وثمان ساعات وثمانٍ وأربعون دقيقة، فيكون التفاوت بينهما عشرة أيام وإحدى وعشرين ساعة ودقيقة واحدة، وإذا كان هذا تفاوت سنة، كان تفاوت مئة سنة ألف يوم وسبعةً وثمانين يوما وثلاث عشرة ساعة وأربع دقائق، وهي ثلاثة سنين وأربعة وعشرون يوما وإحدى عشرة ساعة وستَّ عشرة دقيقة، فيكون تفاوت ثلاث مئة سنة تسع سنين وثلاثا وسبعين يوما وتسع ساعات وثمانيًا وأربعين دقيقة (١).
تنبيه:
ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ قوله: "عند أهل الكتاب أنهم لبثوا ثلاثمائة شمسية والله تعالى ذكر ثلاثمائة قمرية والتفاوت بين الشمسية والقمرية في كل مائة سنة ثلاث سنين فيكون في ثلاثمائة تسع سنين فلذلك قال: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ (٢)، لم أقف على إسناده، وأنكرها الشهاب الخفاجي (٣)، ولو صح عن علي بن أبي طالب لكان حجة لمن ذهب إلى هذا.
• النتيجة:
بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الأقرب للصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، وهو ما ذهب إليه القاسمي ﵀ من أن سبب العدول عن قول: (ثلاث مئة وتسع): موافقة رؤوس الآي المقطوعة بالحرف المنصوب، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.
стр. 877
١٤٨ - قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٣٢)﴾ [سورة الكهف: ٣٢].
قال القاسمي: يذكر كثير من المفسرين هنا وجها في هذا المثل. وهو أن الرجلين المذكورين فيه كانا موجودين ولهما قصة. ولا دليل في ذلك ولا اتجاه. فإن التمثيل بشيء لا يقتضي وجوده (١).
• أقوال أهل العلم في قصة صاحب الجنتين من حيث الحقيقة أم ضرب المثل (٢):
القول الأول: أن قصة صاحب الجنتين حقيقية، قد وقعت فيما مضى من السنين.
القول الثاني: أن قصة صاحب الجنتين ليست حقيقية، ولم تقع، وإنما ذكرت في القرآن من باب ضرب المثل.
أصحاب القول الأول:
الواحدي: " ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ يعني: ابني ملكٍ كان فِي بني إسرائيل تُوفِّي وتركهما فاتخذ أحدهما القصور والأجنَّة والآخر كان زاهداً فِي الدُّنيا راغباً فِي الآخرة" (٣).
الزمخشري: " ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ أي ومثل حال الكافرين والمؤمنين، بحال رجلين وكانا أخوين في بنى إسرائيل: أحدهما كافر اسمه قطروس، والآخر مؤمن اسمه يهوذا" (٤).
القرطبي: " قيل: إن هذا مثل ضربه الله تعالى لهذه الأمة، وليس بخبر عن حال متقدمة، لتزهد في الدنيا وترغب في الآخرة، وجعله زجرا وإنذارا، ذكره الماوردي. وسياق الآية يدل على خلاف هذا، والله أعلم" (٥).
стр. 878
الثعالبي: "وظاهر هذا المثل أنه بأمر وقع في الوجود، وعلى ذلك فسَّره أكثر المتأولين" (١).
أصحاب القول الثاني:
القاسمي: وتقدم قوله.
ما ذهب إليه بعض المفسرين: من أن المراد بالرجلين: رجليْن مقدريْن وليسا في الوجود" (٢).
• دراسة المسألة:
بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم، وما قيل في تأويل هذه الآية، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن قصة صاحب الجنتين في قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ﴾ الآية. قصة حقيقة قد وقت فيما مضى من السنين، وذلك من أوجه:
الأول: أن حقيقة هذه القصة أقرها بعض من الصحابة رضوان الله عليهم، وأن الرجليْن كانا من بني إسرائيل، أحدهما مؤمن والآخر كافر، ولا شك أن تفسير الصحابة مقدم على من جاء بعدهم.
فقد وروي عن ابن مسعود أنه قال: «كانا مشركين من بني إسرائيل، أحدهما مؤمن والآخر كافر، فاقتسما فأصاب كل واحد منهما أربعين ألف درهم».
وروي عن ابن عباس أنه قال: «كانا أخوين ورث كل واحد منهما من أبيه أربعة آلاف دينار، فالكافر أنفق ماله في زينة الدنيا، نحو شراء المنازل والخدم والحيوان، وأنفق المؤمن ماله في طاعة الله تعالى، وتصدق على الفقراء والمساكين» (٣).
стр. 879
الثاني: الأخبار التي جاءت عن بني إسرائيل التي تدل على وقوع هذه القصة، وليس فيها مما يُخالف الشرع، ويأباه العقل.
فقد ذكر مقاتل في تفسيره أن الرَجُلَيْنِ أحدهما مؤمن واسمه يمليخا، والآخر كافر واسمه فرطس، وهما أخوان من بني إسرائيل مات أبوهما، فورث كل واحد منهما عن أبيه أربعة آلاف دينار، فعمد المؤمن فأنفق ماله على الفقراء، واليتامى، والمساكين، وعمد الكافر فاتخذ المنازل، والحيوان، والبساتين، فذلك قوله سبحانه:
﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا﴾ يعني الكافر ﴿جَنَّتَيْنِ﴾ الآية (١).
الثالث: أن المفسرين اختلفوا في تعيين الرجلين فقيل: هما أخوان من بني إسرائيل كما تقدم، وقيل: هما أخوان مخزوميان من أهل مكة أحدهما مؤمن، والآخر كافر، على ما روي في سبب نزول الآية (٢)، وقيل: هما المذكوران في سورة الصافات في قوله: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ [سورة الصافات: ٥١].
فإن قيل: أن اختلاف المفسرين في تعيين الرجلين والروايات الواردة في ذلك ظاهرها التناقض، مما يشكك في وقوع هذه القصة.
فالجواب: أنه لا يمنع أن تكون الآية نزلت في المخزوميَيْن وتشبيههما برجلين من بني إسرائيل أخوين، بنحو ما قال بعض من المفسرين (٣).
وأيًا كان هذا الخلاف، فالشاهد أن هذه القصة قد وقعت فيما مضى من السنين، سواء في زمن بني إسرائيل، أم في زمن النبي ﷺ قبل الهجرة.
стр. 880
الرابع: أن سياق الكلام في هذه القصة وتسلسل الأحداث يدل على أنها كانت واقعة بلا شك، فإن أسلوب القرآن في ضرب المثل لا يأتي مطوَّلا كما في هذه القصة.
والمتأمل في سياق الكلام وصنع التراكيب مثل قوله: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ﴾ [سورة الكهف: ٣٧] إلخ، يجد أن لفظ: (قَالَ) جاء غير مقترنًا بفاء وذلك من شأن حكاية المحاورات الواقعة.
وكذا قوله: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ [سورة الكهف: ٤٣] فإنه يدل على أن هذا المثل لقصة معلومة، فإنه أوقع في العبرة والموعظة مثل المواعظ بمصير الأمم الخالية" (١).
