← Тафсир

Тафсир · id 30149

تعقبات جمال الدين القاسمي على من سبقه من خلال كتابه محاسن التأويل

عبد الرحمن الحسن

Полный текст (1 202 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

الثاني: الشواهد اللغوية والشعرية الدالة على جواز حذف الموصول وصدر الصلة، ومن ذلك: قول حسان ﵁: أَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْكُمْ … وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ؟! (١). أي: ومن يمدحه وينصره، فأضمر (من) (٢). من ذلك: قول القائل: أكرم من أتاك وأتى أباك، وأكرم من أتاك ولم يأت زيدا. تريد: ومن لم يأت زيدا، فيكتفي باختلاف الأفعال من إعادة (من) (٣). تنبيه: ما يذكره كثير من المفسرين لأوجه العطف في الآية، غير ما تقدم تقريره من جواز حذف الموصول وصدر الصلة، لا يدل على تضعيفهم لهذا الوجه، لاحتمال أنهم يرون تلك الأوجه أظهر، لا أن هذا الوجه ضعيف، والله أعلم. • النتيجة: يتبين من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الخلاف بينها ليس خلاف تضاد، فجميعها مؤداها واحد، إلا أن وصف القول الذي ذهب إلى أن الصلة وصدر الصلة محذوفان، وهو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول بأنه ضعيف، غير مُسلّم، لما تقدم إيراده من الوجهيْن الداليْن على ذلك، والله أعلم.

стр. 807

١٣٥ - قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤١)﴾ [سورة الرعد: ٤١]. قال القاسمي: يذكرون- هاهنا- رواية عن ابن عباس ومجاهد: أن نقصها من أطرافها هو موت علمائها وفقهائها وأهل الخير منها ..... إلى أن قال: ولا يخفاك أن هذا المعنى لا يذكره السلف تفسيرا للآية على أنه المراد منها، وإنما يذكرونه تهويلا لخطب موت العلماء بسبب أنهم أركان الأرض وصلاحها وكمالها وعمرانها، فموتهم نقص لها وخراب منها (١). • أقوال أهل العلم في المراد من نقص الأرض في قوله تعالى: ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ (٢): القول الأول: أن المراد: ظهور المسلمين على المشركين، بفتح الأرض بعد الأرض (٣). القول الثاني: أن المراد: موت أهلها وتخريب ديارهم وبلادهم، وهو قريب من القول الأول. القول الثالث: أن المراد: موت علمائها وفقهائها وأهل الخير منها (٤). أصحاب القول الأول: ابن عباس ﵁ في رواية: " ﴿أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ قال: «أولم يروا أنا نفتح لمحمد الأرض بعد الأرض» "، وبحو ذلك روي عن الضحاك، والحسن (٥).

стр. 808

الطبري: " أولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب قول من قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ بظهور المسلمين من أصحاب محمد ﷺ عليها، وقهرهم أهلها" (١). الزجاج: "أي أو لم يروا أنا قد فتحنا على المسلمين من الأرض ما قد تبين لهم، وهذا بيِّن" (٢). أصحاب القول الثاني: ابن عباس ﵁ في رواية: " ﴿أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ «نقصان أهلها وبركتها»، وبنحو ذلك روي عن مجاهد في رواية، وابن جريج، وعكرمة (٣). السخاوي: " ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ بنقصان أهلها وقلة بركتها" (٤). أصحاب القول الثالث: ابن عباس ﵁ في رواية: " ﴿أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ «ذهاب علمائها، وفقهائها، وخيار أهلها»، وبنحو ذلك روي عن مجاهد في رواية (٥). أبو عبيدة معمر: " ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ مجازه: ننقص من في الأرض ومن في نواحيها من العلماء والعباد" (٦). ابن قتيبة: " ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ أي بموت العلماء والعُبَّاد" (٧).

стр. 809

• دراسة المسألة: المتأمل والناظر فيما ذكره المفسرون من معنى نقصان الأرض في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾، يجد أن جميع الأقوال التي ظاهرها التعارض محتملة، إلا أن الأقرب للصواب لعله ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، وذلك من أوجه: الأول: من حيث سياق الآيات: وذلك أن الله توعد الذين سألوا رسوله الآيات من مشركي قومه بقوله: ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [سورة الرعد: ٤٠] ثم وبخهم تعالى ذكره بسوء اعتبارهم ما يعاينون من فعل الله بضربائهم من الكفار، وهم مع ذلك يسألون الآيات، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ بقهر أهلها، والغلبة عليها من أطرافها وجوانبها، وهم لا يعتبرون بما يرون من ذلك (١). الثاني: نظائر الآية: فهذه الآية نظيرها قوله تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [سورة الأنبياء: ٤٤]. والشاهد هو قوله تعالى: ﴿أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ أي: أفهؤلاء المشركون غالبونا؟ وقد رأوا قهرنا من أحللنا بساحته بأسنا في أطراف الأرضين؟ ليس ذلك كذلك، بل نحن الغالبون (٢). ومن نظائرها: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ [سورة الرعد: ٣١] على قول من قال: إن المراد

стр. 810

بالقارعة التي تصيبهم سرايا النبي ﷺ تفتح أطراف بلادهم، أو تحل أنت يا نبي الله قريبًا من دارهم (١). الثالث: أن القول بأن المراد من نقصان الأرض: ظهور المسلمين على المشركين، أوفق بالمقام، لأنه عبَّر في الآية بالإتيان المؤذن بعظيم الاستيلاء من الفخامة كما في قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [سورة الفرقان: ٢٣] (٢). فإن قيل: كيف يكون المراد: ما يفتحه الله من بلاد الكفار وهذه السورة مكية ولم يفتح الله على رسوله حينها شيء من بلاد الكفار؟ (٣). فالجواب: من وجهين: الوجه الأول: أنه قد قيل أن سورة الرعد مكية، وفيها آيات كثيرة مدنية، وأشبه آياتها بأن يكون مدنيا قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ (٤). وقد قيل أن سورة الأنبياء المكية، استُثني منها قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾، وعُدَّ من المدني (٥). الوجه الثاني: يُحتمل أن تكون الآية خطاب لأهل مكة: أي: أفلا يري كفار مكة ومن سار سيرهم في تكذيبك يا نبي الله، والكفر بما جئت به ﴿أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ أي بإهلاك الذين كذبوا الرسل كما أهلكنا قوم صالح وقوم لوط، وهم يمرون بديارهم. وكما أهلكنا قوم هود، وجعلنا سبأ أحاديث ومزقناهم كل ممزق كل ذلك بسبب تكذيب الرسل، والكفر بما جاءوا به، وهذا هو معنى قوله: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى﴾ كقوم صالح وقوم لوط وغيرهم (٦). فيكون المراد من ظهور المسلمين على

