أصحاب القول الأول:
ابن عباس: " ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ هنا في القيامة" (١).
الطبري: "يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : انظر يا محمد فاعلم كيف كذب هؤلاء المشركون العادلون بربهم الأوثان والأصنام في الآخرة، عند لقاء الله، على أنفسهم بقيلهم: والله يا ربنا ما كنا مشركين" (٢).
أبو حيان: " ﴿كَذَبُوا﴾ ماض وهو في أمر لم يقع لكنه حكاية عن يوم القيامة ولا إشكال في استعمال الماضي فيها موضع المستقبل تحقيقا لوقوعه ولا بد" (٣).
الشوكاني: " ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ في القيامة ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ يكذبون في الدنيا" (٤).
أصحاب القول الثاني:
الجبائي والقاضي عبد الجبار: " أهل القيامة لا يجوز إقدامهم على الكذب" (٥).
الكرماني: " ﴿كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: في الدنيا، لأن القيامة لا يكذب فيها أحد" (٦).
قطرب (٧): " ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ أي في الدنيا عند أنفسنا لاعتقادنا فيها أننا على صواب" (٨).
стр. 562
• دراسة المسألة:
من أعظم الآفات التي أفسدت طريقة المتكلمين في العقيدة والشريعة: تحكيم العقول وتأويل النصوص التي لا تُوافق عقولهم، لعدم علمهم بأن النقل الصحيح يوافق العقل السليم، فإذا وجدوا ظاهر الآيات يتعارض مع عقولهم، أولوه وصرفوه عن ظاهره إلى معنى يُخالف الظاهر.
ومن أمثلة ذلك: أنهم حملوا الكذب في قوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ على الدنيا، وهذا لا شك أنه خلاف ما عليه جمهور المفسرين، والصواب أن الآية دالة على أن الكذب إنما هو في الآخرة وأن الكفار يكذبون يوم القيامة، لما يلي:
أولا: الآيات الصريحة الدالة على أن الكفار يكذبون يوم القيامة، ومن ذلك أنه تعالى حكى عنهم أنهم يقولون ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [سورة المؤمنون: ١٠٧] مع أنه تعالى أخبر عنهم بقوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [سورة الأنعام: ٢٨].
وقوله تعالى حكاية عنهم ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [سورة الزخرف: ٧٧] وقد علموا أنه تعالى لا يقضي عليهم بالخلاص (١).
ثانيًا: من حيث السياق: فالله تعالى ذكر الحشر في قوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٢٤] والحشر كما هو معلوم إنما يكون في الآخرة، فهم كذبوا على أنفسهم بقولهم: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ يوم القيامة.
ثالثًا: دلالة السنة: فقد أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه رجلٌ استشهد فأُتيَ به فعرَّفه نعمَه فعرفها، قال فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال كذبت، ولكنك
стр. 563
قاتلت لأن يقال هو جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسُحبَ على وجهه حتى ألقي في النار" (١) الحديث.
فهذا الحديث فيه دلالة مُحكمة صريحة لا تقبل تأويلاً ولا تفسيراً يصرفها عن ظاهرها بوقوع الكذب يوم القامة من الكفار أو العصاة.
رابعًا: الآثار المروية عن السلف في تفسير الآية الدالة على أن الكذب الصادر من المشركين إنما هو يوم القيامة، وليس في الدنيا، وهم أقرب الناس إلى التنزيل وأعلمهم به.
فروي عن ابن عباس: حبر الأمة وترجمان القرآن أنه قال في قوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، "لما رأى المشركون أنه لا يدخل الجنة إلا مسلم، قالوا: تعالوا إذا سئلنا قلنا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. فسئلوا، فقالوا ذلك، فختم الله على أفواههم، وشهدت عليهم جوارحهم بأعمالهم، فودَّ الذين كفروا حين رأوا ذلك: ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [سورة النساء: ٤٢] (٢).
وعن مجاهد: في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، قال "هذا قول أهل الشرك حين رأوا كل أحد يخرج من النار غير أهل الشرك، ورأوا الذنوب تغفر ولا يغفر الشرك ولا لمشرك، فقالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. يقول الله : ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ يعني تكذيب الله إياهم (٣).
وعن سعيد بن جبير: في قوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، قال: لما أمر بإخراج رجال من النار من أهل التوحيد، قال من فيها من المشركين: "تعالوا نقول: لا إله إلا الله، لعلنا نخرج مع هؤلاء". قال: فلم يصدَّقوا. قال: فحلفوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.
стр. 564
قال: فقال الله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (١).
وقد شهد الله تعالى للصحابة والتابعين بالرضى والفضل العظيم في كتابه، وشهد لهم النبي ﷺ بالفضل والخيرية في سنته، وأجمع أهل العلم على ذلك، فليس لأحد بعدهم من العلم والفهم عليهم، لاسيما وأهل البدع والمتكلمين الزائغين، ممن طمس الله بصيرته بظلمات البدع، وحال بينه وبين نور الكتاب والسنة.
رابعًا: أن حمل قوله تعالى ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ على أنهم كذبوا في الدنيا يوجب فك نظم الآية، وصرف أول الآية إلى أحوال القيامة وصرف آخرها إلى أحوال الدنيا وهو في غاية البعد (٢).
تنبيهان:
الأول: أن هذه المسألة تتعلق بأصل عند المعتزلة وهو القول بالتحسين والتقبيح العقليين، فالمعتزلة يقولون بالحسن والقبح ويجعلون ذلك صفات ذاتية للفعل لازمة له ولا يجعلون الشرع إلا كاشفا عن تلك الصفات لا سببا لشيء من الصفات.
والتحسين والتقبيح العقليين عندهم راجع إلى أن العقل هو أصل المعرفة فلذلك كان أصلا للسمع وكان مقدما عليه عند التعارض.
وبناء على هذا الأصل الفاسد قالوا: أن أهل القيامة يعرفون الله تعالى بالاضطرار، إذ لو عرفوه بالاستدلال لصار موقف القيامة دار التكليف، وذلك باطل، وإذا كانوا عارفين بالله على سبيل الاضطرار وجب أن يكونوا ملجئين إلى أن لا يفعلوا القبيح بمعنى أنهم لو راموا فعل القبيح لمنعهم الله منه؛ لأن مع زوال التكليف لو لم يحصل هذا المعنى لكان ذلك إطلاقهم في فعل القبيح، وأنه لا يجوز، فثبت أن أهل القيامة يعلمون الله بالاضطرار، وثبت أنه متى كان كذلك كانوا ملجئين إلى ترك القبيح، وذلك يقتضي أنه لا يقدم أحد من أهل القيامة على فعل القبيح.
стр. 565
وأما إن قيل: إنهم لا يستحقون على ذلك الكذب، وعلى ذلك الحلف الكاذب عقابا وذما، فهذا يقتضي حصول الإذن من الله تعالى في ارتكاب القبائح والذنوب، وأنه باطل، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز إقدام أهل القيامة على القبيح والكذب (١).
ومثل هذه الاستدلالات العقلية التي تُخالف الأدلة من الكتاب والسنة، وحملها على اقتضاءات ولوازم لا تلزم قد رد عليها الرازي في تفسيره كما أشار بذلك القاسمي ﵀ (٢).
الثاني: أن جمهور المفسرين، يقولون: إن الكفار يكذبون في الآخرة وظواهر القرآن دالة على ذلك وقد خالف الزمخشري هنا أصحابه المعتزلة ووافق أهل السنة (٣).
