الوجه الثاني: أن مثل هذا الفعل - وهو إذاعة الأخبار من غير رجوع إلى أولي الأمر- جائز أن يصدر من المنافقين ومن ضعفة المسلمين، مع اختلاف مقصد كل منهما.
قال الزجاج: " كان إذا علم النبي ﷺ أنه ظاهر على قوم أمن منهم، أو علم تجمع قوم يخاف من جمع مثلهم، أذاع المنافقون ذلك ليحذر من يحذر من الكفار، ويقوى قلب من ينبغي أن يقوى قلبه لما أذاعوا وكان ضعفة المسلمين يشيعون ذلك معهم من غير علم بالضرر في ذلك" (١).
وقال الشيخ محمد رشيد رضا: "يجوز أن يكون الكلام في جمهور المسلمين من غير تعيين لعموم العبرة، ومن خبر أحوال الناس يعلم أن الإذاعة بمثل أحوال الأمن والخوف لا تكون من دأب المنافقين خاصة، بل هي مما يلغط به أكثر الناس، وإنما تختلف النيات، فالمنافق قد يذيع ما يذيعه لأجل الضرر، وضعيف الإيمان قد يذيع ما يرى فيه الشبهة، استشفاء مما في صدره من الحكة، وأما غيرهما من عامة الناس فكثيرا ما يولعون بهذه الأمور لمحض الرغبة في ابتلاء أخبارها، وكشف أسرارها، أو لما عساه ينالهم منها" (٢).
ثانيًا: أوجه بيان أن ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني:
الوجه الأول: سياق الآيات التي جاء في ذكر المنافقين، فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ﴾ الآية. عطف على جملة: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ فضمير الجمع راجع إلى الضمائر قبله العائدة على المنافقين وهو الملائم للسياق.
وأيضًا: الكلام مسوق مساق التوبيخ للمنافقين، واللوم لمن يقبل مثل تلك الإذاعة من المسلمين الأغرار (٣).
الوجه الثاني: سبب النزول الوارد في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾
стр. 422
وذلك أن النبي ﷺ كان يبعث السرايا فإذا غَلبُوا أو غُلبُوا بادر المنافقون يستخبرون عن حالهم فيفشون ويحدثون به قبل أن يحدث به رسول اللَّه ﷺ فيضعفون به قلوب المؤمنين فأنزل اللَّه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ﴾ يعني المنافقين) (١).
فإن قيل: إن الآية نزلت عندما اعتزل النبي ﷺ نساءه، فأُشيع بأنه طلقهن كما في صحيح مسلم (٢).
والجواب: أن يُقال: لا مانع والله أعلم أن تكون الآية نزلت مرتين: مرة في المنافقين، ومرة في اعتزال النبي ﷺ نساءه، والله أعلم.
الوجه الثالث: أن مثل هذه الأوصاف - وهو: إفشاء الأخبار بالهزيمة وإذاعة الخوف- يُعد من الإرجاف الذي لا ينفك عن الكذب، ويُسبب الفتنة، وهذا في الغالب من أوصاف المُنافقين الذين يُرجفون إذا وقع خبر الأمن للمسلمين، وإن وقع خبر الخوف بالغوا في ذلك وزادوا فيه، وألقوا الرعب في قلوب الضعفة (٣).
والمتأمل في ما تقدم من الأوجه عند كل فريق، يظهر له أنه لا مانع من حمل الآية على كلا المعنيين، فيُمكن الجمع بينهما بأن يُقال: يجوز أن يكون المراد من القوم: المنافقين، ويجوز أن يُراد: ضعفة المسلمين، ولا تعارض، إذ إن الجمع أولى من الترجيح إن أمكن، باتفاق أهل الأصول (٤).
• النتيجة:
بعد عرض ما تقدم من أقوال المفسرين في المقصود من القوم الوارد ذكرهم في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ﴾، وما ذكر عند كل فريق من أوجه تُقوي ما ذهب إليه، يظهر أن الراجح هو: حمل الآية على كلا المعنيين المتقدم ذكرهما، لما تقدم تقريره، والله أعلم.
стр. 423
٥٤ - قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [سورة النساء: ٩٢].
قال القاسمي: وقد خالف أبو بكر الأصم وجمهور الخوارج. فأوجبوا الدية على القاتل لا على عاقلته. واحتجوا بوجوه خمسة عقلية. ساقها الفخر الرازي هنا. وكلها مما لا يساوي فلسا. إذ هي من معارضة النص النبوي بالرأي المحض.
اللهم: إنا نبرأ إليك من ذلك. وقد غفلوا عن حكمة المشروعية على العاقلة التي بيناها (١).
• أقوال أهل العلم في من يتحمل دية قتل الخطأ وشبه العمد:
القول الأول: أن دية القاتل تكون على عاقلته (٢).
القول الثاني: أن الدية تكون على القاتل لا على عاقلته.
أصحاب القول الأول:
الطبري: " ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ يقول: "فعلى قاتله دية مسلمة إلى أهله يتحملها عاقلته، وتحرير رقبة مؤمنة كفارة لقتله" (٣).
الواحدي: "ظاهر القرآن أوجب أن تكون الدية على القاتل في الخطأ، غير أن النبي ﷺ بين أن تكون الدية في الخطأ على العاقلة وهم الأخوة وبنو الأخوة والأعمام وبنو الأعمام" (٤).
стр. 424
السمعاني: " ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ يعني: سلموا الدية إلى أهله، وظاهر الآية يقتضي أن تكون الدية قي قتل الخطأ في مال القاتل، كالكفارة، لكن عرفنا بالسنة أن الكفارة في مال القاتل والدية على العاقلة" (١).
البغوي: "الدية في قتل الخطأ وشبه العمد على العاقلة، وهم عصبات القاتل من الذكور، ولا يجب على الجاني منها شيء لأن النبي ﷺ أوجبها على العاقلة (٢).
أصحاب القول الثاني:
أبو بكر الأصم وجمهور الخوارج: الدية واجبة على القاتل (٣).
• دراسة المسألة:
من خلال النظر في مسألة تحمل دية القاتل، يتبين أن الصواب مع أصحاب القول الأول، من أن الدية تجب على عاقلة القاتل، لدلالة السنة والإجماع، والأثر، والتلازم، والمعقول:
فمن السنة: ما روي عن أبي هريرة ﵁: "اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فاختصموا إلى النبي ﷺ فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة وقضى أن دية المرأة على عاقلتها" (٤).
ووجه الاستدلال: أن فعل النبي ﷺ من قضائه بتحمل عاقلة الجانية الدية، مخصص لعموم الآية التي يدل ظاهرها على تحمل الجاني الدية.
стр. 425
ومن الإجماع: ما نص عليه ابن قدامة بقوله: " ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في أن دية الخطأ على العاقلة. قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم (١). وقد ثبتت الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قضى بدية الخطأ على العاقلة، وأجمع أهل العلم على القول به" (٢).
وقال القرطبي: " وأجمع أهل السير والعلم: أن الدية كانت في الجاهلية تحملها العاقلة، فأقرها رسول الله ﷺ في الإسلام، وكانوا يتعاقلون بالنصرة ثم جاء الإسلام فجرى الأمر على ذلك. حتى جعل عمر ﵁ الديوان.
