← Тафсир

Тафсир · id 30149

تعقبات جمال الدين القاسمي على من سبقه من خلال كتابه محاسن التأويل

عبد الرحمن الحسن

Полный текст (1 202 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

صحته. لا من جهة خبر ولا نظر. وذلك لأنه لا خبر عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من أصحابه، ولا عن التابعين، بإحالة ذلك" (١). الثعلبي: "عن مجاهد في قوله : ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ قال: يجلسه على العرش، قلت: وهذا تأويل غير مستحيل؛ لأن الله تعالى كان قبل خلقه الأشياء قائما بذاته، ثم خلق الأشياء من غير حاجة له إليها، بل إظهارا لقدرته وحكمته … إلخ" (٢). • دراسة المسألة: بعد التتبع والنظر في أقوال أهل العلم وما ذكره المفسرون في المراد من قول مجاهد في تفسير الآية يتبين أن ما نُسب إلى ابن مسعود ﵁، ومجاهد، وغيرهما من أنهما فسَّرا قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ أن الله تعالى يقعد محمدا ﷺ على عرشه، لم يصح إسناده. فقد ذكر الذهبي في كتابه: العلو روايات عديدة عن جمع من السلف كالنبي ﷺ ، وابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وعبد الله بن سلام في تفسير قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ أنهم يقولون أن الله تعالى يُقعد نبيه ﷺ على العرش، ويحكم على هذه الروايات بالضعف في إسنادها (٣). وقد روي عن مجاهد بإسناد صحيح أنه فسَّر المقام المحمود في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ فقال: «شفاعة محمد ﷺ » (٤).

стр. 842

ولا شك أن تفسير قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ بقعود النبي ﷺ على العرش، مردود -على فرض صحته- وهو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، وذلك من أوجه: الأول: أنه مخالف لدلالة السنة التي نصت على أن المراد من المقام المحمود: الشفاعة، فقد روى الترمذي في سننه بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ سُئل عن قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ فقال: «هي الشفاعة» (١). وروى الطبري في تفسيره عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ قال: «هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي» (٢). ولا شك أن تفسير النبي ﷺ مقدم على غيره، فالكتاب عليه أنزل، وهو أعلم بكتاب الله من غيره. الثاني: أنه مخالف لما أجمع عليه المفسرون من أن المراد من قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ الشفاعة (٣). قال ابن عبد البر: "تأويل قول الله ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ المقام المحمود هو شفاعته في المذنبين من أمته ولا أعلم في هذا مخالفا إلا شيئاً رويته عن مجاهد ذكرته في التمهيد وقد روي عنه خلافه على ما عليه الجماعة فصار إجماعاً منهم والحمد لله" (٤).

стр. 843

وهذا التأويل عليه جماعة من السلف كابن مسعود في رواية، وحذيفة بن اليمان، وابن عمر، وسلمان الفارسي، وجابر بن عبد الله، والحسن، ورواية عن مجاهد (١). الثالث: أن المتقرر في أصول التفسير وعند أهل العلم أنه إذا لم نجد التفسير في القرآن، ولا في السنة، ولا عند الصحابة، فعندئذ نرجع إلى تفسير التابعين، وأقوال التابعين ليست حجة على أقوال غيرهم ممن خالفهم وسبقهم من الصحابة (٢). وتفسير المقام المحمود بالشفاعة جاء عن النبي ﷺ ، وعن الصحابة، وجماعة من التابعين مما يُغني عن الرجوع إلى تفسير التابعي. الرابع: أن النبي ﷺ سُئل عن المقام المحمود كما تقدم فقال: هي الشفاعة ولم يذكر الإقعاد، ومن المتقرَّر في الأصول أنَّه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، والحاجةُ في النُّصوص الاعتقادية هي وقت الخطاب (٣). الخامس: أن مثل هذه المسائل تعد من الأمور الغيبية التي لا مجال للرأي فيها، وتحتاج إلى نصوص صحيحة من الوحييْن، أو قول من صحابي ليكون له حكم الرفع، إن لم يثبت ما يُخالفه، فكيف إذا جاء الأثر عن تابعي قد ثبت ما يُخالفه. تنبيهات: الأول: ما تعقب به الواحدي ﵀ على ما روي عن ابن مسعود ﵁ ومجاهد في تأويل الآية من غير تثبت في صحة ما روي عنهما، ووصف أقوالهما بالفساد والفظاعة، من التسرع والعجلة في الحكم، ومثل هذه الأوصاف غير لائقة بأهل الفضل لاسيما خير الناس بعد النبي ﷺ كالصحابة والتابعين.

стр. 844

وإلا فما عساه إن وقف على ما أخرجه القاضي أبي يعلى بإسناده عن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ قال: يُجلسه معه على السرير (١)، دون أن يتثبت في صحة إسناده، فهل سيصف قول النبي ﷺ مثل ما وصف قول مجاهد؟! الثاني: أن الواحدي ذكر أوجهًا لبطلان قول من قال بأن المراد من قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ بقعود النبي ﷺ على العرش: الوجه الأول: أن البعث ضد الإجلاس يقال بعثت النازل والقاعد فانبعث ويقال بعث الله الميت أي أقامه من قبره فتفسير البعث بالإجلاس تفسير للضد بالضد وهو فاسد. والوجه الثاني: أنه تعالى قال مقاما محمودا ولم يقل مقعدا والمقام موضع القيام لا موضع القعود. والوجه الثالث: لو كان تعالى جالسا على العرش بحيث يجلس عنده محمد ﵊ لكان محدودا متناهيا ومن كان كذلك فهو محدث. والوجه الرابع: يقال إن جلوسه مع الله على العرش ليس فيه كثير إعزاز لأن هؤلاء الجهال والحمقى يقولون في كل أهل الجنة إنهم يزورون الله تعالى وإنهم يجلسون معه وإنه تعالى يسألهم عن أحوالهم التي كانوا فيها في الدنيا وإذا كانت هذه الحالة حاصلة عندهم لكل المؤمنين لم يكن لتخصيص محمد ﷺ بها مزيد شرف ورتبة. والوجه الخامس: أنه إذا قيل السلطان بعث فلانا فهم منه أنه أرسله إلى قوم لإصلاح مهماتهم ولا يفهم منه أنه أجلسه مع نفسه فثبت أن هذا القول كلام رذل ساقط لا يميل إليه إلا إنسان قليل العقل عديم الدين والله أعلم (٢).

