ويتأكد ذلك إن كان ما بعدها من جنس ما قبلها نحو: أكلت السمكة إلى رأسها، فالظاهر الدخول، وكذا في المرافق فهي في جنس اليد (١).
الثالث: من حيث الإعراب فإن الجار والمجرور في قوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ متعلق بالفعل المذكور - وهو الغسل-، وهو أنه إذا قرن بالكلام غاية أو استثناء أو شرط لا يعتبر بالمطلق ثم يخرج بالقيد عن الإطلاق بل يعتبر مع القيد جملة واحدة فالفعل مع الغاية كلام واحد للإيجاب إليها -أي إلى الغاية وهي المرافق- لا للإيجاب والإسقاط -أي إسقاط الغاية وهي المرافق- لأنهما ضدان فلا يثبتان إلا بنصين، والنص مع الغاية نص واحد (٢).
الرابع: أن المرافق حد الساقط لا حد المفروض؛ وبيان ذلك أن قوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ يقتضي بمطلقه من الظفر إلى المنكب، فلما قال: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ أسقط ما بين المنكب والمرفق، وبقيت المرافق مغسولة إلى الظفر؛ وهذا يجري على الأصول لغة ومعنى (٣).
الخامس: أن الأصل براءة اللفظ من الإجمال: فعدم دلالة اللفظ - يعني ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ - على دخول المرفق في الغسل، لا يوجب الإجمال فيما، هو المراد بقوله: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ ولا سيما والأصل البراءة، بل الذي يوجب الإجمال: الدلالة المشتبهة على المراد اشتباها لا يدرك إلا ببيان من المجمل وهي مفقودة هنا وحين كان الأمر على هذا فبقي مجرد فعله ﷺ دليل السنة (٤).
السادس: أن القول بدخول (إلى) بمعنى الغاية أحوط في الدين لحصول القطع باستيعاب الفرض بغسلها، ولذا قال الألوسي: قال الشافعي: لا أعلم خلافًا في أن المرافق يجب غسلها، ولذا قيل: إلى بمعنى مع كما في قوله تعالى: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ أي
стр. 492
مع قوتكم (١).
• النتيجة:
بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم وخلافهم في دلالة الآية على وجوب غسل المرفقين من حيث الإحكام أم الإجمال، يظهر أن الراجح هو ما عليه أصحاب القول الأول من أن الآية دالة بذاتها على وجوب غسل المرفقين، لما تقدم إيراده من الأوجه التي تؤيد ذلك، وإن كان المؤدى لكلا القولين هو وجوب غسل المرفقين، والله أعلم.
стр. 493
٦٩ - قوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ [سورة المائدة: ٢٦].
قال القاسمي: قوله تعالى: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ ظرف متعلق بـ ﴿يَتِيهُونَ﴾. واحتمال كونه ظرفا لـ ﴿مُحَرَّمَةٌ﴾ كما ذكره غير واحد- لا يصح إلا بتكلف لما شرحناه من سياق القصة (١).
• أقوال أهل العلم في تعلق الظرف في قوله تعالى: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾:
القول الأول: أن قوله تعالى: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ ظرف متعلق بـ ﴿يَتِيهُونَ﴾.
القول الثاني: أن قوله تعالى: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ ظرف متعلق بـ ﴿مُحَرَّمَةٌ﴾.
أصحاب القول الأول:
الزجاج: "لا يجوز أن ينتصب بالتّحريم، لأن التفسير جاء بأنها محرمة عليهم أبدا. فنصب أربعين سنة بقوله ﴿يَتِيهُونَ﴾ " (٢).
الكرماني: "قوله: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ نصب بقوله: ﴿يَتِيهُونَ﴾ " (٣).
الباقولي (٤): "إن نصبت ﴿أَرْبَعِينَ﴾ بـ ﴿يَتِيهُونَ﴾ كان من هذا الباب، وهو الصحيح" (٥).
стр. 494
أصحاب القول الثاني:
الطبري: "وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: إن الأربعين منصوبة بالتحريم" (١).
الجرجاني: " ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ نصب على الظرف للتحريم" (٢).
ابن جزي: "والعامل في أربعين: محرمة على الأصح" (٣).
أبو حيان: " الظاهر أن العامل في قوله: ﴿أَرْبَعِينَ﴾ محرمة، فيكون التحريم مقيدا بهذه المدة، ويكون يتيهون مستأنفا أو حالا من الضمير في ﴿عَلَيْهِمْ﴾. ويجوز أن يكون العامل يتيهون" (٤).
• دراسة المسألة:
أورد القاسمي في تفسيره ما جاء في سفر العدد من أنه بعد انقضاء الأربعين سنة فتحت الأرض المقدسة على يد يوشع، ويوشع كان مع القوم في التيه، مما يدل على أن التحريم كان مقيدا بأربعين سنة (٥).
والذي يظهر أنه يجوز أن يتعلق الظرف في قوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالتحريم، ويجوز أن يتعلق بالتيه، لتعانق الوقف في الآية:
فمن قال بالوقف عند قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾: فإن الظرف يتعلق بلفظ: ﴿يَتِيهُونَ﴾، فيكون التحريم مؤبداً، ويكون الظرف: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ منصوباً
стр. 495
بقوله: ﴿يَتِيهُونَ﴾.
ومن قال بالوقف عند قوله تعالى: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾: فإن الظرف يتعلق بلفظ: ﴿مُحَرَّمَةٌ﴾، فيكون التحريم مدة أربعين سنة (١).
ولعل الأقرب والأصوب من القولين، هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن الظرف في قوله تعالى: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ متعلق بـ ﴿مُحَرَّمَةٌ﴾، وذلك من أوجه:
الأول: أنه قد ثبت أنَّ بعض من في التيه قد دخل الأرض المقدسة، ومنهم يوشع (فتى موسى ﵉ الذي قاد جموع بني إسرائيل ـ بعد موت موسى ﵇ في التيه ـ فدخل بهم الأرض المقدسة بعد انقضاء السنون، ولو كانت محرمة عليهم جميعاً للزم منه موت كل من حضر التيه، وهذا لا يُعقل (٢).
الثاني: أن قوله: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ عامٌّ، وقد حُرِّمت عليهم كلهم مدة الأربعين، فلم يدخلها أحد، ولا يصلح أن تكون لفظة: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ عموماً للتحريم دون التيه، والجملة مرتبطةٌ ألفاظها، وضمائرها متناسقة في نظم واحد (٣).
الثالث: أن حمل تعلق الظرف في قوله تعالى: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ على التحريم، أكمل في بيان مدّة التحريم، وذلك لأن العامل في ﴿أَرْبَعِينَ﴾ محرمة، فيجب وصله معه، ولا حامل على تقديم المعمول وهو: ﴿يَتِيهُونَ﴾ (٤).
