وحده. كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [سورة الشرح: ٨]، فالرغبة والتوكل والإنابة والحسب، لله وحده. كما أن العبادة والتقوى والسجود، لله وحده. والنذر والحلف لا يكون إلا له ونظير هذا قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [سورة الزمر: ٣٦]، فـ (الحسب) هو (الكافي)، فأخبر أنه وحده كاف عبده، فكيف يجعل أتباعه مع الله في هذه الكفاية؟ (١).
الثالث: الشواهد الشعرية الدالة على جواز أن تكون الواو عاطفة لـ (من) على الكاف المجرورة.
ومن ذلك: قول الشاعر:
إِذا كَانَتْ الهَيْجاءُ (٢) وانشقّت العَصا … فحسبُك والضَّحّاكَ سيفٌ مهنَّدُ (٣).
والشاهد: قوله: (والضَّحّاكَ) يُروى بنصب الكاف وجرها ورفعها، والمعنى: كافيك سيف مع صاحبه الضحاك وحضوره، أي حضور هذا السيف المغني عن سواه (٤).
ويكون «الضحاك» على هذا مُحسِبًا للمخاطب، والنصبُ عطفًا على موضع الكاف من قوله «حسبك» والمهند على هذا مُحسِبٌ للمخاطب، والخفض على تقدير محذوف كأنه قال: فحسبك وحسب الضحاكِ (٥).
• النتيجة:
من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن الواو عاطفة لـ (من) على الكاف المجرورة، ويكون
стр. 737
المعنى: حسبك الله وحسب من اتبعك من المؤمنين، لما تقدم إيراه من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.
стр. 738
١٢١ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة الأنفال: ٧٥].
قال القاسمي: استدل بالآية الإمامية على تقديم الإمام علي كرم الله وجهه على غيره في الإمامة، لاندراجها في عموم الأولوية. والجواب- على فرض صحة هذه الدلالة- أن العباس ﵁ كان أولى بالإمامة، لأنه كان أقرب إلى رسول الله ﷺ من علي ﵁ (١).
• أقوال أهل العلم في المراد من الأولوية في قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾:
القول الأول: أن المراد: الأولوية في نصيب الميراث، بتقديم ذوي الأرحام على غيرهم في الميراث.
القول الثاني: أن المراد: تقديم علي ﵁ على غيره في الإمامة.
أصحاب القول الأول: وهم أهل السنة:
قتادة: "كان لا يرث الأعرابي المهاجر حتى أنزل الله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾، وبنحو ذلك روي عن ابن إسحاق، وعبد الله بن الزبير، وغيرهم (٢).
الطبري: " قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ يقول تعالى ذكره: والمتناسبون بالأرحام بعضهم أولى ببعض في الميراث، إذا كانوا ممن قسم الله له منه نصيبا وحظا من الحليف" (٣).
стр. 739
الزجاج: " ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾، أي بعضهم في المواريث أولى ببعض، وهذه المواريث في الولاية بالهجرة منسوخة، نسخها ما في سورة النساء من الفرائض" (١).
السمعاني: " ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أي: أولى بعضهم ببعض ميراثا في حكم الله، وقد كانوا يتوارثون بالهجرة، فنسخ الله تعالى ذلك إلى التوارث بالقرابة" (٢).
أصحاب القول الثاني: وهم الشيعة الاثني عشرية (٣):
العياشي (٤): " عن أبى عمرو الزبيري عن أبي عبد الله ﵇ قال: قلت له أخبرني عن خروج الامامة من ولد الحسن إلى ولد الحسين كيف ذلك وما الحجة فيه؟ قال: لما حضر الحسين ما حضره من أمر الله لم يُجِز أن يَرُدَّها إلى ولد أخيه ولا يوصى بها فيهم، يقول الله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ فكان ولده أقرب رَحما اليه من ولد أخيه، وكانوا أولى بالإمامة وأخرجت هذه الآية ولد الحسن منها، فصارت الإمامة إلى الحسين، وحكمت بها الآية لهم فهي فيهم إلى يوم القيمة" (٥).
القمي (٦): " قوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [سورة الأحزاب:
стр. 740
٦] قال نزلت في الإمامة" (١).
• دراسة المسألة:
من خلال التأمل والنظر في أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الحق الذي لا شك فيه هو الذي عليه أصحاب القول الأول من أهل السنة والجماعة من أن المراد من الأولوية في قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾: الأولوية في نصيب الميراث، وذلك من أوجه:
الأول: أن القول بأن المراد من الآية: الأولوية في نصيب الميراث أن تكون لذوي الأرحام هو الذي عليه عامة السلف، والمفسرين (٢)، وليس المراد: علي ﵁ على غيره من الصحابة في الإمامة.
وكثير منهم يرى أن الآية ناسخة للتوارث الذي كان بين المهاجرين والأنصار، وبين الأعراب في الجاهلية دون ذوي الأرحام، كما روي عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والحسن، وغيرهم (٣)، ولم يؤثر عن أحد منهم أن المراد: تقديم علي ﵁ في الإمامة على غيره.
الثاني: أنه قد أثر عن النبي ﷺ ما يُفهم منه أنه فسر المراد من الآية: أن الأولوية في نصيب الميراث أن تكون لذوي الأرحام.
فقد أخرج ابن جرير الطبري بسنده عن ابن زيد، في قوله: " ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [سورة الأنفال: ٧٢] إلى قوله: ﴿وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [سورة الأنفال: ٧٣] قال: كان المؤمن المهاجر، والمؤمن الذي ليس بمهاجر لا يتوارثان وإن
стр. 741
كانا أخوين مؤمنين. قال: وذلك لأن هذا الدين كان بهذا البلد قليلا حتى كان يوم الفتح، فلما كان يوم الفتح وانقطعت الهجرة توارثوا حيثما كانوا بالأرحام، وقال النبي ﷺ : «لا هجرة بعد الفتح» (١). وقرأ: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ " (٢).
الثالث: من حيث سبب النزول: فقد أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عباس قال: آخى رسول الله ﷺ بين أصحابه وورث بعضهم من بعض حتى نزلت ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ فتركوا ذلك وتوارثوا بالنسب" (٣).
وأخرج أيضًا بسنده عن عكرمة في قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا﴾، قال: لُبِث بُرْهةٌ والأعرابي لا يرث المهاجر، ولا المهاجر يرث الأعرابي، حتى فتحت مكة، ودخل الناس في الدين أفواجا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ " (٤).
فدل ذلك على أن المراد من الآية: تقديم ذوي الأرحام على غيرهم في نصيب الميراث.
الرابع: لو كان المراد من الأولوية: تقديم علي ﵁ على غيره في الإمامة، لاختار الناس عليًا للخلافة بدلا من أبي بكر الصديق ﵁، ولا شك أن الصحابة ﵃ هم أشد الناس اقتداء بالنبي وأكثر الناس تمسكًا بسنته واتباعًا لهديه، وأحرص الناس على طاعته، وهم الذين أثنى عليهم ربنا ﵎ في كتابه، ونبينا في سنته.
