الزمخشري: "ليس على هؤلاء الضعفاء حرج فيما تحرجوا عنه، ولا عليكم أن تأكلوا من هذه البيوت، وهذا كلام صحيح، وكذلك إذا فسر بأن هؤلاء ليس عليهم حرج في القعود عن الغزو، ولا عليكم أن تأكلوا من البيوت المذكورة، لالتقاء الطائفتين في أن كل واحدة منهما منفي عنها الحرج" (١).
السيوطي: "والصواب أن يقال: إن الحرج مرفوع عن هؤلاء الثلاثة في كل ما يمنعهم منه أعذارهم من الجهاد وغيره" (٢).
السعدي: "أي: ليس على هؤلاء جناح، في ترك الأمور الواجبة، التي تتوقف على واحد منها، وذلك كالجهاد ونحوه، مما يتوقف على بصر الأعمى، أو سلامة الأعرج، أو صحة للمريض" (٣).
أصحاب القول الثاني:
ابن عباس ﵁: " لما أنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [سورة النساء: ٢٩]، قال المسلمون: إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، والطعام من أفضل الأموال، فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد. فكف الناس عن ذلك، فأنزل الله بعد ذلك: ﴿ليس على الأعمى حرج﴾، وبنحو ذلك روي عن الضحاك، ومجاهد، وقتادة (٤)، من أن المراد: نفي الحرج عن المؤاكلة مع الأعمى والأعرج.
الطبري: " وأشبه الأقوال التي ذكرنا في تأويل قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ القول الذي ذكرنا عن الزهري -يعني: نفي الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض أن يأكلوا من البيوت التي استُخلفوا عليها أثناء الغزو-" (٥).
стр. 947
النحاس: "وهذا القول - يعني: نفي الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض أن يأكلوا من البيوت التي استُخلفوا عليها أثناء الغزو - من أجل ما روي في الآية لما فيه عن الصحابة والتابعين من التوقيف أن الآية نزلت في شيء بعينه فيكون التقدير على هذا ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا عليكم أن تأكلوا" (١).
البيضاوي: "وقيل نفي للحرج عنهم في القعود عن الجهاد وهو لا يلائم ما قبله ولا ما بعده" (٢).
• دراسة المسألة:
بعد التتبع والنظر في أقوال أهل العلم وما ذكره المفسرون في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما عليه أصحاب القول الثاني من أن آية نفي الحرج في سورة النور وهي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ ليست على عمومها لتشمل نفي الحرج عن الغزو، وإنما هي خاصة في نفي الحرج عن مؤاكلة الأعمى والأعرج والمريض، وهو الذي عليه الأكثرون (٣)، أو لنفي الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض بأن يأكلوا من البيوت التي استُخلفوا عليها، وذلك من أوجه:
الأول: ما جاء في سبب نزول الآية الذي يدل على ذلك: فقد روى ابن جرير الطبري في تفسيره بسنده عن معمر، قال: قلت للزهري، في قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾: ما بال الأعمى ذكر هاهنا والأعرج والمريض؟ فقال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله " أن المسلمين كانوا إذا غزوا خلفوا زمناهم، وكانوا يدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم يقولون: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا وكانوا يتحرجون من ذلك، يقولون: لا ندخلها وهي غيب. فأنزلت هذه الآية رخصة لهم" (٤).
стр. 948
وغير ذلك مما روي في سبب نزول الآية مما يؤيد بأن المراد من نفي الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض، هو الترخيص لهم من الأكل من بيوت من سمى الله في هذه الآية، أو في المسلمين الذين كانوا يتقون أن يأكلوا مع الأعمى والأعرج، ونحو ذلك (١).
الثاني: من حيث السياق: فسياق الآية في نفي الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض، ونفي الحرج عن الناس عمومًا من الأكل في بيوتهم، أو بيوت آبائهم، أو من بيوت أمهاتهم، أو من بيوت إخوانهم، أو من بيوت أخواتهم، أو من بيوت أعمامهم، أو من بيوت عماتهم، أو من بيوت أخوالهم، أو من بيوت خالاتهم، أو من البيوت التي ملكوا مفاتحها، أو من بيوت أصدقائهم، إذا أذنوا لهم في ذلك، عند مغيبهم ومشهدهم (٢). ولا علاقة بنفي الحرج في الغزو من خلال هذا السياق.
الثالث: أن قوله تعالى في الآية: ﴿أَنْ تَأْكُلُوا﴾ خبر «ليس» و «أن» في موضع نصب على أنها خبر لها، فهي متعلقة بـ «ليس» فمعلوم بذلك أن معنى الكلام: ليس على الأعمى حرج أن يأكل من بيته، وليس أن يغزوا (٣).
الرابع: من حيث مناسبة الآية لما قبلها: فلما أتم سبحانه ما ذكر من حرمات البيوت المستلزمة لصيانة الأبضاع في قوله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [سورة النور: ٦٠] على وجه يلزم منه إحراز الأموال، أتبعه ما يباح من ذلك للأكل الذي هو من أجلّ مقاصد الأموال اجتماعاً وانفراداً، فقال في جواب من كأنه سأل: هل هذا التحجير في البيوت سارٍ في الأقارب وغيرهم في جميع الأحوال؟: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ أي في مؤاكلة غيره وما
стр. 949
يأتي من الأحكام (١)، وبهذا يتبين أن مناسبة الآية لما قبلها تتفق مع المراد من نفي الحرج عن مؤاكلة الأعمى والأعرج والمريض، وليس نفي الحرج في الغزو.
تنبيه:
قول من قال بأن المراد من نفي الحرج في الآية: نفي الحرج في الغزو والجهاد في سبيل الله، قد تعقبه غير واحد من أهل العلم، إما بوصفه أنه لا وجه له، أو أنه ضعيف (٢).
• النتيجة:
بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن الحرج المنفي عن الأعمى والأعرج والمريض هو المؤاكلة معهم في مجلس واحد، أو أن يأكلوا من البيوت التي استُخلفوا عليها أثناء خروج المسلمين للغزو، وليس نفي الحرج عن الجهاد والغزو، خلافًا لما ذهب إليه القاسمي ﵀، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، الله أعلم.
