يصدق على المرة الواحدة، والحكم لا يحكم إلا بالحق والحاكم يحكم بالحق وبغير الحق، ولذلك كان من أسمائه تعالى: الحكم، ولم يكن منها: الحاكم. وانتصب حكما على الحال. والمعنى: لا أطلب حكما بيني وبينكم غير الله الذي حكم حكمه عليكم بأنكم أعداء مقترفون (١).
الثاني: من حيث سياق الآيات: ففي الآيات أخبر الله تعالى أنه حكم بنبوة محمد ﷺ من حيث إنه أنزل إليه الكتاب المفصل المبين المشتمل على العلوم الكثيرة والفصاحة الكاملة وقد عجز الخلق عن معارضته فظهور مثل هذا المعجز عليه يدل على أنه تعالى قد حكم بنبوته فقوله: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ يعني قل يا محمد إنكم تتحكمون في طلب سائر المعجزات فهل يجوز في العقل أن يطلب غير الله حكما؟ فإن كل أحد يقول إن ذلك غير جائز، ثم قل إنه تعالى حكم بصحة نبوتي حيث خصني بمثل هذا الكتاب المفصل الكامل البالغ إلى حد الإعجاز (٢).
تنبيهان:
الأول: أورد الواحدي في تفسيره ما قيل في تفسير قوله تعالى ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ من أن المراد: "قل لأهل مكة أفغير الله أطلب قاضيا بيني وبينكم". ونسب هذا القول للكلبي وعطية العوفي (٣).
بينما ورد في التيسير للنسفي: قول الكلبي في تفسير الآية: "أي: قل لأهل مكة: أغير الله أبتغي ربا أعبده؟! " (٤). ونسبة القولين للكلبي متضادتان، ولم أقف على الصواب في نسبة القول، والظاهر أن أحد المُفسريْن وهم، ونسب القول للكلبي، والله أعلم.
الثاني: ذكر الماوردي في تفسيره، وبعده ابن الجوزي أن مشركي قريش قالوا للنبي
стр. 632
ﷺ : اجعل بيننا وبينك حكما إن شئت من أحبار اليهود، وإن شئت من أحبار النصارى، ليخبرنا عنك بما في كتابهم من أمرك، فنزلت هذه الآية (١).
ولم يذكر أحدا قبلهما لهذا السبب إسناداً بحسب ما وقفت عليه، ليتبين إن كان هذا السبب صحيحًا أم ضعيفًا، فهو لا شيء، وإلا لو صح لكان حجة لمن قال بأن المراد من قوله تعالى: ﴿أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ قاضيا بيني وبينكم.
• النتيجة:
بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن المراد من قوله تعالى: " ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ أي: قاضيًا يحكم بيني وبينكم، ويفصل المحق من المبطل، لما تقدم إيراه من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.
стр. 633
١٠١ - قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [سورة الأنعام ١١٩].
قال بعض المفسرين: يعني في آية المائدة في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [سورة المائدة: ٣] الآية. ورُدَّ بأن المائدة من آخر ما نزل بالمدينة، والأنعام مكية. فالصواب أن التفصيل إما في قوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [سورة الأنعام: ١٤٥] الآية. فإنه ذكر بعد بيسير، وهذا القدر من التأخر لا يمنع أن يكون هو المراد، وإما على لسان الرسول، ثم أُنْزِلَ بعد ذلك في القرآن (١).
• أقوال أهل العلم في بيان تفصيل التحريم في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾:
القول الأول: أن تفصيل التحريم مُبين في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾.
القول الثاني: أن تفصيل التحريم مُبين في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية.
أصحاب القول الأول:
سعيد بن جبير: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ يعني: ما بين في [المائدة] من الميتة، والدم، إلى آخر الآية" (٢).
الطبري: "وما يمنعكم من أكل ما ذبح بديني الذي ارتضيته، وقد فصّلت لكم الحلال من الحرام فيما تطعمون، وبينته لكم بقولي: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ
стр. 634
لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾، إلى قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾، فلا لبس عليكم في حرام ذلك من حلاله، فتتمنعوا من أكل حلاله حذرًا من مواقعة حرامه" (١).
البغوي: " أراد بتفصيل المحرمات ما ذكر في قوله تعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ " (٢).
السعدي: "فالحرام الذي قد فصله الله وأوضحه، قد أباحه عند الضرورة والمخمصة، كما قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ " (٣).
أصحاب القول الثاني:
الرازي: "الأولى أن يقال المراد قوله بعد هذه الآية - يعني قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ -: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآية" (٤).
أبو حيان: " ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ﴾ في هذه السورة لأنها على ما نُقِلَ مكية، ونزلت في مرة واحدة، فلا يناسب أن يكون ﴿وَقَدْ فَصَّلَ﴾ راجعا إلى تفصيل (البقرة) و (المائدة) لتأخيرهما في النزول عن هذه السورة" (٥).
الشوكاني: " ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ أي بين لكم بيانا مفصلا يدفع الشك ويزيل الشبهة بقوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ إلى آخر الآية" (٦).
الشنقيطي: "التحقيق أنه فصله لهم بقوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ الآية" (٧).
стр. 635
• دراسة المسألة:
يتبين من خلال ما تقدم أن بيان تفصيل المحرم في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ مما اختلف العلماء فيه قديمًا، والمتأمل فيما ذهب إليه الفريقان يجد أن كُلاً منهما يرد عليه إيراد يُضعفه ويصرفه عن الراجح منهما.
فأما ما ذهب إليه أصحاب الفريق الأول: من أن الإجمال في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ مبين بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ الآية.
يرد عليه: أن سورة الأنعام مكية وسورة المائدة مدنية وهي آخر ما أنزل الله بالمدينة وقوله ﴿وَقَدْ فَصَّلَ﴾ يقتضي أن يكون ذلك المفصل مقدما على هذا المجمل والمدني متأخر عن المكي والمتأخر يمتنع كونه متقدما (١).
وأما ما ذهب إليه أصحاب الفريق الثاني: من أن الإجمال في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ مبين بقوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [سورة الأنعام: ١٤٥] الآية.
يرد عليه: أن سورة الأنعام نزلت جملة واحدة على الصحيح، فذلك ينافي أن يكون المتأخر في التلاوة متقدما نزوله (٢).
وقد تكلف كُل من الفريقين لما ذهبوا إليه:
فأما الفريق الأول: فقالوا: أن الله لما علم أن سورة المائدة متقدمة على سورة الأنعام في الترتيب لا في النزول حسن عود الضمير في قوله ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ إلى ما هو متقدم في الترتيب وهو قوله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ الآية والله أعلم بمراده (٣).
стр. 636
والجواب عليه: أن هذا مما لا يُعقل، فكيف يُخبر الله تعالى بأنه فصّل ما حرّم من المأكولات بصيغة الماضي، وقوله حق، ولم تكن الآيات في سورة المائدة قد نزلت حينئذ، ولم تُشكل الآية على الناس وتُثير تساؤلاتهم بالذي فصَّله، مما يدل على أن الذي فصَّله هو في غير آية المائدة، والله أعلم.