واتفق الفقهاء على رواية ذلك والقول به، وأجمعوا أنه لم يكن في زمن رسول الله ﷺ ، ولا زمن أبي بكر ﵁ ديوان، وأن عمر ﵁ جعل الديوان، وجمع بين الناس، وجعل أهل كل ناحية يدا، وجعل عليهم قتال من يليهم من العدو (٣).
ومن الأثر: ما روي أن عمر ﵁ قضى على علي ﵁ بأن يعقل عن مولى صفية بنت عبد المطلب حين جنى مولاها، وعلي كان ابن أخي صفية، وقضى للزبير ﵁ بميراثها، فهذا يدل على أن الدية إنما تجب على العاقلة (٤).
وللتلازم: حيث إن العصبة في تحمل العقل كلهم في الميراث في تقديم الأقرب فالأقرب، وآباؤه وأبناؤه أحقُّ العصبات بميراثه فيلزم: أن يكونوا أولى بتحمل عقله (٥).
ومن المعقول: حيث أن تحمل العاقلة الدية فيه نفع من أوجه:
الأول: لما يكون في تحمل العاقلة من مواساة للقاتل من غير أن يلزمهم ذنب جنايته، وقد أوجب الله في أموال الأغنياء حقوقا للفقراء من غير إلزامهم ذنبا لم يذنبوه بل على وجه
стр. 426
المواساة وأمر بصلة الأرحام بكل وجه أمكن ذلك وأمر ببر الوالدين وهذه كلها أمور مندوب إليها للمواساة وصلاح ذات البين فكذلك أمرت العاقلة بتحمل الدية عن قاتل الخطأ على جهة المواساة من غير إجحاف به (١).
الثاني: أن موضوع الدية على العاقلة إنما هو على النصرة والمعونة ولذلك أوجبها أصحابنا - يعني الحنفية- على أهل ديوانه دون أقربائه لأنهم أهل نصرته ألا ترى أنهم يتناصرون على القتال والحماية والذب عن الحريم فلما كانوا متناصرين في القتال والحماية أمروا بالتناصر والتعاون على تحمل الدية ليتساووا في حملها كما تساووا في حماية بعضهم بعضا عند القتال.
الثالث: أن في إيجاب الدية على العاقلة زوال الضغينة والعداوة من بعضهم لبعض إذا كانت قبل ذلك وهو داع إلى الألفة وصلاح ذات البين ألا ترى أن رجلين لو كانت بينهما عداوة فتحمل أحدهما عن صاحبه ما قد لحقه لأدى ذلك إلى زوال العداوة وإلى الألفة وصلاح ذات البين كما لو قصده إنسان بضرر فعاونه وحماه عنه انسلت سخيمة قلبه وعاد إلى سلامة الصدر والموالاة والنصرة.
الرابع: أنه إذا تحمل عنه جنايته حمل القاتل إذا جنى أيضا - يعني إذا جنى أحد العاقلة- فلم يذهب حمله للجناية عنه ضياعا بل كان له أثر محمود يستحق مثله عليه إذا وقعت منه جناية فهذه وجوه كلها مستحسنة في العقول (٢).
الخامس: أن تحميل العاقلة الدية فيه مصلحة؛ لأن القاتل لو أخذ بالدية لأوشك أن تأتي على جميع ماله لأن تتابع الخطأ لا يؤمن، ولو ترك بغير تغريم لأهدر دم المقتول (٣).
السادس: أن العاقلة إذا بلغها ما يُريده الرجل من القتل، فإنها تمنعه وتردعه، لئلا تتحمل عنه الدية، بخلاف لو تحملها بنفسه لربما لم يجد من يردعه عن هذا الفعل، الله أعلم.
стр. 427
• النتيجة:
بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في مسألة تحمل العاقلة دية القاتل، يتبين جليًا أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، من أن العاقلة تتحمل الدية عن القاتل، لما تقدم ذكره من دلالة السنة، والإجماع، والأثر، والتلازم والمعقول على ذلك.
стр. 428
٥٥ - قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية. [سورة النساء: ٩٢].
قال القاسمي: والاستدلال بالآية على تماثل ديتي المسلم والكافر المتقدم غير ظاهر. لما في الدية من الإجمال المرجوع في بيانه إلى السنة، وقد بينته وصح فيها أنه النصف فرضا. والله أعلم (١).
• أقوال أهل العلم في مقدار دية الكافر بالنسبة لدية المسلم:
القول الأول: أن دية الكافر على النصف من دية المسلم.
القول الثاني: أن دية المسلم والكافر سواء.
القول الثالث: أن دية اليهودي والنصراني بثلث دية المسلم.
أصحاب القول الأول:
جماعة من السلف وهم: عروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، وعمرو بن شعيب (٢).
المالكية: "دية أهل الكتاب على النصف من دية المسلمين؛ رجالهم على النصف من دية رجال المسلمين، ونساؤهم على النصف من دية نساء المسلمين" (٣).
الحنابلة: "وأما اليهودي، والنصراني فعلى النصف من دية المسلم" (٤).
стр. 429
أصحاب القول الثاني:
جماعة من السلف وهم: عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وابن مسعود، ومعاوية ﵁ (١).
الحنفية: "دية أهل الذمة من أهل الكتاب وغيرهم مثل دية المسلمين رجالهم كرجالهم ونساؤهم كنسائهم، وكذلك جراحاتهم وجناياتهم بينهم" (٢).
أصحاب القول الثالث:
الشافعية: "دية اليهودي والنصراني بثلث دية المسلم" (٣).
• دراسة المسألة:
هذه المسألة من المسائل التي اختلف فيها أهل العلم قديمًا، والذي يظهر أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن دية الكافر على النصف من دية المسلم، لدلالة السنة القولية، والسنة الفعلية، ودلالة المفهوم.
أما دلالة السنة القولية: فقد روى النسائي في سننه عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: قال: قال رسول الله ﷺ : «عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين وهم اليهود والنصارى» (٤).
والمراد: أن دية أهل الذمة نصف دية المسلمين (٥).
стр. 430
وأما دلالة السنة الفعلية: فقد وروى أحمد في مسنده عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، "أن رسول الله ﷺ قضى أن عقل أهل الكتابين نصف عقل المسلمين، وهم اليهود والنصارى" (١).
وأما دلالة المفهوم: فقوله ﷺ : "المسلمون تتكافأ دماؤهم" (٢)، مفهومه أن الكافر لا يكافئ المسلم، وكذا قوله ﷺ : "لا يقتل مسلم بكافر" (٣)؛ ولأن الديات مبنية على الحرم - أو الجزم-، فكانت المرأة على النصف من دية الرجل مع كونهما مسلمين لما كانت حرمة الرجل أعلى، والمرأة المسلمة أعظم حرمة من الرجل الكافر (٤).
مناقشة دليل أصحاب القول الثاني من الكتاب:
استدل أصحاب القول الثاني القائلين بتماثل دية المسلم مع دية الكافر، بعموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [سورة النساء: ٩٢] قالوا: وإطلاق الدية يفيد أنها الدية المعهودة وهي دية المسلم.
والجواب عن هذا الاستدلال من وجهين:
الأول: بمنع كون المعهود ههنا هو دية المسلم، لم لا يجوز أن يكون المراد بالدية الدية المتعارفة بين المسلمين لأهل الذمة والمعاهدين؟ (٥).
الثاني: أن الآية عامة في تماثل دية المسلم والكافر، والحديث المتقدم ذكره خاص في أن دية الكافر على النصف من دية المسلم، فيُحمل الخاص على العام، والله أعلم.