* * *
стр. 950
سورة القصص
стр. 951
سورة القصص
١٦٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [سورة القصص: ٨٨].
قال ابن كثير: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾: إخبار بأنه الدائم الباقي الحي القيوم، الذي تموت الخلائق ولا يموت، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [سورة الرحمن: ٢٧]، فعبر بالوجه عن الذات، وهكذا قوله ههنا: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ أي: إلا إياه.
وقال مجاهد والثوري في قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ أي: إلا ما أريد به وجهه.
وهذا القول لا ينافي القول الأول، فإن هذا إخبار عن كل الأعمال، بأنها باطلة إلا ما أريد به وجه الله تعالى من الأعمال الصالحة المطابقة للشريعة (١).
قال القاسمي: وفيه بعد وتكلف يذهب رونق النظم، وماء الفصاحة. لا سيما وآي التنزيل يفسر بعضها بعضا. والآية الثانية التي ذكرناها بمعنى هذه. وتلك لا تحتمل ذاك المعنى، فكذا هذه (٢).
• أقوال أهل العلم في المراد من قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (٣):
القول الأول: أن المراد: الإخبار بأن كل شي يزول ويهلك، إلا ذاته جل وعز.
القول الثاني: المراد: كل شيء هالك إلا ما أريد به وجهه.
стр. 952
أصحاب القول الأول:
مقاتل: " استثنى نفسه- ﷻ بأنه- تعالى- حي دائم لا يموت فقال- ﷻ : «إلا وجهه» يعني إلا هو"، وبنحو ذلك روي عن يحيى بن سلام، والضحاك (١).
ابن قتيبة: " ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ أي: إلا هو" (٢).
الزجاج: "ومعنى ﴿إِلَّا وَجْهَهُ﴾ إلا إياه" (٣).
مكي بن أبي طالب: " ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾، أي إلا إياه" (٤).
أصحاب القول الثاني:
مجاهد: " ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ قال: إلا ما أريد به وجهه"، وبنحو ذلك روي عن سفيان الثوري، وأبي العالية (٥).
الجصاص: " ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ يعني ما كان لرضاه وإرادته" (٦).
السمرقندي: " ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ يعني: كل عمل هالك لا ثواب له إلا ما يراد به وجه الله " (٧).
القشيري: " ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ كلّ عمل باطل إلا ما كان لوجه الله وللتقرب به إلى الله" (٨).
стр. 953
• دراسة المسألة:
من خلال استقراء ما ذكره أهل العلم في تفسير قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾، يتبين أن الصواب من أقوالهم ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد: الإخبار بأن كل شي يزول ويهلك، إلا ذاته ، وذلك من وجهين:
الأول: الشواهد اللغوية التي تدل على جواز التعبير بالوجه عن الذات، كأن تقول: أكرم الله وجهه، وفلان وجه القوم، تريد بذلك ذاته (١).
والعرب تستعملُ الوجه وهم يريدون نفسَ الشيء، إلا أنَّهم يذكرونه باللفظ الأشرف، كما قال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (٢).
الثاني: ما جاء في سبب نزول الآية: ومن ذلك ما روي عن ابن عباس ﵁ قال: لمّا أنزلت هذه الآية - يعني قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ - قالت الملائكة: هلك أهل الأرض فأنزل الله تعالى ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ فأيقنت الملائكة بالهلاك (٣).
وما روي عنه أيضًا في قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]؛ قال: لما نزلت؛ قيل: يا رسول الله! فما بال الملائكة؟ فنزلت: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (٤).
ووجه الدلالة: أن إيقان الملائكة بالهلاك لا يُمكن حمله إلا في مقابلة بقاء الذات، وهي ذاته ، إذ لا يستقيم أن يكون المراد من قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ بالنظر إلى ما جاء في سبب نزول الآية: ما أريد به وجه الله تعالى من الأعمال الصالحة، والله أعلم.
стр. 954
الثالث: من حيث السياق: فسياق الآية يدل على أنه خطاب موجه إلى النبي ﷺ في الظاهر، لنهية عن دعاء غير الله تعالى والمقصود به إبطال الشرك وإظهار ضلال أهله، وجملة ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ علة لهذا النهي لأن هلاك الأشياء التي منها الأصنام وكل ما عبد مع الله وأشرك به دليل على انتفاء الإلهية عنها لأن الإلهية تنافي الهلاك وهو العدم، كأنه تعالى يقول: هذه الأصنام المعبودة من دون الله لا تبقى، والله تعالى هو الذي يبقى، فهو الذي يستحق أن يعبد، وعلى هذا يكون الوجه مستعمل في معنى الذات. والمعنى: كل موجود هالك إلا الله تعالى (١).
الرابع: مما يدل على عدم صحة قول من قال بأن المراد: كل شيء هالك إلا ما أريد به وجهه: أن الأعمال الصالحة ستفنى مع أصحابها، صالحةً كانت أم طالحة (٢).
تنبيهان:
الأول: الآية فيها إثبات صفة الوجه لله تعالى على ما يليق بجلاله كما عليه أهل السنة والجماعة (٣)، لا كما يزعم الرازي ومن معه من الأشاعرة من إنكار صفة الوجه لله تعالى، ويرمي أهل السنة بالمجسمة، لأنهم أثبتوا هذه الصفة على الحقيقة (٤).
الثاني: قول الحافظ ابن كثير ﵀ الذي تعقبه القاسمي من أن قول مجاهد والثوري بأن المراد: إلا ما أريد به وجهه، لا يُنافي القول بأن المراد: إلا إياه. له حظ من النظر، لأن هذا النوع هو من تفسير الشيء بلازمه، وهو من طرق التفسير التي كان عليها جماعة من السلف (٥)، وهذا التفسير لا يُناقض الأصل في تفسير الآية، فكل شي هالك ولا يبقى إلا الله
стр. 955
ﷻ ، والأعمال الصالحة تبقى كذلك كما قال سبحانه: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ [سورة مريم: ٧٦]، والله أعلم.
• النتيجة:
من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الأقرب للصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد من قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ الإخبار بأن كل شي يزول ويهلك، إلا ذاته جل وعز، كما ذهب إلى هذا القاسمي ﵀، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك.
