← Тафсир

Тафсир · id 30149

تعقبات جمال الدين القاسمي على من سبقه من خلال كتابه محاسن التأويل

عبد الرحمن الحسن

Полный текст (1 202 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

الأول: أنه على التسليم بصحة ما ورد في شيء مما جاء في سبب نزولها، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وقد تقدم بسط الحديث عن هذه القاعدة (١)، فالآية تشتمل على وجوب الانصات إلى قراءة القرآن، سواء في الصلاة، أو في منع المأموم من الجهر بالقراءة، أو في خطبة الجمعة أو العيدين، لا أنها تختص بمقام معين. وعليه: فلا يصح رد القول بأنها نزلت في منع المأموم من الجهر بالقراءة مثلا، لأنه يذهب تناسب الآية مع ما قبلها من إفحام المشركين، لأن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. الثاني: من حيث الإجماع: فقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على أن الآية نزلت في الصلاة، ولكن هذا لا يعني أن وجوب الانصات لقراءة القرآن مخصوص بالصلاة، لما تقدم. يقول ابن عبد البر: "في قول الله : ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ مع إجماع أهل العلم، أن مراد الله من ذلك في الصلوات المكتوبة، أوضح الدلائل على أن المأموم إذا جهر إمامه في الصلاة، أنه لا يقرأ معه بشيء، وأن يستمع له، وينصت" (٢). يقول ابن تيمية ﵀: " قال الإمام أحمد في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: أجمع الناس أنها نزلت في الصلاة. وقد قيل في الخطبة: والصحيح أنها نزلت في ذلك كله" (٣). الثالث: الشواهد من السنة النبوية على وجوب الانصات لقراءة الإمام في الصلاة وفي الخطبة، لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: «إذا قرأ الإمام فأنصتوا» وإجماع الجميع على أن من سمع خطبة الإمام ممن عليه الجمعة، الاستماع والإنصات لها، مع تتابع الأخبار بالأمر بذلك، عن رسول الله ﷺ ، وأنه لا وقت يجب على أحد استماع القرآن والإنصات

стр. 702

لسامعه من قارئه إلا في هاتين الحالتين على اختلاف في إحداهما، وهي حالة أن يكون خلف إمام مؤتم به. وقد صح الخبر عن رسول الله ﷺ بما ذكرنا من قوله: «إذا قرأ الإمام فأنصتوا» فالإنصات خلفه لقراءته واجب على من كان به مؤتما سامعا قراءته بعموم ظاهر القرآن والخبر عن رسول الله ﷺ (١). وبهذا يتبين أن دلالة الآية في وجوب الانصات إلى قراءة القرآن عامة في الصلاة، وفي الخطبة يوم الجمعة، وفي خطبتي العيدين، ونحو ذلك، وأن هذه الدلالة لا تُنافي تناسب الآية مع ما قبلها من إفحام المشركين، بأن يستمعوا لقراءته، ليقفوا على إعجازه. تنبيه: ما أورده القاسمي ﵀ وتعقبه على الخازن من عدم شمول الآية للإنصات لخطبة الجمعة لأن الآية مكية، وخطبة الجمعة والعيدين شرعتا بالمدينة، قد قال به جمع من المفسرين (٢). والصواب أن الآية عامة وشاملة في دلالتها على وجوب الانصات إلى قراءة القرآن في الصلاة وفي غيرها بمكة قبل وجوب الجمعة والعيدين، وفي المدينة بعد وجوب الجمعة والعيدين، لما تقدم بيانه، والله أعلم. • النتيجة: بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الراجح بأن الآية عامة وشاملة لوجوب الانصات لقراءة القرآن سواء في الصلاة أو الجمعة أو العيدين، وأن القول بتضعيف وجوب الانصات لقراءة القرآن في الصلاة وفي الجمعة، لأنه يُذهب تناسب الآية مع ما قبلها، أو لأن الآية مكية، مردودـ والله أعلم.

стр. 703

١١٥ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾ [سورة الأعراف: ٢٠٦]. قال الرازي: المشبهة تمسكوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ الآية. وقالوا: لفظ (عند) مشعر بالجهة. ثم أجاب بما هو معروف للخلف (١). ويعني، سامحه الله، بالمشبهة الحنابلة، وهم براء من التشبيه، كما يعلمه من طالع عقائدهم، واقفون على حدّ النصوص بلا تشبيه ولا تعطيل، ولم ينفردوا بذلك، فقد تقدمهم من لا يحصى في هذه المسألة. راجع كتاب (العلوّ للذهبيّ) تعلم ما ذكرنا (٢). • أقوال أهل العلم في إثبات علو الله تعالى على خلقه من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾: القول الأول: أن الآية دالة على إثبات علو الله تعالى على خلقه. القول الثاني: أن الآية لا تدل على إثبات علو الله تعالى على خلقه. أصحاب القول الأول: وهم أهل السنة والجماعة: الدارمي: "الله ﵎ فوق السماء، والملائكة في السموات، وبعضهم حافون بعرشه، فهم أقرب إلى عرش الرحمن من أهل الأرض، ومما يبين ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ " (٣). ابن تيمية: " قد وصف الله تعالى نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله بالعلو والاستواء على العرش والفوقية في كتابه في آيات كثيرة؛ مثل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ وقوله: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ [سورة الأنبياء: ١٩] " (٤). قال ابن القيم في معرض رده على الجهمية في إثبات صفة العلو: "التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده، وأن بعضها أقرب إليه من بعض، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ وقوله:

стр. 704

﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ ففرق بين من له عموما ومن عنده من مماليكه وعبيده خصوصا" (١). السفاريني (٢): "وتارة يخبر بأنه في السماء، وتارة يجعل بعض الخلق عنده دون بعض كقوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ " (٣). أصحاب القول الثاني: وهم المخالفين لأهل السنة من الأشاعرة ومن نحا نحوهم: الماتريدي: " التأويل عندنا في قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾: في الطاعة والخضوع، أو في الكرامة والمنزلة، ليس على قرب الذات" (٤). ابن عطية: "قوله: ﴿عِنْدَ﴾ إنما يريد في المنزلة والتشريف والقرب في المكانة لا في المكان، فهم بذلك عنده" (٥). النسفي: " ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ مكانة ومنزلة لا مكانا ونزلا يعنى الملائكة" (٦). أبو حيان: "ومعنى العندية: الزلفى والقرب منه تعالى بالمكانة لا بالمكان، وذلك

стр. 705

لتوفرُّهم على طاعته وابتغاء مرضاته" (١). • دراسة المسألة: من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: أنهم يُثبتون علو الله تعالى على خلقه، وأنه فوق السماء، مستوٍ على عرشه، غير محتاج إليه، بائن من خلقه، وقد دلت الأدلة على هذا الأصل من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة. فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [سورة تبارك: ١٦]، فمعناه من على السماء يعني: العرش، وقد يكون (في) بمعنى على، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [سورة التوبة: ٧٢] أي: على الأرض، وكذلك قوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [سورة طه: ٧١] (٢). وقوله تعالى حكاية عن فرعون: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [سورة غافر: ٣٧] فقد كذّب فرعون موسى ﵇ في قوله: إن الله فوق السموات (٣)، فلم يطلب فرعون من هامان أن يبني له صرحًا إلا لأن موسى ﵇ أخبره أن الله تعالى في السماء. ومن السنة: ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث معاوية بن الحكم السُلمي (٤) أن النبي ﷺ سأل الجارية فقال لها: «أين الله؟. قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة» (٥).

