٧٧ - قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)﴾ [سورة المائدة: ٧٦].
قال القاسمي: هذا دليل آخر على فساد قول النصارى، والموصول كناية عن عيسى وأمه ...... إلى أن قال: جعل ابن كثير الخطاب في قوله تعالى ﴿أَتَعْبُدُونَ﴾ عاما للنصارى وغيرهم، أي قل لهؤلاء العابدين غير الله من سائر فرق بني آدم (١). وفي (تنوير المقباس) أن (ما) عبارة عن الأصنام خاصة (٢).
وكلاهما مما يأباه السباق والسياق (٣).
• أقوال أهل العلم في توجيه الخطاب في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ من حيث العموم والخصوص:
القول الأول: أن الخطاب عام للنصارى وغيرهم، وأن الذي لا يملك لهم ضرا ولا نفعا هو: عيسى وأمه ﵉، والأصنام.
القول الثاني: أن الخطاب خاص بالنصارى، وأن الذي لا يملك لهم ضرا ولا نفعا هو عيسى وأمه ﵉.
أصحاب القول الأول:
ابن عاشور: "الظاهر أن ﴿أَتَعْبُدُونَ﴾ خطاب لجميع من يعبد شيئا من دون الله من المشركين والنصارى. والاستفهام للتوبيخ والتغليط مجازا" (٤).
أبو زهرة: " ﴿مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ للعموم، وهي بهذا العموم تشتمل على
стр. 527
ما يعبد من حجر وغيره، ولعدم اقتصاره على عيسى وأمه ذكر بلفظ (ما) الدال على العموم" (١).
العثيمين: قوله: ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد، أو قل أيها المخاطب الموحد، لكل من يعبد من دون الله أحدا قل له: ﴿أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ (٢).
ما ذهب إليه بعض المفسرين: أن (ما) مبهمة تقع على كل شيء، من يعقل من البشر، أو من لا يعقل كالأصنام (٣).
أصحاب القول الثاني:
مقاتل بن سليمان: "قل لنصارى نجران: ﴿أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، يعني عيسى ما لا يملك لكم ضرا في الدنيا، ولا نفعا في الآخرة" (٤).
الطبري: " يقول تعالى ذكره لمحمد ﷺ : قل يا محمد لهؤلاء الكفرة من النصارى الزاعمين أن المسيح ربهم والقائلين إن الله ثالث ثلاثة: أتعبدون سوى الله الذي يملك ضركم ونفعكم وهو الذي خلقكم ورزقكم وهو يحييكم ويميتكم، شيئا لا يملك لكم شرا ولا نفعا؟ " (٥).
أبو حيان: الخطاب للنصارى، نهاهم عن عبادة عيسى وغيره، وأن ما يعبدون من دون الله مساويهم في العجز وعدم القدرة (٦).
الثعالبي: "وهذه المخاطبة هي للنصارى الذين غلوا في عيسى" (٧).
стр. 528
• دراسة المسألة:
يتبين من خلال ما تقدم إيراده من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن القول بأن الخطاب في هذه الآية عام للنصارى وغيرهم مما انفرد بها الحافظ ابن كثير قديمًا، وتبه بعض المعاصرين، بينما الذي عليه أكثر أهل العلم من المفسرين -بحسب الاستقراء- أن الخطاب خاص بالنصارى، وهذا هو الراجح، وذلك من وجهين:
الأول: دلالة السياق: فسياق الآيات السابقة في الحديث عن المسيح ابن مريم وإثبات عبوديته لله، والآيات اللاحقة في النهي عن الغلو في الدين، وجميعه خطاب احتجاج وتوجيه للنصارى، فكان حمل الخطاب في الآية بتخصيصه للنصارى أوفق للتركيب والنظم.
وإدخال الكلام في معاني ما قبله وما بعده لتفسير كتاب الله تعالى من القواعد التي اعتمدها أهل العلم قديما.
قال مسلم بن يسار (١): "إذا حدثت عن الله فقف، حتى تنظر ما قبله وما بعده" (٢).
وقال الزركشي: " دلالة السياق ترشد إلى تبيين المجمل والقطع بعدم احتمال غير المراد وتخصيص العام وتقييد المطلق وتنوع الدلالة وهو من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم فمن أهمله غلط في نظيره وغالط في مناظراته" (٣).
الثاني: مما يدل على أن الخطاب خاص بالنصارى، أنه قد ثبت إقرارهم أن عيسى ﵇ كان جنينا في بطن أمه لا يملك لأحد ضرا ولا نفعا، وهذا موافق لنص الآية، وإذ أقروا أن عيسى كان في حال من الأحوال لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم ولا ينفع ولا يضر، فكيف اتخذوه إلها (٤).
стр. 529
الثالث: أن تخصيص الخطاب بالنصارى الذين اعتقدوا في عيسى ﵇ بالألوهية أبلغ من تعميم الخطاب لهم ولغيرهم، وذلك لأن فيه تخصيص عيسى ﵇ بأنه لا يملك النفع والضر وهو من أفضل الرسل، فكيف بمن اعتقد في غيره كالأصنام والأولياء والصالحين بأن يقال فيه: إنه يملك ضرا أو نفعا، والله أعلم.
تنبيهان:
الأول: في هذه المسألة لا يُقال أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فيُقال بأن الخطاب عام بالنصارى وغيرهم، وذلك لأن المقام مقام خطاب موجه، وأما من حيث الاستدلال فإنه لا شك أن الذي لا يملك النفع والضر لا يستحق العبادة أيا كان، وليس خاصًا بعيسى ﵇، فالعبرة في الآية بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
الثاني: العبارة المنسوبة لابن عباس في تنوير المقباس هي: " ﴿أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الأصنام ﴿مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا﴾ ما لا يقدر لكم على دفع الضرر في الدنيا ولا في الآخرة "، وهذه العبارة ليست صريحة بتخصيص الأصنام، فهي تحتمل احتمالان:
الاحتمال الأول: أن ذكر الأصنام باعتبار الغالب، فكان الغالب في ذلك العصر هو عبادة الأصنام.
الاحتمال الثاني: أن ذكر الأصنام للتخصيص، فإن كان كذلك فهذا المعنى يأباه السياق كما تقدم، والله أعلم.
• النتيجة:
يتبين مما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، من أن الخطاب في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ خاص بالنصارى، لما تقدم ذكره من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.
стр. 530
٧٨ - قوله تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥)﴾ [سورة المائدة: ٨٥].
قال ابن كثير: قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵁: نزلت هذه الآيات في النجاشي وأصحابه، الذين، حين تلا عليهم جعفر بن أبي طالب بالحبشة القرآن، بكوا حتى أخضبوا لحاهم (١). وهذا القول فيه نظر. لأن هذه الآية مدنية، وقصة جعفر مع النجاشي قبل الهجرة (٢).
قال القاسمي: أقول: إن نظره مدفوع، فإنه حكى في هذه الآية بعد الهجرة ما وقع قبلها، ونظائره في التنزيل كثيرة، ولا إشكال فيه (٣).
• أقوال أهل العلم في نزول قوله تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾:
القول الأول: أنها نزلت في النجاشي وأصحابه عندما تلا عليهم جعفر بن أبي طالب الآيات.
القول الثاني: أنها نزلت في نفر قدموا على رسول الله ﷺ من نصارى الحبشة، أسلموا لما سمعوا القرآن.
