← Тафсир

Тафсир · id 30149

تعقبات جمال الدين القاسمي على من سبقه من خلال كتابه محاسن التأويل

عبد الرحمن الحسن

Полный текст (1 202 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

٩٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)﴾ [سورة الأنعام: ٥٢]. قال القاسمي: قيل: الضمير للمشركين، والمعنى: لا يؤاخذون بحسابك، ولا أنت بحسابهم، حتى يهمك إيمانهم، ويجرك الحرص عليه إلى أن تطرد المؤمنين. وأغرب المهايمي حيث قال: والعُماة، لكونهم أرباب شرف ومال، يكرهون مجالستهم، لقلة شرفهم ومالهم، فقال لأشرف الناس: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: ما يعود عليك من نقصهم في الشرف والمال عليهم من شيء، فإذا لم يلحقك نقصهم، ولم يأخذوا كمالك بسلبه عنك، فلا وجه لطردهم (١). وفيه بعد، لعدم ملاقاته لآية نوح السالفة (٢). ولا يخفى مراعاة النظائر (٣). • أقوال أهل العلم في المراد من الضمير في قوله تعالى: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾: القول الأول: أن الضمير للمؤمنين، أي: ما عليك أيها النبي من حساب عملهم من شيء من ثواب أو عقاب، أو من حساب رزقهم وفقرهم من شيء. القول الثاني: أن الضمير للمشركين، أي: ليس عليك من حسابهم من شيء إن كفروا وكذبوا فتطرد الفقراء لتدني مجلسهم منك. القول الثالث: أن الضمير لأصحاب الأموال والشرف، أي: ما يعود عليك من نقصهم في الشرف والمال عليهم من شيء، وهو قريب من القول الثاني، لأن المشركين هم

стр. 597

أصحاب الأموال والشرف في هذه الحالة. أصحاب القول الأول: الطبري: " ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ يقول: ما عليك من حساب ما رزقتهم من الرزق من شيء، وما عليهم من حساب ما رزقتك من الرزق من شيء، فتطردهم حذار محاسبتي إياك بما خولتهم في الدنيا من الرزق" (١). السمرقندي: "يعني به: الضعفة من المسلمين، فلا تطردهم لأنه ليس عليك من حسابهم من شيء أي: فليس عليك من أرزاقهم شيء لكن أرزاقهم على الله" (٢). ابن أبي زمنين: " ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ يعني: المؤمنين الذين قالت له قريش: اطردهم" (٣). الشوكاني: " ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ هذا كلام معترض بين النهي وجوابه، متضمن لنفي الحامل على الطرد: أي حساب هؤلاء الذين أردت أن تطردهم موافقة لمن طلب ذلك منك هو على أنفسهم ما عليك منه شيء، وحسابك على نفسك ما عليهم منه شيء، فعلام تطردهم؟ " (٤). أصحاب القول الثاني: ما ذهب إليه جماعة من المفسرين: من أن الضمير للمشركين. والمعنى: لا يؤاخذون بحسابك ولا أنت بحسابهم، حتى يهمك إيمانهم ويحرك الحرص عليه إلى أن تطرد المؤمنين (٥).

стр. 598

أصحاب القول الثالث: انفرد به المهايمي: وتقدم كلامه. • دراسة المسألة: بعد التتبع والاستقراء والنظر فيما ذكره المفسرون في هذه المسألة وما تم إيراده من أقوال أهل العلم، يظهر أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، من أن الضمير في قوله تعالى: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ للمؤمنين، وذلك من أوجه: الأول: أن سياق الآيات وظاهرها في النهي عن طرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، ولا شك أنهم المؤمنون، فجاءت جملة ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ تعليل للنهي عن طردهم، أو إبطال لِعلة الهم بطردهم، أو لعلة طلب طردهم، ونحو ذلك. والكناية في قوله ﴿فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ عائدة لا محالة إلى هؤلاء الفقراء، فوجب أن يكون سائر الكنايات عائدة إليهم (١). والضمائر في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ الآية، متعددة في سياق واحد، وهي للمؤمنين مما لا شك فيه، والقاعدة المقررة أنه: [إذا اجتمع ضمائر فحيث أمكن عودها لواحد فهو أولى من عودها لمختلف] (٢). الثاني: نظائر الآية الدالة على أن الضمير للمؤمنين، فقوله تعالى: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾، كقول نوح ﵇ في الذين قالوا: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ [سورة الشعراء: ١١٣] أي: إنما حسابهم على الله ، وليس

стр. 599

علي من حسابهم من شيء، كما أنه ليس عليهم من حسابي من شيء (١). قال أبو السعود: "الجملة اعتراض وسط بين النهي وجوابه، تقريرا له ودفعا لما عسى يتوهم كونه مسوغا لطردهم من أقاويل الطاعنين في دينهم، كدأب قوم نوح حيث قالوا. ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ أي: ما عليك شيء من حساب إيمانهم وأعمالهم الباطنة، حتى تتصدى له، وتبني على ذلك ما تراه من الأحكام، وإنما وظيفتك، حسبما هو شأن منصب النبوة، اعتبار ظواهر الأعمال، وإجراء الأحكام على موجبها. وأما بواطن الأمر فحسابها على العليم بذات الصدور، كقوله تعالى: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي﴾ وذكر قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ مع أن الجواب قد تم بما قبله، للمبالغة في بيان انتفاء كون حسابهم عليه ﷺ ، بنظمه في سلك ما لا شبهة فيه أصلا، وهو انتفاء كون حسابه ﵇، عليهم، على طريقة قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ " (٢). الثالث: أن قوله تعالى: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ جواب لقوله تعالى: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ﴾ جواب لقوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ﴾. ﴿مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، ومعناه: فتكون من الضارين لنفسك أن لو طردتهم، والنهي عن الطرد في الآية كما هو معلوم للمؤمنين. فيكون تقدير الآية: ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، فتكون من الظالمين، ما عليك من حسابهم من شيء، وما من حسابك عليهم من شيء، فتطردهم (٣). الرابع: أن القول بأن الضمير للمشركين يستلزم منه أن الضمير مُقدر وليس مذكور في الآية، والقاعدة المقررة أن: [إعادة الضمير إلى مذكور أولى من إعادته إلى مقدر]، لأن

стр. 600

الإعادة إلى المقدر مع إمكان الإعادة إلى المذكور فيه إخراج للآية عن نظمها دون موجب (١). وضمير الجمع في قوله: ﴿مِنْ حِسَابِهِمْ﴾ وقوله: ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ﴾ يجوز أن يكونا عائدين إلى الذين يدعون ربهم وهو معاد مذكور، وهو المناسب لتناسق الضمائر مع قوله: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ (٢). • النتيجة: يتبين بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن الضمير في قوله تعالى: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ﴾ للمؤمنين، لما تقدم إيراده من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.