• النتيجة:
يتبين من خلال عرض ما تقدم في هذه المسألة من أقوال أهل العلم، أن الحق مع أصحاب القول الأول من أن الكذب واقع يوم القيامة من الكفار والعُصاة، لما تقدم إيراده من أدلة الكتاب والسنة والآثار الدالة على ذلك، والله أعلم.
стр. 566
٨٦ - قوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٢٤].
قال القاسمي: جعل الناصر في (الانتصاف) ضل بمعنى سلبوا علمه، فكأنهم نسوه وذهلوه دهشا. وهو بعيد، لعدم ملاقاته للآية الأخرى. والتنزيل يفسر بعضه بعضا (١). وعبارته: في الآية دليل بين على أن الإخبار بالشيء على خلاف ما هو به، كذب، وإن لم يعلم المُخْبِرُ مُخالفة خبره لِمُخْبِرِهِ. ألا تراه جعل إخبارهم وتبريهم كذبا، مع أنه تعالى أخبر أنهم ضل عنهم ما كانوا يفترون. أي: سلبوا علمه حينئذ دهشا وحيرة. فلم يرفع ذلك إطلاق الكذب عليهم (٢).
• أقوال أهل العلم في المراد من قوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾:
القول الأول: أن المراد: ضاع وغاب عنهم الشركاء، فلم يُغنوا عنهم شيئا.
القول الثاني: أن المراد: سلب العلم من الدهشة والحيرة.
أصحاب القول الأول:
الطبري: " ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾، وفارقهم الأنداد والأصنام، وتبرءوا منها، فسلكوا غير سبيلها، لأنها هلكت" (٣).
البغوي: " ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ زال وذهب عنهم ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ من الأصنام، وذلك أنهم كانوا يرجون شفاعتها ونصرتها، فبطل كله في ذلك اليوم" (٤).
ابن عطية: " ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ معناه: "ذهب افتراؤهم في الدنيا؛ وكذبهم بادعائهم لله
стр. 567
﵎ الشركاء" (١).
القرطبي: " ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي فانظر كيف ضل عنهم افتراؤهم أي تلاشى وبطل ما كانوا يظنونه من شفاعة آلهتهم" (٢).
أصحاب القول الثاني:
ابن المنير: وتقدم قوله.
ظاهر قول أبي زهرة: " ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي غاب عن ذاكرتهم فنسبوا ما كانوا يفترونه من قول فيشركون مع الله غيره في العبادة" (٣).
• دراسة المسألة:
ذكر القاسمي ﵀ في تفسيره أن المراد من قوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: ما كانوا يفترون من الشركاء، فلم تغن عنهم شيئا، ففقدوا ما رجوا من شفاعتها ونصرتها لهم (٤).
والذي يظهر من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الصواب مع أصحاب القول الأول، من أن المراد من قوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ضياع وغياب ما كانوا يُشركون به من الأصنام والأوثان التي كانوا يرجون شفاعتها يوم القيامة، وذلك من أوجه:
الأول: سياق الآيات وموضوعها الذي يتحدث عن موقف المشركين من شركائهم الذين كانوا يعبدونهم من دون الله وبراءتهم منهم يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ
стр. 568
رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [سورة الأنعام: ٢٣] فقوله تعالى بعدها: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ إشارة إلى براءتهم من شركائهم (١).
الثاني: نظائر الآيات الدالة على أن المراد من الضلال في الآية: براءتهم من الأصنام التي كانوا يعبدونها، فقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ نظيره قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [سورة البقرة: ١٦٦] وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة غافر: ٧٤]، والقرآن يُفسر بعضه بعضا.
الثالث: واقع المشركين يوم القيامة، الذين كانوا يأملون ويرجون شفاعة معبوداتهم ونصرتهم يوم القيامة، فلما غابوا عنهم وتبرءوا منهم، ناسب أن يكون المراد من الضلال في قوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾: براءتهم من معبوداتهم، والله أعلم.
الرابع: أن في قوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ يدل على إيقاع الافتراء عليها - أي على الأوثان والمعبودات- مع أنه في الحقيقة واقع على أحوالها، للمبالغة في أمرها، كأنها نفس المفترى، أي: زالت وذهبت عنهم أوثانهم التي يفترون فيها ما يفترون، فلم تغن عنهم من الله شيئا (٢)، فإيقاع الافتراء يدل على أن المراد: البراءة من الأوثان.
تنبيه:
قول ابن المنير في الآية تعقبه غير واحد من أهل العلم تصريحًا أو تلميحاً.
فقد أورد الشهاب الخفاجي في حاشيته قول ابن المنير ثم قال: "وفيه بحث" (٣)، وأورده
стр. 569
الآلوسي في تفسيره وتعقبه بقوله: " وأنت تعلم أن تفسير هذه الجملة بما ذُكر غير ظاهر" (١).
الجواب عن قول ابن المنير:
لا شك أن ما ذهب إليه ابن المنير من أن المراد من قوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾: النسيان وسلب العلم من الدهشة، بعيد من وجهين:
الأول: أن هذا التأويل مخالف لتأويل جمهور المفسرين، ولما دل عليه سياق الآيات ونظائرها، كما تقدم.
الثاني: أن تأويله مخالف لظاهر اللفظ من حيث اللغة، فالضلال يُطلق على الغياب، وليس سلب العلم، وإن كان في بعض الأحيان يُطلق على النسيان بحسب سياق الكلام.
يقال: ضل الكافر: إذا غاب عن الحجة، وضل الناسي، إذا غاب عنه حفظه. قال الله تعالى: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي﴾ [سورة طه: ٥٢]، أي لا يغيب عنه شيء، ولا يغيب عن شيء، وقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ [سورة البقرة: ٢٨٢] أي تغيب عن حفظها، أو يغيب حفظها عنها (٢).
• النتيجة:
يتبين من خلال ما تقدم إيراده في هذه المسألة، أن الصواب مع أصحاب القول الأول من أن المراد من قوله تعال: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: براءتهم من الشركاء التي كانوا يرجون شفاعتها ونصرتها لهم، لما تقدم بيانه من الأوجه الدالة على ذلك، والجواب عن ما خالف ذلك، والله أعلم.
стр. 570
٨٧ - قوله تعالى: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٢٨].
قال القاسمي: اعتمد أبو السعود، أن المراد ب (ما كانوا يخفونه في الدنيا) النار التي وقفوا عليها، إذ هي التي سيق الكلام لتهويل أمرها. ثم قال في الوجوه المتقدمة (١): إنه بعد الإغضاء عما في كل منها من الاعتساف والاختلال، لا سبيل إلى شيء من ذلك أصلا. لما عرفت من أن سوق النظم الشريف لتهويل أمر النار، وتفظيع حال أهلها … إلخ (٢).
أقول: لا ريب في بلاغة ما قرره ونفاسته، لولا تكلفه حمل الإخفاء على ما ذكره، مما هو غير ظاهر فيه، وليس له نظائر في التنزيل الكريم. فمجازيته حينئذ من قبل المُعَمَّى. وفي الوجوه الأول إبقاؤه على حقيقته بلا تكلف، وشموله لها- غير بعيد. لأن في كل منها ما يؤيده، كما بيناه. غاية الأمر أن ما قرره وجه منها بديع. وأما كونه المراد لا غير، فدونه خرط القتاد والله أعلم بأسرار كتابه (٣).
• أقوال أهل العلم في الذي كان يُخفيه المشركون وبدا لهم يوم القيامة:
القول الأول: أن الذي كان يُخفيه المشركون هو أعمالهم السيئة من المعاصي والشرك بالله تعالى.