أصحاب القول الأول:
البغوي: "الآية فيمن أسلم منهم من النصارى مثل النجاشي وأصحابه، قال ابن عباس ﵄ في رواية عطاء: يريد النجاشي وأصحابه، قرأ عبيهم جعفر بالحبشة ﴿كهيعص﴾، فما زالوا يبكون حتى فرغ. جعفر من القراءة" (٤).
стр. 531
القرطبي: "وهذه الآية نزلت في النجاشي وأصحابه لما قدم عليهم المسلمون في الهجرة الأولى" (١).
أصحاب القول الثاني:
ابن عطية: " ذكر سعيد بن جبير، ومجاهد، وابن عباس أن هذه الآية نزلت بسبب وفد بعثهم النجاشي إلى رسول الله ﷺ ليروه، ويعرفوا حاله، فقرأ النبي ﷺ عليهم القرآن فبكوا وآمنوا ورجعوا إلى النجاشي فآمن" (٢).
ابن عاشور: "إن المعنيَّ في هذه الآية ثمانية من نصارى الشام كانوا في بلاد الحبشة وأتوا المدينة مع اثنين وستين راهبا من الحبشة مصاحبين للمسلمين الذين رجعوا من هجرتهم بالحبشة وسمعوا القرآن" (٣).
• دراسة المسألة:
من خلال استقراء أقوال أهلم العلم وما أوردوه في تفسير الآية وما جاء في سبب نزولها، يتبين أن الروايات الواردة في سبب نزول الآية صحيحة الإسناد، صريحة في دلالتها على سبب النزول.
فقد أخرج ابن جرير الطبري بسنده عن سعيد بن جبير قال: بعث النجاشي وفدا إلى النبي ﷺ ، فقرأ عليهم النبي ﷺ فأسلموا. قال: فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾، إلى آخر الآية. قال: فرجعوا إلى النجاشي فأخبروه، فأسلم النجاشي، فلم يزل مسلما حتى مات. قال: فقال رسول الله ﷺ : إن أخاكم النجاشي قد مات، فصلوا عليه! فصلى عليه رسول الله ﷺ بالمدينة، والنجاشي ثُمَّ (٤).
стр. 532
وأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير أنهم قالا: بعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري. وكتب معه كتابا إلى النجاشي، فقدم على النجاشي، فقرأ كتاب رسول الله ﷺ ثم دعا جعفر ابن أبي طالب والمهاجرين معه، وأرسل النجاشي إلى الرهبان والقسيسين، ثم أمر جعفر بن أبي طالب فقرأ عليهم سورة مريم فآمنوا بالقرآن وفاضت أعينهم من الدمع فهم الذين أنزل الله فيهم ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا﴾ إلى قوله: ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ (١).
والمتأمل في هاتين الروايتين يجد أن ظاهرهما التعارض، إذ إن الآية في سورة المائدة وهي من أواخر السور نزولا وقصة جعفر مع النجاشي كانت قبل الهجرة إلى المدينة، فكيف يُقال أنها نزلت في جعفر والنجاشي حينما تلا عليه الآيات من سورة مريم؟
ويُمكن أن يُجاب عن هذا الاشكال بأن يُقال: أن الرواية الثانية إن أريد بقوله "فهم الذين أنزل الله فيهم" أنها تقص قصصهم وتتحدث عنهم، فلا إشكال، لعدم صراحة سبب النزول، فتتعين الرواية الأولى.
وما تعقب به القاسمي ﵀ على الحافظ ابن اكثير وإن كان له حظ من النظر، لكن الأسلم والأولى هو الجمع بين الروايتين، وذلك لأن القاعدة المقررة عند أهل العلم بأن الجمع مقدم على الترجيح.
وخير طريقة لذلك بحسب ما يظهر لي أن يُقال: أن الآية نزلت مرتين: الأولى في قصة جعفر مع النجاشي، والثانية في الوفد الذين بعثهم النجاشي إلى النبي ﷺ ، وبهذا يرتفع الاشكال، والله أعلم.
قال ابن تيمية ﵀: "فقول أحدهم: نزلت في كذا، لا ينافي قول الآخر: نزلت في كذا، إذا كان اللفظ يتناولهما، كما ذكرناه في التفسير بالمثال، وإذا ذكر أحدهم لها سببا
стр. 533
نزلت لأجله وذكر الآخر سببا، فقد يمكن صدقهما بأن تكون نزلت عقب تلك الأسباب، أو تكون نزلت مرتين، مرة لهذا السبب ومرة لهذا السبب" (١).
• النتيجة:
من خلال عرض ما تقدم فيما ورد في هذه المسألة، يظهر أن الصواب بأن يُقال: أن الآية نزلت مرتين: مرة في النجاشي وأصحابه، ومرة في النفر الذين قدموا على رسول الله ﷺ من نصارى الحبشة، بخلاف ما ذهب إليه ابن كثير، وما ذهب إليه القاسمي، والله أعلم.
стр. 534
٧٩ - قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [سورة المائدة: ٨٩].
قال القاسمي: وظاهر الآية اشتراط العدد في المساكين. وقول بعضهم: إن المراد إطعام طعام يكفي العشرة، مفرعا عليه جواز إطعام مسكين واحد عشرة أيام- عدول عن الظاهر، لا يثبت إلا بنص (١).
• أقوال أهل العلم في عدد المساكين الذين يجب إطعامهم في الكفارة:
القول الأول: وجوب استيعاب عشرة مساكين في الاطعام.
القول الثاني: جواز إعطاء مسكين واحد جميع الطعام في عشرة أيام.
أصحاب القول الأول:
الكيا الهراسي: "وفي قوله: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾، دلالة على أنه لو صرف إلى واحد جميع الطعام لا يجوز" (٢).
ابن عطية: " وإطعام عشرة مساكين معناه إشباعهم مرة" (٣).
ابن العربي: "المسألة السادسة عشرة: إذا دفعها إلى مسكين واحد لم يجزه" (٤).
ابن الفرس: "اختلفوا في عدد المساكين هل هو شرط في الإطعام أم لا؟ فعندنا أنه شرط لا بد من عشرة مساكين" (٥).
стр. 535
القرطبي: "قال مالك: إن غدَّى عشرةَ مساكين وعشَّاهم أجزأه" (١).
أصحاب القول الثاني:
أبو حنيفة: "إن شاء صرفه إلى هذا العدد، وإن شاء أعطاه مسكينا واحدا في عشرة أيام" (٢).
الجصاص: " قوله تعالى ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ عموم في جميع من يقع عليه الاسم منهم فيصح الاحتجاج به في جواز إعطاء مسكين واحد جميع الطعام في عشرة أيام كل يوم نصف صاع" (٣).
الأوزاعي: "إن شاء صرفه إلى هذا العدد وإن شاء أعطاه مسكينا واحدا في وقت واحد" (٤).
• دراسة المسألة:
يتبين من خلال إيراد أقوال أهل العلم في هذه المسألة أنه من المسائل التي اختلف فيها أهل العلم قديمًا، والذي يظهر أن الصواب هو ما عليه أصحاب القول الأول من أنه لا بد من إطعام عشرة مساكين في كفارة الحنث باليمين، وذلك من أوجه:
الأول: أن الأصل هو الأخذ بظاهر الآية التي نصت على أن الإطعام إنما يكون لعشرة مساكين لا أقل، فلا يجوز العدول عن ظاهر الآية وإسقاطه بالمعنى فيُقال: أن المراد: إطعام طعام يكفي العشرة.