стр. 845

وهذه الأوجه أجاب عنها القاسمي ﵀ فقال: "لك أن تجيب أيضا عن إيرادات الواحديّ الخمسة، التي أفسد بها قول مجاهد. أما جواب إيراده الأول: فإن مجاهدا لم يفسر مادة البعث وحدها بالاجلاس. وإنما فسر بعثه المقام المحمود بما ذكر. وعن الثاني: بأن المقام هو المنزلة والقدرة والرفعة، معروف ذلك في اللغة. وعن الثالث: بدفع اللازم المذكور، لأنه كما اتفق على أن له ذاتا لا تماثلها الذوات فكذلك كل ما يوصف به مما ورد في الكتاب والآثار، فإنه لا يماثل الصفات. ولا يجوز قياس الخالق على المخلوق. وعن الرابع: بأنه مكابرة. إذ كل أحد يعرف- في الشاهد- لو أن ملكا استدعى جماعة للحضور لديه، ورفع أفضلهم على عرشه، أن المرفوع ذو مقام يفوق به الكل. وعن الخامس: بأنه من واد آخر غير ما نحن فيه، إذ لا بعث لإصلاح المهمات في الآخرة، وإنما معنى الآية: إنه يرفعك مقاما محمودا. وذلك يصدق على ما قاله مجاهد وما قال الأكثر. فتأمل وأنصف" (١). الثالث: احتج القاسمي ﵀ لما ذهب إليه بقول ابن جرير الطبري المتقدم، ولا يسع المقام إلى إيراده بطوله، والعجيب أن الطبري -مع ترجيحه لقول الجمهور- لم يستنكر هذا القول، بل قال: إن ما قاله مجاهد قول غير مدفوع صحته، لا من جهة خبر ولا نظر، وذلك لأنه لا خبر عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من أصحابه، ولا عن التابعين بإحالة ذلك (٢). وقوله مردود من وجهين: الوجه الأول: أن عدم ورود الخبر عن المعصوم بذلك يكفي لإبطال هذا القول لا العكس، ولأن هذا الخبر من الأخبار الغيبية التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالنص، ولا نص هنا

стр. 846

بهذا، بل النصوص متضافرة على أنه الشفاعة (١). الوجه الثاني: أن الأخبار التي اعتمد عليها الطبري في تسويغ الجلوس لا تثبت؛ كما تقدمت الإشارة إلى ذلك. • النتيجة: ينتج من خلال ما تقدم ذكره في هذه المسألة من أقوال وأوجه وتنبيهات أربع نتائج: الأولى: أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن قول مجاهد في تفسير المقام المحمود، مردود، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك. الثانية: أن قول الواحدي الذي تعقبه القاسمي بوصفه لقول ابن مسعود ﵁، ومجاهد، بأنه قول رذل موحش فظيع، فيه سوء أدب مع أهل العلم والفضل. الثالثة: أن الأوجه التي ذكرها الواحدي في معرض رده على قول مجاهد ليس لها حظ من النظر، والحق أن القاسمي أجاب عليها بأوجه تُبين بطلانها. الرابعة: أن قول ابن جرير الطبري الذي احتج به القاسمي لعدم استنكار قول مجاهد في تفسير الآية، لا يُسَلّم به، وقد تقدم بيان عدم صحته، والله أعلم. * * *

стр. 847

سورة الكهف

стр. 848

سورة الكهف ١٤٢ - قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ [سورة الكهف: ٩]. قال القاسمي: (أم) للاستفهام التقريري بمعنى الهمزة. أي أنهم من بين آياتنا آية عجيبة. وجَعلُها منقطعة مقدرة بـ (بل والهمزة، والاستفهام للإنكار) - أي إنكار حسبانهم آية عجيبة بالنسبة إلى آياته الكبرى- فيه بعد. لأن سياق النظم الكريم، أعني سوقها مفصلة منوها بها، ما هو إلا لتقرير التعجب منها (١). • أقوال أهل العلم في نوع الاستفهام في قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾: القول الأول: أن الاستفهام للتقرير، للإثبات أن أصحاب الكهف آية من آيات الله. القول الثاني: أن الاستفهام للإنكار، أي إنكار حسبانهم آية عجيبة بالنسبة إلى آياته الكبرى. أصحاب القول الأول: مجاهد: "قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ كانوا يقولون هم عجب" (٢). ومعنى كلامه: هم عجب، وليس هو على طريقة الإنكار عنده (٣). الزهراوي (٤): " تحتمل الآية معنى آخر، وهو أن تكون استفهاما له، هل عَلِمَ أن

стр. 849

أصحاب الكهف كانوا عجبا، بمعنى إثبات أنهم عجب، وتكون فائدة تقريره جمع نفسه للأمر، لأن جوابه أن يقول: لم أحسب ذلك، ولا علمته" (١). الطيبي: " إن حُمل -يعني: الاستفهام في (أم) - على التنبيه أفاد التقرير، أي: هم عجبٌ من آياتنا فاعلمه، ولعل هذا أقرب؛ لأن الإضراب عن الكلام الأول إنما يحسن إذا كان الكلام الثاني أغرب وأحسن ليحصل الترقي" (٢). أصحاب القول الثاني: الطبري: "يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : ﴿أَمْ حَسِبْتَ﴾ يا محمد ﴿أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾، فإن ما خلقت من السماوات والأرض، وما فيهن من العجائب أعجب من أمر أصحاب الكهف" (٣). النحاس: " ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾ أي أبل حسبت أنهم كانوا من آياتنا عجبا وفي آيات الله مما ترى أعجب منهم" (٤). الثعلبي: " يعني: أظننت يا محمد، ﴿أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾، يعني: ليسوا أعجب آياتنا فإن ما خلقت من السموات والأرضين وما فيهن من العجائب أعجب منهم" (٥). مكي بن أبي طالب: "أم: هنا بمعنى: بل. والمعنى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ﴾ يا محمد ﴿أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾. فإن ما خلقت من السموات والأرض وما فيهن من العجائب أعجب من أصحاب الكهف" (٦).

стр. 850

• دراسة المسألة: بعد النظر والتأمل واستقراء ما ذكره المفسرون في هذه المسألة، يظهر أن الأقرب للصواب، هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن الاستفهام في قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾ للإنكار، وذلك من وجهين: الأول: أنه قد وقع في القرآن مثل هذا الاستفهام، كقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [سورة البقرة: ٢١٤]، وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [سورة آل عمران: ١٤٢]، وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ [سورة التوبة: ١٦]، وكما هو معلوم أن الاستفهام في جميع هذه الآي للاستنكار، وجميعها في استنكار الحسبان، وليست للتقرير، فكذا في هذه الآية، والله أعلم. وكثير من الآيات التي جاءت في سياق العجب للاستنكار، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [سورة الصافات: ١٢]، أَي عجبتَ من إِنكارهم البعث لشدّة تحقّقك بمعرفته، وقوله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا﴾ [سورة يونس: ٢]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [سورة ص: ٥] أَي: عجيب (١). الثاني: أنه قد ورد عن جماعة من السلف ما يُفيد أن الاستفهام للاستنكار وليس للتقرير. فقد أخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس ﵁ في قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ يقول: الذي آتيتك من العلم والسنة والكتاب أفضل من شأن"، ونحو هذا روي عن قتادة، وابن إسحاق (٢).