فليس من المعقول أن يعلم الصحابة أن المراد من الآية: تقديم علي ﵁ على غيره في الإمامة، ولا يؤثر عن أحد منهم هذا المراد، ويتعمدون مخالفة هذا المراد بقديم أبي بكر ﵁
стр. 742
على غيره في الخلافة.
• النتيجة:
بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في تأويل الآية، يتبين أن الصواب هو ما عليه أصحاب القول الأول من أهل السنة من أن المراد من الأولوية في قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾: الأولوية في نصيب الميراث، بتقديم ذوي الأرحام على غيرهم في الميراث، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك.
* * *
стр. 743
سورة التوبة
стр. 744
سورة التوبة
١٢٢ - قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩)﴾ [سورة التوبة: ١٩].
قال القاسمي بعد إيراه الروايات الواردة في نزول الآية: وتأييد أبي السعود نزولها في المسلمين بما أطال فيه (١)، ذهول عن سباق الآية وعن سياقها، فيما صدعت فيه من شديد التهويل، وعن لاحقها في درجات التفضيل، وقصر الفوز والرحمة والرضوان على المشبه به (٢).
• أقوال أهل العلم في نزول قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾:
القول الأول: أن الآية نزلت في المشركين.
القول الثاني: أن الآية نزلت في المسلمين.
أصحاب القول الأول:
الخطيب الإسكافي: " قال الله تعالى في إبطال ما أتى به المشركون من عمارة المسجد الحرام، وسقاية الحاج من المقام على الكفر: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية" (٣).
مكي بن أبي طالب: " ومعنى الآية: إن المشركين من قريش افتخروا بالسقاية وسدانة البيت، فأعلمهم الله ، أن الفخر إنما هو بالإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيل الله" (٤).
стр. 745
الواحدي: " ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ قال المشركون: عمارة بيت الله وقيامٌ على السِّقاية خيرٌ من الإِيمان والجهاد فأنزل الله تعالى هذه الآية" (١).
الشوكاني: "لا تساوي تلك الطائفة الكافرة الساقية للحجيج العامرة للمسجد الحرام، هذه الطائفة المؤمنة بالله واليوم الآخر المجاهدة في سبيله، ودل سبحانه بنفي الاستواء على نفي الفضيلة التي يدعيها المشركون" (٢).
أصحاب القول الثاني:
ابن عباس ﵁: " ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال العباس بن عبد المطلب حين أسر يوم بدر: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد، لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونسقي الحاج، ونفك العاني، قال الله: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾. إلى قوله: ﴿الظَّالِمِينَ﴾ يعني أن ذلك كان في الشرك، ولا أقبل ما كان في الشرك "، وبنحو ذلك روي عن الحسن، والشعبي، والسدي، والضحاك، وغيرهم (٣).
ابن جزي: "سببها أن قوما من قريش افتخروا بسقاية الحاج، وبعمارة المسجد الحرام فبين الله أن الجهاد أفضل من ذلك، ونزلت الآية في علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب وطلحة بن شيبة افتخروا فقال طلحة أنا صاحب البيت وعندي مفاتحه" (٤).
السيوطي: " نزلت الآية في عليٍّ والعباس بن عبد المطلب، وطلحة بن شيبة، افتخروا، فقال طلحة: أنا صاحب البيت، وعندي مَفَاتحه. وقال العباس: أنا صاحبُ السقاية. وقال علي: لقد أسْلمتُ قبل الناس وهاجرْتُ مع رسول الله ﷺ " (٥).
السعدي: " لما اختلف بعض المسلمين، أو بعض المسلمين وبعض المشركين، في تفضيل
стр. 746
عمارة المسجد الحرام، بالبناء والصلاة والعبادة فيه وسقاية الحاج، على الإيمان بالله والجهاد في سبيله، أخبر الله تعالى بالتفاوت بينهما، فقال: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ " (١).
• دراسة المسألة:
من خلال استقراء ما ذكره المفسرون في هذه المسألة، وما أوردوه من الروايات الواردة في سبب نزول الآية، يظهر أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن الآية وهي قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ نزلت في المشركين، وذلك من أوجه:
الأول: ما أخرجه ابن جرير الطبري بسنده عن ابن عباس، قوله: " ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ قال العباس بن عبد المطلب حين أسر يوم بدر: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد، لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونسقي الحاج، ونفك العاني، قال الله: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ إلى قوله: ﴿الظَّالِمِينَ﴾ يعني أن ذلك كان في الشرك، ولا أقبل ما كان في الشرك " (٢).
ووجه الاستدلال: أن ابن عباس ﵁ بيَّن أن الآية رد على مفاخرة المشركين بسقاية الحاجّ، وعمارة المسجد الحرام، فدل على أنها نزلت في المشركين.
الثاني: أن سياق الآيات في مخاطبة المشركين: فقوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ للإنكار وهو استئناف خوطب به المشركون التفاتاً عن الغيبة في قوله: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا﴾ وهو المتبادر من النظم.
وقد بُيّن بين في هذه الآية - وهي: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ - أن عمارة المسجد، إنما توجب الفضيلة إذا كانت صادرة عن
стр. 747
المؤمن، أما إذا كانت صادرة عن الكافر فلا فائدة فيها البتة (١).
الثالث: مما يؤيد أنها نزلت للمفاضلة بين مؤمنين بالله وغير مؤمنين: قوله تعالى في الآية: ﴿كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾، فلو كان الفريقان مسلمين لما قال ذلك؛ لأن كليهما قد آمن، فذكر الإيمان في مقابل الشرك (٢).
الرابع: أن الله تعالى ختم الآية بقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، مما يدل على أن الآية نزلت في المشركين، إذ لا شك أن المشركين بالله هم الظالمون، ظلموا أنفسهم بترك الإيمان بالله، وبما جاء به الرسول، وظلموا المسجد الحرام إذ جعله الله متعبدا له فجعلوه متعبدا لأوثانهم. وذكر في المؤمنين إثبات الهداية لهم بقوله: ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ وفي المشركين هنا نفى الهداية بقوله: والله لا يهدي القوم الظالمين (٣).
مناقشة أدلة أصحاب القول الثاني:
ذهب أصحاب القول الثاني، والذي عليه أكثر المفسرين (٤)، أن الآية نزلت في المسلمين، واستدلوا على ذلك بأوجه تؤيد ما ذهبوا إليه، ويحسن في هذا المقام إيرادها والإجابة عليها بما يفتح الله تعالى:
أولا: استدلوا بالرواية الواردة في سبب نزول الآية التي تدل على أنها نزلت بسبب مفاضلة جرت بين المسلمين.
فقد أخرج مسلم في صحيحه بسنده عن النعمان بن بشير الأنصاري ﵁، قال: "كنت عند منبر رسول الله ﷺ في نفر من أصحابه، فقال رجل منهم: ما أبالي ألا أعمل عملا بعد الإسلام، إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر:
стр. 748
بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر: بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم، فزجرهم عمر بن الخطاب ﵁، وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ﷺ وذلك يوم الجمعة ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول ﷺ فاستفتيته فيما اختلفتم فيه فأنزل الله تعالى الآية إلى قوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (١).