стр. 706

فقول النبي ﷺ : «إنها مؤمنة»، دليل على أنها لو لم تؤمن بأن الله في السماء؛ لم تكن مؤمنة، وأنه لا يجوز في الرقبة إلا من يحد الله أنه في السماء، كما قال الله ورسوله (١). وأما الإجماع: فقد نقله غير واحد من أهل العلم. فقد روى أبو عبد الله الحاكم عن الأوزاعي قال: "كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته" (٢). وقال ابن بطة ﵀ (٣): "أجمع المسلمون من الصحابة والتابعين، وجميع أهل العلم من المؤمنين أن الله ﵎ على عرشه، فوق سماواته بائن من خلقه، وعلمه محيط بجميع خلقه، لا يأبى ذلك ولا ينكره إلا من انتحل مذاهب الحلولية، وهم قوم زاغت قلوبهم، واستهوتهم الشياطين فمرقوا من الدين" (٤). وأما عن الاستدلال بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ على إثبات صفة العلو لله تعالى: فالصواب أن الآية دالة على ذلك، وهو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أهل السنة، وذلك من أوجه: الأول: أنه تعالى لو لم يكن في السماء ما كان لخصوص الملائكة أنهم ﴿عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ معنى، بل كانت الملائكة والجن والإنس وسائر الخلق كلهم عند ربك في دعواهم بمنزلة واحدة، إذ لو كان في كل مكان، إذا لذهب معنى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ لأن أكثر أهل الأرض من الجن والإنس من يستكبر عن عبادته، ولا يسجد له، ولكن خص الله بهذه الصفة الملائكة الذين هم عنده في السموات، فأوطئوا بهذه الآية (٥).

стр. 707

أو يقال: أن كثيرا من الجن والإنس أيضًا ممن لا يستكبر عن عبادته، فلم خُص الملائكة بالعندية؟!. الثاني: ورود الأحاديث الصحيحة باختصاص بعض المخلوقات أنها عنده وأن بعضها أقرب إليه من بعض، مما يدل على أن العندية لهذه الأشياء تدل على إثبات علو الله تعالى على خلقه. ومن ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي» (١). فالتصريح بأنها عنده دليل على صفة العلو كما هو ظاهر (٢). الثالث: أن العندية في حقيقتها لا تنقسم، فالعندية عندية ذات، ولا يُقال أن هناك عندية قهر، وقد أجمع المفسرون أن المقصود بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ أنهم الملائكة، وعندية الملائكة عند ربهم عندية ارتفاع وعلو، ولوازمها القرب والمكانة، كما قال تعالى عن الشهداء ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (٣). وأبان ابن القيم ﵀ في نونيته هذه العندية أوضح بيان بقوله: هَذَا وَعَاشِرُهَا اخْتِصاصُ البَعْضِ مِنْ … أمْلَاكِهِ بالعِنْدِ لِلرَّحْمنِ وَكذَا اخْتِصَاصُ كِتَابِ رَحْمَتِهِ بِعِنْ … د اللهَ فَوْقَ العَرْشِ ذُو تِبْيَانِ لَوْ لَمْ يَكُنْ سُبْحَانَهُ فَوْقَ الوَرَى … كَانُوا جَمِيعًا عِنْدَ ذِي السُّلْطَانِ (٤).

стр. 708

مناقشة ما أورده الفخر الرازي في تفسير الآية، وما رمى به أهل السنة من وصفهم بالمُشَبّهة: من المعلوم أن الرازي عفا الله عنه ومن معه من الأشاعرة وأهل البدع، لا يُثبتون علو الله تعالى بذاته، وأنه تعالى يمتنع كونه حاصلا في المكان والجهة. وهذا لا شك بأنه خلاف ما عليه أهل السنة من إثبات علو الله تعالى بذاته. وفي تفسير هذه الآية ذكر الرازي عفا الله عنه بعضًا من الأوجه أو الشبه التي تؤيد ما ذهب إليه، ومن اللازم إيرادها والجواب عن كل وجه منها: الشبهة الأولى: قوله: "أنه تعالى قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [سورة الحديد: ٤] ولا شك أن هذه المعية بالفضل والرحمة لا بالجهة فكذا هاهنا، وأيضا جاء في الأخبار الربانية أنه تعالى قال: «أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي» ولا خلاف أن هذه العندية ليست لأجل المكان والجهة، فكذا هنا" (١). والجواب: أن هذا من الخلط الذي وقع فيه الرازي ﵀، وقياسه معنى المعية في آية الحديد على معنى العندية في آية الأعراف، لاختلاف السياق في كل من آية الحديد وآية الأعراف. فآية الحديد: يخبر الله تعالى أنه مع عباده بعلمه وفضله، كما في الآية: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ فدل على أن المراد: معية العلم والفضل، فالله تعالى معنا بعلمه وفضله ورحمته في كل مكان. وأما آية الأعراف: فإن الله تعالى يخبر أن الملائكة الذين عنده يسبحون بحمده، وهذه العندية كما هو ظاهر أنها عندية المكان إذا لو كانت غير ذلك لم يكن لاختصاص ذكرهم معنى كما تقدم، ففرق بين المعية والعندية، فالمعية أعم والعندية أخص، فتأمل.

стр. 709

الشبهة الثانية: قوله: "أن المراد القرب بالشرف. يقال: للوزير قربة عظيمة من الأمير، وليس المراد منه القرب بالجهة، لأن البواب والفراش يكون أقرب إلى الملك في الجهة والحيز والمكان من الوزير، فعلمنا أن القرب المعتبر هو القرب بالشرف لا القرب بالجهة" (١). والجواب: أن القرب إذا أطلق فإنه يعم القرب في المكان والجهة، وأيضًا في الشرف والمنزلة، بحسب السياق، فلا يقتصر على الشرف والمنزلة، وكذا العندية فعلى التسليم بجواز حملها على معنى القرب في المكانة، فإن هذا لا ينفي أن تُحمل على معنى المكان، فتون شاملة للمعنيين معًا، لا أحداهما دون الآخر. فيكون المعنى: أن الملائكة قريبون من الرب بمنزلتهم وشرفهم، وهم أيضًا قريبون من الرب من حيث أنهم في جهة العلو، لاختصاصهم بهذه العندية دون غيرهم، فمنهم من يُسبح بحمده، ومنهم من يحمل العرش. الشبهة الثالثة: قوله: "أن هذا تشريف للملائكة بإضافتهم إلى الله من حيث إنه أسكنهم في المكان الذي كرمه وشرفه وجعله منزل الأنوار ومصعد الأرواح والطاعات والكرامات" (٢). والجواب: على التسليم بهذا التأويل، فإنه لا يلزم منه نفي عندية المكان، فإضافة الملائكة إلى الله تعالى، تقتضي القرب في المكان، والتشريف كذلك. وأيضًا: لو كان العند في قوله تعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ تقتضي إضافة التشريف دون المكان، فما عسى القول في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سورة السجدة: ١٢] أيُقال إنها إضافة تشريف، أم يُقال أن المراد من العند المكان؟!، ولا شك أن الجواب: الثاني. الشبهة الرابعة: قوله: "إنما قال تعالى في صفة الملائكة: ﴿الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ لأنهم رسل الله إلى الخلق كما يقال: إن عند الخليفة جيشا عظيما، وإن كانوا متفرقين في البلد،

