البغوي: " ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ﴾ احترقت ﴿جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ غير الجلود المحترقة" (١).
أبو حيان: "وأبعد من ذهب إلى أن هذا استعارة عن الدوام، كلما انتهى فقد ابتدأ من أوله يعني: كلما ظنوا أنهم نضجوا واحترقوا وانتهوا إلى الهلاك أعطيناهم قوة جديدة من الحياة" (٢).
أصحاب القول الثاني:
الرازي: وتقدم كلامه.
النيسابوري: " ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ أي: انقطعت بعض أماني نفوسهم الأمّارة ومقتضيات هواها. ولا يخفى حسن استعارة الجلود لآثار الشيء من حيث الظهور والاشتمال" (٣).
• دراسة المسألة:
الناظر في هذه المسألة وما ورد فيها من أقوال، يجد أنها قريبة من المسألة السابقة، فكلاهما من قبيل العدول عن ظاهر اللفظ الذي يدل على المعنى الحقيقي، إلى المجاز الذي يُخالف الظاهر.
ولا شك أن الحق في هذه المسألة مع أصحاب القول الأول، من أن تبديل الجلود تبديل حقيقي، وذلك من أوجه:
الأول: أن الواجب هو حمل ألفاظ القرآن على الحقيقة، كما هو منصوص في القاعدة: بأن نصوص الوحي تُحمل على الحقيقة (٤). وإذا تبين المعنى الحقيقي من المراد من تبديل الجلود فلا حاجة إلى العدول عنه إلى المعنى المجازي.
стр. 387
الثاني: أن هذا التأويل مخالف لما روي عن بعض السلف أنهم يبدلون في اليوم أو الساعة مرات عديدة.
فقد روي عن الحسن أنه قال في تفسير الآية: "ننضجهم في اليوم سبعين ألف مرة" (١).
ولم يرد عن أحد من السلف ما يوافق قول الرازي من أن التبديل استعارة عن دوام العذاب وعدم الانقطاع، والواجب هو اتباع ما عليه السلف ﵏ في تفسير القرآن، فهم خير الناس بعد الأنبياء ﵈.
الثالث: أن تأويل الرازي ومن تبعه، مخالف لظاهر الآية وما تقتضيه اللغة من معنى التبديل، وقد تقدم في المسألة السابقة.
تنبيهان:
الأول: لعل مراد القاسمي ﵀ من قوله: [إلا عند الضرورة] أي: إذا تعذر حمل اللفظ على الحقيقة، أو إلا وجدت قرينة يمكن من خلالها أن يُحمل اللفظ على المجاز، فإن وجدت قرينة جاز حمل اللفظ على المجاز، ولا قرينة في الآية تصرف المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي، والله أعلم.
الثاني: ما ذكره القاسمي ﵀ من أنه روي عن السلف، أنهم يبدلون في اليوم أو الساعة مرات عديدة، لم يصح ثبوته عن الصحابة، ولكن صح عن التابعين.
فقد أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عمر قال: قرأ رجل عند عمر هذه الآية ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ فقال عمر: أعدها علي، فأعادها عليه، فقال معاذ بن جبل: عندي تفسيرها: تبدل في ساعة مائة مرة، فقال عمر: هكذا سمعت رسول الله ﷺ (٢).
стр. 388
وأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن الحسن قوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ قال:
تنضجهم في اليوم سبعين ألف مرة، قال حسين: وزاد فيه فضيل بن هشام عن الحسن: كلما أنضجتهم وأكلت لحومهم، قيل لهم: عودوا، فعادوا (١).
ولكن مثل هذه الأخبار الغيبية إن صحت عن أحد من الصحابة فله حكم الرفع، وإن صحت عن التابعين، فليس لها حكم الرفع، والأولى أن لا يؤخذ بها لأنها ستكون من قبيل المراسيل، والله أعلم.
قال الحافظ ابن حجر: "والحق أن ضابط ما يفسره الصحابي ﵁ إن كان مما لا مجال للاجتهاد فيه ولا منقولا عن لسان العرب فحكمه الرفع وإلا فلا، كالأخبار عن الأمور الماضية من بدء الخلق وقصص الأنبياء وعن الأمور الآتية: كالملاحم والفتن والبعث وصفة الجنة والنار والأخبار عن عمل يحصل به ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص، فهذه الأشياء لا مجال للاجتهاد فيها فيحكم لها بالرفع (٢).
• النتيجة:
بعد عرض ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين جليًا أن الحق في تفسير الآية هو حملها على المعنى الحقيقي، فالمراد من تبديل الجلود في قوله تعالى: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ أنه إذا احترق الجلد وتلاشى أبدل الله مكانه جلداً آخر مغايرا للأول، لما تقدم ذكره من الأدلة، وما ورد من النقولات في هذه المسألة والتي قبلها.
стр. 389
٤٧ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [سورة النساء: ٥٩].
قال القاسمي: فهم كثير من الناس والمفسرين أيضا أن طاعة أولي الأمر العلماء، تقليدهم فيما يفتون به. وهو غلط (١).
• أقوال أهل العلم في حكم تقليد العلماء فيما يُفتون به:
القول الأول: أن من لوازم طاعة أولي الأمر العلماء، تقليدهم فيما يُفتون به.
القول الثاني: ليس من لوازم طاعة العلماء تقليدهم فيما يُفتون به.
أصحاب القول الأول:
الكلوذاني (٢): "يجوز للعامي في فروع الدين وأحكامه كالبيوع والأنكحة والعتاق، تقليد العالم فيها وبهذا قال أكثر العلماء، لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [سورة النساء: ٨٣] فدل على أنه يرد الحكم إلى أهل الاستنباط" (٣).
أصحاب القول الثاني:
ابن حزم: "في قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ معنى زائد ليس فيما تقدم من الآية وهو نهيه تعالى عن تقليد أحد واتباعه والأمر
стр. 390
بالاقتصار على القرآن والسنة فقط ولا مزيد" (١).
الشوكاني: "ومن جملة ما استدلوا به قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ وقالوا وأولوا الأمر هم العلماء وطاعتهم تقليدهم فيما يفتون به، وأين هذا من الدلالة على مراد المقلدين فإنه لا طاعة للعلماء ولا للأمراء إلا إذا أمروا بطاعة الله على وفق شريعته" (٢).
الشنقيطي: "وأما استدلالهم على التقليد بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. قائلين إن المراد بأولي الأمر العلماء، وأن طاعتهم المأمور بها في الآية هي تقليدهم، فهو ظاهر السقوط" (٣).
الشيخ محمد رشيد رضا: "هذه الآية جعلها بعض الجاهلين حجة على وجوب التقليد، فزعموا أن تفسير أولي الأمر بالعلماء المجتهدين يدل على ذلك، وهو ظاهر البطلان" (٤).
• دراسة المسألة:
في تفسير هذه الآية استشهد القاسمي ﵀ ليُبين بطلان الاستدلال بها على وجوب التقليد، بإيراد مناظرة بين مقلد وبين صاحب حجة منقاد للحق حيث كان نقلاً عن الإمام ابن القيم ﵀ ونصه: "قال المقلد: وقد أمر الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله ﷺ وأولي الأمر- وهم العلماء. أو العلماء والأمراء- وطاعتهم تقليدهم فيما يفتون به، فإنه لولا التقليد، لم يكن هناك طاعة تختص بهم.
стр. 391
قال: وجوابه أن أولي الأمر، قيل: هم الأمراء. وقيل: هم العلماء. وهما روايتان عن الإمام أحمد. والتحقيق أن الآية تتناول الطائفتين. وطاعتهم من طاعة الرسول ﷺ . لكن خفي على المقلدين أنهم يطاعون في طاعة الله إذا أمروا بأمر الله تعالى ورسوله ﷺ . فأين في الآية تقديم آراء الرجال على سنة رسول الله ﷺ وإيثار التقليد عليها؟.