وأما ما تعقبه على قول الحافظ ابن كثير، ففيه نظر، والله أعلم.
* * *
стр. 956
سورة العنكبوت
стр. 957
سورة العنكبوت
١٦٣ - قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [سورة العنكبوت: ٢٢].
قال القاسمي: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ أي: بالتواري في الأرض، ولا بالتحصن في السماء التي هي أفسح منها، لو استطعتم الرقي فيها. أو القلاع الذاهبة فيها. فيكون المراد بالسماء ما ارتفع. وقيل: المعنى (ولا من في السماء) فحذف اسم الموصول وهو مبتدأ محذوف الخبر. والتقدير (ولا من في السماء بمعجزه) والجملة معطوفة على جملة (أنتم بمعجزين) وفيه تكلف وضعف صناعي (١).
• أقوال أهل العلم في المراد من قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ (٢):
القول الأول: أن المراد: وما أنتم بمعجزين في الأرض، ولا في السماء لو كنتم فيها.
القول الثاني: أن المراد: وما أنتم بمعجرين في الأرض، ولا الذين في السماء بمعجزين.
أصحاب القول الأول:
مقاتل: " ﴿وَمَا أَنْتُمْ﴾ يعني كفار مكة ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ يعني بسابقين الله- فتفوتوه في الأرض كنتم ولا في السماء كنتم أينما كنتم حتى يجزيكم بأعمالكم السيئة" (٣).
النحاس: "المعنى وما أنتم بمعجزين في الأرض ولو كنتم في السماء وخوطب الناس على ما يعرفون وهذا أولى والله أعلم" (٤).
стр. 958
السمرقندي: " ﴿وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ يعني: إن كنتم في الأرض، ولا في السماء لا يقدرون أن يهربوا منه" (١).
الرازي: " ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ يعني بالهرب لو صعدتم إلى محل السِّمَاكِ في السماء أو هبطتم إلى موضع السُّمُوكِ في الماء لا تخرجون من قبضة قدرة الله" (٢).
أصحاب القول الثاني:
ابن زيد: " ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ لا يعجزه أهل الأرضين في الأرضين، ولا أهل السماوات في السماوات إن عصوه" (٣).
الفراء: " وكيف وصفهم أنهم لا يعجزون في الأرض ولا في السماء، وليسوا من أهل السماء؟ فالمعنى- والله أعلم- ما أنتم بمعجزين في الأرض ولا من في السماء بمعجز" (٤).
ابن قتيبة: " ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ أي: ولا من في السماء بمعجزٍ" (٥).
ابن كثير: "قوله: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ أي: لا يعجزه أحد من أهل سماواته وأرضه، بل هو القاهر فوق عباده، فكل شيء خائف منه فقير إليه، وهو الغني عما سواه" (٦).
стр. 959
• دراسة المسألة:
من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم، واستقراء ما قيل في هذه المسألة، يتبين أن كُلا من الفريقين له ما يؤيده لما ذهب إليه، وبيان ذلك فيما يلي:
أولا: أصحاب القول الأول الذين ذهبوا إلى أن المراد: وما أنتم بمعجزين في الأرض، ولا في السماء لو كنتم فيها. يؤيد ما ذهبوا إليه وجهين:
الأول: أن المراد نفي الإعجاز من المخلوقين من باب التعجيز والتحدي: ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [سورة النساء: ٧٨]. فالمعنى: لا تعجزوننا هربا ولو كنتم في السماء (١).
فيكون معنى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ﴾ يا أهل الأرض تعجزون الله هربا في الأرض، ولا في السماء لو صعدتم إلى السماء، ولا ينفعكم الهرب إليها، ويكون في معنى قوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [سورة الرحمن: ٣٣] (٢).
الثاني: الشواهد من اللغة التي تؤيد هذا المراد: كقولك: ما يفوتني فلان بالبصرة ولا هاهنا في بلدي وهو معك في البلد؛ أي: ولا بالبصرة لو صار إليها (٣).
ونحوه قول الأعشى:
أَئِنْ كُنْتَ في جُبٍ ثمانينَ قامَةً … وَرُقَّيتَ أَسبابَ السّماءِ بسُلَّمِ
لَيَستدْرِجَنْكَ القَوْلُ حتى تَهِرَّهُ … وتعلَم أني لستُ عنك بِمحرمِ (٤).
стр. 960
والمعنى: أن الأعشى يخاطب بهذا الشعر عمير بن عبد الله بن المنذر بن عبدان، وهو من بني تغلب. يقول له: لا تعتصم من هجائي بشيْ. ولا يمكنك دفعه، وإن جعلت في قرر الأرض، وأصعد بك إلى السماء ليلحقك من هجائي ما لا تطيقه (١).
ثانيًا: أصحاب القول الأول الذين ذهبوا إلى أن المراد: وما أنتم بمعجرين في الأرض، ولا الذين في السماء بمعجزين. يؤيد ما ذهبوا إليه وجهين:
الأول: نظائر الآيات التي تدل على هذا المراد: ومن ذلك قوله تعالى: ﴿مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سورة سبأ: ٣] (٢).
ومن ذلك أيضا: أن التقدير في قوله تعالى: ﴿فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ أي: من في السماء بمعجزي الله. على حرف (من) مرة واحدة، كما قال: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [سورة الصافات: ١٦٤] أي: إلا من له مقام (٣).
الثاني: الشواهد من اللغة التي تؤيد هذا المراد: ومن ذلك: قول حسان بن ثابت ﵁:
أَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّه مِنْكُمْ … ويَمْدَحُهُ ويَنْصُرَهُ سَوَاءُ (٤)
أراد: ومن ينصره ويمدحه، فأضمر (من). قال: وقد يقع في وهم السامع أن النصر والمدح لـ (من) هذه الظاهرة؛ ومثله في الكلام: أكرم من أتاك وأتى أباك، وأكرم من أتاك ولم يأت زيدا. تريد: ومن لم يأت زيدا، فيكتفي باختلاف الأفعال من إعادة (من)، كأنه قال: أمن يهجو، ومن يمدحه، ومن ينصره. ومنه قول الله : ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [سورة الرعد: ١٠] (٥).