стр. 536
الثاني: أن الله تعالى جعل لكل مسكين جزء من الطعام في قوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾، فلم يجز أن يسند واحد بجميعه (١).
الثالث: أن في إطعام العشرة إحياء لجماعة من المسلمين وكفايتهم يوما واحدا، فيتفرغون فيه لعبادة الله ﵎ ولدعائه، فيغفر للمكفر بسبب ذلك (٢).
الرابع: أن القول بأن المراد: فإطعام طعام عشرة مساكين. فيه جعل العدد المذكور للتقدير، لا للتمليك وهذا ضعيف؛ لما فيه من الإضمار والتجويز، ولما فيه من حذف المفعول - وهو عشر مساكين، فإذا حذف المفعول صار مسكين واحد-، ولما فيه من ترك البيان لمن تصرف إليه هذه الصدقة، والحقيقة خير من المجاز، والذكر خير من الإضمار، والبيان خير من الإجمال، واتباع الظاهر أولى من التأويل (٣).
الخامس: ما روي من فعل بعض الصحابة ﵃ أنهم أطعموا عشرة مساكين.
فقد روى عبد الرزاق بإسناده عن يسار بن نمير قال: قال لي عمر بن الخطاب: "إني أحلف ألا أعطي رجالا، ثم يبدو لي، فأعطيهم، فإذا رأيتني فعلت ذلك، فأطعم عني عشرة مساكين كل مسكين، صاعا من شعير، أو صاعا من تمر، أو نصف صاع من قمح" (٤).
وروى ابن أبي شيبة بإسناده عن علي، قال: «كفارة اليمين إطعام عشرة مساكين، كل مسكين نصف صاع من بر، أو صاع من تمر في كفارة اليمين» (٥).
стр. 537
تنبيه:
إذا لم يجد المُكفر عن يمينه عدد عشرة مساكين لحسن حال الناس في قريته، أو اقتضت المصلة والضرورة بإطعام أقل من عشرة ممن هم من قرابته لسوء حالهم بطعام يكفي العشرة، جاز له الأخذ بقول الإمام أبي حنيفة والأوزاعي، فيُطعمهم، والله أعلم.
• النتيجة:
من خلال عرض ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، من أنه يُشترط في عدد المُطعم: عشرة مساكين، لما تقدم ذكره من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.
стр. 538
٨٠ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١)﴾ [سورة المائدة: ١٠٢].
قال بعض المفسرين: لا بد من تقييد النهي في هذه الآية (بما لا تدعو إليه حاجة). لأن الأمر الذي تدعو إليه الحاجة في أمور الدين قد أذن الله بالسؤال عنه فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل: ٤٣]. وقال ﷺ : «قاتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا. فإنما شفاء العي السؤال» (١).
قال القاسمي: ولا يخفى أن الآية بقيدها- أعني ﴿إِنْ تُبْدَ﴾. الآية- غنية عن أن تقيد بقيد آخر كما ذكره البعض. لأن المراد بها ما يشق عليهم من التكاليف الصعبة وما يفتضحون به- كما أسلفنا- (٢) مما هو خوض في الفضول، وشروع فيما لا حاجة إليه (٣).
• أقوال أهل العلم في اشتراط تقييد النهي عن السؤال في الآية بما لا تدعو إليه الحاجة:
القول الأول: اشتراط تقييد النهي عن السؤال في الآية بما لا تدعوا إليه الحاجة.
القول الثاني: عدم اشتراط ذلك، لأن الآية بينة بنفسها بأن المراد: النهي عن السؤال بما لا تدعوا إليه الحاجة.
стр. 539
أصحاب القول الأول:
الشوكاني: " ولا بد من تقييد النهي في هذه الآية بما لا تدعو إليه حاجة، لأن الأمر الذي تدعو الحاجة إليه في أمور الدين والدنيا قد أذن الله بالسؤال عنه فقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل: ٤٣] " (١).
ظاهر كلام الشيخ محمد رشيد رضا: "يحتمل أن النهي في الآية لا يتناول ما يحتاج إليه مما تقرر حكمه أو ما لهم بمعرفته حاجة راهنة، كالسؤال عن الذبح بالقصب، والسؤال عن وجوب طاعة الأمراء إذا أمروا بغير الطاعة" (٢).
أصحاب القول الثاني:
ابْن عَبّاسٍ: "معناه لا تسألوا عن أشياء في ضمن الإخبار عنها مساءة لكم إما لتكليف شرعي يلزمكم وإما لخبر يسوء. كما قيل للذي قال أين أنا؟ ولكن إذا نزل القرآن بشيء وابتدأكم ربكم بأمر فحينئذ إن سألتم عن تفصيله وبيانه بين لكم وأُبدي" (٣).
الواحدي: "التقدير: لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم عفا الله عنها، وإن شئت قلت: لا تسألوا عن أشياء عفا الله عنها إن تبد لكم تسؤكم" (٤).
ابن عطية: " كأنه قال لا تسألوا وإن سألتم لقيتم عبء ذلك وصعوبته لأنكم تكلفون وتستعجلون علم ما يسوءكم كالذي قيل له إنه في النار" (٥).
ابن كثير: "وظاهر الآية النهي عن السؤال عن الأشياء التي إذا علم بها الشخص ساءته، فالأولى الإعراض عنها وتركها" (٦).
стр. 540
• دراسة المسألة:
يتبين من خلال استقراء ما ذكره أهل العلم من المفسرين في تفسير هذه الآية، من أن الذي قال بأن النهي لا بد من تقييده بما لا تدعو إليه الحاجة هو الشوكاني، والصواب هو ما ذهب إليه أكثر المفسرين من أن الآية بينة بنفسها من أن النهي هو السؤال عن شيء لا تدعو إليه الحاجة، فلا يُقال أن النهي عام في السؤال وهو مخصوص بما لا تدعو إليه الحاجة، وذلك من أوجه:
الأول: سياق الآية الذي دل على ذلك ففي أول الآية نهى الله تعالى عن السؤال، ثم قال: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ فأباحه لهم، فقيل: المعنى وإن تسألوا عن غيرها فيما مست الحاجة إليه، فحذف المضاف، ولا يصح حمله على غير الحذف. قال الجرجاني: الكناية في عنها ترجع إلى أشياء أخر، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [سورة المؤمنون: ١٢] يعني آدم، ثم قال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾ [سورة المؤمنون: ١٣] أي ابن آدم، لأن آدم لم يجعل نطفة في قرار مكين، لكن لما ذكر الإنسان وهو آدم دل على إنسان مثله، وعرف ذلك بقرينة الحال، فالمعنى وإن تسألوا عن أشياء حين ينزل القرآن من تحليل أو تحريم أو حكم، أو مست حاجتكم إلى التفسير، فإذا سألتم فحينئذ تبد لكم، فقد أباح هذا النوع من السؤال (١).
الثاني: مناسبة هذه الآية لما قبلها: وهو أن الله تعالى لما قال: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [سورة المائدة: ٩٩] صار كأنه قيل ما بلغه الرسول فخذوه وكونوا منقادين له وما لم يبلغه فلا تسألوا عنه ولا تخوضوا فيه فربما جاءكم بسبب الخوض الفاسد تكاليف تشق عليكم (٢).