стр. 431
مناقشة دليل أصحاب القول الثاني من السنة:
استدلوا كذلك بما أخرجه الترمذي عن ابن عباس ﵁: «أن النبي ﷺ ودى العامريين (١) اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري وكان لهما عهد من النبي ﷺ لم يشعر به عمرو بدية المسلمين» (٢). وبما أخرجه البيهقي عن علي بن الجعد «أن النبي ﷺ ودى ذميًا دية مسلم» (٣)، وغير ذلك من الأحاديث الدالة على ذلك.
والجواب عن هذا الاستدلال من وجهين:
الأول: أن الأحاديث الدالة على تماثل ديتي المسلم والكافر لا تسلم أسانيدها من ضعف أو مقال، يُردي بها إلى الضعف، ففيها من لا يُحتج بحديثه، ومن هو متروك، وغير ذلك (٤).
الثاني: على فرض صحة هذه الأحاديث، فهي مأخوذة من فعل النبي ﷺ ، والأحاديث الصحيحة مأخوذة من قوله ومن فعله، والقاعدة عند الأصوليين أن القول مقدم على الفعل، لأن القول أقوى في الدلالة على التشريع من الفعل، وأبلغ في البيان (٥).
تنبيه:
يرى القاسمي أنه لا تنافي بين هذه الروايات المذكورة في مقدار دية الكافر، بصرف النظر عن صحيحها وضعيفها، لأن الظاهر أن الفرض في دية الكافر إنما هو النصف. ولا حرج في الزيادة عليه، إلى أن يبلغ دية المسلم تبرعا وتفضلا. وبه يحصل الجمع بين الروايات (٦).
стр. 432
• النتيجة:
بعد عرض ما تقدم من الأقوال في هذه المسألة، يتبين أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن دية الكافر على النصف من دية المسلم، لما تقدم إيراده من الأدلة الدالة على ذلك، ومناقشة أدلة المانعين، والله أعلم.
стр. 433
٥٦ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾ [سورة النساء: ٩٤].
قال الرازي: قال أكثر الفقهاء: لو قال اليهودي والنصراني: أنا مؤمن، أو قال: أنا مسلم، لا يحكم بهذا القدر بإسلامه. إلى أن قال: بل لا بد وأن يعترف بأن الدين الذي كان عليه باطل، وأن الدين الموجود فيما بين المسلمين هو الحق والله أعلم (١).
قال القاسمي: ما ذكره الرازي عن الفقهاء ليس مما تشمله الآية. لأن البحث ليس في القدر الذي يصير به الكافر مسلما، بل في الكف عن قتل المنقاد لنا. فافهم (٢).
• أقوال أهل العلم في شمول الآية في القدر الذي يصير به الكافر مسلما:
القول الأول: أن الآية في الكف عن قتال المنقاد بالإسلام ولو ظاهراً.
القول الثاني: أن الآية تشمل القدر الذي يصير به الكافر مسلما، وكذلك الكف عن قتال المنقاد بالإسلام ولو ظاهراً.
أصحاب القول الأول:
الطبري: " ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾ يقول: " ولا تقولوا لمن استسلم لكم فلم يقاتلكم، مظهرا لكم أنه من أهل ملتكم ودعوتكم ﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ فتقتلوه ابتغاء عرض الحياة الدنيا" (٣).
الواحدي: "أي: لا تقولوا لمن حياكم بهذه التحية: لست مؤمنا، فتقتلوه وتأخذوا
стр. 434
ماله" (١).
البيضاوي: "لا تبادروا إلى قتلهم ظنا بأنهم دخلوا فيه اتقاء وخوفا، فإن إبقاء ألف كافر أهون عند الله من قتل امرئ مسلم" (٢).
أبو حيان: "أمر الله المؤمنين بالتثبت والتبين، وأن لا يقدم الإنسان على قتل من أظهر الإيمان، وأن لا يسفكوا دما حراما بتأويل ضعيف" (٣).
أصحاب القول الثاني:
الجصاص: "مراد الآية: إثبات الإيمان في الحكم لمن أظهر هذه الكلمة -وهي: لا إله إلا الله-" (٤).
إلكيا الهراسي: "من قال لا إله إلا الله، محمد رسول الله، أو قال إني مسلم، يحكم له بحكم الإسلام، لأن قوله تعالى: ﴿لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾، إنما معناه لمن استسلم، فأظهر الانقياد لما دعى إليه من الإسلام" (٥).
الشوكاني: "الحكمة في التكلم بكلمة الإسلام إظهار الانقياد بأن يقول: أنا مسلم، وأنا على دينكم، لما عرفت من أن معنى الآية الاستسلام والانقياد، وهو يحصل بكل ما يشعر بالإسلام من قول أو فعل، ومن جملة ذلك كلمة الشهادة، وكلمة التسليم" (٦).
الآلوسي: " ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ أي لا تنفروا من استسلم لكم وأسلم نفسه بأيديكم لترشدوه فتقولوا له لست مؤمنا صادقا لتعلق قلبك بالدنيا فسلم ما عندك من حطامها ليخلو قلبك لربك وتصلح لسلوك الطريق" (٧).
стр. 435
• دراسة المسألة:
عند النظر في تفسير الآية نجد أن أكثر المفسرين يوردون في تفسيرها ما جاء في سبب نزولها، وهو ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباس أنه قال: " مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب رسول الله ﷺ ، وهو يسوق غنما له، فسلم عليهم، فقالوا: ما سلم علينا إلا ليتعوذ منا، فعمدوا إليه فقتلوه، وأتوا بغنمه النبي ﷺ ، فنزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ " (١).
وهذا السبب يؤيد ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن الآية تشمل الكف عن قتال من أظهر لنا انقياده بالإسلام، إلا أن الراجح والله أعلم أن الآية أعم من ذلك، وهو ما عليه أصحاب القول الثاني، وذلك من وجهين:
الأول: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهذه القاعدة مقررة عند جمهور أهل العلم، وهي محل اتفاق عند العلماء، ولم يخالف في ذلك إلا القليل، كما نص على ذلك جمع من أهل العلم (٢).
قال ابن تيمية ﵀: "وقصر عمومات القرآن على أسباب نزولها باطل فإن عامة الآيات نزلت بأسباب اقتضت ذلك وقد علم أن شيئا منها لم يقصر على سببه" (٣).
وبهذا يتبين أن النهي الوارد في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ عام في الكف عن القتال، أو القدر الذي يصير به الكافر مُسلمًا، وليس خاص بالكف عن القتال، والله أعلم.
стр. 436
الثاني: أنه قد ورد عن بعض السلف ممن فسَّر الآية بعمومها وأنها تدل على تحريم الحكم على من قال: لا إله إلا الله بأنه ليس بمؤمن.
فقد روي عن ابن عباس، أنه قال في تأويل قوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [سورة النساء: ٩٤] " حرم الله على المؤمنين أن يقولوا لمن شهد أن لا إله إلا الله: لست مؤمنا، كما حرم عليهم الميتة، فهو آمن على ماله ودمه" (١).
فإن قيل: أن مدار النهي في الآية إنما هو على سفك الدماء ابتغاء عرض الدنيا. لدلالة السياق في قوله تعالى: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ يعني: تطلبون الغنم والغنيمة (٢).