قال ابن القيم: "إن هذه الآية من أكبر الحجج عليهم وأعظمها إبطالا للتقليد. وذلك من وجوه:
أحدها: الأمر بطاعة الله التي هي امتثال أمره واجتناب نهيه.
الثاني: طاعة رسول الله ﷺ . ولا يكون العبد مطيعا لله ولرسوله حتى يكون عالما بأمر الله تعالى ورسوله. وأما من هو مقلد فيها لأهل العلم لم يمكنه تحقيق طاعة الله ورسوله ﷺ البتة.
الثالث: أن أولي الأمر قد نهوا عن تقليدهم، كما صح ذلك عن معاذ بن جبل ﵁ وعبد الله بن مسعود ﵁ وعبد الله بن عمر ﵁ وعبد الله بن عباس ﵁ وغيرهم من الصحابة. وذكرناه عن الأئمة الأربعة وغيرهم.
وحينئذ فطاعتهم في ذلك إن كانت واجبة بطل التقليد. وإن لم تكن واجبة بطل الاستدلال (١).
الرابع: أنه ، قال في الآية نفسها: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. وهذا صريح في إبطال التقليد والمنع من رد المتنازع فيه إلى رأي أو مذهب أو تقليد.
فإن قيل: فما هي طاعتهم المختصة بهم؛ إذ لو كانوا إنما يطاعون فيما يخبرون به عن الله ورسوله كانت الطاعة لله ورسوله لا لهم؟
стр. 392
قيل: وهذا هو الحق، وطاعتهم إنما هي تبع لا استقلال، ولهذا قرنها بطاعة الرسول ولم يعد العامل، وأفرد طاعة الرسول وأعاد العامل لئلا يتوهم أنه إنما يطاع تبعا كما يطاع أولو الأمر تبعا، وليس كذلك، بل طاعته واجبة استقلالا سواء كان ما أمر أو نهى عنه في القرآن أو لم يكن" (١).
ويُضاف على ما ذكره ابن القيم وجهان:
الأول: لو فرضنا أن في العلماء من يرشد الناس إلى التقليد ويرغبهم فيه لكان يرشد إلى معصية الله، ولا طاعة له بنص حديث من رسول الله ﷺ (٢).
فقد روى البخاري في صحيحه عن علي ﵁، قال: بعث النبي ﷺ سرية، وأمر عليهم رجلا من الأنصار، وأمرهم أن يطيعوه، فغضب عليهم، وقال: أليس قد أمر النبي ﷺ أن تطيعوني؟ قالوا: بلى، قال: قد عزمت عليكم لما جمعتم حطبا، وأوقدتم نارا، ثم دخلتم فيها فجمعوا حطبا، فأوقدوا نارا، فلما هموا بالدخول، فقام ينظر بعضهم إلى بعض، قال بعضهم: إنما تبعنا النبي ﷺ فرارا من النار أفندخلها؟ فبينما هم كذلك، إذ خمدت النار، وسكن غضبه، فذكر للنبي ﷺ ، فقال: «لو دخلوها ما خرجوا منها أبدا، إنما الطاعة في المعروف» (٣).
الثاني: الاستدلال بالآية على وجوب التقليد قد يلزم منه طاعة أولي الأمر - وهم العلماء- في المعصية وهذا لا يجوز إجماعا فيما خالف كتابا أو سنة، ولا طاعة لهم إلا في المعروف كما جاءت به الأحاديث الصحيحة عنه ﷺ (٤).
стр. 393
تنبيه:
ما تعقَّب به القاسمي ﵀ على من قال بوجوب التقليد، وما أورده من كلام ابن القيم، يُحمل على تقليد المجتهد أو العالم أو طالب العلم للمجتهد فيما يُفتي به.
لأن الحق والله أعلم أن التقليد ليس مذموم على إطلاقه، فقد نص جمع من الأصوليين أن العامي أو الجاهل يجوز له التقليد.
فقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ المراد به العامة الذين لا يدرون الشرع، ولا يعرفون طرق الاستنباط، فهؤلاء يلزمهم مراجعة جميع العلماء إذ ليس لهم آلة هذا الشأن، يدل عليه قوله تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ فعُلِم أنه أراد المقلد؛ لأنه إذا كان عالماً فهو من أهل الاستنباط (١).
قال العلامة العثيمين ﵀: " من فوائد الآية الكريمة: تحريم التقليد مع وضوح الدليل، لقوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، وإنما قلنا: مع وضوح الدليل، لأن التقليد يجوز للضرورة إذا لم يعلم الإنسان، لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، ولم يأمر سبحانه بسؤال أهل الذكر إلا للرجوع إلى ما يقولون، وإلا لم يكن هناك فائدة من سؤال أهل الذكر" (٢).
• النتيجة:
من خلال عرض ما تقدم من الأقوال وما قيل في تفسير الآية، يظهر أن الصواب مع أصحاب القول الثاني من أن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ لا دلالة فيه على وجوب التقليد، ولا بأس أن يُقلد العامي أو الجاهل العالم فيما يُفتي به، لما تقدم إيراده من الأدلة، والله أعلم.
стр. 394
٤٨ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)﴾ [سورة النساء: ٦١]
قال أبو مسلم الأصفهاني: ظاهر الآية يدل على أنه كان منافقا من أهل الكتاب. مثل: إنه كان يهوديا فأظهر الإسلام على سبيل النفاق. لأن قوله تعالى: ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ إنما يليق بمثل هذا المنافق (١).
قال القاسمي: أقول: ما استظهره مناف لما أسلفناه مما روي في نزولها. على أن توصيفهم بالإيمان ب (ما أنزل من قبل) لا يؤيد ما ذكره. لأن هذا كثيرا ما يذكر تنويها به وتثبيتا لركنيته في الإيمان. وتذكيرا له. كما لا يخفى على من سبر قاعدة التنزيل في أمثاله. فاعرفه (٢).
• أقوال أهل العلم في الرجل الذي اختصم مع اليهودي:
القول الأول: أن الرجل الذي اختصم مع اليهودي كان منافقًا من أهل الكتاب.
القول الثاني: أن الرجل الذي اختصم مع اليهودي كان منافقًا، من غير تخصيص أنه من أهل الكتاب.
أصحاب القول الأول:
أبو مسلم: وتقدم قوله.
أبو زهرة: "الذين اختصموا هم في الأصل من أهل الكتاب الذين يدعون أنهم آمنوا بما أنزل على موسى والأنبياء قبله. وبهذا النص الكريم يتعين أن يكون أولئك من المنافقين من اليهود الذين كانوا يظهرون الإيمان" (٣).
стр. 395
أصحاب القول الثاني:
جماعة من السلف وهم: عامر الشعبي، وقتادة (١)، ومجاهد (٢).
السمعاني: "القول الأصح: أن رجلا من اليهود خاصم رجلا من المنافقين" (٣).
• دراسة المسألة:
من خلال عرض ما تقدم من الأقوال في هذه المسألة وما ورد في تفسير الآية وسبب نزولها، يظهر أن كلا القولين مُحتمل، فيُحتمل أن الرجل الذي خاصم اليهودي كان مُنافقًا من عبدة الأصنام أو الأوثان، ويُحتمل أنه كان منافقًا من أهل الكتاب، وذلك مما يلي:
أولا: احتمال أن يكون الرجل الذي خاصم اليهودي مُنافقًا من عبدة الأصنام أو الأوثان:
فقد أورده القاسمي ﵀ في تفسير الآية من الآثار الواردة في سبب نزولها، الدالة على ذلك:
ومن ذلك: ما أخرجه ابن أبي حاتم والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس ﵁ قال: كان أبو برزة الأسلمي (٤) كاهنا يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه. فتنافر إليه ناس من المسلمين. فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾. إلى قوله- ﴿إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ (٥).