وأما الفريق الثاني فقالوا: أن هذا القدر من التأخير لا يمنع أن يكون هو المراد، خصوصا أن السورة نزلت دفعة واحدة بإجماع المفسرين، فيكون في حكم المقارن (١).
والجواب عليه: أن هذا القدر من التأخير يمنع أن يكون هو المراد، ولا يقتضي المقارنة، وذلك أن سياق الآيات متعدد في موضوعاته، فالله تعالى أخبر في الآية أنه بيَّن وفصّل ما حرم من المأكولات، ثم أمر باجتناب الإثم ظاهره وباطنه فقال: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [سورة الأنعام: ١٢٠] ثم نهى عن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه فقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [سورة الأنعام: ١٢١] ثم أخبر عن من ﴿كَانَ مَيْتًا﴾ في ظلمات الكفر والمعاصي، ﴿فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ بنور العلم والإيمان والطاعة، ثم أخبر عن الرؤساء الذين قد كبر جرمهم، واشتد طغيانهم، فقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ [سورة الأنعام: ١٢٣] إلى أن قال بعد عدة مواضيع: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾. فدل هذا على أن المقارنة غير متحققة وخصوصًا مع تخلل هذه المواضيع بين قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾، والله أعلم.
ولعل الصواب في هذه المسألة: ما ذهب إليه بعض المفسرين وهو: أن الله قد بين لهم، من قبل، ما حرمه عليهم من المأكولات، بوحي غير القرآن (٢)، كالسنة النبوية.
стр. 637
وذلك أن السنة هي وحي من الله تعالى على لسان رسوله، كما أن القرآن وحي من الله، لما أخرجه أحمد في مسنده من حديث المقدام بن معدي، قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه" (١).
ومما ورد في السنة بتحريم بعض المأكولات حديث: "أحلت لنا ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال" (٢)، فدل مفهوم المخالفة أن ما عداهما من الميتة والدم فهو محرّم.
وحديث أبي ثعلبة ﵁، أن رسول الله ﷺ «نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع» (٣).
وعنه أيضًا: «أن رسول الله ﷺ حرَّم لحوم الحمر الأهلية» (٤). وغير ذلك من الأحاديث التي تُبين ما الإجمال في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾، والله أعلم.
• النتيجة:
بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين بأن الراجح في تفصيل المجمل في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ هو ما صح عن النبي ﷺ من الأحاديث التي بيَّنت هذا الإجمال، وذلك لأن أدلة كُلاً من الفريقين، لم تسلم من إيرادات وإشكالات تُضعف ما ذهبت إليه، والله أعلم.
стр. 638
١٠٢ - قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [سورة الأنعام: ١٤١].
قال القاسمي: ذهب بعضهم إلى أن هذا الحق نسخ بآية الزكاة، حكاه ابن جرير عن ابن عباس وثلة من التابعين (١). قال ابن كثير: في تسمية هذا نسخا نظر؛ لأنه قد كان شيئا واجبا في الأصل ثم إنه فصل بيانه وبين مقدار المخرج وكميته (٢).
ولا نظر، لما عرفت في المقدمة من تسمية مثل ذلك نسخا عند السلف (٣)، ومر قريبا أيضا، فتذكر! (٤).
• أقوال أهل العلم في المراد من النسخ في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾:
القول الأول: أن المراد من النسخ في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ رفع الحكم بحكم آخر، بمعنى أن وجوب إيتاء الزكاة وقت الحصاد كان واجبًا ثم ألغي بآيات فرض الزكاة.
القول الثاني: أن المراد من النسخ في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ تفسير المجمل، ببيان مقدار الزكاة وكميتها.
• دراسة المسألة:
أورد الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيره ما حكاه ابن جرير عن ابن عباس، ومحمد
стр. 639
بن الحنفية، وإبراهيم النخعي، وغيرهم من أن إيتاء الحق يوم الحصاد في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ كان واجبا، ثم نسخه الله بالعشر ونصف العشر.
ثم عقَّب الحافظ ابن كثير على هذا القول فقال: تسميته نسخا فيه نظر؛ لأنه قد كان شيئا واجبا. ثم إنه فسر بيانه وبين مقدار المخرج وكميته (١).
والذي يظهر أن الحافظ ابن كثير ﵀ نظر إلى معنى النسخ من حيث مفهومه عند الأصوليين وعند المتأخرين والذي هو بمعنى: رفع الحكم الشرعي بطريق شرعي متراخ عنه (٢).
وليس كما فَهم ﵀، فإن مفهوم النسخ عند السلف كما هو معلوم يختلف عن مفهومه لمن جاء بعدهم، كما نص الأئمة على ذلك (٣).
قال: ابن تيمية: "و"فصل الخطاب": أن لفظ "النسخ" مجمل فالسلف كانوا يستعملونه فيما يظن دلالة الآية عليه من عموم أو إطلاق أو غير ذلك (٤).
وقال الشاطبي: "الذي يظهر من كلام المتقدمين أن النسخ عندهم في الإطلاق أعم منه في كلام الأصوليين؛ فقد يطلقون على تقييد المطلق نسخا، وعلى تخصيص العموم بدليل متصل أو منفصل نسخا، وعلى بيان المبهم والمجمل نسخا، كما يطلقون على رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر نسخا؛ لأن جميع ذلك مشترك في معنى واحدا، وهو أن النسخ في الاصطلاح المتأخر اقتضى أن الأمر المتقدم غير مراد في التكليف، وإنما المراد ما جيء به آخرا؛ فالأول غير معمول به، والثاني هو المعمول به" (٥).
فما ورد عن السلف في تفسير قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ بأنه منسوخ
стр. 640
بآيات فرض الزكاة، إنما هو في الحقيقة بيان لحقٍ قد كان واجبا. ثم إنه فسر بيانه وبين مقدار المخرج وكميته، وليس رفع الحكم من أصله.
فيُقال في تفسير هذا المُجمل: أن الله أوجب الزكاة في مكة إيجابا مجملا -وذلك أن سورة الأنعام مكية- فتعين فرض اعتقادها، ووقف العمل بها على بيان الجنس والقدر والوقت، فلم تكن بمكة حتى تمهد الإسلام بالمدينة؛ فوقع البيان، فتعين الامتثال (١).
تنبيه:
اختلف أهل العلم قديمًا في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ بين الإحكام والنسخ، فمن المفسرين من قال بأن قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ منسوخ بآيات فرض الزكاة في المدينة (٢)، ومنهم من قال بأن الآية محكمة (٣)، وأفضل من كتب في هذه المسألة بحسب ما وقفت عليه هو الدكتور مصطفى زيد (٤)، فقد أجاد فيها وأفاد.