والجواب: إن بعض الرواة تسامح في قوله، "فأنزل الله الآية". وإنما قرأ النبي ﷺ الآية على عمر حين سأله فظن الراوي أنها نزلت حينئذ. واستدل بها النبي ﷺ على أن الجهاد أفضل مما قال أولئك الذين سمعهم عمر، فاستفتى لهم فتلا عليه ما قد كان أنزل عليه، لا أنها نزلت في هؤلاء. والله أعلم (٢).
ثانيًا: قالوا أن الله تعالى قال في الآية التي بعدها: ﴿أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة: ٢٠] وهذا يقتضي أن يكون للمرجوح أيضا درجة عند الله، وذلك لا يليق إلا بالمؤمن، فالتعظيم في الدرجة يشعر بعدم حرمان الأولين بالكلية لمكان أفعل التفضيل (٣).
والجواب: أن هذا وارد على حسب ما كانوا يقدرونه لأنفسهم من الدرجة والفضيلة نظيره قوله ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾. أو المراد أنهم أعظم درجة من كل من لم يكن موصوفا بالهجرة ولا الجهاد وإن كان مؤمنا فضلا عن الكافر. أو المراد ترجيح الإيمان والهجرة والجهاد على السقاية والعمارة. ولا شك أنهما من أعمال والخير وموجبان للثواب لولا الكفر. وفي قوله: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ تشريف عظيم لقوله: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ وكذا في قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ لدلالته على انحصار الفوز فيهم (٤).
стр. 749
ثالثًا: قالوا أن سورة التوبة من آخر القرآن نزولاً في المدينة فكيف اختلف المسلمين مع المشركين؟ وأين كان هذا الخلاف؟ (١).
والجواب: على التسليم بأن الآية نزلت في هذه الواقعة، لا أن النبي ﷺ قرأها فظن الراوي أنها نزلت، فلا مانع أن تكون الآية نزلت مرتين: مرة في المشركين عندما أسر العباس بن عبد المطلب يوم بدر، ومرة في خلاف بعض المسلمين من الصحابة في أي الأعمال أفضل بعد الإسلام، والله أعلم (٢).
• النتيجة:
بعدما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يظهر أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن الآية نزلت في المشركين، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والجواب على الأوجه التي استدل به أصحاب القول الثاني، والله أعلم.
стр. 750
١٢٣ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨)﴾ [سورة التوبة: ٢٨].
قال القاسمي: دلت الآية على نجاسة المشرك، كما في الصحيح (المؤمن لا ينجس) وأما نجاسة بدنه، فالجمهور على أنه ليس بنجس البدن والذات، لأن الله تعالى أحل طعام أهل الكتاب. وذهب بعض الظاهرية إلى نجاسة أبدانهم. وقال أشعث عن الحسن: من صافحهم فليتوضأ، رواه ابن جرير، ونقله ابن كثير (١).
وأقول: الاستدلال بكونه تعالى أحل طعام أهل الكتاب غير ناهض، لأن البحث في المشركين وقاعدة التنزيل الكريم، التفرقة بينهم وبين أهل الكتاب، فلا يتناول أحدهما الآخر فيه (٢).
• أقوال أهل العلم في سبب عدم نجاسة أبدان المشركين:
القول الأول: أن السبب هو: أن الله تعالى أحل طعام أهل الكتاب.
القول الثاني: أن السبب هو: ما دلت عليه الأحاديث النبوية على عدم نجاسة أبدان المشركين.
أصحاب القول الأول:
القصاب (٣): "قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ دليل على أن النجس نجسان: نجس فعل، ونجس ذات، وهو في هذا الموضع - والله أعلم -: نجس فعل، وهو شركهم، لا أن أبدانهم نجسة، وكيف تكون نجسة وليست بين خلقتهم وخلقة المؤمنين فرق في شيء من
стр. 751
الأشياء، وقد أباح الله لنا أكل طعامهم في ديارهم وقد مسوها بأيديهم" (١).
الشوكاني: "ذهب الجمهور من السلف والخلف ومنهم أهل المذاهب الأربعة إلى أن الكافر ليس بنجس الذات، لأن الله سبحانه أحل طعامهم - يعني طعام أهل الكتاب-" (٢).
محمد رشيد رضا: "إباحة طعام أهل الكتاب، ونكاح نسائهم نزل في سورة المائدة، وهي آخر ما نزل، فهي بعد سورة التوبة بالإجماع، وإباحتهما تستلزم طهارتهما" (٣).
السعدي: "وليس المراد هنا، نجاسة البدن، فإن الكافر كغيره طاهر البدن، بدليل أن الله تعالى أباح وطء الكتابية ومباشرتها، ولم يأمر بغسل ما أصاب منها" (٤).
أصحاب القول الثاني:
الروياني (٥): " وروي أن رسول الله ﷺ توضأ من مزادة مشركة، وقال أحمد وإسحاق: لا يجوز استعمال ثيابهم وأوانيهم إلا بعد الغسل؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، وهذا غلط لأن المراد بالآية نجاسة قلوبهم ومعتقداتهم لا نجاسة أبدانهم" (٦).
العمراني (٧): "روي: «أن النبي ﷺ توضأ من مزادة مشركة». و (المزادة): الراوية. وروي: «أن النبي ﷺ أضافه وثني، فسقاه لبنًا فشربه، ولم يأمر بغسل ما سقاه فيه» و: (توضأ عمر ﵁ من ماء في جرة نصرانية) وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾
стр. 752
فأراد: نجس الأديان، لا الأبدان والثياب والأواني" (١).
المباركفوري (٢): "وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ فالمراد به أنهم نجس في الباطن والاعتقاد لا في أصل الخلقة، أو أن ذلك تنفير عن الكفار، وذم وإهانة لهم. وهذا وإن كان مجازاً فقرينته ما ثبت في الصحيحين من أنه ﷺ توضأ من مزادة مشركة، وربط ثمامة بن أثال وهو مشرك بسارية من سواري المسجد، فدل على أن الآدمي الحي ليس بنجس العين سواء كان محدثاً أو جنباً أو حائضاً أو نفساء" (٣).
• دراسة المسألة:
يظهر من خلال استقراء ما ذكره المفسرون في تأويل الآية عمومًا، وفي هذه المسألة خصوصًا، أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من صحة الاستدلال بإحلال طعام أهل الكتاب ونكاح نسائهم على عدم نجاسة أبدان المشركين، أو ما تُسمى بالنجاسة الحسية، وذلك من وجهين:
الأول: كما أن الله تعالى أحل نكاح نساء أهل الكتاب من اليهود والنصارى، فإنه أحل نساء المشركين من الإماء اللاتي اكتسبها المسلمين وغنموها من المشركين في غزواتهم، والجامع أن كل امرأة منهم سواء كانت من أهل الكتاب أو كانت مشركة فإنه يُشرع معها التقبيل والمضاجعة، ونحو ذلك.