فالجواب: أنه على الرغم من دلالة السياق التي تؤيد ذلك، إلا أنه لا مانع من حمل الآية على عمومها، إذ إن الحكم على الكافر الذي أظهر لنا انقياده بالإسلام بأنه ليس بمؤمن، قد يكون فيه ابتغاء عرض من الدنيا، من غير سفك دم طمعًا في مغنم، فلا يُقال له لست مؤمنًا في هذه الحال.
ومثال ذلك: لو أن والدهم حضرته الوفاة، فقال أخوهم الكافر، أنا مسلم، أو قال: لا إله إلا الله، وأظهر انقياده بالإسلام، فلا يُقال له: لست مؤمنًا طمعًا في نصيبه من الميراث، وإنما يُعطى نصيبه.
وإن قيل: إن الله تعالى قال في الآية: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ والمغانم إنما تُكتسب من الحرب والقتل.
فالجواب: أن هذا باعتبار الغالب، فالغالب أن ابتغاء عرض الدنيا يكون من مغانم الحرب، ولا يمنع أن تكون الآية أعم من ذلك، والله أعلم.
стр. 437
• النتيجة:
بعد عرض ما تقدم ذكره في هذه المسألة، وما تم إيراده من أقوال أهل العلم، يظهر والله أعلم أن الراجح مع أصحاب القول الثاني، من أن الآية عامة فتشمل القدر الذي يصير به الكافر مسلما، والكف عن قتال من أظهر إسلامه، خلافًا لما ذهب إليه القاسمي ﵀، لما تقدم ذكره من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.
стр. 438
٥٧ - قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ [سورة النساء: ١٠٣].
قال القاسمي: تعلق بظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ من لم ير صلاة الخوف بعده ﷺ . زاعما أنها خاصة بعهده ﷺ . لاشتراطه كونه فيهم. ولا يخفى أن الأئمة بعده نوّابه قوّام بما كان يقوم به. فيتناولهم حكم الخطاب الوارد له ﷺ . كما في قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [سورة التوبة: ١٠٣]. وقد قال ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" (١).
• أقوال أهل العلم في الزمن الذي تُشرع فيه صلاة الخوف:
القول الأول: أن صلاة الخوف مشروعة في عهد النبي ﷺ خاصة.
القول الثاني: أن صلاة الخوف مشروعة في عهد النبي ﷺ وبعده إلى أن تقوم الساعة.
أصحاب القول الأول:
أبو يوسف (٢): " كانت صلاة الخوف في حياته خاصة ولم تبق مشروعة بعده لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [سورة النساء: ١٠٢] فقد شرط كونه فيهم لإقامة صلاة الخوف" (٣).
стр. 439
الحسن بن زياد (١): "لا تجوز صلاة الخوف بعد عهد رسول الله ﷺ " (٢).
إسماعيل بن علية (٣): لا نصلي صلاة الخوف بعد النبي ﷺ ، فإن الخطاب كان خاصا له بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ وإذا لم يكن فيهم لم يكن ذلك لهم" (٤).
أصحاب القول الثاني:
السمعاني: "قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ بين في هذه الآية كيفية صلاة الخوف، وأعلم أن صلاة الخوف جائزة بعد رسول الله على قول أكثر العلماء" (٥).
البغوي: "واعلم أن صلاة الخوف جائزة بعد الرسول ﷺ . عند عامة أهل العلم. ويحكى عن بعضهم عدم الجواز ولا وجه له" (٦).
ابن عطية: "هذه الآية خطاب للنبي ﷺ ، وهو يتناول الأمراء بعده إلى يوم القيامة" (٧).
الشنقيطي: " لا تختص صلاة الخوف بالنبي ﷺ بل مشروعيتها باقية إلى يوم القيامة، والاستدلال على خصوصها به ﷺ بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾
стр. 440
الآية، استدلال ساقط" (١).
• دراسة المسألة:
من خلال استقراء ما كتبه المفسرون والفقهاء في هذه المسألة، وما جاء في تفسير الآية، يتبين أن الحق مع أصحاب القول الثاني وهو: أن صلاة الخوف مشروعة في عهد النبي ﷺ وبعده، وذلك من أوجه عدة:
الأول: أن قوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ ليس على سبيل الشرط، وإنما خرج الكلام على وفق الحال، والشرط يوجب الوجود عند الوجود، ولا يقتضي العدم عند العدم - على قول جماعة من أهل العلم-، فيكون المعنى: وإذا كنت أنت فيهم أو من يقوم مقامك في الإمامة كما في قوله تعالى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (٢).
الثاني: أن الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ على تخصيص صلاة الخوف بعهد النبي ﷺ ، يرد عليه مثل قول مانعي الزكاة، الذين احتجوا بقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [سورة التوبة: ١٠٣] قالوا: فنحن لا ندفع زكاتنا بعده ﷺ إلى أحد، بل نخرجها نحن بأيدينا على من نراه، ولا ندفعها إلى من صلاته، أي: دعاؤه، سكن لنا، ومع هذا رد عليهم الصحابة وأبوا عليهم هذا الاستدلال، وأجبروهم على أداء الزكاة، وقاتلوا من منعها منهم (٣).
الثالث: أن الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ على تخصيص صلاة الخوف بعهد النبي ﷺ مخالف لإجماع الصحابة ﵃، وفعلهم، فقد أقامها جمع من الصحابة بعد رسول الله ﷺ كما روي عن علي ﵁ أنه صلى صلاة الخوف وروي عن أبي موسى
стр. 441
الأشعري أنه صلى صلاة الخوف بأصبهان وروي عن سعد بن أبي وقاص وأبي عبيدة بن الجراح وغيرهم من الصحابة (١).
الرابع: من حيث العلة: فإن العلة من صلاة الخوف هو الخوف من العدو، والخوف يتحقق بعد رسول الله ﷺ كما كان في حياته (٢).
الخامس: من حيث المقصد: فإن المقصد من شرع الجماعة في صلاة الخوف هو اجتماع المسلمين في الموطن الواحد، فيؤخذ بهذا المقصد بقدر الإمكان. وقد جزم جمهور العلماء بأن هذه الآية شرعت صلاة الخوف للمسلمين أبدا. ومحمل هذا الشرط عندهم جار على غالب أحوالهم يومئذ من ملازمة النبي ﷺ لغزواتهم وسراياهم إلا للضرورة، فليس المراد الاحتراز عن كون غيره فيهم ولكن التنويه بكون النبي ﷺ فيهم (٣). وتقدير الآية: بين لهم بفعلك لكونه أوضح من القول (٤).
السادس: أن تخصيص النبي ﷺ بالخطاب بها بقوله ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ ليس بموجب بالاقتصار عليه بهذا الحكم دون غيره لأن الذي قال ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ هو الذي قال ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ فإذا وجدنا النبي ﷺ قد فعل فعلا فعلينا اتباعه فيه على الوجه الذي فعله ألا ترى أن قوله ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ لم يوجب كون النبي ﷺ مخصوصا به دون غيره من الأئمة بعده وكذلك قوله: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ [سورة الممتحنة: ١٢] وكذلك قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [سورة المائدة: ٤٩] فيه تخصيص النبي ﷺ بالمخاطبة والأئمة بعده مرادون بالحكم معه (٥).
стр. 442
السابع: إنا قد أمرنا باتباعه والتأسي به في غير ما آية وغير حديث، فقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ وقال ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" (١). فلزم اتباعه مطلقا حتى يدل دليل واضح على الخصوص، وعموم منطوق هذا الحديث مقدم على ذلك المفهوم (٢).