стр. 811

المشركين: المسلمين أتباع الأنبياء ﵈، والله أعلم. ويُحتمل أن يكون هذا المراد من باب الإخبار بالغيب، وقد تحقق، والله أعلم (١). تنبيهان: الأول: ما تعقب به القاسمي ﵀ على من يورد ما يُروى عن بعض من السلف من أن المراد من نقصان الأرض: موت العلماء، أنه ليس تفسيرا للآية، وإنما هو تهويل لخطب موت العلماء. ليس كما قال، فإن ما روي عن بعض من السلف بهذا المراد صريح بأنهم يُفسرون نقصان الأرض بموت العلماء. وقد روي عن عطاء بن أبي رباح في قول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ قال: "ذهاب فقهائها وخيار أهلها". قال أبو عمر بن عبد البر: "قول عطاء في تأويل الآية حسن جدا، تلقاه أهل العلم بالقبول" (٢). فدل هذا على أن هذا قول صريح في تفسير الآية، وليس كما يقول القاسمي ﵀. الثاني: ما أورده السيوطي ﵀ في تفسيره من حديث أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال في قوله: ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾: "ذهابُ العُلَماء" (٣). لم أقف على إسناده ليتبين إن كان صحيحًا أو ضعيفًا، وإلا لو صح لكان حجة قاطعة لأصحاب القول الثالث. • النتيجة: من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الراجح من أقوالهم والأقرب إلى الصواب: هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، من أن المراد من نقصان الأرض: ظهور المسلمين على المشركين، لما تقدم إيراده من الأوجه التي تؤيد ذلك، وأن القائلين بأن المراد: موت العلماء: يذكرونه أنه تفسير للآية، لا كما يقول القاسمي ﵀، والله أعلم.

стр. 812

١٣٦ - قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (٤٣)﴾ [سورة الرعد: ٤٣]. قيل: جعل هذا شهادة (وهو فعل والشهادة قول) على سبيل الاستعارة، لأنه يغني عن الشهادة بل هو أقوى. انتهى. قال القاسمي: ولا يخفى أن الشهادة أعم من القول والفعل. على أن المراد من تلك الحجج هي آيات القرآن والذكر الحكيم، وهي كلامه تعالى (١). • أقوال أهل العلم في المراد من الشهادة في قوله تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾: القول الأول: أن المراد من الشهادة: الفعل الذي يُغني عن القول، ومن شهادة الفعل: المعجزات. القول الثاني: أن الشهادة في الآية عامة في القول والفعل، ومن شهادة القول: آيات القرآن. أصحاب القول الأول: ظاهر قول الرازي: "المراد من تلك الشهادة أنه تعالى أظهر المعجزات الدالة على كونه صادقا في ادعاء الرسالة، وهذا أعلى مراتب الشهادة لأن الشهادة قول يفيد غلبة الظن بأن الأمر كذلك. أما المعجز فإنه فعل مخصوص يوجب القطع بكونه رسولا من عند الله تعالى، فكان إظهار المعجزة أعظم مراتب الشهادة" (٢). البيضاوي: " ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ فإنه أظهر من الأدلة على رسالتي

стр. 813

ما يغني عن شاهد يشهد عليها" (١). الآلوسي: " ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ فإنه جل وعلا قد أظهر على رسالتي من الأدلة والحجج ما فيه غنى عن شهادة شاهد آخر، وتسمية ذلك شهادة مع أنه فعل وهي قول مجاز من حيث إنه يغني غناها بل هو أقوى منها" (٢). أبو زهرة: " ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾، أي كفا الله شهيدا بيني وبينكم، فهو الحق وشهادته الحق، وليست شهادته كلاما يردد، ولكن شهادته معجزة تفحم، وقد جاءت الخوارق تترى بشهادة الحق في كل ما ترون من حياته" (٣). أصحاب القول الثاني: مقاتل: ﴿قُلْ﴾ لليهود: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ فلا شاهد أفضل من الله ﴿بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ بأنِّي نبي رسول" (٤). الطبري: " ﴿قُلْ﴾ لهم إذا قالوا ذلك: ﴿كَفَى بِاللَّهِ﴾ يقول: قل حسبي الله ﴿شَهِيدًا﴾ يعني شاهدا، ﴿بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ علي وعليكم بصدقي وكذبكم" (٥). ابن كثير: " ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أي: حسبي الله، وهو الشاهد علي وعليكم، شاهد علي فيما بلغت عنه من الرسالة، وشاهد عليكم أيها المكذبون فيما تفترونه من البهتان" (٦). السعدي: " ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ وشهادته بقوله وفعله وإقراره، أما

стр. 814

قوله: فبما أوحاه الله إلى أصدق خلقه مما يثبت به رسالته. وأما فعله فلأن الله تعالى أيد رسوله ونصره نصرا خارجا عن قدرته وقدرة أصحابه وأتباعه وهذا شهادة منه له بالفعل والتأييد. وأما إقراره، فإنه أخبر الرسول عنه أنه رسوله، وأنه أمر الناس باتباعه، فمن اتبعه فله رضوان الله وكرامته، ومن لم يتبعه فله النار والسخط وحل له ماله ودمه والله يقره على ذلك، فلو تقول عليه بعض الأقاويل لعاجله بالعقوبة" (١). • دراسة المسألة: بعد التتبع والنظر واستقراء ما ذكره أهل العلم والمفسرون في هذه المسألة، يتبين أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، من أن الشهادة في قوله تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾: عامة في القول والفعل، وذلك من أوجه: الأول: من حيث الظاهر: فالشهادة في الآية جاءت ردا على قولهم بإنكار الرسالة، وهو في قوله تعالى حكاية عنهم: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ والمعنى: كفى بالله شاهدا بيني وبينكم على مقالتكم، فتكون الشهادة على رد هذه المقالة عامة بالقول والفعل، والله أعلم. الثاني: الشواهد من الآيات القرآنية الدالة على أن المراد من الشهادة: شهادة القول. ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [سورة يس: ٣] وهو جواب لقول الكفار: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ (٢). والشاهد: أن الله تعالى أقسم بالقرآن الحكيم، الذي فيه الحجج الدالة على إثبات رسالة محمد ﷺ ، وهو يتضمن شهادة القول. الثالث: ما جاء في سبب نزول السورة الذي ظاهره يؤيد القول بأن الشهادة عامة بالقول والفعل.

