← Тафсир

Тафсир · id 30149

تعقبات جمال الدين القاسمي على من سبقه من خلال كتابه محاسن التأويل

عبد الرحمن الحسن

Полный текст (1 202 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية" (١). البقاعي: "هذه الآية مدنية فالتغيير عند إنزالها باللسان واليد ممكن لكل مسلم، فالمجالس من غير نكير راض، فلهذا علل بقوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ " (٢). أبو السعود: " المراد بالإعراض إظهار المخالفة بالقيام عن مجالسهم لا الإعراض بالقلب أو بالوجه فقط" (٣). • دراسة المسألة: من خلال النظر في مسألة الإنكار بالقلب في المجالس وما يقرره أهل العلم، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، وذلك من أوجه: الأول: من حيث دلالة النهي في ظاهر الآية: فظاهر الآية يدل على أن الواجب إذا رأى المسلم المنكر والكفر والاستهزاء بآيات الله في المجلس، أن يخرج ولا يقعد، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ ودلالة النهي تدل على الوجوب، ولم يذكر في الآية أن الجلوس جائز إذا أنكر بقلبه. الثاني: نظائر الآية: فهذه الآية نظيرها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة الأنعام: ٦٨]، وفيه الأمر بالإعراض عن المستهزئين بآيات الله، ولا يكون الإعراض إلا بالقيام من المجلس أو الإنكار اللسان، دون الإنكار بالقلب الذي لا يترتب عليه زوال المنكر. الثالث: أن من لوازم الإنكار بالقلب أن يقترن معه الإعراض. قال العثيمين ﵀: "ما يفعله بعض الجهال من بقائه مع أهل المنكر الذين يفعلون

стр. 457

المنكر بين يديه؛ كشرب الدخان، أو يلعبون أشياء محرمة، ويقول: أنا أكره هذا بقلبي، نقول: هذا لا يكفي، إذا كنت تكرهه بقلبك حقاً فإن قلبك سوف ينفر منه، وإذا نفر القلب فإن الجوارح سوف تنفر منه أيضاً؛ لأن النبي ﷺ يقول: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب" فعلى هذا نقول: إذا كرهته بقلبك ولم تستطع أن تنكره بلسانك؛ وجب عليك أن تغادر المحل، وإذا كنت تستطيع الإنكار بلسانك وجب عليك ذلك وإلا كنت آثماً" (١). الرابع: أفعال بعض الصحابة التي تدل على أن الواجب إذا وجد المنكر في المجلس أو في الدار الإعراض، ولا يكفي الإنكار بالقلب. فقد بوَّب البخاري ﵀ في صحيحه باب: هل يرجع إذا رأى منكراً في الدعوة؟، ثم أورد أثر ابن مسعود أنه: رأى صورة في البيت فرجع. ودعا ابن عمر أبا أيوب فرأى في البيت ستراً على الجدار. فقال ابن عمر: "غلبنا عليه النساء. فقال: من كنت أخشى عليه فلم أكن أخشى عليك، والله لا أطعم لكم طعاماً. فرجع" (٢). فدل فعلهما أنه إذا وُجد المنكر فإنه يُنكر إما باللسان، والإعراض، دون الجلوس والإنكار بالقلب فحسب، والله أعلم. • النتيجة: بعد عرض ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين جليًا أن الحق مع أصحاب القول الثاني، من أن الواجب إزالة المنكر بالإنكار أو الإعراض، دون الجلوس مع الإنكار بالقلب فقط، لما تقدم ذكره من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.

стр. 458

٦٢ - قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾ [سورة النساء: ١٤٠]. قال القاضي والحاكم (١): أما لو كان له حق في تلك البقعة، فله أن لا يفارق. كمن يحضر الجنائز مع النوح، أو الولائم. فيسمع المنكر فيسعه أن يقعد. والنكير على قدر الإمكان واجب عليه. وعن الحسن: لو تركنا الحق للباطل لبطل الشرع. وقد كان خرج إلى جنازة، خرجت النساء فيها فلم يرجع. ورجع ابن سيرين. انتهى (٢). قال القاسمي: أقول: من له حق في البقعة، فعليه أن يفارق كغيره. إذ ليس في مفارقته ضياع حقه. وعموم الآية يشمله، ولا تخصيص إلا بمخصص. والمسألة المقيس عليها غير ما نحن فيه. على ما فيها من الخلاف. كما حكى. ولا قياس مع النص. وقد حكى الحاكم أقوالا كلها ترجع إلى تخصيص الآية. ولا مستند فيها إلا الرأي، والاحتمال. فلذا أعرضنا عنها (٣). • أقوال أهل العلم في حضور البقاع التي تحصل فيها منكرات، إن كان الحاضر له حق فيها: القول الأول: يجوز حضور تلك البقاع، إن كان له حق فيها، ولا يُشترط مفارقتها. القول الثاني: لا يجوز له حضورها، بل الواجب عليه مفارقتها.

стр. 459

أصحاب القول الأول: الإمام أحمد: سُئل عن الرجل، يدعى ليغسل الميت، فيسمع عندهم صوت النوح، فما ترى؟ يدخل يغسله وهم ينوحون؟ قال: «نعم، ولكن ينهاهم» (١). الجصاص: "ينبغي له أن يفعل ذلك - يعني التباعد- إذا لم يكن في تباعده وترك سماعه ترك الحق عليه من نحو ترك الصلاة في الجماعة لأجل ما يسمع من صوت الغناء والملاهي وترك حضور الجنازة لما معها من النوح وترك حضور الوليمة لما هناك من اللهو واللعب فإذا لم يكن هناك شيء من ذلك فالتباعد عنهم أولى" (٢). ابن تيمية: "وإذا كان مع الجنازة منكر وهو عاجز عن إزالته تبعها على الصحيح" (٣). أصحاب القول الثاني: ابن مفلح (٤): "إذا كان معها منكر وقدر على إزالته تبعها وأزاله، فإن عجز عنه لم يجز أن يتبعها" (٥). البهوتي: "يحرم أن يتبعها - أي: الجنازة- مع منكر وهو عاجز عن إزالته، نحو طبل ونياحة ولطم نسوة، وتصفيق، ورفع أصواتهن، لأنه يؤدي إلى استماع محظور، ورؤيته مع قدرته على ترك ذلك" (٦).

