← Тафсир

Тафсир · id 30149

تعقبات جمال الدين القاسمي على من سبقه من خلال كتابه محاسن التأويل

عبد الرحمن الحسن

Полный текст (1 202 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

الحداد: "معناها: وما كان الله ليضلّ عمل قوم وينزل قوما منزلة الضّلال بعد إذ هداهم للإيمان حتى يبيّن لهم ما يتّقون من المعاصي، ويقال: حتى يبيّن الناسخ من المنسوخ" (١). السعدي: "يعني أن الله تعالى إذا منَّ على قوم بالهداية، وأمرهم بسلوك الصراط المستقيم، فإنه تعالى يتمم عليهم إحسانه، ويبين لهم جميع ما يحتاجون إليه، وتدعو إليه ضرورتهم، فلا يتركهم ضالين، جاهلين بأمور دينهم" (٢). أصحاب القول الثاني: الطبري: "يقول تعالى ذكره: وما كان الله ليقضي عليكم في استغفاركم لموتاكم المشركين بالضلال بعد إذ رزقكم الهداية ووفقكم للإيمان به وبرسوله، حتى يتقدم إليكم بالنهي عنه فتتركون الانتهاء عنه؛ فأما قبل أن يبين لكم كراهية ذلك بالنهي عنه ثم تتعدوا نهيه إلى ما نهاكم عنه، فإنه لا يحكم عليكم بالضلال" (٣). الثعلبي: " وما كان الله ليحكم عليكم بالضلال بعد استغفاركم للمشركين قبل أن يتقدم إليكم بالنهي" (٤). مكي بن أبي طالب: "المعنى: ما كان الله ليضلكم بالاستغفار للمشركين، بعد إذ هداكم للإيمان، حتى يتقدم إليكم بالنهي عن ذلك، وبينه لكم فتتقوه" (٥). البغوي: " معناه: ما كان الله ليحكم عليكم بالضلالة بترك الأوامر باستغفاركم للمشركين، ﴿حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ يريد حتى يتقدم إليكم بالنهي، فإذا تبين ولم تأخذوا به فعند ذلك تستحقون الضلال" (٦).

стр. 772

• دراسة المسألة: من خلال النظر فيما ذكره المفسرون وأهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن أكثر المفسرين بحسب الاستقراء، ذهبوا إلى أن المراد من الآية: أن الله تعالى لا يؤاخذ المؤمنين إذا استغفروا للمشركين قبل أن يتبين لهم النهي عن الاستغفار للمشركين، وهو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، وهذا هو الأظهر وذلك من وجهين: الأول: من حيث مناسبة الآية لما قبلها: فإنه تعالى لما بين أنه لا يستغفر للمشركين ولو كانوا أولي قربى، كان في هذه الآية وفي التي بعدها تباين ما بين القرابة حتى منعوا من الاستغفار لهم، فمنع ﷺ من الاستغفار لعمه أبي طالب وهو الذي تولى تربيته ونصره وحفظه إلى أن مات، ومنع إبراهيم من الاستغفار لأبيه وهو أصل نشأته ومربيه، وكذلك منع المسلمون من الاستغفار للمشركين أقرباء وغير أقرباء، فكأنه قيل: لا تعجب لتباين هؤلاء، هذا خليل الله، وهذا حبيب الله، والأقرباء المختصون بهم المشركون أعداء الله، فإضلال هؤلاء لم يكن إلا بعد أن أرشدهم الله إلى طريق الحق (١). الثاني: من حيث ما ورد في نزول الآية: وذلك أن بعض الصحابة خاف على نفسه من الاستغفار للمشركين دون أمر من الله تعالى فنزلت الآية مؤنسة، أي ما كان الله بعد أن هدى إلى الإسلام وأنقذ من النار ليحبط ذلك ويضل أهله لمواقعتهم ذنبا لم يتقدم منه نهي عنه، فأما إذا بين لهم ما يتقون من الأمور ويتجنبون من الأشياء فحينئذ من واقع بعد النهي استوجب العقوبة (٢). فإن قيل: ذكر بعض المفسرين سببًا لنزول الآية ظاهره يدل على أنها نزلت في قوم لم يستغفروا للمشركين، وهو: أن الله تعالى أنزل الفرائض على رسوله، فعمل بها رسول الله ﷺ . ثم إن الله تعالى أنزل ما ينسخ به الأمر الأول، وقد غاب الناس عن النبيّ ﷺ فلم يبلغهم ذلك، فعملوا بالمنسوخ، وكانوا يصلون إلى القبلة الأولى ولا يعلمون، ويشربون

стр. 773

الخمر ولا يعلمون تحريمها، فذكروا ذلك للنبي ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾ وإن عملوا بالمنسوخ، ﴿حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾، يعني: ما نسخ من القرآن، يعني: إنه قبل منهم ما عملوا بعد النسخ ولا يؤاخذهم بذلك (١). فدل هذا السبب على هذا المراد: وهو فعل المؤمنين من صلاتهم نحو القبلة الأولى وهي بيت المقدس قبل علمهم بالنسخ، وليس أن الآية خطاب للمؤمنين فيكون المراد: وما كان الله ليقضي عليكم في استغفاركم لموتاكم المشركين بالضلال بعد إذ رزقكم الهداية ووفقكم للإيمان به وبرسوله، حتى يتقدم إليكم بالنهي عنه فتتركون الانتهاء عنه. والجواب: لا مانع أن يكون هذا السبب داخلا من حيث العموم في معنى الآية، وتكون الآية شاملة للمعنيين: فلا يضل الله قومًا استغفروا للمشركين لعدم علمهم بالنهي عن ذلك، وكذا لا يضل الله قومًا عملوا بالمنسوخ، وصلوا نحو بيت المقدس، قبل علمهم بالناسخ، والله أعلم. • النتيجة: بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الأقرب للصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، من أن المراد من الآية: وما كان الله ليحكم عليكم بالضلال في استغفاركم لموتاكم المشركين لعدم علمكم بالنهي، لما تقدم إيراده من الوجهيْين الدالين على ذلك، خلافًا لما ذهب إليه القاسمي ﵀، والله أعلم.

стр. 774

١٢٨ - قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة التوبة: ١١٧]. نقل الرازي عن أبي مسلم أنه يجوز أن يكون المراد بـ (ساعة العسرة) جميع الأحوال والأوقات الشديدة على الرسول، وعلى المؤمنين، فيدخل فيه غزوة الخندق وغيرها ..... إلى أن قال: والمقصود منه وصف المهاجرين والأنصار بأنهم اتبعوا الرسول ﷺ في الأوقات الشديدة، والأحوال الصعبة (١). قال القاسمي: أقول: هذا الاحتمال، وإن كان مما يسعه اللفظ الكريم، إلا أنه يبعده عنه سياق الآية، وسباقها، القاصران على غزوة تبوك (٢). • أقوال أهل العلم في المراد من ساعة العسرة في قوله تعالى: ﴿فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾: القول الأول: أن المراد: وقت العسرة في غزوة تبوك. القول الثاني: أن المراد من ساعة العسرة: جميع الأحوال والأوقات الشديدة على الرسول، وعلى المؤمنين، فيدخل فيه غزوة الخندق وغيرها. أصحاب القول الأول: مجاهد: " ﴿فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ في غزوة تبوك "، وبنحو ذلك رُوي عن مقاتل، وعبد الله بن محمد بن عقيل (٣)، وقتادة (٤).