القول الثاني: أن الذي كان يُخفيه المشركون هو البعث والنشور.
القول الثالث: أن الذي كان يُخفيه المشركون هو النفاق الذي كانوا يُسرونه في الدنيا.
стр. 571
أصحاب القول الأول:
السدي: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ يقول: «بدت لهم أعمالهم في الآخرة التي أخفوها في الدنيا»، وبنحو ذلك روي عن قتادة، ومقاتل (١).
الثعلبي: " ﴿مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾: يسرون في الدنيا من كفرهم ومعاصيهم" (٢).
الواحدي: " ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ وهو أنهم أنكروا شركهم فأنطق الله سبحانه جوارحهم حتى شهدت عليهم بالكفر" (٣).
السمعاني: " ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: ظهر لهم ما أخفوا من قبل من تبرئهم عن الشرك بقولهم: والله ربنا ما كنا مشركين" (٤).
أصحاب القول الثاني:
الزجاج: " أي بل ظهر للذين اتبعوا الغواة ما كان الغواة يخفون عنهم من أمر البعث والنشور" (٥).
أصحاب القول الثالث:
ما ذهب إليه بعض المفسرين: أن هذه الآية في المنافقين، الذين كانوا يسرون الكفر ويظهرون الإسلام، وبدا لهم يوم القيامة، وظهر بأن عرف غيرهم أنهم كانوا من قبل منافقين (٦).
стр. 572
• دراسة المسألة:
ذكر القاسمي ﵀ في تفسيره بعضا من الأوجه التي تقدم في أقوال أهل العلم من المفسرين في المراد مما كان يُخفيه المشركون يوم القيامة وبدا لهم، من الكفر والشرك، أو ما كانوا يكتمون في أنفسهم في الدنيا من صدق ما جاء به الرسول ﷺ ، أو أن الآية إخبار عن حال المنافقين، وأنه يظهر نفاقهم الذي كانوا يسرونه.
ثم أورد القاسمي ﵀ قول العلامة أبي السعود: "أن المراد ب (ما كانوا يخفونه في الدنيا) النار التي وقفوا عليها، إذ هي التي سيق الكلام لتهويل أمرها، والتعجيب من فظاعة حال الموقوفين عليها، و (بإخفائها) تكذيبهم بها، فإن التكذيب بالشيء كفر به، وإخفاء له لا محالة. وإيثاره على صريح التكذيب الوارد في قوله : ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [سورة الرحمن: ٤٣]. وقوله تعالى: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [سورة الطور: ١٤]. مع كونه أنسب بما قبله من قولهم: ﴿وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ [سورة الأنعام: ٢٧]. لمراعاة ما في مقابلته من البدو. هذا هو الذي تستدعيه جزالة النظم الكريم.
ثم قال أبي السعود في الوجوه المتقدمة: إنه بعد الإغضاء عما في كل منها من الاعتساف والاختلال، لا سبيل إلى شيء من ذلك أصلا. لما عرفت من أن سوق النظم الشريف لتهويل أمر النار، وتفظيع حال أهلها، وقد ذكر وقوفهم عليها، وأشير إلى أنه اعتراهم عند ذلك من الخوف والخشية والحيرة والدهشة ما لا يحيط به الوصف. ورتب عليه تمنيهم المذكور ب (الفاء) القاضية بسببية ما قبلها لما بعدها، فإسقاط النار بعد ذلك من تلك السببية، وهي نفسها أدهى الدواهي، وأزجر الزواجر، وإسنادها إلى شيء من الأمور المذكورة التي دونها في الهول والزجر، مع عدم جريان ذكرها، ثمة- أمر يجب تنزيه ساحة التنزيل عن أمثاله. وأما قيل من أن المراد جزاء ما كانوا يخفون، فمن قبيل دخول البيوت من ظهورها، وأبوابها مفتوحة. فتأمل (١).
стр. 573
والناظر في أقوال المفسرين في بيان ما كان يُخفيه المشركون يوم القيامة يتبين له أن تعقب القاسمي ﵀ على أبي السعود هو كما قال، فإذا كانت الآية تحتمل معاني كلها صحيحة ولا تعارض بينها، فإنه يتعين حملها على الجميع، وذلك من أوجه:
الأول: أن لكل وجه من الأول قرينة ونواظر تدل على صحته.
فمن قال بأن الذي كان يُخفيه المشركون هو أعمالهم السيئة من المعاصي والشرك بالله تعالى: يؤيده ما سيقت له الآيات من إنكار المشركين بقولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [سورة الأنعام: ٢٣] فينطق الله جوارحهم فتشهد عليهم بالكفر وذلك حين ﴿بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ وعلى هذا أهل التفسير (١).
ومن قال بأن الذي كان يُخفيه المشركون هو البعث والنشور، يؤيده سياق الآيات بعدها وهو قوله تعالى:
﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾. فأنكروا البعث ليجرئوا عنى المعاصي (٢).
ومن قال بأن الذي كان يُخفيه المشركون هو النفاق الذي كانوا يُسرونه في الدنيا، هو باعتبار أن اسم الكفر مشتمل عليهم، فعاد الضمير على بعض المذكورين، قال النحاس: وهذا من كلام العرب الفصيح (٣).
وأيضًا قد سبق ذكرهم في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ (٤). ولا ينافي هذا كون هذه السورة مكية، والنفاق إنما كان من بعض أهل المدينة ومن حولها من الأعراب، فقد ذكر الله وقوع النفاق في سورة مكية وهي العنكبوت، فقال: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [سورة العنكبوت: ١١]؛ وعلى هذا فيكون إخبارا عن حال المنافقين في الدار الآخرة، حين يعاينون العذاب يظهر لهم حينئذ غبُّ ما كانوا يبطنون من
стр. 574
الكفر والشقاق والنفاق، والله أعلم (١).
الثاني: أن القول الأول يتميز بأنه مأثور عن بعض السلف، الذين نطق الوحي المبين بفضلهم، وهم أعلم الناس بكتاب الله ممن جاء بعدهم.
الثالث: أنه قد تقرر عند أهل التفسير قاعدة جليلة وهي أنه: "إذا احتمل اللفظ معاني عدة ولم يمتنع إرادة الجمع، حمل عليها" (٢). وهنا نجد أن جميع الأوجه يحتملها اللفظ.
يقول النيسابوري في تفسير الآية: "والأولى حمل الآية على الكل لأنه يوم تبلى السرائر فلا جرم تظهر الفضائح والقبائح وتنكشف الأسرار وتنهتك الأستار" (٣).
ويقول أبو زهرة بعد إيراده للآراء: "وأحسب أن المعاني مستقيمة، ولا مانع من جمعهم، فالنص يعمهم" (٤).
ويقول العثيمين ﵀ بعد إيراده للأقوال: فإن قيل: هل يمكن أن نقول: إن الآية شاملة للمعنيين؟
فالجواب: نعم؛ لأنه لا منافاة، والقرآن الكريم عظيم تأتي فيه الآيات والجمل والكلمات تحتمل معاني متعددة، ولكن القرآن لعظمته يتسع لكل هذه المعاني، ما لم يكن بعضها منافيا لبعض، فإن كان بعضها منافيا لبعض طلب الترجيح (٥).
• النتيجة:
من خلال عرض ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن ما ورد في بيان ما كان يُخفيه المشركون يوم القيامة سواء الشرك أو إنكار البعث أو النفاق أو ما في معنى ذلك، من أن جميعه محتمل ويُمكن حمل الآية عليه، لما تقدم بيانه، وأن ما ذهب إليه أبي السعود له حظ من النظر كذلك، والله أعلم.