الثالث: من حيث اللغة: ففي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ
стр. 541
لَكُمْ﴾ جاء بـ ﴿إِنْ﴾ للدلالة على أنّ الأولى ترك السؤال عنها لأنّ الأصل في (إنْ) أن تدلّ على أنّ الشرط نادر الوقوع أو مرغوب عن وقوعه (١).
تنبيه:
استنكر ابن العربي قول بعض المفسرين: أن قوله: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ سؤال عما لا يعني. فقال: "وليس كذلك؛ بل هو سؤال عما يضر ويسوء، ففرق بين أن يكون النهي عن شيء يضر. وبين أن يكون عما لا يعني. وهذا بين" (٢).
وظاهر الروايات الواردة في سبب نزول الآية من الأمور التي سألوا بها النبي ﷺ كالذي سأل عن أباه أهو في الجنة أم هو في النا؟، والذي سأل عن الحج أيجب في كل عام؟ لا تدل على أنهم سألوا عما يضر ويسوء، والله أعلم.
• النتيجة:
بعد إيراد ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب ما عليه أكثر أهل العلم من أن الآية بينة بنفسها من النهي عن السؤال بما لا حاجة فيه، وأن لفظ النهي عن السؤال ليس عامًا كي يحتاج إلى تقييد، لما تقد ذكره من الأوجه التي تدل على ذلك، والله أعلم.
стр. 542
٨١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ [سورة المائدة: ١٠٦].
قال بعض المفسرين: ذهب الأكثر إلى أن شهادة الذميين قد نسخت. وعن الحسن وابن أبي ليلى (١) والأوزاعي وشريح (٢) والراضي بالله (٣) وجده الإمام عبد الله بن الحسين (٤): أنها صحيحة ثابتة. وكذا ذهب الأكثر إلى أن تحليف الشهود منسوخ. وقال طاوس والحسن والهادي (٥): إنه ثابت. انتهى.
قال القاسمي: أقول: لم يأت من ادعى النسخ بحجة تصلح لذكرها وتستدعي التعرض لدفعها (٦).
• أقوال أهل العلم في شهادة الذميين على الوصية في السفر عند الموت، من حيث الإحكام والنسخ:
стр. 543
القول الأول: أن شهادة الذميين ثابتة ولم تنسخ.
القول الثاني: أن شهادة الذميين منسوخة.
أصحاب القول الأول:
جماعة من السلف وهم: ابن عباس، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وابن سيرين، والشعبي، وقتادة، والسدي (١).
الإمام أحمد: "شهادة أهل الذمة جائزة على المسلمين في السفر عند عدم المسلمين" (٢).
القرطبي: " شهادة أهل الكتاب على المسلمين جائزة في السفر إذا كانت وصية، وهو الأشبه بسياق الآية، مع ما تقرر من الأحاديث" (٣).
أصحاب القول الثاني:
جماعة من السلف وهم: زيد بن أسلم، وإبراهيم النخعي (٤).
جمع من الأئمة وهم: أبو حنيفة ومالك والشافعي (٥).
المقري (٦): " المنسوخ قوله تعالى: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾، كان في أول الإسلام تقبل شهادة اليهودي والنصراني في السفر ولا تقبل في الحضر" (٧).
стр. 544
القشيري (١): "الصحيح والله أعلم: أن ذلك في أهل الكتاب كان في صدر الإسلام، مات رجل من المسلمين ومعه رجلان من أهل الكتاب وأوصى، فأتيا بتركته ووصيته فشهدا واستحلفا، ثم عثر على خيانة منهما، فاستحلف الأولياء وهم ورثة المسلم، واستحقوا الجناية، ثم نُسخ ذلك كله" (٢).
• دراسة المسألة:
يتبين من خلال استقراء ما ذكره أهل العلم من الفقهاء والمفسرين، أنهم اختلفوا في حكم شهادة الذميين على الوصية في السفر عند الموت من حيث الإحكام والنسخ، وأن الذين قالوا بالنسخ استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [سورة البقرة: ٢٨٢] وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [سورة الطلاق: ٢]. فقالوا أن آية البقرة وآية الطلاق تنسخان آية المائدة.
والذي يظهر أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، وذلك من أوجه:
الأول: ظاهر اللفظ الذي نص على قبول شهادة غير المسلمين أو من أهل الكتاب على المسلمين في السفر إذا كانت وصية، وهو قوله تعالى: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أي: من غير ملتكم، كما ذهب إليه أكثر المفسرين (٣).
الثاني: أنه لا يُسلَّم بأن آية سورة البقرة متأخرة عن آية سورة المائدة حتى يُقال أن هذه تنسخ تلك، وذلك لمعارضته بما روي جبير بن نفير (٤) أنه قال: "دخلت على عائشة
стр. 545
﵂ فقالت: هل تقرأ سورة المائدة؟ فقلت: نعم، فقالت: فإنها من آخر ما أنزل الله، فما وجدتم فيها من حلال فأحلوه وما وجدتم فيها من حرام فحرموه" (١).
الثالث: ما ورد عن بعض الصحابة ﵃ من أنهم عملوا بآية سورة المائدة بعد النبي ﷺ مما يؤيد عدم نسخها.
فقد روي عن الشعبي أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا (٢) هذه ولم يجد أحدا من المسلمين يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب، فقدما الكوفة، فأتيا الأشعري، فأخبراه، وقدما بتركته ووصيته، فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله ﷺ ، فأحلفهما بعد العصر بالله: ما خانا ولا كذبا ولا بدلا ولا كتما ولا غيرا، وإنها لوصية الرجل وتركته فأمضى شهادتهما (٣).
الرابع: أن النسخ إنما يُصار إليه إذا تعذر الجمع بين الأدلة، فإن النسخ لا بد فيه من إثبات الناسخ على وجه يتنافى الجمع بينهما مع تراخي الناسخ، وفي هذه المسألة لا يوجد ما يدل على تأخر ما يُقال بأنه الناسخ.
ويمكن الجمع بين الأدلة: وذلك بحمل ما يدل على اشتراط العدالة والإسلام في الشهادة على الحالة العامة، وحمل ما يدل على جواز شهادة غير المسلم، على الحالة الخاصة، وهو جواز شهادته على الوصية في السفر، إذا لم يوجد أحد من المسلمين (٤).
الخامس: أن شهادة أهل الكتاب مع عدم وجود المسلمين في هذا الموضع، من باب
стр. 546
الضرورات التي تُبيح المحظورات - على التسليم بأن شهادتهم من المحظورات-، فتجوز شهادتهم كما يجوز في بعض الأماكن شهادة نساء لا رجل معهن بالحيض، والنفاس، والاستهلال، وربما كان الكافر ثقة عند المسلم ويرتضيه عند الضرورة، فليس فيما قالوه ناسخ (١).
• النتيجة:
بعد إيراد ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الراجح هو ما عليه أصحاب القول الأول من أن شهادة الذميين في السفر ثابتة ولم تُنسخ، لما تقدم ذكره من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.
стр. 547
٨٢ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ [سورة المائدة: ١٠٦].
قال القاسمي بعد أن أورد قول من قال بأن الآية مشكلة: أقول: هذه الآية الكريمة غنية بنفسها- مع ما ورد في سبب نزولها، وما قاله حبر الأمة وترجمان القرآن في معناها- عن التشكيك فيها، والتكلف لإدخالها تحت القواعد، والتمحل لتأويلها. فخذ ما نقلناه من محاسن تأويلها وكن من الشاكرين (١).