стр. 961
وبهذا يتبين أن كُلا من الفريقين له ما يؤيده من نظائر الآيات، أو ما يشهد له من اللغة، ولا ما نع من حمل الآية على المعنيَيْن، إذ ليس في ظاهر المعنيَيْن التعارض، وإذا أمكن حمل الآية على المعنيَيْن والجمع بينهما، بأن يُقال: وما أنتم بمعجزين الله في الأرض ولا في السماء لو كنتم فيها، ولا من في السماء من الجن أو الملائكة بمعجز. حُملت على ذلك، قد تقدم تقرير القاعدة التي تدل على ذلك (١).
• النتيجة:
يتبين من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الصواب بأن يُقال أن كُلا من المعنيَيْن محتمل، فيجوز أن يكون المراد: وما أنتم بمعجزين في الأرض، ولا في السماء لو كنتم فيها. ويجوز أن يكون المراد: وما أنتم بمعجرين في الأرض، ولا الذين في السماء بمعجزين، لما تقدم إيراده من الأوجه التي تؤيد كُلا من ذلك، والله أعلم.
* * *
стр. 962
سورة الروم
стр. 963
سورة الروم
١٦٤ - قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [سورة الروم: ٧].
قال ابن المنيِّر: في تنكير ﴿ظَاهِرًا﴾ تقليلا لمعلومهم. وتقليله يقربه من النفي. فيطابق المبدل منه (١).
قال القاسمي: التقليل هو الوحدة المشار لها بقول الزمخشري (وفي تنكير الظاهر أنهم لا يعلمون إلا ظاهرا واحدا، من جملة الظواهر) (٢).
أما قول أبي السعود: وتنكير ظاهرا للتحقير والتخسيس دون الوحدة كما توهم (٣)، فغفلة عن مشاركتها للتعليل الذي به يطابق البدل المبدل منه. فافهم (٤).
• أقوال أهل العلم في معنى تنكير لفظ: (ظاهرا) في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا﴾:
القول الأول: أن تنكير: ﴿ظَاهِرًا﴾ للتقليل، أي لا يعلمون إلا ظاهرا واحدا، من جملة الظواهر.
القول الثاني: أن تنكير: ﴿ظَاهِرًا﴾ للتحقير والتخسيس.
أصحاب القول الأول:
النسفي: "وتنكير الظاهر يفيد أنهم لا يعلمون إلا ظاهرا واحدا من جملة ظواهرها" (٥).
стр. 964
النيسابوري: "وفي تنكير ﴿ظَاهِرًا﴾ إشارة إلى قلة علمهم بظاهر الدنيا" (١).
ابن عجيبة (٢): " وتنكير ﴿ظَاهِرًا﴾: مُفيدٌ أنهم لا يعلمون إلا ظاهراً واحداً من جملة ظواهرها" (٣).
القنوجي: "وتنكير الظاهر، يفيد أنهم لا يعلمون إلا ظاهراً واحداً من جملة ظواهرها" (٤).
أصحاب القول الثاني:
إسماعيل حقي (٥): "وتنكير ﴿ظَاهِرًا﴾ للتحقير والتخسيس أي يعلمون ظاهرا حقيرا خسيسا من الدنيا" (٦).
الآلوسي: "فالظاهر أن المراد بالظاهر مقابل الباطن، وتنويه للتحقير والتخسيس، أي: يعلمون ظاهرا حقيرا خسيسا" (٧).
• دراسة المسألة:
من خلال التأمل في أقوال أهل العلم واستقراء ما ذكره المفسرون في تأويل الآية، يتبين أن الصواب من أقوالهم: ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن تنكير: ﴿ظَاهِرًا﴾ للتقليل، أي لا يعلمون إلا ظاهرا واحدا، من جملة الظواهر، ولا يمنع أن يكون المراد من
стр. 965
التنكير: التحقير والتخسيس، وذلك من وجهين:
الأول: أن الذي عليه جمع من السلف، وجمهور أهل العلم (١)، بأن المراد من علمهم بالظاهر من الحياة الدنيا: علمهم بمعايشهم، متى يحصدون، ومتى يغرسون، وإلى هذا ذهب ابن عباس، وعكرمة، وإبراهيم النخعي، والحسن، وغيرهم (٢).
وهذا يدل على أنهم يعلمون قليلا من الظواهر في الحياة الدنيا، فيكون هذا المعنى صحيحًا بحسب فهم جماعة من السلف من معنى العلم بالظاهر.
الثاني: نظائر الآيات التي جاءت في وصف الكفار بأنهم لا يعقلون، وآيات أخرى بأن لهم عقول، وفيها ألفاظ جاءت مُنَكَّرة، تُفَسر التنكير الذي ورد في هذه الآية.
فمثلا: قوله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [سورة البقرة: ١٧٠]. فهذه الآية الكريمة تدل بظاهرها على أن الكفار لا عقول لهم أصلًا؛ لأن قوله: ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النفي، فهي تدل على العموم.
وقد جاءت آيات أخر تدل على أن الكفار لهم عقول يعقلون بها في الدنيا، كقوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [سورة العنكبوت: ٣٨].
وهذه الآيات ظاهرها التعارض، والجواب يكون في آية الروم، بأنهم يعقلون أمور الدنيا دون أمور الآخرة، كما بينه تعالى بقوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [سورة الروم: ٧] (٣).
وبهذا يتقرر أن المراد من التنكير: التقليل، فهم لا يعلمون إلا ظاهرا واحدا، من جملة
стр. 966
الظواهر في أمور الدنيا، والله أعلم.
• النتيجة:
يظهر من خلال ما تقدم ذكره من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن تنكير: ﴿ظَاهِرًا﴾ للتقليل، أي لا يعلمون إلا ظاهرا واحدا، من جملة الظواهر، في أمر الدنيا، لما تقدم إيراده من الوجهين الداليْن على ذلك، والله أعلم.
стр. 967
١٦٥ - قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [سورة الروم: ٣٩].
قال ابن كثير: وهذا الصنيع مباح وإن كان لا ثواب فيه، إلا أنه نهى عنه رسول الله ﷺ خاصة، قال الضحاك، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [سورة المدثر: ٦]، أي لا تعط العطاء، تريد أكثر منه (١). وقال ابن عباس: الربا رباءان، فربا لا يصح، يعني ربا البيع، وربا لا بأس به، وهو هدية الرجل يريد فضلها، وإضعافها (٢).