стр. 710

فكذا هاهنا. والله أعلم" (١). والجواب: أن هذا من أمثلة القياس الفاسد، إذ لا يلزم من كون الجيش متفرقين ألا يكون بعضهم عنده، وهكذا في حق الملائكة، فمنهم من يكون عنده في المكان، ومنهم من لا يكون عنده. وأيضًا يقال: أن تخصيص الملائكة دون غيرهم من الرسل يدل على عندية المكان، ومما يدل على ذلك قوله تعالى مثلا: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ فقد أخبر الله تعالى عن ملكه العام، ثم أخبر عمن هم عنده من خلقه، فلا تحتمل إلا عندية المكان، والله أعلم. • النتيجة: من خلال ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين قطعًا أن الحق هو ما عليه أصحاب القول الأول من أهل السنة والجماعة، أن العندية في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ تدل على إثبات العلو لله تعالى، لما تقدم إيراده من الأدلة والأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم. * * *

стр. 711

سورة الأنفال

стр. 712

سورة الأنفال ١١٦ - قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [سورة الأنفال: ١]. قال القاسمي: روي عن عطاء أنه فسر (الأنفال) بما شذّ من المشركين إلى المسلمين في غير قتال من دابة أو أمة أو متاع. قال: فهو نفل للنبيّ ﷺ يصنع به ما يشاء (١). قال ابن كثير: وهذا يقتضي أنه فسر (الأنفال) بالفيء، وهو ما أخذ من الكفار من غير قتال (٢). قلت: صدق (النفل) عليه، لا شك فيه، وأما كونه المراد من الآية بخصوصه، فلا يساعده سبب نزولها، لا سيما قوله: ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ المشير إلى التنازع المتقدم. ثم قال ابن كثير: واختار ابن جرير أنها الزيادة على القسْم، أي ما يدفع إلى الغازي زائدا على سهمه من المغنم (٣)، والكلام الذي قلته قبل، يجري هنا أيضا (٤). • أقوال أهل العلم في المراد من الأنفال في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾: القول الأول: أن المراد: ما أخذ من الكفار من غير قتال. القول الثاني: أن المراد: الغنائم التي أخذت من الكفار بقتال.

стр. 713

أصحاب القول الأول: ابن عباس ﵁ في رواية: "الأنفال: ما أخذ مما سقط من المتاع بعدما تقسم الغنائم، فهي نفل لله ولرسوله " وبنحو ذلك روي عن عطاء (١)، كما تقدم من كلام القاسمي ﵀. ظاهر كلام القشيري: " الأنفال هاهنا ما آل إلى المسلمين من أموال المشركين" (٢). السمين الحلبي: " ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ هو جمع نفلٍ، وهو ما اتخذ من مال الكفار لا بإيجاف خيلٍ ولا ركابٍ، والغنيمة: ما أخذ بذلك" (٣). أصحاب القول الثاني: ابن عباس ﵁ في رواية: «كان ينفل الرجل فرس الرجل وسلبه»، وبنحو ذلك روي عن عكرمة، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، وغيرهم (٤). مكي بن أبي طالب: " والمعنى: يسألك أصحابك، يا محمد، عن الغنائم التي غنمتها يوم بدر، لمن هي؟ " (٥). الكيا الهراسي: "النفل يكون من الإمام للسرايا التي تتقدم الجيش الأعظم، مثل أن يقول للسريّة: لكم الربع بعد الخمس" (٦). أبو حفص النسفي: " ﴿عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾: أي: يسألُك أصحابك يا محمد عن الغنائم التي غنِمْتَها أنت وأصحابك يوم بدر: لمن هي؟ قل: للَّه ولرسوله، أي: جعل اللَّه الأمر فيه إلى اللَّه ورسوله" (٧).

стр. 714

• دراسة المسألة: بعد التتبع والنظر والاستقراء في أقوال أهل العلم وما أورده المفسرون وذكروه في هذه المسألة، يظهر أن الصواب هو ما عليه أصحاب القول الثاني من أن المراد من الأنفال: الغنائم التي أُخذت من الكفار بقتال في غزوة بدر، وهو الذي عليه أكثر المفسرين (١)، وذلك من أوجه: الأول: من حيث سبب النزول: فقد روى أبو داود بإسناده عن مصعب بن سعد (٢)، عن أبيه: أنه قال: لما كان يوم بدر، جئت بسيف، فقلت: يا رسول الله! إن الله قد شفى صدري من المشركين، أو نحو هذا، هب لي هذا السيف، فقال: "ليس هذا السيف لك ولا لي"، فقلت: عسى أن يعطى هذا من لا يبلي كبلائي، فجاءني الرسول ﷺ ، وقال: "إنك سألتني، وليست لي، وقد صارت لي، فهو لك"، فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ الآية (٣). ووجه الدلالة: أن نزول قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ سببه سؤال سعد بن أبي وقاص ﵁ النبي ﷺ السيف الذي غنمه في يوم بدر، مما يدل على أن المراد من الأنفال: الغنائم. الثاني: من حيث اللغة: فإنه يجوز أن يُراد من الأنفال الغنائم، وذلك أن النفل في اللغة هو الزيادة، ومنها نفل الصلاة، وهو الزيادة على فرضها، وولد الولد نافلة؛ لأنه زيادة على الولد، والغنيمة نافلة؛ لأنها زيادة فيما أحل لهذه الأمة مما كان محرما على غيرها، ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «أحلت لي الغنائم» (٤).

стр. 715

فالنفل: الزيادة كما بينا، وتدخل فيه الغنيمة فإنها زيادة الحلال لهذه الأمة. والغنيمة: ما أخذ من أموال الكفار بقتال. والفيء: ما أخذ بغير قتال؛ لأنه رجع إلى موضعه الذي يستحقه، وهو انتفاع المؤمن به (١). الثالث: من حيث دلالة الآثار على إطلاق معنى النفل على الغنائم المكتسبة من القتال، ومن ذلك: ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر ﵁: "إن النبي ﷺ قسم في النَّفَلِ للفرس سهمين، وللرَّاجِلِ سهما" (٢). ووجه الدلالة: أن ابن عمر سمى الغنائم المكتسبة من القتال: نفلا، بأن للفرس سهمين منها، وللراجل سهم، والله أعلم. الرابع: الشواهد الشعرية التي تدل على أنه يجوز أن يُراد من الأنفال: الغنائم، وقد أطلق العرب في القديم على الأنفال بأنها الغنائم في الحرب، ومن ذلك قول عنترة (٣): إِنَّا إِذَا احْمَرَّ الْوَغَى نَرْوِي الْقَنَا … وَنَعِفُّ عِنْدَ مَقَاسِمِ الْأَنْفَالِ (٤). أي الغنائم (٥). ومن ذلك قول لبيد بن ربيعة (٦): إِنَّ تَقْوى ربِّنَا خَيْرُ نَفَلْ … وَبِإِذْنِ اللهِ رَيْثِي وعَجَلْ (٧).

