر من مفسدة بعض المنصوص عليها (٦). الثاني: أن هذا القول يلزم منه أن يكون عدد الكبائر محصورًا بعدد الأصابع، وكل ذنب لم يوصف بأنه كبيرة فهو من الصغائر، وهذا خلاف مفهوم الأوصاف التي وصف فاعلها بأنه ملعون أو عليه حد، فلا يصف الشارع من فعل هذه الأفعال التي فيها لعن أو حد أو وعيد إلا لِعظمها وشناعتها.

стр. 353

الثالث: لا يلزم من قول النبي الحصر، إذ قد يكون حصرها في هذا الحديث: تعظيم قبحها وشناعتها، فقد يأتي لفظ في القرآن أو السنة النبوية بعدد ولا يلزم منه الحصر، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [سورة التوبة: ٨٠] فليس مفهومه: إن استغفر لهم أكثر من ذلك أن الله سيغفر لهم. وكذا وقوله: " سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب " (١)، ليس معناه الحصر في السبعين ألف، بل هم أكثر من ذلك، وكذلك حديث: "لله تسعة وتسعون اسما، مائة إلا واحدا" (٢)، لا يدل على الحصر، إذ إن أسماء الله تعالى غير محصورة بعدد معين، كما تقول: عندي إحدى عشر ثوبًا، فلا يمنع أن يكون عندي غيرها، والله أعلم. • النتيجة: بعد ذكر ما تقدم في هذه المسألة، يظهر والله أعلم أن الراجح فيها ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن الضابط في الكبائر: ما رتَّب عليه الشارع عقوبة وحدًّا، وليس الحصر بالعدد، لما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم، وما تم إيراده من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.

стр. 354

٤٠ - قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)﴾ [سورة النساء: ٣٣]. أورد القاسمي في تفسيره لهذه الآية قول أبي علي الجبائي، وقول أبي مسلم الأصفهاني (١). ثم قال: هذا التأويل المذكور وما قبله طريقة من لا يقف مع الآثار السلفية في التفسير. ويرى مزاحمتهم في الاجتهاد في ذلك. ذهابا إلى أن ما لم يتواتر في معنى الآية، من خبر أو إجماع، فلا حجة في المروي منه آحادا، مرفوعا أو موقوفا، وإن صح. وهذه الطريقة سبيل طائفة قصرت في علم السمع وأقلت البحث عنه. فنشأ من ذلك النقص من الدين والزيادة فيه بالرأي المحض (٢). • أقوال أهل العلم في المراد من ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: القول الأول: أن المراد من ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: الحُلَفاء. القول الثاني: أن المراد من ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: الموالي، أو الزوج والزوجة. أصحاب القول الأول: ابن عباس ﵁: قوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾. فكان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الآخر، فأنزل الله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [سورة الأحزاب: ٦]، وبنحو ذلك روي عن الحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، وعكرمة، والضحاك (٣). الماوردي: " ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ هي مفاعلة من عقد

стр. 355

الحلف، ومعناه: والذين عاقدت أيمانكم وأيمانهم بالحلف بينكم وبينهم، فآتوهم نصيبهم" (١). البغوي: "المعاقدة: المحالفة والمعاهدة" (٢). ابن كثير: " ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ أي: والذين تحالفتم بالأيمان المؤكدة أنتم وهم، فآتوهم نصيبهم من الميراث، كما وعدتموهم في الأيمان المغلظة" (٣). أصحاب القول الثاني: أبو علي الجبائي: "تقدير الآية: ولكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون والذين عاقدت أيمانكم موالي، ورثة، فآتوهم نصيبهم. أي: فآتوا الموالي والورثة نصيبهم. فقوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. معطوف على قوله: ﴿الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾. والمعنى: إن ما ترك الذين عاقدت أيمانكم فله وارث هو أولى به. وسمى الله تعالى الوارث مولى. والمعنى: لا تدفعوا المال إلى الحليف بل إلى المولى والوارث، وعلى هذا التقدير فلا نسخ في الآية" (٤). أبو مسلم الأصفهاني: "المراد بـ ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الزوج والزوجة. والنكاح يسمى عقدا. قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٥]. فذكر تعالى الوالدين والأقربين وذكر معهم الزوج والزوجة. ونظيره آية المواريث، في أنه لما بين ميراث الولد والوالدين، ذكر معهم ميراث الزوج والزوجة" (٥). الكرماني (٦): " ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يريد الزوج والزوجة، واليمين اليد

стр. 356

تبدل عند عقد النكاح، كما تدل في البيع" (١). • دراسة المسألة: من خلال الاستقراء والنظر في أقوال المفسرين وما أوردوه في تفسير الآية، يظهر أن الصواب مع أصحاب القول الأول، من أن المراد بالذين عقدت أيمانكم: الحلفاء، وذلك من عدة أوجه: أولا: تفسير ابن عباس للآية وفهمه من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أنهم الحلفاء، ولا يُعرف له مخالف، فيكون إجماعًا سكوتيًا. روى ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ كان الرجل قبل الإسلام يعاقد الرجل يقول: ترثني وأرثك، وكان الأحباء يتحالفون، فقال رسول الله ﷺ : كل حلف كان في الجاهلية أو عقد أدركه الإسلام، فلا يزيده الإسلام إلا شدة، ولا عقد ولا حلف عن الإسلام، فنسختها هذه الآية: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [سورة الأنفال: ٧٥] (٢). ثانيًا: أنه المأثور عن السلف رضوان الله عليهم، كما تقدم، وهم خير الناس بعد الأنبياء ﵈، وهم أعلم وأقرب إلى التنزيل ممن جاء بعدهم، وقد أثنى الله تعالى عليهم في كتابه في قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [سورة التوبة: ١٠٠] وأثنى النبي عليهم بقوله: " خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" (٣).

стр. 357

ثالثًا: فعل الصحابة ﵃ من أنهم كانوا يرثون السدس من محالفيهم. فقد روى الطبري بسنده عن قتادة أنه قال: كان الرجل يعاقد الرجل في الجاهلية فيقول: دمي دمك. وترثني وأرثك. وتطلب بي وأطلب بك. فلما جاء الإسلام بقي منهم ناس. فأمروا بأن يؤتوهم نصيبهم من الميراث وهو السدس. ثم نسخ ذلك بالميراث، فقال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ (١). وقال سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ "من الميراث، وعاقد أبو بكر مولى فورثه" (٢). رابعًا: من حيث اللغة: فإن الحلف يأتي بمعنى المعاقدة والمناصرة. قال ابن الأثير (٣): "أصل الحلف: المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والاتفاق، فما كان منه في الجاهلية على الفتن والقتال بين القبائل والغارات فذلك الذي ورد النهي عنه في الإسلام بقوله ﷺ «لا حلف في الإسلام» (٤) وما كان منه في الجاهلية على نصر المظلوم وصلة الأرحام كحلف المطيبين وما جرى مجراه، فذلك الذي قال فيه ﷺ «وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة» (٥) يريد من المعاقدة على الخير ونصرة الحق، وبذلك يجتمع الحديثان، وهذا هو الحلف الذي يقتضيه الإسلام، والممنوع منه ما خالف حكم الإسلام" (٦).