стр. 815

قال مقاتل في تفسيره: قالت اليهود: لست مُرْسلا يا محمد، لم يبعثك الله رسولا فأنزل الله : ﴿قُلْ﴾ لليهود: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ يقول: ويشهد مَنْ عنده من عنده التوراة عبد الله بن سلام، فهو يشهد أنِّي نبي رسول مكتوب في التوراة" (١). ووجه الدلالة: أنه احتج عليهم بقول من عنده علم الكتاب وهو عبد الله بن سلام - على القول بأن الآية نزلت فيه- (٢)، فالله شهيد بقوله وفعله، وعبد الله بن سلام شهيد بقوله، والله أعلم. • النتيجة: يظهر من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الراجح هو هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن الشهادة في قوله تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ عامة في القول والفعل، لما تقدم إيراه من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم. * * *

стр. 816

سورة إبراهيم

стр. 817

سورة إبراهيم ١٣٧ - قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [سورة ابراهيم: ١٠]. قال القاسمي: (من) إما تبعيضية أي: بعض ذنوبكم وهو ما بينهم وبين الله تعالى دون المظالم، أو صلة، على مذهب الأخفش وغيره، من زيادتها في الإيجاب، أو للبدل أي: بدل عقوبة ذنوبكم، أو على تضمين (يغفر) معنى (يخلص). وادعى الزمخشري مجيئه بـ (من) هكذا في خطاب الكافرين دون المؤمنين في جميع القرآن. قال: وكان ذلك للتفرقة بين خطابين، ولئلا يسوى بين الفريقين في الميعاد (١). • أقوال أهل العلم في سبب مجيء (من) في قوله تعالى: ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾: القول الأول: أن (مِنْ) جاءت إما صلة على مذهب الأخفش (٢)، وإما تبعيضية، وإما بدل على مذهب سيبويه (٣)، ومن تبعه (٤). القول الثاني: أن (مِنْ) جاءت للتفرقة بين خطاب المؤمنين وخطاب الكافرين. أصحاب القول الأول: مكي بن أبي طالب: " والمعنى: يغفر لكم بعضها، إذ لا يأتي أحد يوم القيامة إلا

стр. 818

بذنب، إلا النبي محمدا ﷺ ، لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر في الدنيا" (١). البغوي: " ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ أي: ذنوبكم و ﴿مِنْ﴾ صلة" (٢). الخازن: " ﴿لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ يعني ليغفر لكم ذنوبكم إذا آمنتم وصدقتم وحرف ﴿مِنْ﴾ صلة وقيل: إنها أصل ليست بصلة، وعلى هذا إنه يغفر لهم ما بينهم وبينه من الكفر والمعاصي دون مظالم العباد" (٣). ابن عادل الحنبلي: " ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ أي: ذنوبكم و ﴿مِنْ﴾ صلة، وقيل: ﴿مِنْ﴾ تبعيضية، وقيل: بمعنى البدل، أي: بدل عقوبة ذنوبكم" (٤). أصحاب القول الثاني: الزمخشري: " فإن قلت: ما معنى التبعيض في قوله: ﴿مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾؟ قلت: ما علمته جاء هكذا إلا في خطاب الكافرين، كقوله ﴿وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [سورة نوح: ٤]، ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [سورة الأحقاف: ٣١] وقال في خطاب المؤمنين: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ إلى أن قال ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ وغير ذلك مما يقفك عليه الاستقراء، وكان ذلك للتفرقة بين الخطابين، ولئلا يسوى بين الفريقين في الميعاد " (٥). البيضاوي: " قيل جيء بـ ﴿مِنْ﴾ في خطاب الكفرة دون المؤمنين في جميع القرآن تفرقة بين الخطابين، ولعل المعنى فيه أن المغفرة حيث جاءت في خطاب الكفار مرتبة على

стр. 819

الإيمان وحيث جاءت في خطاب المؤمنين مشفوعة بالطاعة والتجنب عن المعاصي ونحو ذلك فتتناول الخروج عن المظالم" (١). الخفاجي: "وللتخصيص فائدة أخرى وهي التفرقة بين الخطابين بالتصريح بمغفرة الكل وإبقاء البعض في حق الكفرة مسكوتا عنه لئلا يتكلوا على الإيمان" (٢). • دراسة المسألة: من خلال الاستقراء والنظر فيما ذكره المفسرون في تفسير الآية، يظهر أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن: ﴿مِنْ﴾ من الآية: يجوز أن تكون تبعيضية، أو صلة أو بدل، وليس كما يقول الزمخشري ومن معه من أن ﴿مِنْ﴾ جيء بها للتفرقة بين خطاب المؤمنين وخطاب الكافرين، وذلك من وجهين: الأول: وجود نظائر أخرى من الآيات غير ما ذكره استشهد به الزمخشري، جاء فيها ذكر ﴿مِنْ﴾ في سياق خطاب المغفرة للمؤمنين. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [سورة الفتح: ٢]، فدل هذا على أن ﴿مِنْ﴾ ليست للتفرقة بين خطاب المؤمنين، وخطاب الكافرين. الثاني: مما يدل على أن الآية ليست لتخصيص أهل الكفر بالخطاب أنها دلت على أنه تعالى قد يغفر الذنوب من غير توبة في حق أهل الإيمان والدليل عليه أنه قال: ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ وعد بغفران بعض الذنوب مطلقا من غير اشتراط التوبة، فوجب أن يغفر بعض الذنوب مطلقا من غير التوبة وذلك البعض ليس هو الكفر لانعقاد الإجماع على أنه تعالى لا يغفر الكفر إلا بالتوبة عنه والدخول في الإيمان فوجب أن يكون البعض الذي يغفر له من غير التوبة هو ما عد الكفر من الذنوب (٣).