الثامن: من حيث التيسير: فلا شك أن المخاطب بهذه الآية هو النبي ﷺ . وإذا قلنا بإثبات جوزها عمومًا للنبي ﷺ ولأمته، فإنما هي على جهة التوسعة والرخصة (٣).
• النتيجة:
بعد ذكر ما تقدم في هذه المسألة، وما تم إيراده من أقوال أهل العلم في حكم صلاة الخوف بعد عهد النبي ﷺ ، يتبين أن الصواب هو ما عليه أصحاب القول الثاني من أن صلاة الخوف مشروعة في عهد النبي ﷺ وبعده، لما تقدم ذكره من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.
стр. 443
٥٨ - قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ [سورة النساء: ١٢٧].
أورد القاسمي في تفسيره قول الأصم ومن معه: بعدم جواز نكاح الصغيرة لجميع الأولياء استدلالا بحديث: "تستأمر اليتيمة في نفسها فإن سكتت فهو إذنها وإن أبت فلا جواز عليها" (١). قالوا: والاستئمار لا يكون إلا من البالغة.
قال القاسمي: ما نقله من أن الإذن لا يكون إلا بعد البلوغ يحتاج إلى دليل. إذ لا يدل عليه الخبر بمنطوقه ولا مفهومه (٢).
• أقوال أهل العلم باشتراط البلوغ في اليتيمة كي تُستأذن في النكاح:
القول الأول: يُشترط أن يكون الإذن من اليتيمة بعد البلوغ.
القول الثاني: أنه لا يُشترط، بل الواجب أن تُستأذن وإن كانت قبل البلوغ.
أصحاب القول الأول:
الحنفية: "والمراد بالحديث اليتيمة البالغة قال الله تعالى ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [سورة النساء: ٢] والمراد البالغين، والدليل عليه أنه مده إلى غاية الاستئمار، وإنما تستأمر البالغة دون الصغيرة" (٣).
المالكية: "ولا تتزوج اليتيمة التي مُوَلّى عليها حتى تبلغ وتأذن في ذلك، لأن رسول الله ﷺ أمر باستئذان اليتيمة، ولا إذن إلا للبالغة" (٤).
стр. 444
الشافعية: "قوله ﷺ : «اليتيمة تستأمر في نفسها» أراد باليتيمة: التي لا أب لها، وسماها يتيمة بعد البلوغ استصحاباً لاسمها قبل البلوغ" (١).
أصحاب القول الثاني:
الحنابلة: "اليتيمة من لم تبلغ، ولا أب لها، ومن هذه حالها لا تزوج إلا بإذنها" (٢).
ابن تيمية: " وأما أن يكون المراد باليتيمة البالغة دون التي لم تبلغ: فهذا لا يسوغ حمل اللفظ عليه بحال. والله أعلم" (٣).
• دراسة المسألة:
مسألة اشتراط البلوغ في اليتيمة كي تُستأذن في النكاح، مما اختلف عليه أهل العلم قديمًا، كما تقدم، والذي يظهر أن الراجح هو ما عليه أصحاب القول الثاني، وذلك من وجهين:
الوجه الأول: دلالة السنة على اشتراط أخذ الإذن من اليتيمة وإن لم تبلغ، لما روي عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "توفي عثمان بن مظعون، وترك ابنة له من خُوَيْلَةَ بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص، قال: وأوصى إلى أخيه قدامة بن مظعون، قال عبد الله: وهما خالاي، قال: فخطبت إلى قدامة بن مظعون ابنة عثمان بن مظعون فزوجنيها، ودخل المغيرة بن شعبة - يعني إلى أمها - فأرغبها في المال فحطت إليه، وحطت الجارية إلى هوى أمها، فأبيا حتى ارتفع أمرهما إلى رسول الله ﷺ ، فقال قدامة بن مظعون: يا رسول الله، ابنة أخي أوصى بها إلي، فزوجتها ابن عمتها عبد الله بن عمر ﵁، فلم أقصر بها في الصلاح، ولا في الكفاءة، ولكنها امرأة، وإنما حطت إلى هوى أمها، قال: فقال رسول الله ﷺ : "هي يتيمة، ولا تنكح إلا بإذنها " قال: فَانْتُزِعَتْ والله مني بعد أن ملكتها، فزوجوها المغيرة" (٤).
стр. 445
والمراد من اليتيمة: الصغيرة التي مات أبوها قبل سن البلوغ لحديث: "لا يُتم بعد احتلام" (١). فهذا نص صريح من السنة في تحديد سن اليتيمة، فلا يُعدل عنه بدلالة الاستصحاب التي تقدمت في قول الشافعية.
والواجب حمل لفظ هذا الحديث على الحقيقة، من إطلاق لفظ اليتم على ما قبل البلوغ، وكذا حديث: " تستأمر اليتيمة" المتقدم، فلا يُقال أنه مجاز عن ما بعد البلوغ، والله أعلم.
قال ابن تيمية: " الكتاب والسنة صريح في دخول اليتيمة قبل البلوغ في ذلك؛ إذ البالغة التي لها أمر في مالها يجوز لها أن ترضى بدون صداق المثل؛ ولأن ذلك مدلول اللفظ وحقيقته ولأن ما بعد البلوغ وإن سمي صاحبه يتيما مجازا فغايته أن يكون داخلا في العموم. وأما أن يكون المراد باليتيمة البالغة دون التي لم تبلغ: فهذا لا يسوغ حمل اللفظ عليه بحال. والله أعلم" (٢).
الوجه الثاني: أن الذي يتولى أمر اليتيمة، وليها وهو: غير أبيها الذي كان يُشفق عليها، فالغالب أن غير الأب يكون قاصر الشفقة، فكان الأولى أن تُستأذن، والله أعلم (٣).
فإن قيل: كيف يصح أن تستأذن أو تستأمر وهي لا تعقل؟
فالجواب: إذا بلغت سناً تعقل فيه وتستأذن فيه، ويكون لها فيه رأي وقول، فإنها حينئذ تزوج بإذنها، بخلاف الصغيرة التي لها أب، فإنها تزوج ولو كانت في المهد، ولكن ذلك متوقف على تحقيق المصلحة للصغيرة، وكون الزوج كفؤاً لها وممن يُرتضى دينه وخلقه فإنه غير معيب، والله أعلم.
стр. 446
تنبيهان:
الأول: تقدم أن الحنابلة يرون أن اليتيمة لا تُزوج إلا بإذنها، والحق أن كثيرا منهم يقيدون الإذن إذا بلغت تسع سنين، فإن كانت دون التسع فلا بأس أن يزوجها وليها بغير إذنها (١).
الثاني: قول القاسمي ﵀ وتعقبه على قول الأصم: "من أن الإذن لا يكون إلا بعد البلوغ، يحتاج إلى دليل، إذ لا يدل عليه الخبر بمنطوقه ولا مفهومه". غير مُسلّم، إذ إن الخبر وهو: "تستأمر اليتيمة" وإن كان ليس فيه دلالة منطوق، إلا أن كثيرا من أهل العلم فهم منه أن الاستئمار لا يكون إلا من البالغة، كما تقدم.