• النتيجة:
يتبين من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن قصة الرجليْن في سورة الكهف كانت واقعة فيما مضى من السنين، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، بخلاف ما ذهب إليه القاسمي ﵀، والله أعلم.
стр. 881
١٤٩ - قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ [سورة الكهف: ٤٤].
قال القاسمي: ﴿هُنَالِكَ﴾ على الأوجه المتقدمة (١)، خبر مقدم و ﴿الْوَلَايَةُ﴾ مبتدأ مؤخر. والوقف على ﴿مُنْتَصِرًا﴾. وجوز بعضهم كون ﴿هُنَالِكَ﴾ معمولا لـ ﴿مُنْتَصِرًا﴾ وإن الوقف عليه. أي على ﴿هُنَالِكَ﴾ وإن ﴿الْوَلَايَةُ لِلَّهِ﴾ جملة من مبتدأ وخبر مستأنفة. أي ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ في ذلك الوطن الذي حل به عذاب الله. فلم يكن منقذ له منه.
وأقول: هذا الثاني ركيك جدا، مفكك لرؤوس الآي في السورة. فإنها قطعت كلها بالاسم المنصوب. وشبهة قائله جوازه عربية. وما كل جائز عربية رقيق الحواشي بلاغة. ولذلك لم يعول عليه الزمخشري (٢) ومن تابعه (٣).
• أقوال أهل العلم في الوقف وما يترتب عليه من معنى في قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾:
القول الأول: أن الوقف يكون عند قوله: ﴿مُنْتَصِرًا﴾ ويكون المعنى: وما كان منتصرا في الدنيا ولا في الآخرة.
القول الثاني: يجوز أن يكون الوقف عند ﴿هُنَالِكَ﴾ ويكون المعنى: وما كان منتصرا في ذلك الوطن الذي حل به عذاب الله، يعني في الدنيا.
стр. 882
أصحاب القول الأول:
أبو عمرو الداني: "الأوجه أن يكون ﴿هُنَالِكَ﴾ مبتدأ، أي: في تلك الحال تبين نصرة الله وليه" (١).
السجاوندي (٢): " قيل: يوصل، فيوقف على: ﴿هُنَالِكَ﴾ أي: لا ينصره أحد، ولا ينتصر بنفسه في ذلك الوقت، ثم يبتدأ: ﴿الْوَلَايَةُ لِلَّهِ﴾، وله وجه، والأوجه أن يبتدأ بـ ﴿هُنَالِكَ﴾، أي: عند ذلك يظهر لكل شاك سلطان الله ونفاذ أمره" (٣).
النيسابوري: " الأوجه أن يبتدأ بـ ﴿هُنَالِكَ﴾ أي عند ذلك يظهر لكل شاك سلطان الله ونفاد أمره" (٤).
الآلوسي: " والظاهر أن الوقف على ﴿مُنْتَصِرًا﴾ وقوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ﴾ إلخ ابتداء كلام، وحينئذ فالولاية مبتدأ و ﴿لِلَّهِ﴾ الخبر" (٥).
أصحاب القول الثاني:
النحاس: " التمام ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ إن ابتدأت ﴿هُنَالِكَ﴾ وإن جعلتها ظرفًا لمنتصر فالتمام ﴿هُنَالِكَ﴾ والكافي بعده ﴿الْوَلَايَةُ لِلَّهِ﴾ " (٦).
مكي بن أبي طالب: " ﴿هنالك الولاية لله الحق﴾. أي لم يكن ممتنعا ﴿هُنَالِكَ﴾ ثم ابتدأ
стр. 883
فقال: ﴿الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ فلا يوقف على " منتصرا " على هذا التقدير. ويجوز أن يكون ﴿هُنَالِكَ﴾ ظرفا للولاية، فيحسن الوقف على ﴿مُنْتَصِرًا﴾ " (١).
ابن كثير: " اختلف القرّاء هاهنا، فمنهم من يقف على قوله: ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣) هُنَالِكَ﴾ أي: في ذلك الموطن الّذي حلّ به عذاب اللّه، فلا منقذ منه، ويبتدئ بقوله: ﴿الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ ومنهم من يقف على: ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ ويبتدئ بقوله: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ " (٢).
الأشموني (٣): " ولا يوقف على ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ولا على ﴿مُنْتَصِرًا﴾ إن جعل هنالك من تتمة ما قبله أي ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله هنالك والابتداء بقوله ﴿الْوَلَايَةُ لِلَّهِ﴾ فتكون جملة من مبتدأ وخبر أي في تلك الحالة يتبين نصر الله وليه" (٤).
• دراسة المسألة:
يظهر من خلال النظر واستقراء ما ذكره المفسرون وأهل العلم في هذه المسألة، أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن الوجه في الوقف في قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ أن يكون عند لفظ: ﴿مُنْتَصِرًا﴾، وذلك من وجهين:
الأول: القراءات الصحيحة المتواترة الدالة على أن الولاية لله تكون في الدنيا والآخرة.
فقد قرأ الجمهور: بفتح الواو في قوله: ﴿الْوَلَايَةُ﴾ من: الموالاة والنصرة والصلة كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [سورة البقرة: ٢٥٧]، وهذه الموالاة والنصرة تكون من
стр. 884
الله تعالى في الدنيا، ففي هذه الحال الشديدة يتولى الله ويؤمن به كلّ مضطر، وعلى هذا المعنى فالآية كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [سورة غافر: ٨٤]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [سورة محمد: ١١] ونحو ذلك من الآيات (١).
وقرأ حمزة والكسائي: ﴿الوِلاية﴾ بكسر الواو، يعني السلطان والملك. أي هنالك السلطان له والملك. لا يغلب ولا يمتنع منه، فليس في ذلك اليوم سلطان غيره مثل قوله : ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [سورة الانفطار: ١٩]، وقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [سورة غافر: ١٦]، وقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [سورة الفرقان: ٢٦] الآية، ونحو ذلك (٢).
فدلت هذه القراءات وما يترتب عليها من معاني، أن الوجه في الوقف أن يكون على رأس الآية وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ لتشمل المعنييْن.
الثاني: سياق الآيات الذي دل على أن الكافر ما كان منتصرا في الدنيا ولا في الآخرة، فقوله تعالى: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ يدل على أن الثواب يكون في الدنيا، والعاقبة تكون يوم القيامة، فهو سبحانه خير ثوابا لأوليائه في الدنيا والآخرة، وخير عقبا أي: عاقبة في الآخرة (٣).
стр. 885
• النتيجة:
بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، من أن الوجه في الوقف في قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ أن يكون عند لفظ: ﴿مُنْتَصِرًا﴾، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.
стр. 886
١٥٠ - قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [سورة الكهف: ٨٣].
قال ابن القيم في (إغاثة اللهفان) في الكلام على الفلاسفة: فذو القرنين كان رجلا صالحا موحدا لله تعالى يؤمن بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. وأما هذا المقدونيّ، فكان مشركا يعبد الأصنام هو وأهل مملكته. وكان بينه وبين المسيح نحو ألف وستمائة سنة. والنصارى تؤرخ له، وكان أرسطاطاليس (١) وزيره. وكان مشركا يعبد الأصنام (٢).