стр. 396
قال القاسمي: "أقول: ثم أسلم أبو برزة ﵁ وصحب النبي ﷺ . واسمه نضلة بن عبيد" (١).
قال الحافظ ابن حجر: صحابي مشهور بكنيته. أسلم قبل الفتح. وغزا سبع غزوات. ثم نزل البصرة. وغزا خراسان ومات بها سنة خمس وستين على الصحيح (٢).
وأخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن محمد بن إسحاق، عن ابن عباس قال: كان الجلاس بن الصامت (٣) قبل توبته فيما بلغني، ومعتب بن قشير (٤)، ورافع بن زيد (٥)، وبشير كانوا يدّعون الإسلام، فدعاهم رجال من قومهم من المسلمين في خصومة كانت بينهم إلى رسول الله ﷺ ، فدعوهم إلى الكهان حكام الجاهلية، فأنزل الله تعالى فيهم ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ الآية (٦).
وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال: كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة. فقال اليهودي: أحاكمك إلى أهل دينك، أو قال: إلى النبي ﷺ ، لأنه قد علم أن لا يأخذ الرشوة في الحكم. فاختلفا. واتفقا على أن يأتيا كاهنا في جُهينة (٧) فنزلت (٨).
فهذه الآثار وغيرها ظاهرها يدل على أن الذي اختصم مع اليهودي كان مُنافقًا من
стр. 397
عبدة الأصنام أو الأوثان، ولم يكن مُنافقًا من أهل الكتاب.
ثانيًا: احتمال أن يكون الرجل الذي خاصم اليهودي مُنافقًا من أهل الكتاب:
فقد روي عن السدي: أن الآية نزلت في المنافقين من قريظة والنضير، تفاخروا بسبب تكافؤ دمائهم، إذ كانت النضير في الجاهلية تدي من قتلت وتستقيه إذا قتلت قريظة منهم، فأبت قريظة لما جاء الإسلام، وطلبوا المنافرة، فدعا المؤمنون منهم إلى النبي ﷺ ، ودعا المنافقون إلى بردة الكاهن، فنزلت (١).
ولا تعارض بين القولين، فلا مانع أن تكون الآية نزلت مرتين: مرة في هؤلاء ومرة في هؤلاء، ومثل هذا التوجيه يقرره ابن تيمية ﵀ في مقدمته لأصول التفسير (٢).
تنبيه:
تعليل أبي مسلم بأن قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ إنما يليق بمثل هذا المنافق، غير مُسَلَّم، إذ إن المراد من قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ما أنزل على الأنبياء والأقدمين أو ما أنزل من التوراة، والمنافق الذي يُظهر الإسلام، يُظهر كذلك أنه مؤمن بما أنزل من قبل لأن هذا ركن من أركان الإيمان، فيذكر تنويها به وتثبيتا لركنيته في الإيمان. وتذكيرا له كما قال القاسمي ﵀. أو أنهم وصفوا بهذا الزعم لتأكيد العجيب وتشديد التوبيخ والاستقباح (٣)، وجميعه يليق بمنافقي أهل الكتاب، أو الذين يدَّعون الإسلام.
• النتيجة:
بعد ذكر ما تقدم من الأقوال والآثار في سبب نزول قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يظهر أن كلا الأمرين محتمل: فجائز أن يكون نزل في رجل منافق من عبدة الأصنام أو الأوثان، وجائز أن يكون نزل في رجل كان منافقا من أهل الكتاب، ولا تعارض كما تقدم، والله أعلم.
стр. 398
٤٩ - قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢)﴾ [سورة النساء: ٦٢].
قال الرازي: ذكروا في تفسير قوله تعالى: ﴿أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ وجوها: الأول- إن المراد منه قتل عمر ﵁ صاحبهم الذي أقر أنه لا يرضى بحكم الرسول ﵇. فهم جاءوا إلى النبي ﷺ ، فطالبوا عمر بدمه. وحلفوا أنهم ما أرادوا بالذهاب إلى غير الرسول إلا المصلحة. وهذا اختيار الزجاج (١).
قال القاسمي: قلت: واختياره غير مختار. لأن قصة قتل عمر لم ترو من طريق صحيح ولا حسن. فهي ساقطة عند المحققين (٢).
• أقوال أهل العلم في تفسير قوله تعالى ﴿أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾:
القول الأول: إن المراد من المصيبة: النقمة والعقوبة بالذنب والبلاء والعجز عن دفعه، ونحو ذلك، مما يدخل في عموم المراد من المصيبة، التي تقع بقضاء الله وقدره، وإلى هذا ذهب القاسمي ﵀ (٣).
القول الثاني: إن المراد من المصيبة: قتل عمر صاحبهم الذي أقر أنه لا يرضى بحكم الرسول ﵇. فهم جاءوا إلى النبي ﷺ ، فطالبوا عمر بدمه. وحلفوا أنهم ما أرادوا بالذهاب إلى غير الرسول إلا المصلحة.
стр. 399
أصحاب القول الأول (١):
الطبري: " ﴿إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ يعني: إذا نزلت بهم نقمة من الله" (٢).
البغوي: " ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ هذا وعيد، أي: فكيف يصنعون إذا أصابتهم مصيبة" (٣).
ابن جزي: " ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ الآية: أي كيف يكون حالهم إذا عاقبهم الله بذنوبهم" (٤).
القنوجي: " ﴿فَكَيْفَ﴾ بيان لعاقبة أمرهم وما صار إليه حالهم أي كيف يكون حالهم ﴿إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ أي وقت إصابتهم فإنهم يعجزون عند ذلك ولا يقدرون على الدفع" (٥).
أصحاب القول الثاني:
الزجاج: "أي فكيف تكون حالهم إذا قُتِل صاحبهم بما أظهر من الخيانة ورَدَّ حُكم النبي ﷺ " (٦).
أبو الحسن النيسابوري (٧): "فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم: أي: قتل
стр. 400
صاحبهم بما رد حكم النبي ﷺ . إن أردنا إلا إحسانا: أي: ما أردنا بطلبنا دم صاحبنا إلا الإحسان" (١).
البيضاوي: "فكيف يكون حالهم ﴿إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ كقتل عمر المنافق أو النقمة من الله تعالى" (٢).
النسفي (٣): " ﴿فَكَيْفَ﴾ تكون حالهم وكيف يصنعون ﴿إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ من قتل عمر بشرا" (٤).
• دراسة المسألة:
من خلال النظر في أسانيد القصة الواردة في قتل عمر بن الخطاب ﵁ المنافق الذي أبى حكم النبي ﷺ وحكم أبي بكر الصديق ﵁، نجد أنها لا تسلم من مقال، أو قدح في إسنادها يُردي بها إلى درجة الضعف، وأشهر الروايات التي وردت فيها روايتان:
الرواية الأولى: ما أخرجه ابن أبي حاتم بسنده عن يونس بن عبد الأعلى قراءة، أنبأ ابن وهب، أخبرني عبد الله بن لهيعة عن أبي الأسود قال: اختصم رجلان إلى رسول الله ﷺ ، فقضى بينهما، فقال الذي قضى عليه: ردنا إلى عمر بن الخطاب، فقال رسول الله ﷺ : نعم، انطلقا إلى عمر ..... الأثر (٥).
والعلة في الرواية: أن في إسنادها عبد الله بن لهيعة، وهو ضعيف.
قال ابن معين: ضعيف لا يحتج به (٦).
стр. 401
وقال ابن كثير: "كذا رواه ابن مردويه من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود به، وهو أثر غريب مرسل، وابن لهيعة ضعيف" (١).