стр. 460

• دراسة المسألة: عبارة القاسمي ﵀: "من له حق في البقعة، فعليه أن يفارق كغيره"، يُفهم منها أنه يرى ترك الأماكن التي فيها منكرات إن عجز الناصح عن إزالتها، سواء كانت في المجالس، أو الولائم، أو الجنائز. والذي يظهر من خلال عرض ما تقدم من الأقوال، أن مسألة حضور أماكن العبادات التي يُتقرَّب فيها إلى الله، مع حصول منكرات فيها، من المسائل التي اختلف فيها الفقهاء، والظاهر أن الراجح هو مع أصحاب القول الأول، إذ إنه لا يُعقل أن يترك المسلم فريضة أو فضيلة، بسبب وجود منكر فيه عجز عن إزالته، وبيان ذلك من وجهين: الوجه الأول: تحقيق المصلحة: فلو أن رجلا حضر جنازة ووجد فيها نياحة، أو وإقامة دعاء جماعي بعد دفن الميت، ونحو ذلك من البدع، وأنكر عليهم، ولم يستجب إليه أحد، فليس من المصلحة أن يترك المكان لظاهر وعموم قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾، وذلك لسببين: الأول: لما في حضور الجنازة من الفضل العظيم، الذي يحصل به مُتبع الجنازة أجر قيراطان، فإن ترك حضور الجنازة فاته هذا الأجر. الثاني: لحاجة الميت لحضوره ودعائه له بالرحمة والمغفرة والتثبيت عند السؤال، فحضور هذا المسلم التقي النقي من البدع، يُرجى أن يكون دعاؤه أقرب للإجابة من غيره، الذين ناحوا على الميت فلم ينتفع منهم. الوجه الثاني: الوقوع في المحظور: فلو أن رجلاً دخل مسجدا فرأى فيه زخارف ونُقوش، وكما هو معلوم أن النقش وزخرفة المساجد مما نهى الشارع عنه، كما في حديث أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد" (١). فليس له أن يتخلَّف عن صلاة الجماعة لظاهر وعموم قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا

стр. 461

مَعَهُمْ﴾، وذلك أن صلاة الجماعة واجبة على القول الراجح، والله أعلم (١). فإن قيل: لو أن شخصًا دُعي لحضور وليمة نكاح، أو غيره، وكما هو معلوم أن جمع من أهل العلم ذهب إلى وجوب إجابة الداعي إلى وليمة (٢)، لقوله: "ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله" (٣)، فلمّا حضر فوجئ أن فيها غناء محرم، أو صوت معازف، أو نحو ذلك من المنكرات، فيكون تركه للمكان معصية وإن لم يقدر على إزالة المنكر. فالجواب: أن هذه الحالة تختلف عن سابقتها، فليس فيها تحقيق مصلحة، كما في الوجه الأول المتقدم، بل إن المفسدة المترتبة على بقائه وتعرضه للفتنة أكبر، من إجابته للدعوة، فدرء المفاسد - وهو سماع المنكر- مقدم على جلب المصالح، فتُحمل إجابة الدعوة إذا خلت من المنكرات، والله أعلم. تنبيهان: الأول: استدل القاسمي ﵀ على ما ذهب إليه بقوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ ووجه استدلاله: أن الآية عامة، يشمله من كان له حق في تلك البقعة ومن لا يشمله، ولا تخصيص إلا بمخصص. والجواب: أن التخصيص يُؤخذ من الأحاديث الدالة على مشروعية وفضل اتباع الجنائز والصلاة عليها، فصلاة الجنازة متأكدة، فيترتب على تركها ضرر، كما تقدم، والله أعلم. الثاني: يُريد القاسمي ﵀ من تعقبه على الحاكم، ما نقله عن أبي علي أنه فصَّل

стр. 462

بين المجلس والقرب، فقال: "يحرم القعود في المجلس لما فيه من الإيهام، فأما إذا أظهر التباين وإن قرب فلا يحرم، ولا خلاف أنه إذا أنكر لا يحرم عليه القعود معهم، ولذلك تقعد العلماء مع أهل الضلالة يُناظرونهم، ويجب لهم بذلك الثواب العظيم" (١). ولا شك أن ما ذكره الحاكم عبارة عن أقوال لا مستند فيها إلا الرأي، والاحتمال، كما قال القاسمي ﵀. فالتفريق بين المجلس والقرب لا دليل عليه: بل الأدلة عامة في وجوب الإعراض كما في الآية: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [سورة الأنعام: ٦٨] والإعراض يقتضي المُفارقة سواء كان في مجلس أو كان في مكان قريب من المنكر. وأما دعوى أنه لا خلاف أنه إذا أنكر لا يحرم عليه القعود معهم: فإن أراد أنه إذا أنكر وزال المنكر فصحيح، وإلا فلا، لما تقدم ذكره من الخلاف، ولقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ و ﴿حَتَّى﴾ للغاية. وأما الاستدلال بقعود العلماء مع أهل الضلالة لمناظرتهم: فاستدلال في غير محله، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ والمجادلة تقتضي القعود، فلا تُقاس هذه الحالة مع غيرها، إذ هو قياس مع الفارق. • النتيجة: من خلال عرض ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة وما ذُكر فيها، يتبين أن فيها ثلاث نتائج: الأولى: أن الراجح فيها مع أصحاب القول الأول، من أنه لا بأس للمسلم أن يحضر للأماكن التي يُتقرب فيها إلى الله تعالى كاتباع الجنائز مع وجود منكرات فيها كالنياحة، وإن عجز عن إزالتها بيده أو لسانه.

стр. 463

الثانية: الأماكن التي فيها منكرات، كالولائم مع وجود غناء ومعازف، الواجب فيها أن يتركها المسلم، إن عجز عن إزالة المنكر فيها، لأن مفسدتها أكبر من مصلحتها. الثالثة: أن ما أورده الحاكم عن أبي علي من أن المسلم إذا أنكر لا يحرم عليه القعود مع أهل المنكر، فمردود، لما تقدم ذكره، والله أعلم.

стр. 464

٦٣ - قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾ [سورة النساء: ١٤٦]. قال الزمخشري: فإن قلت: من المنافق؟ قلت: هو في الشريعة من أظهر الإيمان وأبطن الكفر. وأما تسمية من ارتكب ما يفسق به ب (المنافق) فللتغليظ، كقوله: "من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر جهارا .... إلخ" (١). قال القاسمي: أقول: قول الزمخشري (فللتغليظ) يوجد مثله لثلة من شراح الحديث وغيرهم (٢). وقد بحث فيه بعض محققي مشايخنا بقوله: هذا الجواب لا يرتضيه من عرف قدر النبي ﷺ . وكأنهم غفلوا عما يستلزمه هذا الجواب مما لا يرتضيه أدنى عالم أن ينسب إليه. وهو الإخبار بخلاف الواقع لأجل الزجر. انتهى (٣). • أقوال أهل العلم في تسمية من ارتكب ما يُفَسَّق به بالمنافق: القول الأول: أن تسميته من باب الحقيقة، والمراد النفاق الأصغر، أو النفاق العملي. القول الثاني: أن تسميته من باب التغليظ. أصحاب القول الأول: ابن تيمية: "والنفاق يطلق على النفاق الأكبر الذي هو إضمار الكفر وعلى النفاق الأصغر الذي هو اختلاف السر والعلانية في الواجبات وهو مشهور عند العلماء. وبذلك فسروا قول النبي ﷺ : "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان" (٤).