стр. 775

الجصاص: " ﴿سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ والعسرة هي شدة الأمر وضيقه وصعوبته وكان ذلك في غزوة تبوك" (١). مكي بن أبي طالب: " ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ وهي غزوة تبوك، خرجوا في حر شديد، فاشتد عليهم العطش، فكانوا ينحرون إبلهم، ويعصرون كروشها، ويشربون ماءها، فهي العسرة التي لحقتهم" (٢). السمعاني: " ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ معناه: في وقت العسرة، وكانت غزوة تبوك تسمى غزوة العسرة" (٣). أصحاب القول الثاني: أبو مسلم الخرساني: وتقدم قوله. الكرماني: " ﴿فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ يريد غزوة تبوك، وقيل: هي وغيرها من الحروب" (٤). • دراسة المسألة: الناظر في أقوال أهل العلم والمفسرين في المراد من: ساعة العسرة في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ يلاحظ أن أكثرهم يقولون أن المراد منها: غزوة تبوك، وهو الذي عليه أصحاب القول الأول، وهذا هو الصواب، وذلك من أوجه: الأول: أن هذا القول هو الذي عليه جماعة من السلف، ولم يُعلم لهم مخالف في عصرهم، وهم أعلم بكتاب الله ممن جاء بعدهم، وقد نص الشوكاني بأن الرواة اتفقوا أن

стр. 776

ساعة العسرة هي غزوة تبوك (١). الثاني: أن هذا القول تؤيده الآثار الواردة في شأن العُسرة، وأن المراد من ذلك: غزوة تبوك. ومن ذلك: ما أخرجه الطبري بسنده عن ابن عباس ﵁، أنه قيل لعمر بن الخطاب رحمة الله عليه في شأن العسرة، فقال عمر: " خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى أن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده" الأثر (٢). الثالث: أن هذا القول يؤيده ما ورد في نزول الآية، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن كعب بن مالك ﵁ يحدث حين تخلف عن قصة تبوك: فواللَّه ما أعلم أحدًا أبلاه الله في صدق الحديث أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا كذبًا، وأنزل اللَّه على رسوله ﷺ : ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٣). الرابع: من حيث سياق الآيات ومناسبة الآية لما قبلها: وذلك أنه لما تقدم الكلام في أحوال المنافقين من تخلفهم عن غزوة تبوك، واستطرد إلى تقسيم المنافقين إلى أعراب وغيرهم، وذكر ما فعلوا من مسجد الضرار، وذكر مبايعة المؤمنين الله في الجهاد وأثنى عليهم، وأنه ينبغي أن يباينوا المشركين حتى الذين ماتوا منهم بترك الاستغفار لهم، عاد إلى ذكر ما بقي من أحوال غزوة تبوك، وهذه شنشنة كلام العرب يشرعون في شيء ثم

стр. 777

يذكرون بعده أشياء مناسبة ويطيلون فيها، ثم يعودون إلى ذلك الشيء الذي كانوا شرعوا فيه (١). الخامس: من حيث الحال الذي كان عليه المسلمون أثناء خروجهم وسيرهم إلى الجهاد، من قلة الظهر، والزاد والماء وشدة الحر، وهذا لم يتفق في غير عسر في الخروج، واتباعه ﵇، في غير تبوك، وإنما مثل هذا العسر قد وقع أحيانا في مصاف القتال. وقد اتفق علماء الأثر والسير على تسميتها (غزوة العسرة)، ومن خرج فيها (جيش العسرة) (٢). • النتيجة: بعد ما تقدم بيانه من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما عليه أصحاب القول الأول، والذي عليه أكثر المفسرين، من أن المراد من ساعة العسرة في الآية: وقت العسرة في غزوة تبوك، لما تقدم إيراده من الأوجه المؤيدة لذلك، والله أعلم. * * *

стр. 778

سورة يونس

стр. 779

سورة يونس ١٢٩ - قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [سورة يونس: ١١]. قال القاسمي: زعم الزمخشري أن معنى استعجالهم بالخير، أي تعجيله لهم الخير وضع الأول موضع الثاني إشعارا بسرعة إجابته لهم، وإسعافه بطلبتهم، حتى كأن استعجالهم بالخير تعجيل لهم (١)، وعندي أنه صرف اللفظ الكريم عن ظاهره بلا داع. ولا بلاغة فيه أيضا، وإن توبع فيه والحرص على موافقة عامل المصدر له ليكونا من باب واحد- غير ضروري في العربية، والشواهد كثيرة (٢). • أقوال أهل العلم في معنى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾: القول الأول: أن المعنى: ولو يعجل الله للناس استعجالهم بالخير، بأن الناس هم من يستعجل طلب الخير، ويحبون وصول الخير إليهم بسرعة. القول الثاني: أن الأصل أن يُقال: ولو يعجل الله للناس الشر تعجيله لهم الخير، فتكون سرعة الاستجابة لتعجيل الخير من الله تعالى، وأن الله تعالى هو أسرع بتعجيل الخير للناس. أصحاب القول الأول: ابن قتيبة: "وفي الكلام حذف للاختصار، كأنه قال: ولو يعجّل الله للنّاس إجابتهم بالشر الذي يستعجلونه استعجالهم بالخير، لهلكوا" (٣).

стр. 780

الطبري: " ﴿اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ يقول: كاستعجاله لهم في الخير بالإجابة إذا دعوه به" (١). الزجاج: "ونصب (استعجالهم) على مثل استعجالهم بالخير، أي على نعت مصدرٍ محذوف. والمعنى: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ للنَّاسِ الشَر تَعْجيلاً مثل استعجالهم بالخير" (٢). السمعاني: "ومعناه: ولو يعجل الله للناس الشر - يعنى: المكروه - استعجالهم بالخير أي: كما يحبون استعجالهم بالخير" (٣). أصحاب القول الثاني: البيضاوي: " استعجالهم بالخير وضع موضع تعجيله لهم بالخير إشعارا بسرعة إجابته لهم في الخير حتى كأن استعجالهم به تعجيل لهم" (٤). أبو السعود: " ﴿اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ نُصبَ على أنه مصدر تشبيهي وُضع موضِع مصدر ناصبِه دلالةً على اعتبار الاستعجال في جانب المشبّهِ كاعتبار التعجيل في جانب المشبَّه به وإشعارا بسرعة إجابته تعالى لهم حتى كان استعجالهم بالخير نفس تعجيله لهم" (٥). ابن عاشور: "المعنى: تعجلهم الخير، كما حمله عليه في «الكشاف» للإشارة إلى أن تعجيل الخير من لدنه. فليس الاستعجال هنا بمعنى طلب التعجيل لأن المشركين لم يسألوا تعجيل الخير ولا سألوه فحصل، بل هو بمعنى التعجيل الكثير" (٦).