• النتيجة:
من خلال ما تقدم ذكره في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه القاسمي ﵀ من أن المراد من قول بعض السلف: أن الآية منسوخة هو تفسير المجمل، وبيان المبهم، وتخصيص العام، ونحو ذلك، والله أعلم.
стр. 641
١٠٣ - قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [سورة الأنعام: ١٤٥].
قال القاسمي: قيل: إذا حرم غير ما ذكر كان نسخا لما اقتضته هذه الآية من تحليله. وجوابه أن ذلك زيادة تحريم وليس بنسخ لما في الآية. فصح تحريم كل ذي ناب من السبع ومخلب من الطير (١).
• أقوال أهل العلم في المطعومات المُحرّمة الواردة في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ من حيث الإحكام والنسخ:
القول الأول: أن المطعومات المُحرّمة الواردة في الآية، منسوخة بآية المائدة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ الآية، أو بأحاديث السنة التي نهت عن لحوم الحُمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع وغير ذلك.
القول الثاني: أن الآية مُحكمة وليست منسوخة، وما ورد من المحرَّمات في آية المائدة، إنما هو زيادة تحريم، وليس بنسخ.
أصحاب القول الأول:
ما ذهب إليه بعض أهل العلم: من أن آية الأنعام وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ﴾ منسوخة بآية المائدة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٢).
الشنقيطي: " ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ الآية. فتحريم شيء زائد على الأربعة المذكورة في الآية زيادة ناسخة، لأنها أثبتت تحريما دلت الآية على نفيه" (٣).
стр. 642
أصحاب القول الثاني:
الكرماني: "قيل أن الآية منسوخة، وأن المائدة نزلت بعدها وفيها الناسخة، وهذا ضعيف" (١).
ابن عطية: "وهذه الآية نزلت بمكة ولم يكن في الشريعة في ذلك الوقت شيء محرم غير هذه الأشياء، ثم نزلت سورة المائدة بالمدينة وزيد في المحرمات كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة" (٢).
البيضاوي: " الآية محكمة لأنها تدل على أنه لم يجد فيما أوحي إلى تلك الغاية محرما غير هذه، وذلك لا ينافي ورود التحريم في شيء آخر فلا يصح الاستدلال بها على نسخ الكتاب بخبر الواحد ولا على حل الأشياء غيرها إلا مع الاستصحاب" (٣).
ابن كثير: "ومن الناس من يسمي هذا نسخا والأكثرون من المتأخرين لا يسمونه نسخا لأنه من باب رفع مباح الأصل والله أعلم" (٤).
• دراسة المسألة:
بعد التأمل والنظر واستقراء ما ذكره أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، من أن آية الأنعام مُحكمة وليست منسوخة، وما ورد من المحرَّمات في آية المائدة، إنما هو زيادة تحريم، وليس بنسخ، وذلك من وجهين:
الأول: أن ذلك زيادة في ذكر المحرمات من المطعومات، وهذه الزيادة في النص إذا كانت لا تنفي ما سبقها من الآيات فلا تعد من قبيل النسخ بمفهومه المُتعارف عليه من رفع حكم بحكم.
стр. 643
فآية الأنعام نزلت بمكة ولم يكن في الشريعة في ذلك الوقت شيء محرم غير هذه الأشياء، ثم نزلت سورة المائدة بالمدينة وزيد في المحرمات كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، فإن هذه وإن كانت في حكم الميتة فكان في النظر احتمال أن تلحق بالمذكِّيات لأنها بأسباب وليست حتف الأنف، فلما بين النص إلحاقها بالميتة كانت زيادة في المحرمات.
ثم نزل النص على رسول الله ﷺ في تحريم الخمر بوحي غير منجز، وبتحريم كل ذي ناب من السباع، فهذه كلها زيادات في التحريم، ولفظة التحريم إذا وردت على لسان رسول الله ﷺ ، فإنها صالحة أن تنتهي بالشيء المذكور إلى غاية المنع والحظر، وصالحة بحسب اللغة أن تقف دون الغاية في حيز الكراهية ونحوها.
فما اقترنت به قرينة التسليم من الصحابة المتأولين، وأجمع عليه الكل منهم، ولم تضطرب فيه ألفاظ الأحاديث، وأمضاه الناس على إذلاله (١)، وجب بالشرع أن يكون تحريمه قد وصل الغاية من الحظر والمنع (٢).
ومما يدل على أن الزيادة في المُحرمات بعد حصرها بالنفي أو الإثبات لا تعد نسخًا: قول النبي ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إسلام، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس" (٣)، وقد ذكر أهل العلم أن أسباب القتل عشرة، منها متفق عليه ومنها مختلف فيه ولم يعد ذلك نسخا وإنما هو زيادة بيان، وكما لم تعد الزيادة في التكليفات من أركان الديانات والأجناس المختلفات نسخا، إذ لم تأت الشريعة جملة واحدة وإنما وضعت نوعا نوعا وفوجا فوجا، هذا كما لم يعد جواز أكل الكبد والطحال وتخصيص ذلك من الدم نسخا، مع أن تحريم كل ذي ناب من السباع لم يرد في الصحيح التحريم، وإنما جاء بلفظه نهي المحتملة للتحريم والتنزيه (٤).
стр. 644
الثاني: أن الآية من قبيل الأخبار، والأخبار لا يدخلها النسخ، فالآية إنما أخبرت بما كان في الشرع من التحريم يومئذ -يعني في مكة- وأن النبي ﷺ لا يجد في ما أوحى الله إليه من المطعومات التي حرَّمها المشركون على أنفسهم (١).
الثالث: أن الآية جاءت جوابا عن سؤال سألوه؛ فكان الجواب بقدر السؤال، ثم حرم بعد ذلك ما حرم (٢).
الرابع: أن آية المائدة داخلة في آية الأنعام، وليست متعارضة معها في شيء؛ فإن المنخنقة والمتردية والنطيحة من الميتة، وقد اجتمعت الآيتان على تحريم الميتة، ومن الميتة ما أكله السبع فأماته، ومن الفسق الذي أهل لغير الله به: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾، وما ذبح على النصب، أما الدم ولحم الخنزير فقد ذكرتهما الآيتان، وقيدت آية الأنعام إطلاق الدم في آية المائدة بأن يكون مسفوحا، وهو شرط لا بد منه للتحريم (٣).
الخامس: أن القاعدة المقررة عند أهل العلم (أن الأصل عدم النسخ مالم يرد دليل صريح على خلافه) (٤)، وظاهر الآية لا يدل على حصر المطعومات المحرّمة، فتعين أنها محكمة، وليست منسوخة.