стр. 575
٨٨ - قوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٣١].
قال القاسمي: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ أي: ببلوغ الآخرة وما يتصل بها، أو هو مجرى على ظاهره، لأن منكر البعث منكر للرؤية- قاله النسفي- (١) والثاني هو الصواب، وإن اقتصر كثيرون على الأول، وجعلوه استعارة تمثيلية لحالهم بحال عبد قدم على سيده بعد مدة، وقد اطلع السيد على أحواله. فإما أن يلقاه ببشر لما يرضى من أفعاله، أو بسخط لما يسخط منها- فإنه نزعة اعتزالية، ولا عدول إلى المجاز ما أمكنت الحقيقة (٢).
• أقوال أهل العلم في المراد من التكذيب بلقاء الله في قوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾:
القول الأول: أن المراد: المعنى الحقيقي وهو: إنكار البعث بعد الممات.
القول الثاني: أن المراد: المعنى المجازي وهو: بلوغ الآخرة وما يتصل بها.
أصحاب القول الأول:
الطبري: " ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾، يعني: الذين أنكروا البعثَ بعد الممات، والثواب والعقابَ، والجنةَ والنارَ، من مشركي قريش ومَنْ سلك سبيلهم في ذلك" (٣).
السمرقندي: " ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ يعني: غبن الذين جحدوا بالله، وبالبعث حين اختاروا العقوبة على الثواب" (٤).
стр. 576
البغوي: " ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ أي: خسروا أنفسهم بتكذيبهم المصير إلى الله بالبعث بعد الموت" (١).
الرازي: " ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ المراد منه الذين أنكروا البعث والقيامة" (٢).
أصحاب القول الثاني:
الزمخشري: " ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٣٠] بكفركم بلقاء الله ببلوغ الآخرة وما يتصل بها. وقد حقق الكلام فيه في مواضع أخر. و ﴿حَتَّى﴾ غاية لكذبوا لا لخسر، لأن خسرانهم لا غاية له. أي ما زال بهم التكذيب إلى حسرتهم وقت مجيء الساعة" (٣).
أبو السعود: " ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ هم الذين حكيت أحوالهم، لكن وضع الموصول موضع الضمير؛ للإيذان بتسبب خسرانهم بما في حيز الصلة من التكذيب بلقائه تعالى بقيام الساعة، وما يترتب عليه من البعث، وأحكامه المتفرعة عليه، واستمرارهم على ذلك؛ فإن كلمة (حَتَّى) في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ﴾ غاية لتكذيبهم لا لخسرانهم، فإنه أبدي لا حد له" (٤).
ابن عاشور: "اللقاء استعارة تمثيلية: شبهت حالة الخلق عند المصير إلى تنفيذ وعد الله ووعيده بحالة العبيد عند حضور سيدهم بعد غيبة" (٥).
• دراسة المسألة:
كثيرا ما يتعقب القاسمي ﵀ على من سبقه إذا عدل عن الحقيقة وحمل اللفظ على المجاز، وما ذاك إلا لحرصه وخوفه بأن يقول في كتاب الله على غير مراد الله، وكثيرا ما تُطلق
стр. 577
ألفاظ المجاز وتُحمل عليها الألفاظ عند المعتزلة، وعلى رأسهم الزمخشري، فلعل القاسمي ﵀ يُريد من تعقبه مُخالفة أهل البدع، والله أعلم.
والناظر في أقوال أهل العلم والمفسرين في هذه المسألة، يتبين له أن الصواب مع أصحاب القول الأول، من أن المراد من التكذيب: المعنى الحقيقي وهو: إنكار البعث بعد الممات، وذلك من وجهين:
الأول: أنه لم يؤثر عن السلف - الذين هم أعلم بكتاب الله ممن جاء بعدهم- المعنى المجازي، بل الذي ورد هو خلاف ذلك، كما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال في تأويلها: "يريد بالبعث والثواب والعقاب والمصير إليه" (١). وقال مقاتل بن سليمان: ﴿بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ يعني: بالبعث (٢)، مما يؤيد المعنى الحقيقي.
الثاني: أن حمل اللفظ على الحقيقة في الآية غير ممتنع حتى يُحمل على المجاز، فمن شروط حمل اللفظ على المجاز: امتناع حمله على الحقيقة، كما هو مقرر عند أهل العلم (٣).
وقد نقل الرازي الإجماع على أنه لا يجوز صرف الكلام إلى المجاز إلا بعد تعذر حمله على الحقيقة (٤).
وفي هذه الآية الحقيقة بينة وواضحة ودالة على إنكار البعث.
فائدة:
استدل بعض العلماء بهذه الآية على ثبوت رؤية الله محتجا بأن الملاقاة لا بد أن تكون مواجهة، فإن صح هذا الاستدلال وإلا فنحن في غنى عنه، وإذا لم يصح هذا الاستدلال فالمراد بلقاء الله البعث بعد الموت؛ لأن الكافر لن يرى الله سبحانه
стр. 578
وتعالى كما قال : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [سورة المطففين: ١٥] (١).
• النتيجة:
يتبين من خلال ما تقدم ذكره وما تم إيراده من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الصواب ما عليه أصحاب القول الأول من أن المراد من التكذيب في الآية: المعنى الحقيقي وهو: إنكار البعث، لما تقدم بيانه من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.
стр. 579
٨٩ - قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٣٨].
قال القاسمي: ما ذكرناه في معنى مماثلة الأمم لنا، من تدبيره تعالى لأمورها، وتكفله برزقها، وعدم إغفال شيء منها، مما يبين شمول القدرة، وسعة العلم- هو الأظهر. موافقة لقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ الآية. [سورة هود: ٦] والقرآن يفسر بعضه بعضا. ونقل الواحدي عن ابن عباس ﵁ أن المماثلة هي في معرفته تعالى، وتوحيده وتسبيحه وتحميده. كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [سورة الإسراء: ٤٤]، وقوله: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [سورة النور: ٤١] وعن أبي الدرداء ﵁ قال: أبهمت عقول البهائم عن كل شيء، إلا عن أربعة أشياء: معرفة الإله، وطلب الرزق، ومعرفة الذكر والأنثى، وتهيؤ كل واحد منهما لصاحبه. وقيل: المماثلة في أنها تحشر يوم القيامة كالناس.
أقول: لا شك في صحة الوجهين بذاتهما، وصدق المثلية فيهما، ولكن الحمل عليهما يبعده عدم ملاقاته للآية الأخرى. فالأمس، تأييدا للنظائر، ما ذكرناه أولا- والله أعلم- (١).
• أقوال أهل العلم في المراد من مماثلة الأمم لنا في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾:
القول الأول: أن مماثلة الأمم لنا، من تدبيره تعالى لأمورها، وتكفله برزقها، وعدم إغفال شيء منها.
القول الثاني: أن المماثلة هي في معرفته تعالى، وتوحيده وتسبيحه وتحميده.
стр. 580
أصحاب القول الأول:
ابن قتيبة (١): " أمم أمثالكم في الغذاء وابتغاء الرزق وتوقي المهالك" (٢).
الطبري: " وكيف يغفل الله تعالى عن أعمالكم، أو يترك مجازاتكم عليها، وهو غير غافل عن عمل شيء دبَّ على الأرض صغيرٍ أو كبيرٍ، ولا عمل طائر طار بجناحيه في الهواء، بل جعل ذلك كله أجناسًا مجنَّسة وأصنافًا مصنفة، تعرف كما تعرفون، وتتصرف فيما سُخِّرت له كما تتصرفون" (٣).
