سورة الأنبياء
١٥٥ - قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [سورة الأنبياء: ٧٩].
قال القاسمي: دلت هذه الآية على جواز الاجتهاد للأنبياء ﵈. وهو مذهب الجمهور. ومنعه بعضهم. ولا مستند له. لأن قضاء داود لو كان بوحي لما أوثر قضاء ابنه سليمان عليه (١).
• أقوال أهل العلم في دلالة الآية على حكم الاجتهاد للأنبياء:
القول الأول: أن الآية دالة على أن الأنبياء يجوز لهم الاجتهاد في الأحكام والقضاء بين الناس.
القول الثاني: أن الآية غير دالة على جواز الاجتهاد للأنبياء، لأن داوود ﵇ حكم بحكم ثم نُسخ، ثم حكم سليمان ﵇ فكان حكمه ناسخًا.
أصحاب القول الأول:
الجرجاني: "وقوله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ دليل على أنّهما حكما باجتهاد الرأي لا بالنصّ، وللنبيّ أن يجتهد في حادثة علم أصولها بالوحي" (٢).
السمعاني: "واختلف العلماء أن داود حكم ما حكم بالاجتهاد أو بالوحي؟ وكذلك سليمان، فقال بعضهم: إنهما فعلا بالاجتهاد، وقالوا: يجوز الاجتهاد للأنبياء؛ ليدركوا ثواب المجتهدين، إلا أن داود أخطأ، وسليمان أصاب، والخطأ يجوز على الأنبياء إلا أنهم لا يقرون عليه … إلى أن قال: وهذا هو الأصح" (٣).
стр. 913
ابن جزي: "وظاهر قوله: ففهمناها سليمان: أنه كان باجتهاد فخص الله به سليمان ففهم القضية" (١).
أبو حيان: "والظاهر أن كلا من داود وسليمان حكم بما ظهر له وهو متوجِّه عنده، فحُكمهما باجتهاد، وهو قول الجمهور، واستُدل بهذه الآية على جواز الاجتهاد" (٢).
أصحاب القول الثاني:
الزمخشري: " فإن قلت: أحكما بوحي أم باجتهاد؟ قلت: حكما جميعا بالوحي، إلا أن حكومة داود نسخت بحكومة سليمان" (٣).
الجبائي: "الاجتهاد غير جائز من الأنبياء ﵈" (٤).
الغزالي: " من أين صح أنهما بالاجتهاد حكما - يعني داود وسليمان ﵉ ومِن العلماء من منع اجتهاد الأنبياء عقلا ومنهم من منعه سمعا ومن أجاز أحال الخطأ عليهم؟ فكيف ينسب الخطأ إلى داود عليه؟ ومن أين يَعْلَمُ أنه قال ما قال عن اجتهاد ﵇؟ " (٥).
قال جماعة من المفسرين: لا دلالة في الآية على أنهما قالا ذلك من جهة الرأي والاجتهاد (٦).
стр. 914
• دراسة المسألة:
جاء في تفسير الآية أن غنما على عهد داوود وسليمان مرت بحرث لقوم فأفسدته، وروي أن الحرث كان حنطة، وروي أنه كان كَرْما، فأفسدت ذلك الحرث فحكم داود بدفع الغنم إلى أصحاب الكَرْم وحكم سليمان بأن يدفع الغنم إلى أصحاب الكرم فيأخذوا منافعها من ألبانها وأصوافها وعوارضها إلى أن يعود الكرم كهيئته وقت أفسد فإذا عاد الكرم إلى هيئته ردت الغنم إلى أربابها ويُدفع الكرم - وهو العنب- إلى صاحب الكرم، فكان الصواب مع سليمان ﵇، ولهذا قال سبحانه: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ (١).
ومن خلال التأمل في أقوال أهل العلم واستقراء ما ذكره المفسرون في تأويل الآية، يتبين أن الصواب من أقوالهم: أن الآية دالة على جواز اجتهاد الأنبياء، وان حكم داوود وحكم سليمان ﵉ كان باجتهاد، وهو الذي عليه جمهور المفسرين (٢)، وهو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، وذلك من أوجه:
الأول: ظاهر الآية الذي يدل على أن الأنبياء يجوز لهم الاجتهاد في الإفتاء والقضاء بين الناس، لأن داود وسليمان ﵉، لو حكما من طريق النص لما خص سليمان بالفهم فيها دون داود ﵉، وما يذكر بالتفهيم إنما يكون بالاجتهاد، فأما الوحي والتنزيل، فلا يذكر بالتفهيم (٣).
وأن قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا﴾ الآية يدل على أنه فهمه إياها من نصوص ما كان عندهم من الشرع؛ لا أنه أنزل عليه فيها وحيًا جديدًا ناسخًا؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا﴾ أليق بالأول من الثاني (٤).
стр. 915
الثاني: أن بعضًا من السلف، استنبطوا من الآية مشروعية الإفتاء في الحوادث والنوازل.
فقد وروي عن الحسن البصري ﵀ أنه قال: لولا هذه الآية، لم يجرأ أحد منا أن يفتي في الحوادث (١).
والشاهد: أن قضاء سليمان ﵇، كان بفتوى واجتهاد، وإلا لولا هذا الاجتهاد، لما تجرأ أحد على الفُتيا والاجتهاد.
وأخرج ابن أبي حاتم بسنده أن إياس بن معاوية لما استقضى، أتاه الحسن فرآه حزينا فبكى إياس فقال: ما يبكيك؟! فقال: يا أبا سعيد، بلغني إن القضاة ثلاثة: رجل اجتهد فأخطأ فهو في النار، ورجل مال به الهوى فهو في النار، ورجل اجتهد فأصاب فهو في الجنة، فقال الحسن: إن فيما قص الله من نبأ داود ما يرد ذلك. ثم قرأ: أخذ الله على الحكام ثلاثة: أن لا يشتروا بآياته ثمنا قليلا، ولا يتبعوا الهوى، ولا يخشوا الناس. ثم تلا هذه الآية: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ [سورة ص: ٢٦] الآية، وقال: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [سورة المائدة: ٤٤] (٢).
الثالث: مما يدل على أن حكم داود ﵇ كان اجتهادا وليس وحيًا: روي في الأخبار الكثيرة أن داود لم يكن بت الحكم في ذلك حتى سمع من سليمان أنَّ غير ذلك أولى، وفي بعضها أنّ داود ناشده لكي يورده ما عنده، ولو كان نصاً لكان يظهره ولا يكتمه.