وكما هو معلوم لكل مطلع على السيرة النبوية، وتاريخ ظهور الإسلام بالضرورة، أن المسلمين كانوا يعاشرون المشركين ويخالطونهم ولاسيما بعد صلح الحديبية، إذا امتنع اضطهاد المشركين وتعذيبهم لمن لا عصبية له، ولا جوار يمنعه منهم، وكانت رسلهم ووفودهم ترد على النبي ﷺ ويدخلون مسجده، وكذلك أهل الكتاب كنصارى نجران واليهود، ولم يعامل أحد أحدا منهم معاملة الأنجاس، ولم يأمر بغسل شيء مما أصابته
стр. 753
أبدانهم، بل روي عنه ما يدل على خلاف ذلك مما احتج به الجمهور على طهارة أبدانهم من الأحاديث الصحيحة (١).
فالشاهد هو أن النبي ﷺ ساوى بين المشركين وبين أهل الكتاب ولم يُعامل قوماّ منهم معاملة الأنجاس دون قوم حتى يُقال: أن أهل الكتاب لهم أحكام تخصهم، فصح الاستدلال بإباحة طعام أهل الكتاب ونسائهم على عدم نجاسة المشركين الحسية.
الثاني: أن التفريق بين أهل الكتاب والمشركين في الأحكام ليس على إطلاقه، إلا ما خصّه الدليل، وقد نص الله على أنهم من المشركين كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [سورة التوبة: ٢٩] وصرح بأن أهل الكتابين من المشركين في قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة التوبة: ٣١] (٢)، فإذا اجتمع أهل الكتاب مع غيرهم من أهل الكفر في الشرك بالله - غير ما خصه الدليل في أهل الكتاب- كان حكمهم واحد في عدم نجاسة أبدانهم، والله أعلم.
• النتيجة:
بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يظهر أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من صحة الاستدلال بإحلال ذبائح أهل الكتاب ونكاح نسائهم، بعدم نجاسة أبدان المشركين خلافًا لما ذهب إليه القاسمي ﵀، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.
стр. 754
١٢٤ - قوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [سورة التوبة: ٧٧].
قال القاسمي: واللقاء إذا أضيف إلى الكفار كان لقاء مناسبا لحالهم من وقوفهم للحساب مع حجبهم عنه تعالى، لأنهم ليسوا أهلا لرؤيته، تقدس اسمه. وإذا أضيف إلى المؤمنين، كما في قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: ٤٤]، كان لقيا مناسبا لمقامهم من رؤيته تعالى. وذلك لما أفصحت عنه آيات أخر من حال الفريقين، مما يتنزل مثل ذلك عليها. فمن وقف في بعض الآيات على لفظة، وأخذ يستنبط منها، ولم يراع من استعملت فيه، وأطلقت عليه، كان ذلك جمودا وتعصبا، لا أخذا بيد الحق. نقول ذلك ردا لقول الجبائي: إن اللقاء في هذه الآية لا يفيد رؤيته تعالى، للإجماع على أن الكفار لا يرونه تعالى، فلا يفيدها أيضا في قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾. وللرازي معه مناقشة من طريق أخرى (١). وما ذكرناه أمتن. والله أعلم (٢).
• أقوال أهل العلم في دلالة آيات إثبات اللقاء على إثبات رؤية الله تعالى يوم القيامة:
القول الأول: أن آيات إثبات لقاء المؤمنين لربهم دالة على إثبات الرؤية، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ وقوله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾.
القول الثاني: أن آيات إثبات لقاء المؤمنين لربهم غير دالة على إثبات الرؤية، لقوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾.
стр. 755
أصحاب القول الأول: وهم أهل السنة والجماعة
الإسفراييني (١): " ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ واللقاء إذا أطلق في اللغة وقع على الرؤية خصوصا حيث لا يجوز فيه التلاقي بالذوات والتماس بينهما" (٢).
السمعاني: " ﴿أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [سورة البقرة: ٤٦] أي صائرون إلى ربهم. وكل ما ورد في القرآن من اللقاء فهو بمعنى الصيرورة إليه، كذا قال المفسرون. وقيل: هو اللقاء الموعود، وهو رؤية الله تعالى" (٣).
ابن أبي العز: "ولا شك في رؤية أهل الجنة لربهم في الجنة، وكذلك يرونه في المحشر قبل دخولهم الجنة، كما ثبت ذلك في الصحيحين عن رسول الله ﷺ . ويدل عليه قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ " (٤).
القنوجي: "معنى ﴿أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ ملاقوا جزاءه، والمفاعلة هنا ليست على بابها، ولا أرى في حمله على أصل معناه من دون تقدير المضاف بأساً أي يوقنون أنهم يرونه، وفي هذا مع ما بعده من قوله ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. إقرار بالبعث وما وعد الله به في اليوم الآخر، وفيه دليل على ثبوت رؤية الله تعالى في الآخرة" (٥).
أصحاب القول الثاني: وهم المعتزلة:
قال الرازي: "قالت المعتزلة: لفظ اللقاء لا يفيد الرؤية والدليل عليه الآية والخبر والعرف. أما الآية فقوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ والمنافق لا يرى
стр. 756
ربه" (١).
قال أبو حيان: "نازعت المعتزلة في كون لفظ اللقاء لا يراد به الرؤية ولا يفيدها. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ والمنافق لا يرى ربه ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ ويتناول الكافر والمؤمن" (٢).
قال ابن عادل الحنبلي: "المعتزلة: لفظ اللِّقاء لا يفيد الرؤية، لقوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ " (٣).
قال النيسابوري: " ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ استدل أهل السنة بالآية على جواز رؤية الله تعالى، وأنكرها المعتزلة قالوا: اللقاء لا يفيد الرؤية لقوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ والمنافق لا يرى ربه، ولقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ [سورة البقرة: ٢٢٣] ويشمل الكافر والمؤمن" (٤).
• دراسة المسألة:
من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: إثبات رؤية المؤمنين لربهم ﵎ يوم القيامة، بخلاف أهل البدع من المعتزلة والشيعة الذين يتركون المحكم من النصوص الدالة على إثبات الرؤية، ويتبعون المتشابه ليُنكروا رؤية الله تبارك تعالى.
ومن المتشابه الذي يتبعونه من النصوص ليُنكروا رؤية الله ﵎: قوله تعالى عن المنافقين: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾.
قالوا: إن اللقاء في هذه الآية لا يفيد رؤيته تعالى، للإجماع على أن الكفار لا يرونه
стр. 757
تعالى، فلا يفيدها أيضا في قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾.
ولا شك أن الحق الذي عليه أهل السنة والجماعة هو أن آيات إثبات لقاء المؤمنين لربهم دالة على إثبات رؤية المؤمنين لربهم، وذلك من وجهين:
الأول: أنه قد روي عن بعض السلف ما يدل على أن المراد من اللقاء: الرؤية.
فقد أخرج البيهقي بسنده عن عبد الله بن المبارك في قوله : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [سورة الكهف: ١١٠]، قال: مَنْ أراد النظر إلى وجه خالقه (١).