القرطبي: " والصحيح ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ في كونها مخلوقة دالة على الصانع محتاجة إليه مرزوقة من جهته، كما أن رزقكم على الله" (٤).
ابن جزي: " ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ أي: أي في الخلق والرزق، والحياة والموت" (٥).
أصحاب القول الثاني:
أبو عبيدة: " إلا أجناس يعبدون الله، ويعرفونه" (٦).
عطاء: " أمم أمثالكم في التوحيد والمعرفة " (٧).
стр. 581
مكي بن أبي طالب (١): " المماثلة في أنهم يعرفون الله ويعبدونه" (٢).
• دراسة المسألة:
من خلال التأمل والنظر فيما يقوله المفسرون وما يوردونه في تفسير الآية، يظهر أن الأولى بأن يُقال في المراد من مماثلة الأمم لنا هو: في معرفته تعالى، وتوحيده وتسبيحه وتحميده، وهو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، وذلك من وجهين:
الأول: أن القول بأن مماثلة الأمم لنا في معرفته تعالى، وتوحيده وتسبيحه وتحميده، هو المأثور عن جمع من السلف كما تقدم، والقاعدة المقررة: "أن تفسير السلف وفهمهم لنصوص الوحي حجة على من بعدهم" (٣).
ويدل على ذلك ما أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله عن ابن عباس ﵄ أنه قال للخوارج لما أراد مناظرتهم: " جئتكم مِنْ عند أصحاب رسول الله ﷺ ، وليس فيكم منهم أحدٌ، ومِن عند ابن عمِّ رسول الله ﷺ وعليهم نزل القرآن، وهم أعلم بتأويله، جئت لأبلغكم عنهم وأبلغهم عنكم" (٤).
فهذا الأثر صريح في الدلالة على فضل الصحابة، وأنهم أعلم بكتاب الله ممن جاء بعدهم، لا سيما حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس ﵁، فكان قوله ومن معه من السلف في تفسير الآية مقدم على غيرهم.
الثاني: أن القول بأن المراد من مماثلة الأمم لنا هو في معرفته تعالى، وتوحيده وتسبيحه وتحميده، له نظائر عدة من القرآن مثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ [سورة
стр. 582
الحج: ١٨] وقوله: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ﴾ [سورة النحل: ٤٩] ويدل عليه قوله تعالى: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سورة سبأ: ١٠] ويدل عليه قوله: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [سورة النحل: ٦٨] (١).
تنبيه:
ما ذكره بعض المفسرين من أن المراد من مماثلة الأمم لنا: تدبيره تعالى لأمورها، وتكفله برزقها، وعدم إغفال شيء منها، أو أن تُحمل المماثلة على كل ما يمكن وجود شبه فيه كائنا ما كان، أو على أنها تُحشر يوم القامة كما نُحشر (٢)، صحيح في الجملة وتؤيده بعض نواظر الآي وشواهد اللغة، وليس بمضاد لتفسير ابن عباس ﵁ ومن معه، إلا أن الأولى والأرجح ما تقدم ذكره.
• النتيجة:
يظهر من خلال ما تقدم ذكره في هذه المسألة، أن ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن القول بأن المراد من المماثلة المعرفة والتوحيد والتسبيح، ليس ببعيد من معنى الآية ونظائرها كما يقول القاسمي ﵀، خلافًا لاختياره، لما تقدم إيراده من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.
стр. 583
٩٠ - قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ [سورة الأنعام: ٣٨].
قال الخفاجي: وأما ما قيل: إن (فرَّط) يتعدى بنفسه، لِمَا وقع في القاموس (فَرَّطَ الشيءَ، وفَرَّطَ فيه تَفريطًا ضَيَّعه وقَدَّم العَجْزَ فيه وقصَّر) (١) فلا نسلم أنه يتعدى بنفسه، وتفرد صاحب القاموس بأمر، لا يسمع في مقابلة الزمخشري وغيره. مع أنه يحتمل أن تعديته المذكورة فيه ليست وضعية، بل مجازية، أو بطريق التضمين (٢).
قال القاسمي: أقول: ما للمجد في القاموس، ليس من تفرداته وعنديَّاته، إذ اللغة مرجعها السماع، لا الاجتهاد. وموازنته بين الزمخشري وغيره، من باب معرفة الحق بالرجال، الذي الصواب عكسه، على أنه ليس في (الكشاف) ما يقتضي ما زعمه (٣).
• أقوال أهل العلم في إعراب قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾:
القول الأول: أن قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا﴾ يتعدى بنفسه دون الحاجة إلى حرف جر، كما تقدم في كلام الفيروز آبادي.
القول الثاني: أن قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا﴾ لا يتعدى بنفسه، إنما يتعدى بحرف، وقد عدى بـ ﴿فِي﴾ إلى ﴿الْكِتَابِ﴾ فلا يتعدى بحرف آخر، وإلى هذا ذهب أبو البقاء وغيره، وسيأتي.
القول الثالث: أن قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا﴾ من حيث حقيقة اللفظ لا يتعدى بنفسه، وإنما مجاز أو بطريق التضمين، أي تضمن معنى فعل آخر، أي: فرط به أو فرط فيه، أو بمعنى قصَّر، أو أن يكون تضمن التعدية بحرف جر، وهو قريب من القول الثاني كما سيأتي، وأما الفعل (فرط) بلفظه فلا يتعدى بنفسه، كما تقدم في كلام الخفاجي.
стр. 584
• دراسة المسألة:
تعددت أقوال أهل العلم في هذه المسألة كما تقدم، وما يترتب عليها من كل قول من الأقوال منها من معاني، والمتأمل فيما ذكره المفسرون يجد أن جميعها مُحتمل، ويُمكن حملها على الآية، إلا أن جميع هذه الأقوال قد تعرضت لتعقبات وإيرادات ترد عليها.
فأما القول الأول: وهو أن قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا﴾ يتعدى بنفسه دون الحاجة إلى حرف جر، قد تعقبه جمع من أهل العلم بأنه لا يجوز أن يكون ﴿شَيْءٍ﴾ مفعول به، عدى إليه ﴿فَرَّطْنَا﴾؛ لأن ﴿فَرَّطْنَا﴾ لا يتعدى بنفسه بل بحرف الجر، وقد عدى بـ (في) إلى (الكتاب) فلا يتعدى بحرف آخر (١).
قال أبو البقاء: ﴿مِنْ﴾ في قوله تعالى ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ زائدة (٢). و ﴿شَيْءٍ﴾ هنا واقع موقع المصدر. أي: تفريطا. وعلى هذا التأويل لا يبقى في الآية حجة لمن ظن أن الكتاب يحتوي على ذكر كل شيء صريحا (٣). ونظير ذلك: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [سورة آل عمران: ١٢٠] أي ضررا. وقد ذكرنا له نظائر (٤). ولا يجوز أن يكون ﴿شَيْئًا﴾ مفعولا به، لأن فرطنا لا تتعدى بنفسها بل بحرف الجر، وقد عديت بـ ﴿فِي﴾ إلى ﴿الْكِتَابِ﴾، فلا تتعدى بحرف آخر، ولا يصح أن يكون المعنى: ما تركنا في الكتاب من شيء، لأن المعنى على خلافه، فبان أن التأويل ما ذكرنا (٥).