قال القاسمي: وفيه نظر. فإن المرجع في ذلك هم أئمة التاريخ وقد أطبقوا على أنه الإسكندر الأكبر ابن فيليس باني الإسكندرية، وأما دعوى أنه كان مشركا يعبد الأصنام، فغير مُسَلَّم، وإن كان قومه وثنيين، لأنه كان تلميذا لأرسطاطاليس (٣).
• أقوال أهل العلم في الإسكندر المقدونيّ (٤) من حيث تعظيمه للشرك وعبادة الأوثان:
القول الأول: أن الاسكندر المقدوني كان مشركا يعبد الأصنام.
القول الثاني: أن الاسكندر المقدوني كان يُنكر عبادة الأصنام.
стр. 887
أصحاب القول الأول:
ابن تيمية: " الإسكندر بن فيلبس اليوناني المقدوني التي تُؤَرَّخُ له التاريخ الرومي من اليهود والنصارى، كان مشركا يعبد هو وقومه الأصنام، ولم يكن يسمى ذا القرنين، ولا هو ذا القرنين المذكور في القرآن" (١).
السيوطي: " الإسكندر الذي له أرسطو بن فيلبس المقدوني الذي يؤرخ له تاريخ الروم عند اليهود والنصارى، وهو إنما ذهب إلى أرض الفرس، لم يصل إلى السد عند من يعرف أخباره، وكان مشركًا يعبد الأصنام وكذلك أرسطو وقومه كانوا مشركين يعبدون الأصنام، وذو القرنين كان موحدًا مؤمنًا بالله" (٢).
القنوجي: " الاسكندر الذي وزر له أرسطو هو المقدوني الذي يؤرخ له تاريخ الروم المعروف عند اليهود والنصارى وهو إنما ذهب إلى أرض القدس لم يصل إلى السد عند من يعرف أخباره، وكان مشركاً يعبد الأصنام، وكذلك أرسطو وقومه كانوا مشركين يعبدون الأصنام وذو القرنين كان موحداً مؤمناً بالله" (٣).
ابن عاشور: "إذا تدبرت جميع هذه الأحوال -يعني في قصة ذي القرنين- نفيت أن يكون ذو القرنين إسكندر المقدوني لأنه لم يكن ملكا صالحا بل كان وثنيا فلم يكن أهلا لتلقي الوحي من الله وإن كانت له كمالات على الجملة" (٤).
أصحاب القول الثاني:
ابن العديم (٥): "وكان أرسطو طاليس متعلم الاسكندر الملك بن فلغيوس بن
стр. 888
الاسكندر المقدوني بآدابه عمل في سياسة رعيته وسيرة ملكه، وانقمع له الشرك في بلاد اليونانيين وظهر الخير وفاض العدل" (١).
رزق الله شيخو (٢): " وكان - يعني الاسكندر- حكيماً فاضلاً زاهداً اشتغل بالرياضة وأعرض عن ملاذ الدنيا. ونهى الناس عن عبادة الأصنام فثارت عليه العامة وألجأوا ملكهم إلى قتله فحبسه ثم سقاه سماً فمات" (٣).
• دراسة المسألة:
بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم، واستقراء ما قيل في هذه المسألة، يحسن أن نقف مع القاسمي ﵀ فيما ذكر على ثلاث وقفات لبيان ما هو صواب إن شاء الله تعالى:
الوقفة الأولى:
قول القاسمي ﵀: "فإن المرجع في ذلك هم أئمة التاريخ وقد أطبقوا على أنه الإسكندر الأكبر ابن فيليس … إلى أن قال: وأما دعوى أنه كان مشركا يعبد الأصنام، فغير مُسلم".
جوابه: إن كان المرجع في ذلك أئمة التاريخ، فإن لنا من المؤرخين من نحسبهم أوثق ممن نقل عنهم، كالحافظ الذهبي والحافظ ابن كثير، فقد نصوا على أن الإسكندر المقدوني، كان مشركا، ومُعظمًا للأصنام.
قال الذهبي في تاريخه: "فليس إسكندر صاحب أرسطو طاليس هو الذي قص الله سبحانه قصته في القرآن، فالذي في القرآن رجل مؤمن، وأما الآخر فمشرك يعبد الوثن؛ واسمه إسكندر بن فلبس المقدوني، على دين الحكماء - لا رعاهم الله - ولم يملك الدنيا ولا
стр. 889
طافها؛ بل هو من جملة ملوك اليونان" (١).
وقال ابن كثير في تاريخه: "فإن الأول - يعني ذي القرنين واسمه الاسكندر- كان عبدا مؤمنا صالحا وملكا عادلا، وكان وزيره الخضر، وقد كان نبيا على ما قررناه قبل هذا. وأما الثاني: - يعني الإسكندر المقدوني- فكان مشركا، وكان وزيره فيلسوفا، وقد كان بين زمانيهما أزيد من ألفي سنة. فأين هذا من هذا، لا يستويان ولا يشتبهان، إلا على غبي لا يعرف حقائق الأمور" (٢).
الوقفة الثانية:
قول القاسمي ﵀ في هذه المسألة: " فالوثنية، وإن كانت دين اليونانيين واعتقاد شعبهم، إلا أنه لا ينافي أن يكون الملك وخاصته على اعتقاد آخر يجاهرون به أو يكتمونه، كالنجاشيّ ملك الحبشة. فإنه جاهر بالإيمان بالنبيّ ﷺ . وشعبه وأهل مملكته كلهم نصارى. وهكذا كان الإسكندر وأستاذه والحكماء قبله" (٣).
جوابه: أن هذا القياس في غير محله، فإن الحكم على الناس في الدنيا إنما يكون بالظاهر، فإذا كان دين اليونانيين واعتقاد شعبهم هو عبادة الأوثان، حُكِمَ على من يحكُمهم بأنه مثلهم من حيث الظاهر.
وأما النجاشي وإن كان شعبه عامتهم من النصارى فإنه لا يُحكم عليه بمثلهم، لما ثبت في الصحيح أنه أسلم وصلى عليه النبي ﷺ صلاة الغائب، كما روى البخاري في صحيحه من حديث جابر ﵁: قال النبي ﷺ حين مات النجاشي: «مات اليوم رجل صالح، فقوموا فصلوا على أخيكم أصحمة» (٤).
فهذا نص صريح في ثبوت إسلامه، بخلاف الاسكندر، والله أعلم.