стр. 820

الثالث: أن معنى المغفرة مشترك بين المؤمنين والكافرين، فما فائدة الفرق في الخطاب والمعنى مشترك، إذ الكافر إذا آمن، والمؤمن إذا تاب مشتركان في الغفران وما تخيلت فيه مغفرة بعض الذنوب في الكافر الذي آمن هو موجود في المؤمن الذي تاب (١). تنبيهان: الأول: ما تعقب به الرازي ﵀ على الزمخشري بقوله: " وأما قول صاحب «الكشاف»: المراد تمييز خطاب المؤمن عن خطاب الكافر بمزيد التشريف فهو من باب الطامات، لأن هذا التبعيض إن حصل فلا حاجة إلى ذكر هذا الجواب، وإن لم يحصل كان هذا الجواب فاسدا" (٢). فيه نظر، لأن جواب المشركين في الآية ذُكر لاثبات عنادهم واعتراضهم وردهم لدعوة الرسل ﵈، وأن الخطاب من باب دعوة المشركين إلى التوبة، وليس لتحقق وقوعها من عدمه، والله أعلم. الثاني: ما قيل أن (مِنْ) في قوله تعالى: ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ زائدة، وهو ما ذهب إليه أبي عبيدة معمر بن المثنى وغيره (٣)، مردود، رده سيبويه (٤)، وقد تقدم التنبيه على عدم وجود الحروف الزائدة في القرآن الكريم (٥). • النتيجة: بعد عرض ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن (مِنْ) في قوله تعالى: ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ جاءت إما تبعيضية، وإما بدل، وليس للتفرقة بين خطاب المؤمنين وخطاب الكافرين، لما تقدم إيراده من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.

стр. 821

سورة الحجر

стр. 822

سورة الحجر ١٣٨ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [سورة الحجر: ٨٧]. قال القاسمي: روي عن بعض السلف تفسير السبع بالسور الطوال الأول، وهذا لم يقصد به. إلا أن اللفظ الكريم يتناولها، لا أنها هي المعنية. كيف لا وهذه السورة مكية وتلك مدنيات؟ كالقول بأنها الفاتحة سواء. وأما حديث: (الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته) عند الشيخين (١)، فمعناه أنها من السبع، لعطف قوله (والقرآن العظيم الذي أوتيته) ولو كان القصر على بابه، لناقضه لمعطوف. لاقتضائه أنها هو لا غيره. وبداهة بطلانه لا تخفى، ..... إلى أن قال: وللأثريّ الواقف مع ظاهر ما صح من الأخبار، الجازم بأن السبع في الآية هي الفاتحة لظاهر الحديث أن يجيب عن القصر بأن المراد بالمعطوف القرآن بمعنى المقروء، لا بمعنى الكتاب كله. والله أعلم (٢). • أقوال أهل العلم في المراد من السبع المثاني في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ (٣): القول الأول: أن المراد من السبع المثاني: سورة الفاتحة فحسب. القول الثاني: أن المراد من السبع المثاني: السبع الطوال.

стр. 823

أصحاب القول الأول: علي بن أبي طالب ﵁: «السبع المثاني: فاتحة الكتاب»، بنحو ذلك روي عن ابن عباس ﵁ في رواية، وابن مسعود ﵁ في رواية، وأبي بن كعب ﵁، والحسن، وغيرهم (١). الفراء: " ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ يعني فاتحة الكتاب وهي سبع آيات في قول أهل المدينة وأهل العراق" (٢). الواحدي: " ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ يعني: الفاتحة وهي سبع آيات وتثنى في كلِّ صلاة" (٣). ابن جزي: " ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ يعني: أم القرآن لأنها سبع آيات، وقيل: يعني السور السبع الطوال، والأول أرجح لوروده في الحديث" (٤). أصحاب القول الثاني: ابن عباس ﵁ في رواية: «السبع الطول»، وبنحو ذلك روي عن ابن مسعود ﵁ في رواية، وابن عمر ﵁، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وغيرهم (٥). الرازي: "اعلم أن قوله: ﴿آتَيْنَاكَ سَبْعًا﴾ يحتمل أن يكون سبعا من الآيات وأن يكون سبعا من السور وأن يكون سبعا من الفوائد. وليس في اللفظ ما يدل على التعيين" (٦). ابن كثير: "الحديث نص في أن الفاتحة السبع المثاني والقرآن العظيم، ولكن لا ينافي

стр. 824

وصف غيرها من السبع الطول بذلك، لما فيها من هذه الصفة، كما لا ينافي وصف القرآن بكماله بذلك أيضا" (١). السعدي: " ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ وهن على الصحيح السور السبع الطوال، أو أنها فاتحة الكتاب لأنها سبع آيات" (٢). • دراسة المسألة: من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم، واستقراء ما ذكره المفسرون في تفسير الآية، وما أوردوه من روايات في بيان معنى السبع المثاني، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد بالسبع المثاني هي سورة الفاتحة، وهو ما ذهب إليه القاسمي ﵀، وهو الذي عليه أكثر المفسرين (٣)، وذلك من أوجه: الأول: دلالة السنة الصحيحة الصريحة على هذا المراد في أحاديث أخرى غير ما تقدم، ولا قول لأحد من قول الرسول ﷺ : فقد روى البخاري بسنده من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الحمدُ لله أم القرآن وأم الكتاب، والسبعُ المثاني" (٤)، وعن أُبَي ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما أنزل اللَّه في التوراة والإنجيل مثل أم القرآن؛ وهي السبع المثاني، وهي مقسومة بيني وبين عبدي؛ ولعبدي ما سأل" (٥). يقول ابن العربي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ بعد أن ذكر الخلاف فيها: "يحتمل أن يكون السبع من السّور، ويحتمل أن يكون من الآيات؟ لكن النبي ﷺ قد كشف قناع الأشكال، وأوضح شعاع البيان؛ ففي الصحيح عند كل فريق ومن كل طريق أنها أمّ الكتاب، والقرآن العظيم - حسبما تقدم من قول النبي