стр. 851

الثالث: الروايات الواردة في تفسير الآية التي تدل على أن الاستفهام للاستنكار: ومن ذلك: أن الكفار لما سألوا رسول الله ﷺ عن قصة فتية ذهبوا فلم يعرف لهم خبر، وتوهموا أن تلك القصة من أعجب ما يكون وأغربه، فأنكر الله ذلك بقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ (١). ومما يدل على هذا الاستنكار أن الآية فيها تعريض بغفلة الذين طلبوا من النبي ﷺ بيان قصة أهل الكهف لاستعلام ما فيها من العجب، بأنهم سألوا عن عجيب وكفروا بما هو أعجب، وهو انقراض العالم، فإنهم كانوا يعرضون عن ذكر فناء العالم ويقولون: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [سورة الجاثية: ٢٤] (٢). الرابع: من حيث مناسبة الآية لما قبلها: فقد بين الله تعالى في الآيات عظيم خلقه فقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ إلى قوله: ﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾، ثم أتبع ذلك بقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ﴾ الآية، فدل ذلك على أن المراد أن قصتهم لا عجب فيها بالنسبة إلى ما خلقنا مما هو أعظم منها (٣). الخامس: الدلائل اللغوية التي تدل على أن (أم) المنقطعة بمعنى (بل) والاستفهام الْمُقَدَّرُ بعد (أم) تعجيبي، نحو قول أفنُونُ التغلبي (٤): أَنَّى جَزَوْا عَامِرًا سوءا بضعته … أَمْ كَيْفَ يَجْزُونَنِي السُّوأَى عَنِ الْحَسَنِ (٥).

стр. 852

والشاهد هو قوله: (أم كيف يجزونني) ووجه ذلك: استنكار مجازاته بالإساءة مقابل إحسانه. ومذهب سيبويه أن" أم" إذا جاءت دون أن يتقدمها ألف استفهام أنها بمعنى بل وألف الاستفهام، وهي المنقطعة (١). • النتيجة: من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الأقرب للصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن الاستفهام في قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ﴾ للاستنكار وليس للتقرير، خلافاً لما ذهب إليه القاسمي ﵀، لما تقدم إيراده من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.

стр. 853

١٤٣ - قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾ [سورة الكهف: ١٦]. قال القاسمي: زعم قوم أن الآية تفيد مشروعية العزلة واستحبابها مطلقا. وهو خطأ. فإنها تشير إلى التأسي بأهل الكهف في الاعتزال، إذا اضطهد المرء في دينه وأريد على الشرك. وممن رد الاحتجاج بهذه الآية على تفضيل العزلة، الإمام الغزالي حيث قال في (إحيائه): وأهل الكهف لم يعتزل بعضهم بعضا وهم مؤمنون. وإنما اعتزلوا الكفار. أي ولا ريب في مشروعيته فرارا من الفتن (١). فقول السيوطي في (الإكليل): في الآية مشروعية العزلة والفرار من الظلمة وسكون الغيران والجبال عند فساد الزمان- كلام مجمل لا بد من التفصيل فيه. وأي عصر خلا من الفساد؟. وسياق الآية في الاضطهاد فحسب، فافهم ولا تغل (٢). • أقوال أهل العلم في دلالة قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ على مشروعية العزلة: القول الأول: أن الآية تفيد مشروعية العزلة، إذا اضطهد المرء في دينه وأريد على الشرك. القول الثاني: أن الآية تفيد مشروعية العزلة مطلقًا. أصحاب القول الأول: الواحدي: "المعنى: واعتزلتم ما يعبدون إلا الله، فإنكم لن تتركوا عبادته، وذلك أنهم كانوا يشركون بالله فقال: اعتزلتم الأصنام ولم تعتزلوا الله ولا عبادته" (٣). القرطبي: "جواز الفرار من الظالم هي سنة الأنبياء صلوات الله عليهم والأولياء. وقد فضل رسول الله ﷺ العزلة، وفضلها جماعة العلماء لا سيما عند ظهور الفتن وفساد الناس،

стр. 854

وقد نص الله تعالى عليها في كتابه فقال: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ " (١). ابن كثير: " ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ أي: وإذا فارقتموهم وخالفتموهم بأديانكم في عبادتهم غير الله، ففارقوهم أيضا بأبدانكم" (٢). الشنقيطي: "الآية تدل على أن اعتزال المؤمن قومه الكفار ومعبوديهم من أسباب لطف الله به ورحمته" (٣). أصحاب القول الثاني: القشيري: "العزلة عن غير الله توجب الوصلة بالله. بل لا تحصل الوصلة بالله إلا بعد العزلة عن غير الله" (٤). السيوطي: " في الآية مشروعية العزلة والفرار من الظلمة وسكون الغيران والجبال عند فساد الزمان" (٥). • دراسة المسألة: يتبين من خلال ذكر أقوال أهل العلم واستقراء ما ذكره المفسرون في تفسير الآية، أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، من أن الآية تفيد التأسي بأهل الكهف، إذا اضطهد المرء في دينه وأريد على الشرك، ولا تفيد استحباب العزلة مطلقًا، وذلك من أوجه: الأول: من حيث سياق الآية: فالآية تخبر أن القوم اعتزلوا قومهم المشركين وجميع ما يعبدون من الآلهة إلا الله، فرارا بدينهم، وليس لسبب آخر دون ذلك، وأنهم لما آوَوْ إلى الكهف يسر الله لهم من أمرهم الذي هم فيه من الغم والكرب خوفا منكم على أنفسكم

стр. 855

ودينهم مرفقا، ويعني بالمرفق: ما يرتفقون به من نجاة ومخرج ورزق (١). الثاني: أن مثل هذ الاعتزال - وهو اعتزال أهل الشرك إذا خاف المرء على نفسه، أو خاف الفتنة في دينه- قد فعله نبي الله إبراهيم ﵇ عندما قال لقومه: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ [سورة مريم: ٤٩]، وبعده نبينا محمد ﷺ فقد خرج من مكة فارا بدينه، وكذلك أصحابه، وجلس في الغار، رجاء السلامة بالدين والنجاة من فتنة الكافرين. فسكنى الجبال ودخول الغيران، والعزلة عن الخلق والانفراد بالخالق، وجواز الفرار من الظالم هي سنة الأنبياء صلوات الله عليهم والأولياء. وقد فضل رسول الله ﷺ العزلة، وفضلها جماعة العلماء لا سيما عند ظهور الفتن وفساد الناس، وقد نص الله تعالى عليها في كتابه فقال: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾، وبهذا يتقرر أن مشروعية العزلة إنما هي في حال خوف المرء على دينه (٢). الثالث: أن هذا المراد - وهو مشروعية العزلة في حال خوف المرء على دينه- هو الذي دلت عليه الآثار المروية عن بعض من السلف في تفسير الآية. فقد أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن عطاء الخراساني (٣)، في قوله: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾، قال: "كان قومُ الفتيةِ يعبدون الله، ويعبدون معه آلهة شتّى، فاعتزلت الفتية عبادة تلك الآلهة، ولم تعتزل عبادة الله" (٤)، وبنحو هذا قال مقاتل، ويحيى بن سلام (٥)، ولم يرد عن أحد من السلف أنه فسر العزلة في الآية بمشروعية العزلة مطلقًا، والله أعلم.

стр. 856

الرابع: من حيث اقتضاء اللغة: فقوله تعالى: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ خطاب بعضهم لبعض والعامل فيه الجزاء ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ عطف على مفعول اعتزل، وهم يعبدون الأصنام مع الله، والمراد: اعتزلتموهم واعتزلتم ما يعبدون من دون الله (١)، فدل هذا على أن العزلة تشرع في هذه الأحوال، والله أعلم. • النتيجة: يتبين من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن ما تفيده الآية من مشروعية العزلة: ليس على إطلاقه، وإنما تفيد ذلك إن خاف المرء على دينه، لما تقدم إيراده من الأوجه التي تؤيد ذلك، والله أعلم.