الرواية الثانية: جاءت من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس ﵁: "نزلت في رجل من المنافقين، يقال له: بشر؛ كان بينه وبين يهودي خصومة، فقال اليهودي: أنطلق بنا إلى محمد، وقال المنافق: بل نأتي كعب بن الأشرف -وهو الذي سماه الطاغوت- فأبى اليهودي أن يخاصمه إلا إلى رسول الله ﷺ ، فلما رأى المنافق ذلك، أتى معه إلى رسول الله ﷺ ، فاختصما إليه، فقضى رسول الله ﷺ لليهودي، فلما خرجا من عنده، لزمه المنافق، وقال: انطلق بنا إلى عمر بن الخطاب ..... الأثر" (٢).
وهذه الرواية فيها ثلاث علل:
الأولى: أن في إسنادها الكلبي تهم بالكذب، ورمي بالرفض (٣).
الثانية: في إسنادها أبي صالح وهو ضعيف مُدَلّس (٤).
الثالثة: وهي التي تزيدها ضعفًا: وهي رواية الكلب عن أبي صالح.
قال ابن معين: "الكلبي إذا روى عن أبي صالح فليس بشيء؛ لأن الكلبي يحدِّث به مرة من رأيه، ومرة عن أبي صالح، ومرة عن أبي صالح عن ابن عباس ﵁، فإذا حدث غير الكلبي عن أبي صالح فليس به بأس" (٥).
وبهذا يتبين جليًا ضعف إسناد هذه الرواية، وعليه يبقى تأويل الآية على عمومه كما قال القاسمي ﵀ في تفسيرها: "أي كيف يكون حالهم إذا ساقتهم التقادير إليك، في مصائب تطرقهم بسبب ذنوبهم، التي منها المحاكمة إلى الطاغوت والكراهة لحكمك،
стр. 402
واحتاجوا إليك في ذلك ثم جاؤك للاعتذار عما صنعوا من القبائح يحلفون بالله كذبا إن أردنا أي ما أردنا بذلك التحاكم إلا إحسانا أي فصلا بالوجه الحسن وتوفيقا بالصلح بين الخصمين. ولم نرد مخالفة لك ولا تسخطا لحكمك. فلا تؤاخذنا بما فعلنا. وهذا وعيد لهم على ما فعلوا. وأنهم سيندمون عليه حين لا ينفعهم الندم. ولا يغني عنهم الاعتذار" (١).
تنبيه:
روي في تفسير الآية عن الضحاك ومقاتل: أنها نزلت في شأن الذين بنوا مسجد ضرار، فلما أظهر الله نفاقهم وأمر بهدم المسجد، حلفوا لرسول الله ﷺ دفعا عن أنفسهم: ما أردنا ببناء المسجد إلا طاعة الله وموافقة الكتاب (٢). فهذا يؤخذ به إن صح إسناده، والله أعلم.
• النتيجة:
بعد عرض ما تقدم في تفسير قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ يتبين أن الصواب في تفسيرها مع أصحاب القول الأول من أن الآية على عمومها في المنافقين. لما تقدم ذكره من بيان ضعف إسناد الرواية الواردة في قتل عمر الرجل الذي أقر أنه لا يرضى بحكم ولا رسوله، والله أعلم.
стр. 403
٥٠ - قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [سورة النساء: ٦٥].
قال القاسمي: وقع في التفسير المنسوب لابن عباس ﵁، هاهنا، ذكر حاطب بن أبي بلتعة ﵁ وتلقيبه بالمنافق وإدراجه تحت قوله تعالى ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾ [سورة النساء: ٦١] (١). وفي صحة هذا عن ابن عباس نظر. وكيف؟ وقد كان ﵁ من البدريين. وقد انتفى النفاق عمن شهدها (٢).
• أقوال أهل العلم في المراد بالمنافقين في قوله تعالى: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾ (٣):
الطبري: " ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ﴾ يعني بذلك: يمتنعون من المصير إليك لتحكم بينهم، ويمنعون من المصير إليك كذلك غيرهم صدود" (٤).
السمعاني: " ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ هو ما ذكرنا، أن المنافقين دعوا إلى التحاكم إلى الرسول، فأعرضوا عنه، وتحاكموا إلى الطاغوت " (٥).
ابن كثير: " ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ أي: يعرضون عنك إعراضا كالمستكبرين عن ذلك، كما قال تعالى عن المشركين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [سورة لقمان: ٢١] " (٦).
الشنقيطي: "ذكر في هذه الآية الكريمة أن المنافقين إذا دعوا إلى ما أنزل الله، وإلى
стр. 404
الرسول ﷺ يصدون عن ذلك صدودا أي: يعرضون إعراضا" (١).
• دراسة المسألة:
الناظر في قصة الخصومة التي كانت بين الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة ووصفه بالمنافق، يجد أنها مردودة من وجهين:
الأول: من جهة الرواية: فإن نسبة وصف حاطب بن أبي بلتعة بالنفاق إلى ابن عباس لا تصح.
وذلك لأن جميع ما روى عن ابن عباس ﵁ في هذا التفسير المنسوب إليه يدور على محمد بن مروان السدى الصغير، عن محمد بن السائب الكلبى، عن أبى صالح، عن ابن عباس.
وطريق محمد بن السائب الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس، تُعد من أوهى الطرق. والكلبى مشهور بالتفسير، وليس لأحد تفسير أطول منه ولا أشبع كما قال ابن عدى في الكامل (٢)، ومع ذلك فإن وُجِدَ مَنْ قال: رضوه فى التفسير، فقد وُجِد مَنْ قال: أجمعوا على ترك حديثه، وليس بثقة، ولا يُكتب حديثه، واتهمه جماعة بالوضع. وممن يروى عن الكلبى، محمد بن مروان السدى الصغير، وقد قالوا فيه: إنه يضع الحديث، وذاهب الحديث متروك، ولهذا قال السيوطي: "فإن انضم إلى ذلك - أي طريق الكلبى - رواية محمد بن مروان السدى الصغير، فهي سلسلة الكذب" (٣).
وقال السيوطي أيضًا: "الكلبى: اتهموه بالكذب وقد مرض فقال لأصحابه في مرضه: كل شيء حدثتكم عن أبى صالح كذب .. ومع ضعف الكلبى فقد روى عنه تفسيره مثله أو أشد ضعفاً، وهو محمد بن مروان السدى الصغير" (٤)، وكثيراً ما يخرج من هذه الطريق الثعلبي والواحدي (٥).
стр. 405
وبهذا يتبين لنا ضعف إسناد ما روي عن ابن عباس ﵁ من إدراج حاطب بن أبي بلتعة ﵁ وتلقيبه بالمنافق تحت قوله تعالى: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾.
الثانية: من جهة الدراية: فإن إدراج مثل هذا الصحابي الجليل تحت قوله تعالى: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾ ووصفه بالمنافق، لمن الظلم والطعن الذي نهى عنه النبي ﷺ .
كيف لا وفي قصة الظعينة (١) عندما قال عمر: يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال «إنه قد شهد بدرا. وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم» (٢). فهذه الرواية صريحة في الحكم على انتفاء النفاق عن الصحابي الجليل حاطب بن أبي بلتعة ﵁.
تنبيه:
أورد جمع من أئمة التفسير أن سبب نزول قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ ما وقع من الخصام بين الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة (٣)، ومستندهم في ذلك والله أعلم ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن عبد العزيز عن الزهري عن سعيد بن المسيب في قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية. قال: نزلت في الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة، اختصما في ماء … الحديث (٤).
قال ابن حجر: "وإسناده قوي مع إرساله. فإن كان سعيد بن المسيب سمعه من الزبير،
стр. 406
فيكون موصولا" (١). وعلى فرض صحته، فإنه لم يصف أحد من أهل العلم حاطبًا ﵁ بالنفاق.