стр. 716

يعني: تقوى الله خير غنيمة يغتنمها الإنسان في حياته، والريث: التمهل والإبطاء (١). الخامس: القول بأن المراد من الأنفال في الآية: غنائم بدر هو المناسب من حيث النظر في موضوع سورة الأنفال وما اشتملت عليه. وذلك أن سورة الأنفال لها إسمان: سورة الأَنفال؛ لكونها مفتَتَحة بها، ومكرّرة فيها، وسورة بدر، لأن معظمها في ذكر حرب بدر، وما جرى فيها. ومقصود السّورة مجملاً: قطع الأَطماع الفاسدة من الغنيمة التي هي حق الله ولرسوله، ومدح الخائفين الخاشعين وقت سماع القرآن، وبعث المؤمنين حقاً، والإِشارة إِلى ابتداء حرب بدر، وإمداد الله تعالى صحابة نبيّه بالملائكة المقرّبين، والنّهى عن الفرار من صف الكفار (٢)، مما يدل على أن المراد من الأنفال: الغنائم. تنبيه: أورد القاسمي ﵀ في تفسيره اختيار ابن جرير الطبري أن المراد من الأنفال: الزيادة على القسْم، أي ما يدفع إلى الغازي زائدا على سهمه من المغنم (٣). ثم تعقبه بقوله: والكلام الذي قلته قبل، يجري هنا أيضا - أي: أن سبب النزول لا يؤيد اختيار الطبري ﵀، وهو كما قال ﵀ ويؤيد ذلك الأوجه المتقدمة الدالة على أن المراد من الأنفال: الغنائم، والله أعلم. • النتيجة: يتبين من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن المراد من الأنفال في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ ما أخذ من الكفار بقتال في غزوة بدر، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.

стр. 717

١١٧ - قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [سورة الأنفال: ١]. قال القاسمي: وقع عند الزمخشري أن المسلمين اختلفوا في غنائم بدر، لمن الحكم فيها أللمهاجرين أم للأنصار، أم لهم جميعا؟ فأجيبوا بأن الحاكم فيها الرسول، وليس لأحد فيها حكم (١). وتأثر الزمخشري أبو السعود في سوقه لما ذكر، وزاد عليه اعتماده له، بتطويل مملّ (٢). ولا أدري من أين سرت لهم هذه الرواية. فإن رواة الآثار لم يخرجوها في صحاحهم ولا سننهم، بل ولا أصحاب السير، كابن إسحاق وابن هشام. وهل يمكن للمسلمين أن يختلفوا للحكم على الغنائم، ويتنازعوا ولايتها، والرسول بين أظهرهم؟ ومتى عهد ذلك من سيرتهم؟ سبحانك هذا بهتان عظيم! ولكن هو الرأي (قاتله الله!) ونبذ كتب السنة، والتقليد البحت … إلخ (٣). • أقوال أهل العلم في ثبوت اختلاف المهاجرين والأنصار في غنائم بدر: القول الأول: وقوع الخلاف بين المهاجرين والأنصار في غنائم بدر. القول الثاني: عدم ثبوت وقوع الخلاف بين المهاجرين والأنصار في غنائم بدر. أصحاب القول الأول: الشافعي: " كانت غنائم بدر كما يروي عبادة بن الصامت غنمها المسلمون قبل أن تنزل الآية في سورة الأنفال، فلما تشاحوا عليها، انتزعها اللَّه من أيديهم بقوله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ الآية، فكانت لرسول الله ﷺ كلها خالصة، وقسَّمها بينهم" (٤).

стр. 718

العز بن عبد السلام: "نزلت فيمن شهد بدراً من المهاجرين والأنصار واختلفوا وكانوا أثلاثاً فملكها الله تعالى رسوله ﷺ فقسمها كما أراه" (١). النسفي: "وقع اختلاف بين المسلمين في غنائم بدر وفي قسمتها فسألوا رسول الله كيف تقسم ولمن الحكم في قسمتها للمهاجرين أم للأنصار أم لهم جميعا؟ فقيل له قل لهم: هي لرسول الله وهو الحاكم فيها خاصة يحكم فيها ما يشاء ليس لأحد غيره فيها حكم" (٢). الشربيني: " أكثر المفسرين أن سبب نزولها اختلاف المسلمين في غنائم بدر كيف تقسم؟ فقال الشبان: هي لنا؛ لأنا باشرنا القتال، وقال الشيوخ: كنا ردأً لكم ولو انكشفتم لفئتم إلينا، فنزلت" (٣). أصحاب القول الثاني: القاسمي: وتقدم قوله. أبو زهرة: " قال الزمخشري: إن من الخلاف في الأنفال، أن المهاجرين طلبوها دون الأنصار؛ لأنها بدل عما اغتصب من أموالهم عند الهجرة، ولكن ذلك لَا سند له من الرواية، فلعله قياس قاسه الزمخشري، ولعل عنده رواية ولم يذكر نقلها" (٤). • دراسة المسألة: من خلال استقراء ما أورده المفسرون من روايات في سبب نزول الآية، وما فهموه من ظاهرها، أو ما دلت عليه من معاني، يتبين أن الأظهر هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ الآية، نزلت بسبب خلاف وقع بين الصحابة في الغنائم، وذلك من وجهين: الأول: أن الروايات الواردة في سبب نزول الآية، والتي تدل على أن سبب نزولها هو

стр. 719

الخلاف الذي وقع بين بعض الصحابة في الغنائم، ثابتة وصحيحة الإسناد، ومن ذلك: ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن أبي أمامة الباهلي، قال: سألت عبادة بن الصامت ﵁ عن الأنفال. فقال: " فينا معشر أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا، فانتزعه الله من أيدينا، وجعله إلى رسول الله ﷺ فقسمه رسول الله ﷺ بين المسلمين عن بواء " يقول: على السواء" (١). وروى أبو داود والنسائي، والحاكم من طرق، بإسنادهم، عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله ﷺ : "من صنع كذا وكذا فله كذا وكذا"، فتسارع في ذلك شُبَّان القوم وبقي الشيوخ تحت الرايات، فلما كانت المغانم، جاؤوا يطلبون الذي جُعل لهم، فقال الشيوخ: لا تستأثروا علينا، فإنا كنا ردءً لكم لو انكشفتم لفئتم إلينا. فتنازعوا فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢). الثاني: مما يدل على أنهم تنازعوا فيها: سياق الآية: فالآية خطاب للنبي ﷺ والسائلون هم الصحابة، ولو لم يكن اختلاف وتخاصم في النفل لما وقع السؤال عنه، ولما قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ إذ لا حاجة إلى التحذير والأمر بالصلح بعد الجواب (٣). الثالث: أن القول بأن الآية نزلت في غنائم بدر لما اختلف الصحابة فيها هو قول

стр. 720

جمهور العلماء. يقول الشنقيطي: "جمهور العلماء على أن الآية نزلت في غنائم بدر لما اختلف الصحابة فيها فقال بعضهم: نحن الذين حُزْنا الغنائم وحويناها فليس لغيرنا فيها نصيب، وقالت المشيخة: إنا كنا لكم ردءاً لو هزمتم للجأتم إلينا فاختصموا إلى النبي ﷺ " (١). تنبيه: ما علل به القاسمي ﵀ تعقبه على القائلين بأن سبب نزول الآية هو اختلاف الصحابة في غنائم بدر، بأن هذا غير ممكن والرسول ﷺ بين أظهرهم، وأن هذا من البهتان العظيم. ليس كما قال، وذلك من وجهين: الوجه الأول: ظنّه عدم وجود آثار ثابتة تُثبت اختلاف الصحابة في الغنائم. الوجه الثاني: ظنّه أن الصحابة اختلفوا في الحكم -أي: من سيكون الحاكم في الغنائم؟ -، والحق أن الصحابة لم يختلفوا في الحكم، إنما اختلفوا في من يستحق الغنائم، وهم مُسَلِّمون أن الحكم لله ورسوله، بدليل أنه عندما نزلت الآية سلّموا لحكم النبي ﷺ وأصلح الله ذات بينهم، ﵃، ولم يعترض أحد على حكم النبي ﷺ حتى يُكون هناك إشكال في أن سبب نزول الآية هو اختلاف الصحابة في غنائم بدر. • النتيجة: يتبين من خلال ما تقدم أن الصواب هو ما عليه جمهور المفسرين من أن سبب نزول قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ الخلاف الذي وقع بين الصحابة في غنائم بدر، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، خلافًا لما ذهب إليه القاسمي ﵀، والله أعلم.