ووجه الاجتهاد فيه ما ذكره ابن عباس ﵁: أن داود ﵇ قَوَّم قدر الضرر في الكرم فكان مساوياً لقيمة الغنم وكان عنده أنّ الواجب في ذلك الضرر أن يزال بمثله من
стр. 916
النفع، فلا جرم سلم الغنم إلى المجني عليه كما قال أبو حنيفة في العبد إذا جنى على النفس يدفعه المولى بذلك أو يفديه.
وأما سليمان ﵇ فأداه اجتهاده إلى أنه يجب مقابلة الأصول بالأصول والزوائد بالزوائد وأما مقابلته بالزوائد فغير جائز، لأنه يقتضي الحيف، ولعل منافع الغنم في تلك السنة كانت موازنة فحكم به، كما قال الشافعي: فيمن غصب عبداً فأبق من يده أنه يضمن القيمة فينتفع بها المغصوب منه بإيزاء ما فوته الغاصب من منافع العبد فإذا ظهر ترادّا (١).
الرابع: أن القول بالنسخ دعوى تحتاج إلى دليل، ولو كان فيه نص ناسخ لحكم لما خفي على نبي تلك الشريعة، إذ إن صاحب الشريعة هو الأصل في نزول الوحي، فلا ينزل الوحي على نبي دون آخر (٢).
فائدة:
جاءت قرائن من السنة النبوية تدل على جواز الاجتهاد للأنبياء، كما دلت عليه الآية، ومن ذلك:
ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت لصاحبتها: إنما ذهب بابنك. فقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك. فتحاكمتا إلى داود ﵇، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود ﵉، فأخبرتاه فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما. فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله هو ابنها؛ فقضى به للصغرى. قال أبو هريرة: والله إن سمعت بالسكين قط إلا يومئذ، وما كنا نقول إلا المدية" (٣).
стр. 917
تنبيهان:
الأول: احتج الجبائي على أن الاجتهاد غير جائز من الأنبياء ﵈ بأوجه أوردها الرازي في تفسيره، وقد أجاب عليها الرازي بما هو شافٍ إن شاء الله، ولا يسع المقام لإيرادها، فالتراجع (١).
الثاني: مسألة حكم اجتهاد الأنبياء، من المسائل الأصولية التي تكلم فيها أهل العلم قديمًا وحديثًا، وهي مبسوطة في كتب الأصول (٢).
• النتيجة:
يظهر من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ يدل على جواز الاجتهاد للأنبياء، لما تقدم إيراه من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.
стр. 918
١٥٦ - قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [سورة الأنبياء: ٨٤].
قال القاسمي: روى المفسرون هاهنا في بلاء أيوب روايات مختلفات، بأسانيد واهيات، لا يقام لها عند أئمة الأثر وزن. ولا تعار من الثقة أدنى نظر (١).
• أقوال أهل العلم فيما روي من بلاء نبي الله أيوب ﵇ -:
القول الأول: أن بلاء أيوب جاءت فيه روايات عن وهب بن منبه، وغيره، أوردها جمع من المفسرين من غير بيان لصحيحها من ضعيفها، وربما اختاروا بعض الأوجه منها، كالطبري، والزمخشري، وابن عطية، والزمخشري، والآلوسي (٢)، وغيرهم.
القول الثاني: أن ما روي من أخبار وروايات في بلاء أيوب، وخاصة مما روي عن وهب بن منبه، ضعيف ولا يصح، كما نبه على هذا ابن كثير، والشوكاني (٣)، وغيرهم.
• دراسة المسألة:
من خلال التتبع والنظر في أقوال أهل العلم، واستقراء ما أورده المفسرون من روايات في تفسير الآية، وما ورد في بلاء أيوب ﵇، يُمكن أن تُصَنف تلك الروايات على صنفين:
الصنف الأول: الروايات التي اختُلف في صحتها مما ورد في بلاء أيوب ﵇، ومن ذلك:
стр. 919
ما رواه ابن أبي حاتم بسنده عن انس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إن نبي الله أيوب كان في بلائه ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد، إلا رجلان من إخوانه، كانا من أخص إخوانه، كانا يغدوان إليه ويروحان، فقال احدهما لصاحبه: تعلم والله، لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين. فقال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله، فيكشف ما به" الحديث (١).
الصنف الثاني: الروايات الضعيفة التي وردت في بلاء أيوب ﵇:
ويُمكن اختصارها وتقسيمها بالآتي:
أولا: ما ورد في ذكر سبب ما أصاب نبي الله أيوب ﵇ من بلاء، ومن ذلك:
ما أخرجه ابن عساكر عن الليث بن سعد (٢) قال: " كان السبب الذي ابتلي فيه أيوب انه دخل أهل قريته على ملكهم، -وهو جبار من الجبابرة -، وذكر بعض ما كان من ظلمه الناس، فكلموه فأبلغوا في كلامه، ورفق أيوب في كلامه له؛ مخافة منه لزرعه، فقال الله: "اتقيت عبدا من عبادي من أجل زرعك"؟ فأنزل الله به ما أنزل من البلاء" (٣).
ولا شك ببطلان هذه الرواية، إذ كيف ينسب إلى نبي الله ايوب انه سكت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسكوت على ذلك غير مقبول من القادرين عليه، فكيف إذا
стр. 920
كان السكوت من العلماء؟ بل كيف إذا كان من أحد الأنبياء؟ (١).
ثانيا: طبيعة البلاء الذي أصابه، وقد جاءت روايات في ذلك:
منها: أن الدود كان يتناول بدنه فصبر، حتى تناولت دودة قلبه، وأخرى لسانه، فقال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ (٢).
ومنها ما روي عن الحسن أنه قال: ما كان بقي من أيوب إلا عيناه، وقلبه ولسانه، فكانت الدواب تختلف في جسده، قال: ومكث في الكناسة سبع سنين وأياما، أو قال وأشهرا (٣).
وهذا مما يتنافى مع عصمة الأنبياء وسلامتهم من الأمراض المنفرة التي لا تليق بمنصب النبوة، كما نص على ذلك العلماء (٤)؟! فكيف يدعى أن أيوب بسبب هذا المرض اخرج إلى خارج البلدة وألقي على مزبلة؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.