• أقوال أهل العلم في تفسير الآية من حيث الوضوح والخفاء:
القول الأول: أن الآية مشكلة من حيث المعنى والإعراب وما تضمنته من الأحكام.
القول الثاني: أن الآية بينة وواضحة ولا إشكال فيها.
أصحاب القول الأول:
النحاس: " ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ من أشكل آية في القرآن" (٢).
مكي بن أبي طالب: " هذه الآية في قراءتها وإعرابها وتفسيرها ومعانيها وأحكامها من أصعب آية في القرآن وأشكلها، ويحتمل أن يبسط ما فيها من العلوم في ثلاثين ورقة أو أكثر" (٣).
ابن العربي: "هذه الآية من المشكلات، وقد عسر القول فيها على المتبحرين" (٤).
стр. 548
التفتازاني (١): "واتفقوا على أنها أصعب ما في القرآن إعرابا ونظما وحكما" (٢).
أصحاب القول الثاني:
الكرماني: "ذكر المفسرون: أن هذه الآية من أشكل آية في القرآن حكما ومعنى وإعرابا، وأكثروا القول فيها، وأنا أذكر فيها ومنها ما فيه مقنع" (٣).
ابن عطية: "وهذا كلام من لم يقع له الثَّلَج في تفسيرها، وذلك بين من كتابه ﵀ يعني مكي بن أبي طالب- وبه نستعين" (٤).
• دراسة المسألة:
من خلال استقراء ما ذكره عامة المفسرين في تفسير الآية، يتبين أن الصواب هو ما عليه أصحاب القول الثاني من أن الآية بينة وواضحة لمن وقف على تفسيرها، وأبرز ما يُبين هذا الوضوح ما يلي:
أولا: ما صح في سبب نزول الآية مما يُبين معناها، وكما هو معلوم أن معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية؛ فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب.
فقد أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ قال «خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم فلما قدما بتركته فقدوا جاما من فضة مخوصا من ذهب فأحلفهما رسول الله ﷺ ثم وجد الجام بمكة فقالوا: ابتعناه من تميم وعدي فقام رجلان من أوليائه فحلفا: ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ وإن الجام لصاحبهم. قال: وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾» (٥).
стр. 549
ثانيًا: الآثار الواردة عن السلف في تأويل الآية التي تُزيل خفاء المعنى، فقد وردت آثار عن جمع من السلف في تأويلها فيها الكفاية لإزالة ما أشكل فيها من أحكام أو إعراب أو نظم وغير ذلك، ومن ذلك ما روي عن ابن عباس، وسعيد بن المسيب، ويحيى بن يعمر، وعبيدة، وبن زيد، وشريح، وغيرهم (١).
وبهذا يتبين أن الآية بينة وواضحة لمن وفقه الله لتأويلها، بالوقوف على ما صح من الآثار في تأويلها، وبتطبيق القواعد الأصولية فيما ورد فيها من أحكام، بحمل العام على الخاص، وبالرجوع إلى اللغة في بيان ما أبهم فيها من ألفاظ.
• النتيجة:
من خلال ما تقدم ذكره في هذه المسألة، يظهر أن الصواب مع أصحاب القول الثاني، من أن الآية بينة وواضحة وليست من المشكل، ومما يدل على ذلك ما تقدم إيراده مما ورد في سبب نزولها، وما أشير به من الآثار التي تُبين معناها، والله أعلم.
стр. 550
٨٣ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦)﴾ [سورة المائدة: ١١٦].
قال بعضهم: من أشرك مع الله غيره فقد نفاه معنى. لأنه وحده لا شريك له، منزه عن ذلك. فإقراره بالله كلا إقرار. فيكون من دون الله مجازا عن (مع الله) (١).
قال القاسمي: ولا يخفى أن هذا تكلف. لأن توبيخهم إنما يحصل بما يعتقدونه ويعترفون به صريحا لا بما يلزمه بضرب من التأويل. فالصواب أن المراد اتخاذهما بطريق إشراكهما به سبحانه. كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ [سورة البقرة: ١٦٥]. وقوله : ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ - إلى قوله تعالى- ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة يونس: ١٨]. إذ به يتأتى التوبيخ، ويتسنى التقريع والتبكيت (٢).
• أقوال أهل العلم في معنى (دون) في الآية من حيث الحقيقة والمجاز:
القول الأول: أن المتبادر المعنى المجازي لكلمة (دُونِ) والتي تقتضي حمل جملة (مِنْ دُونِ اللَّهِ) على معنى: مع الله.
القول الثاني: اعتبار المعنى على ظاهره بأن (دُونِ) بمعنى: سوى، وفق ما يقتضيه السياق من التوبيخ.
أصحاب القول الأول:
الخفاجي: " ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ لما كان معنى اتخذت فلانا صديقا من دوني أنه استبدله به لا أنه جعله صديقا معه، وهم لم يقولوا بذلك بل ثلثوا أولها بأن من أشرك مع الله غيره فقد
стр. 551
نفاه معنى لأنه وحده لا شريك له منزه عن ذلك فإقراره بالله كلا اقرار فيكون من دون الله مجازا عن مع الله، وإما التوسط بينهم وبين الله" (١).
أبو زهرة: " ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي خلاف الله فكأنهم قالوا: إن هناك اثنين مع الله تعالى، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا" (٢).
أصحاب القول الثاني:
الزجاج: "فالمسألة ههنا على وجه التوبيخ للذين ادعوا عليه لأنهم مجمعون أنه صادق الخبر وأنه لا يكذبهم وهو الصادق عندهم فذلك أوكد في الحجة عليهم وأبلغ في توبيخهم، والتوبيخ ضرب من العقوبة" (٣).
الثعلبي: "فإن قيل: فما وجه سؤال الله عيسى، مع علمه بأنه لم يقل ذلك؟ فالجواب عنه: أنه توبيخ لقوم عيسى، وتحذير له عن هذه المقالة، ونهي عنها، وإعلامه بذلك بصنيع قومه على جهة التحذير له، والتوبيخ لهم" (٤).
الزبير الغرناطي (٥): " ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ والمراد بذلك تقريع من اتخذه ﵇ إلها ومرادنا من هذا ما اجتمعت عليه هذه الآي من إشعار التقريع والتوبيخ الحاصلين من التأكيد والتكرار" (٦).
العثيمين: " قوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: من سوى الله ، وقد تأتي "دون" بمعنى أقل، لكن هنا بمعنى سوى، أي: من سوى الله " (٧).
стр. 552
• دراسة المسألة:
هذه من المسائل الدقيقة المتعلقة بالحقيقة والمجاز التي تعقب بها القاسمي ﵀ على من سبقه، فهو كعادته ممن لا يرى بوقوع المجاز، إما في اللغة والقرآن، أو في القرآن فقط.
والناظر فيما ذكره المفسرون في تفسير الآية يجد أن عامتهم لم يحملوا لفظ: (مِنْ دُونِ اللَّهِ) على المجاز، فيقولوا أنه: مجاز عن مع الله، وإن كان النصارى في الحقيقة أنهم أشركوا مع الله في العبادة عيسى ﵇ وأمه مريم، وإنما الصواب أن يُحمل اللفظ على ظاهره بأن يُراد من لفظ: (دُونِ) سوى على وجه التوبيخ والتقريع.
