← Акыда

Акыда · id 30151

بيت القصيد في شرح كتاب التوحيد

أحمد القاضي

Полный текст (793 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وأما في الشرع، فإن الصلاة: عبادة ذات أقوال وأفعال، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، قوله: ﴿وَنُسُكِي﴾: النسك يحتمل أحد أمرين: ١ - مطلق العبادة، فالعابد يقال عنه: ناسك. ٢ - الذبيحة خاصة، وهو ما اختاره المصنف ﵀، ويؤيده أنه عطفه على الصلاة. قوله: ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ يعني: ما أحيا عليه، وما أموت عليه. قوله: ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: خالصاً لله. قوله: ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ لا أصرفه إلى أحد سواه. قوله: ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ الإشارة إلى الإخلاص، أي: وبذلك الإخلاص لله في الصلاة، والنسك، والمحيا، والممات أمرني ربي، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١١، ١٢]. قوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ هذه الأولية تحتمل أن تكون أولية حقيقية (زمنية)، أو أولية معنوية. - فإذا قلنا: إنها أولية زمنية، فالمقصود أنه أول المسلمين من أمته؛ لأنه هو الذي أتاهم بالإسلام. - وإذا قلنا: إنها أولية معنوية، فمعنى الكلام: أنني أولى الناس بهذا الأمر. كيف لا؟! وهو سيد ولد آدم، وأعبد الناس لرب العالمين، فيكون فعلاً وحقَا هو أول المسلمين؛ لأنه أكثرهم تحقيقاً للعبودية لله . وكلا التوجيهين صحيح. مناسبة الآية للباب: ظاهرة، لقوله: ﴿وَنُسُكِي﴾ أي ذبحي، فجعل النسك لله رب العالمين. فوائد الآية: ١ - وجوب الإخلاص لله . ٢ - أن الذبح عبادة، كما أن الصلاة عبادة، فلا يجوز صرف أي منهما

стр. 177

لغير الله تعالى، فكما أن الرجل لو صلى لغير الله لقلنا: أنت مشرك، فإنه إذا ذبح لغير الله فإنا نقول له: أنت مشرك. ٣ - أن الصلاة أشرف العبادات البدنية، وهذا بيّن؛ لأن الصلاة عمود الدين، قيل: والذبح أشرف العبادات المالية، لأن الله قرن بينهما في موضعين في كتابه. وفي هذا نظر؛ فإن أشرف العبادات المالية الزكاة؛ لأنها أحد أركان الإسلام، وقرنها بالصلاة أكثر. ٣ - أن العبادات توقيفية؛ لقوله: ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ فلا يتعبد الإنسان لله إلا بناء على أمر شرعي، حتى نبينا ﷺ لا يتعبد لله إلا بما أمره الله تعالى به. ٤ - إثبات توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، فأما إثبات توحيد الربوبية فمن قوله: ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ [الأنعام: ١٦٢] لأن الله هو المصرف للمحيا والممات. وأما توحيد الألوهية، فمن قوله: ﴿صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام: ١٦٢] لأن هذا توحيد لله بأفعال العباد، فهو توحيد الألوهية. قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ الفاء: للعطف، وهي تعقيبية على ما تقدم من قوله: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، ومعنى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ أي: اجعل صلاتك لله وحده لا لغيره. قوله: ﴿وَانْحَرْ﴾ أي: وانحر لربك، ولا تنحر لغيره، والنحر يستعمل في حق البُدن، والذبح في حق الغنم، هكذا دلت اللغة، وليس المقصود النحر فقط، وإنما يدخل فيه الذبح، فإن الحكم واحد، لأن العلة واحدة، وهي الإخلاص. مناسبة الآية للباب: أن الذبح عبادة، كما أن الصلاة عبادة، فهما من بابة واحدة، فلا يجوز صرفهما لغير الله ، وأن من صرفهما لغير الله فقد أشرك. فوائد الآية: ١ - أن الذبح لغير الله شرك أكبر، كما أن الصلاة لغير الله شرك أكبر. ٢ - فضل هاتين الشعيرتين، وهما: الصلاة، والذبح.