стр. 857

١٤٤ - قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [سورة الكهف: ٢١]. قال ابن كثير: حكي في القائلين ذلك قولان (أحدهما) أنهم المسلمون منهم (والثاني) أنهم المشركون. والظاهر أنهم هم أصحاب النفوذ. ولكن هل هم محمودون أم لا؟ فيه نظر. لأن النبي ﷺ قال: (لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد) يحذر ما فعلوا (١). قال القاسمي: وعجيب من تردده في كونهم غير محمودين، مع إيراده الحديث الصحيح بعده، المسجل بلعن فاعل ذلك. وهو أعظم ما عنون به على الغضب الإلهي والمقت الرباني. والسبب في ذلك أن البناء على قبر النبي والولي مدعاة للإقبال عليه والتضرع إليه. ففيه فتح لباب الشرك وتوسل إليه بأقرب وسيلة (٢). • أقوال أهل العلم في الحكم على الذين قالوا: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ من حيث المدح والذم: القول الأول: أن الذين قالوا: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ محمودون على فعلهم من اتخاذ المسجد. القول الثاني: أن الذين قالوا: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ غير محمودين على فعلهم من اتخاذ المسجد.

стр. 858

أصحاب القول الأول: ظاهر قول الزجاج: " ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ هذا يدل والله أعلم أنه لما ظهر أمرهم غلب المؤمنون بالبعث والنشور لأن المساجد للمؤمنين" (١). ظاهر قول أبي حفص النسفي: " ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾: نتعبد فيه؛ لأنهم مسلمون فيتبرك المسلمون بالصلاة في مسجدهم عندهم" (٢). ظاهر قول الزمخشري: " ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ من المسلمين وملكهم وكانوا أولى بهم وبالبناء عليهم لنتخذن على باب الكهف مسجدا يصلى فيه المسلمون ويتبركون بمكانهم" (٣). ظاهر قول ابن جزي: " ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ قيل: يعني الولاة، وقيل: يعني المسلمين لأنهم كانوا أحق بهم من الكفار، فبنوا على باب الكهف مسجدا لعبادة الله" (٤). أصحاب القول الثاني: ابن تيمية: " فهؤلاء الذين اتخذوا على أهل الكهف مسجداً كانوا من النصارى، الذين لعنهم النبي ﷺ حيث قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (٥). ابن رجب: " اتخاذ القبور مساجد ليس هو من شريعة الإسلام، بل من عمل اليهود، وقد لعنهم النبي ﷺ على ذلك. وقد دل القرآن على مثل ما دل عليه هذا الحديث، وهو قول الله في قصة أصحاب الكهف: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ " (٦).

стр. 859

سليمان بن عبد الله: "يخبر تعالى عن الذين غلبوا على أمر أصحاب الكهف أنهم قالوا هذه المقالة ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾، وقد حكى ابن جرير في القائلين في ذلك قولين، أحدهما: أنهم المسلمون. والثاني: أنهم المشركون. وعلى القولين فهم مذمومون" (١). السعدي: " ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ أي: نعبد الله تعالى فيه، ونتذكر به أحوالهم، وما جرى لهم، وهذه الحالة محظورة، نهى عنها النبي ﷺ ، وذم فاعليها، ولا يدل ذكرها هنا على عدم ذمها" (٢). • دراسة المسألة: هذه المسألة من المسائل المشكلة في الحقيقة، وذلك أن في ظاهرها التعارض بين ظاهر الآية الذي يدل على جواز اتخاذ المساجد على القبور، مع ما صح عن النبي ﷺ في النهي عن ذلك. فالآية مشكلة الظاهر والنظم، كما يقول الواحدي (٣). وأفضل من حل هذا الإشكال بحسب البحث والنظر هو الشنقيطي في تفسيره إذ يقول: "اعلم أن ما يزعمه بعض من لا علم عنده: من أن الكتاب دل على اتخاذ القبور مساجد، يعني قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ في غاية السقوط، وقائله من أجهل خلق الله. والجواب عن الاستدلال أن تقول: من هؤلاء القوم الذين قالوا: لنتخذن عليهم مسجدًا؟ أهم ممن يقتدى به! أم هم كفرة لا يجوز الاقتداء بهم؟ وقد قال أبو جعفر بن جرير الطبري رحمه الله تعالى في هؤلاء القوم ما نصه: "وقد اختلف في قائلي هذه المقالة، أهم الرهط المسلمون أم هم الكفار"؟ فإذا علمت ذلك فاعلم أنهم على القول بأنهم كفار فلا إشكال في أن فعلهم ليس بحجة، إذ لم يقل أحد بالاحتجاج بأفعال الكفار كما هو ضروري، وعلى القول بأنهم مسلمون كما يدل له ذكر المسجد لأن اتخاذ المساجد من

стр. 860

صفات المسلمين، فلا يخفى على أدنى عاقل أن قول قوم من المسلمين في القرون الماضية: إنهم سيفعلون كذا لا يعارض به النصوص الصحيحة الصريحة عن النبي ﷺ إلا من طمس الله بصيرته، فقابل قولهم: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ بقوله ﷺ في مرض موته قبل انتقاله إلى الرفيق الأعلى بخمس "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (١). الحديث. يظهر لك أن من اتبع هؤلاء القوم في اتخاذهم المسجد على القبور ملعون على لسان الصادق المصدوق ﷺ كما هو واضح، ومن كان ملعونًا على لسانه ﷺ فهو ملعون في كتاب الله كما صح عن ابن مسعود ﵁؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآية، وبه تعلم أن من اتخذ المساجد على القبور ملعون في كتاب الله جل وعلا على لسان رسوله ﷺ ، وأنه لا دليل في آية: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ " (٢). وبهذا يتبين أن القوم الذين أمروا باتخاذ المسجد على أصحاب الكهف، لم يكونوا محمودين، وهو ظاهر ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، وذلك من أوجه: الأول: ما دلت عليه السنة الصحيحة من أن بناء المساجد على القبور من سنن الجاهلية، ومن ذلك ما أخرجه الشيخان من حديث عائشة «أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتا للنبي ﷺ ، فقال: إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات، بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» (٣).

стр. 861

وأيضًا ما رواه مسلم في صحيحه بسنده عن أبي مرثد الغنوي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها» (١)، أي لا تتخذوها قبلة فتصلوا عليها أو إليها كما فعل اليهود والنصارى، فيؤدي إلى عبادة من فيها كما كان السبب في عبادة الأصنام (٢). الثاني: أن القرآن قد دل على مثل ما دل عليه حديث النهي عن اتخاذ القبور مساجد، وهو قول الله في قصة أصحاب الكهف: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾، فجعل اتخاذ القبور على المساجد من فعل أهل الغلبة على الأمور، وذلك يشعر بأن مستنده القهر والغلبة واتباع الهوى، وأنه ليس من فعل أهل العلم والفضل المتبعين لما أنزل الله على رسله من الهدى (٣). الثالث: أن قولهم: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ لا يدل على عدم ذمها، فإن السياق في شأن تعظيم أهل الكهف والثناء عليهم، وأن هؤلاء وصلت بهم الحال إلى أن قالوا: ابنوا عليهم مسجدا، بعد خوف أهل الكهف الشديد من قومهم، وحذرهم من الاطلاع عليهم، فوصلت الحال إلى ما ترى (٤). • النتيجة: من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب من أقوالهم هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن، القائلين: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ غير محمودين على فعلهم من اتخاذ المسجد على أصحاب الكهف، لما تقدم إيراده من الوجوه الدالة على ذلك، والله أعلم.