فائدة:
قال العلامة ابن باز ﵀: إن كانت اليتيمة دون التسع فلا بأس أن يزوجها وليها بغير إذنها؛ لأنه أعلم بمصالحها والدليل على ذلك أن النبي ﷺ تزوج عائشة ولم تستأذن؛ لأنها كانت صغيرة بنت ست أو سبع كما جاء في الحديث الصحيح (٢)، زوجها الصديق وهي بنت ست أو سبع، ودخل عليها النبي وهي بنت تسع ﵊، فالحاصل إذا كانت دون تسع ورأى من المصلحة أن يزوجها؛ لئلا يفوت الكفء الطيب لا من أجل المال، بل من أجل المصلحة الدينية، إذا رأى وليها يعني: أباها أن يزوجها وهي دون التسع؛ لأنه خطبها رجل كفء طيب صاحب دين وخير وخشي أن يفوت فلا بأس" (٣).
• النتيجة:
بعد ذكر ما تقدم في هذه المسألة، وما تم إيراده من أقوال أهل العلم فيها، يظهر أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من اشتراط إذن اليتيمة في النكاح وإن لم تبلغ، لما تقدم إيراده من الأوجه التي تؤيد ذلك وهو ما ذهب إليه القاسمي ﵀.
إلا أن الاستئمار المذكور في حديث: "تستأمر اليتيمة"، قد يُفهم منه اشتراط الإذن بعد البلوغ، خلافًا لما ذهب إليه القاسمي ﵀، والله أعلم.
стр. 447
٥٩ - قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨)﴾ [سورة النساء: ١٢٨].
قال القاسمي: وفي الصحيحين عن عائشة قالت: "لما كبرت سودة بنت زمعة، وهبت يومها لعائشة. فكان النبي ﷺ يقسم لها بيوم سودة". ولا يخفى أن قبوله ﷺ ذلك من سودة، إنما هو لتتأسى به أمته في مشروعية ذلك وجوازه. فهو أفضل في حقه ﵊.
وقول بعض المفسرين في هذه القصة: أن النبي ﷺ كان عزم على طلاق سودة- باطل وسوء فهم من القصة. إذ لم يرو عزمه ﷺ على ذلك. لا في الصحاح ولا في السنن ولا في المسانيد (١).
• أقوال أهل العلم في عزم النبي ﷺ على طلاق سودة بنت زمعة:
القول الأول: أن النبي ﷺ عزم على طلاق سودة بنت زمعة، فخافت ووهبت يومها لعائشة.
القول الثاني: أن النبي ﷺ لم يعزم على طلاقها، إنما توهمته سودة، فجعلت يومها لعائشة.
أصحاب القول الأول:
القرطبي: " في هذه الآية من الفقه الرد على الرُّعْن الجهال الذين يرون أن الرجل إذا أخذ شباب المرأة وأسنت لا ينبغي أن يتبدل بها. قال ابن أبي مليكة (٢): إن سودة بنت زمعة لما أسنت أراد النبي ﷺ أن يطلقها، فآثرت الكون معه، فقالت له: أمسكني واجعل يومي
стр. 448
لعائشة، ففعل ﷺ ، وماتت وهي من أزواجه" (١).
النيسابوري: "روي عن سودة أنه لما هم رسول الله ﷺ بطلاقها قالت: دعني يا رسول الله أحشر في زمرة نسائك" (٢).
الشربيني: "يروى أن سودة كانت امرأة كبيرة أراد النبيّ ﷺ أن يفارقها فقالت: لا تطلقني وإنما بي أن أبعث في نسائك وقد جعلت نوبتي لعائشة فأمسكها رسول الله ﷺ وكان يقسم لعائشة يومها ويوم سودة" (٣).
أصحاب القول الثاني:
ما أورده جمع من المفسرين في تفسير الآية عن ابن عباس: " خشيت سودة أن يطلقها رسول الله فقالت: يا رسول الله، لا تطلقني وأمسكني واجعل النوبة لعائشة ففعل، فنزلت هذه الآية" (٤).
• دراسة المسألة:
تعددت الروايات الواردة في نزول قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ ومما روي في ذلك:
ما أخرجه ابن سعد من حديث القاسم بن أبي بزة (٥) أن النبي ﷺ بعث إلى سودة
стр. 449
بطلاقها فلما أتاها جلست على طريقه إلى بيت عائشة فلما رأته قالت: أنشدك بالذي أنزل عليك كتابه واصطفاك على خلقه لم طلقتني؟ ألموجدة وجدتها في؟ قال: «لا» قالت: فإني أنشدك بمثل الأولى أما راجعتني وقد كبرت ولا حاجة لي في الرجال ولكني أحب أن أبعث في نسائك يوم القيامة فراجعها النبي ﷺ قالت: فإني قد جعلت يومي وليلتي لعائشة حِبّة رسول الله ﷺ (١).
ولا شك أن هذا المروي مردود من جهة الرواية، ومن جهة الدراية:
أما من جهة الرواية: فإن القاسم بن أبي بزة من صغار التابعين (٢) وهو يروي عن النبي ﷺ ، فالسند يُعد من المُرسل لسقوط الصحابي.
قال الحافظ ابن كثير عن هذا المروي: غريب مرسل (٣).
وأما من جهة الدراية: فإن هذا المروي ظاهره أن فيه قدح لخُلق النبي ﷺ ، إذ كيف لنبي وصفه الله تعالى في كتابه بأنه على خلق عظيم، أن يبعث بطلاق امرأة عاشت معه بقية عُمُرها، ينسى فضلها وإحسانها، بسبب كبر سنها ودمامتها، وكأنه نكحها لجمالها فحسب لا لدينها.
فمثل هذا المروي مردود ولا يليق أن يُنسب إلى النبي ﷺ .
وعليه: فإن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، وذلك من وجهين:
الأول: ما ورد في سبب نزول الآية وصحة إسناده كما تقدم من قول ابن عباس، من أن سودة خشيت أن يطلقها رسول الله ﷺ ، ولم يرد عنه أنه بعث في طلاقها.
الثاني: أن الله تعالى قال في الآية: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ﴾ ومثل هذا الخوف قد يكون
стр. 450
بسبب وهم، والنساء في باب الغيرة تحصل لهن أوهاما منوعة، ولهذا تقدمت سودة ﵂ للنبي ﷺ بقبول ليلتها لعائشة. فقبل منها، والله أعلم.
فائدة:
قال ابن جرير الطبري ﵀: "إذا علمت المرأة من زوجها استعلاء بنفسه عنها إلى غيرها أَثَرَة عليها، وارتفاعًا بها عنها، إما لبغضة وإما لكراهة منه بعض أشياء بها، إما دمامتها، وإما سنها وكبرها أو غير ذلك من أمورها فلا جناح على المرأة الخائفة نشوز بعلها أو إعراضه عنها، أن يصلحا بينهما صلحاً وهو أن تترك له يومها، أو تضع عنه بعض الواجب لها من حق عليه، تستعطفه بذلك، وتستديم المقام في حباله والتمسك بالعقد الذي بينها وبينه من النكاح، والصلح بترك بعض الحق استدامة للحرمة، وتماسكاً بعقد النكاح خير من طلب الفرقة والطلاق" (١).
• النتيجة:
بعد عرض ما تقدم من أقوال المفسرين في هذه المسألة، يتبين أن الراجح هو ما عليه أصحاب القول الثاني من أن سودة ﵂ توهمت أن النبي ﷺ يُريد طلاقها فوهبت يومها لعائشة، وأن الرواية الواردة في عزم النبي ﷺ على طلاق سودة ضعيفة رواية ودراية، لما تقدم بيانه، والله أعلم.