стр. 601

٩٤ - قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾ [سورة الأنعام: ٦٥] روى أحمد من حديث سعد بن أبي وقاص أنه قال: "سئل رسول الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ﴾ الآية. فقال: أما إنها كائنة، ولم يأت تأويلها بعد" (١). قال الحافظ ابن حجر: وهذا يحتمل أن لا يخالف حديث جابر (٢)، بأن المراد بتأويلها ما يتعلق بالفتن ونحوها (٣). قال القاسمي: أي: مما ستصدق عليها الآية، ولما تقع بالمسلمين. فقوله: إنها كائنة، أي: في المسلمين، لا أنها خطاب لهم، ونزولها فيهم- كما وهم- إذ يدفعه السياق والسباق، وتتمة الآية- كما لا يخفى- (٤). • أقوال أهل العلم في المراد بالمُخاطبين في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا﴾: القول الأول: الخطاب لأهل الإيمان وأهل الصلاة، وفيهم نزلت الآية. القول الثاني: الخطاب للمشركين، وفيهم نزلت الآية.

стр. 602

أصحاب القول الأول: جماعة من السلف وهم: ابن عباس، وأبي بن كعب، وأبو العالية، وقتادة، ومجاهد (١). الخازن: "أي: قل يا محمد لقومك إن الله ﴿هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ يعني الصيحة والحجارة والريح والطوفان كما فعل بقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط" (٢). أصحاب القول الثاني: الحسن البصري: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: هذه للمشركين" (٣). الطبري: "يقول تعالى ذكره لنبيه ﷺ : قل لهؤلاء العادلين بربهم غيره من الأصنام والأوثان يا محمد: إن الذي ينجيكم من ظلمات البر والبحر ومن كل كرب ثم تعودون للإشراك به، هو القادر على أن يرسل عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم، لشرككم به وادعائكم معه إلها آخر غيره" (٤). الزجاج: "أمر الله أن يسألهم على جهة التوبيخ لهم والتقرير بأنه ينجيهم ثم هم يشركون معه الأصنام التي علموا أنها من صنعتهم، أنها لا تنفع ولا تضر، وأنه قادر على تعذيبهم فقال: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ " (٥).

стр. 603

ابن عطية: "والأظهر من نسق الآيات أن هذا الخطاب للكفار الذين تقدم ذكرهم وهو مذهب الطبري" (١). • دراسة المسألة: المتأمل فيما ذكره المفسرون في تفسير الآية، وما ورد في تفسيرها من آثار، وما قرره أهل العلم من قواعد وأصول على أساسها يكون الفهم الصحيح للآيات، يجد أنه ثمة إشكال وهو: تعارض القواعد في الترجيح، فأصحاب القول الأول معظمهم من سلف هذه الأمة، والقاعدة: [أن تفسير السلف وفهمهم لنصوص الوحي حجة على من بعدهم] (٢). وأصحاب القول الثاني تؤيدهم قاعدة: [إدخال الكلام في معاني ما قبله وما بعده أولى من الخروج به] (٣). ولحل هذا الاشكال يُحمل الخطاب لكلا الفريقين، بمعنى أنه يجوز أن يكون الخطاب في قوله تعالى: ﴿هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ للمؤمنين، للآثار المروية عن بعض من الصحابة والتابعين الدالة على ذلك، ويجوز أن يكون للمشركين، لدلالة سياق الآيات السابقة واللاحقة، ولا تعارض، وذلك من أوجه: أولا: القاعدة المقررة عند أهل العلم والمفسرين أنه: "إذا احتمل اللفظ معاني عدة ولم يمتنع إرادة الجمع، حمل عليها" (٤). ولا مانع أن يكون الخطاب في الآية للمؤمنين إنذاراً لهم، وحثًا على التمسك بدينهم، ولا مانع أن يكون للكافرين تهديدًا لهم، ودعوة لهم للإيمان للوقاية من عذاب الله (٥).

стр. 604

ثانيًا: أنه لما نزلت هذه الآية ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال رسول الله ﷺ أعوذ بوجهك! قال: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: أعوذ بوجهك، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال رسول الله ﷺ : هذا أهون، أو: هذا أيسر (١). والشاهد أن الآية لو كانت مخصوصة لأهل الكفر لما استعاذ النبي ﷺ بربه، فدل ذلك على أن الخطاب عام لأهل الإيمان وأهل الكفر. ثالثًا: الواقع المُشاهد الذي دل على أن العذاب كما أنه واقع على أهل الكفر، فهو أيضًا يقع في أهل الإسلام، وإلى هذا ذهب القرطبي وقال: "وهو الصحيح، فإنه المشاهد في الوجود، فقد لبسنا العدو في ديارنا واستولى على أنفسنا وأموالنا، مع الفتنة المستولية علينا بقتل بعضنا بعضا واستباحة بعضنا أموال بعض" (٢). رابعًا: مما يدل على أن والخطاب في الآية يفيد العموم؛ أن العذاب الذي ينزل من فوق يعم الجميع، وكذلك العذاب الذي يجيء من تحت الأرجل يجيء عاما لا خاصا، فإذا كانت صواعق، أو إعصار شديد وصواعق، أو سيل عارم كل هذا يعم ولا يخص، وكذلك الخسف الذي تمور به الأرض مورا، والزلازل المدمرة، والبراكين الحارقة كل هذا يعم ولا يخص ينزل بالمؤمنين مع الكافرين، فإذا نزل العقاب على أهل الكفر كان ذلك عقوبة، وإذا نزل بأهل الإيمان كان ذلك ابتلاء، وقد يكون عقوبة بسبب الذنوب (٣). • النتيجة: يظهر من خلال ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الخطاب في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ الآية، عام في أهل الإيمان وأهل الكفر، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.

стр. 605

٩٥ - قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩)﴾ [سورة الأنعام: ٦٩]. قال السيوطي: قد يستدل بقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الآية. على أن من جالس أهل المنكر، وهو غير راض بفعلهم، فلا إثم عليه. لكن آية النساء تدل على أنه آثم، ما لم يفارقهم، لأنه قال: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [سورة النساء: ١٤٠]. أي إن قعدتم فأنتم مثلهم في الإثم، وهي متأخرة. فيحتمل أن تكون ناسخة لهذه، كما ذهب إليه قوم منهم السدي (١). قال القاسمي: أقول: المنفي في الآية هو لحوق شيء من وبال الخائضين، وإثم كفرهم لمجالسيهم المتقين، فلا ينافي ذلك لحوق وبال المجالسة على انفرادها، وهو ما أفادته آية النساء. فالمثلية إذن في مطلق الإثم، وإن تباين (ما صدقه) فيهما، إذ لا قائل بأن مطلق مجالستهم ردة وكفر. نعم! لو قيل بأن المثلية محمولة على ما إذا حصل الرضا بشأن مجالستهم، فلا إشكال إذن. وبالجملة فاستدلال (الإكليل) واه، ولذا عبر ب (قد)، ودعوى النسخ أوهى. فتأمل! (٢). • أقوال أهل العلم في قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ﴾ الآية، من حيث الإحكام والنسخ: القول الأول: أن الآية مُحكمة، والمراد: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ إذا قعدوا معهم بشرط التذكير والموعظة. القول الثاني: أن الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ الآية.