وعليه فإن الرجل الأنصاري الذي خاصم الزبير ليس بمعين ولا مُسمى كما تقدم في كلام القرطبي.
فائدة:
اختار الطبري أن يكون نزول الآية في المنافق واليهودي. كما قال مجاهد، ثم تتناول بعمومها قصة الزبير (٢).
قال ابن العربي: "وهو الصحيح. وكل من اتهم رسول الله ﷺ في الحكم فهو كافر، لكن الأنصاري زل زلة فأعرض عنه النبي ﷺ وأقال عثرته لعلمه بصحة يقينه وأنها كانت فلتة، وليس ذلك لأحد بعد النبي ﷺ وكل من لم يرض بحكم الحاكم بعده فهو عاص آثم (٣).
وعليه فإنه على فرض صحة نزول الآية في الخصام الذي وقع بين الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة ﵄، فإن اعتراض حاطبًا يُعد من الزلل المغفور له مع صحة يقينه، والله أعلم.
• النتيجة:
بعد عرض ما تقدم من الأقوال في هذه المسألة، يتبين جليًا أن ما نسب إلى ابن عباس ﵁ من أن المراد من قوله تعالى: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾ الصحابي الجليل حاطب بن أبي بلتعة ﵁، لم يصح عنه من جهة الرواية والدراية، لما تقدم بيانه.
وعلى فرض ما صح من خصومة حاطب بن أبي بلتعة مع الزبير بن العوام، فيُحكم عليه أنه أخطأ وزل ﵁ في تصرفه، ولا يوصف ﵁ بالمنافق.
стр. 407
٥١ - قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦)﴾ [سورة النساء: ٦٦].
قال بعض المفسرين: أراد حقيقة القتل والخروج من الديار. وقيل: أراد التعرض للقتل بالجهاد. وأراد الهجرة بالخروج من الديار. والمعنى: لو أمر المنافقون، كما أمر المؤمنون، ما فعلوه. انتهى.
قال القاسمي: والقول الثاني بعيد. لأنه لا يعدل عن الحقيقة إلا لضرورة. ولمنافاته للآثار المذكورة الصريحة في الأول (١).
• أقوال أهل العلم في معنى القتل والخروج من الديار الوارد في الآية:
القول الأول: أن المراد: قتل النفس أو الخروج من الديار.
القول الثاني: أن المراد: التعرض للقتل بالجهاد.
أصحاب القول الأول:
الطبري: " أي: لو أنا فرضنا على هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك المحتكمين إلى الطاغوت أن يقتلوا أنفسهم، وأمرناهم بذلك، أو أن يخرجوا من ديارهم مهاجرين منها إلى دار أخرى سواها ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾، يقول: ما قتلوا أنفسهم بأيديهم .... إلخ" (٢).
السمرقندي: "يعني: لو فرضنا عليهم القتل أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم" (٣).
стр. 408
البغوي: " ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا﴾ أي: فرضنا وأوجبنا، ﴿عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ كما أمرنا بني إسرائيل" (١).
أبو حيان: "معنى الآية: أنه تعالى لو فرض عليهم أن يقتلوا أنفسهم، إما أن يقتل نفسه بيده، أو يقتل بعضهم بعضا، أو أن يخرجوا من ديارهم كما فرض ذلك على بني إسرائيل حين استتيبوا من عبادة العجل لم يطع منهم إلا القليل" (٢).
أصحاب القول الثاني:
البيضاوي: " ﴿أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ تعرضوا بها للقتل في الجهاد، أو اقتلوها كما قتل بنو إسرائيل" (٣).
النسفي: " ﴿أَنِ اقْتُلُوا﴾ أن هي المفسرة ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ أي تعرضوا للقتل بالجهاد" (٤).
الشربيني: " ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ كما أمرنا بني إسرائيل، أو تعرّضوا بها للقتل بالجهاد" (٥).
محمد رشيد رضا: " الأحكام ليست منوطة بذوات المكلفين وشخوصهم، بل بصفاتهم وأعمالهم، أي: لو أمرناهم بقتل أنفسهم أي بتعريضها للقتل المحقق أو المظنون ظنا راجحا" (٦).
• دراسة المسألة:
من خلال استقراء أقوال المفسرين في المراد من قتل النفس الوارد في الآية، وما ذكروا فيها من معاني، يظهر أن القائلين بالمعنى الثاني بعيد كما قال القاسمي ﵀، وذلك من
стр. 409
أوجه:
الأول: أن الأصل حمل ألفاظ القرآن على الحقيقة، فلا يُعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا إذا وجدت قرينة، وبالنظر إلى القاعدة المقررة عند أهل العلم أن نصوص الوحي يجب حملها على الحقيقة (١)، إلا إذا أمكن حمل الآية على المعنى الحقيقي والمعنى المجازي دون تعارض، فلا بأس إن شاء الله تعالى كما يقرر ذلك العثيمين ﵀ (٢).
الثاني: أن المعنى المجازي يُنافي الآثار الصريحة المذكورة التي تدل على المعنى الحقيقي.
فقد ورد في سبب نزول الآية بعضًا من الآثار التي تؤيد المعنى الحقيقي.
ومن ذلك: ما أخرجه ابن جرير الطبري بسنده عن السدي: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [سورة النساء: ٦٦] افتخر ثابت بن قيس بن شماس ﵁ ورجل من يهود، فقال اليهودي: والله لقد كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم، فقتلنا أنفسنا. فقال ثابت: والله لو كتب علينا أن اقتلوا أنفسكم لقتلنا أنفسنا. فأنزل الله في هذا: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [سورة النساء: ٦٦] " (٣).
وأخرج عن أبي إسحاق السبيعي قال: لما نزلت: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ قال رجل: لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا. فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فقال: «إن من أمتي لرجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي» (٤).
стр. 410
وأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ قال أناس من أصحاب النبي ﷺ : لو فعل ربنا لفعلنا، فبلغ النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : الإيمان أثبت في قلوب أهله من الجبال الرواسي (١).
وغير ذلك من الآثار الصريحة في سبب نزول الآية الدالة على المعنى الحقيقي.
الثالث: نظائر الآية التي تدل على المعنى الحقيقي، فمثلا قوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [سورة البقرة: ٥٤] يدل ظاهره على حقيقة قتل النفس، بأن يُباشر المُذنب قتل نفسه أو يقتل البريء منهم المجرم كما ذهب إلى ذلك جمع من المفسرين (٢)، ولم يقل أحد منهم أن المراد: التعرض للقتل بالجهاد ونحو ذلك من التأويلات التي تُقابل المعنى الحقيقي، وهكذا في هذه الآية، والله أعلم.
• النتيجة:
بعد ذكر ما تقدم في معنى قتل النفس الوارد في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ يتبين أن الصواب مع أصحاب القول الأول من أن المراد: المعنى الحقيقي للقتل، لما تقدم من أقوال أهل العلم، والأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.
стр. 411
٥٢ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ الآية. [سورة النساء: ٧٧].
قال القاسمي: حكى المفسرون هنا رواية عن ابن عباس، أن هذه الآية نزلت في جماعة من الصحابة المهاجرين. وعندي أن هذه الآية كسوابقها نزلت في المنافقين، تقريعا لهم وتحذيرا للمخلصين، من شاكلتهم. والقول بنزولها في بعض المؤمنين لا يصح لوجوه: منها- أن في إسنادها عن ابن عباس من ليس على شرط الصحيح ومنها- أن طلبهم للجهاد وهم في مكة، مع قلة العدد والعدد، وممالأة العدو عليهم من كل جانب- في غاية البعد ..... ألخ (١).