стр. 781

• دراسة المسألة: بعد ذكر من تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يظهر أن الصواب هو ما عليه أصحاب القول الأول من أن المراد من استعجال الناس بالخير في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ أن الناس هم من يستعجل طلب الخير، ويحبون وصول الخير إليهم عاجلا، وذلك من أوجه: الأول: من حيث ظاهر الآية: وذلك أن استعجال الناس معناه طلبهم العجلة، واستعجالهم الخير أسرع من تعجيل الله لهم الخير، فإن الإنسان خُلق عجولاً، إذا سمع بخير لا يثبت على شيء حتى يسرع إليه، والله صبور حليم؛ يؤخر للمصالح الجمة التي لا يهتدي إليها عقل الإنسان، ومع ذلك يسعف بطلبتهم ويُسرع بإجابتهم (١). الثاني: من حيث دلالة سبب النزول: فقد قيل أن الآية نزلت في النضر بن الحارث السّهمي عندما تمنى وقوع العذاب قال: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، فأنزل الله : ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ﴾ يقول: لو استجيب لهم في الشر استعجالهم بالخير، يعني: كما يحبون أن يستجاب لهم في الخير. ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ في الدنيا بالهلاك (٢). فدل هذا السبب على أن المراد من استعجال الناس الخير: تمنيهم وصول الخير إليهم، كما تمنى النضر بن الحارث العذاب. الثالث: من حيث اللغة: فقوله : ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ (الشر) مفعول قوله: ﴿يُعَجِّلُ﴾، ﴿اسْتِعْجَالَهُمْ﴾ نعت لمصدر محذوف، والتقدير: ولو يعجل الله للناس الشر حين استعجلوه استعجالًا مثل استعجالهم الخير، ثم حذف المصدر

стр. 782

المنعوت ونعته وأقيم المضاف إليه مقامه (١). وأيضًا فإن: مدلولُ «عَجَّل» غيرُ مدلولِ «استعجل» لأنَّ «عَجَّل» يدلُّ على الوقوع، و «استعجل» يدلُّ على طلب التعجيل، وذلك واقعٌ من الله، وهذا مضافٌ إليهم، فلا يكون التقدير على ما قاله الزمخشري (٢). الرابع: من حيث البلاغة: فتقدير الكلام: تعجيلاً مثل استعجالهم بالخير، فشبَّه التعجيلَ بالاستعجال؛ لأن طلبَهم للخير ووقوعَ تعجيله مقدَّمٌ عندهم على كل شيء (٣). وهذا الوجه من البلاغة يعدل الوجه الذي ذكره الزمخشري، والله أعلم. تنبيه: ما تعقب به القاسمي ﵀ على الزمخشري من أن أصل الكلام: تعجيله لهم بالخير، بأنه صرف للكلام عن ظاهره، قد سبقه أيضًا القنوجي ووصف هذا القول مُعقِّبًا بأنه: ضعيف جداً (٤). • النتيجة: بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يظهر أن الراجح هو ما عليه أصحاب القول الأول من أن معنى استعجال الخير من الآية: أن الناس هم من يستعجل طلب الخير، ويحبون وصول الخير إليهم عاجلا، لما تقدم إيراده من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.

стр. 783

١٣٠ - قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)﴾ [سورة يونس: ٩٨]. قال القاسمي: يروي بعض المفسرين هنا أن العذاب تدلى عليهم، وغشيهم، وجعل يدور على رؤوسهم، وغامت السماء غيما أسود، ونحو هذا. وليس في التنزيل بيان لهذا، ولا في صحيح السنة، وكأن من زعمه فهمه من لفظ كشفنا، ولا صراحة فيه (١). • أقوال أهل العلم في المراد من عذاب الخزي الذي كُشف عن قوم يونس ﵇ - (٢): القول الأول: أن المراد: العذاب الذي وعدهم به يونس أنه ينزل بهم، لا أنهم رأوه عيانا ولا مخايلة. القول الثاني: أن المراد: العذاب الذي تدلى عليهم، وغشيهم، وجعل يدور على رؤوسهم، وغامت السماء غيما أسودا، ونحو هذا، وأنهم رأوا العذاب عيانًا. أصحاب القول الأول: ابن عطية: "وذهب الطبري إلى أن قوم يونس خُصّوا من بين الأمم بأن تيب عليهم من بعد معاينة العذاب ذكر ذلك عن جماعة من المفسرين وليس كذلك، والمعاينة التي لا تنفع التوبة معها هي تلبس العذب أو الموت بشخص الإنسان كقصة فرعون، وأما قوم يونس فلم يصلوا هذا الحد" (٣).

стр. 784

القرطبي: "معنى: ﴿كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ﴾ أي: العذاب الذي وعدهم به يونس أنه ينزل بهم، لا أنهم رأوه عِيانا ولا مخايلة" (١). الطيبي: " ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ﴾: فهلا كانت ﴿قَرْيَةٌ﴾ واحدة من القرى التي أهلكناها، تابت عن الكفر، وأخلصت الإيمان قبل المعاينة وقت بقاء التكليف" (٢). أصحاب القول الثاني: الطبري: " معنى الكلام: فما كانت قرية آمنت عند معاينتها العذاب ونزول سخط الله بها بعصيانها ربها واستحقاقها عقابه، فنفعها إيمانها ذلك في ذلك الوقت، كما لم ينفع فرعون إيمانه حين أدركه الغرق بعد تماديه في غيه واستحقاقه سخط الله بمعصيته. ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ فإنهم نفعهم إيمانهم بعد نزول العقوبة وحلول السخط بهم " (٣). الزجاج: "وقوم يونس - واللَّه أعلم - لم يقع بهم العذاب، إنما رأوا الآية التي تدل على العذاب، فلما آمنوا كُشِفَتْ عنهم" (٤). ابن كثير: "إلا قوم يونس، وهم أهل نِينَوَى (٥)، وما كان إيمانهم إلا خوفا من وصول العذاب الذي أنذرهم به رسولهم، بعد ما عاينوا أسبابه" (٦). البقاعي: " ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ فإنهم آمنوا عند المخايل وقت بقاء التكليف فنفعهم ذلك فإنهم ﴿لَمَّا آمَنُوا﴾ ودل على أنه قد كان أظلهم بقوله: ﴿كَشَفْنَا﴾ أي بعظمتنا ﴿عَنْهُمْ﴾ أي حين إيمانهم، روي أنه لم يبق بينهم وبين العذاب إلاّ قدر ميل" (٧).