стр. 862

١٤٥ - قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [سورة الكهف: ٢٢]. قال القاسمي: (الواو) في الآية من المحكي لا من الحكاية. فيدل على ثبوته عند القائل لا عند الله، فلا يكون من الإيماء في شيء. وجواب بعضهم بأنه تعالى لما حكى قولهم قبل أن يقولوه هكذا، لقنهم أن يقولوه إذا أخبروا عنه بهذه العبارة، وبأنه لا مانع أن تكون من الحكاية- بعيد غاية البعد، وتكلف ظاهر، وإغراب في القول (١). • أقوال أهل العلم في دلالة (الواو) في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ الآية: القول الأول: أن (الواو) من المحكي لا من الحكاية، أي من القائلين لا من عند الله تعالى. القول الثاني: يجوز أن تكون (الواو) من الحكاية، أي أن الله تعالى لقنهم أن يقولوا هذا القول. أصحاب القول الأول: الثعلبي: " ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ وقال المسلمون: كانوا سبعة وثامنهم كلبهم، فحقق الله تعالى قول المسلمين وصدقهم" (٢). البغوي: " ﴿وَيَقُولُونَ﴾ يعني: المسلمين ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ " (٣).

стр. 863

الإيجي: " ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ﴾ والقائل هم المؤمنون" (١). العليمي: " ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ وهذا قول المسلمين، فصدقهم الله تعالى، والواو في قوله: ﴿وَثَامِنُهُمْ﴾ واو عطف دخلت في آخر إخبار عن عددهم؛ لتفصل أمرهم" (٢). أصحاب القول الثاني: الرازي: " حكم بأن ثامنهم كلبهم باستئنافه الكلام، فحقق ثبوت العدد الأخير لأن الثامن لا يكون إلا بعد السبعة، فعلى هذا يكون قوله: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ من كلام الله تعالى حقيقة أو تقديراً" (٣). النسفي: " ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ أي قل ربي أعلم بعدتهم وقد أخبركم بها بقوله: ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ " (٤). الشهاب الخفاجي: " لما حكى تعالى قولهم قبل أن يقولوه هكذا لقنهم أن يقولوه إذا أخبروا عنه بهذه العبارة مع أن الثبوت عند هؤلاء القائلين: كاف لأنهم لا يقولونه رجما بالغيب ولا مانع من كونها من الحكاية" (٥). قال جماعة من المفسرين: أن الواو في قوله: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ مستأنفة، فتكون الجملة من كلام الله تعالى، وأن قوله: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ﴾ يعود إلى الله تعالى فذكر بلفظ الجمع (٦).

стр. 864

• دراسة المسألة: بعد التتبع والنظر واستقراء ما ذكره أهل العلم والمفسرون في هذه المسألة، يتبين أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، من أن (الواو) في قوله تعالى: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ عاطفة، عَطَفَتْ هذه الجملةَ على جملةِ قولِه «هم سبعة» فتكون جملة: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ من كلام المتنازعين وهو من المحكي، لا أنها مستأنفة من الحكاية، أي من عند الله تعالى، وذلك من أوجه: الأول: ظاهر الآية وسياقها الذي دل على أن القول بعدد أصحاب الكهف بأنهم ثلاثة رابعهم كلبهم، والقول بأنهم خمسة سادسهم كلبهم، والقول بأنهم سبعة وثامنهم كلبهم، محكي عن البشر، لأنه جاء بصيغة الجمع في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ ولو كان من الحكاية عن الله، لنص على ذلك في الآية. ولو كان هذا القول حكاية عن الله تعالى، لما قال مُرشدا إلى أن الأحسن في مثل هذا المقام: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ وهو رد العلم إليه تعالى، فهذا بين أن الله تعالى يحكي عن نفسه بأنه تعالى هو أعلم بعدتهم، وقليل من عباده. الثاني: أن هذا القول بأن (الواو) استئنافية يَضعُف من حيث إن الله تعالى قال: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ فلو جعل ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ تصديقا منه تعالى لمن قال سبعة لوجب أن يكون العالم بذلك كثيرا فإن أخبار الله تعالى صدق فدل على أنه لم يصدق منهم أحد، وإذا كان كذلك وجب أن تكون الجملة كلها متساوية في المعنى، وقد تعذر أن تكون الأخيرة وصفا فوجب أن يكون الجميع كذلك (١). الثالث: أن الله تعالى أخبر في الآية زعم قوم من اليهود أو النصارى أن عدد أصحاب الكهف ﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، وآخرون قالوا: ﴿خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، ثم رد هذان القولان بوصفهما أنهما: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ ثم أخبر عن قوم - وهو المسلمون- قالوا

стр. 865

أنهم: ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ تحقيقًا لقول المؤمنين. فتكون الضمائر في ﴿سَيَقُولُونَ﴾ ﴿وَيَقُولُونَ﴾ عائدا بعضها على النصارى أو اليهود، وبعضها على المؤمنين (١)، فدل هذا على أن القول بأنهم: ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ محكي عن المؤمنين، والله أعلم. • النتيجة: يظهر من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن (الواو) عاطفة وليست استئنافية، فتكون من المحكي لا من الحكاية، أي من القائلين لا عند الله تعالى، لما تقدم إيراه من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.

стр. 866

١٤٦ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ الآية [سورة الكهف: ٢٤]. قال القاسمي بعد إيراده للأقوال في المراد من النهي: فدعوى الناصر في (الانتصاف) أنه ليس هو الغرض (١)، وأن الغرض النهي عن هذا القول إلا مقرونا بمشيئته تعالى (٢) - قصر للآية على أحد معانيها، وذهاب إلى ما هو المشهور في تأويلها، وعدم تمعن في مثل هذا المعنى الدقيق، بل وفي بقية المعاني الأخر التي اللفظ الكريم يحتملها (٣). وقد ظهر قوة المعنى الأخير لموافقته لآية ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [سورة الإنسان: ٣٠]، والقرآن يفسر بعضه بعضا. والله تعالى أعلم (٤). • أقوال أهل العلم في معنى النهي الوارد في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾: القول الأول: أن المعنى يحتمل وجوه: منها: النهي أن يقول النبي ﷺ ﴿إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ إلا أن يأذن الله، ومنها: النهي عن القول إلا قائلا معه إن شاء الله، ومنها: النهي عن القول قاطعًا بفعله وباتّا له من غير تردد ولا التفات إلى مشيئة الله، ومنها: أن الآية خبر بأن النبي ﷺ لا يقول شيء إلا بمشيئة الله. القول الثاني: أن المعنى: ولا تقولن ذلك إلا أن يشاء الله أن تقول هذا القول، أو إلا أن تقول معه (إن شاء الله).