والجواب عن قول من قال بأن لفظ: (مِنْ دُونِ اللَّهِ) على أنه مجاز عن مع الله، من أوجه:
الأول: الشواهد القرآنية التي تدل على أن الآية في التقريع والتبكيت كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ [سورة البقرة: ١٦٥]. وقوله : ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ - إلى قوله تعالى- ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة يونس: ١٨] (١).
الثاني: أن: ﴿دُونِ﴾ هاهنا للقاصر عن الشيء وهم عبدوا المسيح وأمه فيما توصلا إلى عبادة الله. كما عبد الكفار الأصنام حيث قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، فكأنه قيل: أنت قلت اتخذوني إلهين متوصلين بنا إلى الله، قال سبحانك منزهين عن ذلك (٢).
стр. 553
الثالث: أن قوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ متعلق بقوله: ﴿اتَّخِذُونِي﴾ على أنه حال: أي متجاوزين الحد، ويجوز أن يتعلق بمحذوف هو صفة لإلهين: أي كائنين من دون الله، فالمراد اتخاذهما بطريق إشراكهما به سبحانه إذ به يتأتى التوبيخ ويتسنى التقريع والتبكيت (١).
الرابع: أن كلمة ﴿دُونِ﴾ اسم للمكان المجاوز، ويكثر أن يكون مكانا مجازيا مرادا به المغايرة، فتكون بمعنى (سوى) ونظير ذلك أن لفظ: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [سورة المائدة: ٧٦] المراد به: غير الله. فـ (دون) اسم للمغاير، فهو مرادف لسوى، أي: أتعبدون معبودا هو غير الله، أي أتشركون مع الله غيره في الإلهية. وليس المعنى أتعبدون معبودا وتتركون عبادة الله (٢).
الجواب عن قول الشهاب الخفاجي:
إن كلمة ﴿دُونِ﴾ في هذه الآية وأمثالها بمعنى (غير) كما حققه اللغويون. ولا تفيد، وضعا، الاستقلال والبدلية، كما توهم وسر ذكرها إفهام الشركة. لأنه لولاها لتوهم دعوى انحصار الألوهية فيما عداه. مع أنهم لا يعتقدون ذلك. ولا يفهم من نحو (اتخذت صديقا من دوني) الاستبدال. فذاك من قرينة خارجية. وإلا فالمثال لا يعينه. لجواز إرادة اتخاذه معه كما لا يخفى (٣).
• النتيجة:
بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الراجح بأن يُقال: أن قوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ بمعنى: سوى الله، المراد إشراكهما مع الله من باب التقريع والتبكيت، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.
стр. 554
سورة الأنعام
стр. 555
سورة الأنعام
٨٤ - قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [سورة الأنعام: ١١].
قال القاسمي: لطيفة: وقع هنا ﴿ثُمَّ انْظُرُوا﴾. وفي النمل: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا﴾ [سورة النمل: ٦٩]. وكذا في العنكبوت. فتكلف بعضهم لتخصيص ما هنا بـ (ثم)، كما هو مبسوط في (العناية) (١)، مع ما عليه. ونقل عن بعضهم أن السير متحد فيهما، ولكنه أمر ممتد، يعطف بالفاء تارة، نظرا لآخره، وبـ (ثم) نظرا لأوله، ولا فرق بينهما (٢).
• أقوال أهل العلم في تخصيص الآية بـ (ثم) عن غيرها بالفاء:
القول الأول: أن الفاء في الآيات الأخرى تدل على أن السير يؤدي إلى النظر على الفور، فيقع موقعه، فالفاء تفيد التعقيب، بخلاف (ثم) فإنها تفيد التراخي، فإنه لم يجعل النظر واقعا عقب السير متعلقا وجوده بوجوده، بل بعث على سير بعد سير.
القول الثاني: أن الفاء في الآيات يُراد منها: إظهار السببية، وأما دخول (ثم) في الآية فللتنبيه على أن النظر هو المقصود من السير، وأن السير وسيلة إليه لا غير.
أصحاب القول الأول:
الخطيب الإسكافي (٣): "إن قوله: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا﴾، يدل على أن السير يؤدي إلى النظر فيقع بوقوعه، وليس كذلك (ثم) ألا ترى الفاء وقعت في الجزاء، ولم تقع فيه (ثم) " (٤).
стр. 556
الكرماني: "ذكر في هذه السورة (ثم) ثم ذكر في النمل والعنكبوت والروم وغيرها: (فانظروا) بالفاء، لأن (ثم) للتراخي، و (الفاء) للتعقيب" (١).
التفتازاني: "والتحقيق أنه تعالى قال هنا ﴿ثُمَّ انْظُرُوا﴾ وفي النمل ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ وفي العنكبوت: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ [سورة العنكبوت: ٢٠] وفي الروم: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [سورة الروم: ٤٢] فلا بد من بيان وجه تخصيص هذه الآية بـ (ثم) ولعله أن الفاء تدل على أن السير يؤدي إلى النظر، فيقع موقعه بخلاف (ثم) ولذا وقعت الفاء في الجزاء، فهنا لم يجعل النظر واقعا عقب السير متعلقا وجوده بوجوده بل بعث على سير بعد سير لما تقدمه من بعثهم على استقراء البلاد ومنازل أهل الفساد وأن يستكثروا من ذلك ليروا الآثار في ديار بعد ديار إذ قال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [سورة الأنعام: ٦]، الآية فقد دل الأول على أن الهالكين طوائف كثيرة، والثاني على أن المنشاء بعدهم أيضا كثيرون، ثم دعا إلى العلم بالسير في البلاد ومشاهدة آثار أهل الفساد مما يحتاج إلى زمان ومدة طويلة تمنع من ملاصقة السير بخلاف المواضع الأخر" (٢).
أصحاب القول الثاني:
ابن المنير: " وأظهر من هذا التأويل أن يجعل الأمر بالسير في المكانين واحدا، ليكون ذلك سببا في النظر، فحيث دخلت الفاء فلإظهار السببية، وحيث دخلت «ثم» فللتنبيه على أن النظر هو المقصود من السير، وأن السير وسيلة إليه لا غير. وشتان بين المقصود والوسيلة والله أعلم" (٣).
стр. 557
• دراسة المسألة:
يُريد القاسمي ﵀ من تعقبه ووصفه بالتكلف، ما أورده الشهاب الخفاجي عن النحرير وهو سعد الدين التفتازاني كما هو معلوم.
وما أورده الشهاب الخفاجي عن النحرير تعقبه بقوله: "وهو كلام أكثره واه لكن تحريره وتهذيبه يحتاج إلى تطويل فتأمله". والقاسمي ﵀ مال إلى قوله ووصف ما أورده الخفاجي عن التفتازاني بالتكلف.