فهذا صريح في أن اللقاء يستلزم منه النظر، وما روي عن سعيد بن جبير أن المراد: ثواب ربه (٢)، فلا يلزم منه إنكاره لنظر العين، فكلاهما محمول على ظاهر الآية، والله أعلم.
الثاني: من حيث اللغة: فقد أجمع أهل الِّلسان على أن اللقاء متى نُسِبَ إلى الحيِّ السليم من العمى والمانع، اقتضى المعاينة والرؤية (٣).
وفي قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ أجمع أهل اللغة أن اللقاء هاهنا لا يكون إلا معاينة ونظرة بالأبصار (٤).
وعلى هذا تُحمل آيات اللقاء كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾، وقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾، وقوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ﴾ [سورة البقرة: ٢٤٩]، والله أعلم.
الجواب على قول الجبائي بنفي رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة:
احتج الجبائي ومن معه من المعتزلة على نفي رؤية المؤمنين لربهم ﵎ يوم
стр. 758
القيامة بقوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾. وقالوا: إن اللقاء في هذه الآية لا يفيد رؤيته تعالى، للإجماع على أن الكفار لا يرونه تعالى، فلا تُفيدها باقي الآيات المثبتة للقاء المؤمنين لربهم.
والجواب على هذا الاستدلال من أوجه:
الأول: أن رؤية المؤمنين لربهم ﵎ ثابتة بنصوص الكتاب والسنة والإجماع (١)، فلا يجوز أن تُضرب هذه النصوص المُحكمة، ويؤخذ بنصوص رُبما يدل ظاهرها على نفي الرؤية.
الثاني: أن تقدير الضمير في قوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ له احتمالات أخرى: فيحتمل أن الضمير في قوله: ﴿يَلْقَوْنَهُ﴾ يعود إلى ضمير الفاعل في ﴿فَأَعْقَبَهُمْ﴾ المقدر بقولنا "هو"، ويحتمل أن يعود إلى النفاق مجازًا على تقدير الجزاء" (٢).
الثالث: على التسليم بأن اللقاء في قوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ يدل على نفي الرؤية؛ فلا يلزمنا ذلك في سائر الصُّور، - يعني في الآيات الأخرى التي تُثبت اللقاء- كما إذا أدخلنا التَّخصيصَ في بعض العمومات لدليل منفصل؛ فلا يلزمنا أن نُخَصّصَ جميع العمومات من غير دليل فكما لا يلزمنا هذا لا يلزمنا ذلك، فاللقاء أعم من الرؤية فقد يقتضي الرؤية في بعض المواطن وقد لا يقتضيها (٣).
الرابع: أن قول الجبائي: " أن الكفار لا يرون الله تعالى يوم القيامة بالإجماع"، ليس على إطلاقه، فقد ثبت في الصحيح ما يدل على أن الكفار يرون الله تعالى يوم القيامة.
فقد روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة أنَّ أُناسًا قالوا: يا رسول اللَّهِ هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "هل تضارُّون في رؤية القمرِ ليلةَ البدرِ؟
стр. 759
قالوا: لا يا رسول اللَّه، قال: هل تضارُّون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا، قال: فإنَّكم ترونه كذلك، يجمعُ اللَّهُ النَّاس يوم القيامة فيقول: من كان يعبد شيئًا فليتبعه، فيتَّبع من كان يعبد الشمسَ الشمسَ، ويتبع من كان يعبد القمرَ القَمَرَ، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم اللَّهُ ﵎ في صورةٍ غير صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ باللَّه منك، هذا مكاننا حتَّى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم اللَّه في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه، ويضرب الصراط بين ظَهْرَانَي جهنَّم، فأكون أنا وأمتي أَوَّلَ من يُجِيْزُ"، الحديث (١).
فرؤية الكفار التي دل عليها الحديث ليست كرامة ولا نعيما؛ إذ " اللقاء " ينقسم إلى لقاء على وجه الإكرام ولقاء على وجه العذاب فهكذا الرؤية التي يتضمنها اللقاء (٢).
• النتيجة:
من خلال ما تقدم ذكره في هذه المسألة من أقوال أهل العلم، يتبين أن الحق هو الذي عليه أصحاب القول الأول من أهل السنة والجماعة، أن آيات إثبات لقاء المؤمنين لربهم دالة على إثبات رؤية الله تعالى يوم القيامة، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك.
стр. 760
١٢٥ - قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة التوبة: ١٠٣].
روي عن عبد الله بن أبي أوفى (١)، وكان من أصحاب الشجرة قال: كان النبي ﷺ إذا أتاه قوم بصدقة قال: اللهم! صل عليهم، فأتاه أبي بصدقته فقال: اللهم! صل على آل أبي أوفى (٢).
قال ابن كثير: وفي الحديث الآخر أن امرأة قالت: يا رسول الله! صل علي وعلى زوجي، فقال: صلى الله عليك وعلى زوجك (٣).
قال القاسمي: أقول: وبهذين الحديثين يرد على من زعم أن المراد ب ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ الصلاة على الموتى (٤).
• أقوال أهل العلم في المراد من الصلاة في قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾:
القول الأول: أن المراد من الصلاة في قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾: الدعاء لهم - يعني: للمتصدق-.
القول الثاني: أن المراد من الصلاة في قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾: الصلاة على الموتى.
стр. 761
أصحاب القول الأول:
ابن قتيبة: " ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ أي: ادع لهم، إنّ ذلك مما يسكّنهم وتطمئن إليه قلوبهم" (١).
الطبري: " ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ يقول: وادع لهم بالمغفرة لذنوبهم، واستغفر لهم منها" (٢).
الزجاج: " ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ أي ادع لهم. و ﴿سَكَنٌ﴾ أي: يسكنون بها (٣).
السمعاني: " ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ وادع لهم ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ أي: دعاؤك سكن لهم، أي: سكون لهم، أي: دعاؤك سكن لهم وطمأنينة وتثبيت" (٤).
أصحاب القول الثاني:
ظاهر قول الماتريدي: "يحتمل أن اللَّه أمر رسوله أن يستغفر لهم ويصلي عليهم، ثم لا يحتمل أن يأمره بذلك فلا يفعل، أو يفعل فلا يجيبه، فكانت قلوبهم تسكن، وتطمئن باستغفار النبي لهم لما قبلت توبتهم، وكفرت سيئاتهم، واللَّه أعلم" (٥).
الكرماني: " ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ إذا ماتوا خلاف من نُهيتَ عن الصلاة عليه بقوله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ " (٦).
أبو حيان: "وصل عليهم أي ادع لهم، أو استغفر لهم، أو صل عليهم إذا ماتوا، أقوال" (٧).
стр. 762
قال بعض المفسرين: أراد الصلاة المعلومة صلاة الجنائز (١).
• دراسة المسألة:
من خلال ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما عليه أصحاب القول الأول من أن المراد من قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾: الدعاء للمتصدقين والاستغفار لهم، وهو الذي عليه أكثر العلماء والمفسرين (٢)، وليس الصلاة على الموتى، وذلك من أوجه:
الأول: أن هذا القول هو المروي عن جماعة من السلف، ولم يُعلم أحد ممن خالفهم في عصرهم ممن قال بأن المراد من الصلاة: الصلاة على الموتى، وهم أعلم بكتاب الله ممن جاء بعدهم.