قال القاسمي: وأقول: في ذلك كله نظر من وجوه:
الأول: أن هذه الآية شبيهة بآية ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [سورة البقرة: ٢٧٦] .. إلخ (٣).
• أقوال أهل العلم في المراد من الربا في قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ (٤):
القول الأول: أن المراد من الربا: العطاء والهدية بين الناس، مما أباحه الله .
القول الثاني: أن المراد من الربا: ربا البيع، مما حرّمه الله .
أصحاب القول الأول:
السمرقندي: " معناه: ما أعطيتم من عطية لتلتمسوا بها الزيادة فلا يربوا عند الله أي: فلا تضاعف تلك العطية عند الله " (٥).
стр. 968
مكي بن أبي طالب: " ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: ما أعطى بعضهم بعضا ليرد الآخذ على المعطي أكثر مما أخذ منه فلا أجر فيه للمعطي لأنه لم يبتغ في إعطائه ثواب الله، إنما ابتغى الازدياد من مال الآخذ، فذلك حلال لكم ولا أجر لكم فيه" (١).
أبو حفص النسفي: " ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾: أي: وما أعطيتم أحدا من شيء طلب الازدياد به لتزيدوا من أموالهم في أموالكم -وهو أن يكون العطاء طلبا للمكافأة في الدنيا والاستكثار- فإنه لا يزداد عند الله؛ أي: لا يضاعف لكم أجره؛ لأنكم قد نلتم أجر ذلك في الدنيا بإعطائكم إياه، فلا مكافأة لكم عند الله" (٢).
ابن العربي: "صريح الآية فيمن يهب يطلب الزيادة من أموال الناس في المكافأة" (٣).
أصحاب القول الثاني:
الجصاص: " والربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض والدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرض على ما يتراضون به ولم يكونوا يعرفون البيع بالنقد وإذا كان متفاضلا من جنس واحد هذا كان المتعارف المشهور بينهم ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ فأخبر أن تلك الزيادة المشروطة إنما كانت ربا في المال العين لأنه لا عوض لها من جهة المقرض" (٤).
الزمخشري: "هذه الآية في معنى قوله تعالى ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ سواء بسواء، يريد: وما أعطيتم أكلة الربا ﴿مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ﴾ فِي أموالهم: ليزيد ويزكو في أموالهم، فلا يزكو عند الله ولا يبارك فيه" (٥).
стр. 969
ابن جزي: " ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ الآية: معناها كقوله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ أي ما أعطيتم من أموالكم على وجه الربا فلا يزكو عند الله" (١).
ابن عاشور: "وهذا التفسير -يعني تفسير الربا في العقود- هو المناسب لمحمل لفظ الربا على حقيقته المشهورة، ولموافقة معنى قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ " (٢).
• دراسة المسألة:
من خلال التتبع والنظر في أقوال أهل العلم، واستقراء ما أورده المفسرون في تفسير الآية، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد من الربا في الآية: العطاء والهدية بين الناس، مما أباحه الله ، وهو ما عليه عامة أهل التأويل (٣)، وذلك من وجهين:
أولا: أن القول بأن المراد من الربا: العطاء والهدية، وهو قول عامة السلف، ممن شهد التنزيل وعرف أحواله، ولم يُعلم من أحدهم أنه نص على أن المراد: الربا المُحرّم، من ربا البيع أو ربا النسيئة.
فقد روى ابن جرير الطبري في تفسيره عن ابن عباس، قوله: " ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ قال: هو ما يعطي الناس بينهم بعضهم بعضا، يعطي الرجل الرجل العطية، يريد أن يعطى أكثر منها " (٤).
وعن سعيد بن جبير: " ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ قال: هو الرجل يعطي الرجل العطية ليثيبه"، وروي بنحو ذلك عن مجاهد، وإبراهيم النخعي، وقتادة،
стр. 970
والضحاك (١).
الثاني: ظاهر الآية الذي يدل على أن الربا المذكور فيها: الربا الجائز من العطايا والهدايا التي يُبتغى بها عرض الدنيا، والتماس الفضل من الناس، لأن قوله تعالى: ﴿فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾، المراد منه: لا يزداد ولا يتضاعف ذلك عند اللَّه، وليس كما في الربا المحرم المحظور؛ حيث يقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [سورة البقرة: ٢٧٨] (٢).
الجواب عن الإيرادات التي أوردها القاسمي ﵀ في تعقبه على الحافظ ابن كثير ﵀، وغيره:
بعد أن أورد القاسمي ﵀ قول الحافظ ابن كثير ﵀ المتقدم وغيره، تعقبه ووصف أقوالهم بأن فيه نظر من وجوه:
الأول: أن هذه الآية شبيهة بآية ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾، وهي في ربا البيع الذي كان فاشيا في أهل مكة حتى صار ملكة راسخة فيهم، امتصوا بها ثروة كثير من البؤساء، مما خرج عن طور الرحمة والشفقة والكمال البشريّ. فنعى عليهم حالهم، طلبا لتزكيتهم بتوبتهم منه. ثم أكّد ذلك في مثل هذه الآية. مبالغة في الزجر (٣).
والجواب: أن الآية وإن كانت شبيهة بقوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ إلا أن سياق الآيات في سورة البقرة في تحريم الربا يختلف عن سياق الآيات ههنا، إذ هي ليست صريحة في تحريم الربا، وإنما إشارة إلى أن الله يمحق الربا بذهاب بركته وهلاكه، فلا ينمو ولا يبارك الله فيه، والله أعلم.
стр. 971
الثاني: أن الربا، على ما ذكر، مجاز. والأصل في الإطلاق الحقيقة، إلا لصارف يرشد إليه دليل الشرع، أو العقل. ولا واحد منهما هنا، إذ لا موجب له (١).
والجواب: وإن كان الأصل الحقيقة، إلا أن أقوال عامة السلف في الآية، وظاهر الآية الذي تقدم بيانه، يدل على أن المعنى الحقيقي هو الزيادة في رأس المال، أو الاستزادة المرجوة من العطايا والهدايا.