стр. 465

ابن كثير: "النفاق العملي كقوله ﷺ : "تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس، حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا" (١). السعدي: " اعلم أن النفاق هو: إظهار الخير وإبطان الشر، ويدخل في هذا التعريف النفاق الاعتقادي، والنفاق العملي، كالذي ذكر النبي ﷺ في قوله: "آية المنافق ثلات: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان" (٢). أصحاب القول الثاني: البيضاوي: "وأما قوله ﵊ «ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» (٣) ونحوه فمن باب التشبيه والتغليظ" (٤). الخفاجي: " (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً) (٥) الحديث. المراد أن من اتصف بهذه فهو شبيه بالمنافقين الخاص، وأطلق ذلك عليه تغليظا، وتهديداً له، وهذا في حق من اعتاد ذلك لا من ندر منه أو هو منافق في أمور الدين عرفاً" (٦). الطيبي: " ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ مع المسلمين الذين كانوا يُقاعدون المشركين بمكة، ويُقاعدون المنافقين بالمدينة، وتشبيههم بالمنافقين للتغليظ والزجر والتوبيخ" (٧).

стр. 466

• دراسة المسألة: المتأمل في كلام الزمخشري المتقدم يجد أن سبب صدور هذا القول منه، وعدم إقراره بحقيقة النفاق، إنما هو بسبب تبنيه لعقيدة المعتزلة، والله أعلم. فمن الأصول الفاسدة عند المعتزلة أن صاحب الكبيرة عندهم لا يسمى مؤمناً، ولا كافراً، وإنما يسمى فاسقاً. وحكمه أنه منزلة بين المنزلتين، فلا يكون حكمه حكم الكافر، ولا حكم المؤمن، وإنما له حكم بينهما. هذا في الدنيا. وأما في الآخرة؛ فإنه يخلد في النار، لكن يكون عذابه أخف من عذاب الكافر (١). وبناء على هذا الأصل الفاسد، قرَّر الزمخشري المعتزلي أن تسمية من ارتكب ما يُفَسَّق به بالمنافق من باب التغليظ. فليس عند المعتزلة أن النفاق ينقسم إلى نفاق أصغر ونفاق أكبر كما عند أهل السنة (٢). فلو أنه أقر بأن المتصف بالكذب والغدر والخيانة، أنه واقع في النفاق فإنه سيستلزم منه بناء على معتقده أنه كافر، وذلك لأن المنافق كما قال: من أظهر الإيمان وأبطن الكفر. والمعتزلة يقولون أن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر. ولا شك بأن تسمية من ارتكب ما يفسق به المنافق أنه من باب التغليظ مردود، وذلك من أوجه: الأول: أنه عدول عن ظاهر الحديث الذي سمّى فاعل هذه الكبائر وهي: الكذب والغدر والخيانة- بالمنافق، والأصل الأخذ بظاهر الحديث الذي تدل عليه اللغة. الثاني: أن الحديث نص على أن فاعل هذه الكبائر نفاقه لا يُخرجه من الملة، فلا يُقال أن إثبات نفاقه يستلزم خروجه من الملة، لأن المنافق يُظهر الإيمان ويُبطن الكفر، فيُعدل عن الحقيقة وهي النفاق إلى التشبيه وإرادة التغليظ، وإنما نص الحديث أن فيه خصلة من النفاق،

стр. 467

التي تُعد من كبائر الذنوب. الثالث: أن القول بأن التسمية من باب التغليظ، فيه والله أعلم انتقاص من قدر النبي ﷺ كما تقدم من كلام القاسمي ﵀ وإخبار بخلاف الواقع لأجل الزجر، فالواقع أنه بهذه الأفعال قد وقع في كبائر الذنوب وشابه المنافقين في أفعالهم، فاستحق أن يُطلق عليه حقيقة، فلا يُعدل عن هذه الحقيقية التي أرادها النبي ﷺ ويُقال: أنه أراد الزجر. • النتيجة: من خلال عرض ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة يتبين جليًا أن الحق مع أصحاب القول الأول، من أن المراد من حديث آية المنافق، النفاق الحقيقي وهو النفاق الأصغر، لدلالة ظاهر الحديث على ذلك، وما تقدم ذكره من الأوجه، والله أعلم.

стр. 468

٦٤ - قوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨)﴾ [سورة النساء: ١٤٨]. قال بعض مفسري الزيدية: المحبة هاهنا بمعنى الإباحة. لا أن ذلك يريده الله تعالى (١). قال القاسمي: أقول: هذه نزغة اعتزالية (٢). • أقوال أهل العلم في إرادة الله تعالى وقوع الشر والمعاصي: القول الأول: أن كل شيء واقع بإرادة الله تعالى، فهو سبحانه يُقدر الخير والشر. القول الثاني: أن الله تعالى يُقدر الخير دون الشر، وما يقع من الشر ليس بإرادة الله تعالى. أصحاب القول الأول: وهم أهل السنة: ابن عباس: قال له رجل: إن ناسا يقولون: إن الشر ليس بقدر، فقال: "فبيننا وبين أهل القدر هذه الآية: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ حتى ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ والعجز والكيس بقدر" (٣). ابن القيم: "الشر ليس إلى الرب تعالى بوجه من الوجوه لا في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله وإنما يدخل الشر الجزئي الإضافي في المقضي المقدر ويكون شرا بالنسبة إلى محل وخيرا بالنسبة إلى محل آخر" (٤).

стр. 469

ابن أبي العز: "الذي عليه أهل السنة والجماعة: أن كل شيء بقضاء الله وقدره، وأن الله تعالى خالق أفعال العباد. قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾. وأن الله تعالى يريد الكفر من الكافر ويشاؤه، ولا يرضاه ولا يحبه، فيشاؤه كونا، ولا يرضاه دينا" (١). أصحاب القول الثاني: وهم المعتزلة: القاضي عبد الجبار: "فإن قيل: ما الدليل على أنه تعالى لا يفعل القبيح؟ قيل له: لأنه عالم بقبح القبائح كلها، ونعلم أنه غني عنها، ولا حاجة له إليها ..... إلخ" (٢). قال الرازي: "قالت المعتزلة: دلت الآية على أنه لا يريد من عباده فعل القبائح ولا يخلقها؛ لأن محبة الله عبارة عن إرادته، فلما قال: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾. علمنا أنه لا يريد ذلك، وأيضا لو كان خالقا لأفعال العباد، لكان مريدا لها؛ ولو كان مريدا لها، لكان قد أحب إيجاد الجهر بالسوء من القول، وهو خلاف الآية" (٣). قال أبو حيان: "وقد تعلقت المعتزلة بهذه الآية -يعني قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [سورة البقرة: ٢٠٥] في أن الله لا يريد الفساد، فما وقع منه فليس مراد الله تعالى، ولا مفعولا له، لأنه لو فعله لكان مريدا له لاستحالة أن يفعل ما لا يريد" (٤). • دراسة المسألة: لا يخفى أن من المسائل التي ضل فيها أهل البدع في باب الإيمان بالقضاء والقدر، مسألة إرادة الله تعالى وتقديره لوقوع الخير والشر. وكما هو معلوم أن الشيعة الزيدية يُوافقون المعتزلة في باب الصفات، فلا غرابة أن يقرروا نفي إرادة الله تعالى لوقوع الشر في الكون.