стр. 721

١١٨ - قوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ [سورة الأنفال: ٥]. قال القاسمي: قوله تعالى: ﴿مِنْ بَيْتِكَ﴾ أراد به بالمدينة، أو المدينة نفسها، لأنها مثواه. أي إخراجه إلى بدر. وزعم بعض أن المراد إخراجه ﷺ من مكة إلى المدينة للهجرة. وهو ساقط، برده سياق القصة البدرية في الآيات بعد (١). • أقوال أهل العلم في المراد من قوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ (٢): القول الأول: أن المراد: إخراج النبي ﷺ من المدينة إلى بدر لقتال المشركين. القول الثاني: أن المراد: إخراجه ﷺ من مكة إلى المدينة للهجرة. أصحاب القول الأول: الواحدي: "معنى ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ﴾ أمرك بالخروج من المدينة لعير قريش" (٣). السمعاني: "الأكثرون على أنه في إخراجه من المدينة إلى بدر للقتال مع المشركين" (٤). ابن عطية: " قوله: ﴿مِنْ بَيْتِكَ﴾ يريد من المدينة يثرب، قاله جمهور المفسرين" (٥). الرازي: " قوله: ﴿مِنْ بَيْتِكَ﴾ يريد بيته بالمدينة أو المدينة نفسها، لأنها موضع هجرته/ وسكناه بالحق، أي إخراجا متلبسا بالحكمة" (٦).

стр. 722

أصحاب القول الثاني: ابن بكير (١): "المعنى كما أخرجك من مكة وقت الهجرة" (٢). ابن أبي زمنين: " ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ يقول: أخرجك من مكة إلى المدينة، ومن المدينة إلى قتال أهل بدر" (٣). العز بن عبد السلام (٤): " ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ بمكة إلى المدينة مع كراهية فريق من المؤمنين، كذلك ينجز نصرك، أو من بيتك بالمدينة إلى بدر كذلك جعل لك غنيمة بدر" (٥). قال بعض المفسرين: المراد بهذا الإخراج هو إخراجه من مكة إلى المدينة (٦). • دراسة المسألة: من خلال التأمل والنظر في أقوال أهل العلم وما ذكره المفسرون وما أوردوه في تفسير الآية، يظهر أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد: إخراج النبي ﷺ من المدينة إلى بدر لقتال المشركين، وذلك من أوجه: الأول: أن هذا القول هو المروي عن جماعة من السلف، ولا شك أنهم خير الناس بعد محمد ﷺ ، وهم أعلم بالتنزيل ممن جاء بعدهم من أهل العلم.

стр. 723

فقد أخرج ابن جرير الطبري بسنده عن ابن أبي بزَّة (١)، وابن جريج (٢)، أن المراد: من المدينة إلى بدر (٣). وأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن السدي في قوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ قال: خروج النبي ﷺ إلى بدر (٤). الثاني: من حيث سبب النزول: ولا شك أن معرفة السبب تورث العلم بالمسبب، وقد دلت الأسباب الواردة في نزول الآية على أن المراد من الإخراج في الآية هو: خروج النبي ﷺ من المدينة إلى بدر. فقد أخرج الطبراني في معجمه بسنده عن أبي أيوب الأنصاري (٥) يقول: قال رسول الله ﷺ ونحن بالمدينة: «إني أخبرت عن عير أبي سفيان أنها مقبلة، فهل لكم أن نخرج قبل هذا العير؟ لعل الله يُغْنِمُناها»، فقلنا: نعم، فخرج وخرجنا، فلما سرنا يوما أو يومين، قال لنا: «ما ترون في القوم، فإنهم قد أخبروا بمخرجكم؟»، فقلنا: لا والله مالنا طاقة بقتال العدو، ولكن أردنا العير، ثم قال: «ما ترون في قتال القوم؟» فقلنا مثل ذلك، فقال المقداد بن عمرو: إذن لا نقول لك يا رسول الله كما قال قوم موسى لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [سورة المائدة: ٢٤]، قال: فتمنينا معشر الأنصار لو أنا

стр. 724

قلنا كما قال المقداد أحب إلينا من أن يكون لنا مال عظيم، فأنزل الله على رسوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ الحديث (١). وأخرج ابن جرير الطبري بسنده عن السُدي قال: " أنزل الله في خروجه يعني خروج النبي ﷺ إلى بدر ومجادلتهم إياه، فقال: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ لطلب المشركين" (٢). الثالث: من حيث سياق الآيات: فقد جاءت (الكاف) في قوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ﴾ للتشبيه، فقد شبهت هذه القصة التي هي إخراجه من بيته بالقصة المتقدمة التي هي سؤالهم عن الأنفال، كأنهم سألوا عن النفل وتشاجروا فأخرج الله ذلك عنهم، فكانت فيه الخيرة كما كرهوا في هذه القصة انبعاث النبي ﷺ ، فأخرجه الله من بيته فكانت في ذلك الخيرة، فتشاجرهم في النفل بمثابة كراهيتهم هاهنا للخروج، وحكم الله في النفل بأنه لله وللرسول دونهم هو بمثابة إخراجه نبيه ﷺ من بيته، ثم كانت الخيرة في القصتين فيما صنع الله (٣). أو يقال: أن الله تعالى شبه إخراجَه من بيتِه مع كراهة قوم من المؤمنين لذلك بتنفيله ﵇ يوم بدر لسلبِ القاتل، وجعلِه لمن أتى بأسيرٍ كذى وكذى، وإنما فعل ذلك لقلة المسلمين يومئذ وكراهةِ كثير منهم القتال، وكره قوم منهم أن يكون لكل من قتلَ قتيلاً سلبُه، فقال الله لهم: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، أي يضعُها حيث شاء، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ

стр. 725

وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، أي فرقوها بينكم على ما أمر الله ثم قال: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾، أي أنهم كرهوا ذلك كما كرهوا إخراجَك يوم أخرجتَ من بيتك، فحذفَ وجعلَ ما تقدم في أول السورة جوابا لهذا الكلام، واقتصر على دلالة الكلام عليه (١). الرابع: أن القول بأن المراد من الإخراج في قوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ إخراجه من مكة، خلاف الظاهر، لأن الظاهر أن هذا إخبار عن خروجه إلى بدر فصرفه إلى الخروج من مكة ليس بظاهر ومفعول ﴿لَكَارِهُونَ﴾ هو الخروج أي: لكارهون الخروج معك، وكراهتهم ذلك إما لنفرة الطبع أو لأنهم لم يستنفروا أو العدول من العير إلى النفير لما في ذلك من قوة أخذ الأموال ولما في هذا من القتل والقتال، أو لترك مكة وديارهم وأموالهم (٢). تنبيه: ما تعقب به القاسمي ﵀ على القائلين بأن المراد من قوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ إخراجه من مكة، قد تعقبه أيضًا قبله جمع من المفسرين وردّوه ووصفوه بأنه من الزعم، وأن فيه بعد (٣). • النتيجة: يتبين من خلال ذكر أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الصواب ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد من قوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ﴾ إخراج النبي ﷺ من المدينة إلى بدر لقتال المشركين، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.