стр. 785

• دراسة المسألة: بعد النظر في أقوال أهل العلم في هذه المسألة، واستقراء ما ذكره المفسرون في تأويل الآية، وما أوردوا فيه من روايات، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، وهو الذي عليه أكثر أهل العلم (١)، من أن قوم يونس رأوا علامات العذاب بأعيانهم قبل وقوعه عليهم، وذلك من أوجه: الأول: الدلالة في قوله: ﴿كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ والكشف إنما يكون بعد وقوع العذاب أو قرب العذاب (٢). والكشف كما يقول ابن عاشور: إزالة ما هو ساتر لشيء، وهو هنا مجاز في الرفع. والمراد: تقدير الرفع وإبطال العذاب قبل وقوعه فعبر عنه بالكشف تنزيلا لمقاربة الوقوع منزلة الوقوع (٣). الثاني: أن هذا القول هو المروي عن جماعة من السلف رضوان الله عليهم، وهم أعلم بكتاب الله ممن جاء بعدهم. فقد روي عن ابن عباس ﵁: «إن العذاب كان هبط على قوم يونس، حتى لم يكن بينهم وبينه إلا قدر ثلثي ميل، فلما دعوا كشف الله عنهم» (٤). وروي عن مقاتل: «كان العذاب فوق رؤوسهم قدر ميل» (٥). وبنحو ذلك روي عن جماعة من السلف: كقتادة، والربيع بن أنس، وابن أبي نجيح،

стр. 786

وغيرهم (١). الثالث: الروايات الإسرائيلية التي تؤيد القول بأن قوم يونس عاينوا علامات وقوع العذاب، وليس فيها ما يُخالف شرعنا لردها. قال وهب: "أغامت السماء غيما أسود هائلا تدخن دخانا شديدا، فهبط حتى غشي مدينتهم واسودت سطوحهم، فلما رأوا ذلك أيقنوا بالهلاك، فطلبوا نبيهم فلم يجدوه، فقذف الله في قلوبهم التوبة، فخرجوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم، ولبسوا المسوح، وأظهروا الإيمان والتوبة، وأخلصوا النية، وفرقوا بين كل والدة وولدها من الناس والأنعام، فحن بعضهم إلى بعض، وعلت أصواتها، واختلطت أصواته بأصواتهم، وحنينها بحنينهم، وعجوا وتضرعوا إلى الله سبحانه، وقالوا: آمنا بما جاء به يونس ﵇، فرحمهم ربهم، فاستجاب دعاءهم، وكشف عنهم العذاب بعد ما أظلهم وتدلى عليهم، وذلك يوم عاشوراء" (٢). وروي بنحو ذلك عن سعيد بن جبير (٣). • النتيجة: من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يظهر أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن قوم يونس ﵇ رأوا علامات وقوع العذاب بأعينهم قبل وقوعه عليهم، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم. * * *

стр. 787

سورة يوسف

стр. 788

سورة يوسف ١٣١ - قوله تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة يوسف: ٥٥]. قال ابن كثير: خزائن الأرض هي الأهرام التي يجمع فيها الغلات لما يستقبلونه من السنين التي أخبرهم بشأنها، ليتصرف لهم على الوجه الأحوط والأصلح والأرشد (١). قال القاسمي: ولم أر الآن مستنده في كون الأهرام كانت مجمع الغلات، ولم أقف عليه في كلام غيره (٢). • أقوال أهل العلم في المراد من خزائن الأرض، في قوله تعالى حكاية عن يوسف ﵇: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾: القول الأول: أن المراد من خزائن الأرض: أموال الأرض، وهي أرض مصر، دون تخصيص الأهرام. القول الثاني: أن المراد من خزائن الأرض: الأهرام التي يجمع فيها الغلات. أصحاب القول الأول: السمرقندي: " ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ يعني: على خراج مصر" (٣). ابن أبي زمنين: " ﴿قَالَ﴾ يوسف: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ يعني: أقوات أرض مصر" (٤). البغوي: " ﴿قَالَ﴾ يوسف، ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ الخزائن: جمع خزانة، وأراد

стр. 789

خزائن الطعام والأموال، والأرض: أرض مصر، أي: خزائن أرضك" (١). ابن عطية: "قوله: ﴿خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ يريد أرض مصر إذ لم تكن مملكة فرعون إلا بها فقط" (٢). أصحاب القول الثاني: الواحدي: " لما عبر يوسف رؤيا الملك بين يديه قال له الملك: فما ترى أيها الصديق؟ قال: أرى أن تزرع في هذه السنين المخصبة زرعا كثيرا وتبني الأهرام وتجمع فيها الطعام ليأتيك الخلق من النواحي فيمتارون منك لحكمك" (٣). ابن كثير: وتقدم قوله. • دراسة المسألة: بعد التتبع والنظر في أقوال أهل العلم وما ذكره المفسرون في معنى خزائن الأرض في قوله تعالى حكاية عن يوسف ﵇: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ يتبين أن الصواب هو ما عليه أصحاب القول الأول من أن المراد من خزائن الأرض: أموال الأرض، وهي أرض مصر، دون تخصيص الخزائن بالأهرامات، وذلك من أوجه: الأول: أنه لم يؤثر عن السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أن المراد بالخزائن: الأهرامات، بل المأثور عن السلف في تفسير الخزائن: المعنى العام. فقد أخرج ابن جرير الطبري بسنده عن شيبة بن نعامة الضَّبِّيِّ في قوله: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾، يقول: على حفظ الطعام (٤). وأخرج عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾، قال:

стр. 790

كان لفرعون خزائنُ كثيرةٌ غير الطعام، فأسلم سلطانَه كُلَّه له، وجعل القضاء إليه؛ أمره، وقضاؤه نافِذ (١). وقال الربيع بن أنس: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ أي: على خراج مصر ودخلها (٢). وبنحو هذا العموم ذهب جمع من المفسرين من أن المراد بالخزائن: الأمكنة التي تخزن فيها الأموال والأطعمة، ونحو ذلك مما يحتاجه الناس (٣)، دون تخصيص المكان بالأهرامات. الثاني: من حيث المراد بالمعنى اللغوي للخزائن: فخزائن الأرض: ما تخرجه الأرض من ثمار الفاكهة والحبّ .. وسمّى ذلك خزائن الأرض، لأنها تخزنه في كيانها إلى أن يظهره الجهد الإنساني، ويكشف عنه، بالغرس، والسقي، وغير هذا، مما يحتاج إليه الزرع كي ينمو ويثمر (٤). وهذا المعنى يُنافي المراد من تخصيص الخزائن بالأهرامات لكونها ليست مكانًا مما تخرجه الأرض من ثمارها. الثالث: أن السبب في بناء الأهرام كما يقول المؤرخون ليس لجمع الأموال والغلات، وإنما السبب: لجعلها مدافن لملوك مصر. ففي كتاب (الأثر الجليل لقدماء وادي النيل): جميع الأهرام ليست إلا مقابر ملوكية آثر أصحابها أن يتميزوا بها بعد موتهم عن سائر الناس، كما تميزوا عنهم مدة حياتهم، وتوخّوا أن يبقى ذكرهم بسببها على تطاول الدهور، وتراخي العصور، وقد أجمع مؤرخو هذا العصر على أن الهرم الأكبر قبر للملك (خوفو) والثاني (خفرع) والثالث للملك (منقرع) وجميعهم من العائلة المنفيسية. ولا عبرة بقول من زعم أنها معابد أو مراصد