стр. 890
الوقفة الثالثة:
قول القاسمي ﵀ مُعَقّبًا على الرازي: وأما قول الفخر الرازيّ: (إن في كون الإسكندر ذا القرنين إشكالا قويّا. وهو أنه كان تلميذ أرسطاطاليس الحكيم وكان على مذهبه، فتعظيم الله إياه يوجب الحكم بأن مذهب أرسطاطاليس حقّ وصدق. وذلك مما لا سبيل إليه) (١)، فلا يخفى دفع هذا اللزوم. فإن من كان تابعا لمذهب فمدح لأمر ما يوجب مدحه لأجله، فلا يلزم أن يكون المدح لأجل مذهبه ومتبوعه. إذ قد يقوم فيه من الخلال والمزايا ما لا يوجد في متبوعه. وقد يبدو له من الأنظار الصحيحة ما لا يكون في مذهبه الذي نشأ عليه مقلدا. أفلا يمكن أن يكون حرّا في فكره ينبذ التقليد الأعمى ويعتنق الحق. ومن آتاه الله من الملك ما آتاه، أفيمتنع أن يؤتيه من تنور الفكر وحرية الضمير ونفوذ البصيرة ما يخالف به متبوعه. هذا على فرض أن متبوعه مذموم. وقد عرفت أن متبوعه (أعني أرسطاطاليس)، كان موحدا. وهو معروف في التاريخ لا سترة فيه، على أنه لو استلزمت الآية مدح مذهب أستاذه لكان ذلك في الأصول التي هي المقصودة بالذات، وكفى بها كمالا. وللرازيّ فرض يغتنم بها التنويه بالحكماء والتعريف لمذهبهم، وهذه منها. وإن صبغها- سامحه الله- في هذا الأسلوب، عرف ذلك من عرف (٢).
وهذا الذي ذكره عين الحق والصواب، إلا أنه يحب التنبيه على أن الحكم على أرسطاطاليس بأنه موحد، لا يستلزم منه أن يكون مسلمًا مُتبعًا لموسى ﵇، أو عيسى ﵇، فربما كان يعتقد بوجود إله واحد فحسب، والله أعلم.
• النتيجة:
يتبين من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن الإسكندر المقدوني كان مُشركًا معظمًا للأصنام، خلافًا لما ذهب إليه القاسمي ﵀، لما تقدم تقريره، والله أعلم.
стр. 891
١٥١ - قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [سورة الكهف: ٩٤].
قال القاسمي: القصد أن هذا اللقب (ذو القرنين) شهير وليس من أوضاع العرب خاصة. كما زعمه بعضهم. بل هو معروف عند العبرانيين أيضا. وقد يظهر أنه من رموزهم الخاصة التي سرت إلى العرب. وأقرتهم عليها (١).
• أقوال أهل العلم في الأمة التي أطلقت على ذي القرنين هذا اللقب:
القول الأول: أن لقب ذو القرنين من أوضاع العرب خاصة.
القول الثاني: أن لقب ذو القرنين مشهور عند الأمم السابقة، وعند العرب كذلك ..
أصحاب القول الأول:
ظاهر قول ابن حجر: "والذي يقوي أن ذا القرنين من العرب كثرة ما ذكروه في أشعارهم" (٢).
ابن عاشور: "والذي يجب الانفصال فيه بادئ ذي بدء أن وصفه بذي القرنين يتعين أن يكون وصفا ذاتيا له وهو وصف عربي يظهر أن يكون عرف بمدلوله بين المثيرين للسؤال عنه فترجموه بهذا اللفظ" (٣).
أصحاب القول الثاني:
وهب بن منبه: " كان ذو القرنين ملكا، فقيل له: فلم سمي ذا القرنين؟ قال: اختلف فيه أهل الكتاب، فقال بعضهم: ملك الروم وفارس وقال بعضهم: كان في رأسه شبه القرنين. وقال آخرون: إنما سمي ذلك لأن صفحتي رأسه كانتا من نحاس" (٤).
стр. 892
ابن كثير: "اختلفوا في السبب الذي سمي به ذا القرنين; فقيل: لأنه كان له في رأسه شبه القرنين. وقال وهب بن منبه: كان له قرنان من نحاس في رأسه. وهذا ضعيف. وقال بعض أهل الكتاب: لأنه ملك فارس والروم" (١).
• دراسة المسألة:
بعد التتبع والنظر في أقوال أهل العلم في هذه المسألة واستقراء ما ذكره المفسرون، يظهر أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن لقب ذي القرنين كان مشهورا في القديم عند العبرانيين، وليس من أوضاع العرب خاصة وذلك من وجهين:
الأول: ما روي عن قتادة أنه قال: " لقي اليهود النبي ﷺ لم فتغشوه، قالوا: إن كان نبيا سيعلم، فسألوه عن الروح، وعن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، فأنزل الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [سورة الإسراء: ٨٥]، يعني: «اليهود وقص عليهم نبأ أصحاب الكهف، وذي القرنين» (٢).
والشاهد: أن اليهود سألوا النبي ﷺ عن ذي القرنين فأطلقوا عليه هذا اللقب، ولم يُطلقوا عليه اسمًا أو لقبًا آخر، فدل هذا على أن لقب ذي القرنين كان معروفًا عندهم وعند أسلافهم، والله أعلم.
الثاني: أن لفظ ذو القرنين جاء مقرونًا بلفظ: يأجوج ومأجوج في قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾ [سورة الكهف: ٩٤] وأكثر أهل العلم على أن هذين اسمان أعجميان، مثل: طالوت وجالوت، وهاروت وماروت (٣)، فيُحتمل أن يكون لقب ذي القرنين مما عُرّب من ألفاظ العجم، والله أعلم.
الثالث: أنه يجوز أن يكون لقب ذي القرنين من الكناية عن كل ذي قوة وبأس وسلطان. لأن ذا القرون من المواشي أقواها وأشدها. والكناية بالقرن عن القوة والسلطان
стр. 893
معروفة عند اليهود، الذين هم السائلون. وقد وقع في توراتهم في نبوة دانيال ﵇ قوله عن الملك: (فإذا أنا بكبش واقف عند النهر. وله قرنان) ثم قوله: (وبينما كنت متأملا إذا بتيس معز قد أقبل من المغرب على وجه الأرض كلها. وللتيس قرن عجيب المنظر بين عينيه) قالوا: القرن هنا رمز إلى القوة والسلطان. والتيس رمز إلى مملكة اليونان. وقرنه رمز إلى أول ملك على هذه المملكة وهو الإسكندر الكبير. وما أشار إليه من سرعة مسير هذا التيس إيماء إلى كثرة ما دهم البلاد به من الغارات المتواصلة (١).
الرابع: سياق الآيات الذي دل على أن القوم الذين في زمانه كانوا يُخاطبونه بذي القرنين، كما في قوله: ﴿قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ وقوله: ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، والقوم الذين كانوا في زمانه، يُحتمل أنهم لم يكونوا من العرب، وذلك لأن ذا القرنين كان معاصراً لإبراهيم ﵇، وإبراهيم من ذرية سام بن نوح وكان يتكلم بالسريانية (٢)، فدل هذا على أن لقب ذي القرنين كان مشهورا عند غير العرب، والله أعلم.
• النتيجة:
بعد ذكر ما تم الوقوف عليه من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن لقب ذي القرنين كان مشهورا عند العرب وغيرهم من الأمم، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، الله أعلم.
стр. 894
١٥٢ - قوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ [سورة الكهف: ٨٦].
قال الرازي: يدل قوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ على أنه تعالى تكلم معه من غير واسطة. وذلك يدل على أنه كان نبيا. وحمل هذا اللفظ على أن المراد أنه خاطبه على ألسنة بعض الأنبياء فهو عدول عن الظاهر (١).