ثالثًا: في كيفية شفائه من مرضه ﵇ الوارد في قوله تعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [سورة ص: ٤٣]، وقد جاء في ذلك روايات:
منها: ما جاء عن وهب بن منبه قال: إن إبليس لقيها - يعني امرأة أيوب-، في صورة طبيب فدعته لمداواة أيوب، فقال أداويه على أنه إذا برئ قال أنت شفيتني لا أريد جزاء سواه قالت نعم، فأشارت على أيوب بذلك فحلف ليضربنها (٥).
وهذه الرواية ونحوها من الروايات ليس عليها دليل، بل إن القرآن يردها، فالله تعالى يقول عن الشيطان: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [سورة النحل: ١٠٠]. وقال
стр. 921
تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [سورة الحجر: ٤٢]، فالشيطان ليس له سلطة على الإنسان عموما إلا بالوسوسة كما ذكر المفسرون.
رابعًا: في كيفية رد الله تعالى عليه أولاده بناء على القول بموتهم: وقد جاءت في ذلك روايات:
منها: ما رواه الطبراني في معجمه عن الضحاك بن مزاحم، قال: بلغ ابن مسعود أن مروان، يقول: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾، قال: أُتِيَ أهلا غير أهله، فقال ابن مسعود: «بل أُتِيَ بأهله بأعيانهم ومثلهم معهم» (١).
وما روي من أن الله تعالى أحيا له أبناءه وبناته الذين ماتوا، وأرجع لزوجته جمالها وشبابها، ووهب له ضعف ما كان يملك من قبل (٢).
ولا شك هذا الأثر الذي رواه الطبراني مردود من جهة الرواية ومن جهة الدراية:
أما من جهة الرواية: فإن هذا الأثر ضعيف سندا؛ قال الهيثمي في مجمع الزوائد: "إسناده منقطع" (٣).
وقال الحافظ ابن حجر: عن الضحاك: "وقيل لم يثبت له سماع من أحد من الصحابة" (٤).
وأما من جهة الدراية: فلأنه يخالف أصلا ثابتا من أصولنا، وهو إن الإنسان إذا مات لا يرجع إلى الدنيا، إلا ما كان من معجزة المسيح ﵇؛ قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا
стр. 922
كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [سورة المؤمنون: ١٠٠].
وبهذا يتبين أن الروايات التي أوردها المفسرون في قصة يونس ﵇ فيما يتعلق بسبب ما أصاب نبي الله أيوب ﵇ من بلاء، وطبيعة البلاء، وسبب شفائه، وكيفية رد الله -تعالى- عليه أولاده، أغلبه إن لم يكن جله لم يصح إما من جهة الرواية، أو من جهد الدراية.
ولمعرفة فيما صح من قصة يونس ﵇ يجب الرجوع إلى الروايات الصحيحة الواردة في قصة أيوب ﵇، التي أخرجها البخاري في صحيحه، وابن أبي حاتم في تفسيره، وغيرهما (١).
• النتيجة:
بعد عرض ما تقدم ذكره مما جاء من روايات في قصة أيوب ﵇، يتبين أن ما أورده المفسرون من هذه الروايات، أكثره إن لم يكن جله، لم يصح سندًا أو متنًا أو كلاهما، لما تقدم بيانه، والله أعلم.
* * *
стр. 923
سورة الحج
стр. 924
سورة الحج
١٥٧ - قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [سورة الحج: ٤٤].
قال القاسمي: وإيراد من زعم بأن موسى كذبه قومه بعبادة العجل، إيراد من لم يفهم معنى التكذيب الذي هو رد دعوة النبي وعدم الإيمان به والإصرار على الكفر بوحيه، والقيام في وجهه وصد الناس عن اتباعه. وما وقع من قوم موسى هو تخليط، وخطأ اجتهاد، وتعنت ولجاج مع الاستظلال بظل دعوته، والانتظام في سلك إجابته (١).
• أقوال أهل العلم في المراد من القوم الذين كذّبوا موسى في قوله تعالى: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾:
القول الأول: أن المراد من القوم: القبط، وهم فرعون وقومه.
القول الثاني: أن المراد من القوم: بنو إسرائيل وهم قوم موسى الذين كذبوه بعبادة العجل، أو بطلب رؤية الله جهرة، ونحو ذلك.
أصحاب القول الأول:
الكرماني: " ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ كذبه فرعون وقوم فرعون" (٢).
أبو حفص النسفي: " ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ على ما لم يسم فاعله، ولم يقل: (وكذبت قوم موسى) لأن قومه بنو إسرائيل وهم صدقوه، وإنما كذبه فرعون وقومه" (٣).
ابن عطية: " أسند التكذيب في موسى ﵇ إلى من لم يُسَمَّ من حيث لم
стр. 925
يكذبه قومه، بل كذبه القبط وقومه به مؤمنون" (١).
القرطبي: " ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ أي: كذبه فرعون وقومه. فأما بنو إسرائيل فما كذبوه، فلهذا لم يعطِفه على ما قبله فيكون: وقوم موسى" (٢).
أصحاب القول الثاني:
ظاهر قول السمرقندي: " ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ كذبه قومه" (٣).
ظاهر قول أبي السعود: " ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ غير النظم الكريم بذكر المفعول وبناء الفعل له لا لأن قومه بنو إسرائيل وهم لم يكذبوه وإنما كذبه القبط لما أن ذلك إنما يقتضي عدم ذكرهم بعنوان كونهم قوم موسى لا بعنوان آخر على أن بني إسرائيل أيضا قد كذبوه مرة بعد أخرى حسبما ينطق به قوله تعالى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ ونحو ذلك من الآيات الكريمة بل للإيذان بأن تكذيبهم له كان في غاية الشناعة لكون آياته في كمال الوضوح" (٤).
• دراسة المسألة:
ومن خلال التأمل والنظر واستقراء ما ذكره المفسرون وأهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد من القوم الذين كذبوا موسى في قوله تعالى: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ هم: القبط من فرعون وقومه، وذلك من أوجه:
الأول: أن هذا القول هو المأثور عن بعض من السلف، ولا يُعلم لهم مخالف.
فقد روي عن مقاتل أنه قال: ﴿وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ﴾ يعني: قوم شعيب ﵇، كل هؤلاء كذبوا رسلهم، ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ يعني: عُصِيَ موسى ﵇؛ لأنه وُلِد
стр. 926
فيهم كما وُلِد محمد ﷺ فيهم" (١).