стр. 606

أصحاب القول الأول: النحاس: " ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ خبر ومحال نسخه والمعنى فيه بين" (١). مكي بن أبي طالب: "قيل: إن المعنى ليس ﴿عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ إذا قعدوا إليهم، ثم نُسخ ذلك بقوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ الآية، روي ذلك عن ابن عباس. ونَسخ مثل هذا لا يحسن، لأنه خبر" (٢). ابن الجوزي: " ذهب قوم إلى أن هذه الآية منسوخة، لأنها اقتضت جواز مجالسة الخائضين والاقتصار على تذكيرهم، ثم نسخت بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ والصحيح أنها محكمة، لأنها خبر، وإنما دلت على أن كل عبد يختص بحساب نفسه، ولا يلزمه حساب غيره" (٣). ابن كثير: " وقال آخرون: بل معناه: وإن جلسوا معهم، فليس عليهم من حسابهم من شيء. وزعموا أن هذا منسوخ بآية النساء المدنية، وهي قوله: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ [سورة النساء: ١٤٠] " (٤). أصحاب القول الثاني: ابن عباس ﵁: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾: "هذه مكية نُسِخت بالمدينة بقوله تعالى ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ الآية [سورة النساء: ١٤٠]، وبنحو ذلك روي عن ابن جريج، والسُدي، وسعيد بن جبير (٥).

стр. 607

الماتريدي: "وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية. قيل فيه رخصه الجلوس معهم؛ وهو كقوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ " (١). المقري: " قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ نسخ ذلك بقوله تعالى ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ " (٢). ابن حزم: " ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ نسخت بقوله تعالى في سورة النساء: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ " (٣). مرعي الكرمي (٤): "قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ كان ذلك في أول الإسلام ثم نسخ بقوله تعالى في النساء ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ " (٥). • دراسة المسألة: من المعلوم أن أهل العلم لهم منهج في التعامل مع الآيات التي قيل فيها بالنسخ، من حيث مفهوم النسخ والقائلين به، ودليلهم. ومن خلال البحث والقواعد والأصول التي يقررها أهل العلم، وتطبيقاتها في هذه

стр. 608

المسألة، يظهر أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن الآية مُحكمة وليست منسوخة، وذلك من أوجه: الأول: أن القاعدة المقررة عند أهل العلم أن الناسخ والمنسوخ إنما يؤخذ به بالتيقن والتوقيف، أما إذا طرأ الاحتمال، وأمكن الجمع بين الآيتين والعمل بهما فلا معنى للقول بالنسخ (١). يقول ابن حزم: "لا يحل لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول في شيء من القرآن والسنة هذا منسوخ إلا بيقين لأن الله يقول ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ .... إلخ" (٢). الثاني: أنه يُمكن الجمع بين آية الأنعام وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ﴾ وآية النساء وهي قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ بأن يُقال: أن آية الأنعام تدل على أنه ليس على من اتقى الله من حساب هؤلاء الخائضين شيء، أي ليس (عليه) من إثمهم شيء إذا اتقى ما هم فيه، وذكرهم فقام من مجلسهم. وأما آية النساء فإنها تدل على أنه إذا ذكرهم ولم ينتهوا فلا يقعد معهم، فالآيتان محكمتان، ولا تعارض (٣). الثالث: ما ذهب إليه جمع من المفسرين أن قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ خبر ومحال نسخه، والمعنى فيه بين، ليس على من اتقى الله تعالى إذا نهى إنسانا عن منكر من حسابه شيء الله مطالبه ومعاقبه وعليه أن ينهاه ولا يقعد معه راضيا بقوله وفعله وإلا كان مثله (٤).

стр. 609

وهذا الذي ذهب إليه جمع من المفسرين قد عقَّب عليه ابن العربي بقوله: "هذه غباوة ظاهرة. ليس هذا بخبر بل هو صريح أمر لأن الله تعالى قال لرسوله ﷺ ، ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [سورة الأنعام: ٦٨] فإن نسيت فتذكرت فقم ساعة تذكارك عنهم ولا تقعد بعد ذلك معهم. وهذا منسوخ بأمره بالقتل والقتال بلا إشكال، والآية التي في النساء مثلها، فإنه نهاهم الله أن يجالسهم إذا سمعهم يكفرون. وهذه أيضا منسوخة بالأمر بالقتال إذ كان مأمورا أن يقوم عنهم إذا سمعهم يستهزئون بآيات الله ويكفرون وصار بعد ذلك مأمورا بأن يقاتلهم ويقيم الحد بالقتل في ذلك عليهم وهذا نسخ بين" (١). والجواب: أن قوله غير مُسَلَّم، وذلك أن قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الآية، صريح بأنه لا إثم على المتقي إذا قعد معهم، ونهى وذكر، وإنما النهي إذا رضي بقولهم وفعلهم، ولم يقم، وكما تقدم أن الجمع بين النصوص مقدم على النسخ. وقول ابن العربي: "أن الآيات منسوخة بالأمر بالقتال" يدل على تساهله ﵀ في القول بالنسخ، فإن الأمر بالقتال منوط بالمصلحة في هذه الحالة، فإن اقتضت المصلحة قتالهم جاز ذلك، وإلا فلا، والله أعلم. فإن قيل: أن القائلين بالنسخ هم جماعة من السلف وهم أعلم بكتاب الله من غيرهم: فالجواب من وجهين: الأول: أن ما روي عن ابن عباس ﵁ جاء من طريق جويبر عن الضحاك عن وهذا الطريق ضعيف، لضعف جويبر، والضحاك لم يسمع من ابن عباس شيئًا، كما قال الحافظ ابن حجر (٢).

стр. 610

الثاني: أن المراد من النسخ عند السلف والمتقدمين: تخصيص العام، وتقييد المطلق، وتبيين المجمل، ونحو ذلك، وليس رفع الحكم (١). • النتيجة: بعد عرض ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، من أن الآيات مُحكمة الدلالة وليس بشيء منها منسوخ، لما تقدم إيراده من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.

стр. 611

٩٦ - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [سورة الأنعام: ٨٢]. قال القاسمي: حيث عُلِمَ أن الصادق المصدوق ﷺ فسر الآية بما تقدم فليعض عليه بالنواجذ وأما ما هذى به الزمخشري من قوله في تفسير الآية: أي لم يخلطوا إيمانهم بمعصية تفسقهم، وأبى تفسير الظلم بالكفر، لفظ (اللبس) أي: لأن لبس الإيمان بالشرك أي: خلطه به، مما لا يتصور، لأنهما ضدان لا يجتمعان (١) - على زعمه- فمدفوع بأنه يلابسه … إلخ (٢). • أقوال أهل العلم في المراد من الظلم في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾: القول الأول: أن المراد من الظلم في الآية: الشرك. القول الثاني: أن المراد من الظلم في الآية: المعصية. أصحاب القول الأول: عامة السلف وهم: عبد الله بن مسعود ﵁، وابن عباس ﵁، وعلقمة، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومجاهد، والسدي، وابن زيد، وغيرهم (٣). عامة المفسرين وهم: الطبري (٤)، والثعلبي (٥)، والسمعاني (٦)، والبغوي (٧)، والقرطبي (٨)، وابن كثير (٩)، وغيرهم.