• النتيجة:
بعد إيراد ما تقدم في هذه المسألة، يتبين أنها من المسائل التي اختلف فيها العلماء قديمًا، فلا
стр. 496
بأس إن قيل إن الظرف في قوله تعالى: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ متعلق بـ ﴿يَتِيهُونَ﴾، إلا أن الأصوب هو كونه متعلق بـ ﴿مُحَرَّمَةٌ﴾، لما تقدم إيراده من أوجه، والله أعلم.
стр. 497
٧٠ - قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ [سورة المائدة: ٣٣].
قال القاسمي: زعم بعضهم أن الآية نزلت نسخا لعقوبة العرنيين المتقدمة (١).
• أقوال أهل العلم في نسخ حكم النبي ﷺ في العُرنيين من التمثيل وسمل الأعين:
القول الأول: أن حكم النبي ﷺ منسوخ بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.
القول الثاني: أن حكم النبي ﷺ ثابت ولم يُنسخ.
أصحاب القول الأول:
جماعة من السلف وهم: قتادة، وابن سيرين، واليث بن سعد (٢).
الجصاص: لما كان نزول الآية بعد قصة العرنيين واقتصر فيها على ما ذكر ولم يذكر سمل الأعين فصار سمل الأعين منسوخا بالآية (٣).
ابن العربي: "وقد ثبت من هذا الطريق -يعني حديث العرنيين- أن الآية نزلت بعد الفعل فيكون الحد فيه، ناسخًا لما فعله النبي ﵇ بالرعاء" (٤).
стр. 498
أصحاب القول الثاني:
أبو حيان: الجمهور على أن هذه الآية ليست ناسخة ولا منسوخة (١).
أبو الفتح اليعمري (٢): "ومن الناس من أبى ذلك - يعني نسخ الحكم-، وقد يترجح هذا (٣).
القرطبي: "وهذا قول حسن - أي أنه لا نسخ-، وهو معنى ما ذهب إليه مالك والشافعي" (٤).
الشوكاني: " ذهب جماعة آخرون إلى أن فعله ﷺ بالعرنيين منسوخ بنهي النبي ﷺ عن المثلة، والقائل بهذا مطالب ببيان تأخر الناسخ" (٥).
• دراسة المسألة:
أورد القاسمي ﵀ في تفسيره ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك ﵁: "أن ناسا من عرينة قدموا على رسول الله ﷺ المدينة، فاجتووها، فقال لهم رسول الله ﷺ : «إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة، فتشربوا من ألبانها وأبوالها»، ففعلوا، فصحوا، ثم مالوا على الرعاء، فقتلوهم وارتدوا عن الإسلام، وساقوا ذود رسول الله ﷺ ، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فبعث في أثرهم فأتي بهم، فقطع أيديهم، وأرجلهم، وسمل أعينهم، وتركهم في الحرة، حتى ماتوا" (٦).
ولمسلم عن أنس ﵁ قال: "إنما سمل النبيّ ﷺ أعين
стр. 499
أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاء" (١).
والذي يظهر بعد استقراء أقول أهل العلم في هذه المسألة، أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من حكم النبي في العرنيين ثابت، وليس بمنسوخ، وذلك من أوجه:
الأول: أن فعل النبي ﷺ بهم من سمل الأعين كان قصاصا لأنهم فعلوا بالرعاة مثل ذلك كما تقدم من قول أنس بن مالك ﵁، والجزاء من جنس العمل، ولعموم قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ﴾ الآية، ولقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [سورة البقرة:] (٢).
قال أبو جعفر النحاس: " وهذا من أحسن حديث يروى في هذا الباب - يعني حديث أنس- وأغربه وأصحه وفيه حجة للشافعي في القصاص" (٣).
الثاني: تطرق الاحتمال والاختلاف في سبب نزول الآية، فقد ذكر البغوي وغيره لنزول الآية قصة غير قصة العرنيين (٤)، والقاعدة أنه إذا اختلفت الأقوال في سبب نزول الآية وتطرق إليها الاحتمال فلا نسخ (٥).
الثالث: أن القول بنسخ الآية لفعل النبي ﷺ مبني على الظن، وليس على يقين مقطوع بصحته، فآية الحرابة نزلت ابتداء حكم، كسائر القرآن في نزوله شيئا بعد شيء، أو تصويبا لفعله ﵇ بهم؛ لأن الآية موافقة لفعله - ﵇ - في قطع أيديهم وأرجلهم، وزائدة على ذلك تخييرا في القتل، أو الصلب، أو النفي - وكان ما زاده رسول الله ﷺ على القطع من السمل، وتركهم لم يحسمهم حتى ماتوا قصاصا بما فعلوا بالرعاء:
стр. 500
لأنهم سملوا أعين الرعاء (١).
الرابع: ما استدل به القائلين بالنسخ من حديث أبي الزناد، «أن رسول الله ﷺ لما قطع الذين سرقوا لِقاحه، وسمل أعينهم بالنار، عاتبه الله في ذلك، فأنزل الله تعالى»: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [سورة المائدة: ٣٣]، إسناده ضعيف كما ذكر غير واحد من أهل العلم (٢).
• النتيجة:
يظهر من خلال ما تقدم أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أنه لا نسخ في حكم النبي ﷺ في العرنيين، وإنما نزلت الآية تأكيدًا وإقرارا لفعله ﷺ فيهم، وأن فعله ﷺ لا يُنافي ما أرشدت إليه الآية، والله أعلم.
стр. 501
٧١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [سورة المائدة: ٥٤].
قال القاسمي: قوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ مذهب السلف في المحبة المسندة له تعالى. أنها ثابتة له تعالى بلا كيف ولا تأويل، ولا مشاركة للمخلوق في شيء من خصائصها. كما تقدم في الفاتحة في الرحمن الرحيم.
فتأويل مثل الزمخشري لها- بإثابته تعالى لهم أحسن الثواب، وتعظيمهم والثناء عليهم والرضا عنهم (١) - تفسير باللازم (٢)، منزع كلامي لا سلفي (٣).
• أقوال أهل العلم في إثبات صفة المحبة لله تعالى:
القول الأول: أن صفة المحبة صفة حقيقة ثابتة لله تعالى على الوجه اللائق به.
القول الثاني: أن صفة المحبة ليست صفة حقيقية إنما هي عبارة عن الإثابة والثناء والرضى.
أصحاب القول الأول: وهم أهل السنة:
المقدسي (٤): "ونثبت كل ما قال الله في كتابه، وصح عن رسوله بنقل العدل عن العدل مثل صفة المحبة والمشيئة والإرادة وسائر ما صح عن الله ورسوله، وإن نبت (٥) عنها أسماع بعض الجاهلين واستوحشت منها نفوس المعطلين (٦).