стр. 825

ﷺ لأبي ابن كعب: «هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيت». وبعد هذا فالسبع المثاني كثير، والكلّ محتمل، والنصّ قاطع بالمراد، قاطع بمن أراد التكلف والعناد، وبعد تفسير النبي ﷺ فلا تفسير. وليس للمعترض إلى غيره إلا النكير. وقد كان يمكن لولا تفسير النبي ﷺ أن أحرّر في ذلك مقالا وجيزا، وأسبك من سنام المعارف إبريزا، إلا أنّ الجوهر الأغلى من عند النبي ﷺ أولى وأعلى" (١). الثاني: أنه قد نقل جمع غفير من أهل العلم ومن المفسرين الإجماع أن سورة الحجر مكية، وليست مدنية (٢)، فإذا ذُكر فيها السبع المثاني فلا شك أن المراد: سورة الفاتحة، لأن فرض الصلاة كان بمكة بلا خلاف، وهذا يدل على تقدم نزول الفاتحة على سورة الحجر إذ يبعد أن يمتن عليه بما لم ينزل بعد (٣). فإذا تقرر أن سورة الحجر مكية بالإجماع، وامتن الله تعالى على رسوله بإيتاء السبع المثاني التي ذُكرت فيها، فلا يُمكن حمل المعنى على السبع الطوال، إذ إن السبع الطوال سور مدنية كما هو معلوم (٤). الثالث: أن حمل المراد من السبع المثاني على سورة الفاتحة وتسميتها بذلك له أوجه، كما أن حمل المراد على السبع الطوال له أوجه. فسورة الفاتحة سُميت مثاني لأنها نزلت مرتين: مرة بمكة ومرة بالمدينة، أو لأنها تثنى في الصلاة، فتقرأ في كل ركعة، وقيل: لأن فيها الثناء على الله تعالى، أو لأنها مقسومة بين الله وبين العبد نصفين، نصفها ثناء ونصفها دعاء (٥). فهذه الأوجه تتفق طباقًا على سورة

стр. 826

الفاتحة وتسميتها بالسبع المثاني، والله أعلم. تنبيه: يُريد القاسمي ﵀ في تعقبه على من قال أن القصر على بابه في حديث" هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته" بأن العطف من باب المغايرة: ما أورده الرازي عن أبي بكر الأصم أنه قال: كان ابن مسعود يكتب في مصحفه فاتحة الكتاب رأى أنها ليست من القرآن. وأقول -يعني الرازي-: لعل حجته فيه أن السبع المثاني لما ثبت أنه هو الفاتحة. ثم/ إنه تعالى عطف السبع المثاني على القرآن، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه وجب أن يكون السبع المثاني غير القرآن (١). والجواب على هذا من وجهين: الوجه الأول: أن مثل هذا العطف وارد في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [سورة الأحزاب: ٧] وكذلك قوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [سورة البقرة: ٩٨]، ولم يقتضي المغايرة (٢). الوجه الثاني: أن سورة الفاتحة والسبع الطوال، من عطف العام على الخاص، لأن الفاتحة من بعض القرآن، فما وراءهن يطلق عليه اسم القرآن، لأنه اسم يقع على البعض كما يقع على الكل. ألا ترى إلى قوله: ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ يعني سورة يوسف (٣). • النتيجة: يتبين من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد بالسبع المثاني: سورة الفاتحة، لما تقدم إيراه من

стр. 827

الأوجه الدالة على ذلك، وأن العطف في حديث: "هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته"، من باب عطف العام على الخاص، وليس للمغايرة، والله أعلم.

стр. 828

سورة النحل

стр. 829

سورة النحل ١٣٩ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾ [سورة النحل: ١٢٦]. قال القاسمي بعد إيراده للروايات الواردة في سبب نزول الآية: أقول: بمعرفة ما قدمنا من معنى سبب النزول- في مقدمة التفسير- يعلم أن لا حاجة إلى الذهاب إلى أنها مدنية ألحقت بالسورة- ولا إلى ما روي من هذه الآثار. إذ به يتضح عدم التنافي. والتقاء الآثار مع الآية فتذكره (١). • أقوال أهل العلم في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ من حيث المكي والمدني: القول الأول: أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ من الآيات المكية. القول الثاني: أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ من الآيات المدنية. أصحاب القول الأول: ابن عباس ﵁ في رواية: "نزلت سورة النحل بمكة"، وبنحو ذلك روي عن الحسن، وعكرمة، وعطاء، وجابر (٢).

стр. 830

ابن قتيبة: "سورة النحل مكية كلها" (١). الواحدي: " سورة النحل مكية، وآياتها ثمان وعشرون ومائة" (٢). الحداد: " سورة النّحل مكّيّة، وهي سبعة آلاف وسبعمائة وسبعة أحرف، وألفان وثمانمائة وأربعون كلمة، ومائة وثمان وعشرون آية" (٣). أصحاب القول الثاني: ابن عباس ﵁ في رواية: "وسورة النحل نزلت بمكة فهي مكية سوى ثلاث آيات من آخرها فإنهن نزلن بين مكة والمدينة" (٤) وبنحو ذلك روي عن مقاتل، وقتادة، والشعبي (٥). الزجاج: " سورة النحل مكية ما سوى ثلاث آيات من آخرها فإنهن نزلن بين مكة والمدينة" (٦). الثعلبي: " سورة النحل مكية إلا قوله تعالى ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ " (٧). الزركشي: " سورة النحل مكية إلى قوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ

стр. 831

بِهِ﴾ والباقي مدني" (١). • دراسة المسألة: أورد القاسمي ﵀ في تفسيره ما روي في سبب نزول الآية - وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ من أن رسول الله ﷺ وقف على حمزة ابن عبد المطلب ﵁، حين استشهد. وقال: أما والله! على ذلك لأمثلن بسبعين كمثلتك، وغيرها من الروايات، التي بنى عليها المفسرون قولهم بأن سورة النحل مكية إلا هذه الآية. ثم أورد القاسمي ﵀ قول ابن كثير ﵀: بأن إسناد تلك الروايات فيه ضعف (٢)، فلم يرتضي أن تكون الآية من قبيل المدني. ومن خلال النظر واستقراء ما ذكره المفسرون وأهل العلم في هذه المسألة، يظهر أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن سورة النحل مكية إلا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ وهو الذي عليه أكثر المفسرين (٣)، وليس كما ذهب إليه القاسمي ﵀، وذلك من وجهين: الأول: ثبوت الروايات الصحيحة في سبب نزول الآية، الدالة على أن السورة مكية إلا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ ومن ذلك: ما أخرجه الترمذي والحاكم من حديث أبي بن كعب ﵁ أنه قال: لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلا، ومن المهاجرين ستة منهم حمزة، فمثلوا بهم، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا لنربين عليهم قال: فلما كان يوم فتح مكة، فأنزل الله تعالى