فقد أخرج ابن أبي حاتم بإسناده عن ابن عباس: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ يقول: استغفر لهم (٣).
وأخرج بإسناده عن السدي، قوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ يقول: ادع لهم (٤).
وقال مقاتل: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: واستغفِر لهم (٥).
الثاني: أن هذا القول يؤيده سبب النزول: فقد أخرج الطبري بإسناده عن ابن عباس، قال: " جاءوا بأموالهم يعني أبا لبابة وأصحابه حين أطلقوا فقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا واستغفر لنا قال: «ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا». فأنزل الله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ " (٦).
стр. 763
الثالث: الشواهد القرآنية الدالة على أن المراد من الأمر بالصلاة في الآية: الدعاء. ومن ذلك: قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: ٥٦] فالمعنى: إن الله يغفر للنبي، والملائكة تدعو له بالمغفرة، فادعوا له أيها المؤمنون بالمغفرة (١).
الرابع: من حيث سياق الآيات: فظاهرها يدل على أن المراد من الصلاة: الدعاء والاستغفار، ويدل على ذلك أن بعد ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [سورة التوبة: ١٠٤] (٢).
فالأصل أن لفظ الصلاة يجب أن يُحمل على الحقيقة الشرعية، ولكن في هذا الموضع قُدّمت الحقيقة اللغوية لوجود القرينة (٣).
الخامس: من حيث دلالة السنة: فقد روى أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن كان مفطراً فليطعم، وإن كان صائماً فليصل" (٤).
والمعنى: وإن كان صائماً فليدع لأهل الطعام بالخير والبركة، وكل داع فهو مصل (٥).
السادس: من حيث اللغة: فيجوز أن يكون المراد من الصلاة الدعاء، وبهذا يقول كثير من أهل اللغة: بأن الصلاة هي الدعاء، والتبريك والتمجيد، يقال: صليت عليه، أي: دعوت له وزكيت (٦).
стр. 764
قال الأعشى:
وَقَابَلَهَا الرِّيحُ فِي دَنِّهَا … وَصَلَّى عَلَى دَنِّهَا وَارْتَسَمَ (١).
قوله: " وقابلها الريح" أي" جعلها قبالة مهب الريح، والدنان: كهيئة الحب. وقوله: "وَصَلَّى عَلَى دَنِّهَا وَارْتَسَمَ" أي دعا لها بالسلامة والبركة، ارتسم الرجل: كبر ودعا وتعوذ، مخافة أن يجدها قد فسدت، فتبور تجارته (٢).
وقال أيضا:
تَقُولُ بِنْتِي وَقَدْ قَرُبْتُ مُرْتَحِلًا … يَا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الْأَوْصَابَ وَالْوَجَعَا
عَلَيْكَ مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضِي … نَوْمًا فَإِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجَعَا (٣).
والمعنى: أن أبا البنت يأمرها بأن تكرر الدعاء له بمثل دعائها المتقدم.
ويروى البيت (عليك مثلُ) بالرفع، فيكون دعاء من أبي البنت بأن ينالها من الخير مثل الذي دعت به له (٤).
• النتيجة:
بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما عليه أصحاب القول الأول من أن المراد من قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أدع لهم واستغفر لهم، وليس المراد: الصلاة على الموتى، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.
стр. 765
١٢٦ - قوله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [سورة التوبة: ١٠٨].
ذهب أبو العالية والأعمش إلى أن المراد من الطهارة في الآية، الطهارة من الذنوب (١)، والتوبة منها، والتطهر من الشرك.
قال الرازي: وهذا القول متعين، لأن التطهر من الذنوب والمعاصي هو المؤثر في القرب من الله تعالى، واستحقاق ثوابه ومدحه، ولأنه تعالى وصف أصحاب مسجد الضرار بمضارة المسلمين، والكفر بالله، والتفريق بين المسلمين، فوجب كون هؤلاء بالضد من صفاتهم، وما ذاك إلا كونهم مبرئين عن الكفر والمعاصي انتهى (٢).
قال القاسمي: أقول: لا تسلم دعوى التعين، فإن اللفظ يتناول الطهارتين الباطنة والظاهرة. بل الثانية ما رواه أصحاب السنن والإمام أحمد وابن خزيمة في صحيحه أن النبي ﷺ قال لأهل قباء: قد أثنى الله عليكم في الطهور، فماذا تصنعون؟ فقالوا: نستنجي بالماء (٣).
• أقوال أهل العلم في المراد من الطهارة في قوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾:
القول الأول: أن المراد: الطهارة المعنوية، وهي الطهارة الباطنة من الذنوب والمعاصي والشرك.
القول الثاني: أن المراد: الحسية والمعنوية، وهي الطهارة الباطنة من الذنوب، والطهارة الظاهرة من النجاسة.
стр. 766
أصحاب القول الأول:
الحسن البصري: " ﴿يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ يتطهرون من الذنوب" (١).
القشيري: " ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾: يتطهرون عن المعاصي وهذه سمة العابدين، ويتطهرون عن الشهوات والأمانى وتلك صفة الزاهدين، ويتطهرون عن محبة المخلوقين" (٢).
البيضاوي: "فيه رجال يحبون أن يتطهروا من المعاصي والخصال المذمومة طلبا لمرضاة الله " (٣).
النخجواني: " ﴿أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ عن المعاصي والآثام ويتوجهوا نحو الحق برفض الشواغل ونفض العوائق والعلائق ﴿وَاللَّهُ﴾ المطلع بنياتهم ﴿يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ القاصدين تطهير ذواتهم عن التوجه الى ما سوى الحق المطلق بل عن هوياتهم وتعيناتهم الباطلة مطلقا" (٤).
أصحاب القول الثاني:
الطبري: "يقول تعالى ذكره في حاضري المسجد الذي أُسس على التقوى من أول يوم رجال يحبون أن ينظفوا مقاعدهم بالماء إذا أتوا الغائط، واللَّه يحب المتطهرين بالماء" (٥).
الماتريدي: "يحتمل: أي: فيه رجال يؤثرون التطهر بالإيمان، والتوحيد، والصلاة فيه، ويحتمل ما ذكر أهل التأويل من التطهير من الأقذار والأنجاس" (٦).
стр. 767
السمرقندي: " ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾، يعني: الاستنجاء بالماء، ويقال: ﴿يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ يعني: يطهروا أنفسهم من الذنوب" (١).
السعدي: " ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ من الذنوب، ويتطهروا من الأوساخ، والنجاسات والأحداث" (٢).