قال القاسمي: ولا يخفى ضعف الاستدلال بهذه الأدلة على نبوته. لأن مقام إثباتها يحتاج إلى تنصيص وتخصيص. وأما تعمق الجري وراء العمومات، لاستفادة مثل ذلك، فغير مقنع (٢).
• أقوال أهل العلم في ثبوت نبوة ذي القرنين (٣):
القول الأول: أن ذا القرنين كان نبيًا من أنبياء الله تعالى.
القول الثاني: أن ذا القرنين كان ملِكًا، أو كان عبدا صالحًا، ولم يكن نبيًا.
أصحاب القول الأول:
عبد الله بن عمرو ﵁: " كان ذو القرنين نبياً"، وبنحو ذلك روي عن مجاهد، وعكرمة، والحسن البصري (٤).
البقاعي: " ﴿يَاذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ إعلاماً بقربه من الله وأنه لا يفعل إلا ما أمره به، إما بواسطة الملك إن كان نبياً وهو أظهر الاحتمالات، الاحتمالات، أو بواسطة نبي زمانه" (٥).
стр. 895
الآلوسي: " والحق أن الآية ظاهرة الدلالة في نبوته -يعني ذي القرنين- ولعلها أظهر في ذلك من دلالة قوله تعالى: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ على نبوة الخضر ﵇" (١).
قال بعض المفسرين: أن ذا القرنين كان نبيًا، لقوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ " (٢).
أصحاب القول الثاني:
علي بن أبي طالب ﵁: سألوه عن ذي القرنين أنبيا كان؟ قال: "كان عبدا صالحا، أحب الله فأحبه، وناصح الله فنصحه، فبعثه الله إلى قومه"، وبنحو ذلك روي عن بكر بن مضر (٣)، وابن زيد (٤)، من أنه عبد صالح أو ملِك وليس نبي.
النحاس: "ولم يصح أن ذا القرنين نبي" (٥).
مكي بن أبي طالب: " ذو القرنين لم يصح أنه نبي فيخاطبه الله" (٦).
ابن عطية: "واختُلف في ذي القرنَيْن، فقيل: هو نبي، وهذا ضعيف" (٧).
ابن جزي: " وكان -يعني ذي القرنين- رجلا صالحا، وقيل كان نبيا، وقيل كان مَلَكا بفتح اللام والصحيح أنه ملِك -بكسر اللام-" (٨).
стр. 896
• دراسة المسألة:
من خلال استقراء ما ذكره أهل العلم من بعض الأدلة والأقوالـ، والاجتهادات في هذه المسألة، يتبين أن الأولى هو عدم الخوض في ثبوت نبوة ذي القرنين من عدمها، فإذا كان النبي ﷺ وهو خير البشر وأعلمهم وأتقاهم قد قال: "وما أدري ذو القرنين نبيا كان أم لا؟ " (١)، فكيف بغيره.
ولكن على احتمال أن النبي ﷺ قال ذلك في بداية العهد، ثم أعلمه الله أكان ذو القرنين نبيًا أم لا، فإن الصواب في هذه المسألة أن ذا القرنين كان ملكًا، أو كان عبدا صالحًا، ولم يكن نبيًا، وهو الذي عليه أكثر أهل العلم (٢)، وهو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، وذلك من وجهين:
الأول: أن مثل هذه المسائل تحتاج إلى دليل قاطع، وليس مجرد الوقوف على أقوال فحسب، وذلك لشرف مقام النبوة.
الثاني: ما روي في الأخبار أن ذا القرنين أسلم على يدي إبراهيم الخليل، وطاف معه بالكعبة المكرمة هو وإسماعيل، ﵇ (٣).
وهذا يدل على أن ذا القرنين لم يكن مُسلمًا، إنما كان وثنيًا باعتبار الغالب في القوم الذين كانوا في عهد إبراهيم ﵇ والله أعلم، والأنبياء لم يُعرف من أحدهم أنه كان يعبد صنماً أو وثنًا حتى قبل أن يوحى إليه، وذلك لسلامة طبعهم وفطنتهم، وما جُبلوا عليه.
стр. 897
الجواب على قول الرازي:
استدل الرازي بإثبات نبوة ذي القرنين بقوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ وذلك أن الله تعالى تكلم معه من غير واسطة، والجواب من وجهين:
الوجه الأول: أن قوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ يجوز أن يُفهم منه أن يكون الله جل وعز خاطبه على لسان نبي في وقته، ويجوز أن يكون قال له هذا كما قال ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [سورة محمد: ٤] (١).
الوجه الثاني: مما يدل على احتمال أن يكون الله تعالى خاطب نبيًا في وقته، سياق وظاهر الآيات: إذ كيف يقول ذو القرنين لربه سبحانه ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ﴾ وكيف يقول، ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ فيخاطب بالنون (٢).
تنبيهان:
الأول: وروي عن جبير بن نفير: أن أحبارًا من اليهود قالوا للنبي ﷺ : حدثنا عن ذي القرنين إن كنت نبيًّا. فقال رسول الله ﷺ : «هو ملِك مَسَح الأرض بالأسباب» (٣).
ولم يقف الباحث على إسناد هذه الرواية، وإلا لو صحت لكان دليلا لأصحاب القول الثاني، على أن ذا القرنين كان ملكًا، ولم يكن نبيًا.
الثاني: روي عن ابن عباس في شأن ذي القرنين روايتان: الأولى أوردها السمرقندي في تفسيره، وهي: أن ابن عباس يقول: أن ذا القرنين كان رجلا صالحا ولم يكن نبيًا (٤)، والثانية أوردها السيوطي في تفسيره، وهي: أن ابن عباس يقول: أن ذا القرنين نبي (٥)، ولم
стр. 898
يقف الباحث على إسناد كلا من الروايتين، ليعرف الصحيح منها من الضعيف.
• النتيجة:
من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الأقرب للصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن ذا القرنين كان ملِكًا، أو كان عبدا صالحًا، ولم يكن نبيًا، لما تقدم إيراده من الوجهيْن الداليْن على ذلك، والله أعلم.
* * *
стр. 899
سورة مريم
стр. 900
سورة مريم
١٥٣ - قوله تعالى: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [سورة مريم: ١٧].
قال القاسمي بعد إيراده لقول من يقول بكيفية تمثل الملك لمريم ﵍: ولا يخفى أن هذا البحث من الرجم بالغيب، واقتفاء ما لم يحط بكنهه، فالخوض فيه عبث ينتهي خائضه إلى حيث ابتدأ. لأنه من عالم الغيب الذي لا يصل علمنا إليه ولن يصل إليه بمجرد العقل. ولم يرد عن المعصوم ﷺ فيه نص قاطع.
وكل ما كان كذلك فليس من شأننا أن نبحث فيه. فاعرف ذلك فإنه ينفعك في مواضع عديدة (١).
• أقوال أهل العلم في كيفية تمثل المَلَك بصورة بشر:
القول الأول: أن الله تعالى أفنى الزائد من خلقة الملَك أثناء التمثل، وهذا لا يوجب موت الملَك، ولا يلزم من ذلك أن ذات المَلَك انقلبت بشر.