стр. 832

﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ فقال رجل: لا قريش بعد اليوم، فقال رسول الله ﷺ : «كفوا عن القوم إلا أربعة» (١). فإن قيل: أن الروايات الواردة في سبب نزول الآية في إسنادها كلام، أو ضعف بحسب ما تقدم من كلام ابن كثير ﵀، وما نص عليه النحاس في قوله: " فأما حديث أبي هريرة وابن عباس لما قتل حمزة رحمة الله عليه قال النبي ﷺ : «لأمثلن بسبعين منهم فنزلت ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾» فإسنادهما ضعيف" (٢). فالجواب: على التسليم بضعف إسناد هذه الروايات فإنها صالحة للسببية فإن الآثار الواردة عن السلف تعضدها وتقويها، مع موافقتها للسياق القرآني، واللَّه أعلم. الثاني: كما أن لهذه الآية نظائر من السور المكية فلها نظائر من السور المدنية، فهذه الآية نظيرها قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [سورة البقرة: ١٩٤] وسورة البقرة مدنية، وكذا قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [سورة المائدة: ٤٥] الآية، وقوله تعالى في سورة النساء: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ إلى قوله ﴿أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾ [سورة النساء: ١٤٩، ١٤٨]. من السور المدنية (٣). الثالث: مما يدل على أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ أشبه بالمدني؛ أن المسلمين لم يملكوا القدرة على العقاب إلا بعد الهجرة، وبعد أن أذن لهم بالقتال في قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ الآية. [سورة الحج: ٤٠] فبعد

стр. 833

الهجرة والإذن بالقتال يكون للعقاب موضع؛ إذ كانتا لهم القدرة، ويكون معنى الآية على هذا، وإن عوقبتم أي آذوكم على إيمانكم، وهاجموكم في دياركم وأموالكم، أو أردتم أن تأخذوا منهم حقكم على إيذاء آذوه فعاقبوهم بمثل ما آذوكم (١). تنبيه: من أهل العلم من اجتهد وقال بتكرار النزول في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ للجمع بين القولين (٢)، وهو قول حسن، ولكن الأظهر هو ما تقدم تقريره، وذلك أن استثناء بعض من الآيات في السور المكية، وعدها من المدني واقع في بعض من السور، كما هو معلوم، والقول بأن هذه الآية مستثناة من سورة النحل المكية لا يُفضي إلى تعارض وإشكال، والله أعلم. • النتيجة: بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، من أن سورة النحل مكية إلا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾ الآية، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.

стр. 834

سورة الإسراء

стр. 835

سورة الإسراء ١٤٠ - قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الإسراء: ١]. قال القاسمي: وجوز بعضهم أن يكون (أسرى) من (السراة) وهي الأرض الواسعة. وأصله من الواو. أسرى مثل أجبل وأتهم، أي ذهب به في سراة من الأرض، وهو غريب (١). • أقوال أهل العلم في المراد من الإسراء في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾: القول الأول: أن المراد: سار بعبده ليلا. القول الثاني: أن المراد: ذهب به في سراة من الأرض. أصحاب القول الأول: الطبري: " والإسراء والسرى: سير الليل. فمن قال: أسرى، قال: يسري إسراء، ومن قال: سرى، قال: يسري سرى" (٢). الزجاج: "وقوله: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ معناه سيَّر عبده، يقال أسريت وسريت إذا سرت ليلا" (٣). السمرقندي: " ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ أي: أدلج برسوله ﷺ ليلا أي: في ليلة. ويقال: أسرى يعني: سار بعبده ليلا" (٤).

стр. 836

السمعاني: " قوله: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ يقال: أسرى به إذا سيره ليلا، وكذا سرى به" (١). أصحاب القول الثاني: الراغب الأصفهاني: " ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾، أي: ذهب به في سراة من الأرض، وسراة كل شيء: أعلاه، ومنه: سراة النهار، أي: ارتفاعه" (٢). السمين الحلبي: " قيل: إن أسرى ليس من لفظ سرى، وإنما هو من لفظ السراة، وهي الأرض الواسعة، فقوله تعالى: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ ذهب به في سراة الأرض" (٣). الفيروز آبادي: "قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ أَي ذهب به في سَرَاة الأَرض، وهي الواسعة من الأَرض" (٤). • دراسة المسألة: بعد التتبع والنظر واستقراء ما ذكره المفسرون في معنى الإسراء في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ يتبين أن الصواب هو ما عليه أصحاب القول الأول من أن المراد من الإسراء: السير ليلا، وذلك من أوجه: الأول: نظائر الآية التي تدل على أن معنى الإسراء: السير بالليل، ومن ذلك قوله تعالى مخاطبا نبيه لوط ﵇: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ [سورة هود: ١٨] والسري: السير في الليل، والقطع من الليل: بعضه وهو مثل القطعة (٥).

стр. 837

وقوله تعالى مخاطبا موسى ﵇: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ [سورة الدخان: ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ [سورة الفجر: ٤] فالليل نفسه يسري، أي يسير متخفّيا في ظلام، مستترا به، لا ننكشف حركته للناس، مما يدل على أن الإسراء إنما يكون في الليل (١). الثاني: الشواهد الشعرية، واللغوية الدالة على أن السراة تكون بالليل، ومن ذلك قول أبو محمد الفقعسي (٢): وَلَيْلَةٍ ذَاتِ دُجًى سَرَيْتُ … وَلَمْ يَلِتْنِي عَنْ سُرَاهَا لَيْتُ (٣) أي: لم يمنعني عن سُراها مانع (٤). والمراد من السُّرَي: سير اللّيل، وكل شيء طرق ليلا فهو سارٍ. سَرَى يسري سُرىً وسَرْياً. والسّاريةُ من السَّحاب: التي تجيء بين الغادية والرّائحة ليلا، والعرب تؤنِّث السُّرَى، قال: هنّ الغِياثُ إذا تَهَوّلتِ السُّرَى، وسرى وأسرى، لغتان، وقرئ: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾. وسَرَى به وأَسرَى به سواء (٥). وأصل الفعل من السرّ، وهو ما خفي عن غير صاحبه من الأمور .. ولأن الليل يستر الناس، ويخفى شخوصهم وأفعالهم عن الناس (٦).