وقال يحيى بن سلام في تأويل الآية: "يعني: كذبه فرعون" (٢).
الثاني: أن ظاهر الآية الذي يدل على أن المراد القبط من فرعون وقومه وليس قوم موسى، لأن الله تعالى قال: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ ولم يقل: (وقوم موسى)، كما قال في نوح وعاد وثمود وإبراهيم، فإنما ذلك، لأن قوم موسى هم بنو إسرائيل وكانوا مؤمنين، وإنما كذبه فرعون وقومه من القبط (٣).
الثالث: أن بناء الفعل للمفعول في قوله تعالى: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ يُفيد التنبيه، وذلك أن موسى ﵇ لما أتى من الآيات المرئية ثم المسموعة بما لم يأت بمثله أحد ممن تقدمه، كان تكذيبه في غاية من البعد، وعلى أن الذين أطبقوا على تكذيبه القبط، وأما قومه فما كذبه منهم إلا ناس يسير، ولهذا قال الله سبحانه: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ (٤).
الرابع: سياق الآية الذي دل على أن المراد من القوم الذين كذّبوه هم: قوم فرعون من القبط، وذلك لأن الله تعالى قال: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ﴾ أي: أمهلتهم بتأخير عقوبتهم إلى الوقت الذي أردته، وكما هو معلوم أن القوم الذين أهلكم الله ممن بعث إليهم موسى ﵇ هم قوم فرعون من القبط.
ولا يُقال ذلك في قوم موسى، فإن قوم موسى وإن قالوا ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [سورة البقرة: ٥٥] أو أنهم عبدوا العجل واستمروا على العناد، إلا أنه كلما تجدد لهم المعجزة جددوا الإيمان، فبني إسرائيل لم يكذبوا موسى ﵇ بأسرهم ومن
стр. 927
كذبه منهم تاب إلا اليسير وتكذيب اليسير من القوم كلا تكذيب، والله أعلم (١).
• النتيجة:
بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الأقرب الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، من أن المراد من القوم الذين كذبوا موسى في قوله تعالى: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ هم: القبط من فرعون وقومه، والله أعلم.
стр. 928
١٥٨ - قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة الحج: ٥٢].
قال تقي الدين بن تيمية: في الآية قولان والمأثور عن السلف يوافق القرآن بذلك. والذين منعوا ذلك من المتأخرين طعنوا فيما ينقل من الزيادة في سورة النجم بقوله (تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى) وقالوا: إن هذا لم يثبت. ومن علم أنه ثبت قال: هذا ألقاه الشيطان في مسامعهم، ولم يلفظ به الرسول ﷺ . ولكن السؤال وارد على هذا التقدير أيضا .... إلخ" (١).
قال القاسمي بعد إيراد كلا ابن تيمية: وفي كلامه ﵀ نظر من وجوه:
أولا- دعواه أن المأثور يوافق القرآن. فإنه ذهاب إلى أن الإلقاء إلقاء في الآيات. ولا تدل الآية عليه، لا مطابقة ولا التزاما. بل القول بذلك ينافي التنزيل … إلخ (٢).
• أقوال أهل العلم في قصة الغرانيق (٣) من حيث القبول والرد:
القول الأول: أن قصة الغرانيق مقبولة، وثابتة.
القول الثاني: أن قصة الغرانيق مردودة، وضعيفة، وغير ثابتة.
أصحاب القول الأول:
ابن قتيبة: " ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ يريد: إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته -يعزيه، عما ألقاه الشيطان على لسانه،
стр. 929
حين قرأ في الصلاة: "تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن ترتجى"، غير أنه لا يقدر، أن يزيد فيه، أو ينقص منه. أما تسمعه يقول: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ أي: يبطل ما ألقاه الشيطان" (١).
السمعاني: "الأكثرون من السلف ذهبوا إلى أن هذا شيء جرى على لسان الرسول بإلقاء الشيطان من غير أن يعتقد -يعني قوله: تلك الغرانيق العُلى-، وذلك محنة وفتنة من الله" (٢).
ابن حجر: " لكن كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلا - يعني قصة الغرانيق- مع أن لها طريقين آخرين مرسلين رجالهما على شرط الصحيحين " (٣).
السعدي: " وهذه الآيات، فيها بيان أن للرسول ﷺ أسوة بإخوانه المرسلين، لما وقع منه عند قراءته ﷺ : ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فلما بلغ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [سورة النجم: ٢٠]، ألقى الشيطان في قراءته: "تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لتُرتجى" فحصل بذلك للرسول حزن وللناس فتنة، كما ذكر الله، فأنزل الله هذه الآيات" (٤).
أصحاب القول الثاني:
ابن خزيمة: " إن هذه القصة - يعني قصة الغرانيق- من وضع الزنادقة" (٥).
ابن عطية: " وهذا الحديث الذي فيه (هن الغرانقة) وقع في كتب التفسير ونحوها، ولم يدخله البخاري ولا مسلم ولا ذكره -في علمي- مصنف مشهور، بل يقتضي مذهب أهل الحديث أن الشيطان ألقى، ولا يُعَيّنون هذا السبب ولا غيره " (٦).
стр. 930
ابن حزم: " وأما الحديث الذي فيه وأنهن الغرانيق العلى وإن شفاعتها لترتجى فكذب بحت موضوع لأنه لم يصح قط من طريق النقل ولا معنى للاشتغال به إذ وضع الكذب لا يعجز عنه أحد" (١).
ابن كثير: "ذكر كثير من المفسرين هاهنا قصة الغرانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة، ظنا منهم أن مشركي قريش قد أسلموا. ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح، والله أعلم" (٢).
• دراسة المسألة:
هذه المسألة من المسائل التي اختلف العلماء فيها قديمًا، وقصة الغرانيق جاءت في بعض الروايات التي تفسِّرُ سبب سجود المشركين مع النبي ﷺ ، وسببَ استجابتهم لأمر الله -تعالى، حاصلُها أن الشيطان ألقى في أثناء قراءته كلماتٍ على لسان النبي ﷺ فيها الثناء على آلهتهم، وإثبات الشفاعة لها عند الله، وهذه الكلمات هي: " تلك الغرانيق العُلى، وإن شفاعتهن لَتُرتَجَى " وأن المشركين لما سمعوا ذلك فرحوا واطمأنوا وسجدوا مع النبي ﷺ (٣).