стр. 358

مناقشة قول أبي علي الجبائي وأبي مسلم: يرى أبو علي الجبائي من أن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. معطوف على قوله: ﴿الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾، وهذا مردود من وجهين: الأول: أن الواو في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ استئنافية كما هو الظاهر، وليست عاطفة على الوالدان والأقربون. فالموالي وهو الورثة لهم نصيب، والحلفاء الذين عُقدت معهم الأيْمان لهم نصيب، قبل أن يُنسخ الحكم. أو أنها جملة مستقلة عن سابقتها، مؤلفة من مبتدأ وخبر، وزيدت الفاء في الخبر في قوله تعالى: ﴿فَآتُوهُمْ﴾ لتضمن المبتدأ معنى الشرط (١). الثاني: أن تفسير ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ بالزوج والزوجة يلزم منه وقوع التكرار في الآية الذي تنزه القرآن عنه، فقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ يدخل فيه الزوج والزوجة لكونهم ورثة، فإذا فسر قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ بأنهم الزوج والزوجة فلا فائدة، والله أعلم. تنبيهان: الأول: اختلف أهل العلم قديمًا في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ من حيث الإحكام والنسخ، ولعل الصواب أن الآية محكمة من جه ومنسوخة من وجه آخر، لما روى البخاريّ في صحيحه عن ابن عباس قال: " ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ ورثة ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجريّ الأنصاريّ دون ذوي رحمه، للأخوّة التي آخى النبيّ ﷺ بينهم. فلما نزلت ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نسخت: ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. من النصر والرفادة والنصيحة. وقد

стр. 359

ذهب الميراث ويوصى له" (١). فدل على أن المنسوخ هو نصيب الميراث للحُلفاء، والثابت هو النصر والرفادة والنصيحة والله أعلم (٢). الثاني: الإجماع الذي ذكره الحارث المُحاسبي (٣) بقوله: " وأجمعت الْأمة أَنْ الله نسخ مِيرَاث الحلفاء والأدعياء بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ (٤). يحتاج إلى مزيد إعادة نظر في ثبوته، فإنه قد ثبت عن ابن عباس ﵁ ومجاهد بأن المراد من الإيتاء في قوله تعالى: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ من النظر والرِّفْدِ والمعونة (٥). فلا نسخ في الآية. • النتيجة: بعد عرض ما تقدم في هذه المسألة يظهر أن الصواب مع أصحاب القول الأول من أن المراد بـ ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: الحلفاء. وأن الواو في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ استئنافية كما هو الظاهر وليست عاطفة، لما تقدم بيانه من كلام أقول العلم، وما تم إيراده من الأوجه، والله أعلم.

стр. 360

٤١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [سورة النساء: ٤٣]. في قوله تعالى ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ رد على من أباح جلوس الجنب مطلقا إذا توضأ. لأن الله تعالى جعل غاية التحريم الغسل. فلا يقوم مقامه الوضوء. كذا في (الإكليل) (١). قال القاسمي: أقول: إنما يكون هذا حجة لو كانت الآية نصا في تأويل واحد. وحيث تطرق الاحتمال لها، على ما رأيت، فلا (٢). • أقوال أهل العلم في حكم جلوس الجُنب في المسجد: القول الأول: أن الجُنب يجوز له الجلوس في المسجد، إن كان متوضأً. القول الثاني: أن الجُنب لا يجوز له الجلوس في المسجد مطلقًا، وإن كان متوضأً. أصحاب القول الأول: سعيد بن جبير: "الجنب يمر في المسجد مجتازا وهو قائم لا يجلس وليس بمتوضئ، وتلا هذه الآية: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ " (٣). فمفهوم كلامه إنه إن كان متوضأً فلا بأس. مذهب الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه (٤): إذا توضأ الجنب فلا بأس به أن يقعد في المسجد (٥).

стр. 361

أصحاب القول الثاني: الحسن البصري: في قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ قال: "الجنب يمر في المسجد ولا يقعد فيه" (١). مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية: قالوا: لا يجوز للجنب أن يمكث في المسجد مطلقاً (٢). • دراسة المسألة: هذه المسألة مما اختلف فيها أهل العلم قديما كما تقدم ذكره من أقوالهم، والذي يظهر أن القول الراجح مع أصحاب القول الأول، وذلك للأدلة التالية: أولا: ما رواه سعيد بن منصور في سننه وابن أبي شيبة في مصنفه بإسناد صحيح: أن بعض الصحابة كانوا يجلسون في المسجد وهم على جنابة. فقد روى سعيد بن منصور في سننه: عن عطاء بن يسار قال: "رأيت رجالا من أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون في المسجد وهم مجنبون، إذا توضؤوا وضوء الصلاة" (٣)، قال ابن كثير: "وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، والله أعلم" (٤). ثانيًا: إذا كان المشرك يدخل المسجد، ويمكث فيه، ولا يبعد أن يكون جنباً، فالمسلم الجنب من باب أولى. فقد روى البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة أنه قال: بعث رسول الله ﷺ خيلاً قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري

стр. 362

المسجد، فخرج إليه النبي ﷺ فقال: "اطلقوا ثمامة، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله" (١). فالكافر منهي عما ينهى عنه المسلم، فإذا منع المسلم من دخول المسجد، وقد أكل بصلاً أو ثوماً ونحو ذلك مما تتأذى منه الملائكة، منع الكافر كذلك في حال إذا كان جُنبا، والله أعلم. ثالثًا: أن الجنب ليس نجساً، فبدنه، وعرقه، وريقه طاهر، فلا يمنع من دخول المسجد، بل إن المسلم المتضمخ بالنجاسة على وجه لا يتعدى لا يمنع من دخول المسجد، فإذا كان على بدن المسلم أثر بول، أو على ثوبه، لم يحرم عليه دخول المسجد، فالجنب من باب أولى. فقد روى البخاري بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: «لقيني رسول الله ﷺ وأنا جنب، فأخذ بيدي، فمشيت معه حتى قعد، فانسللت، فأتيت الرحل فاغتسلت، ثم جئت وهو قاعد فقال: أين كنت يا أبا هريرة؟ فقلت له: فقال: سبحان الله، يا أبا هريرة إن المؤمن لا ينجس» (٢). وجه الشاهد منه: قوله: «إن المؤمن لا ينجس» سواء قلنا: إن معنى الحديث: إن المؤمن لا ينجس بالجنابة، وإن كانت قد تلحقه النجاسة الحسية كغيره، أو قلنا: إن المؤمن طاهر بإيمانه، كما أن المشرك نجس بشركه، فهي طهارة معنوية، فعلى كلا التفسيرين إذا كان المؤمن لا ينجس، ولو كان جنباً، فالطاهر لا يمنع من دخول المسجد. رابعًا: إذا كانت الحائض لا تمنع من دخول المسجد على الصحيح، مع أن حدثها أغلظ من حدث الجنابة، فالجنب من باب أولى. فقد روى البخاري في صحيحه عن عائشة قالت: "خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر

стр. 363

إلا الحج، فلما جئنا سرف طمثت، فدخل عليَّ النبي ﷺ وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك؟ قلت: لوددت والله أني لم أحج العام. قال: لعلك نُفِست؟ قالت: نعم. قال: فإن ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم، فافعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري" (١). وجه الاستدلال: «افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي في البيت». فيقال: إن الاستثناء معيار العموم، فلم يستثن الرسول ﷺ إلا الطواف، ومعلوم أن الحاج يمكث في المسجد، ولو كان لا يحل لها لنهاه النبي ﷺ عنه (٢). خامسًا: مما يدل على جواز مُكث المتوضئ من الجنابة في المسجد، أن الوضوء يُخفف الجنابة؛ بدليل أنَّ الرَّسول ﷺ سُئل عن الرجل يكون عليه الغسل؛ أينام وهو جُنُب؟ فقال ﷺ : «إذا توضأ أحدكم فليرقد وهو جُنُبٌ» (٣). وأيضًا لأن الوضوء أحد الطهورين، ولولا الجنابة لكان رافعا للحدث رفعا كليا فحينئذ يكون مخففا للجنابة (٤). مناقشة الاستدلال بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ على تحريم دخول الجنب المسجد مطلقًا: إن استُدل بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [سورة النساء: ٤٣] على تحريم مكوث الجنب في المسجد مُطلقًا، فالجواب من وجهين: الأول: أن النهي إنما هو عن قربان الصلاة، وليس المكوث في المسجد. فقد كان ابن عباس ﵁ يتأول قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ يقول: "أن لا يقرب الصلاة

стр. 364

وهو جنب إلا وهو مسافر تصيبه الجنابة فيتيمم ويصلي حتى يجد الماء" (١). فيُفهم من هذا أن النهي لمن أراد أن يُصلي، والله أعلم. ثانيًا: أن عموم النهي عن دخول الجُنب المسجد والمكوث فيه يُستثنى منه من كانت عليه جنابة فتوضأ، بدليل ما تقدم ذكره من فعل بعض الصحابة وأن المؤمن لا ينجس، فالنهي في الآية إذا يُحمل على من دخول الجنب المسجد بغير وضوء. وكذا إن قيل: إن (حتى) في قوله تعالى ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ للغاية. أي: لغاية أن تغتسلوا. فالمستثنى ما تقدم. فائدة: هذه المسألة مما اختلف فيه العلماء قديمًا، ولكل فريق منهم أدلة يحتجون بها بما يُدينون الله به، ولمزيد بيان وتفصيل فيها، يراجع كتاب: موسوعة أحكام الطهارة للذبيَان. • النتيجة: بعد عرض ما تقدم في هذه المسألة، يظهر أن الراجح مع أصحاب القول الأول وهو: جواز مكوث الجُنب في المسجد إن كان متوضأً، لما تقدم إيراده من أقوال أهل العلم والأوجه التي تؤيد ذلك. وأيضًا أن الآية ليست نصًا في تأويل واحد كما قال القاسمي ﵀، وإنما قد تطرق لها تأويل يؤيد تأويل أصحاب القول الأول وهو قول سعيد بن جبير المتقدم، والله أعلم.

стр. 365

٤٢ - قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٤٦)﴾ [سورة النساء: ٤٦]. قال القاسمي: وأما قول الخفاجي في قوله تعالى: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾: "كان الوجه فيه الرفع على البدل لأنه من كلام غير موجب" (١). وأبي السعود: "بأنه فيه نسبة القراء إلى الاتفاق على غير المختار" (٢) - فمردود بأن النصب عربي جيد. وقد قرئ به في السبع في (قليل) من قوله تعالى: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [سورة النساء: ٦٦] وفي (امرأتك) من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ [سورة هود: ٨١] كما قاله ابن هشام في التوضيح (٣). • أقوال أهل العلم في إعراب قوله تعالى: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾: القول الأول: أن ﴿قَلِيلًا﴾ منصوب على الاستثناء، أو لمصدر محذوف. القول الثاني: أن ﴿قَلِيلًا﴾ مرفوع على البدل، يعني: أبدل لفظ ﴿قَلِيلًا﴾ من قوله ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ بكلمة (نفر) أي النفر القليل. أصحاب القول الأول: قال بعض المفسرين: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ منصوبٌ على الاستثناءِ من «لَعَنَهم» أي: لَعَنَهم الله إلا قليلاً منهم (٤).

стр. 366

أصحاب القول الثاني: النحاس: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ قرأ عبد الله بن عامر وعيسى بن عمر (إلا قليلا) على الاستثناء. وكذلك هو في مصاحف أهل الشام. الباقون بالرفع، والرفع أجود عند جميع النحويين" (١). وكلا القراءتين متواترتان، ولعل أبو جعفر النحاس قدَّم قراءة الرفع على النصب لاحتمال عدم بلوغه اجماع أهل العلم على تسبيع القراءات لتقارب الزمن بينه وبين ابن مجاهد (٢)، أو أنه لا يُريد تقديم إحدى القراءتين على الأخرى من حيث القبول، وإنما من حيث اللغة فحسب، والله أعلم. قال بعض المفسرين: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [سورة النساء: ٦٦] ارتفع ﴿قَلِيلٌ﴾ على البدل من الواو في ﴿فَعَلُوهُ﴾ كقولك: ما أتاني أحد إلا زيد ترفع زيدا على البدل من أحد (٣). أبو شامة (٤): "وأما: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾؛ فالرفع فيه هو الوجه الأقوى عند النحويين على البدل من فاعل فعلوه" (٥).

стр. 367

• دراسة المسألة: أورد القاسمي ﵀ في تفسير هذه الآية بعضًا من الأقوال في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ وخلاصتها ما يلي: فقيل أنه: منصوب على الاستثناء من لعنهم أي ولكن لعنهم الله إلا فريقا قليلا منهم. آمنوا فلم يلعنوا. وقيل: منصوب على الوصفية لمصدر محذوف. أي: إلا إيمانا قليلا أي ضعيفا ركيكا لا يعبأ به. فإنهم كانوا يؤمنون بالله والتوراة وموسى، ويكفرونه ببقية المرسلين وكتبهم المنزلة. وقيل: أن المراد بالقلة العدم بالكلية. كقوله: قَلِيلُ التَّشَكِّي لِلْمُهِمِّ يُصِيبُهُ … كَثِيرُ الْهَوَى شَتَّى الْهَوَى وَالْمَسَالِكِ (١). أي هو كثير الهم مختلف الوجوه والطرق لا يقف أمله على فن واحد بل يتجاوزه إلى فنون مختلفة. صبور على النوائب لا يكاد يتشكى منها. فاستعمل لفظ ﴿قَلِيلٌ﴾ وأراد به نفي الكل (٢). وقيل: منصوب على الاستثناء من فاعل (لا يؤمنون) أي: فلا يؤمن منهم إلا نفر قليل (٣). ثم أورد القاسمي ﵀ اختيار الخفاجي، وقول أبي السعود المتقدم ذكرهما وعقَّب عليهما. ومراد الخفاجي من قوله: " الوجه فيه الرفع على البدل لأنه من كلام غير موجب ": يعني: أبدل لفظ ﴿قَلِيلًا﴾ من قوله ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ بكلمة (نفر) أي النفر القليل، بمعنى أنه قد