стр. 612

أصحاب القول الثاني: جمهور المعتزلة وهم: الجبائي، والبلخي (١)، والزمخشري (٢). ابن عرفة: "وقوله تعالى: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [سورة النور: ٥]، هذا ظلم الكفر لا ظلم المعصية المذكور، في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ " (٣). • دراسة المسألة: الناظر في حال أهل البدع، وفساد عقائدهم المبنية على الهوى، وكيف أنهم يُفسرون القرآن والسنة بما يوافق أهواءهم ومذاهبهم، ويردون ما صح عن الرسول ﷺ من أحاديث، وما صح عن الصحابة من آثار تُخالف أهواءهم ويلوون أعناقها، لا يستغرب أن يصدر من المعتزلة مثل هذا التأويل الذي يُخالف ما عليه عامة أهل العلم من السلف والمفسرين. والذي حمل الزمخشري ومن معه من القول بأن المراد من الظلم في الآية: المعصية، هو معتقده الفاسد في وجوب وعيد العصاة، وأنهم لاحظ لهم في الأمن يوم القيامة كالكفار. ولا شك أن الحق هو ما عليه عامة أهل العلم من السلف وأئمة التفسير، من أن المراد من الظلم في الآية: الشرك، وذلك من أوجه: الأول: دلالة السنة: فقد أخرج الشيخان في صحيحهما عن ابن مسعود ﵁: "لما نزلت الآية شق ذلك على المسلمين، وقالوا: أينا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ : "ليس ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا قول لقمان لابنه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة لقمان: ١٣]؟ " (٤).

стр. 613

فهذا تفسير النبي ﷺ ، الذي لا ينطق عن الهوى، ولا خير فيمن عدل عن قوله، وفسَّر القرآن برأيه. قال ابن أبي حاتم: " إن الله ابتعث محمدا رسوله ﷺ إلى الناس كافة، وأنزل عليه الكتاب تبيانا لكل شيء، وجعله موضع الإبانة عنه: فقال ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [سورة النحل: ٤٤]، وقال ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [سورة النحل: ٦٤]، فكان رسول الله ﷺ هو المبين عن الله أمره، وعن كتابه معاني ما خوطب به الناس، وما أراد الله به وعني فيه، وما شرع من معاني دينه وأحكامه وفرائضه وموجباته وآدابه ومندوبه وسننه التي سنها، وأحكامه التي حكم بها وآثاره التي بثها" (١). الثاني: دلالة السياق: حيث أن سياق الآيات إنما ورد في قصة إبراهيم ونفي الشركاء والأضداد والأنداد، وليس فيها ذكر الطاعات والعبادات، حيث قال الله تعالى عن نبيه إبراهيم ﵇: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٨١] فالسياق كله في التنفير عن الشرك، فوجب حمل الظلم هاهنا: الشرك بالله (٢). الثالث: نظائر الآية: فمما يدل على أن المراد من الظلم في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ الشرك، قوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٤] وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة يونس: ١٠٦] (٣)، ففي هذه الآيات وصف الله تعالى أهل الكفر بالظلم، وأن من دعا غير الله تعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله بأنه من الظالمين، أي: من المشركين، مما

стр. 614

يدل على أن المراد من الظلم في الآية: الشرك بالله . الرابع: أن الله تعالى ذكر في الآيات الفريقين بصيغة السؤال فقال: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ والمراد: فريق الموحدين وفريق المشركين، فأجاب بأنهم الذين آمنوا. وهو من باب التبكيت، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ [سورة الأنعام: ١٩]، وقوله: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ [سورة الرعد: ١٦] (١)، فاستلزم ذلك بأن يكون المراد من الظلم في الآية: الشرك، والله أعلم. مناقشة الزمخشري وتفسيره الظلم في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ بالمعاصي: ذكر الزمخشري في تفسيره أن المراد من الظلم في الآية المعاصي المُفَسِّقة، وليس الكفر، وعلل ذلك بأن لبس الإيمان بالشرك بمعنى: خلطه به، وهو مما لا يتصور، لأنهما ضدان لا يجتمعان. والجواب عن هذا التفسير من أوجه: الأول: ما تقدم ذكره من الأوجه التي تؤيد أن المراد من الظلم في الآية: الشرك وليس المعاصي، وأبرز هذه الأوجه أن النبي ﷺ فسر الظلم بالشرك، وليس هو بأعلم من النبي ﷺ حتى يُفسر القرآن بخلاف تفسيره. الثاني: الآيات الصريحة الدالة على أن الشرك يلابس الإيمان، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [سورة يوسف: ١٠٦] وقوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [سورة البقرة: ٨٥]، فالمراد من الإيمان تصديق القلب، وهو قد يجامع الشرك، كأن يُصدّق بوجود الصانع دون وحدانيته (٢).

стр. 615

الثالث: أنه لا يمنع من كون الإيمان بالشرك متضادان أنهما لا يختلطان، وذلك أن الشرك جمع بين الاعتراف لله بالإلهية والاعتراف لغيره بالربوبية، والعكس كذلك. ولما كان الاعتراف لغيره ظلما - لأن الظلم اعتداء على حق صاحب حق، والله حقه أن يفرد بالعبادة اعتقادا وعملا وقولا-، كان إيمانهم بالله مخلوطا بظلم وهو إيمانهم بغيره، وحمله على هذا المعنى هو الملائم لاستعارة اسم الخلط لهذا المعنى، لأن الإيمان بالله وإشراك غيره في ذلك كلاهما من جنس واحد وهو اعتقاد الربوبية فهما متماثلان، وذلك أظهر في وجه الشبه، لأن شأن الأجسام المتماثلة أن يكون اختلاطها أشد فإن التشابه أقوى أحوال التشبيه عند أهل البيان. والمعنى الذين آمنوا بالله ولم يشركوا به غيره في العبادة (١). تنبيه: ما علل به القاسمي ﵀ تعقبه على الزمخشري من أن الإيمان يُلابس الشرك صحيح في الجملة إلا أن عليه ملحظان: الأول: قوله: "بأن الإيمان يلابسه لأنه إن أريد بالإيمان مطلق التصديق، سواء كان اللسان أو غيره، فظاهر أنه يجامع الشرك كالمنافق" (٢). وهذا القول والله أعلم في ظاهره يوافق اعتقاد الأشاعرة القائلين بأن الإيمان بالله هو مطلق التصديق، دون اشتراط نطق اللسان بالشهادتين، وعمل الجوارح. وهذا خلاف ما يعتقده القاسمي ﵀ من أن الإيمان هو: اعتقاد القلب وقول اللسان وعمل الجوارح (٣)، وفقًا لما عليه السلف. الثاني: قوله: "ولو أريد التصديق بجميع ما يجب التصديق به بحيث يخرج عن الكفر، فلا يلزم من لبس الإيمان بالشرك الجمع بينهما، بحيث يصدق عليه أنه مؤمن ومشرك، بل تغطيته بالكفر، وجعله مغلوبا مضمحلا، أو اتصافه بالإيمان، ثم الكفر، ثم الإيمان ثم الكفر