стр. 178

٣ - أن من أعظم شكر الله : الصلاة والنحر، فإذا أراد العبد أن يشكر ربه على نعمة أحدثها له، أو نقمة دفعها عنه، فليكثر من الصلاة، والنحر؛ لأنه أمره بذلك بعد أن امتن عليه بالكوثر، فقال: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ١، ٢]. وقد امتثل النبي ﷺ ذلك، فإنه كان يقوم يصلي حتى تتفطر قدماه من طول القيام، وقد نحر في حجة الوداع مائة بدنة، نحر ثلاثاً وستين بيده الشريفة، والباقي أوكلها إلى علي بن أبي طالب ﵁، فامتثل أمر ربه، فصلى ونحر. ثم قال المصنف ﵀: "عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات" كلمات: جمع كلمة، والكلمة عند النحاة اللفظة المفردة، فمثلاً: (كتاب) كلمة، و (قلم) كلمة، ولكن الكلمة في لغة العرب: هي الجملة المفيدة، فنقول: لا إله إلا الله، كلمة التوحيد، كما قال النبي ﷺ لعمه: "أي عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله" (١)، فسمى هذه الجملة المفيدة كلمة، وهذا الحديث أيضاً يدل على ذلك، فإنه ذكر أربع جمل مفيدة، وسماها أربع كلمات. قوله: "لعن الله من ذبح لغير الله" كلمة (لعن) تحتمل أن تكون دعائية، أو أن تكون خبرية. فإن قلنا: إنها دعائية، فالمعنى: اللهم العن من ذبح لغيرك. وإن قلنا: إنها خبرية، فهو خبر من النبي ﷺ بأن من ذبح لغير الله فهو ملعون، وعلى كلا الاحتمالين فهي دليل على تحريم هذا العمل. واللعن: هو الطرد، والإبعاد من رحمة الله. قوله: "لعن الله من ذبح لغير الله" هذا هو الشاهد من الحديث للباب. قوله: "ولعن الله من لعن والديه" لعن الرجل والديه: إما مباشرة، وإما تسبباً، فالمباشرة: ما يقع من أهل الجفاء والعقوق، بأن يقول لأبيه أو لأمه:

стр. 179

لعنك الله -عياذاً بالله-، وهذا قد يكون نادرً؛ لأن الفطرة تأباه، إلا من ارتكس في الرذيلة، وانتكست فطرته. والأكثر ما يقع لعن الوالدين تسبباً، كما قال ﷺ : "إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: «يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ" (١). قوله: "لعن الله من آوى محدثاً" آوى بمعنى: ضم، وحمى، وحوى. "محدِثاً، أو محدَثاً" بالكسر وبالفتح، وكلاهما صحيح، فإن قلنا: بالكسر (محدِثاً) فالمقصود به الجاني، أو المبتدع، كإنسان قتل نفساً ثم استجار بشخص، فآواه وحماه، فقد آوى محدثاً، وحال بينه وبين سيف السلطان. وقد يؤوي مبتدعاً داعياً إلى ضلالة، فيؤويه، ويحول بينه وبين طائلة المساءلة، والعقوبة. وأما بالفتح "محدَثاً" فالمراد الأمر المحدث، كأن يحمي بدعة، أو ينشرها، أو يحول دون نقدها وردها، فيكون قد آوى محدثاً، أي: أمراً محدثاً. وكلاهما يستحق اللعن، سواء آوى المحدِث نفسه، أو آوى الأمر المحدث. قوله: "لعن الله من غيّر منار الأرض" والمقصود بها المراسيم، جمع مرسام، وهي العلامات التي تفصل بين أرض وأرض، فمن الناس -والعياذ بالله- من يعدو على هذه المنارات، أو المراسيم خفيةً، وينقلها، ويزيحها، ويوسع أرضه على حساب أرض جاره، فهذا ملعون أيضاً. فهذه أربع كلمات لعن النبي ﷺ أصحابهن، والحديث رواه مسلم. مناسبة الحديث للباب: في قوله: "لعن الله من ذبح لغير الله" وقد ابتدأ بها؛ لأنها أعظمهن؛ لكونها شركاً، وما بعدها لا يبلغ مبلغ الشرك. فوائد الحديث: ١ - أن الذبح لغير الله شرك. ٢ - تحريم لعن الوالدين، إما مباشرة، أو تسبباً. ٣ - تحريم إعانة أهل البدع والعدوان وتمكينهم؛ لقوله: "لعن الله من آوى