• أقوال أهل العلم في نزول قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾:
القول الأول: أن الآية نزلت في اليهود أو المنافقين.
القول الثاني: أن الآية نزلت في جماعة من الصحابة المهاجرين.
أصحاب القول الأول:
ابن عباس ﵁: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ نهى الله ﵎ هذه الأمة أن يصنعوا صنيعهم"، وبنحو ذلك روي عن مجاهد (٢).
ابن عطية: "ويحسن القول بأنها في المنافقين اطراد ذكرهم فيما يأتي بعد من الآيات" (٣).
القرطبي: "قيل: هو وصف للمنافقين، والمعنى يخشون القتل من المشركين كما يخشون
стр. 412
الموت من الله. ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ أي عندهم وفي اعتقادهم. قلت: وهذا أشبه بسياق الآية، لقوله: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ " (١).
ابن جزي: "والضمير في تصبهم وفي يقولوا للذين قيل لهم: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾، وهذا يدل على أنها في المنافقين، لأن المؤمنين لا يقولون للنبي ﷺ إنّ السيئات من عنده" (٢).
أصحاب القول الثاني:
ابن عباس ﵁ في رواية: أن عبد الرحمن بن عوف، وأصحابا، له أتوا النبي ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، كنا في عز ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة. فقال: «إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا» فلما حوله الله إلى المدينة أمر بالقتال فكفوا، فأنزل الله ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ الآية "، وبنحو ذلك روي عن عكرمة، وقتادة، والسُدي (٣).
السمرقندي: "معناه ألا ترى إلى هؤلاء، وذلك أن أصحاب رسول الله ﷺ حين كانوا بمكة استأذنوا في قتل كفار مكة سرا، لما كانوا يلقون منهم من الأذى، فقال لهم النبي ﷺ : مهلا كفوا أيديكم عن قتالهم وأقيموا الصلاة فإني لم أؤمر بقتالهم، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة أمره الله تعالى بالقتال، فكره بعضهم فنزلت هذه الآية" (٤).
الزمخشري: " ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ أي: كفوها عن القتال وذلك أن المسلمين كانوا مكفوفين عن مقاتلة الكفار ما داموا بمكة، وكانوا يتمنون أن يؤذن لهم فيه فلما كتب عليهم القتال بالمدينة كع فريق منهم (٥) لا شكا في الدين ولا رغبة عنه، ولكن نفورا عن الإخطار
стр. 413
بالأرواح وخوفا من الموت" (١).
العُليمي (٢): "نزلت في جماعة من الصحابة كانوا يلقون من المشركين بمكة أذى كثيرا قبل الهجرة" (٣).
• دراسة المسألة:
أورد القاسمي ﵀ في تفسيره لهذه الآية ما حكاه بعض المفسرين عن ابن عباس، أن هذه الآية نزلت في جماعة من الصحابة المهاجرين وأنهم كانوا يلقون من مشركي مكة، قبل الهجرة، أذى شديدا.
فيشكون ذلك إلى النبي ﷺ ، ويقولوا: ائذن لنا في قتالهم. فيقول لهم النبي ﷺ : كفوا أيديكم. فإني لم أومر بقتالهم. واشتغلوا بإقامة دينكم من الصلاة والزكاة. ثم بعد الهجرة إلى المدينة، لما أمروا بقتالهم في وقعة بدر، كرهه بعضهم، فنزلت الآية (٤).
وهذا الذي حكاه المفسرون عن ابن عباس ﵁ عقَّب عليه القاسمي ﵀ من ناحيتين:
الناحية الأولى: ناحية الرواية: بأن ما روي عن ابن عباس ﵁ في إسناده من ليس على شرط الصحيح.
الناحية الثانية: ناحية الدراية: وعلل بذلك بأوجه، وسيأتي الكلام عليها.
أما الناحية الأولى: فالأثر المروي عن ابن عباس ﵁ أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، ثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة وعلي
стр. 414
بن زنجة قالا: ثنا علي بن الحسن، عن الحسين بن واقد، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵁: "أن عبد الرحمن وأصحابا له أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، كنا في عز ونحن مشركون فلما آمنا صرنا أذلة، قال: إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم، فلما حوله الله إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا، فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ " (١).
وهذا الأثر رواه الحاكم في مستدركه مع اختلاف في بعض ألفاظه، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه» ووافقه الذهبي (٢).
وفيما قالاه نظر فإن حسين بن واقد ليس من رجال البخاري فالأولى أن يقال: رجاله رجال الصحيح فإن حسينا من رجال مسلم وعكرمة من رجال البخاري ومن رجال مسلم مقرونا بآخر (٣).
ولعل القاسمي ﵀ يريد ممن ليس على شرط الصحيح: الحسين بن واقد المروزي، فقد اختلف في توثيقه أهل العلم، فقد وثقه ابن معين وغيره، واستنكر أحمد بعض حديثه، وحرك رأسه، كأنه لم يرضه (٤). أو أنه ثقة وله أوهام كما قال ابن حجر (٥).
وجاء في رواية أخرى لأحمد قال: ليس به بأس وأثنى عليه، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة، وقال أبو زرعة والنسائي: ليس به بأس (٦).
стр. 415
وبهذا يتبين صحة إسناد ما روي عن ابن عباس ﵁ في سبب نزول الآية، من أنها نزلت في بعض الصحابة ﵃، بخلاف ما ذهب إليه القاسمي ﵀.
وأما الناحية الثانية: فالقاسمي ﵀ ذكر عددا من الأوجه التي تدل على أن الآية نزلت في المنافقين:
الوجه الأول: أن طلبهم للجهاد وهم في مكة، مع قلة العَدد والعُدد، وممالأة العدو عليهم من كل جانب- في غاية البعد.
الوجه الثاني: أن السياق في المنافقين: وقد ابتدئ الكلام في شأنهم من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ إلى قوله تعالى الآتي ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ الآية. كما يظهر من التدبر الصادق.
الوجه الثالث: أن هذا السياق اشتمل على أمور تدل على أنها مختصة بالمنافقين. لأنه تعالى قال في وصفهم: ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ ولا يكون هذا الوصف إلا لكافر أو منافق. وحكى تعالى عنهم أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ ولم يعهد هذا عن المؤمنين.
بل المحفوظ مبادرتهم للجهاد. كما روى ابن إسحاق في (السيرة) أن النبي ﷺ استشار الناس في غزوة بدر. فقام أبو بكر الصديق ﵁ فقال وأحسن. ثم قام عمر بن الخطاب ﵁ فقال وأحسن. ثم قام المقداد بن عمرو ﵁ فقال: يا رسول الله ﷺ ! امض لما أراك الله. فنحن معك. والله! لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [سورة المائدة: ٢٤]. ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكما مقاتلون. فوالذي بعثك بالحق! لو سرت بنا إلى بِرْكُ الغِمَادِ (١)، لجالدنا معك من
стр. 416
دونه حتى تبلغه. ثم قال سعد بن معاذ: امض، يا رسول الله! لما أردت، فنحن معك. فوالذي بعثك بالحق! لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك. ما تخلف منا رجل واحد. وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا. إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء (١).
الوجه الرابع: أنه تعالى ذكر بعد ذلك قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [سورة النساء: ٧٨]. ولا شك أن هذا من كلام المنافقين (٢).
ولا شك أن الأوجه التي ذكرها القاسمي في أن الآية نزلت في المنافقين سديدة، كما تقدم من أقوال بعض المفسرين، ولكن الاشكال إن تعارض سبب النزول مع دلالة السياق مع تعذر الجمع بين القول بأنها نزلت في بعض الصحابة والقول بأنها نزلت في المنافقين، فشتان بينهما.