стр. 616

مرارا، وبعد تسليم ما ذكر، فاختصاص الأمن بغير العصاة لا يوجب كون العصاة معذبين البتة، بل خائفين ذلك، متوقعين للاحتمال، ورجحان جانب الوقوع" (١). وهذه العبارة فيها نظر: وذلك أن من كفر بعد إيمانه لا يصدق عليه أنه مؤمن، فيُقال أن عنده إيمان يشوبه شرك، لأن الإيمان انتفى عنه بسبب كفره، فأصبح كافرا، فإن أسلم أصبح مؤمنًا بإيمانه، والله أعلم. • النتيجة: بعد إيراد ما ذهب إليه عامة السلف والمفسرين في تفسير الظلم بالشرك، ومن خالفهم من المعتزلة الذين فسروا الظلم بالمعاصي، يتبين أن الحق الذي لا شك فيه هو الذي عليه عامة السلف وعامة المفسرين، لما تقدم إيراده من الأدلة الدالة على ذلك، وإبطال ما ذهب إليه الزمخشري وأصحابه.

стр. 617

٩٧ - قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [سورة الأنعام: ٩٠]. قال الخفاجي: قيل: الآية تدل على أنه يحل أخذ الأجر للتعليم وتبليغ الأحكام. قال: وللفقهاء فيه كلام (١). وعكس بعض مفسري الزيدية حيث قال: في هذا إشارة إلى أنه لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم العلوم، لأن ذلك جرى مجرى تبليغ الرسالة (٢). قال القاسمي: أقول: إن الآية على نفي سؤاله ﷺ منهم أجرا، كي لا يثقل عليهم الامتثال. وأما استفادة الحل والتحريم منها، ففيه خفاء. والقائل بالأول يقول: المعنى لا أسألكم جعلا تعففا. أي: وإن حل لي أخذه. وبالثاني: لا أسألكم عليه أجرا لأني حظرت من ذلك (٣). • أقوال أهل العلم في دلالة الآية على حكم أخذ الأجرة على تعليم العلم: القول الأول: أن الآية دالة على أنه يحل أخذ الأجر للتعليم وتبليغ الأحكام، أو عكس ذلك. القول الثاني: أن الآية ليست فيها دلالة على حكم أخذ الأجر على التعليم، وإنما دالة على عدم إثقال النبي ﷺ على من يريد امتثال أمره. أصحاب القول الأول: الماتريدي: "في قوله: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ دليل نقض قول من يجيز أخذ الأجر

стр. 618

على تعليم القرآن والعلم ورواية الحديث وغير ذلك من العبادات" (١). الواحدي: "قال أهل المعاني: قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ مما أمر به من هدى النبيين والاقتداء بهم في ذلك، وذلك أن من الاقتداء بالنبيين ترك طلب الأجر من الناس على دعائهم إلى الله وتبيين طريق الحق لمن التمسه، فكأنه يقول: فبهدى الأنبياء حيث لم يسألوا أجرًا اقتد" (٢). أبو حفص النسفي: "والآية دليل على أن أخذ الأجرة على تعليم القرآن والعلم ورواية الأحاديث ونحوها، وعلى الإمامة والأذان لا تجوز" (٣). النسفي: "فيه دليل على أن أخذ الأجر على تعليم القرآن، ورواية الحديث لا يجوز" (٤). أصحاب القول الثاني: الطبري: " ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ﴾، على تذكيري إياكم، والهدى الذي أدعوكم إليه، والقرآن الذي جئتكم به، عوضًا أعتاضه منكم عليه، وأجرًا آخذه منكم " (٥). ابن كثير: " ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ أي: لا أطلب منكم على إبلاغي إِيَّاكم هذا القرآن ﴿أَجْرًا﴾ أي: أُجرة، ولا أريد منكم شيئًا" (٦). البقاعي: " ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ﴾ أي: أيها المدعوون ﴿عَلَيْهِ﴾ أي: على الدعاء ﴿أَجْرًا﴾ فإن الدواعي تتوفر بسبب ذلك على الإقبال إلى الداعي والاستجابة للمرشد" (٧).

стр. 619

ابن عاشور: "ليس المقصود من قوله: ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ رد اعتقاد معتقد أو نفي تهمة قيلت، ولكن المقصود به الاعتبار ولفت النظر إلى محض نصح الرسول ﷺ في رسالته وأنها لنفع الناس لا يجر منها نفعا إلى نفسه" (١). • دراسة المسألة: من المعلوم أن أهل العلم قديمًا اختلفوا في حكم أخذ الأجرة على تعليم العلم، وبخاصة تعليم القرآن، ما بين مُجيز ومُحرِّم (٢)، والجدير بالذكر في هذه المسألة، هو في دلالة قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ على تحريم أخذ الأجرة على تعليم العلم. والذي يظهر بعد استقراء وتتبع ما ذكره المفسرون في تفسير الآية، أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، وذلك من وجهين: الأول: عدم وروود النهي الصريح الدال على التحريم في الآية على أخذ الأجرة على تعليم العلم، وإنما ظاهر الآية هو أن النبي ﷺ يُخبرهم بأنه لا يسألهم أجراً ترغيبًا لهم للامتثال بأمره، وكي لا يثقل عليهم، وأنه مراده من دعوته ونصحه هو وجه الله تعالى، ولا حظ له في الدنيا، مما يدل على صدق نبوته. يقول الشيخ محمد رشيد رضا: "وقد قيل إن هذا مما أمر أن يقتدى بهم فيه - يعني: أجرا على التبليغ والهدى -، والتحقيق: أن ما أمره الله تعالى به استقلالا لا يدخل فيما أمر بفعله اقتداء" (٣). الثاني: أن سياق الآية وما قبلها، إنما هو خطاب للنبي ﷺ بأن يقتدي بمن سبقه من الرسل ولا يأخذ على تبليغ الرسالة أجرا كما لم يأخذوا هم، فإنه لما أمره الله تعالى بالاقتداء بالنبيين وكان من جملة هداهم عدم طلب الأجر على إيصال الدين وإبلاغ الشريعة لا جرم

стр. 620

اقتدى بهم فقال: ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ (١). • النتيجة: يظهر من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في تفسير الآية، أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أنه لا دلالة في الآية على تحريم أخذ الأجرة على تعليم العلم، لما تقدم إيراده من الوجهين الداليْن على ذلك، والله أعلم.