стр. 838

الثالث: الأحاديث الصحيحة الواردة في حادثة الإسراء التي دلت على أن الإسراء كان بالليل، ومن ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك ﵁ عن مالك بن صعصعة ﵁ «أن رسول الله ﷺ حدثهم عن ليلة أسري به: بينما أنا في الحطيم، وربما قال في الحجر، مضطجعا، إذ أتاني آت" الحديث (١). والشاهد هو قوله: " ليلة أسري به"، مما يدل على أن الإسراء يكون بالليل. فإن قيل: إن لو كان معنى الإسراء: السير بالليل خاصة، لما قيده في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ وإلا فلا حاجة للتقييد، مما يدل على أنه يجوز أن يكون في وقت غير الليل. فالجواب: أن التقييد باليل في قوله: ﴿لَيْلًا﴾ للتأكيد الدال على التعظيم، أو أن ﴿لَيْلًا﴾ للتنكير: لإفادة تقليل مدة الإسراء، وأنه أسرى به في بعض الليل (٢). • النتيجة: بعد ذكر ما تقدم من ذكر أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد من الإسراء في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ السير ليلا، لما تقدم إيراده من الأوجه التي تدل على ذلك، والله أعلم.

стр. 839

١٤١ - قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [سورة الإسراء: ٧٩]. قال ابن جرير: ذهب آخرون إلى أن ذلك المقام المحمود، الذي وعد الله نبيه ﷺ أن يبعثه إياه، هو أن يجلسه معه على عرشه، رواه ليث عن مجاهد. وقد شنع الواحديّ على القائل به، مع أنه رواه عن ابن مسعود أيضا وعبارته- على ما نقلها الرازيّ- وهذا قول رذل موحش فظيع، ونص الكتاب ينادي بفساد هذا التفسير (١). ثم قال القاسمي بعد إيراده لكلام الواحدي: وليته اطلع على ما كتبه ابن جرير حتى يمسك من جماح يراعه ويبصر الأدب مع السلف مع المخارج العلمية لهم (٢). • أقوال أهل العلم في تفسير مجاهد لقوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ وموقفهم منه: القول الأول: أن تفسير مجاهد لقوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ مردود. القول الثاني: أن تفسير مجاهد لقوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ مقبول. أصحاب القول الأول: ابن عبد البر: "وعلى هذا أهل العلم في تأويل قول الله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ أنه الشفاعة. وقد روى عن مجاهد أن المقام المحمود: أن يقعده معه

стр. 840

يوم القيامة على العرش. وهذا عندهم منكر في تفسير هذه الآية" (١). الواحدي: " وروي عن ابن مسعود أنه قال في هذه الآية: يقعده على العرش وهذا تفسير فاسد وقول رذل، وقول مجاهد: معه، قولٌ موحش فظيع، ونص الكتاب ينادي بفساد هذا التفسير" (٢). الذهبي: " فأما قضية قعود نبينا على العرش فلم يثبت في ذلك نص بل في الباب حديث واه وما فسر به مجاهد الآية كما ذكرناه فقد أنكر بعض أهل الكلام" (٣). ابن كثير: "ومثل هذا لا ينبغي قبوله إلا عن معصوم -يعني قول مجاهد-، ولم يثبت فيه حديث يعول عليه، ولا يصار بسببه إليه، وقول مجاهد في هذا المقام ليس بحجة بمفرده" (٤). أصحاب القول الثاني: الإمام أحمد: "حديث مجاهد "يقعد محمدا على العرش" قد تَلَقَّته العلماء بالقبول، نُسَلِّم الخبر كما جاء" (٥). أبو داود السجستاني (٦): "من أنكر هذا - يعني قول مجاهد (أن الله يُقعد محمدًا على عرشه) - فهو عندنا متهم، وقال: ما زال الناس يحدثون بهذا، يريدون مغايظة الجهمية، وذلك أن الجهمية ينكرون أن على العرش شيئا" (٧). الطبري: " ما قاله مجاهد من أن الله يقعد محمدا ﷺ على عرشه، قوله غير مدفوع

стр. 841

صحته. لا من جهة خبر ولا نظر. وذلك لأنه لا خبر عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من أصحابه، ولا عن التابعين، بإحالة ذلك" (١). الثعلبي: "عن مجاهد في قوله : ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ قال: يجلسه على العرش، قلت: وهذا تأويل غير مستحيل؛ لأن الله تعالى كان قبل خلقه الأشياء قائما بذاته، ثم خلق الأشياء من غير حاجة له إليها، بل إظهارا لقدرته وحكمته … إلخ" (٢). • دراسة المسألة: بعد التتبع والنظر في أقوال أهل العلم وما ذكره المفسرون في المراد من قول مجاهد في تفسير الآية يتبين أن ما نُسب إلى ابن مسعود ﵁، ومجاهد، وغيرهما من أنهما فسَّرا قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ أن الله تعالى يقعد محمدا ﷺ على عرشه، لم يصح إسناده. فقد ذكر الذهبي في كتابه: العلو روايات عديدة عن جمع من السلف كالنبي ﷺ ، وابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وعبد الله بن سلام في تفسير قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ أنهم يقولون أن الله تعالى يُقعد نبيه ﷺ على العرش، ويحكم على هذه الروايات بالضعف في إسنادها (٣). وقد روي عن مجاهد بإسناد صحيح أنه فسَّر المقام المحمود في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ فقال: «شفاعة محمد ﷺ » (٤).

стр. 842

ولا شك أن تفسير قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ بقعود النبي ﷺ على العرش، مردود -على فرض صحته- وهو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، وذلك من أوجه: الأول: أنه مخالف لدلالة السنة التي نصت على أن المراد من المقام المحمود: الشفاعة، فقد روى الترمذي في سننه بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ سُئل عن قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ فقال: «هي الشفاعة» (١). وروى الطبري في تفسيره عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ قال: «هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي» (٢). ولا شك أن تفسير النبي ﷺ مقدم على غيره، فالكتاب عليه أنزل، وهو أعلم بكتاب الله من غيره. الثاني: أنه مخالف لما أجمع عليه المفسرون من أن المراد من قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ الشفاعة (٣). قال ابن عبد البر: "تأويل قول الله ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ المقام المحمود هو شفاعته في المذنبين من أمته ولا أعلم في هذا مخالفا إلا شيئاً رويته عن مجاهد ذكرته في التمهيد وقد روي عنه خلافه على ما عليه الجماعة فصار إجماعاً منهم والحمد لله" (٤).