стр. 180

محدِثاً أو محدَثاً" وهذا يستلزم تحريم الرضا بذلك، فلا يرضى ببدعة، ولا يمكِّن لأصحابها، ولا يأذن بنشرها بين المسلمين. ٤ - تحريم تغيير مراسم الأرض. ٥ - أن جميع المذكورات من الكبائر، لاقتران اللعن بهن. ٦ - جواز لعن بعض الفساق بالوصف، لا بالعين. ثم قال المصنف ﵀: وعن طارق بن شهاب أن رسول الله ﷺ قال: «دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب» قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: «مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرّب له شيئاً، فقالوا لأحدهما: قرّب، قال: ليس عندي شيء أقرّب، قالوا له: قرّب ولو ذباباً، فقرّب ذباباً، فخلوا سبيله، فدخل النار، وقالوا للآخر: قرّب، فقال: ما كنتُ لأقرّب لأحد شيئاً دون الله ﷺ ، فضربوا عنقه، فدخل الجنة» (١)، رواه أحمد. "وعن طارق بن شهاب" طارق بن شهاب، البجلي الأحمسي، وكانت وفاته سنة (٨٣ هـ). وقد اختُلف في صحبته، والصحيح: أنه صحابي؛ لأنه رأى النبي ﷺ ، ولكن لم يسمع منه، فروايته عن النبي ﷺ عن طريق غيره، ومثل هذا يُسمى "مرسل صحابي"، ومراسيل الصحابة لها حكم الاتصال؛ لأن الصحابة كلهم عدول ثقات عند أهل السنة والجماعة، فمرسل الصحابي مقبول، وأما مرسل غير الصحابي، فمن أنواع الضعيف. قوله: "دخل الجنة رجل في ذبابة، ودخل النار رجل في ذبابة" هذه المقدمة تدل على أنه يحسن، من باب التشويق في بيان العلم، أن يقدم الإنسان بما يلفت الانتباه. و (في) أي: بسبب. قوله: "قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ " وحق لهم أن يسألوا، لأن هذا

стр. 181

أمر عجيب! ووجه العجب أن الذباب تافه حقير، وشأن النار فضيع عظيم، فكيف يكون الحقير سببًا للعظيم؟! قوله: "مر رجلان على قوم لهم صنم" تقدم أن الصنم: هو ما صُوِّر على هيئة ذات روح، وأن الوثن أعم من ذلك، فالوثن قد يكون على هيئة بيت، أو قبر، أو شجر. قوله: "لا يجاوزه أحد حتى يقرّب له شيئاً" أي: لا يتعداه حتى يذبح له شيئاً. قوله: "فقالوا لأحدهما: قرّب، قال: ليس عندي شيء أقربه" اعتذر بأن ليس معي شيء. قوله: "قالوا: قرّب ولو ذباباً، فقرّب ذباباً" الذي يظهر من السياق، أن هذا الرجل لم يعبأ، ولم يمتنع عليهم، بل وافقهم على ما طلبوا، وقرّب ذباباً لصنمهم. قوله: "فخلوا سبيله، فدخل النار في ذبابة" هذا تفسير دخول الرجل النار في ذبابة، لشركه. قوله: "وقالوا للآخر: قرّب: قال: ما كنت لأقرّب لأحد شيئاً دون الله " هذا موحد حنيف، أبى أن يقرّب ولا ذباباً لصحة توحيده. قوله: "فضربوا عنقه، فدخل الجنة" بفضل التوحيد. قوله: "رواه أحمد" هذا الحديث من الأحاديث التي انتقدت على كتاب التوحيد؛ وذلك أن فيه عللاً: الأولى: عدم سماع طارق بن شهاب من النبي ﷺ . ويجاب عن هذا: بأن طارق بن شهاب ثبت صحبته، فقد رأى النبي ﷺ ، وإن كان لم يسمعه، ومراسيل الصحابة لها حكم الاتصال؛ لأن الصحابة عدول ثقات. الثانية: عنعنة الأعمش، وهو سليمان بن مهران ﵀، من أكابر المحدثين، إلا أنه مدلس، والمدلس إذا لم يصرح بالتحديث فحديثه ضعيف؛ وذلك أن التدليس مأخوذ من الدلسة، وهو إظهار الشيء بأحسن مما هو عليه في الواقع: كتسويد شعر الجارية، يسمون ذلك تدليساً، ويثبت به خيار التدليس في الفقه. والتدليس في الحديث: هو أن يظهر السند بأحسن مما هو عليه، فيشعر