стр. 791

للكواكب، أو مدرسة للمعارف الكهنوتية، أو غير ذلك (١). تنبيه: الذي يظهر أن الحافظ ابن كثير استند في قوله على ما روي عن وهب بن منبه: أن يوسف ﵇ قال للملك: أرى أن تجمع الطعام وتزرع زرعا كثيرا في هذه السنين المخصبة، وتبني الأهراء والخزائن، فتجعل الطعام فيها بقصبه وسنبله (٢). فحصل عند الحافظ ﵀ خلط وتصحيف، فكتبها: الأهرام بدل الأهراء أو ظن بأنها الأهرام، وفرق بين الأهرام المعروفة والأهراء. فالأهراء: من الهروء: بيت ضخم واسع يجمع فيه طعام السلطان، والجمع الأهراء (٣). • النتيجة: يتبين من خلال ما تقدم ذكره في هذه المسألة من أقوال أهل العلم، أن الصواب فيها هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد من خزائن الأرض: أموال الأرض، وهي أرض مصر، دون تخصيص الأهرام، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.

стр. 792

١٣٢ - قوله تعالى: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣)﴾ [سورة يوسف: ٩٣]. قال القاسمي: وقد جوز في قوله: ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ أن يكون معناه يصير بصيرا، أو يجيء إلي بصيرا، على حقيقة الإتيان فـ (بصيرا) حال. قيل: ينصره قوله: ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي: بأبي وغيره، وفيه نظر، لأن اتحاد الفعلين هنا في المبنى لا يدل على اتحادهما في المعنى. ولا يقال: الأصل الحقيقة، لأن ذلك فيما يقتضيه السياق، ولا اقتضاء هنا. فالأول أرق وأبدع، لما فيه من التجانس (١). • أقوال أهل العلم في المراد من قوله تعالى: ﴿فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾: القول الأول: أن المراد: يصير بصيرا في الحال. القول الثاني: أن المراد: يجيء إليَّ -يعني إلى يوسف ﵇ بصيرا. أصحاب القول الأول: الفراء: " قوله: ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ أي: يرجع بصيرا" (٢). الطبري: " قوله: ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ يقول: يعد بصيرا " (٣). السمرقندي: " ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ أي: يعود إليه بصره" (٤). مكي بن أبي طالب: " ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾: أي: يعد بصيرا" (٥).

стр. 793

أصحاب القول الثاني: الماتريدي: "قوله: ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يصير بصيرًا على ما ذكرنا. والثاني: يأتيني بصيرًا" (١). الطيبي: " فإن قلت: أي الدليلين أظهر؛ قوله: ﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ أم ﴿وَأْتُونِي﴾؟ قلت: الثاني، لأنه أبلغ وأوجز وأقطع لحصول ما ترتب عليه إلقاء القميص" (٢). أبو حيان: "ومعنى: ﴿يَأْتِ﴾، يأتيني، وانتصب بصيرا على الحال" (٣). قال جمع من المفسرين: أراد يأتني بصيرًا، وكان قد دعاه: ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٤). • دراسة المسألة: المتأمل في كلام أهل العلم في هذه المسألة، وفي أقوال المفسرين في تفسير الآية، يجد أن كلا القولين له وجه من الصحة، وله قرينة تؤيده، إلا أن القول بأن المراد من قوله تعالى: ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ أي: يصير بصيرا، لعله يكون هو الأبلغ، والأقرب للصواب، وهو ما عليه أصحاب القول الأول، وذلك من أوجه: الأول: مما يدل على أن المراد من الإتيان في قوله تعالى: ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ الصيرورة، بأنه يصير بصيرا، أن الله تعالى وصف رد البصر إلى يعقوب ﵇ بأنه يأتي، ولم يصفه بالمجيء، وذلك أن حمل اللفظ على معنى الإتيان في هذا المقام أنسب من حمله على

стр. 794

معنى المجيء، وإن كان الإتيان معناه المجيء في اللغة (١). وذلك أن المجيء أعم من الإتيان، فالإتيان مجيء بسهولة، ويكون في بداية المجيء زمانيا أو مكانيا، وقد لا يتم فلا يكون مجيئا. والمجيء أيضًا يدل على الحدوث الفعلي، المحقق الواقع، معلوم التفاصيل، حدوث تقابل وتفاعل وحوار ومشاهدة وتأثير، بينما الاتيان يدل على الحدوث المستقبلي، المتوقع أو المطلوب ولما يقع بعد، أو الماضي مبهم التفاصيل. ومثال ذلك: قوله تعالى حكاية عن بني إسرائيل: ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ [سورة الأعراف: ١٢٩]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ﴾ [سورة يوسف: ٥٠] (٢). فدل هذا الفرق على أن المراد من قوله تعالى: ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ أي يصير بصيرا، لأن هذه الصيرورة كانت في بداية المجيء، ولم يتحقق المجيء إلى مصر ليوسف ﵇، حتى يكون المعنى: يجيء إليَّ بصيرا. وأيضًا: أن إخبار يوسف ﵇ بإتيان البصر لأبيه، المقصود به الإخبار بحدوث مستقبلي، ومما يُتوقع حصوله، وهو مما يدل على أن الأولى هو حمل اللفظ على معنى الإتيان، وليس المجيء، والله أعلم. الثاني: أن السبب من طلب يوسف ﵇ من إخوته أن يلقوا القميص على وجه أبيهم، المفاجأة بالبشرى، فُصبح بصيرا على الفور، ويمتلئ قلبه فرحا بخبر ابنه يوسف ﵇، وهذا هو المقصد من إلقاء القميص على وجهه، ولهذا سُمي يهوذا الذي ألقى القميص على وجه أبيه يعقوب ﵇ بالبشير، وأما المجيء إلى يوسف فهو يأتي تبعًا

стр. 795

لهذه البشارة، والله أعلم. أخرج ابن جرير الطبري بسنده عن السدي، قال: " قال يوسف: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ " قال يهوذا: أنا ذهبت بالقميص ملطخا بالدم إلى يعقوب فأخبرته أن يوسف أكله الذئب، وأنا أذهب اليوم بالقميص وأخبره أنه حي، فأفرحه كما أحزنته، فهو كان البشير " (١). الثالث: سياق الآيات الذي يدل على أن المراد من قوله تعالى: ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ أي يصير بصيرا، وذلك أن الله تعالى ذكر بعدها قوله: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ [سورة يوسف: ٩٦] (٢)، وكما هو معلوم أن الارتداد يكون على الفور وهو بمعنى الصيرورة، والله أعلم. الرابع: الشواهد اللغوية التي تدل على أن المراد من الإتيان في قوله تعالى: ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ أي: يصير بصيراً، كقولك: جاء البناء محكما، بمعنى: صار محكما (٣). تنبيهان: الأول: أورد الواحدي في تفسير قوله تعالى: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ قول ابن عباس ﵁: "يريد بصيرًا ويذهب البياض الذي على عينيه" (٤). ولم أقف على إسناد هذا القول عن ابن عباس ﵁، وإلا لو صح عنه لكان حجة في تقديمه على غيره، لكونه مأثورا عن صحابي دعا له النبي ﷺ بالفقه ومعرفة التأويل.