стр. 621

٩٨ - قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [سورة الأنعام: ١٠٣]. قال القاسمي: أقول: كون المنفي من الإدراك في هذه الآية هو الإدراك الدنيوي خاصة، لا يحتاج إلى حجة ولا برهان. ومن فهم من بعض الفرق، كالمعتزلة، من هذه الآية أن المنفي هو الإدراك في النشأتين، فقد نادى على نفسه بالجهل بما دل عليه كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ المتواترة (١). • أقوال أهل العلم في كون المنفي من الإدراك في قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾: القول الأول: أن المنفي هو الإدراك في الدنيا خاصة. القول الثاني: أن المنفي هو الإدراك في الدنيا والآخرة. أصحاب القول الأول: أهل السنة والجماعة: الطبري: " والصواب من القول في ذلك عندنا، ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر"، فالمؤمنون يرونه، والكافرون عنه يومئذ محجوبون، كما قال جل ثناؤه: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [سورة المطففين: ١٥] " (٢). السمعاني: "معنى قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ يعني: في الدنيا، هو يرى الخلق، ولا يراه الخلق في الدنيا" (٣).

стр. 622

ابن كثير: " كانت أم المؤمنين عائشة، ﵂، تثبت الرؤية في الدار الآخرة وتنفيها في الدنيا، وتحتج بهذه الآية: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ " (١). الشنقيطي: "المعنى ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ أي في الدنيا فلا ينافي الرؤية في الآخرة" (٢). أصحاب القول الثاني: المعتزلة: القاضي عبد الجبار: "فإن قيل: فما الدليل على أن الله تعالى لا يُرى؟ قيل له: لأن الله تعالى قد قال: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ وإدراك الأبصار هو رؤية البصر" (٣). الزمخشري: "المعنى أن الأبصار لا تتعلق به ولا تدركه، لأنه متعال أن يكون مبصرا في ذاته، لأن الأبصار إنما تتعلق بما كان في جهة أصلا أو تابعا، كالأجسام والهيئات" (٤). • دراسة المسألة: من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة أنهم يُثبتون رؤية الله تعالى يوم القيامة، لما دلت عليه الأدلة الصريحة من الكتاب والسنة والإجماع، وقد خالف في ذلك المعتزلة فأنكروا رؤية الله تعالى، مستدلين بقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ وفسروا الادراك بالرؤية، فأنكروا رؤية الله تعالى، دون النظر في الأدلة الأخرى التي أثبتت ذلك. وقد تعددت الأقوال في معنى الادراك الوارد في الآية، ولعل الراجح منها: أن المراد من الادراك الإحاطة وليس مجرد الرؤية فحسب (٥)، وقد توسع الإمام الطبري بإيراد ما ورد عن أهل العلم والمختار من أقوالهم (٦)، مما لا يسع المقام لذكره.

стр. 623

وعلى التسليم بأن المراد من الادراك: الرؤية وهو ما ذهب إليه بعض السلف (١)، فإن هذا لا ينفي رؤية الله تعالى يوم القيامة، وإنما نفي رؤية الله تعالى إنما هو في الدنيا، وذلك من أوجه: الوجه الأول: أن الآية عامة في نفي الرؤية، وهذا العموم مخصوص بأدلة الكتاب والسنة والإجماع التي تُثبت رؤية الله تعالى يوم القيامة: فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [سورة القيامة: ٢٢، ٢٣]. قال عطية العوفي: هم ينظرون إلى الله، لا تحيط أبصارهم به من عظمته، وبصره محيط بهم. فذلك قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (٢). وقوله تعالى عن الكافرين: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [سورة المطففين: ١٥]. قال الإمام الشافعي: فدل هذا على أن المؤمنين لا يحجبون عنه ﵎ (٣). ومن السنة: ما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : "هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟ "، قالوا: لا يا رسول الله، قال: "هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟ "، قالوا: لا، قال: "فإنكم ترونه كذلك" (٤). وأما الاجماع: فقد نقله غير واحد من أهل العلم (٥).

стр. 624

قال ابن تيمية: "والذي عليه جمهور السلف أنّ من جَحَدَ رؤيةَ الله في الدار الآخرة فهو كافر، فإن كان ممّن لم يبلغه العلم في ذلك عُرِّف ذلك، كما يُعَرَّف من لم تبلغه شرائع الإسلام، فإن أصرّ على الجحود بعد بلوغ العلم له فهو كافر" (١). الوجه الثاني: أن الله تعالى أثبت في الآية أنه يُدرك الأبصار كما قال: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ وهذا الإدراك مختص به ، مما يدل على أن الإدراك شيء زائد مع الرؤية من كيفية حقيقة البصر، وهو منتفي عن خلقه فلا يعلمون ويرون حقيقة هذا البصر. قال الزجاج: "وفي هذا الكلام دليل على أن الخلق لا يدركون الأبصار، أي لا يعرفون كيفية حقيقة البصر، وما الشيء الذي صار به الإنسان يبصر من عينيه دون أن يبصر من غيرهما من سائر أعضائه" (٢). فنفي الإدراك لا ينفي رؤية الله يوم القيامة، بل يثبتها بالمفهوم. فإنه إذا نفى الإدراك، الذي هو أخص أوصاف الرؤية، دل على أن الرؤية ثابتة. فإنه لو أراد نفي الرؤية، لقال "لا تراه الأبصار" ونحو ذلك (٣). الوجه الثالث: أنه قد تقرر في علم البيان والميزان أن رفع الإيجاب الكلي سلب جزئي فالمعنى لا تدركه بعض الأبصار، وهي أبصار الكفار، هذا على تسليم أن نفي الإدراك يستلزم نفي الرؤية الخاصة، والآية من سلب العموم لا من عموم السلب، والأول يخلفه الجزئية، والتقدير لا تدركه كل الأبصار بل بعضها وهي أبصار المؤمنين، والمصير إلى أحد الوجهين متعين لما ثبت من تواتر الرؤية في الآخرة واعتضادها بقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٤).

стр. 625

تنبيه: مسألة إثبات رؤية الله تعالى يوم القيامة قد تقدم الحديث عنها وإيراد أقوال واستدلالات أهل العلم من أهل السنة، كابن تيمية وابن أبي العز وغيرهما، والجواب عن بعض شبه المعتزلة، فاليُراجع (١). • النتيجة: بعد إيراد ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الحق الذي لا مرية فيه أن الإدراك المنفي في الآية هو الإدراك الدنيوي، وليس الأخروي، وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة، لما تقدم ذكره من الأدلة والأوجه التي تؤيد ذلك.

стр. 626

٩٩ - قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [سورة الأنعام: ١٠٣]. قال القاسمي: قول الخفاجي: "اللطيف المشتق من اللطف بمعنى الرأفة، لا يظهر له مناسبة هنا" (١) مدفوع بملاحظة أن قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ ذكر للتخويف، كما أسلفنا، وحينئذ يناسب أن يشفع ببيان رأفته ورحمته، جريا على سنن الترغيب والترهيب (٢). • أقوال أهل العلم في مناسبة ذكر اللطف في قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾: القول الأول: عدم ظهور المناسبة لذكر اللطف في الآية. القول الثاني: أن المناسبة ظاهرة وتقتضيها البلاغة القرآنية. أصحاب القول الأول: الخفاجي: وتقدم قوله. أصحاب القول الثاني: البيضاوي: "يجوز أن يكون من باب اللف أي: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ لأنه اللطيف ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ لأنه الخبير، فيكون اللطيف مستعارا من مقابل الكثيف لما لا يدرك بالحاسة ولا ينطبع فيها" (٣). السيوطي: " ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ فإن اللطيف يناسب ما لا يدرك بالبصر، والخبير يناسب ما يدركه" (٤).