стр. 867

أصحاب القول الأول: الزمخشري: " وتعلقه بالنهى على وجهين، أحدهما: ولا تقولنّ ذلك القول إلا أن يشاء الله أن تقوله، بأن يأذن لك فيه. والثاني: ولا تقولنه إلا بأن يشاء الله، أي: إلا بمشيئة الله، وهو في موضع الحال، يعنى: إلا ملتبسا بمشيئة الله قائلا إن شاء الله وفيه وجه ثالث، وهو: أن يكون ﴿أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ في معنى كلمة تأبيد، كأنه قيل ولا تقولنه أبدا" (١). الرازي: " قوله: إلا أن يشاء الله ليس فيه بيان أنه شاء الله ماذا، وفيه قولان: الأول: التقدير: ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله أن يأذن لك في ذلك القول، والثاني: أن يكون التقدير: ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن تقول: إن شاء الله" (٢). أبو البقاء: " ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾: في المستثنى منه ثلاثة أوجه; أحدها: هو من النهي، والمعنى: لا تقولن: أفعل غدا، إلا أن يُؤْذَنَ لك في القول. والثاني: هو من فاعل; أي لا تقولن: إني فاعل غدا، حتى تَقْرِنَ به قول: إن شاء الله. والثالث: أنه منقطع" (٣). أصحاب القول الثاني: الطبري: " ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، معنى الكلام: إلا أن تقول معه: إن شاء الله" (٤). السمرقندي: " ولا تقولن لشيء أردت أن أفعله إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله، يعني: إلا أن تستثني فتقول: إن شاء الله" (٥).

стр. 868

البغوي: " ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ يعني: إذا عزمت على أن تفعل غدا شيئا فلا تقل: أفعل غدا حتى تقول إن شاء الله" (١). ابن عطية: "قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ في الكلام حذف يقتضيه الظاهر، ويحسنه الإيجاز، تقديره: إلا ان تقول إلا أن يشاء الله، أو إلا أن تقول إن شاء الله، فالمعنى إلا أن تذكر مشيئة الله" (٢). • دراسة المسألة: ذكر القاسمي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾، وجوها في معنى النهي الوارد فيها: منها: أن المعنى لا تقولن إلا وقت أن يشاء الله بأن يأذن لك في القول، فتكون قائلا بمشيئته، فالمشيئة على هذا بمعنى الإذن. لأن وقت مشيئة الله لشيء لا تعلم إلا بإذنه فيه أي إعلامه به (٣). ومنها: لا تقولن لما عزمت عليه من فعل، إني فاعل ذلك غدا إلا قائلا معه إن شاء الله تبرؤا من لزوم التحكم على الله، ومن الفعل بإرادتك بل بإرادة الله، فتكون فاعلا بمشيئته. ولئلا يلزم الكذب لو لم يشأه الله تعالى (٤).

стр. 869

ومنها: أن المعنى لا تقولن ذلك قاطعا بفعله وباتّا له. لأنه: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [سورة لقمان: ٣٤]، فلا ينبغي الجزم والبت على فعل أمر مستقبل مجهول كونه. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أي أن تقول ذلك القول البات نسيانا فحينئذ ارجع إلى ربك بذكره. ولذا قال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ وعلى هذه الوجوه كلها فـ ﴿وَلَا تَقُولَنَّ﴾ نهي معطوف على النهيين قبله. ومنها: أن المعنى لا تقولن ذلك إلا أن يشاء الله أن تقول هذا القول. والجملة خبرية قصد بها الإخبار عن سبق مشيئته تعالى لكل ما يعزم عليه ويقوله. كقوله تعالى ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [سورة الإنسان: ٣٠] وهذا المعنى هو الظاهر ببادئ الرأي كما قاله في (الانتصاف) (١). ثم قال القاسمي منتصرا لهذا القول: "وفي هذا المعنى تلويح بأنه صلوات الله عليه كان هم بأمر ما في نبأ هؤلاء الفتية، وعزم على أمر في غد المحاورة به. ولعله الاستفتاء عنهم. فلما نهى عنه أخبر بأن كل شيء كائن بمشيئته تعالى، ليدخل فيه ما كان قاله دخولا أوليا. أي ما قلته وعزمت على فعله كان بمشيئة الله، إذ شاء الله أن تقوله. فالآية بمثابة العناية به والتلطيف بالخطاب، إثر ما يومئ إليه النهي إليها من رقيق العتاب ولذلك اعترضت بين سابق النهي عن استفتائهم، ولا حق الأمر بذكره تعالى إذا نسي، أي نسي ما وصي به. وبما ذكرنا يعلم أن هذا المعنى له وجه وجيه" (٢). وما ذهب إليه القاسمي ﵀ من احتمال هذه الوجوه صحيح، إذ لا تعارض بينها، وإذا أمكن حمل الآية على جميع تلك الأوجه فتُحمل عليها، وقد تقدم تقرير القاعدة عند أهل العلم وهي أنه: "إذا احتمل اللفظ معاني عدة ولم يمتنع إرادة الجمع، حمل عليها" (٣). إلا أنه يُمكن تقديم الوجه الثاني الذي أورده القاسمي ﵀ على غيره من الأوجه

стр. 870

وهو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ أي: إلا أن تقول معه (إن شاء الله)، وذلك من وجهين: الأول: سياق الآية الذي يدل على هذا المعنى وهو في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ والمعنى: واستثن في يمينك إذا ذكرت أنك نسيت ذلك في حال اليمين، يعني: أن تقول: "إن شاء الله" وهذا تفسير باللازم، وإلى هذا المعنى ذهب جمع من السلف كابن عباس، ومجاهد وأبي العالية، والحسن (١)، وبعدهم جمع من المفسرين (٢)، ولعل هذا المعنى هو الأظهر لحمل الآية عليه، والله أعلم. الثاني: أن لهذا المعنى - وهو الاستثناء بقول: إن شاء الله- له شاهد من السنة: فقد أخرج الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النَّبيّ ﷺ قال: "قال سليمان: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة كلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه: قل إن شاء الله فلم يقل إن شاء الله فطاف عليهن جميعا، فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل، وايم الذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون" (٣). والشاهد: أن الآية دلت على أن الله عاتب نبيه سليمان على عدم قوله: إن شاء الله، كما عاتب نبيه في هذه الآية على ذلك (٤)، ومثل هذا الشاهد يورده جمع من المفسرين في تفسير الآية (٥).

стр. 871

تنبيه: ما أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره بإسناده من طريق ابن إسحاق أن اليهود قالوا لقريش: سلوا محمدًا ﷺ عن الروح، وعن رجل طواف في الأرض (يعنون ذا القرنين)، وعن فتية لهم قصَّة عجيبة في الزمان الماضي (يعنون أصحاب الكهف). فقال لهم رسول الله ﷺ : "سأخبركم غدًا عما سألتم عنه" ولم يقل: (إن شاء الله)، فلبث عنه الوحي مدة، قيل: خمس عشرة ليلة، وقيل غير ذلك. فأحزنه تأخر الوحي عنه، ثم أنزل عليه الجواب عن الأسئلة الثلاثة"، الحديث (١)، لم يصح إسناده للإبهام شيخ ابن إسحاق (٢)، وإلا لو صح لكان حجة دامغة لمن قال بالاستثناء بقول: إن شاء الله، والله أعلم. • النتيجة: بعد عرض ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن معنى النهي في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ يحتمل الوجوه المتقدمة التي ذكرها القاسمي ﵀، إلا أن الأقرب للصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن معنى النهي في الآية: أن يقول أحد إني فاعل ذلك غدا دون أن يستثني ويقول: إن شاء الله، لما تقدم إيراده من الوجهين الذيْن يؤيدا ذلك، والله أعلم.