• دراسة المسألة:
من خلال استقراء ما ذكره المفسرون وأهل العلم في بيان معنى الطهارة الواردة في الآية، يتبين أن المراد من الطهارة: الطهارة الحسية، ولا مانع أن تكون الطهارة المعنوية مشمولة معها، وهو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، وذلك من أوجه:
الأول: إقرار النبي ﷺ على فعل الأنصار في مسجد قباء أو في مسجده - على خلاف بين المفسرين في المراد من المسجد الذي جاء ذكره في الآية- عندما قال لهم: «يا معشر الأنصار، إن الله قد أثنى عليكم في الطهور، فما طهوركم؟» قالوا: نتوضأ للصلاة، ونغتسل من الجنابة، ونستنجي بالماء. قال: «فهو ذاك، فعليكموه» (٣).
وجاء عن عُوَيْم بن ساعدة الأنصاري: أنّ النبيَّ ﷺ أتاهم في مسجد قباء، فقال: «إنّ الله قد أحسن عليكم الثَّناءَ في الطهور في قصة مسجدكم، فما هذا الطهور الذي تَطَّهَّرون به؟». قالوا: واللهِ، يا رسول الله، ما نعلم شيئًا إلا أنّه كان لنا جِيران مِنْ اليهود، فكانوا يغسِلون أدبارَهم مِنْ الغائط، فغسلنا كما غسلوا» (٤).
стр. 768
فدل هذا على أن المراد من الطهارة: الطهارة الحسية: وهي الطهارة من البول والغائط.
الثاني: من حيث سبب النزول: فقد أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره عن عامر الشعبي، قال: "كان ناس من أهل قباء يستنجون بالماء، فنزلت: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (١).
وأخرج أيضًا عن عطاء بن أبي رباح قال: أحدَث قوم الوضوءَ بالماء من أهل قباء؛ فنزلت فيهم: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (٢).
الثالث: أن القول بأن المراد من الطهارة في الآية الطهارة الحسية من البول والغائط، هو قول عامة المفسرين من السلف كمقاتل، وشهر بن حوشب، وقتادة، والشعبي، والحسن في رواية، وغيرهم (٣).
وهو قول أكثر المفسرين (٤).
الرابع: من حيث سياق الآية: فإذا تأملت الآية عرفت استعمال القرآن لكلمة الطهارة في معنييها - الطهارة الحسية والمعنوية-، تبين لك أن الآية تُحمل على المعنييْن، فذكر الطهارة بعد الأمر بالوضوء والغسل قرينة المعنى الأول، والسياق العام، وذكر إتمام النعمة بعد الطهارة التي ذكرت بغير متعلق قرينة المعنى الثاني مضمومًا إلى الأول (٥).
وهذا الوجه تؤيده القاعدة التي تقدم ذكرها وهي أنه: "إذا احتمل اللفظ معاني عدة ولم يمتنع إرادة الجمع، حمل عليها" (٦).
стр. 769
فإن قيل: لفظ الطَّهارة حقيقة في إزالة النَّجاسات، ومجاز في البراءة عن المعاصي واستعمال اللفظ الواحدة في الحقيقة، والمجاز معاً لا يجوزُ.
فالجوابُ: أنَّ لفظ النَّجس اسم للمستقذر، وهذا القذرُ مفهوم مشترك فيه بين القسمين، فزال السُّؤال (١).
تنبيه:
اختلف أهل العلم في صحة إسناد ما روي عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "نزلت هذه الآية في أهل قباء: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ "، قال: «كانوا يستنجون بالماء، فنزلت فيهم هذه الآية» (٢). فمن أهل العلم من يرى أن إسناد الرواية صحيح، ومنهم من يرى عكس ذلك (٣)، ولا شك أن هذه الرواية لو كانت صحيحة عند أكثر أهل العلم لكانت حجة لأصحاب القول الثاني، من حيث سبب النزول، فإن النبي ﷺ أعلم بتفسير كتاب الله من غيره.
• النتيجة:
يتبين بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن المراد بالطهارة في الآية: الطهارة الحسية، ولا يمنع أن تتضمن: الطهارة المعنوية، لما تقدم إيراده من الأوجه المؤيدة لذلك، والله أعلم.
стр. 770
١٢٧ - قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة التوبة: ١١٥].
قال القاسمي: وقف كثير من المفسرين بالآية هنا، أعني قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾ الآية- على ما روي في الآية قبلها، من نزولها في استغفار وقع من المؤمنين للمشركين، فربطوا هذه الآية بتلك، على الرواية المذكورة، ونزلوها على المؤمنين، فقالوا: وما كان الله ليضل قوما أي ليحكم عليهم باستغفارهم للمشركين بالضلال بعد إذ هداهم بالنبوة والإيمان، حتى يتقدم إليكم بالنهي عنه، فتتركوا، فأما إذا لم يبين فلا ضلال، إلى آخر ما قالوه …
وما أبعده من تفسير وتأويل والرازي ذكره وجها (١)، وأشفعه بما اعتمدناه، وهو الحق (٢).
• أقوال أهل العلم في المراد قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾:
القول الأول: أن المراد: لا ينزع الله الإيمان عن قلوب المؤمنين بعد أن هداهم إلى الإيمان، حتى يبين لهم الحدود والفرائض، فإذا تركوا ذلك ولم يروه حقاً، عذبهم الله تعالى.
القول الثاني: أن المراد: وما كان الله ليقضي عليكم في استغفاركم لموتاكم المشركين بالضلال بعد إذ رزقكم الهداية ووفقكم للإيمان به وبرسوله، حتى يتقدم إليكم بالنهي عنه فتتركون الانتهاء عنه.
أصحاب القول الأول:
القرطبي: "أي ما كان الله ليوقع الضلالة في قلوبهم بعد الهدى حتى يبين لهم ما يتقون فلا يتقوه فعند ذلك يستحقون الإضلال" (٣).
стр. 771
الحداد: "معناها: وما كان الله ليضلّ عمل قوم وينزل قوما منزلة الضّلال بعد إذ هداهم للإيمان حتى يبيّن لهم ما يتّقون من المعاصي، ويقال: حتى يبيّن الناسخ من المنسوخ" (١).
السعدي: "يعني أن الله تعالى إذا منَّ على قوم بالهداية، وأمرهم بسلوك الصراط المستقيم، فإنه تعالى يتمم عليهم إحسانه، ويبين لهم جميع ما يحتاجون إليه، وتدعو إليه ضرورتهم، فلا يتركهم ضالين، جاهلين بأمور دينهم" (٢).
أصحاب القول الثاني:
الطبري: "يقول تعالى ذكره: وما كان الله ليقضي عليكم في استغفاركم لموتاكم المشركين بالضلال بعد إذ رزقكم الهداية ووفقكم للإيمان به وبرسوله، حتى يتقدم إليكم بالنهي عنه فتتركون الانتهاء عنه؛ فأما قبل أن يبين لكم كراهية ذلك بالنهي عنه ثم تتعدوا نهيه إلى ما نهاكم عنه، فإنه لا يحكم عليكم بالضلال" (٣).
الثعلبي: " وما كان الله ليحكم عليكم بالضلال بعد استغفاركم للمشركين قبل أن يتقدم إليكم بالنهي" (٤).
مكي بن أبي طالب: "المعنى: ما كان الله ليضلكم بالاستغفار للمشركين، بعد إذ هداكم للإيمان، حتى يتقدم إليكم بالنهي عن ذلك، وبينه لكم فتتقوه" (٥).