стр. 368

جاء في الجملة الفعل والفاعل في قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ فالاستثناء تام، ولكن وقعت الجملة في مقام النفي فصار الاستثناء غير موجَب، أي: غير ثابت. ويكون المراد: فلا يؤمنون إلا قليلاً منهم. أي: إلا قليلٌ من اليهود. فمراده من الكلام الغير موجب: وجود الفاعل ووجود النفي وذلك لأن الاستثناء هنا تام. ومما يجب بيانه في هذه المسألة أن الاستثناء التام على قسمين: الأول: تام موجب: ويأتي فيه الاستثناء منصوب. والثاني: تام غير موجب: يأتي فيه الاستثناء منصوب ولكن تسبقه أداة نفي ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وهذا التأويل الذي اختاره الخفاجي مآله ومراده لا يتعارض مع مراد من قال بأن قوله تعالى: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. منصوب على الاستثناء، فالنصب هنا عربي جيد كما قال القاسمي ﵀، ولكن الفرق: أن من قال منصوب على الاستثناء، بمعنى أن: الاستثناء يعود على اللعن، أي: ولكن لعنهم الله إلا فريقا قليلا منهم، آمنوا فلم يلعنوا. ومن قال أن الوجه فيه الرفع على البدل، بمعنى أن: الاستثناء في الآية يعود على الايمان، بمعنى: فلا يؤمنون إلا قليلاً منهم. أي: إلا قليلٌ من اليهود. ولا تعارض، إن قيل الوجه فيه: الرفع على البدل، أو قيل: الوجه فيه: النصب على الاستثناء، فكلاهما يصح والله أعلم. وذلك لأن الاستثناء إذا كان منفيًا كما في الآية وتوجد جميع أركانه فيجوز النصب ما بعد ﴿إِلَّا﴾ فيكون المعنى: لا يؤمنون إلا قليلاً، ويجوز أن تُجعَل ﴿إِلَّا﴾ بدل من الفاعل أو من المُستثنى منه، فالواو فاعل مستثنى منه، والفاعل يُرفع، فيكون المعنى: لا يؤمنون إلا قليلٌ، على أن قليلٌ بدل من الفاعل، والله أعلم. وأما عن قول أبي السعود بأن: " الوجه أن يُحمل القليل على من يؤمن لإفضائه إلى وقوع إيمان من لعنه الله وخذله مع ما فيه من نسبة القراء إلى الاتفاق على غير المختار بل

стр. 369

بجعله ضمير المفعول في لعنهم، أي: ولكن لعنهم الله إلا فريقًا قليلاً، فإنه تعالى لم يلعنهم، فلم ينسد عليهم باب الايمان، وقد آمن بعد ذلك فريق من الأحبار كعبد الله بن سلام وكعب وأضرابهما" (١). فمراده والله أعلم: أن الجمهور من القراء يستثنون هذا الشيء من ضمير النصب وهو أن المستثنى منه: (هم) في (لعنهم) أي لعنهم الله بكفرهم فلا يُؤمنون إلا قليلا لم يلعنهم، وهذا المعنى غير مستقيم، لأنه سيدخل في اللعن أناس بعد ذلك دخلوا في الإيمان. فتعقبه القاسمي ﵀ وعلل ذلك: بأن النصب عربي جيد من جهة اللغة، واستدل على ذلك بأنه قد قرئ به في السبع في (قليل) من قوله تعالى: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [سورة النساء: ٦٦] (٢). وفي (امرأتك) من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ (٣) [سورة هود: ٨١]. وهذا الاستدلال له حظ من النظر، وإن كان القاسمي ﵀ استدل بآيات يختلف موضعها عن هذا الموضع، وقُرأ بها بالنصب والرفع، فلعله يُريد أن النصب يصح من حيث اللغة، كما هو ظاهر كلامه والله أعلم. فيتضح مما تقدم أن قوله تعالى: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ يجوز فيه النصب، لوجهين: الأول: أن اللغة تؤيده، وقد أورد هذا الوجه عند جماعة من المفسرين كما تقدم. الثاني: أن قراءة النصب المتفق عليها في قوله تعالى ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ تؤيده، والله أعلم. • النتيجة: بعد ذكر ما تقدم يظهر أن قوله تعالى: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ يجوز فيه الرفع على البدل، ويجوز فيه النصب على الاستثناء، ولا يُحصر الاختيار في الرفع على البدل كما هو

стр. 370

ظاهر كلام الخفاجي، الذي تعقبه القاسمي ﵀. وأن النصب في قوله تعالى: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ عربي جيد كما قال القاسمي ﵀، وتؤيده القراءة المتواترة المُتفق عليها، خلافًا لأبي السعود لما تقدم، والله أعلم.

стр. 371

٤٣ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧)﴾ [سورة النساء: ٤٧]. قال القاسمي: وأقول: لا يخفى أن جميع ما ذكر من التأويلات، غير الأول (١)، لا يساعده مقام تشديد الوعيد، وتعميم التهديد. فإن المتبادر من اللفظ الحقيقة. ولا يصار إلى المجاز إلا إذا تعذر إرادتها. ولا تعذر هنا (٢). • أقوال أهل العلم في المراد من طمس الوجوه المذكور في الآية: القول الأول: أن المراد حقيقة الطمس وهو: المحو أو التقبيح، أو تحويلها إلى القفا. القول الثاني: أن الطمس مجاز عن: إزالة آثارهم عن بلاد العرب ومحو أحوالهم عنها، أو تغيير أحوال وجهائهم، ونحو ذلك. أصحاب القول الأول: ابن عباس ﵁: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ وطمسها أن تعمى فنردها على أدبارها، يقول: أن نجعل وجوههم من قبل أقفيتهم فيمشون القهقرى ونجعل لأحدهم عينين في قفاه "، وبنحو ذلك روي عن عطية العوفي (٣)، وقتادة (٤). السمرقندي: "يقال طمسها أن يحول الوجوه إلى الأقفية. ويقال: يخسف الأنف والعين فيجعلها طمسا. ويقال: من قبل أن يطمس أي تسود الوجوه" (٥).

стр. 372

الواحدي (١): " ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ أَيْ: نمحو ما فيها من عينٍ وفم وأنفٍ ومارن وحاجب فنجعلها كخفِّ البعير أو كحافز الدَّابة" (٢). السيوطي: " ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ نمحو ما فيها من العين والأنف والحاجب" (٣). أصحاب القول الثاني: ابن زيد: " ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾: " كان أبي يقول: إلى الشام " (٤). الزمخشري: "ووجه آخر: وهو أن يراد بالطمس القلب والتغيير، كما طمس أموال القبط فقلبها حجارة. وبالوجوه، رؤوسهم ووجهاؤهم أي: من قبل أن نغير أحوال وجهائهم، فنسلبهم إقبالهم ووجاهتهم، ونكسوهم صغارهم وإدبارهم أو نردهم إلى حيث جاءوا منه. وهي: أذرعات الشام، يريد: إجلاء بنى النضير" (٥). • دراسة المسألة: ذكر القاسمي ﵀ في تفسيره لهذه الآية ما ورد في تفسيرها من المعنى الحقيقي والمعاني المجازية، وهو يرى أن جميع المعاني المجازية التي ذكرها المفسرون من أن المراد من الطمس: إزالة آثارهم عن بلاد العرب ومحو أحوالهم عنها، أو أن المراد: من قبل أن نغير أحوال وجهائهم، فنسلب إقبالهم ووجاهتهم، ونكسوهم صغارا وإدبارا، وغير ذلك، لا يُساعده مقام تشييد الوعيد وتعميم التهديد، وأن الصواب في تأويل الطمس هو المعنى الحقيقي، وهو: تقبيح صورتهم، وطمس ما في الوجه من عين وأنف وحاجب.