стр. 502
ابن تيمية: "تأول الجهمية ومن اتبعهم من أهل الكلام محبة الله لعبده على أنها الإحسان إليه فتكون من الأفعال وطائفة أخرى من الصفاتية قالوا هي إرادة الإحسان وربما قال كلا من القولين بعض المنتسبين إلى السنة من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم، وسلف الأمة وأئمة السنة على إقرار المحبة على ما هي عليه (١).
العثيمين: "من فوائد الآية - وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة البقرة: ١٩٥]- إثبات المحبة لله ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ وهي محبة حقيقية على ظاهرها؛ وليس المراد بها الثواب؛ ولا إرادة الثواب خلافاً للأشاعرة، وغيرهم من أهل التحريف" (٢).
أصحاب القول الثاني: وهم المعتزلة:
قال أبو الحسن الأشعري (٣): "سائر المعتزلة: أن الثواب قد يكون في الدنيا وأن ما يفعله الله - سبحانه! - من الولاية والرضى على المؤمنين فهو ثواب" (٤).
قال الشيخ محمد خليل هراس: "المعتزلة يفسرون المحبة بأنها نفس الثواب الواجب عندهم على الله لهؤلاء؛ بناء على مذهبهم في وجوب إثابة المطيع وعقاب العاصي" (٥).
• دراسة المسألة:
من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة أنهم يُثبتون ما أثبته الله لنفسه من أسمائه وصفاته، إثباتًا يليق بجلاله من غير تأويل ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
стр. 503
ومما أثبته الله لنفسه من الصفات: محبته لعباده التي دلت عليها الأدلة من الكتاب ومن السنة ومن الإجماع.
قال ابن القيم ﵀: "وجميع طرق الأدلة: عقلاً، ونقلاً، وفطرةً، وقياساً، واعتباراً، وذوقاً، ووجداً؛ تدل على إثبات محبّة العبد لربّه والرّب لعبده" (١).
فمن الكتاب: قوله تعالى في حق نبيه موسى ﵇: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [سورة طه: ٣٩]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [سورة البقرة: ٢٢٢]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة آل عمران: ٣١].
ومن السنة: ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن الله يحب العبد التقي، الغني، الخفي" (٢).
وقوله ﷺ : "الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله" (٣).
وأما الإجماع: فقد نقله غير واحد من أهل العلم.
يقول ابن تيمية ﵀: "فإنَّ الكتاب والسّنة وإجماع المسلمين أثبتت محبّة الله لعباده المؤمنين ومحبتهم له، وقد أجمع سلف الأمّة وأئمتها على إثبات محبّة الله تعالى لعباده المؤمنين، ومحبتهم له، وهذا أصل دين الخليل إمام الحنفاء ﵇" (٤).
ويقول ابن أبي العز: " ومذهب السلف وسائر الأئمة إثبات صفة الغضب، والرضى، والعداوة، والولاية، والحب، والبغض، ونحو ذلك من الصفات، التي ورد بها الكتاب والسنة،
стр. 504
ومنع التأويل الذي يصرفها عن حقائقها اللائقة بالله تعالى" (١).
وقد دلت الأدلة العقلية على إثبات صفة المحبة لله تعالى كما ذكر هذا بعض أهل العلم، كقياس الأولى ودلالة الواقع والشاهد، وليس المقام مقام بسط (٢).
مناقشة تأويل الزمخشري:
ذهب الزمخشري ومن على شاكلته من المعتزلة، المخالفون لأهل السنة والجماعة، أن المراد من محبة الله لعباده: أن يثيبهم أحسن الثواب على طاعتهم، وذلك لأن الجهمية والمعتزلة يقولون أن صفات الله تعالى كالرضا والمحبة والغضب ونحوها، إنما هي مخلوقة وبائنة ومنفصلة عن الله، ليس هو في نفسه متصفا بشيء من ذلك (٣).
والجواب عما ذكره الزمخشري في تفسير الآية من أوجه:
الأول: أنه صرف للآية عن معناها الحقيقي وظاهرها الذي دل على إثبات المحبة لله تعالى، إلى المعنى المجازي، وعلى التسليم بوقوع المجاز في صفات الباري ، فإنه يشترط وجود قرينة تصرف اللفظ من الحقيقة إلى المجاز، وهذه القرينة لا توجد في لفظ الآية (٤).
الثاني: أن تأويل المحبة بالثواب يلزم منه أن تكون صفة المحبة مخلوقة. ومعلوم أن الصفات المضافة إلى الله تعالى ومنها المحبة التي لا تقوم بنفسها وليست بائنة عنه، ليست مخلوقة، بخلاف الصفات المضافة إلى الله تعالى إضافة عين، كبيت الله، وناقة الله وهي بائنة عنه، قائمة بنفسها، فهي مخلوقة (٥).
الثالث: أن الثواب والثناء من آثار المحَبَّة ولوازمها وثمراتها، وليس هو المحَبَّة نفسها، ففرق بين الصفة وآثارها. فإن من أحبَّهم الله فإن من آثار حبِّه لهم أن يكرمهم، ويثيبهم؛
стр. 505
وضد ذلك من لا يحبهم.
فمثلا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ تعليل للأمر بالإحسان، فإنهم إذا علموا أن الإحسان موجب لمحبته؛ سارعوا إلى امتثال الأمر به (١).
تنبيهان:
الأول: ظاهر عبارة القاسمي ﵀: "أن المحبة ثابتة لله تعالى بلا كيف ولا تأويل ولا مشاركة للمخلوق في شيء من خصائصها". يُفهم من ظاهرها موافقة المُفوضة، الذين يُفوضون كيفية الصفة ومعناها، ولكن الذي يُظن به أنه يُريد نفي علم البشر بالكيفية، وليس أن الصفة بلا كيف، بناء على سلامة عقيدته، والله أعلم.
الثاني: الأشاعرة كالمعتزلة لا يُثبتون صفة المحبة، ولكنهم مضطربون في تأويلها، فأكثرهم يقول أن المحبة بمعنى الإرادة (٢)، ومنهم من يقول أنها بمعنى إيصال الخير كالرازي (٣)، ومنهم من يقول أنها بمعنى الرحمة والرضى كالنووي (٤).
• النتيجة:
من خلال ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين جليًا أن الحق هو الذي عليه أهل السنة والجماعة من أن صفة المحبة ثابتة لله تعالى حقيقة على ما يليق به جل وعلا، لما تقدم إيراده من دلالة الكتاب والسنة والإجماع، والله أعلم.
стр. 506
٧٢ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦)﴾ [سورة المائدة: ٥٥].
قال القاسمي: وقد اقتص ذلك الخفاجي في (حواشي البيضاوي) عن الحاكم وغيره بطول -يعني ماورد في سبب نزول الآية وسيأتي-. ثم أنشد أبياتا لحسان بن ثابت فيها (١). ولوائح الضعف بل الوضع لا تخفى عليها. لا سيما ونفس حسان بن ثابت ﵁ (٢)، العريق في العربية، بعيد مما نسب إليه. وأي حاجة للتنويه بفضل علي ﵇ (٣) بمثل هذه الواهيات. وفضله أشهر من نار على علم (٤).