ومن خلال التتبع والنظر في أقوال أهل العلم، يتبين أن هذه المسألة مما يسوغ الخلاف فيها، ولمعرفة الصواب في هذه المسألة يحسن الوقوف على المواضع والأوجه التي تعقب فيها القاسمي ﵀ على شيخ الإسلام ابن تيمية، والحديث عنها، تحسبًا للخروج عن صلب الموضوع:
أولا: مدى موافقة القرآن لقول جماعة من السلف في المراد من قوله تعالى: ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾:
قال ابن تيمية: "والقرآن يوافق ذلك - يعني قصة الغرانيق-. فإن نسخ الله لما يلقي الشيطان، وإحكامه آياته، إنما يكون لرفع ما وقع في آياته، وتمييز الحق عن الباطل حتى لا
стр. 931
تختلط آياته بغيرها" (١).
ويُريد مما أثر عن السلف: ما روي عن أبي العالية قال: قالت قريش لرسول الله ﷺ إنما جلساؤك عبيد بني فلان، ومولى بني فلان، فلو ذكرت آلهتنا بشيء جالسناك، فإنه يأتيك أشرف العرب، فإذا رأوا جلساءك أشرف قومك كان أرغب لهم فيك، قال: فألقى الشيطان في أمنيته، فنزلت هذه الآية: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾، قال: فأجرى الشيطان على لسانه: "تلك الغرانيق العلى، وشفاعتهن ترتجى، مثلهن لا ينسى" قال: فسجد النبي ﷺ حين قرأها وسجد معه المسلمون والمشركون، فلما علم الذي أجري على لسانه، كبر ذلك عليه، فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ إلى قوله ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة الحج: ٥٢] (٢).
وبنحو ذلك روي عن جماعة من السلف كسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب القرظي، وقتادة، وغيرهم (٣).
وهذا الذي ذهب إليه ابن تيمية ﵀ تعقبه القاسمي بأنه كلامه فيه نظر فقال: "فدعواه أن المأثور يوافق القرآن. فإنه ذهاب إلى أن الإلقاء إلقاء في الآيات. ولا تدل الآية عليه، لا مطابقة ولا التزاما" (٤).
والصواب أن الإلقاء كان في الآيات، لأن ﴿تَمَنَّى﴾ بمعنى: تلا وقرأ، والمعنى: ألقى الشيطان في كتاب الله الذي تلاه وقرأه، وليس كما يميل إليه القاسمي ﵀ من أن المراد بالتمني في الآية: حديث النفس، وأن المراد من الإلقاء: إلقاء الشيطان في سبيل النبي ﷺ العثرات، وبين مقصد النبي ﷺ العثرات (٥).
стр. 932
فقد نقل ابن القيم ﵀ إجماع السلف كلهم على أن المعنى: إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته (١).
ونسبه الحافظ البغوي ﵀ إلى أكثر المفسرين (٢).
ويكون تقدير الكلام: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تلا كتاب الله وقرأ أو حدّث وتكلم، ألقى الشيطان في كتاب الله الذي تلاه وقرأه، أو في حديثه الذي حدّث وتكلم (٣).
ثانيًا: مدى صحة الروايات الواردة في قصة الغرانيق:
قال ابن تيمية: " وأما الذين قرروا ما نقل عن السلف، فقالوا: هذا منقول نقلا ثابتا لا يمكن القدح فيه وقالوا: الآثار في تفسير هذه الآية معروفة ثابتة في كتب التفسير والحديث" (٤).
تعقبه القاسمي بأن قوله فيه نظر: لأن ما روي في قصة الغرانيق قد قدح فيه من لا يحصى من المتقدمين والمتأخرين (٥).
وهذا الذي ذهب إليه القاسمي ﵀ هو الصواب، وذلك من وجهين:
الأول: من جهة الإسناد: فإن جميع ما وري عن جماعة من السلف مما تقدم ذكرهم في قصة الغرانيق من أن الشيطان ألقى في تلاوة النبي ﷺ على لسانه بأن يقول: "تلك الغرانيق العلى، وشفاعتهن ترتجى" مما لم يصح، إسناده، إما بإرسال، أو ضعف في بعض الرواة (٦).
стр. 933
الثاني: من جهة المعنى: فقد قامت الحجة وأجمعت الأمة على عصمته ﷺ ، ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة إما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة غير الله وهو كفر أو يتسور عليه الشيطان ويشبه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه ويعتقد النبي ﷺ أن من القرآن ما ليس منه حتى ينبهه جبريل ﵇ وذلك كله ممتنع في حقه ﷺ (١).
ثالثًا: في مدى اعتراف ابن تيمية ﵀ في تقدير ثبوت قصة الغرانيق:
قال ابن تيمية: "في الآية قولان والمأثور عن السلف يوافق القرآن بذلك. والذين منعوا ذلك من المتأخرين طعنوا فيما ينقل من الزيادة في سورة النجم بقوله (تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى) وقالوا: إن هذا لم يثبت. ومن علم أنه ثبت قال: هذا ألقاه الشيطان في مسامعهم، ولم يلفظ به الرسول ﷺ . ولكن السؤال وارد على هذا التقدير أيضا" (٢).
احتج القاسمي ﵀ على ابن تيمية من أن ما ذهب إليه فيه نظر، فقال: "اعترافه بأن السؤال وارد على تقدير ثبوتها، وإلقاء الشيطان ذلك في مسامعهم، مما يبرهن أن فيها مغامز تنبذها العقول، كما نبذتها صحة النقول" (٣).
وهذا -والله أعلم- لا يدل على اعترافه بالتقدير والشك في ثبوتها، لأنه ذكر أن من المتأخرين من طعنوا في ثبوتها، وقولهم لا يُقدم ولا يُقارن بقول السلف على فرض صحته.
• النتيجة:
بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، من عدم ثبوث قصة الغرانيق سندا ومتنًا، وهو ما ذهب إليه القاسمي ﵀.
وأن الصواب أن المراد من التمني في الآية: التلاوة، وأن الإلقاء كان في الآيات، وهو ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية بخلاف ما ذهب إليه القاسمي ﵀.
стр. 934
سورة المؤمنون
стр. 935
سورة المؤمنون
١٥٩ - قوله تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ [سورة المؤمنون: ٦٣].