стр. 796

الثاني: أصحاب القول الثاني القائلين بأن المراد من قوله تعالى: ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾: يجيء إليَّ -يعني إلى يوسف ﵇ بصيرا. يؤيد ما ذهبوا إليه أن يوسف ﵇ دعا أبيه بأن يأتي إليه بقوله: ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾، وما ذهبوا إليه له حظ من النظر، إلا أن الأولى ما قررناه، والله أعلم. • النتيجة: من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الأقرب للصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد من قوله تعالى: ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ أي: يصير بصيرا، لما تقدم إيراده من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.

стр. 797

سورة الرعد

стр. 798

سورة الرعد ١٣٣ - قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٦)﴾ [سورة الرعد: ٦]. قال القاسمي: وعجب من الشهاب حيث وافق الرازي في دعواه: "إن تأخير العقاب لا يسمى مغفرة لأنه مخالف للظاهر، ولاستعمال القرآن. وللزومه كون الكفار كلهم مغفورا لهم لأجل تأخير عقابهم إلى الآخرة" (١)، ولا يخفاك صحة تسميته مغفرة لأنه في اللغة الستر. ومن أفراده الستر بالإمهال؟ ودعوى أنه مخالف للظاهر ولاستعمال القرآن، تحكم بحت على أسلوب القرآن، وبإرجاعه إلى ما أصلوه. مع أن التحاكم إليه في الفروع والأصول، وهو الحجة في اللغة والاستعمال! ودعوى فساد اللزوم وتهويل خطبه- فارغة، لأنه لا محذور في ذلك. لا سيما وهو المناسب لاستعجالهم العذاب المذكور قبل، فالتلازم صحيح! ثم من المقرر أن القرآن يفسر بعضه بعضا، فهذه الآية في معناها كآية ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ﴾ الآية [سورة فاطر: ٤٥]. فما ذكر من التأويل مؤيد بهذه الآية، فتفطن ولا تكن أسير التقليد! (٢). • أقوال أهل العلم في تأخير العذاب ودخوله في معنى المغفرة في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ﴾ (٣): القول الأول: أن تأخير العذاب يُسمى مغفرة، ويدخل في معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ﴾.

стр. 799

القول الثاني: أن تأخير العذاب لا يسمى مغفرة ولا يدخل في معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ﴾. أصحاب القول الأول: الكرماني: "المغفرة ها هنا تأخير العذاب إلى يوم الجزاء لا غفران الذنوب" (١). ابن عطية: "والظاهر من معنى «المغفرة» هنا إنما هو ستره في الدنيا وإمهاله للكفرة" (٢). ابن جزي: " ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ يريد ستره وإمهاله في الدنيا للكفار والعصاة، وقيل: يريد مغفرته لمن تاب، والأول أظهر هنا" (٣). ابن عاشور: "سياق الآية يدل على أن المراد بالمغفرة هنا التجاوز عن المشركين في الدنيا بتأخير العقاب لهم إلى أجل أراده الله أو إلى يوم الحساب" (٤). أصحاب القول الثاني: الرازي والشهاب الخفاجي: وتقدم قولهما. النيسابوري: "لا يقال: إن المراد من هذه المغفرة تأخير العقاب إلى الآخرة ليقع جوابا عن استعجالهم، أو المراد غفران الصغائر لمجتنب الكبائر، أو غفران الكبائر بشرط التوبة فإن تاب وإلا فهو شديد العقاب لأنا نقول: تأخير العقاب إلى الآخرة لا يسمى مغفرة وإلا كان غافرا للكفار" (٥).

стр. 800

• دراسة المسألة: ذكر القاسمي في تفسيره أن من أهل العلم من ذهب إلى أن المغفرة المراد بها معناها اللغوي. وهو الستر والصفح، بالإمهال وتأخير العقاب إلى الآخرة، أي: إنه ذو صفح عظيم لا يعاجل بالعقوبة. مع أنهم يظلمون ويخطئون بالليل والنهار. كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾، وهذا التأويل أنسب بالسياق الرهيب! (١). ثم تعقب على من اقتصر على معنى الستر والصفح الذي دلت عليه الآية، وأنكر أن يكون تأخير العذاب يدخل في عموم معنى المغفرة، وما ذهب إليه لعله هو الصواب، وهو ما عليه أصحاب القول الأول، وذلك من أوجه: الأول: من حيث سياق الآية: فقد ورد في ذكر الآية قوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ وذلك أن لفظ كلمة ﴿مَغْفِرَةٍ﴾ جاءت مُيَسَّرة ومُنَكّرة مقللة، وليس فيها مبالغة كما في قوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ [سورة طه: ٨٢] ونمط الآية يعطي هذا، ألا ترى حكمه عليهم بالنار، ثم قال: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ فلما ظهر سوء فعلهم وجب في نفس السامع تعذيبهم، فأخبر بسيرته في الأمم وأنه يمهل مع ظلم الكفر، ولم يرد في الشرع أن الله تعالى يغفر ظلم العباد (٢). وجملة ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ عطف على جملة ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾. وهذا كشف لغرورهم بتأخير العذاب عنهم لأنهم لما استهزأوا بالنبي ﷺ وتعرضوا لسؤال حلول العذاب بهم ورأوا أنه لم يعجل لهم حلوله اعترتهم ضراوة بالتكذيب وحسبوا تأخير العذاب عجزا من المتوعد وكذبوا بالنبيء ﷺ وهم يجهلون أن الله حليم يمهل عباده لعلهم يرجعون، فالمغفرة هنا مستعملة في المغفرة الموقتة، وهي التجاوز عن ضراوة تكذيبهم وتأخير العذاب إلى أجل (٣).