• مذاهب أهل العلم فيما نُسب إلى حسان بن ثابت ﵁ من أبيات في مدح علي بن أبي طالب ﵁ -:
المذهب الأول: إيراد ما نُسب إليه من أبيات والاعتداد بها من غير بيان لضعفها، وإلى هذا ذهب الطبرسي (٥)، وأوردها الآلوسي في تفسيره ورَدَّها من جهة الاستدلال دون الرواية (٦).
المذهب الثاني: التنبيه على أن ما نُسب إليه من أبيات خاصة في مدح علي بن أبي طالب لا تصح نسبتها إليه، وإلى هذا نبه القاسمي ﵀.
стр. 507
• دراسة المسألة:
يُريد القاسمي ﵀ من تعقبه: ما أورده الخفاجي في حاشيته مما أخرجه الحاكم وابن مردويه وغيرهما عن ابن عباس ﵁ بإسناد متصل قال: أقبل ابن سلام ونفر من قومه آمنوا بالنبيّ ﷺ فقالوا يا رسول الله إنّ منازلنا بعيدة، وليس لنا مجلس ولا متحدث دون هذا المجلس!، وانّ قومنا لما رأونا آمنا بالله ورسوله وصدقناه، رفضونا وآلوْا على أنفسهم أن لا يجالسونا ولا يناكحونا ولا يكلمونا، فشق ذلك علينا. فقال لهم النبي ﷺ : إنما وليكم الله ورسوله ثم إنّ النبي ﷺ خرج إلى المسجد والناس بين قائم وراكع فبَصُر بسائل فقال: "هل أعطاك أحد شيئاً"؟ فقل نعم خاتم من فضة فقال: "من أعطاكه"؟ فقال ذاك القائم، وأومأ بيده إلى علي ﵁ فقال النبي ﷺ : "على أيّ حال اعطاك"؟ فقال: وهو راكع فكبر النبي ﷺ ثم تلا هذه الآية، فأنشأ حسان ﵁ يقول:
أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي … وكل بطيء في الهوى ومسارعِ
أيذهب مَدْحي والمُحَبَّرُ (١) ضائعا … وما المدح في جَنْب الإله بضائعِ
فأنت الذي أعطيت إذ كنت راكعا … زكاة فدتك النفس يا خير راكعِ
فأنزل فيك الله خير ولاية … وبَيَّنها في محكمات الشرائعِ (٢).
وهذه الرواية ضعيفة ومردودة من جهتين:
الجهة الأولى: جهة الرواية: فإن هذه الرواية أخرج بنحوها الحاكم في معرفة علوم الحديث دون ذكر الشعر (٣)، من طريق محمد بن يحيى بن الضريس وهو متروك الحديث كما قال الدارقطني (٤).
стр. 508
وأورد بنحوها ابن كثير في تفسيره من طريق محمد بن السائب الكلبي - وهو متروك-، عن أبي صالح، دون ذكر الشعر، وقال: "وهذا إسناد لا يُفرح به" (١).
قال ابن تيمية: "ويذكرون - يعني الرافضة- الحديث الموضوع بإجماع أهل العلم وهو تصدقه بخاتمه في الصلاة" (٢).
وقال أيضًا: "وضع بعض الكذابين حديثا مفترى أن هذه الآية نزلت في علي لما تصدق بخاتمه في الصلاة، وهذا كذب بإجماع أهل العلم (٣).
الجهة الثانية: جهة الدراية: فإن الرواية مردودة من أوجه عدة ذكرها أهل العلم (٤)، والذي يعنينا هو الشعر المنسوب إلى حسان بن ثابت ﵁، فإن المتأمل فيه يجد أن عليه ملحظان:
الأول: في قوله: "وكل بطيء في الهدى ومسارع"، فليس له أن يفدي بغير نفسه وما لا يملكه.
الثاني: في قوله: " فأنزل فيك الله خير ولاية" ظاهر اللفظ يدل على تقديم ولايته على ولاية النبي ﷺ وولاية أبي بكر الصديق وعمر ﵄، وهذا محال أن يقوله الصحابي الجليل حسان بن ثابت ﵁، وقد أجمع أهل السنة على تقديم أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب ﵄، على عثمان وعلي ﵄.
قال ابن قدامة ﵀: "وأفضل أمته أبو بكر الصديق ثم عمر الفاروق ثم عثمان ذو النورين ثم علي المرتضى ﵃ أجمعين، لما «روى عبد الله بن عمر ﵄ قال: كنا نقول والنبي ﷺ حي: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي فيبلغ ذلك
стр. 509
النبي ﷺ فلا ينكره» (١) " (٢).
• النتيجة:
بعد إيراد ما تقدم في هذه المسألة، يتبين جليًا أن الشعر المنسوب إلى حسان بن ثابت ﵁ مما لا تصح النسبة إليه، لما تقدم ذكره من الدلالة على ضعف هذه النسبة رواية ودراية، والذي يظهر أنها من وضع الرافضة، والله أعلم.
стр. 510
٧٣ - قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [سورة المائدة: ٦٤].
قال القاسمي: ما زعمه الزمخشري ومن تابعه- من أن إثبات اليد لا يصح حقيقة له تعالى- فإنه نزعة كلامية اعتزالية (١).
• أقوال أهل العلم في إثبات صفة اليد لله تعالى حقيقة:
القول الأول: أن صفة اليد ثابتة لله تعالى حقيقة.
القول الثاني: أن صفة اليد لا يصح إثباتها لله تعالى حقيقة، وإنما هي مجاز عن القدرة أو القوة.
أصحاب القول الأول: أهل السنة:
السمعاني: "وأما اليد: صفة لله - تعالى - بلا كيف، وله يدان، وقد صح عن النبي أنه قال: " كلتا يديه يمين ". والله أعلم بكيفية المراد" (٢).
البغوي: " ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ويد الله صفة من صفاته كالسمع، والبصر والوجه، وقال جل ذكره: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [سورة ص: ٧٥]، وقال النبي ﷺ : "وكلتا يديه يمين" (٣) والله أعلم بصفاته، فعلى العباد فيها الإيمان والتسليم" (٤).
القنوجي: " يد الله صفة من صفات ذاته كالسمع والبصر والوجه فيجب علينا الإيمان بها والتسليم وإثباتها له تعالى وإمرارها كما جاءت في الكتاب والسنة بلا كيف ولا تشبيه ولا تعطيل" (٥).
стр. 511
أصحاب القول الثاني: المعتزلة:
القاضي عبد الجبار: "ولم يرد تعالى بذكر اليدين الجارحة ولا صفة مجهولة كما يذهب اليه المشبهة، بل أراد تعالى النعم" (١).