البغوي: " معناه: ما كان الله ليحكم عليكم بالضلالة بترك الأوامر باستغفاركم للمشركين، ﴿حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ يريد حتى يتقدم إليكم بالنهي، فإذا تبين ولم تأخذوا به فعند ذلك تستحقون الضلال" (٦).
стр. 772
• دراسة المسألة:
من خلال النظر فيما ذكره المفسرون وأهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن أكثر المفسرين بحسب الاستقراء، ذهبوا إلى أن المراد من الآية: أن الله تعالى لا يؤاخذ المؤمنين إذا استغفروا للمشركين قبل أن يتبين لهم النهي عن الاستغفار للمشركين، وهو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، وهذا هو الأظهر وذلك من وجهين:
الأول: من حيث مناسبة الآية لما قبلها: فإنه تعالى لما بين أنه لا يستغفر للمشركين ولو كانوا أولي قربى، كان في هذه الآية وفي التي بعدها تباين ما بين القرابة حتى منعوا من الاستغفار لهم، فمنع ﷺ من الاستغفار لعمه أبي طالب وهو الذي تولى تربيته ونصره وحفظه إلى أن مات، ومنع إبراهيم من الاستغفار لأبيه وهو أصل نشأته ومربيه، وكذلك منع المسلمون من الاستغفار للمشركين أقرباء وغير أقرباء، فكأنه قيل: لا تعجب لتباين هؤلاء، هذا خليل الله، وهذا حبيب الله، والأقرباء المختصون بهم المشركون أعداء الله، فإضلال هؤلاء لم يكن إلا بعد أن أرشدهم الله إلى طريق الحق (١).
الثاني: من حيث ما ورد في نزول الآية: وذلك أن بعض الصحابة خاف على نفسه من الاستغفار للمشركين دون أمر من الله تعالى فنزلت الآية مؤنسة، أي ما كان الله بعد أن هدى إلى الإسلام وأنقذ من النار ليحبط ذلك ويضل أهله لمواقعتهم ذنبا لم يتقدم منه نهي عنه، فأما إذا بين لهم ما يتقون من الأمور ويتجنبون من الأشياء فحينئذ من واقع بعد النهي استوجب العقوبة (٢).
فإن قيل: ذكر بعض المفسرين سببًا لنزول الآية ظاهره يدل على أنها نزلت في قوم لم يستغفروا للمشركين، وهو: أن الله تعالى أنزل الفرائض على رسوله، فعمل بها رسول الله ﷺ . ثم إن الله تعالى أنزل ما ينسخ به الأمر الأول، وقد غاب الناس عن النبيّ ﷺ فلم يبلغهم ذلك، فعملوا بالمنسوخ، وكانوا يصلون إلى القبلة الأولى ولا يعلمون، ويشربون
стр. 773
الخمر ولا يعلمون تحريمها، فذكروا ذلك للنبي ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾ وإن عملوا بالمنسوخ، ﴿حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾، يعني: ما نسخ من القرآن، يعني: إنه قبل منهم ما عملوا بعد النسخ ولا يؤاخذهم بذلك (١).
فدل هذا السبب على هذا المراد: وهو فعل المؤمنين من صلاتهم نحو القبلة الأولى وهي بيت المقدس قبل علمهم بالنسخ، وليس أن الآية خطاب للمؤمنين فيكون المراد: وما كان الله ليقضي عليكم في استغفاركم لموتاكم المشركين بالضلال بعد إذ رزقكم الهداية ووفقكم للإيمان به وبرسوله، حتى يتقدم إليكم بالنهي عنه فتتركون الانتهاء عنه.
والجواب: لا مانع أن يكون هذا السبب داخلا من حيث العموم في معنى الآية، وتكون الآية شاملة للمعنيين: فلا يضل الله قومًا استغفروا للمشركين لعدم علمهم بالنهي عن ذلك، وكذا لا يضل الله قومًا عملوا بالمنسوخ، وصلوا نحو بيت المقدس، قبل علمهم بالناسخ، والله أعلم.
• النتيجة:
بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الأقرب للصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، من أن المراد من الآية: وما كان الله ليحكم عليكم بالضلال في استغفاركم لموتاكم المشركين لعدم علمكم بالنهي، لما تقدم إيراده من الوجهيْين الدالين على ذلك، خلافًا لما ذهب إليه القاسمي ﵀، والله أعلم.
стр. 774
١٢٨ - قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة التوبة: ١١٧].
نقل الرازي عن أبي مسلم أنه يجوز أن يكون المراد بـ (ساعة العسرة) جميع الأحوال والأوقات الشديدة على الرسول، وعلى المؤمنين، فيدخل فيه غزوة الخندق وغيرها ..... إلى أن قال: والمقصود منه وصف المهاجرين والأنصار بأنهم اتبعوا الرسول ﷺ في الأوقات الشديدة، والأحوال الصعبة (١).
قال القاسمي: أقول: هذا الاحتمال، وإن كان مما يسعه اللفظ الكريم، إلا أنه يبعده عنه سياق الآية، وسباقها، القاصران على غزوة تبوك (٢).
• أقوال أهل العلم في المراد من ساعة العسرة في قوله تعالى: ﴿فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾:
القول الأول: أن المراد: وقت العسرة في غزوة تبوك.
القول الثاني: أن المراد من ساعة العسرة: جميع الأحوال والأوقات الشديدة على الرسول، وعلى المؤمنين، فيدخل فيه غزوة الخندق وغيرها.
أصحاب القول الأول:
مجاهد: " ﴿فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ في غزوة تبوك "، وبنحو ذلك رُوي عن مقاتل، وعبد الله بن محمد بن عقيل (٣)، وقتادة (٤).
стр. 775
الجصاص: " ﴿سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ والعسرة هي شدة الأمر وضيقه وصعوبته وكان ذلك في غزوة تبوك" (١).
مكي بن أبي طالب: " ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ وهي غزوة تبوك، خرجوا في حر شديد، فاشتد عليهم العطش، فكانوا ينحرون إبلهم، ويعصرون كروشها، ويشربون ماءها، فهي العسرة التي لحقتهم" (٢).
السمعاني: " ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ معناه: في وقت العسرة، وكانت غزوة تبوك تسمى غزوة العسرة" (٣).
أصحاب القول الثاني:
أبو مسلم الخرساني: وتقدم قوله.
الكرماني: " ﴿فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ يريد غزوة تبوك، وقيل: هي وغيرها من الحروب" (٤).
• دراسة المسألة:
الناظر في أقوال أهل العلم والمفسرين في المراد من: ساعة العسرة في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ يلاحظ أن أكثرهم يقولون أن المراد منها: غزوة تبوك، وهو الذي عليه أصحاب القول الأول، وهذا هو الصواب، وذلك من أوجه:
الأول: أن هذا القول هو الذي عليه جماعة من السلف، ولم يُعلم لهم مخالف في عصرهم، وهم أعلم بكتاب الله ممن جاء بعدهم، وقد نص الشوكاني بأن الرواة اتفقوا أن