قال القاسمي: أغرب الإمام أبو مسلم الأصفهاني فيما نقله عنه الرازي، فذهب إلى أن قوله تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ … إلى آخر الآية، من تتمة صفات المؤمنين المشفقين. كأنه سبحانه قال بعد وصفهم ولا نكلف نفسا إلا وسعها ونهايته ما أتى به هؤلاء المشفقون، ولدينا كتاب يحفظ أعمالهم ينطق بالحق وهم لا يظلمون. بل نوفر عليهم ثواب كل أعمالهم، ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ هو أيضا وصف لهم بالحيرة كأنه قال: وهم مع ذلك الوجل والخوف كالمتحيرين في جعل أعمالهم مقبولة أو مردودة، ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾. أي لهم أيضا من النوافل ووجوه البر سوى ما هم عليه. إما أعمالا قد عملوها في الماضي أو سيعملونها في المستقبل (١).
وبعد فإن نظم الآية الكريمة يحتمل لذلك. ولكن لم يرد وصف الغمرة في حق المؤمنين أصلا بل لم يوصف بها إلا قلوب المجرمين، كما تراه في الآيات أولا. فالذوق الصحيح ورعاية نظائر الآيات، يأبى ما أغرب به أبو مسلم أشد الإباء. والله أعلم (٢).
• أقوال أهل العلم في القوم الذين وصفهم الله في قوله: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾:
القول الأول: أن الذين وصفهم الله تعالى في قوله: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ هم المشركون.
стр. 936
القول الثاني: أن الذين وصفهم الله تعالى في قوله: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ هم المؤمنون.
أصحاب القول الأول:
الزمخشري: "بل قلوب الكفرة في غفلة غامرة لها ﴿مِنْ هَذَا﴾ أي: مما عليه هؤلاء الموصوفون من المؤمنين" (١).
البيضاوي: " ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ﴾ قلوب الكفرة. ﴿فِي غَمْرَةٍ﴾ في غفلة غامرة لها" (٢).
ابن كثير: "قال منكرا على الكفار والمشركين من قريش: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ﴾ أي: غفلة وضلالة" (٣).
الشوكاني: " ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ والضمير للكفار، أي: بل قلوب الكفار في غمرة لها عن هذا الكتاب الذي ينطق بالحق" (٤).
أصحاب القول الثاني:
الرازي: "وقول أبي مسلم أولى لأنه إذا أمكن رد الكلام إلى ما يتصل به من ذكر المشفقين، كان أولى من رده إلى ما بعد منه، وقد يوصف المرء لشدة فكره في أمر آخرته، بأن قلبه في غمرة، ويراد أنه قد استولى عليه الفكر في قبول عمله أو رده، وفي أنه هل أداه كما يجب أو قصر" (٥).
النيسابوري: "قوله ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ فيه طريقان: أحدهما راجع إلى الكفار والمعنى بل قلوب الكفار في غفلة غامرة لها من هذا الذي بيناه في القرآن، أو من هذا
стр. 937
الذي ينطق بالحق أو الذي عليه هؤلاء المؤمنون" (١).
ما أورده بعض من المفسرين: أن المراد من قوله تعالى: ﴿فِي غَمْرَةٍ﴾ أي: مغمورة بالإشفاق مع هذه الخصال الحسنة (٢).
• دراسة المسألة:
بعد التتبع والنظر في أقوال أهل العلم وما ذكره المفسرون في تفسير الآية، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد بالذين وصفهم الله في قوله: في قوله تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ هم المشركون، وذلك من أوجه:
الأول: من حيث الظاهر من معنى الآية: فالمراد من الغمرة: معظم الماء، ثم استعيرت للجهل. ومنه قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ [سورة المؤمنون: ٥٤] أي جهلهم. وقيل: في حيرتهم. وقيل: في عمايتهم، وكلها متقاربة فقوله تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ﴾ أي: في غطاء وغفلة. ورجل غمر، أي جاهل، كأن عقله غُمر بالجهل (٣)، وهذا لا يكون إلا في وصف الكفار.
الثاني: أن الله أخبر في الآية أن من صفات القوم أنهم: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ والمفسرون وأصحاب المعاني مجمعون على أن هذا إخبار عما سيعملونه من أعمالهم الخبيثة التي كتبت عليهم لا بد لهم أن يعملوها (٤)، وهذا لا شك أنه في وصف المشركين.
الثالث: من حيث البلاغة: فإنه ورد في الآية لفظ: (بل) وهو حرف إضراب إذا تلاها جملة، ثم تارة تكون بمعنى الإضراب للإبطال لما قبلها، وتارة تكون بمعنى الانتقال من غرض
стр. 938
لآخر، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٢) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾، فما قبل «بل» فيه على حاله، وكذا قوله تعالى: ﴿(١٣) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [سورة الأعلى: ١٦] (١).
وجاء أيضًا في الآية لفظ: ﴿دُونِ﴾ وهو يدل على المخالفة لأحوال المؤمنين، أي ليسوا أهلا للتحلي بمثل تلك المكارم (٢).
الرابع: نظائر الآية التي دلت على أن المراد بالذين في قلوبهم غمرة: المشركون، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ أي المكذبون ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ [سورة الذاريات: ١١] أي: الجهالة التي غمر قلوبهم - أي: غطاها، وغشاها، كغمرة الماء، وغمرة الموت؛ فغمرات - ما غطاها من جهل، أو هوى، أو سكر، أو غفلة، أو حب، أو بغض، أو خوف، أو هم وغم، ونحو ذلك. قال تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾؛ أي: غفلة، وقيل: جهالة (٣).
الخامس: أن جماعة من السلف ذهبوا إلى أن الذين وصفهم الله في قوله: في قوله تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ هم المشركون.
ومن ذلك ما روي عن مقاتل أن قال: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ﴾ يعني الكفار ﴿فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ يقول في غفلة من إيمان بهذا القرآن (٤)، وبنحو هذا ذهب عبد الرزاق بن همام الصنعاني (٥)، وقتادة (٦).
стр. 939
وكذا ما روي في سياق الآيات في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ﴾ أي: سيئة ﴿مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾، يعني: الشرك، ﴿هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ قال: لا بد أن يعملوها. كذا روي عن مجاهد، والحسن، وغير واحد (١).
• النتيجة:
بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، من أن الذين وصفهم الله تعالى في قوله: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ هم المشركون، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.
стр. 940
سورة النور
стр. 941
سورة النور
١٦٠ - قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [سورة النور: ٣٠].
أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية: كل شيء في القرآن من (حفظ الفرج) فهو من الزنى، إلا هذه الآية والتي بعدها، فهو أن لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة (١).
قال القاسمي: وليس بمتعين. وعليه فيكون النهي عن الزنى يعلم منه بطريق الأولى. أو الحفظ عن الإبداء يستلزم الحفظ عن الإفضاء (٢).
• أقوال أهل العلم في المراد من حفظ الفروج في قوله تعالى: ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ (٣):
القول الأول: أن المراد: حفظها عن الإفضاء إلى الزنى.
القول الثاني: أن المراد: حفظها عن الإبداء.
أصحاب القول الأول:
سعيد بن جبير: " ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ يعنى يحفظوا من أبصارهم، فمن هنا صلة في الكلام، يعنى: قل للمؤمنين يحفظوا أبصارهم عما لا يحل لهم النظر إليه"، وبنحو ذلك روي عن قتادة، ومقاتل (٤).
стр. 942
ابن عطية: "وحفظ الفرج يحتمل: في الزنى. ويحتمل أن يريد: بستر العورة، والأظهر أن الجميع مراد واللفظ عام" (١).
ابن العربي: " قوله: ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ يعني به العفة، وهو اجتناب ما نهى الله عنه فيها " (٢).
ابن الفرس: " ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ فيه تأويلان أحدهما: أن يريد ترك الزنا. والثاني: أن يريد ستر العورة. والأحسن في هذا أن يقال إن اللفظ عام لهما فيحمل على عمومه" (٣).
أصحاب القول الثاني:
الشافعي: " كل شيء من حفظ الفرج في كتاب اللَّه، فهو من الزنا إلا هذه الآية، فإنها من النظر" (٤).
الطبري: " ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ أن يراها من لا يحل له رؤيتها، بلبس ما يسترها عن أبصارهم" (٥).
مكي بن أبي طالب: " ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾، أن يراها من لا يحل له أن يراها، أي يلبسوا ما يسترها عن أبصارهم" (٦).
أبو حفص النسفي: " ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾؛ أي: يستروها عن أن يراها من لا يحل له رؤيتها. وقيل: أي: يحفظوها عن أن يواقعوا بها محرما. والأول أشبه؛ لأن الآية فيما يحل النظر إليه وما لا يحل" (٧).
стр. 943
• دراسة المسألة:
بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم، واستقراء ما ذكره المفسرون في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، من أن قوله تعالى: ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ فيه دلالة على تحريم الزنى، وأن الآية عامة في كل مالا يحل، وهو الذي عليه أكثر المفسرين (١) وذلك من أوجه:
الأول: أن سبب ذكر الأمر بحفظ الفرج بعد الأمر بغض البصر هو أن إطلاق البصر ذريعة إلى الوقوع في فاحشة الزنى، فذكر سبحانه في الآية أول الحال -وهو غض البصر- وآخر الحال -وهو حفظ الفرج- ليمتنع المؤمنين عن كل ذلك، ونظير ذلك قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾: ذكر أول الحال وآخرها (٢).
ولا يمتنع أن يكون المؤمن مأمورا بغض البصر وحفظ الفرج من النظر ومن الزنا وغيره من الأمور المحظورة وعلى أنه إن كان المراد حظر النظر فلا محالة أن اللمس والوطء مرادان بالآية من باب أولى، إذ هما أغلظ من النظر، كما أن قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ قد اقتضى حظر ما فوق ذلك من السب والضرب (٣).
الثاني: أن لهذه الآية نظائر: فقوله : ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [سورة التحريم: ١٢] إخبار عنها بإحصانها لفرجها، وذلك بالأسباب، وهي ما اتخذت بين نفسها وبين الناس حجابا؛ لئلا يقع بصر الناس عليها، ولا يقع بصرها عليهم لتصل به إلى تحصين فرجها؛ كما قال سبحانه: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾، وهم إذا غضوا الأبصار، وصلوا إلى حفظ الفروج؛ ففي الحجاب غض البصر، وفي غض البصر
стр. 944
وصول إلى حفظ الفرج وإحصانه (١).
الثالث: مما يدل على أن المراد من حفظ الفروج في الآية: حفظها من الإفضاء إلى الزنى، أن الله تعالى لم يقل: ويحفظوا من فروجهم كما قال: ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ وذلك لأن الأمر بغض البصر في الآية في غاية العسر، فجاءت (من) التبعيضية تشير إلى الرخصة في النظرة الأولى، وأن المأخوذ به إنما هو التمادي، بخلاف حفظ الفروج فإنه قال: ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ فحذفت «من» لقصد العموم، أي عن كل حرام مما لا رخصة فيه من كشف، أو زنى، أو لواط، وغير ذلك، والعياذ بالله (٢).
تنبيه:
ما ذهب إليه أبي العالية وابن زيد من أن كل شيء في القرآن من (حفظ الفرج) فهو من الزنى، إلا هذه الآية والتي بعدها، فهو أن لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، قد تعقبه غير واحد من أهل العلم إما بوصفه أنه تخصيص بلا دلالة، أو لا وجه لهذا التخصيص، أو أنه ضعيف، أو لا يتعين، ونحو ذلك (٣).
• النتيجة:
يتبين من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد من حفظ الفروج في قوله تعالى: ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ حفظها عن الإفضاء إلى الزنى، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.
стр. 945
١٦١ - قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية [سورة النور: ٦١].
قال القاسمي: أي في القعود عن الغزو، لضعفهم وعجزهم، وهذه الآية كالتي في سورة الفتح وكآية براءة ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ الآية [سورة التوبة: ٩١]، وهذا ما ذهب إليه عطاء وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وزَعْمُ أنه لا يلائم ما قبله ولا ما بعده، مردود بأن المراد أن كلّا من الطائفتين منفيّ عنه الحرج (١).
• أقوال أهل العلم في المراد من الحرج المنفي في آية النور: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ (٢):
القول الأول: أن الحرج المنفي عن الأعمى والأعرج والمريض هو الغزو والجهاد في سبيل الله.
القول الثاني: أن الحرج المنفي عن الأعمى والأعرج والمريض هو المؤاكلة معهم في مجلس واحد (٣)، أو أن يأكلوا من البيوت التي استُخلفوا عليها أثناء خروج المسلمين للغزو.