القول الثاني: أن كيفية التمثل من أمور الغيب التي لا يدركها العقل، فنؤمن بأن الملك يتشكل بشكل البشر.
أصحاب القول الأول:
الجويني: " تمثل جبريل معناه أن اللَّه أفنى الزائد من خلقه، أو أزاله عنه، ثم يعيده إليه بعد" (٢).
العز بن عبد السلام: "لا يبعد أن يكون انتقالها - يعني روح جبريل- من الجسد الأول غير موجب لموته لأن موت الأجساد بمفارقة الأرواح ليس بواجب عقلاً، وإنما هو
стр. 901
بعادة مطّردة أجراها اللَّه في أرواح بني آدم، فيبقى ذلك الجسد حيّا لا ينقص، من معارفه وطاعاته شيء، ويكون انتقال روحه إلى الجسد الثاني كانتقال أرواح الشهداء إلى أجواف الطيور الخضر" (١).
البُلقيني: "يجوز ان يكون أتى بشكله الاصلي من غير فناء ولا ازالة الا انه انضم فصار على قدر هيئة الرجل واذا ترك ذلك عاد الى هيئته ومثال ذلك القطن اذا جمع بعد أن كان منتفشا فانه بالنفش يحصل له صورة كبيرة وذاته لم تتغير وهذا على سبيل التقريب" (٢).
ابن الملقن: " قوله: «وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ المَلَكُ رَجُلًا» يحتمل تمثيل جبريل له رجلًا أن الله تعالى أفنى الزائد من خلقه ثمَّ أعاده إليه" (٣).
أصحاب القول الثاني:
الطبري: " ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ يقول تعالى ذكره: فتشبه لها في صورة آدمي سوي الخلق منهم، يعني في صورة رجل من بني آدم معتدل الخلق" (٤).
ابن كثير: " ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ أي: على صورة إنسان تام كامل" (٥).
الإيجي: " ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ أي: على شكل إنسان تام كامل" (٦).
الشهاب الخفاجي: "ولهم كلام في كيفية التمثيل هل ما زاد من أجزائه يفنى أو يذهب ثم يعود أو يتداخل ويتصاغر أو يخفيه الله عن النظر والظاهر أنها احتمالات عقلية والأولى التوقف في مثله" (٧).
стр. 902
• دراسة المسألة:
من الأصول التي بنى عليها المتكلمين مذهبهم: قياس الغائب على الشاهد، ولا شك أن قياس الغائب على الشاهد تارة يكون حقًا، وتارة يكون باطلا (١).
وفي مثل هذه المسألة يقول بعضهم بمثل هذا القياس، بأن تمثل الملك بصورة بشر ليس موجبا لموته، بل يجوز أن يبقى في الجسد حيّا. لأن موت الجسد بمفارقة الروح ليس بواجب عقلا، بل بعادة أجراها الله تعالى في بعض خلقه، مثل انتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طيور خضر تسرح في الجنة، كما تقدم من كلام العز بن عبد السلام.
ومن خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم، واستقراء ما قيل في هذه المسألة، يتبين أن الحق مع أصحاب القول الثاني من أن كيفية التمثل من أمور الغيب التي لا يدركها العقل، فلا ينبغي الخوض في مثل هذه الدقائق، وذلك من وجهين:
الأول: أن القول بأن المراد من تمثل الملك: أن الله تعالى يُفني عن المَلك القدر الزائد، أو يُزيل عنه هذا القدر مع الجسد حيًا، كله من الخوض في أمور الغيب التي لا يجوز للمسلم أن يتكلم فيها إلا بنص من القرآن، وصحيح السنة، أو من آثار الصحابة التي يكون لها حكم الرفع.
وهذا من القول بلا علم الذي نهى الشارع عنه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [سورة الإسراء: ٣٦]
والواجب على المسلم الإيمان بما جاء في الكتاب والسنة من إثبات تمثل الملك بصورة بشر، من غير الخوض في الكيفية ودقائق الأحوال، والسؤال بـ (لم) و (كيف)؟ ونحو ذلك ..
يقول الإمام أحمد ﵀: "ومن السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقبلها ويؤمن بها لم يكن من أهلها، الإيمان بالقدر خيره وشره والتصديق بالأحاديث فيه والإيمان بها لا يقال: لم ولا كيف؟ إنما هو التصديق والإيمان بها" (٢).
стр. 903
الثاني: أنه لم يؤثر عن السلف أنهم خاضوا في مثل هذه المسائل وقالوا بفناء القدر الزائد، أو قالوا بأن روح الملك إذا انتقلت إلى الجسد فلا يلزم من ذلك موته، ونحو ذلك مما يطرأ في الأذهان، ولو كان خيرا لكانوا أسبق الناس إليه، وإنما فسروا تمثل الملك بظاهر النص.
فقد روي عن عبد الله بن عباس ﵁ من طريق جويبر، عن الضَّحّاك في قوله: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا﴾ في صورة الآدَمِيِّين، ﴿سَوِيًّا﴾ يعني: مُعْتَدِلًا، شابًّا، أبيض الوجه، جعدًا قَطَطًا، حين اخْضَرَّ شاربُه (١).
وروي عن قتادة بن دعامة قال: أرسل إليها فيما ذكر لنا جبريل (٢).
• النتيجة:
يتبين من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن المراد من تمثل جبريل في الآية أنه: جاء على شكل إنسان تام كامل، وأنه لا ينبغي الخوض في دقائق كيفية التشكل، وحال الملك عند التشكل، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.
стр. 904
سورة طه
стр. 905
سورة طه
١٥٤ - قوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ (٩٥) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا﴾ [سورة طه: ٩٦].
قال القاسمي: عامة المفسرين قالوا: المراد بالرسول في قوله تعالى: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا﴾ هو جبريل ﵇. وأراد بأثره، التراب الذي أخذه من موضع حافر دابته. ثم اختلفوا: أن السامري متى رآه؟ فقيل: إنما رآه يوم فلق البحر. وقيل: وقت ذهابه بموسى إلى الطور.
واختلفوا أيضا في: أن السامري كيف اختص برؤية جبريل ﵇، ومعرفته من بين سائر الناس؟ فقيل إنما عرفه لأنه رآه في صغره، وحفظه من قتل آل فرعون له، وكان ممن رباه. وكل هذا ليس عليه أثارة من علم ولا يدل عليه التنزيل الكريم. ولذا قال أبو مسلم الأصفهاني: ليس في القرآن تصريح بهذا الذي ذكره المفسرون (١).
• أقوال أهل العلم فيما روي من أن السامري عرف جبريل ﵇ من صغره:
القول الأول: أن السامري كان يعرف جبريل ﵇ من صغره، فحفظه من قتل آل فرعون له، وكان ممن رباه.
القول الثاني: أن ما روي من أن السامري كان يعرف جبريل ﵇ من صغره، كله لا يصح ولا دليل عليه.