стр. 182

بالاتصال، وهو يحتمل الانقطاع، فيقول الأعمش: عن فلان، وكلمة (عن) تحتمل أنه سمعه منه، وتحتمل أن بينهما واسطة، فإذا كان الراوي مدلساً ثقةً، لم يقبل حتى يصرح بالتحديث. الثالثة: أن هذا الحديث قد رواه الإمام أحمد ﵀ من حديث طارق بن شهاب عن سلمان الفارسي موقوفاً، فيغلب على الظن -والله أعلم- أن يكون طارق سمعه من سلمان الفارسي، وليس مرفوعاً إلى النبي ﷺ . مناسبة الحديث للباب: لما في القصة من الذبح لغير الله، فكان سببًا لدخول النار، لأن الذبح لغير الله شرك أكبر. فوائد الحديث: ١ - خطر الشرك وشؤم عاقبته، وإن قلّ، لأن العبرة بما يقوم في القلب من تعظيم. ٢ - أن الشرك سبب لدخول النار، كما أن التوحيد سبب لدخول الجنة. ٣ - أن من الشرك ما يكون خفياً، ومستهاناً به. ٤ - التحذير من محقرات الذنوب، كما حذر النبي ﷺ . ٥ - أن الذبح عبادة لا يجوز صرفها لغير الله . ٦ - أن المسلم إذا فعل شركاً وجبت له النار؛ لأن الرجل كان مسلماً، ولو لم يكن مسلماً لم يكن هناك فائدة من قوله بعد ذلك: "دخل النار" فهذا يدل على أنه ربما وقع في الشرك من كان الأصل فيه الإسلام. ثم قال المصنف ﵀: فيه مسائل: الأولى: تفسير قوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام: ١٦٢]. حيث فسّر النسك بأنه الذبح، فجعله خالصاً لله تعالى، فدل ذلك على أن

стр. 183

النسيكة -أي الذبيحة- عبادة لا يجوز أن يشرك فيها مع الله أحد، فمن ذبح لغير الله تعالى فقد أشرك. الفائدة الثانية: تفسير قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]. أي: كما إن الصلاة يطلب فيها الإخلاص، فمن صلى لغير الله فقد وقع في الشرك الأكبر، فكذلك النحر، حيث قرنه الله ورسوله بها، فدل على وجوب إخلاص هذه العبادة لله تعالى. الثالثة: البداءة بلعنة من ذبح لغير. فقد بدأ بلعن من ذبح لغير الله؛ لشناعة هذا الفعل، وكونه شركاً، أعظم مما بعده. الرابعة: لعن من لعن والديه، ومنه أن تلعن والدي الرجل، فيلعن والديك. وقد تقدم بيان ذلك. ولهذا نهى الله عن سب آلهة الكفار إذا كانت تؤدي إلى سب الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ﴾ [الأنعام: ١٠٨]. الخامسة: لعن من آوى محدثاً، وهو الرجل يحدث شيئاً يجب فيه حق الله، فيلتجئ إلى من يجيره من ذلك. هذه أيضاً من الملاعن، وهو لعن من آوى محدثاً، والحدث: نوعان: إما بدعة، وإما جناية، كأن يفر بدم، أو نحو ذلك، فمن آواه، وحماه، وأجاره، فهو داخل في لعنة محمد ﷺ . السادسة: لعن من غير منار الأرض، وهي المراسيم التي تفرق بين حقك من الأرض، وحق جارك، تغييرها بتقديم أو تأخير. هذه رابعة الملاعن -والعياذ بالله-، وتمثل عدواناً مالياً حقوقياً يقع من بعض أصحاب النفوس الدنيئة، وهو أن ينقل هذه المراسم التي تفرق بين أرض

стр. 184

وأرض، فيوسع بها أرضه، على حساب جاره، فهذا أيضاً ملعون؛ لأنه اقتطع من الأرض ما لا يحق له. وفي الصحيح: (مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا، طَوَّقَهُ اللهُ إِيَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ) (١). السابعة: الفرق بين لعن المعين، ولعن أهل المعاصي على سبيل العموم. هذه مسألة مهمة ينبغي التفطن لها: وهو الفرق بين لعن العموم ولعن الخصوص، أو بين اللعن العام ولعن المعين؛ فاللعن بالوصف جائز، وقد جاء كثيراً في الكتاب والسنة، كقوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: ٧٨] وقوله ﷺ : "لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (٢)، فيسعنا أن نقول: لعن اليهود والنصارى، وكذلك من لعنه النبي ﷺ بأحد الأوصاف السابقة، فنقول كما قال النبي ﷺ ، ونقول على غراره: "لعن الله آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه" (٣)، وهكذا. لكن إيقاع اللعن على معين لا يجوز؛ لأننا لا نجزم أن هذا المعين قد توفرت فيه الشروط، وانتفت فيه الموانع، ثم لا نجزم أيضاً أن يحدث توبة في آخر عمره، لأن الدعاء باللعن دعاء بالطرد والإبعاد عن رحمة الله؛ فلذلك جرى التفريق بين اللعن العام، ولعن المعين. ومن الناس من يجري اللعن على لسانه دون توقي. وما كان رسول الله ﷺ لعاناً، بل قال: "لا يكون اللعانون شفعاء، ولا شهداء، يوم القيامة" (٤)،