ويُحتمل أن القائلين بأن الربا مجاز عن الزيادة يُريدون ما تُجيزه اللغة من معنى الربا بأنه: الزيادة، والله أعلم.
الثالث: دعوى أن الهبة المذكورة مباحة، لا بأس بها بعد كونها هي المرادة من الآية- بعيدة غاية البعد. لأن في أسلوبها من الترهيب والتحذير ما يجعلها في مصافّ المحرمات. ودلالة الأسلوب من أدلة التنزيل القوية، كما تقرر في موضعه (٢).
والجواب: ليس في ظاهر الآية الترهيب من الربا مما يجعله في مصاف المحرّمات، بل ظاهرها هو الإرشاد والتوجيه بأن ما تهبونه من العطايا والهدايا ابتغاء عرض الدنيا، ليرد الآخذ على المعطي أكثر مما أخذ منه، ليس فيه ثواب من عند الله، وبركته مرتفعة، وإنما الثواب في إيتاء الزكاة ابتغاء وجه الله، ولذلك قال في مقابلته: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾، والله أعلم (٣).
الرابع: زعم أن المنهيّ عنه هو الحضرة النبوية خاصة، لا دليل عليه إلّا ظاهر الخطاب. وليس قاطعا.
لأن اختصاص الخطاب لا يوجب اختصاص الحكم على التحقيق. لا يقال الأصل وجوب حمل اللفظ على حقيقته، وحمله على المجاز لا يكون إلا بدليل (٤)، وكذا ما يقال إن
стр. 972
ثبوت الحكم في غير محل الخطاب يفتقر إلى دليل- لأنا نقول: الأصل في التشريعات العموم، إلا ما قام الدليل القاطع على التخصيص بالتنصيص، وليس منه شيء هنا. وقد عهد في التنزيل تخصيص مراد به التعميم إجماعا. كآية ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [سورة الأحزاب: ١]، وأمثالها (١).
والجواب: وإن كان تخصيص الحكم للنبي ﷺ يحتاج إلى دليل، إلا أن جماعة من السلف نصوا على أن الخطاب خاص بالنبي ﷺ كالضحاك ومجاهد، وإبراهيم النخعي (٢)، وبعدهم جماعة من المفسرين نصوا على ذلك (٣)، ولا شك بأن فهمهم مقدم على فهم غيرهم، إن كان ينفي هذا التخصيص.
ولعل تخصيص النهي بالنبي خاصة أن الله تعالى أدبه بأشرف الآداب وأجل الأخلاق (٤).
تنبيه:
اختلف أهل العلم قديمًا في سبب نزول الآية، فروي عن السدي أنه قال: نزلت في ثقيف كانوا يعطون الربا" (٥). وهذا يؤيد قول من قال بأن المراد من الربا في الآية: الربا المُحرَّم في المعاملات.
وروي عن جماعة من السلف، كابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد أن الآية نزلت في
стр. 973
هبة الثواب (١)، وهذا يؤيد قول من قال بأن المراد من الربا في الآية: الهدايا والهبات، ونحوها، ولم يتم الوقوف على إسناد ما روي في ذلك، لمعرفة الحق من الباطل، أم أن الآية نزلت مرتين.
• النتيجة:
بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الراجح من أقوالهم هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن المراد من الربا في الآية: العطاء والهدية بين الناس، مما أباحه الله ، بخلاف ما ذهب إليه القاسمي ﵀، لما تقدم إيراده من الوجهيْن الداليْن على ذلك، والله أعلم.
* * *
стр. 974
سورة الأحزاب
стр. 975
سورة الأحزاب
١٦٦ - روى الإمام أحمد عن أبي بن كعب ﵁ قال: لقد رأيتها وإنها تعادل سورة البقرة -يعني سورة الأحزاب-. ولقد قرأنا فيها (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم) (١).
وقال ابن كثير: وهو يقتضي أنه قد كان فيها قرآن ثم نسخ لفظه وحكمه أيضا، والله أعلم (٢).
قال القاسمي: قلت: كان يصح هذا الاقتضاء، لو كان هذا الأثر صحيحا. أما ولم يخرجه أرباب الصحاح، فهو من الضعف بمكان (٣).
• أقوال أهل العلم في الأثر المروي عن أبي بن كعب ﵁: (لقد رأيتها وإنها تعادل سورة البقرة) من حيث الصحة والضعف:
القول الأول: أن الأثر المروي عن أبي بن كعب ﵁ صحيح، وأن سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة.
القول الثاني: أن الأثر المروي عن أبي بن كعب ﵁ ضعيف، وأن سورة الأحزاب لم تكن تعدل سورة البقرة.
أصحاب القول الأول:
الحاكم (٤): "عن زر بن حبيش، قال: قال لي أبي بن كعب، وكان يقرأ سورة
стр. 976
الأحزاب قال: قلت: ثلاثا وسبعين آية. قال: «قط». قلت: قط. قال: " لقد رأيتها وإنها لتعدل البقرة ولقد قرأنا فيما قرأنا فيها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم. «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه» (١).
ابن حزم: " عن زر بن حبيش قال: قال لي أبي بن كعب: كم تعدون سورة الأحزاب؟ قلت: إما ثلاثا وسبعين آية، أو أربعا وسبعين آية، قال: إن كانت لتقارن سورة البقرة، أو لهي أطول منها، وإن كان فيها لآية الرجم؟ قلت: أبا المنذر وما آية الرجم؟ قال: إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم؟ " وهذا إسناد صحيح كالشمس لا مغمز فيه" (٢).
ابن كثير: "وهذا إسناد حسن -يعني أثر أبي بن كعب-، وهو يقتضي أنه قد كان فيها قرآن ثم نُسِخَ لفظه وحكمه أيضاً" (٣).
ابن حجر: عن أبي بن كعب ﵁ قال: "كم تعدون سورة الأحزاب؟ قال: قلت: ثنتين أو ثلاثا وسبعين آية، قال: كانت توازي سورة البقرة أو أكثر، وكنا نقرأ فيها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من اللَّه". هذا حديث حسن (٤).
أصحاب القول الثاني:
الباقلاني (٥): "هذا الشيء لا يصح عن أبي، ولو صح فمعناه: أنها نسخت تلاوتها وأزيلت" (٦).