стр. 373

والذي يظهر أن الصواب في المراد من الطمس: المعنى الحقيقي، وذلك من أوجه: الأول: نظائر الآيات التي تدل على أن المراد من الطمس: المحو والإزالة، مثل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [سورة المرسلات:] وقوله: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ [سورة يونس: ٨٨]، أي أزل صورتها ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ [سورة يس: ٦٦] أي محونا أثرها وأزلنا ضوءها كما يزال الأثر (١). الثاني: ما ورد عن بعض السلف أنهم فهموا من الطمس المعنى الحقيقي. فقد روى ابن أبي حاتم في تفسيره عن أبي إدريس عائذ الله الخولاني قال: " كان أبو مسلم معلم كعب، وكان يلومه على إبطائه عن رسول الله ﷺ ، قال: بعثه إليه لينظر أهو هو؟ قال: حتى أتيت المدينة، فإذا تال يقرأ القرآن يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ فبادرت الماء اغتسل وإني لأمس وجهي مخافة أن يطمس ثم أسلمت" (٢). الثالث: من حيث اللغة: فإن الطمس في اللغة: المحو والإزالة، تقول العرب في وصف المفازة، إنها طامسة الأعلام وطمس الطريق وطمس إذا درس، وقد طمس الله على بصره إذا أزاله وأبطله، وطمست الريح الأثر إذا محته، وطمست الكتاب محوته (٣). الرابع: أن المتبادر من اللفظ الحقيقة. ولا يصار إلى المجاز إلا إذا تعذر إرادتها. ولا تعذر هنا. كما أن المتبادر من اللعن، المشبه بلعن أصحاب السبت، هو المسخ. وهو الذي تقتضيه بلاغة التنزيل. إذ فيه الترقي إلى الوعيد الأفظع. ولا ننكر أن تكون هذه التأويلات مما يشمله لفظ الآية. وإنما البحث في دعوى إرادتها دون سابقها. فالحق أن المتبادر من النظم الكريم هو الأول - يعني المعنى الحقيقي- لأنه أدخل في الزجر" (٤).

стр. 374

الخامس: أنه: يجب حمل نصوص الوحي على الحقيقة، فالأصل في الكلام أن يُحمل على الحقيقة إلا إذا تبين امتناع إرادة الحقيقة، أو وجدت قرينة يمكن من خلالها أن يُحمل اللفظ على المجاز (١). فإن قيل: قرينة المجاز عدم وقوع المتوعد به. فالجواب: أن عدم وقوعه لا يعين إرادة المجاز. إذ ليس في الآية دلالة على تحتم وقوعه إن لم يؤمنوا. ولو فهم منها هذا فهما أوليا لكان إيمانهم بعدها إيمان إلجاء واضطرار. وهو ينافي التكليف الشرعي. إذ لم تجر سنته تعالى بهذا. بل النظم الكريم في هذا المقام محتمل ابتداء للقطع بوقوع المتوعد به. ولوقوعه معلقا بأمره تعالى ومشيئته بذلك، وهو المراد. كما ينبئ عنه قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [سورة الأحزاب: ٣٧]: أي ما يأمر به، ويريد وقوعه. وإذا كان الوعيد منوطا بأمره سبحانه، فله أن يمضيه على حقيقته وله أن يصرفه لما هو أعلم به. إلا أن ورود نظم الآية بهذا الخطاب المتبادر في الوقوع غير المعلق، ليكون أدخل في الترهيب، ومزجرة عن مخالفة الأمر. هكذا ظهر لنا الآن. وهو أقرب مما نحاه المفسرون هنا من أن العقاب منتظر، أو، أنه مشروط بعدم الإيمان. إلى غير ذلك. فقد زيفها جميعها العلامة أبو السعود" (٢). تنبيهان: الأول: اختلف العلماء في وقوع المجاز في اللغة وفي القرآن، وليس المقام بصدد ذكر تفصيل أقوالهم، ولكن الذي ندين الله به أن المجاز ممنوع في القرآن، وقد ألف العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رسالة في منعه، سمّاها: " منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز" ذكر فيها الآيات التي ادُّعي فيها المجاز وأجاب عنها. الثاني: يؤخذ على القاسمي ﵀ أنه علل بأن القول بالمعنى المجازي لا يُساعده مقام تشييد الوعيد وتعميم التهديد، وهذا غير ظاهر فالمعاني المجازية تشترك مع المعنى الحقيقي في هذه العلة والله أعلم.

стр. 375

قال العلامة العثيمين ﵀ في تفسير الآية بعد أن ذكر خلاف المفسرين في معنى الطمس: " والقاعدة التفسيرية: أنه إذا كانت الآية تحتمل وجهين لا يُناقض أحدهما الآخر فإنها تُحمل على الوجهين جميعًا، لأن كلام الله معناه واسع، فإذا كان اللفظ يحتمل هذا وهذا، وليس بينهما مُناقضة، فالواجب حمله على الوجهين، فهنا نقول: إن الله تعالى هددهم بالطمس الحسي والطمس المعنوي" (١). وهذا الذي ذكره العثيمين ﵀ يحسم الخلاف في هذه المسألة، وأن الجمع بين الأقوال غير المتعارضة، مقدم على الترجيح، فالخلاف المتقدم من قبيل خلاف التنوع. وهذا يتفق مع كلام القاسمي ﵀ الذي ذكره في تفسير الآية: " ولا ننكر أن تكون هذه التأويلات مما يشمله لفظ الآية. وإنما البحث في دعوى إرادتها دون سابقها" (٢)، والله أعلم. • النتيجة: بعد ذكر ما تقدم في هذه المسألة، يظهر أن الراجح مع أصحاب القول الأول من أن المراد بالطمس: في قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ الطمس الحقيقي، ولا يمنع أن تُحمل أيضًا على، المعاني المجازية إن كانت لا تتعارض مع المعنى الحقيقي كما تقدم من كلام القاسمي وبعده العثيمين، والله أعلم.

стр. 376

٤٤ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧)﴾ [سورة النساء: ٤٧]. قال القاسمي: اختار أبو السعود أن المراد من قوله تعالى: ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ الوعيد الأخروي. قال: لأنه لم يتضح وقوعه. وهذا فيه بُعد أيضا، لنبو مثل هذا الخطاب عن إرادة الوعيد الأخروي، لا سيما والجملة الثانية التي هُددوا بها، أعني لعنهم كأصحاب السبت، كان عقابًا دنيويًا (١). • أقوال أهل العلم في وقت وقوع الوعيد الوارد في الآية: القول الأول: أن وقت وقوع الوعيد يكون في الدنيا. القول الثاني: أن وقت وقوع الوعيد يكون في الآخرة. أصحاب القول الأول: الأخفش: " ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ يقول: من قبل يوم القيامة" (٢). المُبَرِّد (٣): "الوعيد باق منتظر، ولا بد من طمس في اليهود ومسخ قبل يوم القيامة" (٤). أبو حيان: "ظاهر قوله: من قبل أن نطمس أو نلعن، إن ذلك يكون في الدنيا" (٥). النيسابوري: "ولا بد من مسخ وطمس لليهود قبل يوم القيامة" (٦).