والذي يظهر من خلال ما ذكره المفسرون في تفسير الآية أن الأقرب للصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، وذلك من وجهين:
الأول: سياق الآيات التي تدل على أن الفاء للتعقيب، و (ثم) للتراخي، فقوله في سورة الأنعام: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا﴾ لم يجعل النظر فيه واقعا عقيب السير، متعلقا وجوده بوجوده، لأنه بعث على سير بعد سير لما تقدم من الآية التي تدل على أنه تعالى حداهم على استقراء البلاد ومنازل أهل الفساد، وأن يستكثروا من ذلك ليروا أثرا بعد اثر، في ديار بعد ديار قد عمم أهلها بدمار، لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾، ثم قال: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾. [سورة الأنعام: ٦]. فذكر في قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ أي: قرونا كثيرة أهلكانهم، ثم قال، ﴿وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾، فدعا إلى العلم بذلك بالسير في البلاد ومشاهدة هذه الآثار، وفي ذلك ذهاب أزمنة كثيرة ومدد طويلة تمنع النظر من ملاصقة السير، كما قال في المواضع الآخر التي دخلها الفاء لما قصد فيها من معنى التعقيب واتصال النظر بالسير، إذ ليس في شيء من الأماكن التي استعملتها فيها الفاء ما في هذا المكان من البعث على استقراء الديار وتأمل الآثار، فجعل السير في الأرض في هذا المكان مأمورا به على حدة، والنظر بعده مأمورا به على حدة، وسائر الأماكن التي دخلتها الفاء علق فيها وقوع النظر بوقوع السير، لأنه لم يتقدم الآية ما يحدوا على السير الذي حدا عليه
стр. 558
فيما قبل هذه الآية، فلذلك خصت بـ (ثم) التي تفيد تراخي المهلة بين الفعلين والله أعلم (١).
الثاني: من حيث موضوع السورة التي افتتحت به: فإن سورة الأنعام افتتحت بذكر خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور وإنما ذكر هذا من الخلق الأكبر ليعتبر بذلك فإنه أعظم معتبر وأوسعه قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ فكأن الآية في قوة أن لو قيل: سيروا في الأرض فاعتبروا لخالقها، وكيف دحاها لكم وذللها لسكانكم، وجعل فيها رواسي أن تميد بكم وفجر فيها الأنهار، إلى عجائب ما أودع فيها وكيف جعل السماء سقفا محفوظا بغير عماد وزينها بالنجوم لتهتدوا بها في الظلمات وجعل الشمس والقمر حسبانا وضياء وزينا للسماء الدنيا وكيف محا آية الليل لمصلحة العباد وجعل آية النهار مبصرة إلى ما لا يحصى من منافعها وعجائبها لمن منح الاعتبار قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ثم انظروا عاقبة من كذب ونبه فلم يعتبر فعطف هذا بـ (ثم) المقتضية مهلة الزمان حيث يراد ذلك.
وتفخيم الأمر وتفاوت المنظور وتجريد الأمر لكل من الضربين مما قبلها وما بعدها فليس موضع تعقيب بالفاء إذا لم يرد أن يكون سيرهم لمجرد الاعتبار بمن كذب فأخذ تذيبه فقط بل الضربين مما ذكرناه ومهدناه -يعني: أن يعقبوا سيرهم بالتدبر والاعتبار وحصر نظرهم واعتبارهم في المعقب المذكور بعد الفاء ولم تقع إشارة إلى اعتبارهم بغير ذلك- وفي كل آية منهما أشفى دلالة، وقصد في الآي الأُخر تذكيرهم واعتبارهم بأحد المكذبين وهو المُعقب بالفاء، فلما افترق القصدان عطف كل بما يناسب والله أعلم (٢).
стр. 559
تنبيه:
ذكر الزمخشري في تفسيره ومن تبعه من أن الفرق بين قوله: ﴿فَانْظُرُوا﴾ وبين قوله: ﴿ثُمَّ انْظُرُوا﴾ أنه تعالى جعل النظر مسببا عن السير في قوله ﴿فَانْظُرُوا﴾ فكأنه قيل: سيروا لأجل النظر، ولا تسيروا سير الغافلين. وأما قوله: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا﴾ فمعناه إباحة السير في الأرض للتجارة وغيرها من المنافع وإيجاب النظر في آثار الهالكين. ونبه على ذلك بثم، لتباعد ما بين الواجب والمباح" (١).
وهذا الذي ذكره تعقبه أبو حيان بقوله: "وما ذكره أولا متناقض، لأنه جعل النظر متسببا عن السير، فكان السير سببا للنظر ثم قال: فكأنما قيل: سيروا لأجل النظر فجعل السير معلولا بالنظر، فالنظر سبب له فتناقضا.
ودعوى أن الفاء تكون سببية، لا دليل عليها، وإنما معناها التعقيب فقط، وأما مثل: ضربت زيدا فبكى، وزنى ماعز فرجم، فالتسبيب فُهِمَ من مضمون الجملة، لأن الفاء موضوعة له، وإنما يفيد تعقيب الضرب بالبُكى، وتعقيبَ الزنا بالرجم فقط، وعلى تسليم أن الفاء تفيد التسبيب، فلم كان السير هنا سير إباحة وفي غيره سير واجب؟ فيحتاج ذلك إلى فرق بين هذا الموضع وبين تلك المواضع" (٢).
قال السمين: "قلت: هذا اعتراض صحيح إلا قوله: «إن الفاء لا تفيد السببية» فإنه غير مرض" (٣).
• النتيجة:
بعد عرض ما تقدم من أقوال المفسرين في هذه المسألة، يظهر أن الأقرب للصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن الفاء في قوله تعالى: ﴿فَانْظُرُوا﴾ للتعقيب و (ثم) في قوله: ﴿ثُمَّ انْظُرُوا﴾ للتراخي، لما تقدم ذكره من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.
стр. 560
٨٥ - قوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٢٤].
قال الزمخشري: وأما قول من يقول: معناه ما كنا مشركين عند أنفسنا، وما علمنا أنا على خطأ في معتقدنا، وحمل قوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ يعني في الدنيا- فتمحل وتعسف وتحريف لأفصح الكلام، إلى ما هو عي وإفحام. لأن المعنى الذي ذهبوا إليه، ليس هذا الكلام بمترجم عنه، ولا منطبق عليه، وهو ناب عنه أشد النبو. وما أدري ما يصنع، من ذلك تفسيره، بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [سورة المجادلة: ١٨] بعد قوله تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤)﴾ [سورة المجادلة: ١٤] فشبه كذبهم في الآخرة بكذبهم في الدنيا (١).
قال القاسمي: والقول المذكور، والحمل الذي ناقش فيه، أصله لأبي علي الجبائي والقاضي. فإنهما ذهبا إلى أن أهل القيامة لا يجوز إقدامهم على الكذب، واعتلا بوجوه واهية ساقها الرازي. فلتنظر ثمت، فإنا لا نسود وجوه صحائفنا بما فيه تحكيم العقل على النقل (٢).
• أقوال أهل العلم في إقدام أهل القيامة على الكذب:
القول الأول: أن أهل القيامة يُقدمون على الكذب، فالمراد بالكذب في الآية: الكذب يوم القيامة.
القول الثاني: أن أهل القيامة لا يجوز إقدامهم على الكذب، وأن المراد بالكذب في الآية: الكذب في الدنيا.
стр. 561
أصحاب القول الأول:
ابن عباس: " ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ هنا في القيامة" (١).
الطبري: "يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : انظر يا محمد فاعلم كيف كذب هؤلاء المشركون العادلون بربهم الأوثان والأصنام في الآخرة، عند لقاء الله، على أنفسهم بقيلهم: والله يا ربنا ما كنا مشركين" (٢).