стр. 977
قال الكرماني: " خالف الخوارج، وزعموا أن الرجم لم يصح فيه النقل، وأن الجلد عام في البكريْن والثيبْين" (١).
البوصيري (٢): "ومدار أسانيدهم -يعني الروايات الواردة عن أبي بن كعب- على عاصم بن أبي النجود وهو ضعيف" (٣).
• دراسة المسألة:
ومن خلال التأمل والنظر واستقراء ما ذكره المفسرون وأهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن الأثر المروي عن أبي بن كعب ﵁ صحيح، وهذا يقتضي أن سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة، وذلك من وجهين:
الأول: أن جميع الروايات التي جاءت عن أبي بن كعب والتي مفادها أن سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة، مدار أسانيدها على عاصم بن أبي النجود.
وقد اختلف أهل العلم في توثيقه، فمنهم من ضعّفه وتكلم في حفظه، ومنهم من قال بأنه: صدوق في الحديث، منهم من قال: لا بأس به (٤).
وإذا كانت العلة في الإسناد وجود أحد الرواة فيه ضعف في الحفظ، دون الاتهام بالكذب، فلا مانع أن يتقوى الأثر بالشواهد.
فمن الشواهد ما رواه أحمد في مسنده عن أبي بن كعب قَالَ: " كم تقرؤون سورة الأحزاب؟ قال: بضعا وسبعين آية. قال: "لقد قرأتها مع رسول الله ﷺ مثل البقرة، أو أكثر
стр. 978
منها، وإن فيها آية الرجم" (١).
وروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: "كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمن النبي ﷺ مائتي آية، فلما كتب عثمان المصاحف لم نقدر منها إلا ما هو الآن" (٢).
الثاني: الروايات الصحيحة الثابتة التي تدل على جواز نسخ سور طويلة من القرآن، فلا يمنع أن تكون سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة، فنُسخ أكثرها.
ومما يدل على وقوع نسخ التلاوة في سورة طويلة من القرآن، ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبيه قال: «بعث أبو موسى الأشعري إلى قراء أهل البصرة، فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرءوا القرآن فقال: أنتم خيار أهل البصرة، وقراؤهم فاتلوه، ولا يطولن عليكم الأمد، فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم، وإنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول، والشدة ببراءة فأنسيتها غير أني قد حفظت منها لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب» الحديث (٣).
• النتيجة:
بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، من الأثر المروي عن أبي بن كعب ﵁ صحيح، وأن سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة، خلافًا لما ذهب إليه القاسمي ﵀، لما تقدم إيراده من الوجهيْن الداليْن على ذلك، والله أعلم.
стр. 979
١٦٧ - قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: ٥].
قال ابن كثير: هذا الأمر ناسخ لما كان في ابتداء الإسلام، من جواز ادعاء الأبناء الأجانب وهم الأدعياء. فأمر ﵎ برد نسبهم إلى آبائهم في الحقيقة. وأن هذا هو العدل والقسط والبر .... إلى آخر كلام ابن كثير (١).
قال القاسمي: وفي ذهابه إلى أن الأمر في الآية ناسخ- نظر، لأن الناسخ لا بد أن يرفع خطابا متقدما. وأما ما لا خطاب فيه سابقا، بل ورد حكما مبتدأ رفع البراءة الأصلية، فلا يسمى نسخا اصطلاحا. فاحفظه. فإنه مهم ومفيد في عدة مواضع (٢).
• أقوال أهل العلم في دلالة قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ على نسخ التبني (٣):
النحاس: " ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية. فكان هذا ناسخا لما كانوا عليه من التبني وكان رسول الله ﷺ قد تبنى زيد بن حارثة فنسخ التبني وأمر أن يدعوا من دعوا إلى أبيه المعروف" (٤).
السمعاني: " قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [سورة الأحزاب: ٤]، في الآية نسخ التبني، وقد كان الرجل في الجاهلية يتبنى الرجل ويجعله ابنا له مثل الابن المولود، وعلى ذلك تبنى رسول الله زيد بن حارثة، فنسخ الله تعالى ذلك " (٥).
стр. 980
القرطبي: " قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ نزلت في زيد بن حارثة على ما تقدم بيانه. وفي قول ابن عمر: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد دليل على أن التبني كان معمولا به في الجاهلية والإسلام يتوارث به ويتناصر إلى أن نسخ الله ذلك بقوله: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي أعدل. فرفع الله حكم التبني ومنع من إطلاق لفظه" (١).
ابن عاشور: "وهذه الآية ناسخة لما كان جاريا بين المسلمين ومن النبي ﷺ من دعوة المتبنين إلى الذين تبنوهم فهو من نسخ السنة الفعلية والتقريرية بالقرآن" (٢).
• دراسة المسألة:
من خلال التتبع والنظر في أقوال أهل العلم، وما ذكروه في هذه المسألة يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه عامة أهل العلم من أن قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية. ناسخ لما كان في الجاهلية من التبني، وأقره الإسلام في بداية الأمر، وذلك من وجهين:
الأول: ما جاء في ظاهر نزول الآية، فقد روى الشيخان في صحيحهما من حديث عبد الله بن عمر ﵁: «أن زيد بن حارثة، مولى رسول الله ﷺ ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد، حتى نزل القرآن: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾» (٣).
فدل هذا على أن حكم التبني كان جائزا في أول الأمر، على عادة الجاهلية التي أقرها الإسلام، ثم رُفع هذا الحكم بالخطاب الشرعي في الآية، فَنُسخ هذا الحكم من الجواز إلى التحريم.
стр. 981
الثاني: أن القول بأن قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية. ناسخ لما كان في الجاهلية من التبني هو قول جماهير أهل العلم من المفسرين (١)، وبعضًا من الأصوليين (٢)، وجماعة من الفقهاء والمحدثين وشراح السنن (٣)، وقد عقد البيهقي في السنن الكبرى بابًا سمّاه: " باب نسخ التبني وإباحة نكاح امرأة فارقها من تبناه أو ابنة من كان في الدين أخاه"، ثم ساق حديث عبد الله بن عمر ﵁، أن زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٤).