تنبيه:
الحنفية يقولون أن الزيادة على المنصوص نسخ. فكل زائد على الكتاب فهو ناسخ، كزيادة الإيمان في رقبة الكفارة، وزيادة التغريب على الجلد في جلد الزاني البكر، فما جاء منه بطريق التواتر قبل، وما جاء منه بطريق الآحاد فلا يقبل؛ لأن الآحاد لا ينسخ المتواتر (٥).
стр. 645
ويلزم على قولهم هذا أن الزيادة التي جاءت في تحريم المطعومات في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ الآية، وما جاء في أحاديث السنة التي نهت عن لحوم الحُمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع وغير ذلك، أنها من النسخ، والله أعلم.
• النتيجة:
من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن آية الأنعم وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ﴾ من قبيل المُحكم وليس من قبيل المنسوخ، لما تقدم إيراده من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.
стр. 646
١٠٤ - قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [سورة الأنعام: ١٤٩].
قال القاسمي: زعم المعتزلة أن فيها دلالة واضحة لمذهبهم من أن الله لا يشاء المعاصي والكفر، كما تبجح بذلك منهم الطبرسي الشيعي في (تفسيره) وقال: إن فيها تكذيبا ظاهرا لمن أضاف مشيئة ذلك إلى الله سبحانه (١). وكذا الزمخشري في (تفسيره) (٢).
ومعلوم أن عقيدة الفرقة الناجية، الإيمان بأن: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السموات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه، لا يكون في ملكه إلا ما يريد، وهو خالق لأفعال العباد.! (٣).
• أقوال أهل العلم في وقوع المعاصي والكفر وفق مشيئة الله تعالى:
القول الأول: أن ما يقع من المعاصي والكفر إنما هو بمشيئة الله تعالى.
القول الثاني: أن ما يقع من المعاصي والكفر ليس بمشيئة الله تعالى.
أصحاب القول الأول: وهم أهل السنة والجماعة:
الطبري: " فلو شاء ربكم لوفقكم أجمعين للإجماع على إفراده بالعبادة والبراءة من الأنداد والآلهة والدينونة، بتحريم ما حرم الله وتحليل ما حلله الله، وترك اتباع خطوات الشيطان، وغير ذلك من طاعاته. ولكنه لم يشأ ذلك، فخالف بين خلقه فيما شاء منهم،
стр. 647
فمنهم كافر ومنهم مؤمن" (١).
البغوي: " ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ فهذا يدل على أنه لم يشأ إيمان الكافر، ولو شاء لهداه" (٢).
ابن كثير: " ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ فكل ذلك بقدرته ومشيئته واختياره، وهو مع ذلك يرضى عن المؤمنين ويبغض الكافرين" (٣).
الإيجي: " ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ لكن شاء هداية قوم، وضلال آخرين، والمعنى وإذ قد ظهر ألا حجة لكم فلله الحجة لكن لا يهدي الله الكل إليها لعدم مشيئته، وله في ذلك حكم، ومصالح لا يهتدي إليها إلا من هداه الله" (٤).
أصحاب القول الثاني: وهم أهل البدع من المعتزلة وغيرهم:
القاضي عبد الجبار: "لو جاز أن يُقال أن الله يُريد المعاصي، لجاز أن يُقال هو يُحبها، ويرضاها ويختارها، وقد أبان الله ذلك بقوله: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ " (٥).
الزمخشري: "فمن علق وجود القبائح من الكفر والمعاصي بمشيئة الله وإرادته فقد كذب التكذيب كله، وهو تكذيب الله وكتبه ورسله، ونبذ أدلة العقل والسمع وراء ظهره" (٦).
• دراسة المسألة:
من المعلوم أن المتقرر عند أهل السنة والجماعة: أن ما يقع في الكون من خير أو شر،
стр. 648
وما يقع فيه البشر من كفر أو إيمان أو فسوق أو عصيان، كله وفق إرادة الله ومشيئته، بخلاف ما ذهب إليه بعض من طوائف أهل البدع، كالمعتزلة الذين ظنوا أن إثبات مشيئة الله تعالى بوقوع المعاصي تستلزم أن الله تعالى يرضى بها.
وقد دلت الألة من الكتاب والسنة والإجماع على أن الله تعالى يشاء الكفر والمعاصي من العباد، كما أنه يشاء الإيمان منهم.
فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [سورة الأنعام: ١٢٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [سورة هود: ٣٤]. فهذه الآيات فيها دلالة صريحة على أن ما يقع من العباد من الهداية والضلال إنما هو بمشيئة الله تعالى.
ومن السنة: ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر عن النبي ﷺ فيما روى عن الله ﵎ أنه قال "يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته" (١)، الحديث.
فدل هذا الحديث بمفهومه أن الناس في ضلال وغفلة، وأن هذا بتقدير الله تعالى، إلا من هداه الله ووفقه إلى الإيمان، ومنعه من أسباب الضلالة.
وأما الإجماع: فقد نقله غير واحد من أهل العلم.
قال الإمامان الرازيان أبو حاتم (٢) وأبو زرعة (٣) رحمهما الله: " أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازا وعراقا وشاما ويمنا فكان من مذهبهم: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص،
стр. 649
والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته، والقدر خيره وشره من الله " (١).
وقال ابن قتيبة: "أصحاب الحديث كلهم مجمعون على أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لا يكون، وعلى أنه خالق الخير والشر" (٢).
مناقشة استدلال الزمخشري:
استدل الزمخشري ومن معه بقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ الآية، على أن الله تعالى لا يشاء المعاصي، ظنًا منهم أن تكذيب الله تعالى للمشركين سببه أنه مُنَزه عن إرادة القبائح والكفر، والجواب عن استدلالهم من أوجه:
الأول: ما تقدم ذكره من أدلة الكتاب والسنة والإجماع التي فيها دلالة واضحة على أن الله تعالى يشاء الكفر والمعاصي كما أنه يشاء الإيمان.
الثاني: أن الآية ليست كما زعموا، فإن الله أخبر عن المشركين أنهم ادعوا على الله أنه أمرهم بالشرك وتحريم ما أحل لهم، فكذبهم الله في ادعائهم أمره بذلك، لا أنه كذبهم في إضافتهم مشيئة ما هم فيه إليه، فالتكذيب منهم إنما كان لمكذَّب، فإنه لو كان المراد أن ذلك ليس بمشيئة الله تعالى لقال (كذلك كَذَبَ) بتخفيف الذال، وكان ينسبهم في قيلهم ذلك إلى الكذب على الله لا إلى التكذيب (٣).
الثالث: أنه تعالى أنكر عليهم ذلك لأنهم احتجوا بمشيئته على رضاه ومحبته، وقالوا: لو كره ذلك وسخطه لما شاءه، فجعلوا مشيئته دليل رضاه، فرد الله عليهم ذلك. أو أنه أنكر عليهم اعتقادهم أن مشيئة الله دليل على أمره به. أو أنه أنكر عليهم معارضة شرعه وأمره الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه بقضائه وقدره، فجعلوا المشيئة العامة دافعة للأمر، فلم يذكروا المشيئة على جهة التوحيد، وإنما ذكروها معارضين بها لأمره، دافعين بها لشرعه،
стр. 650
كفعل الزنادقة، والجهال إذا أمروا أو نهوا احتجوا بالقدر (١).