стр. 843

وهذا التأويل عليه جماعة من السلف كابن مسعود في رواية، وحذيفة بن اليمان، وابن عمر، وسلمان الفارسي، وجابر بن عبد الله، والحسن، ورواية عن مجاهد (١). الثالث: أن المتقرر في أصول التفسير وعند أهل العلم أنه إذا لم نجد التفسير في القرآن، ولا في السنة، ولا عند الصحابة، فعندئذ نرجع إلى تفسير التابعين، وأقوال التابعين ليست حجة على أقوال غيرهم ممن خالفهم وسبقهم من الصحابة (٢). وتفسير المقام المحمود بالشفاعة جاء عن النبي ﷺ ، وعن الصحابة، وجماعة من التابعين مما يُغني عن الرجوع إلى تفسير التابعي. الرابع: أن النبي ﷺ سُئل عن المقام المحمود كما تقدم فقال: هي الشفاعة ولم يذكر الإقعاد، ومن المتقرَّر في الأصول أنَّه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، والحاجةُ في النُّصوص الاعتقادية هي وقت الخطاب (٣). الخامس: أن مثل هذه المسائل تعد من الأمور الغيبية التي لا مجال للرأي فيها، وتحتاج إلى نصوص صحيحة من الوحييْن، أو قول من صحابي ليكون له حكم الرفع، إن لم يثبت ما يُخالفه، فكيف إذا جاء الأثر عن تابعي قد ثبت ما يُخالفه. تنبيهات: الأول: ما تعقب به الواحدي ﵀ على ما روي عن ابن مسعود ﵁ ومجاهد في تأويل الآية من غير تثبت في صحة ما روي عنهما، ووصف أقوالهما بالفساد والفظاعة، من التسرع والعجلة في الحكم، ومثل هذه الأوصاف غير لائقة بأهل الفضل لاسيما خير الناس بعد النبي ﷺ كالصحابة والتابعين.

стр. 844

وإلا فما عساه إن وقف على ما أخرجه القاضي أبي يعلى بإسناده عن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ قال: يُجلسه معه على السرير (١)، دون أن يتثبت في صحة إسناده، فهل سيصف قول النبي ﷺ مثل ما وصف قول مجاهد؟! الثاني: أن الواحدي ذكر أوجهًا لبطلان قول من قال بأن المراد من قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ بقعود النبي ﷺ على العرش: الوجه الأول: أن البعث ضد الإجلاس يقال بعثت النازل والقاعد فانبعث ويقال بعث الله الميت أي أقامه من قبره فتفسير البعث بالإجلاس تفسير للضد بالضد وهو فاسد. والوجه الثاني: أنه تعالى قال مقاما محمودا ولم يقل مقعدا والمقام موضع القيام لا موضع القعود. والوجه الثالث: لو كان تعالى جالسا على العرش بحيث يجلس عنده محمد ﵊ لكان محدودا متناهيا ومن كان كذلك فهو محدث. والوجه الرابع: يقال إن جلوسه مع الله على العرش ليس فيه كثير إعزاز لأن هؤلاء الجهال والحمقى يقولون في كل أهل الجنة إنهم يزورون الله تعالى وإنهم يجلسون معه وإنه تعالى يسألهم عن أحوالهم التي كانوا فيها في الدنيا وإذا كانت هذه الحالة حاصلة عندهم لكل المؤمنين لم يكن لتخصيص محمد ﷺ بها مزيد شرف ورتبة. والوجه الخامس: أنه إذا قيل السلطان بعث فلانا فهم منه أنه أرسله إلى قوم لإصلاح مهماتهم ولا يفهم منه أنه أجلسه مع نفسه فثبت أن هذا القول كلام رذل ساقط لا يميل إليه إلا إنسان قليل العقل عديم الدين والله أعلم (٢).

стр. 845

وهذه الأوجه أجاب عنها القاسمي ﵀ فقال: "لك أن تجيب أيضا عن إيرادات الواحديّ الخمسة، التي أفسد بها قول مجاهد. أما جواب إيراده الأول: فإن مجاهدا لم يفسر مادة البعث وحدها بالاجلاس. وإنما فسر بعثه المقام المحمود بما ذكر. وعن الثاني: بأن المقام هو المنزلة والقدرة والرفعة، معروف ذلك في اللغة. وعن الثالث: بدفع اللازم المذكور، لأنه كما اتفق على أن له ذاتا لا تماثلها الذوات فكذلك كل ما يوصف به مما ورد في الكتاب والآثار، فإنه لا يماثل الصفات. ولا يجوز قياس الخالق على المخلوق. وعن الرابع: بأنه مكابرة. إذ كل أحد يعرف- في الشاهد- لو أن ملكا استدعى جماعة للحضور لديه، ورفع أفضلهم على عرشه، أن المرفوع ذو مقام يفوق به الكل. وعن الخامس: بأنه من واد آخر غير ما نحن فيه، إذ لا بعث لإصلاح المهمات في الآخرة، وإنما معنى الآية: إنه يرفعك مقاما محمودا. وذلك يصدق على ما قاله مجاهد وما قال الأكثر. فتأمل وأنصف" (١). الثالث: احتج القاسمي ﵀ لما ذهب إليه بقول ابن جرير الطبري المتقدم، ولا يسع المقام إلى إيراده بطوله، والعجيب أن الطبري -مع ترجيحه لقول الجمهور- لم يستنكر هذا القول، بل قال: إن ما قاله مجاهد قول غير مدفوع صحته، لا من جهة خبر ولا نظر، وذلك لأنه لا خبر عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من أصحابه، ولا عن التابعين بإحالة ذلك (٢). وقوله مردود من وجهين: الوجه الأول: أن عدم ورود الخبر عن المعصوم بذلك يكفي لإبطال هذا القول لا العكس، ولأن هذا الخبر من الأخبار الغيبية التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالنص، ولا نص هنا
следующие страницы →