أبو حيان: " ﴿كَذَبُوا﴾ ماض وهو في أمر لم يقع لكنه حكاية عن يوم القيامة ولا إشكال في استعمال الماضي فيها موضع المستقبل تحقيقا لوقوعه ولا بد" (٣).
الشوكاني: " ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ في القيامة ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ يكذبون في الدنيا" (٤).
أصحاب القول الثاني:
الجبائي والقاضي عبد الجبار: " أهل القيامة لا يجوز إقدامهم على الكذب" (٥).
الكرماني: " ﴿كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: في الدنيا، لأن القيامة لا يكذب فيها أحد" (٦).
قطرب (٧): " ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ أي في الدنيا عند أنفسنا لاعتقادنا فيها أننا على صواب" (٨).
стр. 562
• دراسة المسألة:
من أعظم الآفات التي أفسدت طريقة المتكلمين في العقيدة والشريعة: تحكيم العقول وتأويل النصوص التي لا تُوافق عقولهم، لعدم علمهم بأن النقل الصحيح يوافق العقل السليم، فإذا وجدوا ظاهر الآيات يتعارض مع عقولهم، أولوه وصرفوه عن ظاهره إلى معنى يُخالف الظاهر.
ومن أمثلة ذلك: أنهم حملوا الكذب في قوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ على الدنيا، وهذا لا شك أنه خلاف ما عليه جمهور المفسرين، والصواب أن الآية دالة على أن الكذب إنما هو في الآخرة وأن الكفار يكذبون يوم القيامة، لما يلي:
أولا: الآيات الصريحة الدالة على أن الكفار يكذبون يوم القيامة، ومن ذلك أنه تعالى حكى عنهم أنهم يقولون ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [سورة المؤمنون: ١٠٧] مع أنه تعالى أخبر عنهم بقوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [سورة الأنعام: ٢٨].
وقوله تعالى حكاية عنهم ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [سورة الزخرف: ٧٧] وقد علموا أنه تعالى لا يقضي عليهم بالخلاص (١).
ثانيًا: من حيث السياق: فالله تعالى ذكر الحشر في قوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٢٤] والحشر كما هو معلوم إنما يكون في الآخرة، فهم كذبوا على أنفسهم بقولهم: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ يوم القيامة.
ثالثًا: دلالة السنة: فقد أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه رجلٌ استشهد فأُتيَ به فعرَّفه نعمَه فعرفها، قال فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال كذبت، ولكنك
стр. 563
قاتلت لأن يقال هو جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسُحبَ على وجهه حتى ألقي في النار" (١) الحديث.
فهذا الحديث فيه دلالة مُحكمة صريحة لا تقبل تأويلاً ولا تفسيراً يصرفها عن ظاهرها بوقوع الكذب يوم القامة من الكفار أو العصاة.
رابعًا: الآثار المروية عن السلف في تفسير الآية الدالة على أن الكذب الصادر من المشركين إنما هو يوم القيامة، وليس في الدنيا، وهم أقرب الناس إلى التنزيل وأعلمهم به.
فروي عن ابن عباس: حبر الأمة وترجمان القرآن أنه قال في قوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، "لما رأى المشركون أنه لا يدخل الجنة إلا مسلم، قالوا: تعالوا إذا سئلنا قلنا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. فسئلوا، فقالوا ذلك، فختم الله على أفواههم، وشهدت عليهم جوارحهم بأعمالهم، فودَّ الذين كفروا حين رأوا ذلك: ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [سورة النساء: ٤٢] (٢).
وعن مجاهد: في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، قال "هذا قول أهل الشرك حين رأوا كل أحد يخرج من النار غير أهل الشرك، ورأوا الذنوب تغفر ولا يغفر الشرك ولا لمشرك، فقالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. يقول الله : ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ يعني تكذيب الله إياهم (٣).
وعن سعيد بن جبير: في قوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، قال: لما أمر بإخراج رجال من النار من أهل التوحيد، قال من فيها من المشركين: "تعالوا نقول: لا إله إلا الله، لعلنا نخرج مع هؤلاء". قال: فلم يصدَّقوا. قال: فحلفوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.
стр. 564
قال: فقال الله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (١).
وقد شهد الله تعالى للصحابة والتابعين بالرضى والفضل العظيم في كتابه، وشهد لهم النبي ﷺ بالفضل والخيرية في سنته، وأجمع أهل العلم على ذلك، فليس لأحد بعدهم من العلم والفهم عليهم، لاسيما وأهل البدع والمتكلمين الزائغين، ممن طمس الله بصيرته بظلمات البدع، وحال بينه وبين نور الكتاب والسنة.
رابعًا: أن حمل قوله تعالى ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ على أنهم كذبوا في الدنيا يوجب فك نظم الآية، وصرف أول الآية إلى أحوال القيامة وصرف آخرها إلى أحوال الدنيا وهو في غاية البعد (٢).
تنبيهان:
الأول: أن هذه المسألة تتعلق بأصل عند المعتزلة وهو القول بالتحسين والتقبيح العقليين، فالمعتزلة يقولون بالحسن والقبح ويجعلون ذلك صفات ذاتية للفعل لازمة له ولا يجعلون الشرع إلا كاشفا عن تلك الصفات لا سببا لشيء من الصفات.
والتحسين والتقبيح العقليين عندهم راجع إلى أن العقل هو أصل المعرفة فلذلك كان أصلا للسمع وكان مقدما عليه عند التعارض.
وبناء على هذا الأصل الفاسد قالوا: أن أهل القيامة يعرفون الله تعالى بالاضطرار، إذ لو عرفوه بالاستدلال لصار موقف القيامة دار التكليف، وذلك باطل، وإذا كانوا عارفين بالله على سبيل الاضطرار وجب أن يكونوا ملجئين إلى أن لا يفعلوا القبيح بمعنى أنهم لو راموا فعل القبيح لمنعهم الله منه؛ لأن مع زوال التكليف لو لم يحصل هذا المعنى لكان ذلك إطلاقهم في فعل القبيح، وأنه لا يجوز، فثبت أن أهل القيامة يعلمون الله بالاضطرار، وثبت أنه متى كان كذلك كانوا ملجئين إلى ترك القبيح، وذلك يقتضي أنه لا يقدم أحد من أهل القيامة على فعل القبيح.
стр. 565
وأما إن قيل: إنهم لا يستحقون على ذلك الكذب، وعلى ذلك الحلف الكاذب عقابا وذما، فهذا يقتضي حصول الإذن من الله تعالى في ارتكاب القبائح والذنوب، وأنه باطل، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز إقدام أهل القيامة على القبيح والكذب (١).
ومثل هذه الاستدلالات العقلية التي تُخالف الأدلة من الكتاب والسنة، وحملها على اقتضاءات ولوازم لا تلزم قد رد عليها الرازي في تفسيره كما أشار بذلك القاسمي ﵀ (٢).
الثاني: أن جمهور المفسرين، يقولون: إن الكفار يكذبون في الآخرة وظواهر القرآن دالة على ذلك وقد خالف الزمخشري هنا أصحابه المعتزلة ووافق أهل السنة (٣).
• النتيجة:
يتبين من خلال عرض ما تقدم في هذه المسألة من أقوال أهل العلم، أن الحق مع أصحاب القول الأول من أن الكذب واقع يوم القيامة من الكفار والعُصاة، لما تقدم إيراده من أدلة الكتاب والسنة والآثار الدالة على ذلك، والله أعلم.