стр. 377

أصحاب القول الثاني: الجبائي: "الوعيد إنما كان بوقوع ما ذكر في الآخرة عند الحشر وسيقع فيها أحد الأمرين أو كلاهما على سبيل التوزيع" (١). الرازي: "التقدير: آمنوا من قبل أن يجيء وقت نطمس فيه وجوهكم وهو ما بعد الموت" (٢). قال بعض المفسرين: أن الوعيد في هذه الآية يوم القيامة (٣). • دراسة المسألة: المتأمل في ظاهر الآية وما ورد فيها من الوعيد على أهل الكتاب، وما ذكره بعض أهل العلم في تفسيرها، يظهر له أن الوعيد محتمل وقوعه في الدنيا أو في الآخرة، أو كلاهما، وذلك مما يلي: أولا: أوجه بيان أن الوعيد واقع على أهل الكتاب في الدنيا: الوجه الأول: نظائر الآية من الآيات التي تدل على وقوع الوعيد في الدنيا: فقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ نظيره قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦) وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ (٦٧)﴾ [سورة يس: ٦٧] وهذا يكون في الدنيا. الوجه الثاني: أنه لما نزلت هذه الآية أتى عبد الله ابن سلام رسول الله ﷺ قبل أن

стр. 378

يأتي أهله فأسلم، وقال: يا رسول الله، ما كنت أرى أن أصل إليك حتى يتحول وجهي في قفائي (١)، وكذا ما روي من أثر كعب الأحبار من أنه اغتسل، ومس وجهه مخافة أن يطمس. ثم أسلم (٢). فوجه الدلالة أنه لما سمع الآية خاف أن يُصيبه هذا الوعيد، وهذا في الدنيا. ثانيًا: أوجه بيان أن الوعيد واقع على أهل الكتاب في الآخرة: الوجه الأول: أن يكون المراد بالطمس والرد على الأدبار: الختم على العين والفم والطبع عليهما، فقد قال الله تعالى: ﴿لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ [سورة يس: ٦٦] و ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ [سورة يس: ٦٥]، وهذا يكون في الآخرة (٣). وأيضًا قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ [سورة طه: ١٢٥] نوع من الطمس والله أعلم، وهذا يكون في الآخرة. الوجه الثاني: أن قوله تعالى: ﴿آمِنُوا﴾ تكليف متوجه عليهم في جميع مدة حياتهم، فلزم أن يكون قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ واقعا في الآخرة، فصار التقدير: آمنوا من قبل أن يجيء وقت نطمس فيه وجوهكم وهو ما بعد الموت (٤). الوجه الثالث: أن وقوع الوعيد عليهم يوم القيامة أنكى لهم لفضيحتهم بين الأولين والآخرين، ويكون ذلك أول ما عجل لهم من العذاب (٥). فيتضح مما تقدم أن كلا الفريقين له أوجه تؤيد ما ذهب إليه، إلا أن تعليل أبي السعود بوقوعه في الآخرة لأنه لم يتضح وقوعه في الدنيا غير مُسَلّم، وفيه بعد كما قال القاسمي ﵀، وذلك لأن العذاب قد يقع على اليهود من الطمس أو المسخ مستقبلاً في الدنيا أو قبل

стр. 379

يوم القيامة. قال الآلوسي: "والحق أن الآية ليست بنص في كون ذلك في الدنيا أو في الآخرة بل المتبادر منها بحسب المقام كونه في الدنيا لأنه أدخل في الزجر، وعليه مبنى ما روي عن الحبرين، لكن لما كان في وقوع ذلك خفاء واحتمال أنه وقع ولم يبلغنا- على ما في التيسير- مما لا يلتفت إليه، رُجِّح احتمال كونه في الآخرة. وأيّا ما كان فلعل السر في تخصيصهم بهذه العقوبة من بين العقوبات- كما قال شيخ الإسلام (١) - مراعاة المشاكلة بينها وبين ما أوجبها من جنايتهم التي هي التحريف والتغيير. والفاعل والراضي سواء" (٢). • النتيجة: بعد عرض ما تقدم مما قيل في وقوع الوعيد على أهل الكتاب الوارد في قوله تعالى: ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾، يظهر أنه لا مانع من وقوعه في الدنيا أو في الآخرة أو كلاهما، لما تقدم ذكره من أوجه تؤيد كل فريق مما ذهب إليه، والله أعلم.

стр. 380

٤٥ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ [سورة النساء: ٥٦]. قال القاسمي: تنبيه: لهم في التبديل وجهان: الأول- أنه تبديل حقيقي مادي. فيخلق مكانها جلود أُخر جديدة مغايرة للمحترقة. الثاني- أنه تبديل وصفي: أي أعدنا الجلود جديدة مغايرة للمحترقة صورة. وإن كانت عينها مادة. بأن يزال عنها الاحتراق ليعود إحساسها للعذاب. فلم تبدل إلا صفتها، لا مادتها الأصلية. وفيه بعد. إذ يأباه معنى التبديل (١). • أقوال أهل العلم في المراد من تبديل الجلود من حيث ذات الجلد وصفته: القول الأول: أن تبديل الجلود حقيقي، فيخلق الله مكانها جلودا أخرى جديدة مغايرة للمحترقة. القول الثاني: أن تبديل الجلود مجاز عن إعادة صفة الجلود، بأن يزال عنها الاحتراق ليعود إحساسها للعذاب، فليس فيه تبديل لذات الجلد، وإنما صفته. أصحاب القول الأول: ابن عمر ﵁: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾: «إذا احترقت جلودهم بدلناهم جلودا بيضا أمثال القراطيس»، وبنحو ذلك روي عن قتادة، والربيع (٢). السمرقندي: " كلما احترقت جلودهم بدلناهم يعني: جددنا لهم جلودا غيرها لأنهم إذا احترقوا خبت عنهم النار ساعة فبدلوا خلقا جديدا، ثم عادت تحرقهم، فهذا دأبهم فيها" (٣). أبو حيان: "والتبديل على معنيين: تبديل في الصفات مع بقاء العين، وتبديل في

стр. 381

الذوات بأن تذهب العين وتجيء مكانها عين أخرى، يقال: هذا بدل هذا. والظاهر في الآية هذا المعنى الثاني. وأنه إذا نضج ذلك الجلد وتهرى وتلاشى جيء بجلد آخر مكانه، ولهذا قال: جلودا غيرها" (١). الشوكاني: "المعنى: أنها كلما احترقت جلودهم بدلهم الله جلودا غيرها، أي: أعطاهم مكان كل جلد محترق جلدا آخر غير محترق" (٢). أصحاب القول الثاني: الرازي: " يمكن أن يقال: هذا استعارة عن الدوام وعدم الانقطاع، كما يقال لمن يراد وصفه بالدوام: كلما انتهى فقد ابتدأ، وكلما وصل إلى آخره فقد ابتدأ من أوله، فكذا قوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ يعني كلما ظنوا أنهم نضجوا واحترقوا وانتهوا إلى الهلاك أعطيناهم قوة جديدة من الحياة بحيث ظنوا أنهم الآن حدثوا ووجدوا، فيكون المقصود بيان دوام العذاب وعدم انقطاعه" (٣). أبو السعود: " أي أعطيناهم مكان كل جلد محترق عند احتراقه جلدا جديدا مغايرا للمحترق صورة وإن كان عينه مادة بأن يزال عنه الاحتراق ليعود إحساسه للعذاب" (٤). أبو زهرة: "ومن العلماء من قال: إن الجلد لا يتغير ذاته بل يتغير وصفه، فيخلق فيه هذا الإحساس بعد أن يبلى موضع الإحساس بالنار" (٥). قال بعض المفسرين: أن التبديل يكون على صفة ذات الجلد، وإنما سماه «تبديلا»، لأن أوصافه تتغير (٦).