فتبين إذا أن تكذيب الله تعالى لهم إنما لاحتجاجهم بالمشيئة على رضا الله تعالى عليهم، وليس لأن الله تعالى لا يشاء المعاصي والشر.
الرابع: إن قولهم ذلك كان على سبيل الاستهزاء والسخرية دفعا لدعوته ﷺ ، وتعللا لعدم إجابته وانقياده، لا تفويضا للكائنات إلى مشيئة الله تعالى. فما صدر عنهم، كلمة حق أريد بها باطل. ولذلك ذمهم الله بالتكذيب لأنهم قصدوا به تكذيب النبي ﷺ في وجوب اتباعه والمتابعة، فقال: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ﴾ بالتشديد، ولم يذمهم بالكذب في قولهم ذلك، وإلا لقال (كَذَلِكَ كَذَبَ) بالتخفيف، إشارة إلى أن ذلك الكلام في نفسه حق وصدق (٢).
الخامس: إن قولهم ذلك كان على سبيل العناد والعتو، وهذا قريب من الوجه السابق.
قال البقاعي في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: أي: بما أوقعوا من نحو هذه المجادلة في قولهم: إذا كان الكل بمشيئة الله كان التكليف عبثا، فكانت دعوى الأنبياء باطلة. وهذا القول من المشركين عناد بعد ثبوت الرسالات بالمعجزات وإخبار الرسل بأنه يشاء الشيء ويعاقب عليه لأن ملكه تام، لا يسأل عما يفعل (٣).
السادس: أن في قوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ دلالة محضة للرد على المعتزلة، وثبوت عقيدة نفوذ المشيئة وعموم تعلقها بكل كائن، فصدر الآية مثبت أن للعبد اختيارا وقدرة على وجه يَقطع حُجَّته وعذره في المخالفة والعصيان، والثاني مثبت نفوذ مشيئة الله تعالى في العبد، وأن جميع أفعاله على وفق المشيئة الإلهية وبذلك تقوم الحجة البالغة لأهل السنة على المعتزلة (٤).
السابع: أن مفعول المشيئة في قوله تعالى: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ محذوف،
стр. 651
وفعل المشيئة إن كان معلقا بشرط فإنه يكفي عن مفعوله جزاء الشرط. والأصل: فلو شاء هدايتكم أجمعين لهداكم أجمعين، ولكنه لم يشأ، كما قال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [سورة السجدة: ١٣] وهذا معنى قوله: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ فالله تعالى صرح بأنه لو شاء لهداهم أجمعين، فعرف بأن شركهم بمشيئته، وأنه لو شاء أن لا يشركوا ما أشركوا ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [سورة الأنعام: ١٠٧] ونحو ذلك من الآيات (١).
فائدة:
ذكر الشنقيطي في تفسيره: أن القاضي عبد الجبار قال: سبحان من تنزه عن الفحشاء، يعني أن السرقة والزنا ليسا بمشيئة الله؛ لأنه في زعمه أنزه من أن تكون هذه الرذائل بمشيئته.
فقال أبو إسحاق: كلمة حق أريد بها باطل. ثم قال: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء.
فقال عبد الجبار: أتراه يشاؤه ويعاقبني عليه؟
فقال أبو إسحاق: أتراك تفعله جبرا عليه، أأنت الرب وهو العبد؟
فقال عبد الجبار: أرأيت إن دعاني إلى الهدى، وقضى علي بالردى، دعاني وسد الباب دوني؟ أتراه أحسن أم أساء؟
فقال أبو إسحاق: أرى أن هذا الذي منعك إن كان حقا واجبا لك عليه فقد ظلمك وقد أساء، عن ذلك علوا كبيرا، وإن كان ملكه المحض فإن أعطاك ففضل وإن منعك فعدل.
فبهت عبد الجبار، وقال الحاضرون: والله ما لهذا جواب (٢).
стр. 652
تنبيه:
الله تعالى يُقدر الخير ويُقدر الشر، ولكن الشر المحض ليس من أفعاله تعالى لأنه لا يخلق الشر المحض، إذ جميع أفعاله تعالى فيها حكمة وعاقبة محمودة وليس فيها شر بالنسبة له تعالى وإن كان شرا بالنسبة للمخلوقين لقوله ﷺ : " والشر ليس إليك" (١)، كما قرر ذلك ابن تيمية وابن القيم وغيرهما (٢).
• النتيجة:
من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين جليًا أن الحق هو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من أن الله تعالى يشاء الكفر والمعاصي كما يشاء الإيمان من العباد، لما تقدم إيراده من الأدلة والأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.
* * *
стр. 653
سورة الأعراف
стр. 654
سورة الأعراف
١٠٥ - قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة الأعراف: ٣].
قال السيوطي: استدل به بعضهم على أن المباح مأمور به، لأنه من جملة ما أنزل الله، وقد أمرنا الله باتباعه (١).
قال القاسمي: وأقول: هذا غلو في الاستنباط (٢)، وتعمق بارد. ويرحم الله القائل: إذا اشتد البياض صار برصا (٣).
• أقوال أهل العلم في دلالة قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ على حكم العمل بالمباح:
القول الأول: أن قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يدل على أن المباح مأمور به.
القول الثاني: أن قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يدل على أن المباح غير مأمور به.
أصحاب القول الأول:
إلكيا الهراسي: " ومن جملة ما أنزل الله تعالى المباحات، فعلى ذلك يلزم من ظاهره الأمر باتباع المباح، ويلزم منه دخول المباح تحت الأمر" (٤).
стр. 655
ابن الفرس: " ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: استدل بعضهم على أن المباح داخل تحت الأمر خلافا لمن لم ير ذلك. قال: لأن المباحات من جملة ما أنزل الله تعالى وقد أمرنا باتباعه" (١).
أصحاب القول الثاني:
الطبري: " اتبعوا أيها الناس ما جاءكم من عند ربكم بالبينات والهدى، واعملوا بما أمركم به ربكم" (٢).
الزجاج: "أي اتبعوا القرآن، وما أتي به عن النبي ﷺ لأنه مما أنزل عليه لقوله جل وعز: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ " (٣).
الماتريدي: "قوله : ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فيما ذكر، وما يحل وما يحرم، وما يأمر وينهى" (٤).
ابن العربي: " ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قال علماؤنا: معناه أحلوا حلاله وحرموا حرامه، وامتثلوا أمره، واجتنبوا نهيه، واستبيحوا مباحه، وارجوا وعده، وخافوا وعيده، واقتضوا حكمه" (٥).