стр. 726

١١٩ - قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [سورة الأنفال: ٢٦]. قال القاسمي: وما ذكرنا من كون الخطاب في الآية للمهاجرين خاصة، هو أنسب بالمقام والسياق والسياق يشعر به. وقيل: الخطاب للعرب كافة، وعليه قول قتادة بن دعامة السدوسي ﵀ في هذه الآية: كان هذا الحي من العرب أذل الناس وأشقاه عيشا، وأجوعه بطونا، وأعراه جلودا، وأثبته ضلالا. والله! ما نعلم قبيلا من حاضر أهل الأرض يومئذ كانوا أشر منزلا منهم، حتى جاء الله بالإسلام، فمكن به في البلاد، ووسع به في الرزق، وجعلهم به ملوكا على رقاب الناس. وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا الله على نعمه، فإن ربكم منعم يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من الله. انتهى. وأقول: الأمر في العرب، وإن كان كما ذكر، لكن في تنزيل بعض ألفاظ الآية عليه تكلف لا يخفى فالظاهر ما ذكرنا (١). • أقوال أهل العلم في المراد من المخاطبين في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ﴾: القول الأول: أن المخاطبين هم المهاجرين من أصحاب النبي ﷺ ، وأن المراد من الناس الذين عنوا بقوله: ﴿أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ كفار قريش. القول الثاني: أن المخاطبين هم العرب كافة، وأن المراد من الناس الذين عنوا بقوله: ﴿أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ فارس والروم (٢).

стр. 727

أصحاب القول الأول: عكرمة: " ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾: يعني بمكة مع النبي ﷺ ومن تبعه من قريش وحلفائها ومواليها قبل الهجرة "، وبنحو ذلك روي عن قتادة، والكلبي، ومقاتل (١). الفراء: "قوله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ﴾ نزلت في المهاجرين خاصّة" (٢). الثعلبي: " ﴿وَاذْكُرُوا﴾ يا معشر المهاجرين ﴿إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ في العدد ﴿مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ أرض مكة في عنفوان الإسلام ﴿تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ﴾ يذهب بكم ﴿النَّاسُ﴾ كفار مكة" (٣). العليمي: " ﴿وَاذْكُرُوا﴾ يا معشر المهاجرين ﴿إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ أرض مكة قبل الهجرة" (٤). أصحاب القول الثاني: وهب بن منبه: " ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ والناس إذ ذاك: فارس، والروم "، وبنحو ذلك روي عن يحيى بن سلام (٥). السمرقندي: " ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾، يعني واحفظوا نعمة الله عليكم إذ كنتم قليلاً في العدد وهم المهاجرون والأنصار، مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ يعني: مقهورون في أرض مكة ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾، يعني: يختلسكم الناس ويذهب بكم الكفار- وهم أهل

стр. 728

فارس والروم" (١). أبو السعود: " ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أي في أرض مكةَ تحت أيدي قريشٍ والخطابُ للمهاجرين أو تحت أيدي فارسَ والرومَ والخطاب للعَرَب كافةً فإنهم كانوا أذلاء تحت أيدي الطائفتين" (٢). • دراسة المسألة: من خلال ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المخاطبين في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ﴾ هم المهاجرين من أصحاب النبي ﷺ ، وأن المراد من الناس الذين عنوا بقوله: ﴿أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ كفار قريش، وذلك من أوجه: الأول: من حيث الواقع الذي كان يعيش فيه المسلمون: فلم يكونوا يخافون على أنفسهم قبل الهجرة من قوم غير كفار قريش؛ لأنهم كانوا أدنى الكفار منهم إليهم، وأشدهم عليهم يومئذ مع كثرة عددهم وقلة عدد المسلمين، فدل هذا على أن المراد: المهاجرين من أصحاب رسول الله ﷺ (٣). وأيضًا: أن فارس لم تحكم على جميع العرب، حتى يُقال أن المراد من قوله تعالى: ﴿أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ فارس والروم (٤). وأيضًا: أن العرب كانت في وقت نزول هذه الآية كافرة إلا القليل (٥). الثاني: أن الوارد عن السلف كالسدي وعكرمة في قوله تعالى: ﴿فَآوَاكُمْ﴾ فإنه

стр. 729

يعني: آواكم المدينة، وقوله: ﴿وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾ بالأنصار (١)، ولا شك أنهم المهاجرين مع رسول الله ﷺ . الثالث: من حيث ظاهر الآية: فالله تعالى يُخبر في هذه الآية أن المؤمنين كانوا قليلين في العدد، مستضعفين، مما يدل على أن المراد من هذا العدد المهاجرين مع رسول الله ﷺ ، ولو كان المراد: العرب كافة لما وصفهم الله تعالى بالقليلين، إذا لم يكونوا قليلين، ولم يكن عامتهم مستضعفين، بل منهم القوي ومنهم الضعيف (٢). الرابع: من حيث مناسبة الآية لما قبلها: وذلك أنه لما أمر الله المؤمنين بطاعة الله وطاعة رسوله بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ [سورة الأنفال: ٢٠] وحذرهم من الفتنة ذكرهم نعمته عليهم كما قال: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [سورة الأنفال: ٢٥] ناسب أن يُذَكّرَهم نعمته عليهم. فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا﴾ يا معشر المؤمنين المهاجرين ﴿إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ يعني في العدد ﴿مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني في أرض مكة في ابتداء الإسلام ﴿تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ يعني كفار مكة (٣)، فهذا هو الأنسب في السياق بأن يكون المراد من المخاطبين في الآية: المهاجرين مع رسول الله ﷺ . تنبيه: ما أخرجه أبو نعيم في تاريخه وأورده الديلمي في مسنده، من حديث ابن عباس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ في قوله : " ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾، قالوا: يا رسول الله، ومن الناس؟ فقال رسول الله ﷺ : «وهل الناس إلا فارس» (٤). إسناده ضعيف؛ وعلته أن فيه ليث بن أبي سليم.

стр. 730

قال الحافظ ابن حجر: «صدوق، اختلط جدًّا، ولم يتميز حديثه؛ فتُرِك من السادسة» (١). فائدة: القاعدة المقررة عند أهل العلم أنه "إذا احتمل اللفظ معاني عدة ولم يمتنع إرادة الجمع، حمل عليها" (٢). وقد اجتهد الشيخ محمد رشيد رضا في حمل كُلا من الخطابين على مراد الآية، فيجوز أن يكون المراد من الخطاب: المهاجرين بأن الله تعالى يذكرهم بما كان من ضعفهم وقلتهم بمكة، ويجوز أن يكون: للمؤمنين والعرب كافة، يذكرهم بما كان من ضعف أمتهم العربية في جزيرتهم بين الدول القوية من الروم والفرس، فلا مانع فيه من إرادة هذا وذاك معا. فقوله تعالى: ﴿تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ أي: تخافون من أول الإسلام إلى وقت الهجرة أن يتخطفكم مشركو قومكم من قريش وغيرها من العرب، أي أن ينتزعوكم بسرعة فيفتكوا بكم كما كان يتخطف بعضهم بعضا خارج الحرم، وتتخطفهم الأمم من أطراف جزيرتهم. قال تعالى في أهل الحرم: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ فآواكم يا معشر المهاجرين إلى الأنصار وأيدكم وإياهم بنصره في هذه الغزوة، وسيؤيدكم على الروم وفارس وغيرهم كما وعدكم في كتابه بالإجمال (٣). وهذا الذي ذكره جيد، وله حظ من النظر، إلا أن الدلائل والأوجه التي تم إيرادها تؤيد وتقوي القول بأن الخطاب للمهاجرين من أصحاب رسول الله ﷺ ، والله أعلم. • النتيجة: بعد ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الراجح والصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المخاطبين في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ هم المهاجرين من أصحاب النبي ﷺ ، لما تقدم إيراه من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.