стр. 872

١٤٧ - قوله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [سورة الكهف: ٢٦]. قال القاسمي: قيل: وعليه فيكون ضمير ﴿وَازْدَادُوا﴾ لأهل الكتاب. وإنه يظهر فيه وجه العدول عن المتبادر وهو ثلاثمائة وتسع سنين. مع أنه أخصر وأظهر. وذلك لأن بعضهم قال: ثلاثمائة: وبعضهم قال أزيد بتسعة. ولا يخفى ركاكة ما ذكر، فإن الضمير للفتية. ووجه العدول موافقة رؤوس الآي المقطوعة بالحرف المنصوب. ودعوى الأخصرية تدقيق نحوي لا تنهض بمثله البلاغة. وأما الأظهرية فيأباها ذوق الجملتين ذوقا سليما (١). فإن الوجدان العربي يجد بينهما في الطلاوة بعد المشرقين. ودعوى أن فيها إشارة إلى أنها ثلاثمائة بحساب أهل الكتاب بالأيام، واعتبار السنة الشمسية، وثلاثمائة وتسع بحساب العرب، واعتبار القمرية، بيانا للتفاوت بينهما، إذ التفاوت بينهما في كل مائة سنة ثلاث سنين- دعوى يتوقف تصحيحها على ثبوت أن أهل الكتاب ازدادوا بالسنة الشمسية وأنه قص علينا ما أرادوه بالسنة الهلالية، فلذلك قال: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ لنقف على تحديد ما عنوه، ومن أين يثبت ذلك؟ وما الداعي لهذا التعمق المشوش؟ والآية جلية بنفسها في دعواهم مدة لبثهم (٢). • أقوال أهل العلم في سبب وجه العدول عن قول: (ثلاثمائة سنين وتسع) وقول: ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾: القول الأول: أن سبب العدول: اختلاف أهل الكتاب في مدة لبثهم، فقال بعضهم ثلاثمائة وقال بعضهم ثلاثمائة وتسع سنين.

стр. 873

القول الثاني: أن سبب العدول: موافقة رؤوس الآي المقطوعة بالحرف المنصوب. القول الثالث: أن سبب العدول: الإشارة إلى أنها ثلاثمائة بحساب أهل الكتاب بالأيام، واعتبار السنة الشمسية، وثلاثمائة وتسع بحساب العرب، واعتبار القمرية، بيانا للتفاوت بينهما. أصحاب القول الأول: ظاهر قول قتادة: قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ هذا قول أهل الكتاب، فرده الله عليهم فقال: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ " (١). البيضاوي: "أهل الكتاب اختلفوا في مدة لبثهم كما اختلفوا في عدتهم فقال بعضهم ثلاثمائة وقال بعضهم ثلاثمائة وتسع سنين" (٢). أصحاب القول الثاني: القاسمي: وتقدم قوله. العثيمين: " قد يقول قائل: "لماذا لم يقل ثلاثمائة وتسع سنين؟ فالجواب: هذا بمعنى هذا، لكن القرآن العظيم أبلغ كتاب، فمن أجل تناسب رؤوس الآيات قال: ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ " (٣). أصحاب القول الثالث: الماوردي: " ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ هو ما بين السنين الشمسية والسنين القمرية" (٤). السخاوي: "قوله: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ أي لما انتقل الحساب من السنة الشمسية إلى

стр. 874

السنين العربية صارت الثلاثمائة الشمسية ثلاثمائة وتسعة بالعربية، وفيها تفاوت يسير" (١). ابن كثير: "هذا خبر من الله تعالى لرسوله ﷺ بمقدار ما لبث أصحاب الكهف في كهفهم، منذ أرقدهم الله إلى أن بعثهم وأعثر عليهم أهل ذلك الزمان، وأنه كان مقداره ثلاثمائة سنة وتسع سنين بالهلالية، وهي ثلاثمائة سنة بالشمسية، فإن تفاوت ما بين كل مائة سنة بالقمرية إلى الشمسية ثلاث سنين؛ فلهذا قال بعد الثلاثمائة: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ " (٢). الشنقيطي: "لم يبين هنا قدر المدة التي تساءلوا عنها في نفس الأمر - يعني في قوله تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ -، ولكنه بين في موضع آخر أنها ثلاثمائة سنة بحساب السنة الشمسية، وثلاثمائة سنة وتسع سنين بحساب السنة القمرية، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ " (٣). • دراسة المسألة: ومن خلال التأمل والنظر واستقراء ما ذكره المفسرون وأهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن هذه المسألة تعود إلى أصل الخلاف في الخطاب في قوله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾: فمن أخذ بقول من يقول: أن ذلك خبر من الله تعالى ذكره عن أهل الكتاب أنهم يقولون ذلك (٤)، قال بأن سبب العدول: اختلاف أهل الكتاب في مدة لبثهم، فبعضهم يقول ثلاثمائة وبعضهم يقول ثلاثمائة وتسع سنين وهو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول. وكذا من قال أن سبب العدول: الإشارة إلى أنها ثلاثمائة بحساب السنة الشمسية، وثلاثمائة وتسع بحساب السنة القمرية، وهو ما ذهب إليه أصحاب القول الثالث.

стр. 875

ومن أخذ بقول من يقول: أن ذلك خبر من الله عن مبلغ ما لبثوا في كهفهم (١)، قال بأن سبب العدول: موافقة رؤوس الآي المقطوعة بالحرف المنصوب، وهو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني. والذي يظهر أن الأقرب للصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن سبب العدول: موافقة رؤوس الآي، وذلك من أوجه: الأول: أنه لا يمكن أن نشهد على الله بأنه أراد بالسنين الثلاثمائة الشمسية، وازدادوا تسعاً بالقمرية، فمن الذي يشهد على الله أنه أراد هذا المعنى؟ حتى لو وافق أن ثلاث مائة سنين شمسية هي ثلاث مائة وتسع سنين بالقمرية فلا يمكن أن نشهد على الله بهذا، لأن الحساب عند الله تعالى واحد، وما هي العلامات التي يكون بها الحساب عند الله؟ الجواب: هي الأهلَّة، وعليه: فإن القول بأن ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ شمسية، ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ قمرية قول ضعيف. الثاني: أن عدة الشهور والسنوات عند الله بالأهلة، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [سورة يونس: ٥] وقال تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [سورة البقرة: ١٨٩] (٢). الثالث: أنه لا يُسَلّم بأن قوله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ بحساب الأشهر الشمسية، وقوله تعالى: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ بحساب الأشهر القمرية، فتكون التسع سنين مقدار التفاوت، فمثل هذا المراد قد اعتُرض عليه. وذلك لأن السنة الشمسية ثلاثمائة وخمسٌ وستون يوما وخمس ساعات وتسعٌ وأربعون دقيقة على مقتضى الرصد الإيلخاني (٣)، والسنة القمرية ثلاث مئة وأربعة وخمسون يوما