стр. 585
والجواب عما ذكره أبو البقاء: أن يقال بأنه يجوز ذلك، من أن (فرّط) يتعدى بنفسه، وذلك لأن اللغة مرجعها إلى السماع وليس الاجتهاد، وتدل على ذلك بعض الشواهد الشعرية، ومن ذلك قول صخر الغَيّ (١):
ذلك بَزّي فلن أُفَرِّطَه … أخاف أن يُنجزوا الذي وَعدوا (٢)
قال ابن سيده (٣): يقول. لا أضيعه، وقوله: بزي، أراد سلاحي.
وقال أبو عمرو (٤): فرطتك في كذا وكذا، أي تركتك. وبه فسر أيضا قول صخر (٥).
فالشاهد من الشعر هو في قوله: (أُفَرِّطَه) ووجه ذلك: أنه تعدى إلى المفعول به وهو في هاء الضمير، بدون واسطة حرف الجر، ولم يقل: فلن أفرط فيه.
وقول ساعدة ابن جُؤَيّة الهذلي (٦) يصف مُشْتار العسل:
مَعَه سِقاءٌ لا يُفَرِّطُ حَملَه … صُفنٌ وأخراصٌ يَلْحُنَ ومِسْأَبُ (٧)
معه سقاء لا يفرط حمله، أي: لا يتركه، والصفن وعاء فيه أداته، والأخراص أعواد يخرج بها العسل وهي المشاور، ومسأب سقاء ضخم (٨).
стр. 586
والشاهد من الشعر هو في قوله: (يُفَرِّطُ)، ووجه ذلك: أن (حَملَه) مفعول به لـ (يُفَرِّطُ) وتعدى الفعل (يُفَرِّطُ) بدون حرف جر، فلم يقل: لا يُفرّط في حمله.
وبهذا يتبين أن القول بأن (فرَّط) تتعدى بنفسها، له حظ من النظر لما تقدم إيراده من الشواهد الشعرية التي تدل على ذلك.
وأما القول الثاني: وهو أن قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا﴾ لا يتعدى بنفسه، إنما يتعدى بحرف، وقد عدى بـ ﴿فِي﴾ إلى ﴿الْكِتَابِ﴾ فلا يتعدى بحرف آخر، وهو الذي ذهب إليه أبو البقاء وتبعه الشهاب الخفاجي (١)، فقد تُعُقِّبَ بأنه يجوز أن يكون ﴿فرَّط﴾ يتعدى بنفسه، لدخول النفي عليه.
قال أبو حيان مُعقبًا على أبي البقاء: " وما ذكره من أنه لا يبقى على هذا التأويل حجة لمن ذكر ليس كما ذكر لأنه إذا تسلط النفي على المصدر كان المصدر منفيا على جهة العموم، ويلزم من نفي هذا العموم نفي أنواع المصدر ونوع مشخصاته، ونظير ذلك (لا قيام) فهذا نفي عام فينتفي منه جميع أنواع القيام ومشخصاته كقيام زيد وقيام عمرو وما أشبه ذلك فإذا نفي التفريط على طريقة العموم كان ذلك نفيا لجميع أنواع التفريط ومشخصاته ومتعلقاته، فيلزم من ذلك أن الكتاب يحتوي على ذكر كل شيء" (٢).
وتعقبُ أبو حيان أجاب عنه ابن عرفة فقال: رآها أن النفي دخل على الفعل المؤكد بالمصدر فنفاه، ونحن نقول: دخل على الذي قبل التأكيد ثم أكد بعد ذلك، وهو نفي أعم لا نفي أخص (٣).
وأما القول الثالث: فهو قريب من القول الثاني وكأنه أعم منه، وهو أن قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا﴾ من حيث حقيقة اللفظ لا يتعدى بنفسه، وإنما مجاز أو بطريق التضمين، أي تضمن معنى فعل آخر، أي: فرط به أو فرط فيه، أو بمعنى قصَّر، أو أن يكون تضمن التعدية
стр. 587
بحرف جر، فقد تعقبه القاسمي ﵀ كما تقدم.
والجواب عليه: هو ما تقدم إيراده على القول الأول والثاني، من بيان أن قوله تعالى ﴿مَا فَرَّطْنَا﴾ يتعدى بنفسه، كما دلت على هذا الشواهد الشعرية من اللغة، ودخول النفي على المصدر.
تنبيه:
بعد أن ذكر القاسمي ﵀ مجمل هذه الأقوال قال مُعقّبًا: " وبه يعلم سقوط ما لأبي البقاء، وسقوط دعوى أن أصله أن يتعدى بـ (في) ودعوى التضمين السابقة، وتكليف كون شيء واقعا موقع المصدر" (١).
وظاهر قوله هو نسف لجميع الأقوال المتقدمة، ولكن الذي يظهر أنه يُريد من السقوط: أن استدلال كل قول من الأقوال لما ذهب إليه، يرد عليه إيراد يُضعفه، فلا يرقى أن يكون أرجح من غيره، والله أعلم.
• النتيجة:
بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، وما استدل به كل فريق، يظهر والله أعلم أن جميع هذه الأقوال، مما يصح حمله على الآية، وإن كانت ترد عليها بعضًا من الإيرادات التي قد تُضعفها بعض الشيء.
وأن الذي استشهد به القاسمي ﵀ من الشواهد التي تؤيد القول بأن (فرَّط) تتعدى بنفسها له حظ من النظر، والله أعلم.
стр. 588
٩١ - قوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [سورة الأنعام: ٤٥].
قال النَّاصر في (الانتصاف) - وهو ابن المنير-: ونظيرها قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨) قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩)﴾ [سورة النمل: ٥٨، ٥٩] فيمن وقف هاهنا، وجعل الحمد على إهلاك المتقدم ذكرهم من الطاغين، ومنهم من وقف على المنذرين وجعل الحمد متصلا بما بعده من إقامة البراهين على وحدانية الله تعالى، وأنه ﷻ خير مما يشركون. فعلى الأول يكون الحمد ختما، وعلى الثاني فاتحة، وهو مستعمل فيهما شرعا، ولكنه في آية النمل أظهر في كونه مفتتحا لما بعده، وفي آية الأنعام ختم لما تقدمه حتما، إذ لا يقتضي السياق غير ذلك (١).
قال القاسمي: قلت: إذا جرينا على ما هو الأسد في الآي من توافق النظائر، اقتضى حمل آية النمل على ما هنا، وادّعاء الأظهريّة فيها ممنوع. فإن التنزيل يفسر بعضه بعضا. فتأمل (٢).
• أقوال أهل العلم في افتتاح الحمد واختتامه في قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ وقوله: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ من حيث الأظهر، ومن حيث توافق النظائر:
القول الأول: أن الأظهر هو أن يكون الحمد في آية الأنعام ختمًا، وفي آية النمل افتتاحًا، دون توافق النظائر في آية النمل وآية الأنعام.
القول الثاني: أن ادعاء الأظهرية ممنوع، فيجوز أن يكون الحمد ختمًا ويجوز أن يكون افتتاحًا في آية النمل، فتحمل آية النمل على آية الأنعام.
стр. 589
أصحاب القول الأول:
ظاهر قول الطبري: "يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ ﴿قُلِ﴾ يا محمد ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على نعمه علينا، وتوفيقه إيانا لما وفقنا من الهداية" (١).
ظاهر قول ابن كثير: " يقول تعالى آمرا رسوله ﷺ أن يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أي: على نعمه على عباده، من النعم التي لا تعد ولا تحصى، وعلى ما اتصف به من الصفات العلى والأسماء الحسنى" (٢).
أصحاب القول الثاني:
ما ذهب إليه جماعة من المفسرين: من أن قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ متصل بما قبله، وأمر بالتحميد على إهلاك الظالمين؛ كقوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣).