стр. 470

والحق هو الذي عليه أهل السنة والجماعة، من أن الله تعالى يُقدر الخير ويُقدر الشر، ولكن الشر لا يُنسب إليه، كما قال النبي ﷺ : "والشر ليس إليك" (١). فلا ينسب إليه الشر لا فعلا ولا تقديرا ولا حكما، بل الشر في مفعولات الله لا في فعله، ففعله كله خير وحكمة، فتقدير الله لهذه الشرور له حكمة عظيمة. وقد يكون القدر الذي ظاهره الشر خيرا بالنسبة إلى المحل القائم به من وجه، كما هو شر له من وجه بل هذا هو الغالب. وهذا كالقصاص وإقامة الحدود وقتل الكفار فإنه شر بالنسبة إليهم لا من كل وجه بل من وجه دون وجه وخير بالنسبة إلى غيرهم لما فيه من مصلحة الزجر والنكال ودفع الناس بعضهم ببعض وكذلك الآلام والأمراض وإن كانت شرورا من وجه فهي خيرات من وجوه عديدة (٢). وقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع على أن الله تعالى يُقدر الخير ويقدر الشر. فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [سورة القمر: ٤٩]. ووجه الدلالة: أن (كل) تدل على العموم، فهي تعم الخير وتعم الشر. ومن السنة: ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث جبريل، أن النبي ﷺ قال: "وتؤمن بالقدر خيره وشره" (٣). وما أخرجه أيضًا من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "وإن أصابك شيء، فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل" (٤).

стр. 471

ووجه الدلالة: أن المكروه الذي يُصيب المؤمن في الحقيقة أنه شر، وهذا الشر قدره الله تعالى، فيقول المؤمن: قدر الله وما شاء فعل. ومن الإجماع: ما نص عليه الحافظ ابن حجر بقوله: " ومذهب السلف قاطبة أن الأمور كلها بتقدير الله تعالى" (١). فمفهوم الكلام: أن كل الأمور خيرها وشرها إنما تقع بتقدير الله وإرادته. مناقشة المعتزلة على استدلالهم بنفي إرادة الله تعالى وقوع الشر: سلك المعتزلة مسلك أهل الكلام الذين يضربون بنصوص الكتاب والسنة عرض الحائط، ويُحكمون عقولهم في الاستدلال، ويتبعون المتشابه وما ذاك إلا لزيغ قلوبهم. فالمعتزلة استدلوا بقوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾. وظنوا أن الإرادة تقتضي المحبة، فإذا كان الله لا يُحب شيئًا فإنه لا يُريده. والجواب عن هذا الاستدلال من أوجه: الأول: أنه مخالف لنصوص الكتاب والسنة المحكمة الصريحة، التي تدل على أن الله تعالى يُقدر الخير ويُقدر الشر، وتقدم ذكر شيء منها. الثاني: أن هناك فرقًا بين الإرادة والمحبة ولا يلزم من الإرادة المحبة، بخلاف ما ذهبت إليه المعتزلة، فالإنسان قد يفعل الفعل وهو لا يُحبه ويكون مُريدًا له، كأن يتناول المر، ويريد ربط الجرح، أو يريد طيء الجرح (٢). الثالث: يلزم على قولهم أن للكافر مشيئة، بأن شاء لنفسه الكفر، والله يُحب من الكافر أن يكون مسلم، فتكون مشيئة الكافر غالبة على مشيئة الله تعالى، فإن الله قد شاء الإيمان منه - على قولهم - والكافر شاء الكفر، فوقعت مشيئة الكافر دون مشيئة الله تعالى!!

стр. 472

وهذا من أقبح الاعتقاد (١). تنبيهان: الأول: الخلاف الذي بين أهل السنة والمعتزلة يعود إلى مفهوم الإرادة، فأهل السنة يقولون الإرادة نوعان: النوع الأول: إرادة كونية: وهي التي بمعنى المشيئة العامة، فهذه الإرادة كالمشيئة شاملة لكل ما يقع في هذا الكون، وأدلة هذا النوع كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [سورة الأنعام: ١٢٥]، فهذه الإرادة لا تستلزم المحبة، وليست بمعناها. النوع الثاني: إرادة شرعية: وهي التي بمعنى المحبة والرضى، كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [سورة البقرة: ١٨٥] وهذه هي الإرادة الدينية الشرعية المستلزمة للمحبة والرضى (٢). الثاني: القول بأن الإرادة تستلزم الرضى والمحبة، ذهب إليه أكثر الأشاعرة (٣)، فخالفوا بذلك أهل السنة. • النتيجة: بعد عرض ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الحق مع أصحاب القول الأول وهم أهل السنة والجماعة، من أن الله تعالى يُقدر الخير ويُقدر الشر، لما تقدم ذكره من الأدلة، وبيان بطلان استدلال من ذهب إلى خلاف ذلك.

стр. 473

سورة المائدة

стр. 474

سورة المائدة ٦٥ - قال الشهاب الخفاجي: السورة مدنية، إلا قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [سورة المائدة: ٣] الآية. فإنها نزلت بمكة. انتهى (١). قال القاسمي: أقول: في كلامه نظران: الأول: إن هذا بناء على أن المكي ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة. والمدني ما نزل بالمدينة، وهو اصطلاح لبعض السلف. ولكن الأشهر كما في (الإتقان) أن المكي ما نزل قبل الهجرة. والمدني ما نزل بعدها، سواء نزل بمكة أم بالمدينة، عام الفتح أو عام حجة الوداع، أم بسفر من الأسفار. والثاني: بقي عليه، لو مشي على ذاك الاصطلاح، آيات آخر (٢). • أقوال أهل العلم في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية. من حيث المكي والمدني: القول الأول: أن الآية مكية. القول الثاني: أن الآية مدنية. أصحاب القول الأول: مقاتل بن سليمان: "سورة المائدة مدنية، نهارية كلها، عشرون ومائة آية كوفية إِلَّا قوله تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية. فإنها نزلت بعرفة" (٣). السمعاني: "سورة المائدة مدنية كلها إلا قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ فإنه نزل بعرفات" (٤).

стр. 475

البغوي: "سورة المائدة مائة وعشرون آية، نزلت بالمدنية كلها إلا قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية، فإنها نزلت بعرفات" (١). الخازن (٢): "سورة المائدة نزلت بالمدينة إلا قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فإنها نزلت بعرفة في حجة الوداع والنبي ﷺ واقف بعرفة" (٣). أصحاب القول الثاني: السمرقندي: "كلها مدنية وهي مائة وعشرون آية" (٤). الزركشي: "قوله في المائدة ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ إلى قوله ﴿الْخَاسِرِينَ﴾ نزلت يوم الجمعة والناس وقوف بعرفات فبركت ناقة النبي ﷺ من هيبة القرآن وهي مدنية لنزولها بعد الهجرة" (٥). البقاعي: " مدنية إجماعا وإن أنزل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية. بعرفة فإن العبرة في المدني بالنزول بعد الهجرة" (٦). ابن عقيلة المكي (٧): "قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، نزلت بعرفة، فهي نزلت بمكة لكن يحكم عليها بأنها مدنية لكونها بعد الهجرة" (٨).