أصحاب القول الأول:
الحسن البصري: " ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج في التخلف عن الجهاد في سبيل الله"، وبنحو ذلك روي عن ابن زيد، وعطاء، وزيد بن أسلم (٤).
стр. 946
الزمخشري: "ليس على هؤلاء الضعفاء حرج فيما تحرجوا عنه، ولا عليكم أن تأكلوا من هذه البيوت، وهذا كلام صحيح، وكذلك إذا فسر بأن هؤلاء ليس عليهم حرج في القعود عن الغزو، ولا عليكم أن تأكلوا من البيوت المذكورة، لالتقاء الطائفتين في أن كل واحدة منهما منفي عنها الحرج" (١).
السيوطي: "والصواب أن يقال: إن الحرج مرفوع عن هؤلاء الثلاثة في كل ما يمنعهم منه أعذارهم من الجهاد وغيره" (٢).
السعدي: "أي: ليس على هؤلاء جناح، في ترك الأمور الواجبة، التي تتوقف على واحد منها، وذلك كالجهاد ونحوه، مما يتوقف على بصر الأعمى، أو سلامة الأعرج، أو صحة للمريض" (٣).
أصحاب القول الثاني:
ابن عباس ﵁: " لما أنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [سورة النساء: ٢٩]، قال المسلمون: إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، والطعام من أفضل الأموال، فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد. فكف الناس عن ذلك، فأنزل الله بعد ذلك: ﴿ليس على الأعمى حرج﴾، وبنحو ذلك روي عن الضحاك، ومجاهد، وقتادة (٤)، من أن المراد: نفي الحرج عن المؤاكلة مع الأعمى والأعرج.
الطبري: " وأشبه الأقوال التي ذكرنا في تأويل قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ القول الذي ذكرنا عن الزهري -يعني: نفي الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض أن يأكلوا من البيوت التي استُخلفوا عليها أثناء الغزو-" (٥).
стр. 947
النحاس: "وهذا القول - يعني: نفي الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض أن يأكلوا من البيوت التي استُخلفوا عليها أثناء الغزو - من أجل ما روي في الآية لما فيه عن الصحابة والتابعين من التوقيف أن الآية نزلت في شيء بعينه فيكون التقدير على هذا ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا عليكم أن تأكلوا" (١).
البيضاوي: "وقيل نفي للحرج عنهم في القعود عن الجهاد وهو لا يلائم ما قبله ولا ما بعده" (٢).
• دراسة المسألة:
بعد التتبع والنظر في أقوال أهل العلم وما ذكره المفسرون في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما عليه أصحاب القول الثاني من أن آية نفي الحرج في سورة النور وهي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ ليست على عمومها لتشمل نفي الحرج عن الغزو، وإنما هي خاصة في نفي الحرج عن مؤاكلة الأعمى والأعرج والمريض، وهو الذي عليه الأكثرون (٣)، أو لنفي الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض بأن يأكلوا من البيوت التي استُخلفوا عليها، وذلك من أوجه:
الأول: ما جاء في سبب نزول الآية الذي يدل على ذلك: فقد روى ابن جرير الطبري في تفسيره بسنده عن معمر، قال: قلت للزهري، في قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾: ما بال الأعمى ذكر هاهنا والأعرج والمريض؟ فقال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله " أن المسلمين كانوا إذا غزوا خلفوا زمناهم، وكانوا يدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم يقولون: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا وكانوا يتحرجون من ذلك، يقولون: لا ندخلها وهي غيب. فأنزلت هذه الآية رخصة لهم" (٤).
стр. 948
وغير ذلك مما روي في سبب نزول الآية مما يؤيد بأن المراد من نفي الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض، هو الترخيص لهم من الأكل من بيوت من سمى الله في هذه الآية، أو في المسلمين الذين كانوا يتقون أن يأكلوا مع الأعمى والأعرج، ونحو ذلك (١).
الثاني: من حيث السياق: فسياق الآية في نفي الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض، ونفي الحرج عن الناس عمومًا من الأكل في بيوتهم، أو بيوت آبائهم، أو من بيوت أمهاتهم، أو من بيوت إخوانهم، أو من بيوت أخواتهم، أو من بيوت أعمامهم، أو من بيوت عماتهم، أو من بيوت أخوالهم، أو من بيوت خالاتهم، أو من البيوت التي ملكوا مفاتحها، أو من بيوت أصدقائهم، إذا أذنوا لهم في ذلك، عند مغيبهم ومشهدهم (٢). ولا علاقة بنفي الحرج في الغزو من خلال هذا السياق.
الثالث: أن قوله تعالى في الآية: ﴿أَنْ تَأْكُلُوا﴾ خبر «ليس» و «أن» في موضع نصب على أنها خبر لها، فهي متعلقة بـ «ليس» فمعلوم بذلك أن معنى الكلام: ليس على الأعمى حرج أن يأكل من بيته، وليس أن يغزوا (٣).
الرابع: من حيث مناسبة الآية لما قبلها: فلما أتم سبحانه ما ذكر من حرمات البيوت المستلزمة لصيانة الأبضاع في قوله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [سورة النور: ٦٠] على وجه يلزم منه إحراز الأموال، أتبعه ما يباح من ذلك للأكل الذي هو من أجلّ مقاصد الأموال اجتماعاً وانفراداً، فقال في جواب من كأنه سأل: هل هذا التحجير في البيوت سارٍ في الأقارب وغيرهم في جميع الأحوال؟: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ أي في مؤاكلة غيره وما
стр. 949
يأتي من الأحكام (١)، وبهذا يتبين أن مناسبة الآية لما قبلها تتفق مع المراد من نفي الحرج عن مؤاكلة الأعمى والأعرج والمريض، وليس نفي الحرج في الغزو.
تنبيه:
قول من قال بأن المراد من نفي الحرج في الآية: نفي الحرج في الغزو والجهاد في سبيل الله، قد تعقبه غير واحد من أهل العلم، إما بوصفه أنه لا وجه له، أو أنه ضعيف (٢).
• النتيجة:
بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن الحرج المنفي عن الأعمى والأعرج والمريض هو المؤاكلة معهم في مجلس واحد، أو أن يأكلوا من البيوت التي استُخلفوا عليها أثناء خروج المسلمين للغزو، وليس نفي الحرج عن الجهاد والغزو، خلافًا لما ذهب إليه القاسمي ﵀، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، الله أعلم.
* * *