ابن جني (٢): "بعد ذكره لعدد من آيات الصفات في إثبات اليدين وغيرها: "وطريق ذلك أن هذه اللغة أكثرها جارٍ على المجاز، وقلما يخرج الشيء منها على الحقيقة" (٣).
• دراسة المسألة:
من الأصول المتفق عليها عند أهل السنة أنهم يُثبتون ما أثبته الله لنفسه، وما أخبر به رسوله من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل (٤).
ومما أثبته الله تعالى لنفسه من الصفات الخبرية: أن له يدان تليق بجلاله، وقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة والاجماع على هذه الصفة:
فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾.
قال الشنقيطي: "الظاهر المتبادر من اليد بالنسبة للخالق في نحو قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، أنها صفة كمال وجلال، لائقة بالله - جل وعلا - ثابتة له على الوجه اللائق بكماله وجلاله" (٥).
ومن السنة: قوله ﷺ في حديث الشفاعة، وفيه: "فيأتونه فيقولون: يا آدم! أنت أبو البشر؛ خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه" (٦).
стр. 512
أما الإجماع: فقد نقله غير واحد من أهل العلم.
قال أبو الحسن الأشعري: " وأجمعوا على أنه يسمع ويرى، وأن له تعالى يدين مبسوطتين وأن الأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه من غير أن يكون جوارحاً، وأن يديه تعالى غير نعمته" (١).
مناقشة الزمخشري في دعواه أن إثبات اليد لا يصح حقيقة لله تعالى:
ذكر الزمخشري في تفسير الآية أن غل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود، ولا يصح إثباتها لله حقيقة، وإنما المراد باليد بما معنى كلامه: النعمة (٢).
والجواب عن هذا المراد من وجهين:
الأول: أن حمل صفة اليد على المجاز، يُخالف ما أجمع عليه أهل السنة على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز" (٣).
الثاني: أنه لا يجوز أن يكون المراد باليد النعمة، لأنه قال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ والنعم لا تُغل، فلا يُقال: غلت نعمهم، وقال: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ معارضة بمثل ما قالوا ولا يجوز أن يكون أراد غلت نعمهم، ثم قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ولا يجوز أن يريد نعمتاه مبسوطتان، وذلك أن نعم الله لا تُعد ولا تُحصى (٤).
الثالث: لو كان معنى اليد النعمة كما ادعت الجهمية والمعتزلة لقرئت الآية: بل يداه مبسوطة، أو منبسطة، لأن نعم الله أكثر من أن تحصى، ومحال أن تكون نعمة نعمتين لا أكثر فلما قال الله : ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، كان العلم محيطا أنه ثبت لنفسه يدين
стр. 513
لا أكثر منهما، وأعلم أنهما مبسوطتان ينفق كيف يشاء (١).
الرابع: لو كانت بمعنى النعمة لجمعت على أيادي، وقد قال كما ترى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ فجمعها على الأيدي التي لا تكون إلا جمع اليد لا جمع النعمة (٢).
• النتيجة:
يتبين من خلال ما تم إيراده من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الحق الذي لا مرية فيه هو مع أهل السنة والجماعة، من أن صفة اليد صفة حقيقية ثابتة لله تعالى، على ما يليق بجلاله، لما تقدم ذكره من الأدلة الدالة على ذلك، والأوجه التي تبين بطلان ما ذهب إليه القائلين بخلاف ذلك.
стр. 514
٧٤ - قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨)﴾ [سورة المائدة: ٦٨].
قال في الانتصاف: الذي يفهم من الآية أنهم يكونون على شيء من الدين، وهو- ولا شك- خير من لا شيء. ولا يفهم أنهم يكونون على الحق كله وعلى الدين الكامل الذي لا غاية أعظم منه، فإن ذلك لا يكون إلا بالإسلام (١).
قال القاسمي: ولا يخفى أنهم إذا أقاموا التوراة والإنجيل، آمنوا بمحمد ﷺ . لما تتقاضى إقامتهما الإيمان به. إذ كثر ما جاء فيهما من البشارات به والتنويه باسمه ودينه. فإقامتهما على وجوههما تستدعي الإسلام البتة، بل هي هو، والله الموفق (٢).
• أقوال أهل العلم في استلزام إقامة أهل الكتاب التوراة والانجيل الإيمان برسالة محمد ﷺ -:
القول الأول: أن إقامة التوراة والإنجيل يلزم منها الإيمان بمحمد ﷺ ، وأن من لم يؤمن بمحمد لا يكون على شيء من الدين.
القول الثاني: أن إقامة التوراة والإنجيل لا يلزم منها الإيمان بمحمد ﷺ ، وأن من أقامهما يكون على شيء من الدين.
أصحاب القول الأول:
ابن عباس: " ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ من الدين، حتى تُعلموا بما في الكتابين من الإيمان بمحمد ﷺ وبيان صفته ونعته، وهو قوله: ﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ " (٣).
стр. 515
ابن عطية: " ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ أي على شيء مستقيم ﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾، وفي إقامة هذين الإيمان بمحمد ﷺ (١).
ابن الجوزي: " قوله تعالى: ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ أي: لستم على شيء من الدين الحق ﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾، وإقامتهما: العمل بما فيهما، ومن ذلك الإيمان بمحمد ﷺ " (٢).
ابن كثير: " قل يا محمد: ﴿يا يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ أي: من الدين، ﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ أي: حتى تؤمنوا بجميع ما بأيديكم من الكتب المنزلة من الله على الأنبياء، وتعملوا بما فيها ومما فيها الأمر باتباع بمحمد ﷺ والإيمان بمبعثه، والاقتداء بشريعته" (٣).
أصحاب القول الثاني:
أبو علي الجبائي: "ويجوز أن يكون ذلك قبل النسخ لهما - يعني التوراة
والانجيل-" (٤). فدل قوله أنهم على شيء وإن لم يؤمنوا بمحمد ﷺ .
ظاهر كلام القشيري: "أي ليس انتعاشكم ولا نظام معاشكم، ولا قدركم في الدنيا والعقبى، ولا مقداركم ولا منزلكم في حال من حالاتكم إلا بمراعاة الأمر والنهى، والمحافظة على أحكام الشرع" (٥).
ظاهر كلام الزمخشري: " لستم على شيء أي على دين يعتد به حتى يسمى شيئا لفساده وبطلانه، كما تقول: هذا ليس بشيء تريد تحقيره وتصغير شأنه" (٦).
стр. 516
ظاهر كلام النخجواني: " ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ من أمر الدين والايمان والإطاعة والانقياد ﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ وجميع ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وتمتثلوا بأحكامها وتتصفوا بما فيها من مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم المرضية عند الله وتحققوا بحقائقها ومعارفها المودعة فيها" (١).