стр. 731

١٢٠ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الأنفال: ٦٤]. قال العلامة ابن القيم ﵀ بعد إيراده لأوجه العطف في الآية: وفيها تقدير رابع، وهو خطأ من جهة المعنى، وهو أن يكون (من) في موضع رفع عطفا على اسم الله، ويكون المعنى: حسبك الله وأتباعك. وهذا، وإن قال به بعض الناس، فهو خطأ محض، لا يجوز حمل الآية عليه، فإن الحسب والكفاية لله وحده، كالتوكل والتقوى والعبادة … إلخ (١). قال الخفاجي: وتضعيفه الرفع لا وجه له، فإن الفراء والكسائي رجّحاه، وما قبله وما بعده يؤيده. انتهى (٢). قال القاسمي: وأقول: هذا من الخفاجيّ من الولع بالمناقشة، كما هو دأبه، ولو أمعن النظر فيما برهن عليه ابن القيّم وأيده بما لا يبقى معه وقفة، لما ضعفه. والفراء والكسائيّ من علماء العربية، ولأئمة التأويل فقه آخر. فتبصر، ولا تكن أسير التقليد (٣). • مجمل أقوال أهل العلم في تقدير العطف في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾: القول الأول: أن تكون الواو عاطفة لـ (من) على الكاف المجرورة، ويكون المعنى: حسبك الله وحسب من اتبعك من المؤمنين. القول الثاني: أن (مَنْ) في موضع رفع عطفا على اسم الله، ويكون المعنى: حسبك الله وأتباعك من المؤمنين.

стр. 732

أصحاب القول الأول: الشعبي: " ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: حسبك الله وحسب من اتبعك من المؤمنين الله "، وبنحو ذلك روي عن ابن زيد (١). الطبري: " ﴿مَنْ﴾ من قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ نصب عطفا على معنى الكاف في قوله: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ لا على لفظه؛ لأنها في محل خفض في الظاهر وفي محل نصب في المعنى؛ لأن معنى الكلام: يكفيك الله، ويكفي من اتبعك من المؤمنين" (٢). مكي بن أبي طالب: " قوله ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ من في موضع نصب على العطف على معنى الكاف في حسبك الله لأنها في التأويل في موضع نصب لأن معنى حسبك الله أي يكفيك الله فعطفت من على المعنى" (٣). القشيري: أحسن التأويلات في هذه الآية أن تكون «من» في محل النّصب أي: ومن اتبعك من المؤمنين يكفيهم الله (٤). أصحاب القول الثاني: بعض من السلف وهم: الحسن البصري، ومجاهد (٥). الفراء: "وإن شئت جعلت (من) في موضع رفع، وهو أحبّ الوجهين إليّ لأن التلاوة تدلّ عَلَى معنى الرفع ألا ترى أَنَّهُ قَالَ: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾

стр. 733

فكان النبي ﷺ يُغْزِي أصحابه على أنَّ العشرة للمائة، والواحد للعشرة، فكانوا كذلك" (١). السخاوي (٢): " ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ معطوف على اسم الله، أي: يكفيك الله، ويكفيك المؤمنون" (٣). السمين الحلبي: " «مَنْ» مرفوعَ المحلِّ عطفاً على الجلالة، أي: يكفيك الله والمؤمنون، وبهذا فسَّر الحسن البصري وجماعة، وهو الظاهر، ولا مَحْذورَ في ذلك من حيث المعنى" (٤). • دراسة المسألة: أورد القاسمي ﵀ في تفسيره كلام العلامة ابن القيّم في مقدمة (زاد المعاد) في تفسير هذه الآية: أي الله وحده كافيك، وكافي أتباعك، فلا يحتاجون معه إلى أحد. ثم قال: وها هنا تقديران: أحدهما: أن تكون الواو عاطفة ل (من) على الكاف المجرورة، ويجوز العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار، على المذهب المختار، وشواهده كثيرة، وشبه المنع منه واهية. والثاني: أن تكون الواو واو (مع)، وتكون (من) في محل نصب عطفا على الموضع فإن (حسبك) في معنى كافيك، أي الله يكفيك، ويكفي من اتبعك، كما يقول العرب: حسبك وزيدا درهم، قال الشاعر: إِذا كَانَتْ الهَيْجاءُ وانشقّت العَصا … فحسبُك والضَّحّاكَ سيفٌ مهنَّدُ وهذا أصح التقديرين. وفيها تقدير ثالث، أن تكون (من) في موضع رفع بالابتداء، أي ومن اتبعك من المؤمنين، فحسبهم الله وفيها تقدير رابع، وهو خطأ من جهة المعنى، وهو أن

стр. 734

يكون (من) في موضع رفع عطفا على اسم الله، ويكون المعنى: حسبك الله وأتباعك. وهذا، وإن قال به بعض الناس، فهو خطأ محض، لا يجوز حمل الآية عليه، فإن الحسب والكفاية لله وحده، كالتوكل والتقوى والعبادة (١). وهذا الذي ذهب إليه ابن القيم ﵀، ومن وافقه من أصحاب القول الأول، وهو الذي عليه جمهور المفسرين (٢)، من أن الواو في قوله تعالى: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ عاطفة ل (من) على الكاف المجرورة، وبطلان القول بأن يكون (من) في موضع رفع عطفا على اسم الله، هو الصواب، وذلك من أوجه: الأول: أن القاعدة التي قررها غير واحد من أهل العلم أنه يجب حمل كتاب الله على الأوجه الإعرابية اللائقة بالسياق والموافقة لأدلة الشرع، فليس كل ما صح القول به في تركيب عربي صح حمل آيات التنزيل عليه، فللقرآن عرف خاص يجب أن يحمل عليه ولا يتعداه، ولا يتجاوز ما صح من معانيه بكل احتمال نحوي؛ وذلك لأن الإعراب يبين المعنى، والمعنى هو المقصود في النص القرآني دون الإعراب وقواعده (٣). يقول ابن القيم ﵀: وينبغي أن يتفطن ههنا لأمر لا بد منه وهو أنه لا يجوز أن يحمل كلام الله ويفسر بمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي الذي يحتمله تركيب الكلام ويكون الكلام به له معنى ما، فإن هذا مقام غلط فيه أكثر المعربين للقرآن فإنهم يفسرون الآية ويعربونها بما يحتمله تركيب تلك الجملة ويفهم من ذلك التركيب أي معنى اتفق، وهذا غلط عظيم يقطع السامع بأن مراد القرآن غيره، وإن احتمل ذلك التركيب هذا المعنى في سياق آخر وكلام آخر، فإنه لا يلزم أن يحتمله القرآن … بل للقرآن عرف خاص ومعان معهودة لا يناسبه تفسيره بغيرها، ولا يجوز تفسيره بغير عرفه والمعهود من معانيه، فإن نسبة معانيه إلى المعاني كنسبة ألفاظه إلى الألفاظ بل أعظم، فكما أن ألفاظه ملوك الألفاظ وأجلها وأفصحها ولها من الفصاحة أعلى مراتبها التي يعجز عنها قدر العالمين، فكذلك معانيه أجل المعاني وأعظمها وأفخمها، فلا يجوز تفسيره بغيرها من المعاني التي لا تليق به،