• دراسة المسألة:
بعد استقراء ما ذكره أهل العلم والمفسرون في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن المباح غير داخل في الأمر فيوجب العمل به، وأن القول بأنه داخل في الأمر ويجب العمل به فيه غلو، كما قال القاسمي ﵀، وذلك من أوجه:
стр. 656
الأول: أن القول بأن المباح مأمور به، يلزم منه أن تكون جميع الأحكام التي سكت عنها الشارع ولم يأمر بها، أنها من قبيل المأمورات وهذا خلاف ما أجمعت عليه الأمة على انقسام الأحكام إلى وجوب وندب وإباحة وغير ذلك. فمنكر المباح يكون خارقا للإجماع (١).
الثاني: أن القول بأن المباح مأمور به يُخالف ما اتفق عليه الفقهاء والأصوليون قاطبة على أن المباح غير مأمور به، خلافا للكعبي، وأتباعه من المعتزلة في قولهم: إنه لا مباح في الشرع بل كل فعل يفرض فهو واجب مأمور به (٢).
وبذلك يتبين أن القول الآخر لا عبرة به لمخالفته لاتفاق العلماء الذي يجب اتباعه لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ [سورة النساء: ١١٥].
الثالث: من حيث مفهوم الأمر ومفهوم المباح:
فالأمر هو: طلب الفعل على جهة الاستعلاء، وله صيغ وألفاظ منها: قول القائل لمن دونه: افعل (٣).
والمباح هو: ما خُيّر المُكلف بين فعله وتركه، وله صيغ وألفاظ منها: لا جناح، لا حرج (٤).
فصيغة الخطاب في قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ صيغة أمر تدل صراحة على الوجوب، ولا يدخل في ضمنها المباح لتناقض دلالة كل منهما، إذ إن الأمر اقتضاء وطلب والمباح غير مطلوب بل مأذون فيه (٥).
стр. 657
الرابع: أن الأمر يستلزم الترجيح، أي: ترجيح إيجاد الفعل، ولا ترجيح في المباح، لأن الأمر طلب، والطلب يستلزم الترجيح، وإلا كانت دلالته على اقتضاء إيجاد الفعل ترجيحا من غير مرجح، وذلك لأن قول السيد لعبده: افعل كذا، يفهم منه اقتضاء إيجاد ذلك الفعل لغة وعرفا، فلو كانت دلالة قوله: "افعل" على إيجاد الفعل وعدمه سواء، لكان فهم اقتضاء الإيجاد دون عدمه ترجيحا من غير مرجح.
وإذا ثبت أن الأمر يستلزم الترجيح - ولا ترجيح في المباح - لزم أن المباح غير مأمور به، فالمباح غير مأمور به (١).
تنبيهان:
الأول: استنباط الجصاص من الآية بأن فاعل المباح متبعٌ لأمر الله إذا قصد به اتباع أمره في اعتقاد إباحته، وإن لم يكن وقوع الفعل مرادا منه، كفاعل الواجب الذي يعتقد وجوب الفعل مع إيقاعه، وبهذا يجوز أن يشتمل قوله: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ على المباح الواجب (٢).
وهذا الاستنباط له حظ من النظر، فإن من اعتقد إباحة ما أباحه الله، كمن اعتقد وجوب ما أمر الله به، وتحريم ما نهى الله عنه، وهذا يدخل في الاتباع من هذه الحيثية، والله أعلم.
الثاني: مسألة الأمر بالمباح من المسائل التي ذكرها الأصوليون في مؤلفاتهم، وممن توسع فيها ورتبها، الشيخ الدكتور عبد الكريم النملة ﵀ (٣) فقد أجاد فيها وأفاد.
• النتيجة:
بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين جليًا بأن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، من أن قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يدل على أن المباح غير مأمور به، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.
стр. 658
١٠٦ - قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [سورة الأعراف: ٣١].
قال القاسمي: أقول دلّت الآية بما أفاده سبب نزولها على أن الزينة لا تختص، لغة، بالجيّد من اللباس كما تُوُهِّم (١).
• أقوال أهل العلم في المراد من الزينة من قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾:
القول الأول: أن المراد من الزينة: ستر العورة باللباس.
القول الثاني: أن المراد من الزينة: الجيد من اللباس.
أصحاب القول الأول:
ابن عباس ﵁: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الآية " كان رجال يطوفون بالبيت عراة، فأمرهم الله بالزينة، والزينة: اللباس، وهو ما يواري السوأة"، وبنحو ذلك روي عن عطاء، وإبراهيم النخعي، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وطاووس، وغيرهم (٢).
الواحدي: " ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ يعني: ما وارى العورة ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ لصلاةٍ أو طواف" (٣).
الرازي: "المراد من الزينة: لُبس الثياب، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [سورة النور: ٣١] يعني الثياب، وأيضا فالزينة لا تحصل إلا بالستر التام للعورات" (٤).
стр. 659
الخازن: "والمراد من الزينة: لبس الثياب التي تستر العورة" (١).
أصحاب القول الثاني:
ما ذهب إليه بعض المفسرين من أن المراد: التزين بأجمل اللباس في الجمع والأعياد (٢).
النسفي: " ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ لباس زينتكم ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ كلما صليتم وقيل الزينة المشط والطيب" (٣).
أبو حيان: "الذي يظهر أن الزينة هو ما يُتَجمل به ويتزين عند الصلاة ولا يدخل فيه ما يستر العورة لأن ذلك مأمور به مطلقا ولا يختص بأن يكون ذلك عند كل مسجد" (٤).
أبو زهرة: " قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، معناه البسوا لباسا يكون فيه زينة وتجمل لكم" (٥).
• دراسة المسألة:
من خلال التتبع والنظر والاستقراء فيما ذكره المفسرون في المراد من الزينة في قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد: الثياب وستر العورة، وذلك من أوجه:
الأول: من حيث سبب النزول: فقد روى ابن جرير الطبري بسنده عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الآية، قال: " كان رجال يطوفون بالبيت عراة، فأمرهم الله بالزينة، والزينة: اللباس، وهو ما يواري السوأة، وما سوى ذلك من جيد البز
стр. 660
والمتاع، فأمروا أن يأخذوا زينتهم عند كل مسجد " (١).
الثاني: من حيث الإجماع: كما يقول الرازي في تفسيره: "اجمع المفسرون على ان المراد بالزينة هاهنا لبس الثوب الذي يستر العورة" (٢).
ويقول ابن رجب ﵀: "أما قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، فإنها نزلت بسبب طواف المشركين بالبيت عراة، وقد صح هذا عن ابن عباس، وأجمع عليه المفسرون من السلف بعده" (٣).
الثالث: أن هذا التأويل - وهو أن المراد من الزينة: الثياب وستر العورة- هو المأثور عن جمع من السلف كما تقدم، ولا يُعلم لهم مخالف في عصرهم، وهم خير الناس بعد محمد ﷺ ، وأعلمهم بكتاب الله تعالى، وعلى هذا يلزم الأخذ بتأويلهم.
الرابع: من حيث النظائر: ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [سورة النور: ٣١]. يعني: الثّياب، والزينة لا تحصل إلا بالسّتر التام للعورات، ولذلك صار التزين بأخذ الثياب في الجمع والأعياد سُنَّة، فوجب حمل الزينة على ستر العورة (٤).
الخامس: من حيث دلالة السياق: فقد ذكر الله هذه الآية عقب ذكر قصة آدم ﵇، وما جرى له ولزوجه مع الشيطان حتى أخرجهما من الجنة، ونزع عنهما لباسهما حتى بدت عوارتهما، فقال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة الأعراف: ٢٧]، ثم قال: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأعراف: ٢٨] والمراد بالفاحشة هنا: نزع ثيابهم عند الطواف بالبيت، وطوافهم
стр. 661
عراة كما كان عادة أهل الجاهلية.
ثم قال بعد ذلك: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ والمراد بذلك: أن يستروا عوراتهم عند المساجد، فدخل في ذلك الطواف والصلاة والاعتكاف وغير ذلك (١).
السادس: من حيث اللغة: فالزِّيْنَةُ: اسم جامع لكل شيء يُتَزَيَّنُ به (٢).
قال الراغب: " الزينة: الحقيقية ما لا يُشين الإنسان في شيء من أحواله لا في الدنيا ولا في الآخرة" (٣).
فدل هذا المعنى بظاهره على أن لفظ الزينة عام في الثياب التي تستر العورة، وما يُتزين به بما هو زائد على ذلك، وأن أقل هذه الزينة ما يدفع عن المرء أقبح ما يَشِينُهُ بين الناس وهو ستر العورة، والله أعلم.
• النتيجة:
بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب من المراد بأخذ الزينة في الآية هو الثياب وستر العورة، وليس الجيد من الثياب، لما تقدم إيراده من أقوال أهل العلم والأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.
стр. 662
١٠٧ - قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [سورة الأعراف: ٣١].
روى الحافظ ابن مردويه من حديث سعيد بن بشير والأوزاعي عن قتادة عن أنس ﵁ مرفوعا: أنها نزلت في الصلاة في النعال. وكذا أخرجه أبو الشيخ عنه، وعن أبي هريرة مثله.
قال ابن كثير: وفي صحته نظر- والله أعلم- (١).
قال القاسمي: قلت: لا نظر، لأن ذلك مما تشمله الزينة، وقد أسلفنا في المقدمة أن قولهم: (نزلت في كذا) لا يقصد به أن حكم الآية مخصوص به، بل مخصوصة بنوعه، فتعم ما أشبهه (٢)، فتذكر (٣).
• أقوال أهل العلم في ضعف ما روي أن الآية، وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ نزلت في الصلاة في النعال (٤):
السمعاني: "قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ هو في الأمر بالطواف والصلاة لابسا، وفي شواذ التفاسير: أنه المشط، ولبس النعل" (٥).
ابن عطية: وذكر مكي حديثا أن معنى ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾؛ صلوا في النعال (٦)؛ وما أحسبه يصح (٧).
стр. 663
ابن العربي: " وقد روى أنس ﵁ عن النبي ﷺ في قوله: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ قالوا: «صلوا في النعال»، ولم يصح ذلك" (١).
الآلوسي: ونَسبَ بيتُ الكذب إلى الصادق رضي اللهـ تعالى عنه أن أخذ الزينة التمشُّط، كأنه قيل: تمشطوا عند كل صلاة، ولعل ذلك من باب الاقتصار على بعض الزينة، وليس المقصود حصرها فيما ذكر.
ومثل ذلك ما أخرجه ابن عدي وابن مردويه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «خذوا زينة الصلاة، قالوا: وما زينة الصلاة؟ قال: البسوا نعالكم فصلوا فيها» (٢).
• دراسة المسألة:
من خلال التتبع والنظر فيما ذكره المفسرون وأوردوه مما روي في تفسير الآية، وما ورد في نزولها، يتبين أن الصواب هو ما عليه جمع من المفسرين من أن الآية نزلت في لبس الثياب، وليس في لبس النعل (٣)، وذلك من وجهين:
الوجه الأول: أن الروايات الواردة في نزول الآية في لبس الثياب صحيحة الإسناد، ويجب الأخذ بها، ومن ذلك: ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس ﵁ أنه قال: " كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة، فتقول: من يعيرني تِطوافا؟ تجعله على فرجها، وتقول:
الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ … فَمَا بَدَا مِنْهُ فَلا أُحِلُّهُ
فنزلت هذه الآية: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٤).
وأخرج ابن جرير الطبري في تفسيره عن ابن عباس قال: «كانت المرأة تطوف بالبيت
стр. 664
عريانة» قال غندر: «وهي عريانة»، قال وهب: كانت المرأة تطوف بالبيت وقد أخرجت صدرها وما هنالك، قال غندر: وتقول: من يعيرني تطوافا تجعله على فرجها وتقول:
الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ … فَمَا بَدَا مِنْهُ فَلا أُحِلُّهُ
فأنزل الله: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (١).
الوجه الثاني: أن الرواية الواردة في أن الآية نزلت في لبس النعال ضعيفة الإسناد.
فقد أخرج العُقيلي بسنده عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ في قوله: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، قال: "صلوا في نعالكم" (٢).
والعلة من هذا الضعف هو أن في إسنادها: عباد بن جويرية البصري.
قال أحمد: كذاب أفاك، وقال أبو زرعة: ليس بشيء، وقال النسائي وغيره: متروك، وقال ابن عدي: يتبين ضعفه على رواياته عن الأوزاعي، وغيره (٣).
وقال ابن الجوزي عقب رواية الحديث: "هذا حديث لا يصح، ولا يعرف إلا بعباد بن جويرية، ولا يتابع عليه" (٤).
وضعف إسناده السيوطيُ في الإتقان (٥).
تنبيه:
مشروعية الصلاة في النعال ثابتة في أحاديث صحيحة، ومن ذلك ما رواه الشيخان في صحيحهما من حديث أبي مسلمة سعيد بن يزيد الأزدي، قال: "سألت أنس بن مالك
стр. 665
﵁؛ أكان النبي ﷺ يصلي في نعليه؟ قال: نعم" (١).
أما علاقة لبس النعال بنزول الآية فلم يصح في ذلك شيء، وهذا لا يمنع أن يكون لبس النعال للصلاة داخل في عموم التزين، إن قصد به المسلم ذلك، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (٢)، كما قال القاسمي ﵀.
وفي هذا يقول ابن عطية ﵀ في تفسير الآية: "ويدخل فيها ما كان من الطيب للجمعة والسواك وبدل الثياب وكل ما وجد استحسانه في الشريعة ولم يقصد به مستعمله الخيلاء" (٣).
ويقول ابن تيمية ﵀: "لما كان المشركون يطوفون بالبيت عراة، ويقولون: إن الله أمرنا بهذا، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأعراف: ٢٨]، فتحسين النعل والثوب لعبادة الله هو من التجمل الذي يحبه الله" (٤).
ويقول ابن رجب ﵀: " قال طائفة من العلماء: إن الآية تدل على أخذ الزينة عند المساجد.
وذلك قدر زائد على ستر العورة، وإن كان ستر العورة داخلا فيه وهو سبب نزول الآيات، فإن كشف العورة فاحشة من الفواحش، وسترها من الزينة، ولكنه يشمل مع ذلك لبس ما يتجمل به ويتزين به عند مناجاة الله وذكره ودعائه والطواف ببيته، ولهذا قال تعالى عقب ذلك: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [سورة الأعراف: ٣٢] " (٥).
стр. 666
• النتيجة:
بعد ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب بأن يُقال: أن ما ورد من أن الآية وهي قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ نزلت في الصلاة في النعال، لم يصح إسناده، وهو بنحو ما قال ابن كثير ﵀، إلا أن ذلك لا يمنع أن يدخل لباس النعل في عموم التزين للصلاة، لما تقدم إيراده من أقوال أهل العلم، وهو ما ذهب إليه القاسمي ﵀، والله أعلم.
стр. 667
١٠٨ - قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأعراف: ٣٢].
قال ابن الفرس: واستدل بالآية من أجاز لبس الحرير والخَزّ (١) للرجال (٢). وقد أخرج ابن أبي حاتم عن سنان بن سلمة (٣) أنه كان يلبس الخَزّ، فقال له الناس: مثلك يلبس هذا؟ فقال لهم: من ذا الذي يحرم زينة الله التي أخرج لعباده؟ (٤) ولكن أخرج عن طاوس أنه قرأ هذه الآية وقال: لم يأمرهم بالحرير ولا الديباج، ولكنه كانوا إذا طاف أحدهم وعليه ثيابه ضرب وانتزعت عنه (٥). كذا في (الإكليل) (٦).
قال القاسمي: أقول: عدم شمول الآية للحرير غني عن البيان، لأن ما خصه الدليل لا يتناوله العام. والأحاديث في تحريم الحرير لا تحصى كثرة، فاستنباط حله منها مردود على زاعمه (٧).
• أقوال أهل العلم في دلالة قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ على حكم لبس الحرير للرجال:
القول الأول: أن الآية دالة على جواز لبس الحرير للرجال.
стр. 668
القول الثاني: أنه لا دلالة في الآية على جواز لبس الحرير للرجال.
أصحاب القول الأول:
ظاهر قول عائشة ﵂: أنها سئلت عن مقانع القز فقالت: "ما حرم الله شيئا من الزينة" (١).
ظاهر قول العُليمي: " ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ هي ما ستر العورة، وكل ما يتجمل به الإنسان من الثياب وغيرها حلالا" (٢).
أصحاب القول الثاني:
ابن الفرس: "في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ دليل على جواز لباس كل ما يتزين به إلا ما خصصه الشرع. فمن ذلك لباس الحرير" (٣).
الخازن: "ولولا أن النص ورد بتحريم استعمال الذهب والحرير على الرجال لدخلا في هذا العموم ولكن النص ورد بتحريم استعمال الذهب والحرير على الرجال دون النساء" (٤).
الشربيني: " ﴿مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ من الثياب كل ما يتجمل به فيدخل تحته أنواع الملبوس والحلي ولولا النص ورد بتحريم استعمال الذهب والحرير للرجال لدخل في هذا العموم ولكن ورد النص في تحريمه على الرجال دون النساء" (٥).
الشوكاني: "فلا حرج على من لبس الثياب الجيدة الغالية القيمة إذا لم يكن مما حرمه الله".
стр. 669
• دراسة المسألة:
بعد استقراء ما ذكره المفسرون في تأويل الآية، وما أوردوه من أقوال في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، من أن الآية لا تشتمل على إباحة الحرير للرجال وذلك من أوجه:
الأول: دلالة السنة: فقد روى الشيخان في صحيحهما عن أبي عثمان، قال: "كنا مع عتبة، فكتب إليه عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: لا يلبسُ الحريرُ في الدنيا إلا لم يُلبَس في الآخرة منه" (١).
وعن ابن أبي ليلى، قال: كان حذيفة بالمداين فاستسقى، فأتاه دهقان بماء في إناء من فضة، فرماه به وقال: إني لم أرمه إلا أني نهيته فلم ينته؛ قال رسول الله ﷺ : "الذهب والفضة، والحرير والديباج، هي لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة" (٢).
فهذا دليل صريح في تحريم لبس الحرير على الرجال، والآية عامة في إباحة الزينة، فيُحمل الخاص على العام، فيجوز للرجل التزين بالثياب إلا ما خصه الدليل وهو ما دل على تحريم لبس الحرير على الرجال.
الثاني: دلالة الإجماع: فقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على تحريم لبس الحرير على الرجال.
قال ابن عبد البر: "أجمع السلف والخلف من العلماء على أنه إذا كان الثوب حريرا كله، فإنه لا يجوز للرجال لباسه" (٣).
الثالث: ما ورد عن جمع من السلف كمجاهد، وسعيد بن جبير، وطاووس، وغيرهم، أن المراد من الزينة في قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [سورة الأعراف: ٣١] اللباس الذي تستر به العورة، وليس إباحة لبس الحرير للرجال، وذلك لأن
стр. 670
المشركون كانوا يطوفون بالبيت عُراة (١)، ولا شك أن فهمهم لتأويل الآية أقرب للصواب لفهم من جاء بعدهم، لقرب عهدهم بالتنزيل.
قال القشيري (٢): وفي الآية دليل على أنهم -يعني المشركين- كانوا يحرِّمون على أنفسهم ما وصف عنهم من لبس الزينة، ولم يختلف المفسرون أنه قصد بذلك أن يستر الإنسان نفسه ما يلزمه ستره (٣).
تنبيهان:
الأول: ما ورد في سبب نزول الآية عن ابن عباس قال: كانت قريش يطوفون بالبيت وهم عراة، يصفرون ويصفقون. فأنزل الله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ فأمروا بالثياب (٤).
يؤيد ما تقدم من الأوجه من أن المراد من الزينة الثياب التي تستر العورة، إلا ما خصه الدليل بتحريمه، إلا أن هذا السبب لم يصح إسناده لأن في سنده يحيى الحماني وهو ضعيف (٥).
ومع ضعف هذا الاسناد فقد تلقاه أهل العلم من السلف ومن بعدهم بالقبول.
قال ابن رجب: "قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، نزلت بسبب طواف المشركين بالبيت عراة، وقد صح هذا عن ابن عباس، وأجمع عليه المفسرون من السلف بعده" (٦).