стр. 801

فدل هذا السياق أن تأخير العذاب على مشركو قريش من مغفرة الله تعالى، ولطفه ورحمته بهم، إذ لم يعاجلهم بالعقوبة. الثاني: نظائر الآية: فهذه الآية نظيرها قوله تعالى حكاية عن عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة المائدة: ١١٨] وذلك أنه قيل في تأويل الآية أن المراد: وإن تؤخر العذاب عنهم في الحال إلى الآخرة ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾؛ أي: المنتقم منهم في الآخرة، وتأخير العذاب يسمى مغفرة، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾. وأيضًا: قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾ [الكهف: ٥٨]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة إبراهيم: ٣٦] على ذلك، ولا شك أن القول الذي تؤيده آيات قرآنية مقدم على غيره (١). الثالث: أنه قد أُثر عن بعض من السلف ما يؤيد القول بأن المراد من المغفرة في الآية: تأخير العذاب. فروي عن مقاتل أنه قال: " ﴿مَغْفِرَةٍ﴾ يعنى ذو تجاوز لِلنَّاسِ ﴿عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ يعني على شركهم بالله في تأخير العذاب عنهم إلى وقت، يعني الكفار فإذا جاء الوقت عذبناهم بالنار، فذلك قوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ " (٢). وروي عن مجاهد أنه قال: "إنه لذو تجاوز عن شركهم في تأخير العذاب عنهم، وإنه لشديد العقاب إذا عاقب" (٣). فائدة: استنبط الزمخشري من قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [سورة الشورى: ٥] احتمالية أن يكون المراد من استغفار الملائكة للمشركين: الحلم عنهم وأن لا

стр. 802

يعاجلهم بالانتقام، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾، وهو استنباط جيد وبديع لمن تأمله، والله أعلم (١). تنبيهان: الأول: ما أخرجه ابن أبي حاتم بسنده عن سعيد بن المسيب قال: "لما نزلت هذه الآية وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب قال رسول الله ﷺ : "لولا عقوبة الله وتجاوزه ما هنأ أحد العيش ولولا وعيده وعقابه لا تكل كل أحد" (٢). لم يصح إسناده لأن آفته ابن جدعان وهو ضعيف (٣)، وابن ماهان لم يذكر بجرح أو تعديل (٤). الثاني: ما أورده جمع من المفسرين في تفسير الآية من أن المراد من المغفرة في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾: التوبة، والستر، والتجاوز عن الذنوب (٥)، من غير تنصيص على المراد بتأخير العذاب، لا يدل على إنكارهم لهذا المراد، لاحتمال أنهم اقتصروا على ذكر معنى المغفرة من حيث اللغة فقط، دون النظر في سياق الآية، والله أعلم. • النتيجة: يتبين من خلال ما تقدم ذكره في هذه المسألة، أن الأصوب من الأقوال: هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن تأخير العذاب على المشركين داخل في معنى المغفرة في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ﴾، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.

стр. 803

١٣٤ - قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠)﴾ [سورة الرعد: ١٠]. قال القاسمي بعد ذكر ما قيل في أوجه الصلة والموصول في الآية: وهناك وجه آخر وهو أن يكون الموصول محذوفا وصلته باقية والمعنى: ومن هو مستخف بالليل ومن سارب بالنهار … إلى أن قال: وهذا الأخير نقله الناصر في (الانتصاف) (١) وهو وجيه جدا. وأما تضعيف غيره له، بلزوم حذف الموصول وصدر الصلة معا، وأن النحاة، وإن ذكروا جواز كل منهما، لكن اجتماعهما منكر- فهو المنكر. لأن أسلوب التنزيل هو الحجة، وإليه التحاكم في كل فن ومحجة، والجمود على القواعد ورد ما خالفها، إليها- من التعصب واللجاج، والغفلة عن مقام التنزيل في الاحتجاج! (٢). • أقوال أهل العلم في حذف الموصول وصدر الصلة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾: القول الأول: أن الموصول (من)، وصدر الصلة - المبتدأ (هو) - في الآية كلاهما محذوف. وتقدير الآية: ومن هو سارب بالنهار. القول الثاني: أن القول بأن الموصول وصدر الصلة كلاهما محذوف، ضعيف. أصحاب القول الأول: الزجاج: " ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾. أي من هو مستتر بالليل، والليل أستر من النهار، ومن هو ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ " (٣).

стр. 804

السخاوي: " ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ﴾ تقديره: ومن هو سارب بالنهار" (١). قال بعض المفسرين: " تقدير الآية: ومن هو مستخف بالليل ومن هو سارب بالنهار" (٢). أصحاب القول الثاني: ظاهر قول الزمخشري: " فإن قلت: كان حق العبارة أن يقال: ومن هو مستخف بالليل ومن هو سارب بالنهار، حتى يتناول معنى الاستواء المستخفي والسارب، وإلا فقد تناول واحداً هو مستخف وسارب. قلت: فيه وجهان: أحدهما أنّ قوله: ﴿وَسَارِبٌ﴾ عطف على من هو مستخف، لا على مستخف، والثاني أنه عطف على مستخف، إلا أن ﴿وَمَنْ﴾ في معنى الاثنين" (٣). الخفاجي: " وأمّا الحمل على حذف الموصوف بتقدير ومن هو سارب فضعيف جداً لما فيه من حذف الموصول، وصدر الصلة فإنه، وإن ذكر النحاة جواز كل منهما لكن اجتماعهما منكر" (٤). الآلوسي: "وقيل: في الكلام موصول محذوف والتقدير ومن هو سارب، وهو ضعيف جدا لما فيه من حذف الموصول مع صدر الصلة" (٥). • دراسة المسألة: أورد القاسمي ﵀ في تفسيره بعضا من أوجه العطف والصلة في الآية التي ذكرها ممن سبقه من أهل العلم، وخلاصتها في أقوال: القول الأول: أن كلمة ﴿وَسَارِبٌ﴾ معطوفة على ﴿وَمَنْ﴾ وليست معطوفة على

стр. 805

﴿مُسْتَخْفٍ﴾ ويكون المعنى: سواء منكم من هو مستخف، وسواء منكم من هو سارب. أي: أن المستخف بالليل والسارب بالنهار سواء. القول الثاني: أن ﴿وَسَارِبٌ﴾ معطوفة على ﴿مُسْتَخْفٍ﴾ والمعنى: سواء منكم من هو مستخف بالليل وسارب، أي: هذا الرجل مستخف بالليل وسارب بالنهار، وهو اختيار السمين الحلبي (١). القول الثالث: أن الموصول محذوف: والمعنى: سواء منكم من هو مستخف بالليل ومن هو سارب بالنهار، ويكون المعنى: أن الذين يستخفون بالليل متساوون سواء، والساربون بالنهار سواء (٢)، وهو قريب من القول الأول، وهو الجدير بالذكر. ومن خلال النظر فيما ذكره المفسرون في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ عمومًا، وفي هذه المسألة خصوصًا، يظهر أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، من أنه يجوز أن يكون الموصول، وصدر الصلة في الآية كلاهما محذوف. ويكون تقدير الآية: ومن هو سارب بالنهار، وذلك من وجهين: الأول: أن حذف الموصول وصدر الصلة له نظائر من آيات أُخر، ومن ذلك قوله تعالى ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [سورة الأحقاف: ٩]. والأصل: ولا ما يفعل بكم. وإلا كان حرف النفي دخيلا في غير موضعه. لأن الجملة الثانية لو قدرت داخلة في صلة الأول بواسطة العاطف، لم يكن للنفي موقع وإنما صحب في الأول الموصول لا الصلة (٣). وكذا قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [سورة الصافات: ١٦٤] أي: إلا من له مقام معلوم (٤).