стр. 451
٦٠ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧)﴾ [سورة النساء: ١٣٧].
قال بعض الزيدية في تفسيره: دلت الآية على أن توبة المرتد تقبل. لأنه تعالى أثبت إيمانا بعد كفر، تقدمه إيمان (١).
قال القاسمي: أقول: دلالتها على ذلك في صورة عدم تكرار الردة. وأما معه، فلا. كما لا يخفى (٢).
• أقوال أهل العلم في قبول توبة المرتد إن تكررت منه الردة:
القول الأول: أن توبة المرتد مقبولة وإن تكررت منه الردة.
القول الثاني: أن توبة المرتد مقبولة بشرط: عدم تكرارها.
أصحاب القول الأول:
الحنفية: "إذا ارتد ثانيا ثم تاب ضربه الإمام وخلى سبيله، وإن ارتد ثالثا ثم تاب ضربه ضربا وجيعا وحبسه حتى تظهر عليه آثار التوبة ويرى أنه مخلص ثم خلى سبيله" (٣).
المالكية: "الردة محبطة للعمل بنفسها من غير وقوف على موت المرتد، ويستتاب ثلاثة فإن تاب قبل منه وإن أبى قتل وكان ماله فيئاً غير موروث ملكه قبل الردة أو بعدها" (٤).
الشافعية: "تقبل منه التوبة وإن تكررت ردته، لقوله ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣٨]
стр. 452
ولأنه أتى بالشهادتين بعد الردة فحكم بإسلامه كما لو ارتد مردة ثم أسلم" (١).
أصحاب القول الثاني:
الحنابلة: "ولا توبة من تكررت ردته؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا﴾ الآية" (٢).
رواية عن مالك: "لا تقبل توبة الزنديق، ومن تكررت ردته" (٣).
• دراسة المسألة:
مسألة قبول توبة من تكررت منه الردة من المسائل التي اختلف فيها العلماء قديمًا، والذي يظهر أن الراجح هو ما عليه أصحاب القول الأول من أن التوبة مقبولة، وذلك لعموم الأدلة من الكتاب والسنة:
فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾.
ووجه الدلالة: أنه أتى بالشهادتين بعد الردة فحكم بإسلامه كما لو ارتد مرة ثم أسلم (٤).
وأيضًا يُقال: أن اللفظ في هذه الآية عام، فيمن ارتد ثم أسلم أو من تكررت منه الردة، ولا دليل يصرف هذا العموم إلى التخصيص بمن لم تتكرر من الردة، فيما نعلم.
ومن السنة القولية: قوله ﷺ : "الإسلام يهدم ما كان قبله" (٥).
стр. 453
وحديث: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها" (١).
ووجه الدلالة: أن اللفظ في الحديثين عام، فيمن ارتد ثم أسلم أو من تكررت منه الردة، فيبقى على عمومه، والله أعلم.
و أخبر النبي ﷺ عن الرجل الذي أذنب ذنبا فتاب منه، ثم أذنب فتاب، ثم أذنب فتاب، فقال الله : «علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ به، قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء» (٢).
ووجه الدلالة: أن هذا رجل تكرر منه الذنب، وقبِل الله توبته، فإذا علمنا أنه صادق في التوبة، فما المانع من القبول؟ (٣).
ومن السنة الفعلية: أن النبي ﷺ كف عن المنافقين بما أظهروا من الشهادة، مع إخبار الله تعالى له بباطنهم، بقوله تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [سورة التوبة: ٥٦] وغيرها من الآيات. فدل هذا الفعل أن العبرة بالأخذ: الظاهر، دون النظر إلى البواطن والنوايا والحكم على من تكررت منه الردة بالكذب والتلاعب والزندقة، ونحو ذلك.
الجواب عن استدلال الفريق الثاني:
استدل أصحاب الفريق الثاني على قولهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ فأخبر الله عنهم أنه لا يغفر لهم.
стр. 454
والجواب على استدلالهم من أوجه:
الأول: أن الكافر إذا آمن غفر له كفره، ثم إن كفر بعد ذلك ومات على كفره لم يغفر له الكفر الأول وطولب بالأول والآخر، ولا يجوز أن يكون إذا آمن بعد لا يغفر له؛ لأن الله يغفر لكل من آمن بعد كفره، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [سورة الشورى: ٢٥] (١).
الثاني: أن الله تعالى قال في آخر الآية: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾، فهؤلاء الذين ازدادوا كفرا ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ يعني ما يوفقهم الله للتوبة، ليس المعنى أنهم لو تابوا لم يتب الله عليهم، لكن لا يوفقون، ما داموا -والعياذ بالله- صاروا هكذا غير مستقرين على أمر (٢).
الثالث: يحتمل أن قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ محمول على قوم معينين علم الله منهم أنهم يموتون على الكفر ولا يتوبون عنه، فيكون قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ إخبارا عن موتهم على الكفر (٣).
• النتيجة:
بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن القول الراجح هو مع أصحاب القول الأول من أن التوبة من الردة مقبولة وإن تكررت، لما تقدم إيراده أدلة الكتاب والسنة، التي تؤيد ذلك، وما تقدم ذكره أيضَا من الأوجه التي تدفع استدلال أصحاب القول الثاني، بخلاف ما ذهب إليه القاسمي ﵀، والله أعلم.
стр. 455
٦١ - قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾ [سورة النساء: ١٤٠].
قال أبو علي وأبو هاشم: إن أنكر بقلبه لم يجب عليه أكثر من ذلك. وجاز له القعود، يعني مع عجزه عن الإنكار باليد أو باللسان، وعدم تأثير ذلك (١).
قال القاسمي: أقول: ما قالاه مخالف لظاهر الآية. فلا عبرة به (٢).
• أقوال أهل العلم في حكم القعود في المجالس التي فيها منكرات، مع الإنكار بالقلب:
القول الأول: لا بأس بالجلوس، إن كان الجالس فيها مُنكراً بقلبه.
القول الثاني: لا يجوز الجلوس فيها، بل الواجب الإنكار باللسان، أو الخروج منها.
أصحاب القول الأول:
أبو علي الجبائي وأبو هاشم الجبائي: وتقدم قولهما.
أصحاب القول الثاني:
السمرقندي: " وفي هذه الآية دليل أن من جلس في مجلس المعصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية أو عملوا بها، فإن لم يقدر بأن ينكر عليهم ينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية" (٣).
القرطبي: كل من جلس في مجلس معصية، ولم ينكر عليهم، يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير
стр. 456
عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية" (١).
البقاعي: "هذه الآية مدنية فالتغيير عند إنزالها باللسان واليد ممكن لكل مسلم، فالمجالس من غير نكير راض، فلهذا علل بقوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ " (٢).
أبو السعود: " المراد بالإعراض إظهار المخالفة بالقيام عن مجالسهم لا الإعراض بالقلب أو بالوجه فقط" (٣).
• دراسة المسألة:
من خلال النظر في مسألة الإنكار بالقلب في المجالس وما يقرره أهل العلم، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، وذلك من أوجه:
الأول: من حيث دلالة النهي في ظاهر الآية: فظاهر الآية يدل على أن الواجب إذا رأى المسلم المنكر والكفر والاستهزاء بآيات الله في المجلس، أن يخرج ولا يقعد، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ ودلالة النهي تدل على الوجوب، ولم يذكر في الآية أن الجلوس جائز إذا أنكر بقلبه.