стр. 382

• دراسة المسألة: من خلال عرض ما تقدم من أقوال المفسرين في هذه الآية، وما ذكروه في تأويلها، يظهر أن الصواب مع أصحاب القول الأول من أن تبديل الجلود الوارد في الآية التبديل الحقيقي، بأن يخلق الله جلودا غير الجلود التي احترقت، وذلك من وجوه عدة: الأول: أن التبديل الحقيقي عليه جماعة من السلف كما هو ظاهر من كلامهم، ولا شك أن قولهم مُقدم على قول من بعدهم، إذ هم أقرب إلى زمن التنزيل، وهم خير الناس بعد الصحابة ﵃ والأنبياء. الثاني: أن القول بأن المعنى وصفي عدول عن ظاهر القرآن، فقد قال الله تعالى في الآية: ﴿جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ ولم يقل أن ذات الجلد تتغير أوصافه، والقاعدة أنه لا يجوز العدول عن ظاهر القرآن إلا بدليل يجب الرجوع إليه (١). قال ابن جرير الطبري: " وغير جائز ترك ظاهر المفهوم من الكلام إلى باطن لا دلالة على صحته" (٢). وقال ابن تيمية مقررًا هذه القاعدة: " لم يكن في الصحابة من تأول شيئًا من نصوصه [أي الوحي] على خلاف ما دل عليه، لا فيما أخبر به الله عن أسمائه وصفاته، ولا فيما أخبر عما بعد الموت" (٣). الثالث: أن المعنى الحقيقي هو الذي تقتضيه اللغة، فالمراد من التبديل عند اللغويين: التغيير والتنحية للشيء واستئناف شيء آخر محله، أو إفناء الذات الأولى واحداث ذات أخرى (٤).

стр. 383

وأيضًا: فإن التبديل يقتضي المغايرة كما في قوله تعالى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾ [سورة البقرة: ٦١] فقوله: ﴿غَيْرَهَا﴾ تأكيد لما دل عليه فعل التبديل (١). الرابع: ورود بعض الآثار عن بعض السلف مما يدل على أن التبديل حقيقي، ومن ذلك ما روي عن السدي أنه قال: " إنما تبدل الجلود جلودًا غيرها من لحم الكافر، يعيد الجلد لحمًا، ويخرج من اللحم جلداً آخر، لا يبدل بجلد لم يعمل خطيئة" (٢). الخامس: أن المعنى الحقيقي يدل على أن الله تعالى أعطاهم مكان كل جلد محترق جلدا آخر غير محترق، وهذا أبلغ في العذاب للشخص، لأن إحساسه لعمل النار في الجلد الذي لم يحترق أبلغ من إحساسه لعملها في الجلد المحترق (٣). فإن قيل: إن المعنى الوصفي نظيره قول العرب للصائغ إذا استصاغته خاتما من خاتم مصوغ، بتحويله عن صياغته التي هو بها إلى صياغة أخرى: صغ لي من هذا الخاتم خاتما غيره. فيكسره ويصوغ له منه خاتما غيره والخاتم المصوغ بالصياغة الثانية هو الأول، ولكنه لما أعيد بعد كسره خاتما قيل هو غيره. فكذلك معنى قوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [سورة النساء: ٥٦] لما احترقت الجلود ثم أعيدت جديدة بعد الاحتراق، فقيل هي غيرها على ذلك المعنى (٤). فالجواب من وجهين: الوجه الأول: أن هذا الاستشهاد معارض لما تقدم ذكره مما هو مقرر عند السلف وأهل اللغة وما يقتضيه ظاهر الآية من أن المراد: المعنى الحقيقي. الوجه الثاني: أن قياس تبديل الجلود بالصائغ الذي يصيغ خاتما من خاتم مصوغ، بتحويله عن صياغته التي هو بها إلى صياغة أخرى: قياس مع الفارق بين الحال في الدنيا وبين

стр. 384

حال العذاب يوم القيامة، وهذا في غير محله، إذا لا يُقاس تبديل الجلود بتبديل الصائغ للخاتم، فليست هناك علة مشتركة، تجيز القياس في هذا الحال، والله أعلم. • النتيجة: بعد ذكر ما تقدم من الأقوال في هذه المسألة، يتبين أن الراجح مع أصحاب القول الأول من أن المراد من التبديل: التبديل الحقيقي، لما تقدم ذكره من الأوجه التي تؤيد ذلك، وضعف دليل من قال بأن المعنى وصفي وليس حقيقي، والله أعلم.

стр. 385

٤٦ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ [سورة النساء: ٥٦]. قال الرازي: يمكن أن يقال: هذا استعارة عن الدوام وعدم الانقطاع. كما يقال لمن يراد وصفه بالدوام: كلما انتهى فقد ابتدأ. وكلما وصل إلى آخره فقد ابتدأ. من أوله. فكذا قوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ الآية. يعني: كلما ظنوا أنهم نضجوا واحترقوا وانتهوا إلى الهلاك، أعطيناهم قوة جديدة من الحياة. بحيث ظنوا أنهم الآن حدثوا ووجدوا. فيكون المقصود بيان دوام العذاب وعدم انقطاعه (١). قال القاسمي: وهذا أبعد مما قبله. إذ ليس لنا أن نعدل في كلام الله تعالى عن الحقيقة إلى المجاز، إلا عند الضرورة. لا سيما وقد روي عن السلف، صحابة وتابعين، أنهم يبدلون في اليوم أو الساعة مرات عديدة. كما رواه ابن جرير وغيره مفصلا (٢). • أقوال أهل العلم في المراد من تبديل الجلود من حيث الحقيقة والمجاز: القول الأول: أن المراد من تبديل الجلود: التبديل الحقيقي كما هو ظاهر الآية. القول الثاني: أن المراد من تبديل الجلود: الدوام وعدم الانقطاع عن العذاب. أصحاب القول الأول: الطبري: " ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ يقول: كلما انشوت بها جلودهم فاحترقت ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [سورة النساء: ٥٦] غير الجلود التي قد نضجت فانشوت" (٣). الواحدي: "يعني: أنَّ جلودهم إذا نضجت واحترقت جُدِّدت بأن تُردَّ إلى الحال التي كانت عليها غير محترقة" (٤).