стр. 806

الثاني: الشواهد اللغوية والشعرية الدالة على جواز حذف الموصول وصدر الصلة، ومن ذلك: قول حسان ﵁: أَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْكُمْ … وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ؟! (١). أي: ومن يمدحه وينصره، فأضمر (من) (٢). من ذلك: قول القائل: أكرم من أتاك وأتى أباك، وأكرم من أتاك ولم يأت زيدا. تريد: ومن لم يأت زيدا، فيكتفي باختلاف الأفعال من إعادة (من) (٣). تنبيه: ما يذكره كثير من المفسرين لأوجه العطف في الآية، غير ما تقدم تقريره من جواز حذف الموصول وصدر الصلة، لا يدل على تضعيفهم لهذا الوجه، لاحتمال أنهم يرون تلك الأوجه أظهر، لا أن هذا الوجه ضعيف، والله أعلم. • النتيجة: يتبين من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الخلاف بينها ليس خلاف تضاد، فجميعها مؤداها واحد، إلا أن وصف القول الذي ذهب إلى أن الصلة وصدر الصلة محذوفان، وهو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول بأنه ضعيف، غير مُسلّم، لما تقدم إيراده من الوجهيْن الداليْن على ذلك، والله أعلم.

стр. 807

١٣٥ - قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤١)﴾ [سورة الرعد: ٤١]. قال القاسمي: يذكرون- هاهنا- رواية عن ابن عباس ومجاهد: أن نقصها من أطرافها هو موت علمائها وفقهائها وأهل الخير منها ..... إلى أن قال: ولا يخفاك أن هذا المعنى لا يذكره السلف تفسيرا للآية على أنه المراد منها، وإنما يذكرونه تهويلا لخطب موت العلماء بسبب أنهم أركان الأرض وصلاحها وكمالها وعمرانها، فموتهم نقص لها وخراب منها (١). • أقوال أهل العلم في المراد من نقص الأرض في قوله تعالى: ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ (٢): القول الأول: أن المراد: ظهور المسلمين على المشركين، بفتح الأرض بعد الأرض (٣). القول الثاني: أن المراد: موت أهلها وتخريب ديارهم وبلادهم، وهو قريب من القول الأول. القول الثالث: أن المراد: موت علمائها وفقهائها وأهل الخير منها (٤). أصحاب القول الأول: ابن عباس ﵁ في رواية: " ﴿أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ قال: «أولم يروا أنا نفتح لمحمد الأرض بعد الأرض» "، وبحو ذلك روي عن الضحاك، والحسن (٥).

стр. 808

الطبري: " أولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب قول من قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ بظهور المسلمين من أصحاب محمد ﷺ عليها، وقهرهم أهلها" (١). الزجاج: "أي أو لم يروا أنا قد فتحنا على المسلمين من الأرض ما قد تبين لهم، وهذا بيِّن" (٢). أصحاب القول الثاني: ابن عباس ﵁ في رواية: " ﴿أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ «نقصان أهلها وبركتها»، وبنحو ذلك روي عن مجاهد في رواية، وابن جريج، وعكرمة (٣). السخاوي: " ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ بنقصان أهلها وقلة بركتها" (٤). أصحاب القول الثالث: ابن عباس ﵁ في رواية: " ﴿أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ «ذهاب علمائها، وفقهائها، وخيار أهلها»، وبنحو ذلك روي عن مجاهد في رواية (٥). أبو عبيدة معمر: " ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ مجازه: ننقص من في الأرض ومن في نواحيها من العلماء والعباد" (٦). ابن قتيبة: " ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ أي بموت العلماء والعُبَّاد" (٧).

стр. 809

• دراسة المسألة: المتأمل والناظر فيما ذكره المفسرون من معنى نقصان الأرض في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾، يجد أن جميع الأقوال التي ظاهرها التعارض محتملة، إلا أن الأقرب للصواب لعله ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، وذلك من أوجه: الأول: من حيث سياق الآيات: وذلك أن الله توعد الذين سألوا رسوله الآيات من مشركي قومه بقوله: ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [سورة الرعد: ٤٠] ثم وبخهم تعالى ذكره بسوء اعتبارهم ما يعاينون من فعل الله بضربائهم من الكفار، وهم مع ذلك يسألون الآيات، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ بقهر أهلها، والغلبة عليها من أطرافها وجوانبها، وهم لا يعتبرون بما يرون من ذلك (١). الثاني: نظائر الآية: فهذه الآية نظيرها قوله تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [سورة الأنبياء: ٤٤]. والشاهد هو قوله تعالى: ﴿أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ أي: أفهؤلاء المشركون غالبونا؟ وقد رأوا قهرنا من أحللنا بساحته بأسنا في أطراف الأرضين؟ ليس ذلك كذلك، بل نحن الغالبون (٢). ومن نظائرها: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ [سورة الرعد: ٣١] على قول من قال: إن المراد

стр. 810

بالقارعة التي تصيبهم سرايا النبي ﷺ تفتح أطراف بلادهم، أو تحل أنت يا نبي الله قريبًا من دارهم (١). الثالث: أن القول بأن المراد من نقصان الأرض: ظهور المسلمين على المشركين، أوفق بالمقام، لأنه عبَّر في الآية بالإتيان المؤذن بعظيم الاستيلاء من الفخامة كما في قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [سورة الفرقان: ٢٣] (٢). فإن قيل: كيف يكون المراد: ما يفتحه الله من بلاد الكفار وهذه السورة مكية ولم يفتح الله على رسوله حينها شيء من بلاد الكفار؟ (٣). فالجواب: من وجهين: الوجه الأول: أنه قد قيل أن سورة الرعد مكية، وفيها آيات كثيرة مدنية، وأشبه آياتها بأن يكون مدنيا قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ (٤). وقد قيل أن سورة الأنبياء المكية، استُثني منها قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾، وعُدَّ من المدني (٥). الوجه الثاني: يُحتمل أن تكون الآية خطاب لأهل مكة: أي: أفلا يري كفار مكة ومن سار سيرهم في تكذيبك يا نبي الله، والكفر بما جئت به ﴿أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ أي بإهلاك الذين كذبوا الرسل كما أهلكنا قوم صالح وقوم لوط، وهم يمرون بديارهم. وكما أهلكنا قوم هود، وجعلنا سبأ أحاديث ومزقناهم كل ممزق كل ذلك بسبب تكذيب الرسل، والكفر بما جاءوا به، وهذا هو معنى قوله: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى﴾ كقوم صالح وقوم لوط وغيرهم (٦). فيكون المراد من ظهور المسلمين على
следующие страницы →