ابن عاشور: "أمر الرسول بالحمد على ما احتوت عليه القصص السابقة من نجاة الرسل من العذاب الحال بقومهم وعلى ما أعقبهم الله على صبرهم من النصر ورفعة الدرجات. وعلى أن أهلك الأعداء الظالمين كقوله ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ " (٤).
أبو زهرة: " ونظير هذا النص - يعني قوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ - قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨) قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ الآية" (٥).
стр. 590
• دراسة المسألة:
بعد التأمل والنظر فيما ذكره أي تأويل الآية عمومًا وفي هذه المسألة خصوصًا، يظهر أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، من أن الحمد في آية الأنعام وآية النمل، يكون ختمًا وفاتحة، بحسب الوقف عليه، دون التنصيص على الأظهر، وذلك من وجهين:
الأول: أن القاعدة المقررة عند أهل العلم أن القرآن يُفسر بعضه بعضا، فتفسير كلام الله تعالى بكلامه، من أقرب الطرق إلى الصدق والصواب، فإذا دل موضع من القرآن على المراد بموضع آخر فإنه يُحمل عليه، كما نص على هذا غير واحد من أهل العلم (١).
وبناء على ذلك: فإن آية النمل يجوز أن يكون الحمد فيها فاتحة لما بعدها من ذكر إقامة البراهين على وحدانية الله تعالى، ويجوز أن يكون ختمًا لما تقدم من هلاك المُنذَرين.
ويتفرع من هذه القاعدة: النظر في نظائر الآية: فإن آية النمل لها نظائر من آيات أُخر في القرآن، ومن ذلك: أن الله تعالى بعد أن ذكر حال المُعذبين في النار في آخر سورة سبأ وهي قوله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [سورة سبأ: ٥٤] ثم افتتح سورة فاطر بعدها بالحمد، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة فاطر: ١]، وهو كقوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنعام: ٤٥] (٢).
ومن نظائر آية النمل: قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة النمل: ٩٣] (٣).
стр. 591
فقد ذكر الله تعالى البشارة لمن اهتدى والانذار لمن ضل، ثم أعقب ذلك بأمر النبي بالحمد، وهو كما قال الله تعالى في آية النمل بعد هلاك الضالين: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾.
ومن نظائر آية النمل: قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الزمر: ٢٩].
قال أبو حيان: "ولفظة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ تشعر بوقوع الهلاك بهم بقوله: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ " (١).
وبناء على تلك النظائر، تُحمل آية النمل بنظائرها على آية الأنعام.
الثاني: من حيث السياق ومناسبة الآيات لما قبلها: وذلك أن الخطاب للرسول الله ﷺ بأن يحمد الله تعالى على هلاك كفار الأمم الخالية، فلما استوفى غرض الاعتبار والإنذار حقه بذكر عواقب بعض الأمم التي كذبت الرسل وهي أشبه أحوالا بأحوال المكذبين بمحمد ﷺ وبالكتاب الذي أنزل عليه، وفي خلال ذلك وحفافيه تسلية النبيء ﷺ على ما يلقاه من قومه، أقبل الله بالخطاب إلى الرسول ﷺ يلقنه ماذا يقوله عقب القصص والمواعظ السالفة استخلاصا واستنتاجا منها، وشكر الله على المقصود منها.
فالكلام استئناف والمناسبة ما عَلِمْت. أُمِرَ الرسول ﷺ بالحمد على ما احتوت عليه القصص السابقة من نجاة الرسل من العذاب الحال بقومهم وعلى ما أعقبهم الله على صبرهم من النصر ورفعة الدرجات (٢).
стр. 592
فهذا السياق يدل صراحة على اتصال الحمد في قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على ما قبله من ذكر هلاك المُنذرين، وعليه: فيجوز حمل الآية بما دلت عليه من معنى الحمد بحسب السياق ومناسبتها لما قبلها على آية الأنعام، والقرآن يُفسر بعضه بعضا.
• النتيجة:
من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يظهر أن الراجح ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أنه يجوز حمل آية الأنعام على آية النمل من افتتاح الحمد واختتامه، دون التنصيص على الأظهر، لما تقدم إيراده من الوجهين الذيْن يؤيدان ذلك، والله أعلم.
стр. 593
٩٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)﴾ [سورة الأنعام: ٥٢].
قال القاسمي: ما أورده الرازي من كونه ﷺ طردهم، ثم أخذ يتكلف في الجواب عنه، لمنافاته العصمة على زعمه، فبناء على واه. والقاعدة المقررة أن البحث في الأثر فرع ثبوته، وإلا فالباطل يكفي في رده، كونه باطلا (١).
• أقوال أهل العلم في طرد النبي ﷺ بعضًا من المؤمنين طمعًا في إيمان بعض المشركين:
القول الأول: أن النبي ﷺ طردهم، كما ذهب إلى ذلك الرازي.
القول الثاني: أن النبي ﷺ لم يطردهم، وإنما هم بإبعادهم عن مجلسه، وإلى هذا ذهب عامة المفسرين (٢).
• دراسة المسألة:
أورد الفخر الرازي في تفسيره الروايات الواردة في سبب نزول الآية من أن الملأ من قريش طلبوا من الرسول ﷺ أن يطرد جماعة من ضعفة المؤمنين، وفي معرض رده على الطاعنين في عصمة الأنبياء ذكر أن النبي ﷺ ما طردهم لأجل الاستخفاف بهم والاستنكاف من فقرهم وإنما عين لجلوسهم وقتا معينا سوى الوقت الذي كان يحضر فيه أكابر قريش.
وذكر أيضًا أن طرد النبي ﷺ لهم ليس من الظلم، لأن الظلم عبارة عن وضع الشيء
стр. 594
في غير موضعه (١).
والذي فهمه الرازي من الروايات الواردة في سبب نزول الآية من أن النبي ﷺ طرد جماعة من المؤمنين طمعًا في إيمان بعض سادات المشركين، مردود من وجهين:
الأول: الروايات الصحيحة الصريحة التي دلت على أن النبي ﷺ لم يطرد أحدًا من المؤمنين، إنما هم بطردهم، أو إبعادهم عن مجلسه، ووقع في نفسه شيئًا من ذلك.
فقد روى مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ ستة نفر، فقال له المشركون: اطرد هؤلاء يجترءون علينا! قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ .. ﴾ الآية (٢).
وروى أحمد في مسنده عن ابن مسعود، قال: "مر الملأ من قريش على رسول الله ﷺ ، وعنده خباب، وصهيب، وبلال، وعمار، فقالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء؟ فنزل فيهم القرآن: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [سورة الأنعام: ٥١]- إلى قوله - ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾ [سورة الأنعام: ٥٨] " (٣).
وغير ذلك من الروايات الدالة على أن النبي ﷺ لم يطردهم، وإنما هم بطردهم، فنزلت الآيات تنهاه عن ذلك.
الثاني: أن الطرد كما هو معلوم، هو الإبعاد مع الإزعاج على سبيل الاستخفاف، وليس في ظاهر الروايات ما يدل على ذلك (٤).
стр. 595
تنبيهان:
الأول: لعل الرازي ﵀ يُريد في جوابه على الطاعنين في عصمة الأنبياء، من أن النبي ﷺ طرد ضعفاء المسلمين، أن ذلك على التسليم الجدلي من أن النبي ﷺ طردهم، فالجواب كذا وكذا، وإلا فظاهر كلام الرازي أن النبي ﷺ طردهم، والله أعلم.