• دراسة المسألة:
من خلال عرض ما تقدم من أقوال أهل العلم في الآية، يتبين أن الصواب هو ما عليه أصحاب القول الأول، وهو الذي عليه أكثر المفسرين، من أن أهل الكتاب إذا أقاموا التوراة والإنجيل دون الإيمان برسالة محمد ﷺ ، أنهم ليسوا على شي، وذلك من أوجه:
الأول: أن القول بأن أهل الكتاب على شيء من الدين إن أقاموا التوراة والانجيل وما فيهما من تعاليم، مما يُخالف اللازم من إقامتهما وهو: الإيمان بمحمد ﷺ ، فإن كُلاً منهما كان يأمر باتباع محمد ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [سورة الصف: ٦].
الثاني: أن الله تعالى قرن في الآية مع إقامة التوراة والانجيل الايمان بكتابه المنزل وهو: القرآن كما قال: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٢)، فليسوا على شيء حتى يُقيموا التوراة والإنجيل والقرآن.
الثالث: أن القول بأن إقامتهم للتوراة والانجيل دون الايمان بمحمد ﷺ فيه شيء من الدين، ليس من مقاصد القرآن في التشنيع على أهل الكتاب ومجادلتهم ووصفهم بالكفر والخلود في النار، ودعوتهم إلى دين الإسلام، وكأن ظاهر هذا القول يُهَوِّن من كُفر أهل الكتاب إن هم تمسكوا بالتوراة والانجيل، والله أعلم.
стр. 517
• النتيجة:
بعد عرض ما تقدم ذكره في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما عليه أصحاب القول الأول من أن إقامة التوراة والإنجيل يلزم منها الإيمان بمحمد ﷺ ، وأن من لم يؤمن بمحمد لا يكون على شيء من الدين، لما تقدم إيراداه من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.
стр. 518
٧٥ - قوله تعالى: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٧١)﴾ [سورة المائدة: ٧١].
أورد القاسمي في تفسيره: قصة العذاب الله الذي حاق على بني إسرائيل قبل عيسى وبعده من خراب ديارهم على يد بختنصر.
ثم قال: وما قيل بأن قوله تعالى ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ إشارة إلى عبادتهم العجل- فإنه بعيد. لأنها، وإن كانت معصية عظيمة ناشئة عن كمال العمى والصمم، لكنها في عصر موسى ﵇. ولا تعلق لها بما حكي عنهم مما فعلوا بالرسل الذين جاءوهم بعده ﵇ بأعصار. وكذا ما قيل بأن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا﴾ إشارة إلى طلبهم الرؤية- فبعيد أيضا، لما ذكرنا (١).
• أقوال أهل العلم في المراد من قوله تعالى: ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾:
القول الأول: أن المراد: عموا وصموا عن سماع كلام أنبيائهم، فسلط الله عليهم بختنصر فأخرجهم من ديارهم، ثم تاب الله عليهم وأعادهم برحمته إلى ديارهم، إلى أن بعث الله عيسى ﵇. فعموا عن الاهتداء به وصموا عن وعظه، فدمرهم الله بعد ذلك وأباد مملكتهم، وكل ذلك بعد زمن موسى ﵇، وإلى هذا ذهب القاسمي ﵀.
القول الثاني: أن قوله تعالى ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ إشارة إلى عبادتهم العجل، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا﴾ إشارة إلى طلبهم الرؤية، وهذا في زمن موسى ﵇.
стр. 519
أصحاب القول الأول:
الماتريدي: "يحتمل أن يكون قوله: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾: ما ذكره في آية أخرى: وهو قوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ الآية " (١).
ابن عطية: "قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ قالت جماعة من المفسرين: هذه التوبة هي ردهم إلى بيت المقدس بعد الإخراج الأول ورد ملكهم وحالهم، ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا﴾ بعد ذلك حتى أخرجوا الخرجة الثانية ولم ينجبروا أبدا" (٢).
القفال (٣): " ذكر الله تعالى في سورة بني إسرائيل ما يجوز أن يكون تفسيرا لهذه الآية فقال ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ … ﴾ الآية، فهذا في معنى ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ ثم قال: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ … الآية﴾ فهذا في معنى قوله ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ " (٤).
أبو السعود: " ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ هذا إشارة إلى المرة الأولى من مرتي إفساد بني إسرائيل حين خالفوا أحكام التوراة وركبوا المحارم وقتلوا شعياء وقيل حبسوا أرمياء ﵉ .... إلخ" (٥).
стр. 520
أصحاب القول الثاني:
السمرقندي: " ﴿عَمُوا وَصَمُّوا﴾ حين عبدوا العجل، ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ " (١).
الزمخشري: " ﴿فَعَمُوا﴾ عن الدين ﴿وَصَمُّوا﴾ حين عبدوا العجل، ثم تابوا عن عبادة العجل فتاب الله عليهم ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا﴾ كرة ثانية بطلبهم المحال غير المعقول في صفات الله وهو الرؤية" (٢).
البيضاوي: " ﴿عَمُوا﴾ عن الدين أو الدلائل والهدى. ﴿وَصَمُّوا﴾ عن استماع الحق كما فعلوا حين عبدوا العجل. ثم تاب الله عليهم أي ثم تابوا فتاب الله عليهم" (٣).
العليمي: " ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾: عن الحق بعبادة العجل، ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ قبل توبتهم حين تابوا ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا﴾ بسؤال الرؤية" (٤).
• دراسة المسألة:
من خلال التتبع والنظر فيما قاله المفسرون في هذه المسألة وما تقدم إيراده من أقوال، يتبين أن كلا من الفريقين له شاهد من القرآن يؤيد ما ذهب إليه، وكله يرجع إلى اجتهاد في تفسير النص.
ولعل الأظهر والأصوب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، وذلك من أوجه:
الأول: ما بينه الله تعالى في بني إسرائيل في قوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ الآية [سورة الإسراء: ٤]، فبين جزاء عماهم، وصممهم في المرة الأولى بقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ الآية [سورة الإسراء: ٥]، وبين جزاء عماهم وصممهم في المرة الآخرة
стр. 521
بقوله: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾، وبين التوبة التي بينهما بقوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾، ثم بين أنهم إن عادوا إلى الإفساد عاد إلى الانتقام منهم بقوله: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [سورة الإسراء: ٨]، فعادوا إلى الإفساد بتكذيبه ﷺ وكتم صفاته التي في التوراة، فعاد الله إلى الانتقام منهم، فسلط عليهم نبيه ﷺ فذبح مقاتلة بني قريظة، وسبى نساءهم، وذراريهم، وأجلى بني قينقاع، وبني النضير، كما ذكر تعالى طرفا من ذلك في سورة الحشر (١)،
الثاني: اقتضاء دلالة السياق: فظاهر القرآن يقتضي أن العمى والصمم وقع في زمن الأنبياء بعد موسى ﵇، وذلك لأن السياق في ذكر أفعالهم القبيحة الماضية، من قتل الرسل، وتكذيبهم، إذ قبل الآية المذكورة: ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [سورة المائدة: ٧٠] (٢).