ولا يُعلم عن أحد من أهل العلم من المتقدمين أو المتأخرين من رد القول بأن التبني منسوخ بقوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، إلا جماعة من المعاصرين (٥)، ولم يجد الباحث من أحدهم أنه استند على أدلة تؤيد ما ذهب إليه، والله أعلم.
تنبيه:
قول ابن العربي في أحكام القرآن: "قال جماعة: هذا ناسخ لما كانوا عليه في الجاهلية من التبني والتوارث، ويكون نسخا للسنة بالقرآن وقد بينا أن هذا لا يكون نسخا؛ لعدم شروط النسخ فيه؛ ولأن ما جاء من الشريعة لا يقال إنه نسخ لباطل الخلق .... إلخ" (٦). قد جاء ما يُناقضه من قوله الصريح بأن التبني منسوخ بالآية.
стр. 982
قال في الناسخ والمنسوخ: " ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ هذه الآية ناسخة لما سبق من الناس وأقرته الشريعة في نسبة الابن من التبني إلى الأب، كنسبة الابن من البنوة إلى الأب" (١).
ولا شك أن المتناقضان لا يجتمعان، ولا يُعلم المتقدم من أقواله من المتأخر حتى يُقال باحتمال أن أحدهما نسخ الآخر، فالأسلم التوقف في الجزم بما ذهب إليه، والله أعلم.
• النتيجة:
بعد ذكر ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه جماهير أهل العلم من أن التبني منسوخ بقوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، لما تقدم إيراده من الوجهيْن الداليْن على ذلك، بخلاف ما ذهب إليه القاسمي ﵀، والله أعلم.
стр. 983
١٦٨ - قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [سورة الأحزاب: ٥٢].
قال القاسمي: ذهب بعض المفسرين إلى أن معنى الآية هو حظر نكاح ما بعد التسع اللاتي عنده ﷺ . وأن التسع نصابه كالأربع لغيره، وأن ذلك جزاء لاختيارهن إياه لما خيرهن. كما تقدم في الآية، ثم قالوا إنه تعالى رفع الحرج عنه في ذلك، ونسخ حكم هذه الآية، وأباح له التزوج، لكنه لم يفعله إتماما للمنة عليهن (١). ومنهم من قال إنها محكمة. وكل ذلك لا برهان معه، وتفكيك للمعنى، وغفلة عن سر تكريمه صلوات الله عليه بمقصود الخطاب … إلى أن قال: والمطلع على ما كتبوه هنا، يأخذه العجب من البعد عن مقصدها. فالحمد لله على إلهام الحق وتعليمه (٢).
• أقوال أهل العلم في المراد من قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ الآية، من حيث الإحكام والنسخ:
القول الأول: أن الآية مُحكمة، إما أن يكون المراد: أنه لا يحل للنبي ﷺ نكاح ما بعد التسع، ولا أن يُبدل غيرهُن من أزواج، وإما أن يكون المراد: لا يحل للنبي ﷺ نكاح النساء بعد التي أحل الله له بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ الآية. [سورة الأحزاب: ٥٠]، وإما أن يكون المراد: لا يحل للنبي ﷺ نكاح النساء من غير المسلمات؛ حتى من أهل الكتاب.
стр. 984
القول الثاني: أن الآية منسوخة، إما أن تكون نُسخت بالقرآن، نسخها قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾، وإما أن تكون نسخت بالسنة، نسخها حديث عائشة ﵂: "ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل له النساء" (١).
أصحاب القول الأول:
ابن عباس ﵁: «نهي رسول الله ﷺ أن يتزوج بعد نسائه الأول شيئا» وبنحو ذلك روي عن قتادة، والحسن، وابن سيرين، وأبي بن كعب، وعكرمة، والضحاك، ومجاهد (٢)، من أن الآية ليست منسوخة.
أبو حيان: " ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ الظاهر أنها محكمة، وهو قول أبي بن كعب وجماعة، منهم الحسن وابن سيرين، واختاره الطبري" (٣).
الآلوسي: "والظاهر على القول بأن الآية نزلت كرامة للمختارات، وتطييبًا لخواطرهن، وشكرا لحسن صنيعهن، عدم النسخ، والله تعالى أعلم" (٤).
ابن عاشور: "فلا ناسخ لهذه الآية من القرآن ولا هي ناسخة لغيرها" (٥).
أصحاب القول الثاني:
ابن عباس ﵁ في رواية: "الآية منسوخة بالآية التي سبقت وهي ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [سورة الأحزاب: ٥١] "، وبنحو ذلك روي عن عائشة، وعلي بن أبي طالب، وعلي بن الحسين (٦)، من أن الآية منسوخة.
стр. 985
الجصاص: "عن عائشة قالت "ما مات رسول الله ﷺ حتى حل له النساء" وهذا يوجب أن تكون الآية منسوخة وليس في القرآن ما يوجب نسخها فهي إذا منسوخة بالسنة ويحتج به في جواز نسخ القرآن بالسنة" (١).
المقري: " ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ وهي من أعاجيب القرآن المنسوخ نسخها الله بآية قبلها في النظم وهي قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ الآية" (٢).
ابن حزم: " ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ﴾ الآية. نسخها الله تعالى بآية قبلها في النظم وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ الآية" (٣).
• دراسة المسألة:
بعد التتبع والنظر في أقوال أهل العلم وما ذكره المفسرون في تفسير الآية، يتبين أن الصواب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن الآية وهي: قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ الآية، مُحكمة وليست بمنسوخة، وهو ما عليه جمهور أهل العلم (٤)، ويكون المعنى: لا يحل لك النساء من بعد اللواتي أحللتهن لك بقولي: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾، وذلك من أوجه:
الأول: أن قوله تعالى ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ جاء عقيب قوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ وغير جائز أن يقول: قد أحللت لك هؤلاء، ولا يحللن لك، إلا بنسخ أحدهما صاحبه، وعلى أن يكون وقت فرض إحدى الآيتين، فعل الأخرى منهما فإذ كان ذلك كذلك ولا برهان ولا دلالة على نسخ حكم إحدى الآيتين حكم الأخرى، ولا تقدم تنزيل إحديهما قبل صاحبتها، وكان غير مستحيل مخرجهما على الصحة إذ لا تعارض بينهما، لم