стр. 386

البغوي: " ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ﴾ احترقت ﴿جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ غير الجلود المحترقة" (١). أبو حيان: "وأبعد من ذهب إلى أن هذا استعارة عن الدوام، كلما انتهى فقد ابتدأ من أوله يعني: كلما ظنوا أنهم نضجوا واحترقوا وانتهوا إلى الهلاك أعطيناهم قوة جديدة من الحياة" (٢). أصحاب القول الثاني: الرازي: وتقدم كلامه. النيسابوري: " ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ أي: انقطعت بعض أماني نفوسهم الأمّارة ومقتضيات هواها. ولا يخفى حسن استعارة الجلود لآثار الشيء من حيث الظهور والاشتمال" (٣). • دراسة المسألة: الناظر في هذه المسألة وما ورد فيها من أقوال، يجد أنها قريبة من المسألة السابقة، فكلاهما من قبيل العدول عن ظاهر اللفظ الذي يدل على المعنى الحقيقي، إلى المجاز الذي يُخالف الظاهر. ولا شك أن الحق في هذه المسألة مع أصحاب القول الأول، من أن تبديل الجلود تبديل حقيقي، وذلك من أوجه: الأول: أن الواجب هو حمل ألفاظ القرآن على الحقيقة، كما هو منصوص في القاعدة: بأن نصوص الوحي تُحمل على الحقيقة (٤). وإذا تبين المعنى الحقيقي من المراد من تبديل الجلود فلا حاجة إلى العدول عنه إلى المعنى المجازي.

стр. 387

الثاني: أن هذا التأويل مخالف لما روي عن بعض السلف أنهم يبدلون في اليوم أو الساعة مرات عديدة. فقد روي عن الحسن أنه قال في تفسير الآية: "ننضجهم في اليوم سبعين ألف مرة" (١). ولم يرد عن أحد من السلف ما يوافق قول الرازي من أن التبديل استعارة عن دوام العذاب وعدم الانقطاع، والواجب هو اتباع ما عليه السلف ﵏ في تفسير القرآن، فهم خير الناس بعد الأنبياء ﵈. الثالث: أن تأويل الرازي ومن تبعه، مخالف لظاهر الآية وما تقتضيه اللغة من معنى التبديل، وقد تقدم في المسألة السابقة. تنبيهان: الأول: لعل مراد القاسمي ﵀ من قوله: [إلا عند الضرورة] أي: إذا تعذر حمل اللفظ على الحقيقة، أو إلا وجدت قرينة يمكن من خلالها أن يُحمل اللفظ على المجاز، فإن وجدت قرينة جاز حمل اللفظ على المجاز، ولا قرينة في الآية تصرف المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي، والله أعلم. الثاني: ما ذكره القاسمي ﵀ من أنه روي عن السلف، أنهم يبدلون في اليوم أو الساعة مرات عديدة، لم يصح ثبوته عن الصحابة، ولكن صح عن التابعين. فقد أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عمر قال: قرأ رجل عند عمر هذه الآية ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ فقال عمر: أعدها علي، فأعادها عليه، فقال معاذ بن جبل: عندي تفسيرها: تبدل في ساعة مائة مرة، فقال عمر: هكذا سمعت رسول الله ﷺ (٢).

стр. 388

وأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن الحسن قوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ قال: تنضجهم في اليوم سبعين ألف مرة، قال حسين: وزاد فيه فضيل بن هشام عن الحسن: كلما أنضجتهم وأكلت لحومهم، قيل لهم: عودوا، فعادوا (١). ولكن مثل هذه الأخبار الغيبية إن صحت عن أحد من الصحابة فله حكم الرفع، وإن صحت عن التابعين، فليس لها حكم الرفع، والأولى أن لا يؤخذ بها لأنها ستكون من قبيل المراسيل، والله أعلم. قال الحافظ ابن حجر: "والحق أن ضابط ما يفسره الصحابي ﵁ إن كان مما لا مجال للاجتهاد فيه ولا منقولا عن لسان العرب فحكمه الرفع وإلا فلا، كالأخبار عن الأمور الماضية من بدء الخلق وقصص الأنبياء وعن الأمور الآتية: كالملاحم والفتن والبعث وصفة الجنة والنار والأخبار عن عمل يحصل به ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص، فهذه الأشياء لا مجال للاجتهاد فيها فيحكم لها بالرفع (٢). • النتيجة: بعد عرض ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين جليًا أن الحق في تفسير الآية هو حملها على المعنى الحقيقي، فالمراد من تبديل الجلود في قوله تعالى: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ أنه إذا احترق الجلد وتلاشى أبدل الله مكانه جلداً آخر مغايرا للأول، لما تقدم ذكره من الأدلة، وما ورد من النقولات في هذه المسألة والتي قبلها.

стр. 389

٤٧ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [سورة النساء: ٥٩]. قال القاسمي: فهم كثير من الناس والمفسرين أيضا أن طاعة أولي الأمر العلماء، تقليدهم فيما يفتون به. وهو غلط (١). • أقوال أهل العلم في حكم تقليد العلماء فيما يُفتون به: القول الأول: أن من لوازم طاعة أولي الأمر العلماء، تقليدهم فيما يُفتون به. القول الثاني: ليس من لوازم طاعة العلماء تقليدهم فيما يُفتون به. أصحاب القول الأول: الكلوذاني (٢): "يجوز للعامي في فروع الدين وأحكامه كالبيوع والأنكحة والعتاق، تقليد العالم فيها وبهذا قال أكثر العلماء، لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [سورة النساء: ٨٣] فدل على أنه يرد الحكم إلى أهل الاستنباط" (٣). أصحاب القول الثاني: ابن حزم: "في قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ معنى زائد ليس فيما تقدم من الآية وهو نهيه تعالى عن تقليد أحد واتباعه والأمر

стр. 390

بالاقتصار على القرآن والسنة فقط ولا مزيد" (١). الشوكاني: "ومن جملة ما استدلوا به قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ وقالوا وأولوا الأمر هم العلماء وطاعتهم تقليدهم فيما يفتون به، وأين هذا من الدلالة على مراد المقلدين فإنه لا طاعة للعلماء ولا للأمراء إلا إذا أمروا بطاعة الله على وفق شريعته" (٢). الشنقيطي: "وأما استدلالهم على التقليد بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. قائلين إن المراد بأولي الأمر العلماء، وأن طاعتهم المأمور بها في الآية هي تقليدهم، فهو ظاهر السقوط" (٣). الشيخ محمد رشيد رضا: "هذه الآية جعلها بعض الجاهلين حجة على وجوب التقليد، فزعموا أن تفسير أولي الأمر بالعلماء المجتهدين يدل على ذلك، وهو ظاهر البطلان" (٤). • دراسة المسألة: في تفسير هذه الآية استشهد القاسمي ﵀ ليُبين بطلان الاستدلال بها على وجوب التقليد، بإيراد مناظرة بين مقلد وبين صاحب حجة منقاد للحق حيث كان نقلاً عن الإمام ابن القيم ﵀ ونصه: "قال المقلد: وقد أمر الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله ﷺ وأولي الأمر- وهم العلماء. أو العلماء والأمراء- وطاعتهم تقليدهم فيما يفتون به، فإنه لولا التقليد، لم يكن هناك طاعة تختص بهم.
следующие страницы →