الثالث: الروايات والحوادث التاريخية التي تؤيد قول من قال بأن بني إسرائيل عموا وصموا ثم ثاب الله عليهم ثم عموا وصموا بعد زمن موسى ﵇، وأشهرها حادثيْن:
الحادث الأول: حادث الأسر البابلي إذ سلط الله عليهم (بختنصر) ملك (أشور) فدخل بيت المقدس مرات سنة ٦٠٦ وسنة ٥٩٨ وسنة ٥٨٨ قبل المسيح.
وأتى في ثالثتها على مدينة أورشليم فأحرقها وأحرق المسجد وحمل جميع بني إسرائيل إلى بابل أسارى، وأن توبة الله عليهم كان مظهرها حين غلب (كورش) ملك (فارس) على الآشوريين واستولى على بابل سنة ٥٣٠ قبل المسيح فأذن لليهود أن يرجعوا إلى بلادهم
стр. 522
ويعمروها فرجعوا وبنوا مسجدهم (١).
والحادث الثاني: حادث الخراب الواقع في زمن (تيطس) القائد الروماني (وهو ابن الإنبراطور الروماني (وسبسيانوس) فإنه حاصر (أورشليم) حتى اضطر اليهود إلى أكل الجلود وأن يأكل بعضهم بعضا من الجوع، وقتل منهم ألف ألف رجل، وسبى سبعة وتسعين ألفا، على ما في ذلك من مبالغة، وذلك سنة ٦٩ للمسيح. ثم قفاه الإنبراطور (أدريان) الروماني من سنة ١١٧ إلى سنة ١٣٨ للمسيح فهدم المدينة وجعلها أرضا وخلط ترابها بالملح. فكان ذلك انقراض دولة اليهود ومدينتهم وتفرقهم في الأرض (٢).
• النتيجة:
يتضح من خلال ما تقدم إيراده من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الأقرب للصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد من العمى والصمم: إعراض بني إسرائيل عن كلام أنبيائهم، الذي بسببه سلط الله عليهم بختنصر وهو في معنى قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ الآية، والله أعلم.
стр. 523
٧٦ - قوله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)﴾ [سورة المائدة: ٧٥].
قال القاسمي: وأما قول الخفاجي- ملخصا كلام البيضاوي- في سر ذلك: "أنه تعالى بين أولا أقصى مراتب كمالهما، وأنه لا يقتضي الألوهية، وقدمه لئلا يواجههما بذكر نقائص البشرية الموجبة لبطلان ما ادعوا فيهما، على حد قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [سورة التوبة: ٤٣]. حيث قدم العفو على المعاتبة له ﷺ " (١). فبعيد. وقياسه على الآية قياس مع الفارق لاختلاف المقامين. فالأظهر ما ذكرناه، والله أعلم بأسرار كتابه (٢).
• أقوال أهل العلم في سر تقديم الاستدلال في الآية بأن عيسى ﵇ ما هو إلّا رسول من جنس الرسل الذين خلوا قبله، على الاستدلال بأن من صفاته وأمه أنهما كانا يأكلان الطعام:
القول الأول: أن سر التقديم والتأخير هو الاستدلال بالجلي للأجلى.
القول الثاني: أن سر التقديم والتأخير هو أنه تعالى بين أولا أقصى مراتب كمالهما، وأنه لا يقتضي الألوهية، وقدمه لئلا يواجههما بذكر نقائص البشرية الموجبة لبطلان ما ادعوا فيهما (٣).
стр. 524
• دراسة المسألة:
ذكر القاسمي ﵀ في تفسيره من اللطائف في سر التقديم والتأخير في الآية: أن الحكمة في تأخير الاستدلال بالحاجة للطعام عما قبله من مساواتهما للرسل ﵈، على بطلان مذهب النصارى: الترقي في باب الاستدلال من الجلي للأجلى، على ما هو القاعدة في سوق البراهين لإلزام الخصم، حتى إذا لم يسلم في الجلي لغموضه عليه، يورد له الأجلى تعريضا بغباوته. فيضطر للتسليم، إن لم يكن معاندا ولا مكابرا. هذا ما ظهر لي في سر التقديم والتأخير (١).
والذي ذكره هو الأقرب للصواب في تفسير الآية، وذلك من أوجه:
الأول: أن مثل هذا الاستدلال وهو: - الترقي في باب الاستدلال من الجلي للأجلى- قد جاء نظيره في القرآن كما وقع في مناظرة إبراهيم ﵇: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٨]، فجاء بسجينَيْن فقتل أحدهما وأطلق الآخر، فكأنه أحيا وأمات، فلما رأى فإبراهيم ﵇ منه ذلك لم يجادله في فعله، إنما انتقل إلى ما هو أجلى وأوضح فقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٨].
الثاني: مما يدل على أن سر التقديم: الاستدلال بالجلي للأجلى: لأن أكلهما للطعام أمر لا يُنكَر، لكن لو جيء بأدلة عقلية أخرى ربما يكون فيها جدل، لكن الاستدلال بالمحسوس أبلغ من الاستدلال بالمعقول، لأن المعقول يمكن فيه الجدل، لكن المحسوس لا يمكن فيه الجدل (٢).
الثالث: مما يدل على أن سر التقديم هو الاستدلال بالجلي للأجلى: التأكيد، فإنه بعد ما أثبت القرآن أنه رسول كغيره من الرسل وأمه صديقة، ارتقى في الاستدلال بالتأكيد على
стр. 525
حدوثهما وعجزهما بقوله: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ فإن المحتاج الى الاغتذاء سيحتاج إلى ما يتبعه من الهضم والنفض (١).
• النتيجة:
يتبين من خلال ما تم عرضه في هذه المسألة، أن الأقرب للصواب هو ما ذهب إليه القاسمي ﵀ من أن سر التقديم في الآية هو الارتقاء من الجلي إلى الأجلى، لما تقدم إيراده من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.
стр. 526
٧٧ - قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)﴾ [سورة المائدة: ٧٦].
قال القاسمي: هذا دليل آخر على فساد قول النصارى، والموصول كناية عن عيسى وأمه ...... إلى أن قال: جعل ابن كثير الخطاب في قوله تعالى ﴿أَتَعْبُدُونَ﴾ عاما للنصارى وغيرهم، أي قل لهؤلاء العابدين غير الله من سائر فرق بني آدم (١). وفي (تنوير المقباس) أن (ما) عبارة عن الأصنام خاصة (٢).
وكلاهما مما يأباه السباق والسياق (٣).
• أقوال أهل العلم في توجيه الخطاب في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ من حيث العموم والخصوص:
القول الأول: أن الخطاب عام للنصارى وغيرهم، وأن الذي لا يملك لهم ضرا ولا نفعا هو: عيسى وأمه ﵉، والأصنام.