стр. 627

السعدي: " ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ أي: هو الذي أحاط علمه، بالظواهر والبواطن، وسمعه بجميع الأصوات الظاهرة، والخفية، وبصره بجميع المبصرات، صغارها، وكبارها، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ الذي لطف علمه وخبرته، ودق حتى أدرك السرائر والخفايا، والخبايا والبواطن" (١). • دراسة المسألة: بعد تتبع واستقراء ما ذكره أهل العلم من المفسرين وغيرهم في هذه المسألة، يتبين أن المناسبة من ذكر اللطف في الآية ظاهرة، وهو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، وذلك من أوجه: الأول: أن تعذر إدراك الخلق للخالق جل وعلا إنما هو من لُطفه سبحانه ورأفته، وفق ما تقتضيه حكمته، فهو أعلم بخلقه وما يصلح لهم. يقول الإمام الطبري: "والله تعالى ذكره الميسر له من إدراك الأبصار، والمتأتي له من الإحاطة بها رؤية ما يَعسر على الأبصار من إدراكها إياه وإحاطتها به ويتعذر عليها. ﴿الْخَبِيرُ﴾ يقول: العليم بخلقه وأبصارهم، والسبب الذي له تعذر عليها إدراكه فَلَطَّفَ بقدرته، فهيأ أبصار خلقه هيئة لا تدركه، وخَبَر بعلمه كيف تدبيرها وشئونها وما هو أصلح بخلقه" (٢). الثاني: أنه سبحانه لما قدم نفي إدراك الأبصار له عطف على ذلك قوله: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ﴾ خطابا للسامع بما يفهم إذ العادة أن كل لطيف لا تدركه الأبصار، ألا ترى أن حاسة البصر إنما تدرك اللون من كل متلون والكون من كل متكون فإدراكها إنما هو للمركبات دون المفردات ولذلك لما قال: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ عطف عليه قوله: ﴿الْخَبِيرُ﴾ مخصصا لذاته سبحانه بصفة الكمال لأنه ليس كل من أدرك شيئا كان خبيرا بذلك الشيء لأن المدرك للشيء قد يدركه ليخبره ولما كان الأمر كذلك أخبر أنه يدرك كل شيء مع الخبرة به وإنما خص الإبصار بإدراكه ليزيد في الكلام ضربا

стр. 628

من المحاسن يسمى التعطف ولو كان الكلام لا تبصره الأبصار وهو يبصر الأبصار لم تكن لفظتا ﴿اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ مناسبتين لما قبلهما (١). وقريبًا من هذا الوجه: ما يُسميه البلاغيون من تشابه الأطراف: وهو أن يختم الكلام بما يناسب ابتداءه في المعنى، فهو : ﴿اللَّطِيفُ﴾؛ أي: الخفي عن إدراك الأبصار له من اللطف بمعنى خفاء الإدراك، فيكون راجعا لقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾؛ أي: فيلطف عن أن تدركه الأبصار بحيث تخسأ الأبصار دون إدراك حقيقته. ﴿الْخَبِيرُ﴾؛ أي: العالم بدقائق الأشياء ولطائفها، فلا يعزب عن إدراكه شيء، فيكون راجعا لقوله: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (٢). الثالث: أن اسم اللطيف يدل على صفة من صفات ذات الله تعالى، وهي صفة تنزيهه تعالى عن إحاطة العقول بماهيته أو إحاطة الحواس بذاته وصفاته، فيكون اختيارها للتعبير عن هذا الوصف في جانب الله تعالى هو منتهى الصراحة والرشاقة في الكلمة لأنها أقرب مادة في اللغة العربية تُقَرّب معنى وصفه تعالى بحسب ما وضعت له اللغة من متعارف الناس، وعليه فتكون أعم من مدلول جملة ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، فتتنزل من الجملة التي قبلها منزلة التذييل أو منزلة الاستدلال على الجزئية بالكلية فيزيد الوصف قبله تمكنا (٣). • النتيجة: بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب ما عليه أصحاب القول الثاني من أن المناسبة لذكر اللف في الآية ظاهرة، وتقتضيها البلاغة، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، بخلاف ما ذهب إليه الخفاجي الذي لم تظهر له المناسبة، والله أعلم.

стр. 629

١٠٠ - قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ [سورة الأنعام: ١١٤]. قال القاسمي: قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ على تقدير القول، كما في نظائره، أي: قل لهم: أفغير الله أطلب من يحكم بيني وبينكم، ويفصل المحق منا من المبطل. والمعنى: أطلب معبودا؛ لأنه كانوا يتحاكمون إلى طواغيتهم - وهذا عندي أظهر - ثم رأيت في "تنوير المقباس" الاقتصار عليه، حيث قال: ﴿أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ أعبد ربا (١). وأما كون الآية واردة على قولهم: (اجعل بيننا وبينك حكما) فلا يصح؛ لأنهم بمعزل عن الانصياع لذلك (٢). • أقوال أهل العلم في المراد من ابتغاء الحكم في قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾: القول الأول: أن المراد: أفغير الله أطلب معبوداً، أو أبتغي ربًا. القول الثاني: أن المراد: أفغير الله أطلب قاضيا بيني وبينكم. أصحاب القول الأول: السمرقندي: "أفغير الله أبتغي حكما يعني: أعبد غير الله؟ ويقال: أأطلب القضاء من غير الله؟ " (٣). الحداد (٤): "ومعناها: قل لهم يا محمد: أفغير الله أطلب ربا ومعبودا يساوي حكمه

стр. 630

حكم الله؛ فأجعله حكما" (١). أصحاب القول الثاني: الثعلبي: "قل لهم يا محمد: أفغير الله ﴿أَبْتَغِي﴾: أطلب ﴿حَكَمًا﴾: قاضيا بيني وبينكم، وذلك أنهم كانوا يقولون للنبي ﷺ : اجعل بيننا وبينك حكما" (٢). الواحدي: " ﴿أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ قاضيا بيني وبينكم" (٣). السمعاني: "قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ لأنهم كانوا يقولون للنبي أجل بيننا وبينك حكما؛ وأجابهم بقوله: أفغير الله ابتغي حكما؟! " (٤). الزمخشري: " ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ على إرادة القول، أي قل يا محمد: أفغير الله أطلب حاكما يحكم بيني وبينكم، ويفصل المحق منا من المبطل" (٥). • دراسة المسألة: من خلال ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يظهر أن الصواب من أقوالهم هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن المراد من ابتغاء الحكم في الآية: طلب القضاء والحكم بين خصمين، وذلك من وجهين: الأول: من حيث اللغة: فإن الحكم في اللغة هو من يتحاكم الناس إليه باختيارهم ويرضون بحكمه وينفذونه، فيكون المراد من الآية: أأطلب حكما غير الله تعالى يحكم بيني وبينكم في هذا الأمر غيره (٦). والحكم أبلغ من الحاكم لأنه من عرف منه الحكم مرة بعد أخرى، والحاكم اسم فاعل