стр. 476

• دراسة المسألة: من المباحث التي اختلف فيها أهل العلم قديمًا فيما يتعلق بعلوم القرآن، المبحث الذي يتعلق بالضابط الذي يُحدد الحكم على الآية من كونها مكية أم مدنية. والذي يظهر أن الراجح هو الذي عليه أصخاب القول الثاني، من أن المكي ما نزل قبل هجرته ﷺ إلى المدينة وإن كان نزوله بغير مكة، والمدني ما نزل بعد هذه الهجرة وإن كان نزوله بمكة (١). وذلك من وجهين: الأول: أن هذا التعريف جامع مانع، روعي فيه زمان النزول، وهو أولى من رعاية المكان؛ لأن معرفة التدرج في التشريع ومعرفة الناسخ والمنسوخ، وغير ذلك من الفوائد متوقفة على معرفة المتقدِّم والمتأخِّر في الزمان، لهذا كان هذا التعريف هو المعتمد عند أكثر أهل العلم (٢). الثاني: أن هذا الضابط الذي هو (ما نزل قبل الهجرة فهو مكي)، و (ما نزل بعد الهجرة فهو مدني) ضابط متقدم قال به علماء من طبقة صغار التابعين، وأتباع التابعين: يقول: يحيى بن سلام البصري (ت ٢٠٠ هـ) وهو من أتباع التابعين: "إن ما نزل بمكة وما نزل في طريق المدينة قبل أن يبلغ النبي ﵇ المدينة فهو من المكي. وما نزل على النبي ﵇ في أسفاره بعدما قدم المدينة فهو من المدني" (٣). ويقول: علي بن الحسين بن واقد (ت ٢١١ هـ): " كل القرآن مكي أو مدني غير قوله: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [سورة القصص: ٨٥] فإنها أنزلت على رسول الله ﷺ بالجحفة حين خرج مهاجراً إلى المدينة. فلا هي مكية ولا مدنية، وكل آية نزلت على رسول الله ﷺ قبل الهجرة فهي مكية، نزلت بمكة أو بغيرها من البلدان،

стр. 477

وكل آية نزلت بالمدينة بعد الهجرة فإنها مدنية، نزلت بالمدينة أو بغيرها من البلدان» (١). الثالث: أن باعتبار هذا التعريف، يزول الاشكال في الآيات التي نزلت في طريق النبي ﷺ ، قبل أن يبلغ المدينة، أو في أسفاره، أو في الآيات التي قد تكون نزلت بالطائف مثلا، فلو كان الضابط هو المكان فالمكان الذي نزلت فيه الآية، ليس بمكة ولا المدينة، فيصعب الحكم على الآية بأنها مكية أو مدنية، ويحدث خلاف في ذلك، بخلاف لو اعتُبر الزمان فإن الإشكال يزول. وأما ما يتعلق بذات الآية، فإن الذي يؤكد مدنيتها أمران: الأول: أن الآية تتفق مع خصائص الأسلوب والمعاني والأغرض التي تتميز بها السور المدنية، فالآية جاءت في سياق الأحكام التي دلت على تحريم أكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وكما هو معلوم أن بيان الأحكام الشرعية، من خصائص القرآن المدني. الثاني: أن عرفات ليست من مكة، حتى يُقال بأن الآية مكية لأنها نزلت بعرفات، وإنما عرفات من ضواحي مكة، وبينها وبين مكة اثنا عشر ميلا ويجوز منها من أراد الطائف (٢). وعليه فإما أن تكون الآية ليست مكية ولا مدنية، وإما أن تكون مدنية باعتبار أنها نزلت بعد الهجرة، والثاني أقرب، والله أعلم. • النتيجة: من خلال ذكر ما تقدم يتبين أن مسألة الاعتبار في المكي والمدني من حيث الزمن أو من حيث المكان، من المسائل التي اختلف فيها العلماء قديمًا، والراجح هو ما عليه أصحاب القول الثاني، من أن الآية في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ مدنية، لكونها نزلت بعد الهجرة، والله أعلم.

стр. 478

٦٦ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [سورة المائدة: ٦]. قال القاسمي: وزعم بعضهم أن الوجوب على كل قائم للصلاة كان في أول الأمر ثم نسخ. واستدل على ذلك بحديث عبد الله بن حنظلة المتقدم (١). ونظر فيه بحديث: (المائدة من آخر القرآن نزولا) وأجيب بأن الحافظ العراقي قال: لم أجده مرفوعا (٢). • أقوال أهل العلم في وجوب الوضوء لكل قائم للصلاة من حيث الإحكام والنسخ: القول الأول: أن وجوب الوضوء لكل صلاة نُسخ بالتخفيف على من أحدث. القول الثاني: لا نسخ في حكم وجوب الوضوء لكل صلاة، وإنما الوجوب على من أحدث. أصحاب القول الأول: عبيد الله بن عبد الله بن عمر: "أن النبي ﷺ أمر بالوضوء عند كل صلاة، فشق ذلك عليه، فأمر بالسواك، ورفع عنه الوضوء إلا من حدث" الأثر. وبنحو ذلك روي عن بريدة الأسلمي (٣). النسفي: " وقبل كان الوضوء لكل صلاة واجباً أول ما فرض ثم نسخ" (٤).

стр. 479

أصحاب القول الثاني: ابن عباس ﵁: سأله عكرمة عن قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ فكل ساعة يتوضأ؟ فقال: "لا وضوء إلا من حدث"، وبنحو ذلك روي عن أبي موسى الأشعري، وعبيدة السلماني، وأبو عالية، وسعيد بن المسيب، وغيرهم (١). القرطبي: "قال آخرون: إن الفرض في كل وضوء كان لكل صلاة ثم نسخ في فتح مكة، وهذا غلط" (٢). البيضاوي: "وقيل كان ذلك أول الأمر - يعني إيجاب الوضوء لكل صلاة- ثم نسخ وهو ضعيف" (٣). • دراسة المسألة: يتبين مما سبق أن مسألة نسخ حكم وجوب الوضوء لكل قائم للصلاة، مما اختلف فيه أهل العلم قديمًا، والذي يظهر أن الراجح مع أصحاب القول الثاني، من أنه لا نسخ في الحكم، وإنما الأمر في الآية محمول على الاستحباب ابتداءً، وذلك من أوجه: الأول: دلالة السنة التي دلت على أن النبي ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة، وأن أصحابه كانوا على خلاف ذلك، من أنهم كانوا يتوضؤون إذا أحدثوا، فقد روى البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك ﵁، قال: «كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة» قلت - يعني عمرو بن عامر-: كيف كنتم تصنعون؟ قال: يجزئ أحدنا الوضوء ما لم يحدث" (٤). ووجه الاستدلال: أن فعل النبي من أنه كان يتوضأ لكل صلاة، يختلف عن فعل