стр. 876

وثمان ساعات وثمانٍ وأربعون دقيقة، فيكون التفاوت بينهما عشرة أيام وإحدى وعشرين ساعة ودقيقة واحدة، وإذا كان هذا تفاوت سنة، كان تفاوت مئة سنة ألف يوم وسبعةً وثمانين يوما وثلاث عشرة ساعة وأربع دقائق، وهي ثلاثة سنين وأربعة وعشرون يوما وإحدى عشرة ساعة وستَّ عشرة دقيقة، فيكون تفاوت ثلاث مئة سنة تسع سنين وثلاثا وسبعين يوما وتسع ساعات وثمانيًا وأربعين دقيقة (١). تنبيه: ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ قوله: "عند أهل الكتاب أنهم لبثوا ثلاثمائة شمسية والله تعالى ذكر ثلاثمائة قمرية والتفاوت بين الشمسية والقمرية في كل مائة سنة ثلاث سنين فيكون في ثلاثمائة تسع سنين فلذلك قال: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ (٢)، لم أقف على إسناده، وأنكرها الشهاب الخفاجي (٣)، ولو صح عن علي بن أبي طالب لكان حجة لمن ذهب إلى هذا. • النتيجة: بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الأقرب للصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، وهو ما ذهب إليه القاسمي ﵀ من أن سبب العدول عن قول: (ثلاث مئة وتسع): موافقة رؤوس الآي المقطوعة بالحرف المنصوب، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.

стр. 877

١٤٨ - قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٣٢)﴾ [سورة الكهف: ٣٢]. قال القاسمي: يذكر كثير من المفسرين هنا وجها في هذا المثل. وهو أن الرجلين المذكورين فيه كانا موجودين ولهما قصة. ولا دليل في ذلك ولا اتجاه. فإن التمثيل بشيء لا يقتضي وجوده (١). • أقوال أهل العلم في قصة صاحب الجنتين من حيث الحقيقة أم ضرب المثل (٢): القول الأول: أن قصة صاحب الجنتين حقيقية، قد وقعت فيما مضى من السنين. القول الثاني: أن قصة صاحب الجنتين ليست حقيقية، ولم تقع، وإنما ذكرت في القرآن من باب ضرب المثل. أصحاب القول الأول: الواحدي: " ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ يعني: ابني ملكٍ كان فِي بني إسرائيل تُوفِّي وتركهما فاتخذ أحدهما القصور والأجنَّة والآخر كان زاهداً فِي الدُّنيا راغباً فِي الآخرة" (٣). الزمخشري: " ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ أي ومثل حال الكافرين والمؤمنين، بحال رجلين وكانا أخوين في بنى إسرائيل: أحدهما كافر اسمه قطروس، والآخر مؤمن اسمه يهوذا" (٤). القرطبي: " قيل: إن هذا مثل ضربه الله تعالى لهذه الأمة، وليس بخبر عن حال متقدمة، لتزهد في الدنيا وترغب في الآخرة، وجعله زجرا وإنذارا، ذكره الماوردي. وسياق الآية يدل على خلاف هذا، والله أعلم" (٥).

стр. 878

الثعالبي: "وظاهر هذا المثل أنه بأمر وقع في الوجود، وعلى ذلك فسَّره أكثر المتأولين" (١). أصحاب القول الثاني: القاسمي: وتقدم قوله. ما ذهب إليه بعض المفسرين: من أن المراد بالرجلين: رجليْن مقدريْن وليسا في الوجود" (٢). • دراسة المسألة: بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم، وما قيل في تأويل هذه الآية، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن قصة صاحب الجنتين في قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ﴾ الآية. قصة حقيقة قد وقت فيما مضى من السنين، وذلك من أوجه: الأول: أن حقيقة هذه القصة أقرها بعض من الصحابة رضوان الله عليهم، وأن الرجليْن كانا من بني إسرائيل، أحدهما مؤمن والآخر كافر، ولا شك أن تفسير الصحابة مقدم على من جاء بعدهم. فقد وروي عن ابن مسعود أنه قال: «كانا مشركين من بني إسرائيل، أحدهما مؤمن والآخر كافر، فاقتسما فأصاب كل واحد منهما أربعين ألف درهم». وروي عن ابن عباس أنه قال: «كانا أخوين ورث كل واحد منهما من أبيه أربعة آلاف دينار، فالكافر أنفق ماله في زينة الدنيا، نحو شراء المنازل والخدم والحيوان، وأنفق المؤمن ماله في طاعة الله تعالى، وتصدق على الفقراء والمساكين» (٣).

стр. 879

الثاني: الأخبار التي جاءت عن بني إسرائيل التي تدل على وقوع هذه القصة، وليس فيها مما يُخالف الشرع، ويأباه العقل. فقد ذكر مقاتل في تفسيره أن الرَجُلَيْنِ أحدهما مؤمن واسمه يمليخا، والآخر كافر واسمه فرطس، وهما أخوان من بني إسرائيل مات أبوهما، فورث كل واحد منهما عن أبيه أربعة آلاف دينار، فعمد المؤمن فأنفق ماله على الفقراء، واليتامى، والمساكين، وعمد الكافر فاتخذ المنازل، والحيوان، والبساتين، فذلك قوله سبحانه: ﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا﴾ يعني الكافر ﴿جَنَّتَيْنِ﴾ الآية (١). الثالث: أن المفسرين اختلفوا في تعيين الرجلين فقيل: هما أخوان من بني إسرائيل كما تقدم، وقيل: هما أخوان مخزوميان من أهل مكة أحدهما مؤمن، والآخر كافر، على ما روي في سبب نزول الآية (٢)، وقيل: هما المذكوران في سورة الصافات في قوله: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ [سورة الصافات: ٥١]. فإن قيل: أن اختلاف المفسرين في تعيين الرجلين والروايات الواردة في ذلك ظاهرها التناقض، مما يشكك في وقوع هذه القصة. فالجواب: أنه لا يمنع أن تكون الآية نزلت في المخزوميَيْن وتشبيههما برجلين من بني إسرائيل أخوين، بنحو ما قال بعض من المفسرين (٣). وأيًا كان هذا الخلاف، فالشاهد أن هذه القصة قد وقعت فيما مضى من السنين، سواء في زمن بني إسرائيل، أم في زمن النبي ﷺ قبل الهجرة.

стр. 880

الرابع: أن سياق الكلام في هذه القصة وتسلسل الأحداث يدل على أنها كانت واقعة بلا شك، فإن أسلوب القرآن في ضرب المثل لا يأتي مطوَّلا كما في هذه القصة. والمتأمل في سياق الكلام وصنع التراكيب مثل قوله: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ﴾ [سورة الكهف: ٣٧] إلخ، يجد أن لفظ: (قَالَ) جاء غير مقترنًا بفاء وذلك من شأن حكاية المحاورات الواقعة. وكذا قوله: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ [سورة الكهف: ٤٣] فإنه يدل على أن هذا المثل لقصة معلومة، فإنه أوقع في العبرة والموعظة مثل المواعظ بمصير الأمم الخالية" (١). • النتيجة: يتبين من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن قصة الرجليْن في سورة الكهف كانت واقعة فيما مضى من السنين، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، بخلاف ما ذهب إليه القاسمي ﵀، والله أعلم.
следующие страницы →