стр. 906
أصحاب القول الأول:
السمعاني: "فإن قال قائل: كيف عرف هذا؟ وكيف رأى جبريل من بين سائر الناس؟ والجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن أمه لما ولدته في السنة التي كان يقتل فيها الأنبياء، وضعته في كهف حذرا عليه، فبعث الله جبريل ليربيه ويغذيه لما قضى الله على يده من الفتنة، فلما رآه عرفه وأخذ التراب، والوجه الثاني: أن جبريل كان على فرس حصان أبلق، وكان ذلك الفرس تسمى فرس الحياة، وكان كلما وضع (الفرس) حافره على موضع أخضر ما تحت حافره، فعرف أنه فرس الحياة، وكان سمع بذكره، وأن الذي عليه جبريل، فأخذ القبضة" (١).
العز بن عبد السلام: " ﴿الرَّسُولِ﴾ جبريل - ﵇ - عرفه لأنه رآه يوم فلق البحر حين قبض القبضة من أثره، أو عرفه لأنه كان يغذوه صغيراً لما ألقته أمه خوفاً أن يقتله فرعون لما كان يقتل بني إسرائيل فعرفه في كبره" (٢).
القرطبي: "روي في قصص العجل: أن السامري، واسمه موسى بن ظفر، ينسب إلى قرية تدعى سامرة. ولد عام قتل الأبناء، وأخفته أمه في كهف جبل فغذاه جبريل فعرفه لذلك" (٣).
العُليمي: " فإن قيل: كيف عرف جبريل ورآه من بين سائر الناس؟ قيل: لأن أمه لما ولدته في السنة التي يقتل فيه البنون، وضعته في كهف حذرا عليه، فبعث الله جبريل ﵇ ليربيه لما قضى على يديه من الفتنة" (٤).
أصحاب القول الثاني:
أبو مسلم الأصبهاني: " ليس في القرآن تصريح بهذا الذي ذكره المفسرون - يعني
стр. 907
فيما روي من أن السامري رأى جبريل في صغره- فههنا وجه آخر وهو أن يكون المراد بالرسول موسى ﵇" (١).
ابن عطية: "وسبب معرفة السامري بجبريل وميزه له فيما روي أن السامري ولدته أمه عام الذبح فطرحته في مغارة فكان جبريل ﵇ يغذوه ويحميه حتى كبر وشب فميزه بذلك، وهذا ضعيف" (٢).
الرازي: " والذي ذكروه من أن جبريل ﵇ هو الذي رباه -يعني السامري- فبعيد" (٣).
ابن عاشور: "ورووا قصة قالوا: إن السامري فتنه الله، فأراه الله جبريل راكبا فرسا فوطئ حافر الفرس مكانا فإذا هو مخضر بالنبات. فعلم السامري أن أثر جبريل إذا ألقي في جماد صار حيا، فأخذ قبضة من ذلك التراب وصنع عجلا وألقى القبضة عليه فصار جسدا، أي حيا، له خوار كخوار العجل، فعبر عن ذلك الإلقاء بالنبذ. وهذا الذي ذكروه لا يوجد في كتب الإسرائيليين ولا ورد به أثر من السنة وإنما هي أقوال لبعض السلف ولعلها تسربت للناس من روايات القصاصين" (٤).
• دراسة المسألة:
من خلال التأمل والنظر فيما ذكره المفسرون في هذه المسألة، وما تقدم إيراده من أقوال أهل العلم، يظهر أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن ما روي بأن السامري كان يعرف جبريل ﵇ من صغره، كله لم يصح، ولا دليل عليه وذلك من وجهين:
الأول: أن الروايات الواردة في هذا الشأن، لم يصح إسنادها، ليُحتج بها.
стр. 908
قال ابن جرير: حدثنا عبد الكريم بن الهيثم، قال: حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، قال: حدثنا أبو سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵁، قال: " لما هجم فرعون على البحر هو وأصحابه، وكان فرعون على فرس أدهم ذنوب حصان؛ فلما هجم على البحر هاب الحصان أن يقتحم في البحر، فتمثل له جبريل على فرس أنثى وديق، فلما رآها الحصان تقحم خلفها. قال: وعرف السامري جبريل لأن أمه حين خافت أن يذبح خلفته في غار وأطبقت عليه، فكان جبريل يأتيه فيغذوه بأصابعه، فيجد في بعض أصابعه لبنا، وفي الأخرى عسلا، وفي الأخرى سمنا. فلم يزل يغذوه حتى نشأ، فلما عاينه في البحر عرفه، فقبض قبضة من أثر فرسه .... إلخ" (١).
وهذه الرواية إسنادها ضعيف لعلتين:
الأولى: أن في إسنادها إبراهيم بن بشار الرمادي، وهو وإن كان صدوقًا في الجملة إلا أن روايته عن ابن عيينة فيها ضعف (٢).
الثانية: أن في إسنادها أيضًا أبو سعد وهو: سعيد بن المرزبان البقال الاعور مولى حذيفة ابن اليمان العبسي، وهو ضعيف، ضعّفه سفيان ابن عيينة، ويحيى بن معين، والبخاري، وغيرهم (٣).
وقال ابن جرير أيضًا في تفسيره: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني الحجاج، عن ابن جريج قال: لما قتل فرعون الولدان قالت أم السامري: لو نحيته عني حتى لا أراه، ولا أدري قتله، فجعلته في غار، فأتى جبرئيل، فجعل كف نفسه في فيه، فجعل يرضعه العسل واللبن، فلم يزل يختلف إليه حتى عرفه، فمن ثم معرفته إياه حين قال: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ [سورة طه: ٩٦] (٤).
стр. 909
وهذه الرواية إسنادها ضعيف لعلتين:
الأولى: أن في إسنادها القاسم شيخ الطبري، ولم يجزم أحد من أهل العلم باسمه والحكم عليه جرحًا أو تعديلا، بحسب اطلاع الباحث.
الثانية: أن في إسنادها الحسين بن داود المصيصي، ويُلقب بـ (سُنيد)، وهذا وإن كان قد وثقه بعض أهل العلم دون بعض، إلا أنه على القول بتوثيقه فقد تُكُلِّم في روايته عن الحجاج بن محمد الأعور.
قال أبو بَكْر الخلال: ونرى أن أحاديث الناس عَنْ حجاج صحاح صالحة إلا ما روى سنيد من هذه الأحاديث (١).
الثاني: أن تربية جبريل ﵇ للسامري في صغره مما لا يجوز عقلا في حق الملائكة، إذ ليس من صفات الملائكة الكرام تربية الصغار، وإرضاعهم العسل واللبن، لا سيما جبريل ﵇ الموكل بالوحي.
وإذا كان جبريل ﵇ يُرضع العسل واللبن للسامري، فهذا يدل على أن السامري كان عمره دون السنتين، وليس من المعقول أن يتذكر السامري ويعرف جبريل ﵇ في كبره بعد كل تلك السنين، لا سيما إذا كان السامري عمره دون السنتين، إذ يصعب عليه تحديد ذوات الأشخاص ومعرفتهم، وثباتهم في ذاكرته إلى وقت طويل من الزمن، والله أعلم.
تنبيه:
استدل أبو مسلم الأصبهاني بقوله المتقدم بأن يكون المراد بالرسول موسى ﵇، وليس جبريل ﵇ بأدلة، وقد أوردها الآلوسي في تفسيره وأجاب عليها بما يفي تمامًا، مما لا يسع المقام لإيرادها (٢).