القول الثاني: أن الخطاب خاص بالنصارى، وأن الذي لا يملك لهم ضرا ولا نفعا هو عيسى وأمه ﵉.
أصحاب القول الأول:
ابن عاشور: "الظاهر أن ﴿أَتَعْبُدُونَ﴾ خطاب لجميع من يعبد شيئا من دون الله من المشركين والنصارى. والاستفهام للتوبيخ والتغليط مجازا" (٤).
أبو زهرة: " ﴿مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ للعموم، وهي بهذا العموم تشتمل على
стр. 527
ما يعبد من حجر وغيره، ولعدم اقتصاره على عيسى وأمه ذكر بلفظ (ما) الدال على العموم" (١).
العثيمين: قوله: ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد، أو قل أيها المخاطب الموحد، لكل من يعبد من دون الله أحدا قل له: ﴿أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ (٢).
ما ذهب إليه بعض المفسرين: أن (ما) مبهمة تقع على كل شيء، من يعقل من البشر، أو من لا يعقل كالأصنام (٣).
أصحاب القول الثاني:
مقاتل بن سليمان: "قل لنصارى نجران: ﴿أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، يعني عيسى ما لا يملك لكم ضرا في الدنيا، ولا نفعا في الآخرة" (٤).
الطبري: " يقول تعالى ذكره لمحمد ﷺ : قل يا محمد لهؤلاء الكفرة من النصارى الزاعمين أن المسيح ربهم والقائلين إن الله ثالث ثلاثة: أتعبدون سوى الله الذي يملك ضركم ونفعكم وهو الذي خلقكم ورزقكم وهو يحييكم ويميتكم، شيئا لا يملك لكم شرا ولا نفعا؟ " (٥).
أبو حيان: الخطاب للنصارى، نهاهم عن عبادة عيسى وغيره، وأن ما يعبدون من دون الله مساويهم في العجز وعدم القدرة (٦).
الثعالبي: "وهذه المخاطبة هي للنصارى الذين غلوا في عيسى" (٧).
стр. 528
• دراسة المسألة:
يتبين من خلال ما تقدم إيراده من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن القول بأن الخطاب في هذه الآية عام للنصارى وغيرهم مما انفرد بها الحافظ ابن كثير قديمًا، وتبه بعض المعاصرين، بينما الذي عليه أكثر أهل العلم من المفسرين -بحسب الاستقراء- أن الخطاب خاص بالنصارى، وهذا هو الراجح، وذلك من وجهين:
الأول: دلالة السياق: فسياق الآيات السابقة في الحديث عن المسيح ابن مريم وإثبات عبوديته لله، والآيات اللاحقة في النهي عن الغلو في الدين، وجميعه خطاب احتجاج وتوجيه للنصارى، فكان حمل الخطاب في الآية بتخصيصه للنصارى أوفق للتركيب والنظم.
وإدخال الكلام في معاني ما قبله وما بعده لتفسير كتاب الله تعالى من القواعد التي اعتمدها أهل العلم قديما.
قال مسلم بن يسار (١): "إذا حدثت عن الله فقف، حتى تنظر ما قبله وما بعده" (٢).
وقال الزركشي: " دلالة السياق ترشد إلى تبيين المجمل والقطع بعدم احتمال غير المراد وتخصيص العام وتقييد المطلق وتنوع الدلالة وهو من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم فمن أهمله غلط في نظيره وغالط في مناظراته" (٣).
الثاني: مما يدل على أن الخطاب خاص بالنصارى، أنه قد ثبت إقرارهم أن عيسى ﵇ كان جنينا في بطن أمه لا يملك لأحد ضرا ولا نفعا، وهذا موافق لنص الآية، وإذ أقروا أن عيسى كان في حال من الأحوال لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم ولا ينفع ولا يضر، فكيف اتخذوه إلها (٤).
стр. 529
الثالث: أن تخصيص الخطاب بالنصارى الذين اعتقدوا في عيسى ﵇ بالألوهية أبلغ من تعميم الخطاب لهم ولغيرهم، وذلك لأن فيه تخصيص عيسى ﵇ بأنه لا يملك النفع والضر وهو من أفضل الرسل، فكيف بمن اعتقد في غيره كالأصنام والأولياء والصالحين بأن يقال فيه: إنه يملك ضرا أو نفعا، والله أعلم.
تنبيهان:
الأول: في هذه المسألة لا يُقال أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فيُقال بأن الخطاب عام بالنصارى وغيرهم، وذلك لأن المقام مقام خطاب موجه، وأما من حيث الاستدلال فإنه لا شك أن الذي لا يملك النفع والضر لا يستحق العبادة أيا كان، وليس خاصًا بعيسى ﵇، فالعبرة في الآية بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
الثاني: العبارة المنسوبة لابن عباس في تنوير المقباس هي: " ﴿أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الأصنام ﴿مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا﴾ ما لا يقدر لكم على دفع الضرر في الدنيا ولا في الآخرة "، وهذه العبارة ليست صريحة بتخصيص الأصنام، فهي تحتمل احتمالان:
الاحتمال الأول: أن ذكر الأصنام باعتبار الغالب، فكان الغالب في ذلك العصر هو عبادة الأصنام.
الاحتمال الثاني: أن ذكر الأصنام للتخصيص، فإن كان كذلك فهذا المعنى يأباه السياق كما تقدم، والله أعلم.
• النتيجة:
يتبين مما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، من أن الخطاب في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ خاص بالنصارى، لما تقدم ذكره من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.
стр. 530
٧٨ - قوله تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥)﴾ [سورة المائدة: ٨٥].
قال ابن كثير: قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵁: نزلت هذه الآيات في النجاشي وأصحابه، الذين، حين تلا عليهم جعفر بن أبي طالب بالحبشة القرآن، بكوا حتى أخضبوا لحاهم (١). وهذا القول فيه نظر. لأن هذه الآية مدنية، وقصة جعفر مع النجاشي قبل الهجرة (٢).
قال القاسمي: أقول: إن نظره مدفوع، فإنه حكى في هذه الآية بعد الهجرة ما وقع قبلها، ونظائره في التنزيل كثيرة، ولا إشكال فيه (٣).
• أقوال أهل العلم في نزول قوله تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾:
القول الأول: أنها نزلت في النجاشي وأصحابه عندما تلا عليهم جعفر بن أبي طالب الآيات.
القول الثاني: أنها نزلت في نفر قدموا على رسول الله ﷺ من نصارى الحبشة، أسلموا لما سمعوا القرآن.
أصحاب القول الأول:
البغوي: "الآية فيمن أسلم منهم من النصارى مثل النجاشي وأصحابه، قال ابن عباس ﵄ في رواية عطاء: يريد النجاشي وأصحابه، قرأ عبيهم جعفر بالحبشة ﴿كهيعص﴾، فما زالوا يبكون حتى فرغ. جعفر من القراءة" (٤).