стр. 480

أصحابه رضوان الله عليهم في الزمان ذاته، مما يُبعد القول بالنسخ. الثاني: الإجماع الدال على عدم إيجاب فرض الوضوء لكل صلاة، كما نص على هذا الطبري بقوله: " وقد أجمعت الحجة على أن الله لم يوجب على نبيه ﷺ ولا على عباده فرض الوضوء لكل صلاة، ثم نسخ ذلك، ففي إجماعها على ذلك الدلالة الواضحة على صحة ما قلنا من أن فعل النبي ﷺ ما كان يفعل من ذلك كان على ما وصفنا من إيثاره فعل ما ندبه الله عز ذكره إلى فعله وندب إليه عباده المؤمنين" (١). الثالث: أن القول بأن وجوب الوضوء لكل صلاة المذكور في الآية منسوخ بحديث بريدة أن النبي ﷺ صلّى يوم الفتح بوضوء واحد، فقال له عمر: صنعت شيئا لم تكن تصنعه فقال: "عمدا فعلته يا عمر" (٢)، يستلزم منه أن تكون السنة نسخت القرآن، والصواب أن هذا تبيين وليس بنسخ فالقرآن لا يُنسخ بالسنة (٣). ويمكن حمل الآية على ظاهرها من غير نسخ ويكون الأمر الوارد في الآية في حق المحدثين على الوجوب وفي حق غيرهم على الندب وحصل بيان ذلك بالسنة كما تقدم (٤). مناقشة الاستدلال بحديث عبد الله بن حنظلة: استدل القائلون بأن وجوب الوضوء لكل صلاة منسوخ، بحديث أسماء بنت زيد بن الخطاب، أن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر، حدثها: " أن رسول الله ﷺ كان أمر بالوضوء لكل صلاة طاهرا كان أو غير طاهر، فلما شق ذلك على رسول الله ﷺ أمر بالسواك عند كل صلاة، ووضع عنه الوضوء إلا من حدث " (٥).

стр. 481

والجواب عن هذا الاستدلال من أوجه: الأول: أن الخطاب في الحيث موجه إلى النبي ﷺ بخصوصه، كما هو ظاهر الحديث، فكان الوضوء واجبًا عليه ابتداء لكل صلاة وإن لم يُحدث، ثم نُسخ بالتخفيف عنه وإيجابه عليه إذا أحدث. الثاني: أن ترك النبي ﷺ الوضوء لكل صلاة كان ترخيصا لأمته وإعلاما منه لهم أن ذلك غير واجب ولا لازم له ولا لهم، إلا من حدث يوجب نقض الطهر، فلعله ترك الوضوء عمدا خشية أن يُفرض، فليس هناك نسخ للحكم (١). الثالث: أن قول القائل: أمر الله نبيه ﷺ بكذا وكذا، محتمل من وجوه لأمر الإيجاب والأرشاد والندب والإباحة والإطلاق، والأصل أن الأمر للوجوب، إلا إذا وجدت قرينة تصرف الواجب إلى المستحب. فمثلا: ما أخرجه الطحاوي من حديث جابر بن عبد الله أنه قال: «ذهب رسول الله ﷺ إلى امرأة من الأنصار ومعه أصحابه، فقربت لهم شاة مصلية فأكل وأكلنا، ثم حانت الظهر، فتوضأ وصلى، ثم رجع إلى فضل طعامه فأكل، ثم حانت العصر، فصلى ولم يتوضأ» (٢). فهذا الحديث فيه دلالة على أن النبي ﷺ صلى الظهر والعصر بوضوء واحد، فمثل هذه القرينة تصرف الأمر الوارد في حديث عبد الله بن حنظلة من الوجوب إلى الاستحباب، وليس هناك نسخ، والله أعلم. • النتيجة: بعد عرض ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الراجح هو مع أصحاب القول الثاني من أنه لا نسخ في حكم وجوب الوضوء لكل قائم للصلاة، وإنما

стр. 482

الأمر بالوضوء لكل قائم للصلاة وإن لم يُحدث، مبني على الاستحباب ابتداءً، لما تقدم ذكره من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.

стр. 483

٦٧ - قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [سورة المائدة: ٦]. قال القاسمي: وما قيل بأن حرف العطف مانع من الجوار (زعما بأنه خاص بالنعت والتأكيد) مردود بأنه ورد في العطف كثيرا في كلام العرب (١). • أقوال أهل العلم في حكم المجاورة إذا سبقها حرف عطف: القول الأول: أن حرف العطف مانع من الجوار، فإذا جاء حرف العطف بين اسمين الأول مجرور، فإن الثاني لا يأخذ حكم المجاورة ويكون مجرورا. القول الثاني: أن حرف العطف لا يمنع من الجوار. فإذا جاء حرف العطف بين اسمين الأول مجرور، فإن الثاني يأخذ حكم المجاورة فيكون مجرورا. أصحاب القول الأول: الكرماني: "احتجاج من احتَج بقوله: جحر ضبٍ خربٍ بعيد لمكان الواو في الآية" (٢). الرازي: "الكسر بالجوار إنما يكون بدون حرف العطف، وأما مع حرف العطف فلم تتكلم به العرب" (٣). الزركشي: "وبهذا يتبين غلط جماعة من الفقهاء والمعربين حين جعلوا من العطف على الجوار قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ في قراءة الجر وإنما ذلك ضرورة فلا يحمل عليه الفصيح" (٤).

стр. 484

أبو حيان: " ومن أوجب الغسل تَأَوَّل أن الجر هو خفض على الجوار، وهو تأويل ضعيف جدا، ولم يرد إلا في النعت، حيث لا يلبس على خلاف فيه قد قرر في علم العربية (١). أصحاب القول الثاني: أبي عبيدة (٢): " ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ مجرور بالمجرورة التي قبلها، وهى مشتركة بالكلام الأول من المغسول، والعرب قد تفعل هذا بالجوار" (٣). الأخفش: " ويجوز الجر على الاتباع وهو في المعنى "الغَسْل" نحو "هذا جُحْرُ ضبٍ خربٍ" (٤). الغزنوي (٥): " ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ خفض أرجلكم على مجاورة اللفظ، كقولهم: "جحر ضبٍ خربٍ" وهو في الشعر كثيرٌ، ومن الكلام فصيحٌ" (٦). ابن كثير: "جاءت قراءة ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالخفض على المجاورة وتناسب الكلام، كما في قول العرب: "جحر ضبٍ خربٍ"، وكقوله تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ [سورة الإنسان: ٢١] وهذا سائغ ذائع، في لغة العرب شائع" (٧).