стр. 910
• النتيجة:
بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن ما روي بأن السامري كان يعرف جبريل ﵇ من صغره، كله لم يصح، لما تقدم إيراده من الوجهين الداليْن على ذلك، والله أعلم.
* * *
стр. 911
سورة الأنبياء
стр. 912
سورة الأنبياء
١٥٥ - قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [سورة الأنبياء: ٧٩].
قال القاسمي: دلت هذه الآية على جواز الاجتهاد للأنبياء ﵈. وهو مذهب الجمهور. ومنعه بعضهم. ولا مستند له. لأن قضاء داود لو كان بوحي لما أوثر قضاء ابنه سليمان عليه (١).
• أقوال أهل العلم في دلالة الآية على حكم الاجتهاد للأنبياء:
القول الأول: أن الآية دالة على أن الأنبياء يجوز لهم الاجتهاد في الأحكام والقضاء بين الناس.
القول الثاني: أن الآية غير دالة على جواز الاجتهاد للأنبياء، لأن داوود ﵇ حكم بحكم ثم نُسخ، ثم حكم سليمان ﵇ فكان حكمه ناسخًا.
أصحاب القول الأول:
الجرجاني: "وقوله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ دليل على أنّهما حكما باجتهاد الرأي لا بالنصّ، وللنبيّ أن يجتهد في حادثة علم أصولها بالوحي" (٢).
السمعاني: "واختلف العلماء أن داود حكم ما حكم بالاجتهاد أو بالوحي؟ وكذلك سليمان، فقال بعضهم: إنهما فعلا بالاجتهاد، وقالوا: يجوز الاجتهاد للأنبياء؛ ليدركوا ثواب المجتهدين، إلا أن داود أخطأ، وسليمان أصاب، والخطأ يجوز على الأنبياء إلا أنهم لا يقرون عليه … إلى أن قال: وهذا هو الأصح" (٣).
стр. 913
ابن جزي: "وظاهر قوله: ففهمناها سليمان: أنه كان باجتهاد فخص الله به سليمان ففهم القضية" (١).
أبو حيان: "والظاهر أن كلا من داود وسليمان حكم بما ظهر له وهو متوجِّه عنده، فحُكمهما باجتهاد، وهو قول الجمهور، واستُدل بهذه الآية على جواز الاجتهاد" (٢).
أصحاب القول الثاني:
الزمخشري: " فإن قلت: أحكما بوحي أم باجتهاد؟ قلت: حكما جميعا بالوحي، إلا أن حكومة داود نسخت بحكومة سليمان" (٣).
الجبائي: "الاجتهاد غير جائز من الأنبياء ﵈" (٤).
الغزالي: " من أين صح أنهما بالاجتهاد حكما - يعني داود وسليمان ﵉ ومِن العلماء من منع اجتهاد الأنبياء عقلا ومنهم من منعه سمعا ومن أجاز أحال الخطأ عليهم؟ فكيف ينسب الخطأ إلى داود عليه؟ ومن أين يَعْلَمُ أنه قال ما قال عن اجتهاد ﵇؟ " (٥).
قال جماعة من المفسرين: لا دلالة في الآية على أنهما قالا ذلك من جهة الرأي والاجتهاد (٦).
стр. 914
• دراسة المسألة:
جاء في تفسير الآية أن غنما على عهد داوود وسليمان مرت بحرث لقوم فأفسدته، وروي أن الحرث كان حنطة، وروي أنه كان كَرْما، فأفسدت ذلك الحرث فحكم داود بدفع الغنم إلى أصحاب الكَرْم وحكم سليمان بأن يدفع الغنم إلى أصحاب الكرم فيأخذوا منافعها من ألبانها وأصوافها وعوارضها إلى أن يعود الكرم كهيئته وقت أفسد فإذا عاد الكرم إلى هيئته ردت الغنم إلى أربابها ويُدفع الكرم - وهو العنب- إلى صاحب الكرم، فكان الصواب مع سليمان ﵇، ولهذا قال سبحانه: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ (١).
ومن خلال التأمل في أقوال أهل العلم واستقراء ما ذكره المفسرون في تأويل الآية، يتبين أن الصواب من أقوالهم: أن الآية دالة على جواز اجتهاد الأنبياء، وان حكم داوود وحكم سليمان ﵉ كان باجتهاد، وهو الذي عليه جمهور المفسرين (٢)، وهو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، وذلك من أوجه:
الأول: ظاهر الآية الذي يدل على أن الأنبياء يجوز لهم الاجتهاد في الإفتاء والقضاء بين الناس، لأن داود وسليمان ﵉، لو حكما من طريق النص لما خص سليمان بالفهم فيها دون داود ﵉، وما يذكر بالتفهيم إنما يكون بالاجتهاد، فأما الوحي والتنزيل، فلا يذكر بالتفهيم (٣).
وأن قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا﴾ الآية يدل على أنه فهمه إياها من نصوص ما كان عندهم من الشرع؛ لا أنه أنزل عليه فيها وحيًا جديدًا ناسخًا؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا﴾ أليق بالأول من الثاني (٤).
стр. 915
الثاني: أن بعضًا من السلف، استنبطوا من الآية مشروعية الإفتاء في الحوادث والنوازل.
فقد وروي عن الحسن البصري ﵀ أنه قال: لولا هذه الآية، لم يجرأ أحد منا أن يفتي في الحوادث (١).
والشاهد: أن قضاء سليمان ﵇، كان بفتوى واجتهاد، وإلا لولا هذا الاجتهاد، لما تجرأ أحد على الفُتيا والاجتهاد.
وأخرج ابن أبي حاتم بسنده أن إياس بن معاوية لما استقضى، أتاه الحسن فرآه حزينا فبكى إياس فقال: ما يبكيك؟! فقال: يا أبا سعيد، بلغني إن القضاة ثلاثة: رجل اجتهد فأخطأ فهو في النار، ورجل مال به الهوى فهو في النار، ورجل اجتهد فأصاب فهو في الجنة، فقال الحسن: إن فيما قص الله من نبأ داود ما يرد ذلك. ثم قرأ: أخذ الله على الحكام ثلاثة: أن لا يشتروا بآياته ثمنا قليلا، ولا يتبعوا الهوى، ولا يخشوا الناس. ثم تلا هذه الآية: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ [سورة ص: ٢٦] الآية، وقال: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [سورة المائدة: ٤٤] (٢).
الثالث: مما يدل على أن حكم داود ﵇ كان اجتهادا وليس وحيًا: روي في الأخبار الكثيرة أن داود لم يكن بت الحكم في ذلك حتى سمع من سليمان أنَّ غير ذلك أولى، وفي بعضها أنّ داود ناشده لكي يورده ما عنده، ولو كان نصاً لكان يظهره ولا يكتمه.
ووجه الاجتهاد فيه ما ذكره ابن عباس ﵁: أن داود ﵇ قَوَّم قدر الضرر في الكرم فكان مساوياً لقيمة الغنم وكان عنده أنّ الواجب في ذلك الضرر أن يزال بمثله من