стр. 735

بل غيرها أعظم منها وأجل وأفخم. فلا يجوز حمله على المعاني القاصرة بمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي. فتدبر هذه القاعدة ولتكن منك على بال فإنك تنتفع بها في معرفة ضعف كثير من أقوال المفسرين وزيفها وتقطع أنها ليست مراد المتكلم تعالى بكلامه وسنزيد هذا - إن شاء الله تعالى - بيانا وبسطا في الكلام على أصول التفسير. فهذا أصل من أصوله بل هو أهم أصوله (١). وبيان ذلك: أن الله تعالى قال في سياق الآيات: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الأنفال: ٦٢] ففرق بين الحسب والتأييد، فجعل الحسب له وحده، وجعل التأييد له بنصره وبعباده. وأثنى الله سبحانه على أهل التوحيد والتوكل من عباده، حيث أفردوه بالحسب، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [سورة آل عمران: ١٧٣]، ولم يقولوا: حسبنا الله ورسوله. فإذا كان هذا قولهم، ومدح الرب تعالى لهم بذلك، فكيف يقول لرسوله: الله وأتباعك حسبك؟ وأتباعه، قد أفردوا الرب تعالى بالحسب، ولم يشركوا بينه وبين رسوله فيه، فكيف يشرك بينهم وبينه في حسب رسوله؟ هذا من أمحل المحال، وأبطل الباطل (٢). الثاني: أن لهذا المعنى - وهو أن الحسب لله وحده- نظائر، ومعلوم أن خير ما يفسر القرآن: القرآن نفسه، ومن ذلك: قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [سورة التوبة: ٥٩]، فتأمل كيف جعل الإيتاء لله ولرسوله كما قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [سورة الحشر: ٧]، وجعل الحسب له وحده، فلم يقل: وقالوا حسبنا الله ورسوله، بل جعله خالص حقه، كما قال: ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾، ولم يقل وإلى رسوله، بل جعل الرغبة إليه

стр. 736

وحده. كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [سورة الشرح: ٨]، فالرغبة والتوكل والإنابة والحسب، لله وحده. كما أن العبادة والتقوى والسجود، لله وحده. والنذر والحلف لا يكون إلا له ونظير هذا قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [سورة الزمر: ٣٦]، فـ (الحسب) هو (الكافي)، فأخبر أنه وحده كاف عبده، فكيف يجعل أتباعه مع الله في هذه الكفاية؟ (١). الثالث: الشواهد الشعرية الدالة على جواز أن تكون الواو عاطفة لـ (من) على الكاف المجرورة. ومن ذلك: قول الشاعر: إِذا كَانَتْ الهَيْجاءُ (٢) وانشقّت العَصا … فحسبُك والضَّحّاكَ سيفٌ مهنَّدُ (٣). والشاهد: قوله: (والضَّحّاكَ) يُروى بنصب الكاف وجرها ورفعها، والمعنى: كافيك سيف مع صاحبه الضحاك وحضوره، أي حضور هذا السيف المغني عن سواه (٤). ويكون «الضحاك» على هذا مُحسِبًا للمخاطب، والنصبُ عطفًا على موضع الكاف من قوله «حسبك» والمهند على هذا مُحسِبٌ للمخاطب، والخفض على تقدير محذوف كأنه قال: فحسبك وحسب الضحاكِ (٥). • النتيجة: من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن الواو عاطفة لـ (من) على الكاف المجرورة، ويكون

стр. 737

المعنى: حسبك الله وحسب من اتبعك من المؤمنين، لما تقدم إيراه من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.

стр. 738

١٢١ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة الأنفال: ٧٥]. قال القاسمي: استدل بالآية الإمامية على تقديم الإمام علي كرم الله وجهه على غيره في الإمامة، لاندراجها في عموم الأولوية. والجواب- على فرض صحة هذه الدلالة- أن العباس ﵁ كان أولى بالإمامة، لأنه كان أقرب إلى رسول الله ﷺ من علي ﵁ (١). • أقوال أهل العلم في المراد من الأولوية في قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾: القول الأول: أن المراد: الأولوية في نصيب الميراث، بتقديم ذوي الأرحام على غيرهم في الميراث. القول الثاني: أن المراد: تقديم علي ﵁ على غيره في الإمامة. أصحاب القول الأول: وهم أهل السنة: قتادة: "كان لا يرث الأعرابي المهاجر حتى أنزل الله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾، وبنحو ذلك روي عن ابن إسحاق، وعبد الله بن الزبير، وغيرهم (٢). الطبري: " قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ يقول تعالى ذكره: والمتناسبون بالأرحام بعضهم أولى ببعض في الميراث، إذا كانوا ممن قسم الله له منه نصيبا وحظا من الحليف" (٣).

стр. 739

الزجاج: " ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾، أي بعضهم في المواريث أولى ببعض، وهذه المواريث في الولاية بالهجرة منسوخة، نسخها ما في سورة النساء من الفرائض" (١). السمعاني: " ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أي: أولى بعضهم ببعض ميراثا في حكم الله، وقد كانوا يتوارثون بالهجرة، فنسخ الله تعالى ذلك إلى التوارث بالقرابة" (٢). أصحاب القول الثاني: وهم الشيعة الاثني عشرية (٣): العياشي (٤): " عن أبى عمرو الزبيري عن أبي عبد الله ﵇ قال: قلت له أخبرني عن خروج الامامة من ولد الحسن إلى ولد الحسين كيف ذلك وما الحجة فيه؟ قال: لما حضر الحسين ما حضره من أمر الله لم يُجِز أن يَرُدَّها إلى ولد أخيه ولا يوصى بها فيهم، يقول الله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ فكان ولده أقرب رَحما اليه من ولد أخيه، وكانوا أولى بالإمامة وأخرجت هذه الآية ولد الحسن منها، فصارت الإمامة إلى الحسين، وحكمت بها الآية لهم فهي فيهم إلى يوم القيمة" (٥). القمي (٦): " قوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [سورة الأحزاب:

стр. 740

٦] قال نزلت في الإمامة" (١). • دراسة المسألة: من خلال التأمل والنظر في أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الحق الذي لا شك فيه هو الذي عليه أصحاب القول الأول من أهل السنة والجماعة من أن المراد من الأولوية في قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾: الأولوية في نصيب الميراث، وذلك من أوجه: الأول: أن القول بأن المراد من الآية: الأولوية في نصيب الميراث أن تكون لذوي الأرحام هو الذي عليه عامة السلف، والمفسرين (٢)، وليس المراد: علي ﵁ على غيره من الصحابة في الإمامة. وكثير منهم يرى أن الآية ناسخة للتوارث الذي كان بين المهاجرين والأنصار، وبين الأعراب في الجاهلية دون ذوي الأرحام، كما روي عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والحسن، وغيرهم (٣)، ولم يؤثر عن أحد منهم أن المراد: تقديم علي ﵁ في الإمامة على غيره. الثاني: أنه قد أثر عن النبي ﷺ ما يُفهم منه أنه فسر المراد من الآية: أن الأولوية في نصيب الميراث أن تكون لذوي الأرحام. فقد أخرج ابن جرير الطبري بسنده عن ابن زيد، في قوله: " ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [سورة الأنفال: ٧٢] إلى قوله: ﴿وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [سورة الأنفال: ٧٣] قال: كان المؤمن المهاجر، والمؤمن الذي ليس بمهاجر لا يتوارثان وإن
следующие страницы →