فهل يُرجَّح ما صح من سبب النزول في تفسير القرآن على دلالة السياق أم العكس؟
ففي تفسير هذه الآية نجد أن ما روي في سبب نزولها المتقدم قد صدر من حبر الأمة ابن عباس ﵁، الذي دعا له النبي ﷺ بقوله: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" (٣).
فالصحابة ﵃ هم الذين شهدوا التنزيل وعرفوا أحواله، فكان قولهم في تفسير الآي، ومنه قولهم في أسباب النزول مقدم على ما يفهمه من جاء بعدهم من دلالة السياق في تفسير القرآن، وإن كان بعض أهل العلم من المفسرين قد مال إلى تقديم دلالة السياق على سبب النزول (٤)، ولكن الأولى تقديم أقوال السلف لما ورد في فضلهم ومنزلتهم.
فإن كان المختار من المراد في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ الآية. بعض الصحابة ﵃، بناءً على ما صح من سبب النزول، فإنه يؤول بنا إلى إشكال
стр. 417
آخر وهو: أن يكون مثل هذا القول قد صدر منهم وهم خير الناس عند الله بعد الأنبياء ﵈.
ولعل الجواب عن هذا من أوجه:
الأول: لا دليل في الآية يدل على أن جميع الصحابة وقع منهم هذا بل الآية نصٌّ على أن الذي قال هذا فريق منهم بقوله: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ الآية.
ثم إن عبد الرحمن بن عوف ﵁ وأصحابه من كبار الصحابة كانوا من أوائل المجاهدين في غزوة بدر وغيرها كما هو بيّن معلوم في قصة قتل أبي جهل والله أعلم (١).
الثاني: يُحتمل أن الصحابة الذين صدر منهم هذا القول ممن كان مع عبد الرحمن بن عوف ﵁ كانوا حديثي عهد بكفر ولم يرسخ الإيمان في قلوبهم بعد، أو لم يكونوا راسخين في العلم، قالوه خوفًا وجبنا لا اعتقادًا، ثم تابوا (٢).
الثالث: أن الصحابة الذين صدر منهم هذا القول كانوا يودون أن يتأخر الطلب إلى وقت ظهور الإسلام وكثرة عدد المسلمين، وليس ردًا للأمر بالقتال (٣)، والله أعلم.
الرابع: يُحتمل أن الصحابة الذين صدر منهم هذا القول كان مُرادهم تمني التخفيف لا الاعتراض على حكم الله تعالى والإنكار لإيجابه، ولذا لم يُوبَّخوا عليه (٤).
الخامس: يُحتمل أن صدور هذا القول منهم للتعجب، فهو أليق بهم، لا للانكار (٥).
السادس: أن هذا كان منهم لما في طبع البشر من المخافة لا على كراهة أمر الله
стр. 418
بالقتال، كما قال الحسن (١).
وهذا مجمل ما ذكره المفسرون في رد هذا الاشكال، إذ إنه يستوجب على المسلم أن يكون قلبه ولسانه سليمًا على أصحاب رسول الله ﷺ ، وأن يحمل ما ورد ظاهره في ذمهم على محمل حسن، فهم الذين نطق الوحي المبين بفضلهم.
• النتيجة:
بعد إيراد ما تقدم من أقوال المفسرين في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ الآية. وما ورد فيه من أثر ابن عباس ﵁، يظهر أن الصواب مع أصحاب القول الثاني من أن الآية نزلت في بعض الصحابة، لما تقدم إثباته من صحة إسناد الرواية الواردة في ذلك، بخلاف ما ذهب إليه القاسمي ﵀.
وما علل به القاسمي ﵀ من الأوجه المتقدمة في أن الآية نزلت في المنافقين قد ذهب به جمع من أهل العلم كما تقدم.
وبناءً على ما صح من سبب النزول فليس فيه طعن أو تنقص من الصحابة ﵃ لما تقدم من الاحتمالات، والله أعلم.
стр. 419
٥٣ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ [سورة النساء: ٨٣].
قال القاسمي: ما نقله الزمخشري وتبعه البيضاوي وأبو السعود وغيرهم، من أن قوله تعالى ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ﴾ عنى به طائفة من ضعفة المسلمين- فإن أرادوا بالضعفة المنافقين، فصحيح. وإلا فبعيد غاية البعد كما يعلم من سباق الآية وسياقها. وكذا ما نوعوه من الأقوال في معناه. فكله لم يصب المرمى. والذي يعطيه الذوق السليم في الآية هو الوجه الأول. ولها إشعار بالوجه الثاني لا تأباه. فتبصر ولا تكن أسير التقليد (١).
• أقوال أهل العلم في القوم المقصودين في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ﴾:
القول الأول: أن المقصود: طائفة من ضعفة المسلمين.
القول الثاني: أن المقصود: طائفة من المنافقين.
أصحاب القول الأول:
بعض من السلف وهم: الحسن البصري (٢).
الزمخشري: "هم ناس من ضعفة المسلمين الذين لم تكن فيهم خبرة بالأحوال ولا استبطان للأمور، كانوا إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول الله ﷺ من أمن وسلامة أو خوف وخلل أذاعوا به وكانت إذاعتهم مفسدة" (٣).
الشوكاني: " هؤلاء هم جماعة من ضعفة المسلمين كانوا إذا سمعوا شيئا من أمر المسلمين فيه أمن- نحو ظفر المسلمين وقتل عدوهم، أو فيه خوف نحو هزيمة المسلمين
стр. 420
وقتلهم- أفشوه، وهم يظنون: أنه لا شيء عليهم في ذلك" (١).
أصحاب القول الثاني:
جماعة من السلف وهم: الضحاك وابن زيد (٢).
مقاتل بن سليمان (٣): " ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ﴾ يعني المنافقين" (٤).
السمرقندي: " ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ﴾ يعني المنافقين إذا جاءهم خبر من أمر السرية بالفتح والغلبة على العدو، سكتوا وقصروا عما جاءهم من الخبر أو الخوف، أي وإن جاءهم خبر من السرية ببلاء وشدة نزلت بالمؤمنين أذاعوا به" (٥).
الثعلبي: " ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ﴾ يعني: المنافقين" (٦).
• دراسة المسألة:
بعد عرض أشهر أقوال المفسرين في هذه المسألة وما ذهب إليه كل فريق، يظهر أن الراجح هو الجمع بين القولين، فتحمل الآية على كلا المقصودين، فلا مانع أن يكون المراد من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ﴾ المنافقين، ولا مانع أن يكون المراد: ضعفة المسلمين، ولكل فريق منهم أوجه:
أولا: أوجه بيان أن ما ذهب إليه أصحاب القول الأول:
الوجه الأول: أن اللفظ في الآية عام، فليس فيها تحديد القوم الذين يتسرعون في إذاعة الأخبار، من أنهم المنافقين أو أنهم ضعاف الإيمان من المسلمين، فكلامهما محتمل أن يصدر منه هذا الفعل، فتبقى الآية على عمومها.
стр. 421
الوجه الثاني: أن مثل هذا الفعل - وهو إذاعة الأخبار من غير رجوع إلى أولي الأمر- جائز أن يصدر من المنافقين ومن ضعفة المسلمين، مع اختلاف مقصد كل منهما.
قال الزجاج: " كان إذا علم النبي ﷺ أنه ظاهر على قوم أمن منهم، أو علم تجمع قوم يخاف من جمع مثلهم، أذاع المنافقون ذلك ليحذر من يحذر من الكفار، ويقوى قلب من ينبغي أن يقوى قلبه لما أذاعوا وكان ضعفة المسلمين يشيعون ذلك معهم من غير علم بالضرر في ذلك" (١).