الثاني: نظائر الآية: فهذه الآية نظيرها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة الأنعام: ٦٨]، وفيه الأمر بالإعراض عن المستهزئين بآيات الله، ولا يكون الإعراض إلا بالقيام من المجلس أو الإنكار اللسان، دون الإنكار بالقلب الذي لا يترتب عليه زوال المنكر.
الثالث: أن من لوازم الإنكار بالقلب أن يقترن معه الإعراض.
قال العثيمين ﵀: "ما يفعله بعض الجهال من بقائه مع أهل المنكر الذين يفعلون
стр. 457
المنكر بين يديه؛ كشرب الدخان، أو يلعبون أشياء محرمة، ويقول: أنا أكره هذا بقلبي، نقول: هذا لا يكفي، إذا كنت تكرهه بقلبك حقاً فإن قلبك سوف ينفر منه، وإذا نفر القلب فإن الجوارح سوف تنفر منه أيضاً؛ لأن النبي ﷺ يقول: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب" فعلى هذا نقول: إذا كرهته بقلبك ولم تستطع أن تنكره بلسانك؛ وجب عليك أن تغادر المحل، وإذا كنت تستطيع الإنكار بلسانك وجب عليك ذلك وإلا كنت آثماً" (١).
الرابع: أفعال بعض الصحابة التي تدل على أن الواجب إذا وجد المنكر في المجلس أو في الدار الإعراض، ولا يكفي الإنكار بالقلب.
فقد بوَّب البخاري ﵀ في صحيحه باب: هل يرجع إذا رأى منكراً في الدعوة؟، ثم أورد أثر ابن مسعود أنه: رأى صورة في البيت فرجع.
ودعا ابن عمر أبا أيوب فرأى في البيت ستراً على الجدار. فقال ابن عمر: "غلبنا عليه النساء. فقال: من كنت أخشى عليه فلم أكن أخشى عليك، والله لا أطعم لكم طعاماً. فرجع" (٢).
فدل فعلهما أنه إذا وُجد المنكر فإنه يُنكر إما باللسان، والإعراض، دون الجلوس والإنكار بالقلب فحسب، والله أعلم.
• النتيجة:
بعد عرض ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين جليًا أن الحق مع أصحاب القول الثاني، من أن الواجب إزالة المنكر بالإنكار أو الإعراض، دون الجلوس مع الإنكار بالقلب فقط، لما تقدم ذكره من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.
стр. 458
٦٢ - قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾ [سورة النساء: ١٤٠].
قال القاضي والحاكم (١): أما لو كان له حق في تلك البقعة، فله أن لا يفارق. كمن يحضر الجنائز مع النوح، أو الولائم. فيسمع المنكر فيسعه أن يقعد. والنكير على قدر الإمكان واجب عليه. وعن الحسن: لو تركنا الحق للباطل لبطل الشرع. وقد كان خرج إلى جنازة، خرجت النساء فيها فلم يرجع. ورجع ابن سيرين. انتهى (٢).
قال القاسمي: أقول: من له حق في البقعة، فعليه أن يفارق كغيره. إذ ليس في مفارقته ضياع حقه. وعموم الآية يشمله، ولا تخصيص إلا بمخصص. والمسألة المقيس عليها غير ما نحن فيه. على ما فيها من الخلاف. كما حكى. ولا قياس مع النص. وقد حكى الحاكم أقوالا كلها ترجع إلى تخصيص الآية. ولا مستند فيها إلا الرأي، والاحتمال. فلذا أعرضنا عنها (٣).
• أقوال أهل العلم في حضور البقاع التي تحصل فيها منكرات، إن كان الحاضر له حق فيها:
القول الأول: يجوز حضور تلك البقاع، إن كان له حق فيها، ولا يُشترط مفارقتها.
القول الثاني: لا يجوز له حضورها، بل الواجب عليه مفارقتها.
стр. 459
أصحاب القول الأول:
الإمام أحمد: سُئل عن الرجل، يدعى ليغسل الميت، فيسمع عندهم صوت النوح، فما ترى؟ يدخل يغسله وهم ينوحون؟ قال: «نعم، ولكن ينهاهم» (١).
الجصاص: "ينبغي له أن يفعل ذلك - يعني التباعد- إذا لم يكن في تباعده وترك سماعه ترك الحق عليه من نحو ترك الصلاة في الجماعة لأجل ما يسمع من صوت الغناء والملاهي وترك حضور الجنازة لما معها من النوح وترك حضور الوليمة لما هناك من اللهو واللعب فإذا لم يكن هناك شيء من ذلك فالتباعد عنهم أولى" (٢).
ابن تيمية: "وإذا كان مع الجنازة منكر وهو عاجز عن إزالته تبعها على الصحيح" (٣).
أصحاب القول الثاني:
ابن مفلح (٤): "إذا كان معها منكر وقدر على إزالته تبعها وأزاله، فإن عجز عنه لم يجز أن يتبعها" (٥).
البهوتي: "يحرم أن يتبعها - أي: الجنازة- مع منكر وهو عاجز عن إزالته، نحو طبل ونياحة ولطم نسوة، وتصفيق، ورفع أصواتهن، لأنه يؤدي إلى استماع محظور، ورؤيته مع قدرته على ترك ذلك" (٦).
стр. 460
• دراسة المسألة:
عبارة القاسمي ﵀: "من له حق في البقعة، فعليه أن يفارق كغيره"، يُفهم منها أنه يرى ترك الأماكن التي فيها منكرات إن عجز الناصح عن إزالتها، سواء كانت في المجالس، أو الولائم، أو الجنائز.
والذي يظهر من خلال عرض ما تقدم من الأقوال، أن مسألة حضور أماكن العبادات التي يُتقرَّب فيها إلى الله، مع حصول منكرات فيها، من المسائل التي اختلف فيها الفقهاء، والظاهر أن الراجح هو مع أصحاب القول الأول، إذ إنه لا يُعقل أن يترك المسلم فريضة أو فضيلة، بسبب وجود منكر فيه عجز عن إزالته، وبيان ذلك من وجهين:
الوجه الأول: تحقيق المصلحة: فلو أن رجلا حضر جنازة ووجد فيها نياحة، أو وإقامة دعاء جماعي بعد دفن الميت، ونحو ذلك من البدع، وأنكر عليهم، ولم يستجب إليه أحد، فليس من المصلحة أن يترك المكان لظاهر وعموم قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾، وذلك لسببين:
الأول: لما في حضور الجنازة من الفضل العظيم، الذي يحصل به مُتبع الجنازة أجر قيراطان، فإن ترك حضور الجنازة فاته هذا الأجر.
الثاني: لحاجة الميت لحضوره ودعائه له بالرحمة والمغفرة والتثبيت عند السؤال، فحضور هذا المسلم التقي النقي من البدع، يُرجى أن يكون دعاؤه أقرب للإجابة من غيره، الذين ناحوا على الميت فلم ينتفع منهم.
الوجه الثاني: الوقوع في المحظور: فلو أن رجلاً دخل مسجدا فرأى فيه زخارف ونُقوش، وكما هو معلوم أن النقش وزخرفة المساجد مما نهى الشارع عنه، كما في حديث أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد" (١).
فليس له أن يتخلَّف عن صلاة الجماعة لظاهر وعموم قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا