← Тафсир

Тафсир · id 30149

تعقبات جمال الدين القاسمي على من سبقه من خلال كتابه محاسن التأويل

عبد الرحمن الحسن

Полный текст (1 202 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

• النتيجة: بعد ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب بأن يُقال: أن ما ورد من أن الآية وهي قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ نزلت في الصلاة في النعال، لم يصح إسناده، وهو بنحو ما قال ابن كثير ﵀، إلا أن ذلك لا يمنع أن يدخل لباس النعل في عموم التزين للصلاة، لما تقدم إيراده من أقوال أهل العلم، وهو ما ذهب إليه القاسمي ﵀، والله أعلم.

стр. 667

١٠٨ - قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأعراف: ٣٢]. قال ابن الفرس: واستدل بالآية من أجاز لبس الحرير والخَزّ (١) للرجال (٢). وقد أخرج ابن أبي حاتم عن سنان بن سلمة (٣) أنه كان يلبس الخَزّ، فقال له الناس: مثلك يلبس هذا؟ فقال لهم: من ذا الذي يحرم زينة الله التي أخرج لعباده؟ (٤) ولكن أخرج عن طاوس أنه قرأ هذه الآية وقال: لم يأمرهم بالحرير ولا الديباج، ولكنه كانوا إذا طاف أحدهم وعليه ثيابه ضرب وانتزعت عنه (٥). كذا في (الإكليل) (٦). قال القاسمي: أقول: عدم شمول الآية للحرير غني عن البيان، لأن ما خصه الدليل لا يتناوله العام. والأحاديث في تحريم الحرير لا تحصى كثرة، فاستنباط حله منها مردود على زاعمه (٧). • أقوال أهل العلم في دلالة قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ على حكم لبس الحرير للرجال: القول الأول: أن الآية دالة على جواز لبس الحرير للرجال.

стр. 668

القول الثاني: أنه لا دلالة في الآية على جواز لبس الحرير للرجال. أصحاب القول الأول: ظاهر قول عائشة ﵂: أنها سئلت عن مقانع القز فقالت: "ما حرم الله شيئا من الزينة" (١). ظاهر قول العُليمي: " ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ هي ما ستر العورة، وكل ما يتجمل به الإنسان من الثياب وغيرها حلالا" (٢). أصحاب القول الثاني: ابن الفرس: "في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ دليل على جواز لباس كل ما يتزين به إلا ما خصصه الشرع. فمن ذلك لباس الحرير" (٣). الخازن: "ولولا أن النص ورد بتحريم استعمال الذهب والحرير على الرجال لدخلا في هذا العموم ولكن النص ورد بتحريم استعمال الذهب والحرير على الرجال دون النساء" (٤). الشربيني: " ﴿مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ من الثياب كل ما يتجمل به فيدخل تحته أنواع الملبوس والحلي ولولا النص ورد بتحريم استعمال الذهب والحرير للرجال لدخل في هذا العموم ولكن ورد النص في تحريمه على الرجال دون النساء" (٥). الشوكاني: "فلا حرج على من لبس الثياب الجيدة الغالية القيمة إذا لم يكن مما حرمه الله".

стр. 669

• دراسة المسألة: بعد استقراء ما ذكره المفسرون في تأويل الآية، وما أوردوه من أقوال في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، من أن الآية لا تشتمل على إباحة الحرير للرجال وذلك من أوجه: الأول: دلالة السنة: فقد روى الشيخان في صحيحهما عن أبي عثمان، قال: "كنا مع عتبة، فكتب إليه عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: لا يلبسُ الحريرُ في الدنيا إلا لم يُلبَس في الآخرة منه" (١). وعن ابن أبي ليلى، قال: كان حذيفة بالمداين فاستسقى، فأتاه دهقان بماء في إناء من فضة، فرماه به وقال: إني لم أرمه إلا أني نهيته فلم ينته؛ قال رسول الله ﷺ : "الذهب والفضة، والحرير والديباج، هي لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة" (٢). فهذا دليل صريح في تحريم لبس الحرير على الرجال، والآية عامة في إباحة الزينة، فيُحمل الخاص على العام، فيجوز للرجل التزين بالثياب إلا ما خصه الدليل وهو ما دل على تحريم لبس الحرير على الرجال. الثاني: دلالة الإجماع: فقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على تحريم لبس الحرير على الرجال. قال ابن عبد البر: "أجمع السلف والخلف من العلماء على أنه إذا كان الثوب حريرا كله، فإنه لا يجوز للرجال لباسه" (٣). الثالث: ما ورد عن جمع من السلف كمجاهد، وسعيد بن جبير، وطاووس، وغيرهم، أن المراد من الزينة في قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [سورة الأعراف: ٣١] اللباس الذي تستر به العورة، وليس إباحة لبس الحرير للرجال، وذلك لأن

стр. 670

المشركون كانوا يطوفون بالبيت عُراة (١)، ولا شك أن فهمهم لتأويل الآية أقرب للصواب لفهم من جاء بعدهم، لقرب عهدهم بالتنزيل. قال القشيري (٢): وفي الآية دليل على أنهم -يعني المشركين- كانوا يحرِّمون على أنفسهم ما وصف عنهم من لبس الزينة، ولم يختلف المفسرون أنه قصد بذلك أن يستر الإنسان نفسه ما يلزمه ستره (٣). تنبيهان: الأول: ما ورد في سبب نزول الآية عن ابن عباس قال: كانت قريش يطوفون بالبيت وهم عراة، يصفرون ويصفقون. فأنزل الله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ فأمروا بالثياب (٤). يؤيد ما تقدم من الأوجه من أن المراد من الزينة الثياب التي تستر العورة، إلا ما خصه الدليل بتحريمه، إلا أن هذا السبب لم يصح إسناده لأن في سنده يحيى الحماني وهو ضعيف (٥). ومع ضعف هذا الاسناد فقد تلقاه أهل العلم من السلف ومن بعدهم بالقبول. قال ابن رجب: "قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، نزلت بسبب طواف المشركين بالبيت عراة، وقد صح هذا عن ابن عباس، وأجمع عليه المفسرون من السلف بعده" (٦).

стр. 671

الثاني: ما يُفهم من قول أم المؤمنين عائشة ﵂ على فرض صحة نسبته إليها، من إطلاق إباحة الزينة والذي يدخل فيه إباحة الحرير للرجال، يُوجه نحو احتمالين: الاحتمال الأول: عدم بلوغ النهي عن لبس الحرير للرجال إليها، فأجابت بما فهمته من ظاهر الآية. الاحتمال الثاني: أن عائشة ﵂ سُئلت عن الزينة قبل ورود تحريم الحرير على الرجال، والله أعلم. • النتيجة: من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن الآية لا دلالة فيها على إباحة لبس الحرير للرجال، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.

стр. 672

١٠٩ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٤٢)﴾ [سورة الأعراف: ٤٢]. قال الرازي: الوُسع: ما يقدر عليه الإنسان بسهولة ويستمر، أخذا من قول معاذ (١) في الآية (إلا يُسرها لا عُسرها) (٢) وأما أقصى الطاقة فيسمى جَهدا لا وُسعا، وغلط من ظن أن الوُسع بذل المجهود (٣). قال القاسمي: قلت: في القاموس: الوسع (مثلثة) (٤) الجدة والطاقة كالسعة (٥). وفيه: الجهد الطاقة (ويضمُّ) والمشقة (٦). قال ابن الأثير: الجَهد (بالفتح) المشقة، وقيل: المبالغة والغاية، وبالضم الوُسع والطاقة وقيل: وهما لغتان في الوسع والطاقة، فأما في المشقة والغاية، فالفتح لا غير (٧). وبه يعلم أن ما جرى عليه الرازي قول للغويين، ليس وفاقا (٨). • أقوال أهل العلم في المراد من الوُسع: القول الأول: أن المراد من الوسع: ما يقدر عليه الإنسان بسهولة ويستمر، وليس بذل المجهود.

стр. 673

القول الثاني: يجوز أن يكون المراد من الوسع: بذل المجهود. أصحاب القول الأول: الزجاج: " ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ أي عملوا الصالحات بقدر طاقتهم، لأن معنى الوسع ما يقدر عليه" (١). الواحدي: " أقصى الطاقة يسمى جهدا لا وسعا، وغلط من ظن أن الوسع بذل المجهود" (٢). الزمخشري: " الوُسع: ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه ولا يحرج فيه، أي لا يكلفها إلا ما يتسع فيه طوقه ويتيسر عليه دون مدى الطاقة والمجهود" (٣). أبو حيان: " والوُسع دون المجهود في المشقة، وهو ما يتسع له قدرة الإنسان" (٤). أصحاب القول الثاني: الفيروز آبادي وابن الأثير: وتقدم قولهما. الحموي (٥): "الجُهد بالضم في الحجاز وبالفتح في غيرهم الوسع والطاقة" (٦). الأسطواني (٧): (حتى بلغ مني الجَهدَ)؛ بفتح الجيم ونصب الدال؛ أي: غاية الوسع، مفعولٌ حُذف فاعله، وروي: بضم الدال والرفع؛ أي: بلغ مني الجهد مبلغه، فهو فاعل

стр. 674

(بلغ)، وهي الأوجه، (ثم أرسلني)؛ أي: أطلقني (١). محيي الدين درويش: " ﴿وُسْعَهَا﴾ مفعول به ثان، كأنه قيل: اعملوا كل ما في وسعكم وطاقتكم" (٢). • دراسة المسألة: من خلال النظر والتأمل في قول الرازي وتعقب القاسمي له في هذه المسألة، يظهر أن هناك قصور فهم عند القاسمي ﵀ لكلام الرازي، وما نقله عن الفيروز آبادي وابن الأثير. فالرازي يُريد من تغليطه على من ظن أن المراد من الوُسع: بذل المجهود. هو في ذات الآية، بأن ظن أن المراد من الآية: أن الله لا يُكلف نفسًا إلا أن تبذل جهدا بأقصى طاقتها، وليس تكليفها بقدر ما تطيق، وما يتيسر لها. والقاسمي ﵀ تعقب عليه من جهة اللغة، فاستشهد بكلام ما تقدم ذكره من أهل اللغة على إثبات أنه يجوز أن يكون المراد من الوسع: بذل المجهود. والمتأمل فيما أورده القاسمي من كلام صاحب القاموس، وابن الأثير، أنهما يُريدان من بذل المجهود في معنى السعة: الجُهد اليسير الذي يتفق مع معنى السعة، وليس الجهد الشاق الذي فيه بذل أقصى الطاقة، الذي يُراد به الجهد: والله أعلم. وعليه فالصواب في معنى الوسع الوارد في هو ما ذهب إليه الرازي ومن تبعه، وذلك من أوجه: الأول: ما روي عن بعض السلف في المراد من الوسع مما يتفق ظاهره مع ما ذهب إليه الرازي ومن معه.

стр. 675

فقد سئل سفيان ابن عيينة عن قوله : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، فقال: إلا يسرها لا عسرها، ولم يكلفها طاقتها، ولو كلفها طاقتها لبلغ المجهود منها (١). الثاني: لو كان المراد من السعة في الآية: بذل المجهود بأقصى الطاقة، لكان فيه كلفة ومشقة، وربما تعذر الامتثال، وهذا خلاف ما دلت عليه النصوص بأن النفس تتقي الله بحسب استطاعتها، وإذا عجزت عن بعض الواجبات التي يقدر عليها غيرها سقطت عنها كما قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [سورة البقرة: ٢٨٦] ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [سورة الطلاق: ٧] ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [سورة الحج: ٧٨] ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [سورة التغابن: ١٦] فلا واجب مع العجز، ولا محرم مع الضرورة (٢). الثالث: من حيث المفهوم من معنى الوسع: فإن الوسع إنما سمي وسعا لأنه يتسع على فاعله فعله ولا يضيق عليه، فمثلا من لم يستطع الجلوس فليوم إيماء، ومن لم يستطع الصوم فليفطر، وهذا من لطف الله تعالى بعباده بأن لم يكلفهم إلا ما يسعهم ويسهُل عليهم، ولا يخرج عن حد الوسع والطاقة، وأن ذلك عادة الله سبحانه في تكليف عباده، ولو كان الوسع بمعنى بذل الجهد بأقصى الطاقة لما تحقق هذا المفهوم من الوسع، والله أعلم (٣). • النتيجة: من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل في هذه المسألة، يظهر أن الصواب مع أصحاب القول الأول من أن المراد من الوُسع: ما يقدر عليه الإنسان بسهولة ويستمر، وليس بذل المجهود، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.

стр. 676

١١٠ - قوله تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة الأعراف: ٦٩]. قال القاسمي: لا يعتمد على ما يذكره بعض المؤرخين المولعين بنقل الغرائب، بدون وضعها على محك النظر والنقد، من المبالغة في طول قوم عاد، وضخامة أجسامهم، وأن أطولهم كان مائة ذراع، وأقصرهم كان ستين ذراعا، فإن ذلك لم يقم عليه دليل عقلي ولا نقلي، وهو وهم. وأما قوله جل شأنه مخاطبا لقوم عاد ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ فإنه لا يدل على ما أرادوا، وإنما يدل على عظم أجسامهم وقوتهم وشدتها. وهذا من الأمور المعتادة. فإن الأمم ليست متساوية في ضخامة الجسم وطوله وقوته، بل تتفاوت لكن تفاوتا قريبا (١). • أقوال أهل العلم أهل في وصف ضخامة وطول قوم عاد: القول الأول: أن قوم عاد كانوا يزيدون قوة وشدة وطولاً على غيرهم من الناس. القول الثاني: أن قوم عاد كانوا يزيدون طولا على غيرهم من الناس، فكان أطولهم يبلغ مائة ذراع وأقصرهم ستين ذراع، ونحو ذلك من أوصافهم، بما فيه مبالغة في طولهم. أصحاب القول الأول: الماوردي: " زعم قتادة. أنه كان طول الرجل منهم -يعني عاد- اثني عشر ذراعا" (٢). ابن كثير: ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ أي: زاد طولكم على الناس بسطة، أي: جعلكم أطول من أبناء جنسكم، كما قال تعالى: في قصة طالوت: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [سورة البقرة: ٢٤٧] (٣).

стр. 677

القنوجي: قال قتادة: ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر ذراعا طولا، وعن ابن عباس: كان الرجل منهم ثمانين باعا، وكانت البرة فيهم ككيلة البقرة والرمانة الواحدة يقعد في قشرها عشرة نفر. ولا تخلو هذه الأقاويل عن ضعف وبعد" (١). محمد رشيد رضا: " وفي التفسير المأثور روايات إسرائيلية الأصل في المبالغة في طولهم وقوتهم لا يعتمد عليها ولا يحتج بشيء منها" (٢). أصحاب القول الثاني: ابن عباس ﵁: "كان أطولهم ثمانون ذراعًا"، وبنحو ذلك روي عن أبي هريرة، وقتادة، والكلبي، والسدي، ومقاتل، وغيرهم (٣). الزجاج: " ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ في التفسير أنه كان أقصرهم، طوله ستون ذراعا وأطولهم مائة ذراع" (٤). وهب بن منبه (٥): "هلكت عاد، فلم يبق على الأرض منهم أحد، وما أتت الريح على شيء من النبات والشجر إلا جعلته كالرميم. فكان الرجل منهم ستين ذراعا، وكانت هامة الرجل مثل القبة العظيمة" (٦). محمد بن إسحاق (٧): " كانت قامة الطويل من قوم عاد مائة ذراع، وقامة القصير

стр. 678

منهم ستين ذراعا" (١). • دراسة المسألة: من خلال استقراء ما ذكره المفسرون في تفسير الآية، وما أوردوه المؤرخون في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن قوله تعالى: ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ لا يدل على طول وضخامة أجسام قوم عاد إلى ستين ذراع ونحو ذلك، وإنما يدل على عظم أجسامهم وقوتهم وشدتها مما هو معتاد وفي حد المعقول، وبتفاوت قريب، وذلك من أوجه: الأول: أن ما روي عن جمع من السلف من أن طول قوم عاد يبلغ ستون ذراعًا أو سبعون ذراعًا غالبه إن لم يكن جُلّه من الإسرائيليات، والإسرائيليات كما هو مقرر عند أهل العلم مردودة إن خالفت شرعنا (٢). وقد روي في الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا ثم قال اذهب فسلم على أولئك من الملائكة فاستمع ما يحيونك تحيتك وتحية ذريتك فقال السلام عليكم فقالوا: السلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمةُ الله فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن» (٣). ووجه الدلالة: أنه لا أحد من البشر يبلغ من الطول والضخامة كطول آدم ﵇ الذي طوله يبلغ ستون ذراعًا، فالخلق الذين جاءوا بعده مازالوا ينقصون طولاً عن طوله، فبطلت الروايات الإسرائيلية المخبرة عن طول قوم عاد وضخامة أجسامهم إلى ستين أو سبعين ذراعًا (٤).

стр. 679

الثاني: أن ما روي عن ابن عباس ﵁: "كان أقصر قوم عاد سبعين ذراعا وأطولهم مائة ذراع" (١)، من رواية الكلبي، عن أبي صالح. وكلاهما ضعيف، وقد تقدم الحديث عن ضعف هذا الإسناد (٢). الثالث: من حيث الواقع المشاهد: فالتفاوت بين الشعوب والأمم في أطوال الجسم وأحجامها من الأمور المعتادة، فإن الأمم ليست متساوية في ضخامة الجسم وطوله وقوته، بل تتفاوت لكن تفاوتا قريبا، ومما يدل على أن أجسام من سلف كأجسامنا لا تتفاوت عنها تفاوتا كبيرا: مساكن ثمود قوم صالح الباقية، وقوم ثمود مقاربين لقوم عاد، ومساكن قوم ثمود ما زالت حتى الآن ماثلة ومعروفة في ديار ثمود قوم صالح، وهي عبارة عن كتل من الجبال منحوتة من الداخل، فقد كانوا ينحتون من الجبال بيوتا، مما يدل على عظم بأس هؤلاء القوم، وشدة تمكنهم في هذه الأشياء، لكن مع ذلك نلاحظ أن قاماتهم تدل عليها الحجرات وارتفاعاتها، وهذه الأشياء تدل على أن قامتهم كانت معتدلة، وليست بالطول البالغ إلى الحد (٣). • النتيجة: من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة يظهر أن الصواب هو ما عليه أصحاب القول الأول من أن قوم عاد كانوا يزيدون قوة وطولاً على غيرهم من الأمم بقدر ما هو معقول، لما تقدم بيانه من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.

стр. 680

١١١ - قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الأعراف: ١٤٣]. قال القاسمي: وأما زعم المعتزلة أن الرؤية مجاز عن العلم الضروري، فمعنى قوله: ﴿أَرِنِي﴾ أي: اجعلني عالما بك علما ضروريا- خلاف الظاهر. فإن النظر الموصول بـ (إلى) نص في الرؤية البصرية فلا يترك بالاحتمال، مع أن طلب العلم الضروري لمن يخاطبه ويناجيه غير معقول. وكذا زعمهم أن موسى ﵇، كان سألها لقومه حيث قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [سورة البقرة: ٥٥]، فسأل ليعلموا امتناعها- فإنه خلاف الظاهر، وتكلف يذهب رونق النظم، فترده ألفاظ الآية (١). • أقوال أهل العلم في معنى الرؤية في قوله تعالى: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ من حيث الحقيقة والمجاز: القول الأول: أن المعنى حقيقي، والمراد: اجعلني أنظر إليك ببصري. القول الثاني: أن المعنى مجازي، والمراد: اجعلني عالمًا بك علمًا ضروريًا. أصحاب القول الأول: وهم أهل السنة والجماعة: الزجاج: " ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ أي قد خاطبتني من حيث لا أراك، والمعنى أرني نفسك" (٢).

стр. 681

البغوي: "فإن قيل: كيف سأل الرؤية وقد علم أن الله تعالى لا يرى في الدنيا؟ قال الحسن: هاج به الشوق فسأل الرؤية. وقيل: سأل الرؤية ظنا منه أنه يجوز أن يرى في الدنيا" (١). الإيجي: " ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي﴾ نفسك بأن تتجلى إلي ﴿أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ أراك" (٢). العُليمي: " ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ أي: أرني نفسك لأتمكن من رؤيتك" (٣). أصحاب القول الثاني: وهم أهل البدع من المعتزلة: الكعبي: "إن موسى ﵇ لم يطلب الرؤية وإنما طلب العلم، وعبر بها عن لازمها الذي هو العلم الضروري وإطلاق اسم الملزوم على اللازم شائع، فكأنه قال: اجعلني عالما بك علما ضروريا" (٤). أبو هذيل العلاف (٥) والجبائي: "أن موسى ﵇ لم يسأل الرؤية بل تجوز بها عن العلم الضروري لأنه لازمها، وإطلاق اسم الملزوم على اللازم شائع لا سيما استعمال رأى بمعنى علم وأرى بمعنى أعلم، فكأنه قال اجعلني عالمًا بك علمًا ضروريا" (٦). • دراسة المسألة: من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، أنهم يُثبتون رؤية الله تعالى يوم القيامة، كما دلت على ذلك الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع (٧).

стр. 682

ويُقابلهم في ذلك أهل البدع من المعتزلة الذين ينفون رؤية الله تعالى يوم القيامة، وما ذلك إلا لفساد طريقتهم، في تحكيم العقول، ولي أعناق النصوص التي تُثبت الرؤية وتأويلها بمعانٍ تصرفها عن ظاهرها. ومن ذلك أن أنهم أولوا قوله تعالى: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ أي: اجعلني عالما بك علما ضروريا، وذلك لأنهم لو أوَّلوها على الحقيقة كتأويل أهل السنة، لكانت الآية حجة عليهم، إذ لا يُعقل أن يسأل موسى ﵇ ربه مما لا يليق ولا يجوز، وما هو مستحيل، فعدلوا عن الحقيقة إلى طاغوت المجاز. والجواب عن قولهم بأن المراد من قوله تعالى: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ أي: اجعلني عالما بك علما ضروريا، من أوجه: الأول: أن هذا التأويل مخالف للروايات الواردة عن جماعة من السلف في تأويل الآية، والتي تُفيد حقيقة النظر وهي رؤية الله تعالى في الدنيا التي طلبها موسى ﵇ من ربه. فقد أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره عن السدي، قال: " إن موسى ﵇ لما كلمه ربه أحب أن ينظر إليه، ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ .... إلخ" (١). وأخرج أيضًا عن أبي بكر الهذلي (٢)، أنه قال: " لما تخلف موسى ﵇ بعد الثلاثين، حتى سمع كلام الله اشتاق إلى النظر إليه، فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ " (٣). وغير ذلك من الآثار.

стр. 683

الثاني: أن قولهم مُخالف لدلالة اللغة: لأن (أرِ) مخففة، من الرؤية كأنه يقول أرني بمعنى أعطني. فقوله تعالى: ﴿أَرِنِي﴾ بمعنى: بصّرني، والمراد اجعلني متمكنا من رؤيتك حتى أنظر إليك وأراك (١). الثالث: أن هذا التأويل مخالف لسياق الآية: فلا يصح أن يقال: إن موسى ﵇ سأل أمرا عظيما، أو علمًا ضروريًا على تقدير: أرني أمرا، أنظر إلى أمرك، ثم حذف المفعول والمضاف؛ لأن سياق الآية يدل على بطلان هذا، وهو قوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، فلو كان المراد من طلب موسى ﵇ العلم الضروري، لما نفاها الله تعالى بقوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ (٢). الرابع: لو كانت الرؤية بمعنى العلم الضروري لكان النظر المذكور بعد أيضا بمعناه، وليس كذلك، فإن النظر الموصول بـ (إلى) نص في الرؤية لا يحتمل سواه، فلا يترك للاحتمال (٣). الخامس: لو ساغ هذا التأويل لساغ مثله في ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [سورة النساء: ١٥٣] لتساوي الدلالة، وهو ممتنع بالإجماع، و (جهرة) لا يزيد على كون النظر موصولا بـ (إلى) (٤). السادس: أن المواعدة في قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ الآية، إلى قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾ الآية، تتضمن الملاقاة. والملاقاة تعتمد رؤية الذات وسماع الحديث، فحصل لموسى أحد ركني الملاقاة وهو التكليم، فأطمعه ذلك في الركن الثاني وهو المشاهدة، مما يؤذن بأن التكليم هو الذي أطمع موسى في حصول الرؤية، مما يدل على

стр. 684

موسى ﵇ طلب الرؤية الحقيقية، وهي رؤية العين (١). • النتيجة: من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين جليًا أن الحق هو الذي عليه أصحاب القول الأول من أهل السنة والجماعة، وأن المراد من الرؤية في قوله تعالى: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ المعنى حقيقي، وهو: اجعلني أنظر إليك ببصري.

стр. 685

١١٢ - قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة الأعراف: ١٩٠]. قال القاسمي: ذكر المفسرون هاهنا أحاديث وآثارا تفهم أن المراد بهذا السياق آدم وحواء. ولا حاجة بنا إلى روايتها لأنها واهية الإسناد معلولة، كما بينه الحافظ ابن كثير في (تفسيره). وتقبل ثلة من السلف لها وتلقيها لا يجدي في صحتها شيئا. إذا أصلها مأخوذ من أقاصيص مسلمة أهل الكتاب، كما برهن عليه ابن كثير (١). وتهويل بعضهم بأنها مقتبسة من مشكاة النبوة، إذ أخرجها فلان وفلان، من تنميق الألفاظ لتمزيق المعاني، فإن المشكاة النبوية أجل من أن يقتبس منها إلا كل ما عرفت جودته. إذا علمت ذلك، تبين لك أن من استند إلى تلك الأحاديث والآثار، فذهب إلى أن المراد بالنفس الواحدة وقرينتها، آدم وحواء، ثم أورد على نفسه أنهما بريئان من الشرك، وأن ظاهر النظم يقتضيه، ثم أخذ يؤوله، إما بتقدير مضاف، أي جعل أولادهما له شركاء، فيما آتى أولادهما، وإما بأن المراد جعل أحدهما وهو (حواء) من إطلاق المثنى وإرادة المفرد، وإما بغير ذلك- فإنه ذهب في غير مذهب (٢). • أقوال أهل العلم في المراد من الذين قال الله فيهم: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾: القول الأول: أن المراد: ذرية آدم ومن أشرك منهم، أو جنس بني آدم. القول الثاني: أن المراد: آدم ﵇ وحواء.

стр. 686

أصحاب القول الأول: الحسن البصري: " ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾: كان هذا في بعض أهل الملل، ولم يكن بآدم " (١). أبو حفص النسفي: "والتأويل الصحيح للآيتين ما قاله الحسن البصري ﵀: أن أول الآية في حق آدم وحواء ﵉، وهو كالكلام المعترض، والآية الثانية المتصلة بها في حق المشركين" (٢). ابن القيم (٣): "فالنفس الواحدة وزوجها آدم وحواء، واللذان ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ المشركون من أولادهما، ولا يلتفت إلى غير ذلك مما قيل: إن آدم وحواء كانا لا يعيش لهما ولد، فأتاهما إبليس، فقال: إن أحببتما أن يعيش لكما ولد؛ فسمياه عبد الحارث، ففعلا، فإن الله سبحانه اجتباه وهداه، فلم يكن ليشرك به بعد ذلك" (٤). ابن العربي: " المراد بهذا جنس الآدميين؛ فإن حالهم في الحمل وخفته وثقله إلى صفة واحدة. وإذا خف عليهم الحمل استمروا به؛ فإذا ثقل عليهم نذروا كل نذر فيه، فإذا ولد لهم ذلك الولد جعلوا فيه لغير الله شركاء في تسميته وعمله، حتى إن منهم من ينسبه إلى الأصنام، ويجعله لغير الله وعلى غير دين الإسلام، وهذا القول أشبه بالحق، وأقرب إلى الصدق، وهو ظاهر الآية وعمومها الذي يشمل جميع متناولاتها، ويسلم فيها الأنبياء عن النقص الذي لا يليق بجهال البشر، فكيف بسادتهم وأنبيائهم" (٥).

стр. 687

أصحاب القول الثاني: ابن عباس ﵁: " كانت حواء تلد لآدم، فتعبدهم لله، وتسميه عبد الله وعبيد الله ونحو ذلك، فيصيبهم الموت، فأتاها إبليس وآدم، فقال: إنكما لو تسميانه بغير الذي تسميانه لعاش، فولدت له رجلا، فسماه عبد الحارث، ففيه أنزل الله ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ إلى آخر الآية "، وبنحو ذلك روي عن عكرمة في رواية أخرى، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والسدي، وغيرهم (١). الطبري: "وأولى القولين بالصواب قول من قال: عنى بقوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ﴾ في الاسم لا في العبادة، وأن المعني بذلك آدم وحواء؛ لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك" (٢). الكرماني: " قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ﴾ أي جعل آدم وحواء "له" لله ﴿شُرَكَاءَ﴾ في تسمية الولد عبد الحرث، والقصة معلومة" (٣). سليمان بن عبد الله (٤): "وإذا تأملت سياق الكلام من أوله إلى آخره مع ما فسره به السلف تبين قطعا أن ذلك في آدم وحواء ﵉، فإن فيه غير موضع يدل على ذلك" (٥). • دراسة المسألة: من خلال استقراء ما ذكره المفسرون وأهل العلم في هذه المسألة، يظهر أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، من أن الآية تُحمل على ذرية آدم ومن أشرك منهم،

стр. 688

أو جنس الذكر والأنثى، وذلك لضعف ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من حيث الرواية والدراية: أما من حيث الرواية: فإن ما رواه ابن جرير الطبري في تفسيره، وابن أبي حاتم في تفسيره من حديث سُمْرَةَ بن جندب، عن النبي ﷺ ، قال: «كانت حواء لا يعيش لها ولد، فنذرت لئن عاش لها ولد لتسمينه عبد الحارث، فعاش لها ولد، فسمته عبد الحارث، وإنما كان ذلك من وحي الشيطان» (١). معلول كما يقول ابن كثير ﵀ من ثلاثة أوجه: أحدها: أن في إسناده عمر بن إبراهيم البصري، وقد وثقه ابن معين، ولكن قال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به. ولكن رواه ابن مردويه من حديث المعتمر، عن أبيه، عن الحسن، عن سُمْرَةَ مرفوعا فالله أعلم (٢). قال ابن عدي: "ولعمر بن إبراهيم غير ما ذكرت من الأحاديث وحديثه، عن قتادة خاصة مضطرب، وهو مع ضعفه يكتب حديثه " (٣). وقال الذهبي بعد إيراده للحديث: "صححه الحاكم، وهو حديث منكر كما ترى" (٤). الثاني: أنه قد روي من قول سمرة نفسه، ليس مرفوعا، كما قال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر، عن أبيه. وحدثنا ابن علية، عن سليمان التيمي، عن أبي العلاء بن الشخير، عن سمرة بن جندب، قال: سمى آدم ابنه "عبد الحارث" (٥). الثالث: أن الحسن نفسه فسر الآية بغير هذا، فلو كان هذا عنده عن سمرة مرفوعا، لما عدل عنه، لما أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره بإسناد صحيح عن الحسن: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ قال: كان هذا في بعض أهل الملل، ولم يكن بآدم (٦).

стр. 689

وقد نص بعض أهل العلم على ضعف هذه الرواية، كما يقول بن حزم ﵀: " وهذا الذي نسبوه إلى آدم ﵇ من أنه سمى ابنه عبد الحارث خرافة موضوعة مكذوبة من تأليف من لا دين له ولا حياء لم يصح سندها قط" (١). ويقول ابن العربي بعد إيراده بنحو من هذه الرواية: "ونحو هذا مذكور من ضعيف الحديث، في الترمذي وغيره. وفي الإسرائيليات كثير ليس لها ثبات، فلا يعول عليها من لم قلب، فإن آدم وحواء ﵉ وإن غرهما بالله الغرور فلا يلدغ المؤمن من جحر مرتين" (٢). وأما من حيث الدراية: فقد وردت القصة بروايات أخرى وهي مردودة من أوجه: الوجه الأول: أنه لو كانت هذه القصة في آدم وحواء; لكان حالهما إما أن يتوبا من الشرك أو يموتا عليه، فإن قلنا: ماتا عليه; كان ذلك أعظم من قول بعض الزنادقة: إذا ما ذكرنا آدماً وفِعالَهُ … وتزويجهِ بنتيهِ لابنيهِ في الدنا علمنا بأن الخلق من أصل ريبة … وأنَّ جميعَ الناس من عُنصر الزِّنا (٣). فمن جوز موت أحد من الأنبياء على الشرك فقد أعظم الفرية، وإن كان تابا من الشرك; فلا يليق بحكمة الله وعدله ورحمته أن يذكر خطأهما ولا يذكر توبتهما منه، فيمتنع غاية الامتناع أن يذكر الله الخطيئة من آدم وحواء وقد تابا، ولم يذكر توبتهما، والله تعالى إذا ذكر خطيئة بعض أنبيائه ورسله ذكر توبتهم منها، كما في قصة آدم نفسه حين أكل من الشجرة وزوجه، وتابا من ذلك. الوجه الثاني: أن الأنبياء معصومون من الشرك باتفاق العلماء. الوجه الثالث: أنه ثبت في حديث الشفاعة أن الناس يأتون إلى آدم يطلبون منه الشفاعة، فيعتذر بأكله من الشجرة وهو معصية، ولو وقع منه الشرك; لكان اعتذاره به

стр. 690

أقوى وأولى وأحرى. الوجه الرابع: أن القصة جاءت بروايات أخرى وفيها أن الشيطان جاء إليهما وقال: "أنا صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة"، وهذا لا يقوله من يريد الإغواء، وإنما يأتي بشيء يقرب قبول قوله، فإذا قال: "أنا صاحبكما الذي أخرجكما من الجنة"، فسيعلمان علم اليقين أنه عدو لهما، فلا يقبلان منه صرفا ولا عدلا (١). ومعلوم أن آدم ﵇ كان أشد الناس معرفة بإبليس، وكان عالما بجميع الأسماء كما قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [سورة البقرة: ٣١] فكان لا بد وأن يكون قد علم أن اسم إبليس هو الحارث فمع العداوة الشديدة التي بينه وبين آدم ومع علمه بأن اسمه هو الحارث كيف سمى ولد نفسه بعبد الحارث؟ وكيف ضاقت عليه الأسماء حتى إنه لم يجد سوى هذا الاسم؟ " (٢). الوجه الخامس: أن في قوله في هذه القصة: "لأجعلن له قرني أيل": إما أن يصدقا أن ذلك ممكن في حقه; فهذا شرك في الربوبية؛ لأنه لا يقدر على ذلك إلا الله، أو لا يصدقا; فلا يمكن أن يقبلا قوله وهما يعلمان أن ذلك غير ممكن في حقه. الوجه السادس: أنه تعالى قال: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وذلك يدل على أن الذين أتوا بهذا الشرك جماعة، ولو كان آدم وحواء; لقال: عما يشركان (٣). الوجه السابع: نظائر الآيات التي تدل على أن المراد من الآية ذرية آدم ومن أشرك منهم، فمعنى الآية: أنه لما آتى آدم وحواء صالحا كفر به بعد ذلك كثير من ذريتهما، وأسند فعل الذرية إلى آدم وحواء؛ لأنهما أصل لذريتهما، كما قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ أي بتصويرنا لأبيكم آدم؛ لأنه أصلهم بدليل قوله بعده: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ

стр. 691

اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ ويدل لهذا الوجه الأخير أنه تعالى قال بعده: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [سورة الأعراف: ١٩١] وهذا نص قرآني صريح في أن المراد المشركون من بني آدم، لا آدم وحواء، أو الرد على من جعل الأصنام شركاء لله تعالى (١). فهذه الوجوه تدل على بطلان حمل الآية على آدم ﵇ وحواء، وأن الواجب اعتقاده في الأنبياء أنهم منزهون عن الشرك، وعلى هذا: فتُحمل الآية على عمومها في بني آدم الذين أشركوا شركا أكبر، أو شركًا أصغر كشرك الطاعة ونحو ذلك، والله أعلم. • النتيجة: بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب بأن يُقال أن قوله تعالى: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ عام في ذرية آدم ﵇، لضعف الروايات الواردة في آدم وحواء من حيث الرواية، ومن حيث الدراية، كما تقدم بيانه، والله أعلم.

стр. 692

١١٣ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [سورة الأعراف: ١٩٨]. قال القاسمي: من غرائب استنباط المعتزلة قولهم في هذه الآية- والعبارة للجشمي- ما مثاله: تدل الآية على أن النظر غير الرؤية، وأنه لا يقتضي الرؤية، لذلك أثبتهم ناظرين غير رائين. قال: ومثله قولهم نظرت إلى الهلال فلم أره. ويقسمون النظر إلى وجوه، ولا تنقسم الرؤية. قال: فبطل قول من يقول: إن قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [سورة القيامة: ٢٣]، يقتضي الرؤية (١). ولا يخفى أن الأصل في إطلاق النظر هو الرؤية والإبصار، ولذلك تتعاقب في هذا المعنى، وتترادف كثيرا، وانفكاكه عن الرؤية في هذه الآية لقرينة كون المحدّث عنهم جمادا، ولا قرينة في الآية لتقاس على ما هنا. دع ما صح من الأخبار في وقوعها، مما هو بيان لها - فافهم - (٢). • أقوال أهل العلم في إطلاق النظر على الرؤية في إثبات رؤية الله تعالى: القول الأول: إثبات رؤية الله تعالى يوم القيامة في قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، وأن الفرق بين النظر والرؤية في تفسير قوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ لا يدل على نفي الرؤية. القول الثاني: إنكار رؤية الله تعالى يوم القيامة، بدلالة قوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ وأن النظر لا يقتضي الرؤية، وهكذا في قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾.

стр. 693

أصحاب القول الأول: أهل السنة والجماعة، ومعهم الأشاعرة: ابن عطية: "ذهب بعض المعتزلة إلى الاحتجاج بهذه الآية - يعني قوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ - على أن العباد ينظرون إلى ربهم ولا يرونه، ولا حجة لهم في الآية لأن النظر في الأصنام مجاز محض" (١). الزركشي: قوله: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾، فإن المعتزلة احتجوا به على نفي الرؤية لأن النظر لا يستلزم الإبصار، ولا يلزم من قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ إبصار، وهذا وهم (٢). الطوفي (٣): " ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ يحتج به المعتزلة على أن قوله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ لا يقتضي رؤية الله وإبصاره؛ لأن الآية المذكورة تضمنت إثبات النظر المقرون بإلى مع نفي الرؤية والإبصار، فدل على أن الأول لا يلزمه الثاني. وجوابه: أن المشار إليه في الآية هم الأصنام، كأنهم ينظرون إلى الإنسان إذا قابلهم، لكونهم مصنوعين على صورة الإنسان … إلخ" (٤). السيوطي: " ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾، فإن المعتزلة احتجّوا بها على نفي الرؤية، فإن النظر في قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، لا يستلزم الإبصار. ورُدّ بأن المعنى أنها تنظر إليه بإقبالها عليه، وليست تبصر شيئا" (٥).

стр. 694

أصحاب القول الثاني: أهل البدع من الشيعة والمعتزلة: المعتزلة قالوا: "الذي يدل على أن النظر ليس اسما للرؤية قوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ أثبت النظر حال عدم الرؤية، فدل على أن النظر غير الرؤية" (١). الطوسي: "في الآية دلالة على أن النظر غير الرؤية، لأنه تعالى أثبت النظر ونفى الرؤية وقوله: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ وجه الخطاب إلى النبي ﷺ ولو كان امره بخطاب المشركين بمعنى قل لهم لقال وترونهم" (٢). محمد حسن المظفر (٣): "لو سُلّم أنّ ﴿نَاظِرَةٌ﴾ ليس بمعنى: منتظرة، فلا يتّجه استدلالهم بالآية; لأنّ النظر: تأمّل العين للشيء، لا الرؤية كما في " القاموس "ولذا يتحقّق بدون الرؤية، قال تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ مع أنّه قال: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ والرؤية لا تُرى، وإنّما يرى تأمّلُ العين وتقليبُ الحدقة" ..... إلى أن قال: "فحينئذ لا تدلّ الآية على تعلّق الرؤية به تعالى" (٤). • دراسة المسألة: من خلال النظر فيما ذكره أهل العلم في هذه المسألة، وتأويل المفسرين للآية، ما دلت عليه من معاني، يتبين جليًا أن الحق هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، من أن آية الأعراف لا دلالة فيها على نفي رؤية الله تعالى، وأن قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ يقتضي إثبات رؤية الله تعالى، وذلك من أوجه:

стр. 695

الأول: الشواهد من الآيات القرآنية التي تدل على أن المراد من النظر الرؤية، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ والشاهد: أن النظر الذي في الآية مُعدى بقوله ﴿إِلَيْكَ﴾ والنظر المُعدى بإلى لا يجوز في كلام العرب أن يراد به إلا نظر العين (١)، وقد عبَّر عن النظر بالرؤية، فدل على أنه إن نظر إليه فقد رآه. وأيضًا: في قوله تعالى: ﴿انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ مما يدل على أن المراد من النظر هو الرؤية الحسية الحقيقية، وإلا كيف يستقيم المعنى إذا كان النظر إلى الجبل بمعنى النظر الغير حسي، أو العقلي أو غير ذلك من المعاني!. الثاني: ما صح في السنة النبوية مما يدل على أن النظر يوم القيامة هو بمعنى رؤيته تعالى، ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁: "أن الناس قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : هل تضارون في القمر ليلة البدر؟. قالوا: لا يا رسول الله، قال: فهل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: فإنكم ترونه كذلك" (٢)، الحديث. والشاهد من الحديث: قوله ﷺ : "فإنكم ترونه كذلك"، ولم يقل: تنظرون إليه، على التسليم بأن النظر يختلف عن الرؤية، مما يدل صراحة على ثبوت الرؤية الحقيقية. الثاني: من حيث اللغة: فإن المتقرر عند أهل اللغة جواز أن يكون المراد من النظر: الرؤية بالعين والقلب، ورأيتُه رُؤْيَةً ورَأْياً وراءَةً ورَأْيَةً ورِئْياناً وارْتَأَيْتُه واسْتَرْأَيْتُه، وتقول: تَراءَيْنا الهلال أي: تكلفنا النظر إليه هل نراه أم لا، وتقول: انطلق بنا حتى نهل الهلال أي

стр. 696

ننظر أي نراه. وقد تراءينا الهلال أي نظرْناه (١). مناقشة ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني: تقدم أن أصحاب القول الثاني من الشيعة والمعتزلة ومن نحا نحوهم من أهل البدع المنكرين لرؤية الله تعالى، ذهبوا إلى أن الآية تدل على أن النظر غير الرؤية، وأنه لا يقتضي الرؤية، ومثله في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. والجواب عما ذهبوا إليه أن يُقال: بأن قياس النظر في آية الأعراف على آية القيامة مردود، من وجهين: الوجه الأول: أن الموصوفين بالنظر في الآية هم الأصنام على قول جمع من المفسرين (٢)، ولا شك أنهم جماد لا ينظرون، فيكون المعنى: تحسبهم أنهم ينظرون إليك مع أنهم في الحقيقة لا ينظرون، لأن لهم أعينا مصنوعة بأجفانها وسوادها يحسب الإنسان أنها تنظر إليه بإقبالها عليه وليست تبصر شيئا (٣)، بخلاف آية القيامة فإن الحي إذا نظر إلى شيء فإن إبصار ذلك الشيء يحل لا محالة عند انتفاء موانع الرؤية (٤). وأيضًا: بأن الوجوه محل الإبصار والإبصار محل الرؤية وآلة لها، فالوجوه محل للرؤية وآلة لها، ودل على ذلك استعمال العرب كقول القائل: وجُوهٌ نَاظرَاتٌ يَوْمَ بَكر … إلى الرَّحْمنٍ تَنتظِرُ الخَلاصَا والمراد من هذا الرحمن: مسيلمة الكذاب، لأنهم كانوا يسمونه رحمن اليمامة، فأصحابه كانوا ينظرون إليه ويتوقعون منه التخلص من الأعداء (٥).

стр. 697

وقول الآخر: وَيَومٍ بذِي قَارٍ رَأيْتَ وُجُوهَهُمْ … إلىَ المَوْتِ مِنْ وَقْعِ السُّيوفِ نَوَاظِر والشاهد: أنه أضاف النظر إلى الوجوه في كلا البيتين (١). الوجه الثاني: من حيث اللغة: فإن كلمة (ترى) إذا تعدت إلى مفعول واحد، لا يكون ذلك المفعول إلّا ممّا يُبْصَر. قال الله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾، فَـ (تَرى) ها هنا بمعنى: بَصَرِ العين، والهاء والميم به مفعولٌ، و ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ في موضع الحال (٢). وأيضًا: أن النظر المقرر بإلى يقتضي الرؤية، فإن لم يكن موضوع اللغة فأكثر استعمال العرب عليه نحو قوله: نَظَرْت إلَى مَنْ حَسَّنَ اللَّهُ وَجْهَهُ … فَيَا نَظْرَةً كَادَتْ عَلَى وَامِقٍ تَقْضِي وقول علي بن عبد الله بن العباس (٣): نَظروا إليكَ بأعينٍ محمرةٍ … نظرَ التيوسِ إلى شِفارِ الجازرِ (٤). وهو كثير، وهو يحصل المقصود؛ ولأن غلبة استعماله تدل على أنه الحقيقة (٥). • النتيجة: بعد إيراد ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن المراد من النظر في قوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ الرؤية الحقيقة، وعلى التسليم بأن المراد غير ذلك، فإن حلمه على قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ لنفي الرؤية باطل بلا شك، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.

стр. 698

١١٤ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [سورة الأعراف: ٢٠٤]. روي عن كثير من السلف أن الآية نزلت في الصلاة (١). وعن بعضهم: فيها وفي الخطبة يوم الجمعة (٢). وعن بعضهم: فيهما وفي خطبة الأضحى والفطر (٣). وقد قدمنا في مقدمة الكتاب مصطلح السلف في قولهم (نزلت هذه الآية في كذا) وبينا أنه قد يراد بذلك، أن الآية تشمل ذلك الشيء لدخوله في عمومها، لا أنه سبب لنزولها (٤)، وذلك في بعض المقامات، وما هنا منه. وبتحقيق هذا يسقط ما للرازي هنا من أنه إذا قيل بنزولها في منع المأموم من الجهر بالقراءة، يذهب تناسب الآية مع ما قبلها من إفحام المشركين، بأن يستمعوا لقراءته، ليقفوا على إعجازه (٥). وما للخازن، بأن الآية مكية، وخطبة الجمعة والعيدين شرعتا بالمدينة (٦) - فافهمه (٧). • أقوال أهل العلم في سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾: القول الأول: أن الآية نزلت في الصلاة، وفي خطبة الجمعة. أو في خطبة الأضحى والفطر. القول الثاني: أن الآية عامة لكل من سمع القرآن، في الصلاة أو الخطبة، أو غير ذلك.

стр. 699

أصحاب القول الأول: الزجاج: " يروى أن الكلام في الصلاة كان جائِزاً، فكان يدخل الرجلُ فيقول: كم صَلَّيْتُمْ فيقال: صلينا كذا. فلما نزلت ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ حرم الكلامُ في الصلاة إِلا ما كان مما يتقرب به إِلى اللَّه جل ثناؤُه " (١). البغوي: " قوله : ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ اختلفوا في سبب نزول هذه الآية فذهب جماعة إلى أنها في القراءة في الصلاة، وقال قوم: نزلت في ترك الجهر بالقراءة خلف الإمام" (٢). الكرماني: " ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ في سبب النزول: عن أبي هريرة ﵁ قال: نزلت في رفع الأصوات في الصلاة خلف رسول الله ﷺ " (٣). الإيجي: " ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ الأصح أنها نزلت في ترك التكلم في الصلاة أو ترك القراءة مع الإمام إذا جهر فيها ولا شك أنه يستحب" (٤). أصحاب القول الثاني: ابن الفرس: " وهذه الآية وإن كانت وردت على سبب مخصوص ففيها نظر هل يقتصر على سببها أو يحمل على كل ما يقتضيه لفظها إلا ما دل دليل على تخصيصه. وإلى تعميمها ذهب كثير من العلماء فاحتجوا بها في مسائل متفرقة منها ترك الكلام في الصلاة" (٥).

стр. 700

القنوجي: " ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ قيل: هذا الأمر خاص بوقت الصلاة عند قراءة الإمام وقيل: هذا خاص بقراءة رسول الله ﷺ للقرآن دون غيره! ولا وجه لذلك، مع أن اللفظ أوسع من هذا، والعام لا يقصر على سببه" (١). أبو زهرة: "قال بعض العلماء: إن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ نزلت للقراءة في الصلاة. ونقول: إنها عامة، ولو نزلت في مقام خاص؛ لأن الأصوليين يقولون العبرة بعموم اللفظ لَا بخصوص السبب" (٢). • دراسة المسألة: أورد كثير من المفسرين في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ الروايات الواردة في سبب نزولها. وعند تتبع إسناد هذه الروايات تبين أنه لم يصح شي في ثبوتها، إما لانقطاع السند، أو وجود من هو ضعيف في الإسناد (٣)، إلا ما أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره بإسناد حسن عن عبد الله بن مسعود أنّه سلَّمَ على رسول الله ﷺ وهو يُصلِّي، فلم يَرُدَّ عليه، وكان الرجلُ قبل ذلك يتكلَّمُ في صلاته، ويأمُرُ بحاجتِه، فلما فرَغَ ردَّ عليه، وقال: «إنّ الله يفعلُ ما يشاء، وإنّها نزلتْ: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾» (٤). ومن خلال التتبع والنظر في هذه المسألة يظهر أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن الآية تبقى على عمومها، وأن معناها لا يختص بسبب نزول يترتب عليه إثبات أحكام خاصة، ورد أحكام أخرى ليُقال مثلا: أنه إذا قيل بنزولها في منع المأموم من الجهر بالقراءة، يذهب تناسب الآية مع ما قبلها من إفحام المشركين، وذلك من أوجه:

стр. 701

الأول: أنه على التسليم بصحة ما ورد في شيء مما جاء في سبب نزولها، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وقد تقدم بسط الحديث عن هذه القاعدة (١)، فالآية تشتمل على وجوب الانصات إلى قراءة القرآن، سواء في الصلاة، أو في منع المأموم من الجهر بالقراءة، أو في خطبة الجمعة أو العيدين، لا أنها تختص بمقام معين. وعليه: فلا يصح رد القول بأنها نزلت في منع المأموم من الجهر بالقراءة مثلا، لأنه يذهب تناسب الآية مع ما قبلها من إفحام المشركين، لأن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. الثاني: من حيث الإجماع: فقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على أن الآية نزلت في الصلاة، ولكن هذا لا يعني أن وجوب الانصات لقراءة القرآن مخصوص بالصلاة، لما تقدم. يقول ابن عبد البر: "في قول الله : ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ مع إجماع أهل العلم، أن مراد الله من ذلك في الصلوات المكتوبة، أوضح الدلائل على أن المأموم إذا جهر إمامه في الصلاة، أنه لا يقرأ معه بشيء، وأن يستمع له، وينصت" (٢). يقول ابن تيمية ﵀: " قال الإمام أحمد في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: أجمع الناس أنها نزلت في الصلاة. وقد قيل في الخطبة: والصحيح أنها نزلت في ذلك كله" (٣). الثالث: الشواهد من السنة النبوية على وجوب الانصات لقراءة الإمام في الصلاة وفي الخطبة، لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: «إذا قرأ الإمام فأنصتوا» وإجماع الجميع على أن من سمع خطبة الإمام ممن عليه الجمعة، الاستماع والإنصات لها، مع تتابع الأخبار بالأمر بذلك، عن رسول الله ﷺ ، وأنه لا وقت يجب على أحد استماع القرآن والإنصات

стр. 702

لسامعه من قارئه إلا في هاتين الحالتين على اختلاف في إحداهما، وهي حالة أن يكون خلف إمام مؤتم به. وقد صح الخبر عن رسول الله ﷺ بما ذكرنا من قوله: «إذا قرأ الإمام فأنصتوا» فالإنصات خلفه لقراءته واجب على من كان به مؤتما سامعا قراءته بعموم ظاهر القرآن والخبر عن رسول الله ﷺ (١). وبهذا يتبين أن دلالة الآية في وجوب الانصات إلى قراءة القرآن عامة في الصلاة، وفي الخطبة يوم الجمعة، وفي خطبتي العيدين، ونحو ذلك، وأن هذه الدلالة لا تُنافي تناسب الآية مع ما قبلها من إفحام المشركين، بأن يستمعوا لقراءته، ليقفوا على إعجازه. تنبيه: ما أورده القاسمي ﵀ وتعقبه على الخازن من عدم شمول الآية للإنصات لخطبة الجمعة لأن الآية مكية، وخطبة الجمعة والعيدين شرعتا بالمدينة، قد قال به جمع من المفسرين (٢). والصواب أن الآية عامة وشاملة في دلالتها على وجوب الانصات إلى قراءة القرآن في الصلاة وفي غيرها بمكة قبل وجوب الجمعة والعيدين، وفي المدينة بعد وجوب الجمعة والعيدين، لما تقدم بيانه، والله أعلم. • النتيجة: بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الراجح بأن الآية عامة وشاملة لوجوب الانصات لقراءة القرآن سواء في الصلاة أو الجمعة أو العيدين، وأن القول بتضعيف وجوب الانصات لقراءة القرآن في الصلاة وفي الجمعة، لأنه يُذهب تناسب الآية مع ما قبلها، أو لأن الآية مكية، مردودـ والله أعلم.

стр. 703

١١٥ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾ [سورة الأعراف: ٢٠٦]. قال الرازي: المشبهة تمسكوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ الآية. وقالوا: لفظ (عند) مشعر بالجهة. ثم أجاب بما هو معروف للخلف (١). ويعني، سامحه الله، بالمشبهة الحنابلة، وهم براء من التشبيه، كما يعلمه من طالع عقائدهم، واقفون على حدّ النصوص بلا تشبيه ولا تعطيل، ولم ينفردوا بذلك، فقد تقدمهم من لا يحصى في هذه المسألة. راجع كتاب (العلوّ للذهبيّ) تعلم ما ذكرنا (٢). • أقوال أهل العلم في إثبات علو الله تعالى على خلقه من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾: القول الأول: أن الآية دالة على إثبات علو الله تعالى على خلقه. القول الثاني: أن الآية لا تدل على إثبات علو الله تعالى على خلقه. أصحاب القول الأول: وهم أهل السنة والجماعة: الدارمي: "الله ﵎ فوق السماء، والملائكة في السموات، وبعضهم حافون بعرشه، فهم أقرب إلى عرش الرحمن من أهل الأرض، ومما يبين ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ " (٣). ابن تيمية: " قد وصف الله تعالى نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله بالعلو والاستواء على العرش والفوقية في كتابه في آيات كثيرة؛ مثل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ وقوله: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ [سورة الأنبياء: ١٩] " (٤). قال ابن القيم في معرض رده على الجهمية في إثبات صفة العلو: "التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده، وأن بعضها أقرب إليه من بعض، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ وقوله:

стр. 704

﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ ففرق بين من له عموما ومن عنده من مماليكه وعبيده خصوصا" (١). السفاريني (٢): "وتارة يخبر بأنه في السماء، وتارة يجعل بعض الخلق عنده دون بعض كقوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ " (٣). أصحاب القول الثاني: وهم المخالفين لأهل السنة من الأشاعرة ومن نحا نحوهم: الماتريدي: " التأويل عندنا في قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾: في الطاعة والخضوع، أو في الكرامة والمنزلة، ليس على قرب الذات" (٤). ابن عطية: "قوله: ﴿عِنْدَ﴾ إنما يريد في المنزلة والتشريف والقرب في المكانة لا في المكان، فهم بذلك عنده" (٥). النسفي: " ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ مكانة ومنزلة لا مكانا ونزلا يعنى الملائكة" (٦). أبو حيان: "ومعنى العندية: الزلفى والقرب منه تعالى بالمكانة لا بالمكان، وذلك

стр. 705

لتوفرُّهم على طاعته وابتغاء مرضاته" (١). • دراسة المسألة: من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: أنهم يُثبتون علو الله تعالى على خلقه، وأنه فوق السماء، مستوٍ على عرشه، غير محتاج إليه، بائن من خلقه، وقد دلت الأدلة على هذا الأصل من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة. فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [سورة تبارك: ١٦]، فمعناه من على السماء يعني: العرش، وقد يكون (في) بمعنى على، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [سورة التوبة: ٧٢] أي: على الأرض، وكذلك قوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [سورة طه: ٧١] (٢). وقوله تعالى حكاية عن فرعون: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [سورة غافر: ٣٧] فقد كذّب فرعون موسى ﵇ في قوله: إن الله فوق السموات (٣)، فلم يطلب فرعون من هامان أن يبني له صرحًا إلا لأن موسى ﵇ أخبره أن الله تعالى في السماء. ومن السنة: ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث معاوية بن الحكم السُلمي (٤) أن النبي ﷺ سأل الجارية فقال لها: «أين الله؟. قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة» (٥).
следующие страницы →