стр. 485

• دراسة المسألة: من خلال عرض ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أنها من المسائل التي اختلف علماء اللغة والمفسرون قديمًا، والذي يظهر أن الراجح من أقوالهم ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن قوله تعالى: ﴿وأرجلِكم﴾ على قراءة ابن كثير المكي وأبي عمرو البصري وحمزة (١). معطوف على المجاورة، وأنه لا يُشترط في المجاورة عدم وجود أداة عطف، وذلك من وجهين: الأول: الآيات القرآنية التي ورد فيها العطف على المجاورة، كقوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ [سورة الرحمن: ٣٥] بالجر، على قراءة ابن كثير وأبي عمرو (٢). وقوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [سورة الواقعة: ٢٣]، على قراءة حمزة، والكسائي. ورواية المفضل عن عاصم بالجر لمجاورته لأكواب وأباريق، إلى قوله: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [سورة الواقعة: ٢١]، مع أن قوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾، حكمه الرفع، فقيل: إنه معطوف على فاعل «يَطُوفُ» الذي هو ﴿وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [سورة الواقعة: ١٧]. وقيل: هو مرفوع على أنه مبتدأ خبره محذوف، دل المقام عليه. أي: وفيها حور عين، أو لهم حور عين. وإذن فهو من العطف بحسب المعنى. وقد أنشد سيبويه للعطف على المعنى قول الشماخ (٣)، أو ذي الرمة (٤):

стр. 486

بادتْ وغَيَّرَ آيَهنّ مع البلى … إلا رواكِدَ جمرُهُن هباءُ و مُشجّجٌ أما سواءُ قَذاِله … فبدا وغيَّر سارَه المعزاءُ (١). لأن الرواية بنصب «رواكد» على الاستثناء، ورفع مشجج عطفا عليه، لأن المعنى لم يبق منها إلا رواكد ومشجج، ومراده بالرواكد أثافي القدر، وبالمشجج وتد الخباء، وبه تعلم أن وجه الخفض في قراءة حمزة، والكسائي هو المجاورة للمخفوض (٢). الثاني: ورود أمثلة من الشعر حُملت ألفاظها على أنها من باب (الجر على الجوار) مع وجود أداة عطف. ومن ذلك: قول النابغة: لَمْ يَبْقَ إِلَّا أَسِيرٌ غَيْرُ مُنْفَلِتٍ … أَوْ مُوثَقٍ فِي حِبَالِ الْقَيْدِ مَجْنُوبُ (٣). الشاهد: جره "موثق" المعطوف على المرفوع "أسيرٌ " وذلك لمجاورته المجرور " منفلتٍ" وقول امرئ القيس: وَظَلَّ طُهَاةُ اللَّحْمِ مَا بَيْنَ مُنْضِجٍ … صَفِيفَ شِوَاءٍ أَوْ قَدِيرٍ مُعَجَّلِ (٤). بجر (قدير) لمجاورته للمخفوض، مع أنه عطف على (صفيف) المنصوب بأنه مفعول اسم الفاعل الذي هو (منضج)، والصفيف: فعيل بمعنى مفعول وهو المصفوف من اللحم على الجمر لينشوي، والقدير: كذلك فعيل بمعنى مفعول، وهو المجعول في القدر من اللحم لينضج بالطبخ (٥). ومن الخفض بالمجاورة في العطف، قول زهير:

стр. 487

لعب الزمان بها وغيرها … بعدي سوافي المور والقطر (١). بجر «القطر» لمجاورته للمخفوض مع أنه معطوف على «سوافي» المرفوع، بأنه فاعل غير (٢). • النتيجة: بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في مسألة، يظهر أن الراجح هو مع أصحاب القول الثاني من أن حرف العطف غير مانع من الجوار، لما تقدم ذكره من الشواهد اللغوية التي تؤيد ذلك من الآيات القرآنية، والشعر، والله أعلم.

стр. 488

٦٨ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [سورة المائدة: ٦]. قال المجد ابن تيمية: "يتوجه من حديث أبي هريرة ﵁ (١) وجوب غسل المرفقين لأن نص الكتاب يحتمله، وهو مجمل فيه، وفعله ﷺ بيان لمجمل الكتاب، ومجاوزته للمرفق ليس في محل الإجمال، ليجب بذلك" (٢). قال القاسمي: وقولهم (هو بيان للمجمل) فيه نظر. لأن (إلى) حقيقة في انتهاء الغاية- كما قدمنا- فلا إجمال. والله أعلم (٣). • أقوال أهل العلم في دلالة الآية بذاتها على وجوب غسل المرفقين: القول الأول: أن الآية دالة بنفسها على وجوب غسل المرفقين، ولا إجمال فيها. القول الثاني: أن الآية مجملة، وحديث أبي هريرة ﵁ مُبَيِّنٌ للإجمال الذي يدل على وجوب غسل المرفقين. أصحاب القول الأول: السمرقندي: " ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ يعني: مع المرافق" (٤). الواحدي: "كثير من النحويين يجعلون إلى ههنا: بمعنى مع، ويوجبون غسل المرفق، وهو مذهب أكثر العلماء" (٥). السمعاني: " ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ يعني: مع المرافق، قال المبرد: إذا مد الشيء إلى جنسه تدخل فيه الغاية، وإذا مد إلى خلاف جنسه، لا تدخل فيه الغاية، فقوله: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ مد

стр. 489

إلى جنسه، فتدخل فيه الغاية" (١). البغوي: " ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ أي: مع المرافق، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [سورة النساء: ٢] أي: مع أموالكم" (٢). أصحاب القول الثاني: الجصاص: "قوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ لما احتمل دخول المرافق فيه واحتمل خروجها صار مجملا مفتقرا إلى البيان وفعل النبي ﷺ إذا ورد على وجه البيان فهو على الوجوب" (٣). الكيا الهراسي: "متى كانت كلمة (إلى) مترددة بين إبانة الغاية وبين ضم الغاية إليه، وجب الرجوع فيها إلى بيان رسول الله ﷺ ، وفعل رسول الله بيان، فإذا أدخل المرفقين والكعبين في الغسل، ظهر أنه بيان ما أجمله كتاب الله تعالى" (٤). ابن الجوزي (٥): " ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (إلى) حرف موضوع للغاية، وقد تدخل الغاية فيها تارة، وقد لا تدخل، فلما كان الحديث يقينا، لم يرتفع إلا بيقين مثله، وهو غسل المرفقين" (٦). ابن نور الدين (٧): " الصحيح عدم الدخول مطلقا - يعني أن المُغيا يدخل في الغاية-،

стр. 490

ووجه الدلالة من حديث جابر ﵁ قوله: "كان إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه" الحديث (١). • دراسة المسألة: أشار القاسمي ﵀ في تفسيره لما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث عن نعيم بن عبد الله المجمر، قال: رأيت أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق "، ثم قال: " هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ. وقال: قال رسول الله ﷺ : «أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء، فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله» (٢). ثم تعقب على قول من قال بأن الآية مجملة في دلالتها على وجوب غسل المرفقين، وأن حديث أبي هريرة ﵁ مُبين لهذا الإجمال. والذي يظهر أن الآية مُحكمة وصريحة في دلالتها على وجوب غسل المرفقين، وليست مجملة، وهو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، وذلك من أوجه: الأول: أن لفظ (إلى) في الآية يأتي بمعنى (مع) بمعنى: مع المرافق، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [سورة النساء: ٢] أي: مع أموالكم، وقوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة آل عمران: ٥٢]، أي مع الله (٣). الثاني: أن (إلى) تفيد معنى الغاية، وقد تدخل في الحكم، ومنه قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [سورة الإسراء: ١]. لوقوع العلم بأنه لا يسرى به إلى بيت المقدس من غير أن يدخله (٤).