الثاني: ما أورده الماتريدي في تفسيره وتعقب به عامة المفسرين من أن النبي ﷺ هم أن يطرد ضعفة المسلمين، طمعًا في إيمان بعض المشركين، ووصفه بأنهم نسبوا إلى النبي ﷺ أوحش فعل وأوحشه إل آخر كلامه (١)، فغير مُسَلَّم لما دلت عليه الروايات المتقدمة من أن النبي ﷺ هم بذلك، والله أعلم.
• النتيجة:
يتبين من خلال ذكر ما تقدم ذكره في هذه المسألة، أن الصواب هو ما عليه عامة المفسرين، من أن النبي ﷺ لم يطرد الضعفة من المسلمين، وإنما هم بإبعادهم، فنزلت الآية تنهاه عن ذلك، لظاهر الروايات التي تقدم إيرادها الدالة على ذلك، والله أعلم.
стр. 596
٩٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)﴾ [سورة الأنعام: ٥٢].
قال القاسمي: قيل: الضمير للمشركين، والمعنى: لا يؤاخذون بحسابك، ولا أنت بحسابهم، حتى يهمك إيمانهم، ويجرك الحرص عليه إلى أن تطرد المؤمنين.
وأغرب المهايمي حيث قال: والعُماة، لكونهم أرباب شرف ومال، يكرهون مجالستهم، لقلة شرفهم ومالهم، فقال لأشرف الناس: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: ما يعود عليك من نقصهم في الشرف والمال عليهم من شيء، فإذا لم يلحقك نقصهم، ولم يأخذوا كمالك بسلبه عنك، فلا وجه لطردهم (١).
وفيه بعد، لعدم ملاقاته لآية نوح السالفة (٢). ولا يخفى مراعاة النظائر (٣).
• أقوال أهل العلم في المراد من الضمير في قوله تعالى: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾:
القول الأول: أن الضمير للمؤمنين، أي: ما عليك أيها النبي من حساب عملهم من شيء من ثواب أو عقاب، أو من حساب رزقهم وفقرهم من شيء.
القول الثاني: أن الضمير للمشركين، أي: ليس عليك من حسابهم من شيء إن كفروا وكذبوا فتطرد الفقراء لتدني مجلسهم منك.
القول الثالث: أن الضمير لأصحاب الأموال والشرف، أي: ما يعود عليك من نقصهم في الشرف والمال عليهم من شيء، وهو قريب من القول الثاني، لأن المشركين هم
стр. 597
أصحاب الأموال والشرف في هذه الحالة.
أصحاب القول الأول:
الطبري: " ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ يقول: ما عليك من حساب ما رزقتهم من الرزق من شيء، وما عليهم من حساب ما رزقتك من الرزق من شيء، فتطردهم حذار محاسبتي إياك بما خولتهم في الدنيا من الرزق" (١).
السمرقندي: "يعني به: الضعفة من المسلمين، فلا تطردهم لأنه ليس عليك من حسابهم من شيء أي: فليس عليك من أرزاقهم شيء لكن أرزاقهم على الله" (٢).
ابن أبي زمنين: " ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ يعني: المؤمنين الذين قالت له قريش: اطردهم" (٣).
الشوكاني: " ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ هذا كلام معترض بين النهي وجوابه، متضمن لنفي الحامل على الطرد: أي حساب هؤلاء الذين أردت أن تطردهم موافقة لمن طلب ذلك منك هو على أنفسهم ما عليك منه شيء، وحسابك على نفسك ما عليهم منه شيء، فعلام تطردهم؟ " (٤).
أصحاب القول الثاني:
ما ذهب إليه جماعة من المفسرين: من أن الضمير للمشركين. والمعنى: لا يؤاخذون بحسابك ولا أنت بحسابهم، حتى يهمك إيمانهم ويحرك الحرص عليه إلى أن تطرد المؤمنين (٥).
стр. 598
أصحاب القول الثالث:
انفرد به المهايمي: وتقدم كلامه.
• دراسة المسألة:
بعد التتبع والاستقراء والنظر فيما ذكره المفسرون في هذه المسألة وما تم إيراده من أقوال أهل العلم، يظهر أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، من أن الضمير في قوله تعالى: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ للمؤمنين، وذلك من أوجه:
الأول: أن سياق الآيات وظاهرها في النهي عن طرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، ولا شك أنهم المؤمنون، فجاءت جملة ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ تعليل للنهي عن طردهم، أو إبطال لِعلة الهم بطردهم، أو لعلة طلب طردهم، ونحو ذلك.
والكناية في قوله ﴿فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ عائدة لا محالة إلى هؤلاء الفقراء، فوجب أن يكون سائر الكنايات عائدة إليهم (١).
والضمائر في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ الآية، متعددة في سياق واحد، وهي للمؤمنين مما لا شك فيه، والقاعدة المقررة أنه: [إذا اجتمع ضمائر فحيث أمكن عودها لواحد فهو أولى من عودها لمختلف] (٢).
الثاني: نظائر الآية الدالة على أن الضمير للمؤمنين، فقوله تعالى: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾، كقول نوح ﵇ في الذين قالوا: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ [سورة الشعراء: ١١٣] أي: إنما حسابهم على الله ، وليس
стр. 599
علي من حسابهم من شيء، كما أنه ليس عليهم من حسابي من شيء (١).
قال أبو السعود: "الجملة اعتراض وسط بين النهي وجوابه، تقريرا له ودفعا لما عسى يتوهم كونه مسوغا لطردهم من أقاويل الطاعنين في دينهم، كدأب قوم نوح حيث قالوا. ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ أي: ما عليك شيء من حساب إيمانهم وأعمالهم الباطنة، حتى تتصدى له، وتبني على ذلك ما تراه من الأحكام، وإنما وظيفتك، حسبما هو شأن منصب النبوة، اعتبار ظواهر الأعمال، وإجراء الأحكام على موجبها. وأما بواطن الأمر فحسابها على العليم بذات الصدور، كقوله تعالى: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي﴾ وذكر قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ مع أن الجواب قد تم بما قبله، للمبالغة في بيان انتفاء كون حسابهم عليه ﷺ ، بنظمه في سلك ما لا شبهة فيه أصلا، وهو انتفاء كون حسابه ﵇، عليهم، على طريقة قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ " (٢).
الثالث: أن قوله تعالى: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ جواب لقوله تعالى: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ﴾. وقوله تعالى:
﴿فَتَكُونَ﴾ جواب لقوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ﴾. ﴿مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، ومعناه: فتكون من الضارين لنفسك أن لو طردتهم، والنهي عن الطرد في الآية كما هو معلوم للمؤمنين.
فيكون تقدير الآية: ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، فتكون من الظالمين، ما عليك من حسابهم من شيء، وما من حسابك عليهم من شيء، فتطردهم (٣).
الرابع: أن القول بأن الضمير للمشركين يستلزم منه أن الضمير مُقدر وليس مذكور في الآية، والقاعدة المقررة أن: [إعادة الضمير إلى مذكور أولى من إعادته إلى مقدر]، لأن
стр. 600
الإعادة إلى المقدر مع إمكان الإعادة إلى المذكور فيه إخراج للآية عن نظمها دون موجب (١).
وضمير الجمع في قوله: ﴿مِنْ حِسَابِهِمْ﴾ وقوله: ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ﴾ يجوز أن يكونا عائدين إلى الذين يدعون ربهم وهو معاد مذكور، وهو المناسب لتناسق الضمائر مع قوله: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ (٢).
• النتيجة:
يتبين بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن الضمير في قوله تعالى: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ﴾ للمؤمنين، لما تقدم إيراده من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.