وقال الشيخ محمد رشيد رضا: "يجوز أن يكون الكلام في جمهور المسلمين من غير تعيين لعموم العبرة، ومن خبر أحوال الناس يعلم أن الإذاعة بمثل أحوال الأمن والخوف لا تكون من دأب المنافقين خاصة، بل هي مما يلغط به أكثر الناس، وإنما تختلف النيات، فالمنافق قد يذيع ما يذيعه لأجل الضرر، وضعيف الإيمان قد يذيع ما يرى فيه الشبهة، استشفاء مما في صدره من الحكة، وأما غيرهما من عامة الناس فكثيرا ما يولعون بهذه الأمور لمحض الرغبة في ابتلاء أخبارها، وكشف أسرارها، أو لما عساه ينالهم منها" (٢).
ثانيًا: أوجه بيان أن ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني:
الوجه الأول: سياق الآيات التي جاء في ذكر المنافقين، فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ﴾ الآية. عطف على جملة: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ فضمير الجمع راجع إلى الضمائر قبله العائدة على المنافقين وهو الملائم للسياق.
وأيضًا: الكلام مسوق مساق التوبيخ للمنافقين، واللوم لمن يقبل مثل تلك الإذاعة من المسلمين الأغرار (٣).
الوجه الثاني: سبب النزول الوارد في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾
стр. 422
وذلك أن النبي ﷺ كان يبعث السرايا فإذا غَلبُوا أو غُلبُوا بادر المنافقون يستخبرون عن حالهم فيفشون ويحدثون به قبل أن يحدث به رسول اللَّه ﷺ فيضعفون به قلوب المؤمنين فأنزل اللَّه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ﴾ يعني المنافقين) (١).
فإن قيل: إن الآية نزلت عندما اعتزل النبي ﷺ نساءه، فأُشيع بأنه طلقهن كما في صحيح مسلم (٢).
والجواب: أن يُقال: لا مانع والله أعلم أن تكون الآية نزلت مرتين: مرة في المنافقين، ومرة في اعتزال النبي ﷺ نساءه، والله أعلم.
الوجه الثالث: أن مثل هذه الأوصاف - وهو: إفشاء الأخبار بالهزيمة وإذاعة الخوف- يُعد من الإرجاف الذي لا ينفك عن الكذب، ويُسبب الفتنة، وهذا في الغالب من أوصاف المُنافقين الذين يُرجفون إذا وقع خبر الأمن للمسلمين، وإن وقع خبر الخوف بالغوا في ذلك وزادوا فيه، وألقوا الرعب في قلوب الضعفة (٣).
والمتأمل في ما تقدم من الأوجه عند كل فريق، يظهر له أنه لا مانع من حمل الآية على كلا المعنيين، فيُمكن الجمع بينهما بأن يُقال: يجوز أن يكون المراد من القوم: المنافقين، ويجوز أن يُراد: ضعفة المسلمين، ولا تعارض، إذ إن الجمع أولى من الترجيح إن أمكن، باتفاق أهل الأصول (٤).
• النتيجة:
بعد عرض ما تقدم من أقوال المفسرين في المقصود من القوم الوارد ذكرهم في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ﴾، وما ذكر عند كل فريق من أوجه تُقوي ما ذهب إليه، يظهر أن الراجح هو: حمل الآية على كلا المعنيين المتقدم ذكرهما، لما تقدم تقريره، والله أعلم.
стр. 423
٥٤ - قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [سورة النساء: ٩٢].
قال القاسمي: وقد خالف أبو بكر الأصم وجمهور الخوارج. فأوجبوا الدية على القاتل لا على عاقلته. واحتجوا بوجوه خمسة عقلية. ساقها الفخر الرازي هنا. وكلها مما لا يساوي فلسا. إذ هي من معارضة النص النبوي بالرأي المحض.
اللهم: إنا نبرأ إليك من ذلك. وقد غفلوا عن حكمة المشروعية على العاقلة التي بيناها (١).
• أقوال أهل العلم في من يتحمل دية قتل الخطأ وشبه العمد:
القول الأول: أن دية القاتل تكون على عاقلته (٢).
القول الثاني: أن الدية تكون على القاتل لا على عاقلته.
أصحاب القول الأول:
الطبري: " ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ يقول: "فعلى قاتله دية مسلمة إلى أهله يتحملها عاقلته، وتحرير رقبة مؤمنة كفارة لقتله" (٣).
الواحدي: "ظاهر القرآن أوجب أن تكون الدية على القاتل في الخطأ، غير أن النبي ﷺ بين أن تكون الدية في الخطأ على العاقلة وهم الأخوة وبنو الأخوة والأعمام وبنو الأعمام" (٤).
стр. 424
السمعاني: " ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ يعني: سلموا الدية إلى أهله، وظاهر الآية يقتضي أن تكون الدية قي قتل الخطأ في مال القاتل، كالكفارة، لكن عرفنا بالسنة أن الكفارة في مال القاتل والدية على العاقلة" (١).
البغوي: "الدية في قتل الخطأ وشبه العمد على العاقلة، وهم عصبات القاتل من الذكور، ولا يجب على الجاني منها شيء لأن النبي ﷺ أوجبها على العاقلة (٢).
أصحاب القول الثاني:
أبو بكر الأصم وجمهور الخوارج: الدية واجبة على القاتل (٣).
• دراسة المسألة:
من خلال النظر في مسألة تحمل دية القاتل، يتبين أن الصواب مع أصحاب القول الأول، من أن الدية تجب على عاقلة القاتل، لدلالة السنة والإجماع، والأثر، والتلازم، والمعقول:
فمن السنة: ما روي عن أبي هريرة ﵁: "اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فاختصموا إلى النبي ﷺ فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة وقضى أن دية المرأة على عاقلتها" (٤).
ووجه الاستدلال: أن فعل النبي ﷺ من قضائه بتحمل عاقلة الجانية الدية، مخصص لعموم الآية التي يدل ظاهرها على تحمل الجاني الدية.
стр. 425
ومن الإجماع: ما نص عليه ابن قدامة بقوله: " ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في أن دية الخطأ على العاقلة. قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم (١). وقد ثبتت الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قضى بدية الخطأ على العاقلة، وأجمع أهل العلم على القول به" (٢).
وقال القرطبي: " وأجمع أهل السير والعلم: أن الدية كانت في الجاهلية تحملها العاقلة، فأقرها رسول الله ﷺ في الإسلام، وكانوا يتعاقلون بالنصرة ثم جاء الإسلام فجرى الأمر على ذلك. حتى جعل عمر ﵁ الديوان.
واتفق الفقهاء على رواية ذلك والقول به، وأجمعوا أنه لم يكن في زمن رسول الله ﷺ ، ولا زمن أبي بكر ﵁ ديوان، وأن عمر ﵁ جعل الديوان، وجمع بين الناس، وجعل أهل كل ناحية يدا، وجعل عليهم قتال من يليهم من العدو (٣).
ومن الأثر: ما روي أن عمر ﵁ قضى على علي ﵁ بأن يعقل عن مولى صفية بنت عبد المطلب حين جنى مولاها، وعلي كان ابن أخي صفية، وقضى للزبير ﵁ بميراثها، فهذا يدل على أن الدية إنما تجب على العاقلة (٤).
وللتلازم: حيث إن العصبة في تحمل العقل كلهم في الميراث في تقديم الأقرب فالأقرب، وآباؤه وأبناؤه أحقُّ العصبات بميراثه فيلزم: أن يكونوا أولى بتحمل عقله (٥).
ومن المعقول: حيث أن تحمل العاقلة الدية فيه نفع من أوجه:
الأول: لما يكون في تحمل العاقلة من مواساة للقاتل من غير أن يلزمهم ذنب جنايته، وقد أوجب الله في أموال الأغنياء حقوقا للفقراء من غير إلزامهم ذنبا لم يذنبوه بل على وجه