стр. 491

ويتأكد ذلك إن كان ما بعدها من جنس ما قبلها نحو: أكلت السمكة إلى رأسها، فالظاهر الدخول، وكذا في المرافق فهي في جنس اليد (١). الثالث: من حيث الإعراب فإن الجار والمجرور في قوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ متعلق بالفعل المذكور - وهو الغسل-، وهو أنه إذا قرن بالكلام غاية أو استثناء أو شرط لا يعتبر بالمطلق ثم يخرج بالقيد عن الإطلاق بل يعتبر مع القيد جملة واحدة فالفعل مع الغاية كلام واحد للإيجاب إليها -أي إلى الغاية وهي المرافق- لا للإيجاب والإسقاط -أي إسقاط الغاية وهي المرافق- لأنهما ضدان فلا يثبتان إلا بنصين، والنص مع الغاية نص واحد (٢). الرابع: أن المرافق حد الساقط لا حد المفروض؛ وبيان ذلك أن قوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ يقتضي بمطلقه من الظفر إلى المنكب، فلما قال: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ أسقط ما بين المنكب والمرفق، وبقيت المرافق مغسولة إلى الظفر؛ وهذا يجري على الأصول لغة ومعنى (٣). الخامس: أن الأصل براءة اللفظ من الإجمال: فعدم دلالة اللفظ - يعني ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ - على دخول المرفق في الغسل، لا يوجب الإجمال فيما، هو المراد بقوله: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ ولا سيما والأصل البراءة، بل الذي يوجب الإجمال: الدلالة المشتبهة على المراد اشتباها لا يدرك إلا ببيان من المجمل وهي مفقودة هنا وحين كان الأمر على هذا فبقي مجرد فعله ﷺ دليل السنة (٤). السادس: أن القول بدخول (إلى) بمعنى الغاية أحوط في الدين لحصول القطع باستيعاب الفرض بغسلها، ولذا قال الألوسي: قال الشافعي: لا أعلم خلافًا في أن المرافق يجب غسلها، ولذا قيل: إلى بمعنى مع كما في قوله تعالى: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ أي

стр. 492

مع قوتكم (١). • النتيجة: بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم وخلافهم في دلالة الآية على وجوب غسل المرفقين من حيث الإحكام أم الإجمال، يظهر أن الراجح هو ما عليه أصحاب القول الأول من أن الآية دالة بذاتها على وجوب غسل المرفقين، لما تقدم إيراده من الأوجه التي تؤيد ذلك، وإن كان المؤدى لكلا القولين هو وجوب غسل المرفقين، والله أعلم.

стр. 493

٦٩ - قوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ [سورة المائدة: ٢٦]. قال القاسمي: قوله تعالى: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ ظرف متعلق بـ ﴿يَتِيهُونَ﴾. واحتمال كونه ظرفا لـ ﴿مُحَرَّمَةٌ﴾ كما ذكره غير واحد- لا يصح إلا بتكلف لما شرحناه من سياق القصة (١). • أقوال أهل العلم في تعلق الظرف في قوله تعالى: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾: القول الأول: أن قوله تعالى: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ ظرف متعلق بـ ﴿يَتِيهُونَ﴾. القول الثاني: أن قوله تعالى: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ ظرف متعلق بـ ﴿مُحَرَّمَةٌ﴾. أصحاب القول الأول: الزجاج: "لا يجوز أن ينتصب بالتّحريم، لأن التفسير جاء بأنها محرمة عليهم أبدا. فنصب أربعين سنة بقوله ﴿يَتِيهُونَ﴾ " (٢). الكرماني: "قوله: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ نصب بقوله: ﴿يَتِيهُونَ﴾ " (٣). الباقولي (٤): "إن نصبت ﴿أَرْبَعِينَ﴾ بـ ﴿يَتِيهُونَ﴾ كان من هذا الباب، وهو الصحيح" (٥).

стр. 494

أصحاب القول الثاني: الطبري: "وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: إن الأربعين منصوبة بالتحريم" (١). الجرجاني: " ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ نصب على الظرف للتحريم" (٢). ابن جزي: "والعامل في أربعين: محرمة على الأصح" (٣). أبو حيان: " الظاهر أن العامل في قوله: ﴿أَرْبَعِينَ﴾ محرمة، فيكون التحريم مقيدا بهذه المدة، ويكون يتيهون مستأنفا أو حالا من الضمير في ﴿عَلَيْهِمْ﴾. ويجوز أن يكون العامل يتيهون" (٤). • دراسة المسألة: أورد القاسمي في تفسيره ما جاء في سفر العدد من أنه بعد انقضاء الأربعين سنة فتحت الأرض المقدسة على يد يوشع، ويوشع كان مع القوم في التيه، مما يدل على أن التحريم كان مقيدا بأربعين سنة (٥). والذي يظهر أنه يجوز أن يتعلق الظرف في قوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالتحريم، ويجوز أن يتعلق بالتيه، لتعانق الوقف في الآية: فمن قال بالوقف عند قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾: فإن الظرف يتعلق بلفظ: ﴿يَتِيهُونَ﴾، فيكون التحريم مؤبداً، ويكون الظرف: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ منصوباً

стр. 495

بقوله: ﴿يَتِيهُونَ﴾. ومن قال بالوقف عند قوله تعالى: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾: فإن الظرف يتعلق بلفظ: ﴿مُحَرَّمَةٌ﴾، فيكون التحريم مدة أربعين سنة (١). ولعل الأقرب والأصوب من القولين، هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن الظرف في قوله تعالى: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ متعلق بـ ﴿مُحَرَّمَةٌ﴾، وذلك من أوجه: الأول: أنه قد ثبت أنَّ بعض من في التيه قد دخل الأرض المقدسة، ومنهم يوشع (فتى موسى ﵉ الذي قاد جموع بني إسرائيل ـ بعد موت موسى ﵇ في التيه ـ فدخل بهم الأرض المقدسة بعد انقضاء السنون، ولو كانت محرمة عليهم جميعاً للزم منه موت كل من حضر التيه، وهذا لا يُعقل (٢). الثاني: أن قوله: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ عامٌّ، وقد حُرِّمت عليهم كلهم مدة الأربعين، فلم يدخلها أحد، ولا يصلح أن تكون لفظة: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ عموماً للتحريم دون التيه، والجملة مرتبطةٌ ألفاظها، وضمائرها متناسقة في نظم واحد (٣). الثالث: أن حمل تعلق الظرف في قوله تعالى: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ على التحريم، أكمل في بيان مدّة التحريم، وذلك لأن العامل في ﴿أَرْبَعِينَ﴾ محرمة، فيجب وصله معه، ولا حامل على تقديم المعمول وهو: ﴿يَتِيهُونَ﴾ (٤). • النتيجة: بعد إيراد ما تقدم في هذه المسألة، يتبين أنها من المسائل التي اختلف فيها العلماء قديمًا، فلا
следующие страницы →