стр. 631

يصدق على المرة الواحدة، والحكم لا يحكم إلا بالحق والحاكم يحكم بالحق وبغير الحق، ولذلك كان من أسمائه تعالى: الحكم، ولم يكن منها: الحاكم. وانتصب حكما على الحال. والمعنى: لا أطلب حكما بيني وبينكم غير الله الذي حكم حكمه عليكم بأنكم أعداء مقترفون (١). الثاني: من حيث سياق الآيات: ففي الآيات أخبر الله تعالى أنه حكم بنبوة محمد ﷺ من حيث إنه أنزل إليه الكتاب المفصل المبين المشتمل على العلوم الكثيرة والفصاحة الكاملة وقد عجز الخلق عن معارضته فظهور مثل هذا المعجز عليه يدل على أنه تعالى قد حكم بنبوته فقوله: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ يعني قل يا محمد إنكم تتحكمون في طلب سائر المعجزات فهل يجوز في العقل أن يطلب غير الله حكما؟ فإن كل أحد يقول إن ذلك غير جائز، ثم قل إنه تعالى حكم بصحة نبوتي حيث خصني بمثل هذا الكتاب المفصل الكامل البالغ إلى حد الإعجاز (٢). تنبيهان: الأول: أورد الواحدي في تفسيره ما قيل في تفسير قوله تعالى ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ من أن المراد: "قل لأهل مكة أفغير الله أطلب قاضيا بيني وبينكم". ونسب هذا القول للكلبي وعطية العوفي (٣). بينما ورد في التيسير للنسفي: قول الكلبي في تفسير الآية: "أي: قل لأهل مكة: أغير الله أبتغي ربا أعبده؟! " (٤). ونسبة القولين للكلبي متضادتان، ولم أقف على الصواب في نسبة القول، والظاهر أن أحد المُفسريْن وهم، ونسب القول للكلبي، والله أعلم. الثاني: ذكر الماوردي في تفسيره، وبعده ابن الجوزي أن مشركي قريش قالوا للنبي

стр. 632

ﷺ : اجعل بيننا وبينك حكما إن شئت من أحبار اليهود، وإن شئت من أحبار النصارى، ليخبرنا عنك بما في كتابهم من أمرك، فنزلت هذه الآية (١). ولم يذكر أحدا قبلهما لهذا السبب إسناداً بحسب ما وقفت عليه، ليتبين إن كان هذا السبب صحيحًا أم ضعيفًا، فهو لا شيء، وإلا لو صح لكان حجة لمن قال بأن المراد من قوله تعالى: ﴿أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ قاضيا بيني وبينكم. • النتيجة: بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن المراد من قوله تعالى: " ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ أي: قاضيًا يحكم بيني وبينكم، ويفصل المحق من المبطل، لما تقدم إيراه من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.

стр. 633

١٠١ - قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [سورة الأنعام ١١٩]. قال بعض المفسرين: يعني في آية المائدة في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [سورة المائدة: ٣] الآية. ورُدَّ بأن المائدة من آخر ما نزل بالمدينة، والأنعام مكية. فالصواب أن التفصيل إما في قوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [سورة الأنعام: ١٤٥] الآية. فإنه ذكر بعد بيسير، وهذا القدر من التأخر لا يمنع أن يكون هو المراد، وإما على لسان الرسول، ثم أُنْزِلَ بعد ذلك في القرآن (١). • أقوال أهل العلم في بيان تفصيل التحريم في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾: القول الأول: أن تفصيل التحريم مُبين في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾. القول الثاني: أن تفصيل التحريم مُبين في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية. أصحاب القول الأول: سعيد بن جبير: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ يعني: ما بين في [المائدة] من الميتة، والدم، إلى آخر الآية" (٢). الطبري: "وما يمنعكم من أكل ما ذبح بديني الذي ارتضيته، وقد فصّلت لكم الحلال من الحرام فيما تطعمون، وبينته لكم بقولي: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ

стр. 634

لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾، إلى قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾، فلا لبس عليكم في حرام ذلك من حلاله، فتتمنعوا من أكل حلاله حذرًا من مواقعة حرامه" (١). البغوي: " أراد بتفصيل المحرمات ما ذكر في قوله تعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ " (٢). السعدي: "فالحرام الذي قد فصله الله وأوضحه، قد أباحه عند الضرورة والمخمصة، كما قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ " (٣). أصحاب القول الثاني: الرازي: "الأولى أن يقال المراد قوله بعد هذه الآية - يعني قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ -: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآية" (٤). أبو حيان: " ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ﴾ في هذه السورة لأنها على ما نُقِلَ مكية، ونزلت في مرة واحدة، فلا يناسب أن يكون ﴿وَقَدْ فَصَّلَ﴾ راجعا إلى تفصيل (البقرة) و (المائدة) لتأخيرهما في النزول عن هذه السورة" (٥). الشوكاني: " ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ أي بين لكم بيانا مفصلا يدفع الشك ويزيل الشبهة بقوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ إلى آخر الآية" (٦). الشنقيطي: "التحقيق أنه فصله لهم بقوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ الآية" (٧).

стр. 635

• دراسة المسألة: يتبين من خلال ما تقدم أن بيان تفصيل المحرم في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ مما اختلف العلماء فيه قديمًا، والمتأمل فيما ذهب إليه الفريقان يجد أن كُلاً منهما يرد عليه إيراد يُضعفه ويصرفه عن الراجح منهما. فأما ما ذهب إليه أصحاب الفريق الأول: من أن الإجمال في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ مبين بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ الآية. يرد عليه: أن سورة الأنعام مكية وسورة المائدة مدنية وهي آخر ما أنزل الله بالمدينة وقوله ﴿وَقَدْ فَصَّلَ﴾ يقتضي أن يكون ذلك المفصل مقدما على هذا المجمل والمدني متأخر عن المكي والمتأخر يمتنع كونه متقدما (١). وأما ما ذهب إليه أصحاب الفريق الثاني: من أن الإجمال في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ مبين بقوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [سورة الأنعام: ١٤٥] الآية. يرد عليه: أن سورة الأنعام نزلت جملة واحدة على الصحيح، فذلك ينافي أن يكون المتأخر في التلاوة متقدما نزوله (٢). وقد تكلف كُل من الفريقين لما ذهبوا إليه: فأما الفريق الأول: فقالوا: أن الله لما علم أن سورة المائدة متقدمة على سورة الأنعام في الترتيب لا في النزول حسن عود الضمير في قوله ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ إلى ما هو متقدم في الترتيب وهو قوله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ الآية والله أعلم بمراده (٣).
следующие страницы →