стр. 185

الثامنة: هذه القصة العظيمة، وهي قصة الذباب. يشير ﵀ إلى حديث طارق بن شهاب، وقد تقدم بيانه من حيث الدليل والاستدلال. التاسعة: كونه دخل النار بسبب ذلك الذباب، الذي لم يقصده، بل فعله تخلصاً من شرهم. مراد المصنف ﵀ بقوله: "لم يقصده" أي: لم يقصده ابتداء، من تلقاء نفسه، لا أنه لم يفعله عمداً، ولكن طُلب منه ذلك، فاستجاب، والظاهر: أنه كان مستهيناً غير مبالٍ، ففعل، فمعنى ذلك: أنه حين مقارفته لهذا الأمر كان مريداً، عالماً، عامداً، فلذلك استحق النار. العاشرة: معرفة قدر الشرك في قلوب المؤمنين، كيف صبر ذلك على القتل، ولم يوافقهم على طَلبتهم، مع كونهم لم يطلبوا إلا العمل الظاهر؟. لقوله، ﵀: "ما كنتُ لأقرب لأحد شيئاً دون الله " ولذلك لعظيم إيمانه، فهذا يدل على عظم أمر التوحيد في نفوس المؤمنين، ومن الناس من لا يبالى بمسائل الشرك، ولا ما ينافي أصله، أو ما ينافي كماله الواجب، فلا يعنيه الأمر أصلًا، ولا يرفع به رأساً، ولا يرى بغشيانه بأساً. فمن الناس من يجلَّ ربه ويعظمه، كهذا الرجل، ومنهم من لا يقدر الله تعالى حق قدره، كما قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١]. الحادية عشرة: أن الذي دخل النار مسلم؛ لأنه لو كان كافراً لم يقل: دخل النار في ذبابة. هذا استنباط جيد ودقيق من المصنف ﵀؛ لأنه لو كان كافراً ما احتيج أن يقال: دخل النار في ذبابة؛ ولكان دخل النار بسبب كفره، فالأصل فيه الإسلام، وفي هذا إشارة مقصودة للمصنف ﵀، وهي الرد على مشركي الزمان، الذين

стр. 186

يقولون: نحن أهل الإسلام، ونحن نشهد أن لا إله إلا الله، وهم مشركون! فربما كان الأصل في الإنسان الإسلام، ثم بدر منه ما يخرجه عن حده، بالوقوع في الشرك، فلا ينفعه وصفه الأول إذا انسلخ منه، وتخلى عنه، كما وقع لذلك الرجل. الثانية عشرة: فيه شاهد من الحديث الصحيح: "الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك" (١). لأن هذا الأمر جرى في مقام واحد، وفي زمن واحد، حيال أمر واحد، فهذا أوصله إلى الجنة، وهذا أوصله إلى النار، بأمر يسير سهل، فهذا يدل على قرب كل منهما، وهذا القرب قرب سبب. وهذا كثير، حتى أن الكلمة الواحدة تؤثر تأثيراً بليغاً عظيماً، كما جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: "إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، لا يلقي لها بالاً، يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالاً، يهوي بها في جهنم" (٢)، وفي بعض الألفاظ: "ما يظن أن تبلغ ما بلغت" (٣). فينبغي للإنسان أن يتوقى من الأمور التي تبدو له صغيرة، فقد يرضى الله على عبده بسبب كلمة، وقد يسخط عليه بسبب كلمة. الثالثة عشرة: معرفة أن عمل القلب هو المقصود الأعظم حتى عند عبدة الأصنام. استنبط المصنف هذا المعنى العظيم من كون أصحاب ذلك الوثن أقاموا خِفارة على الطريق، بحيث لا يتجاوز أحد صنمهم إلا مقرباً، حتى قبلوا أن يقرب له ولو ذبابًا، مع أن الذباب لا طائل من ورائه، ولن ينتفع أحد بقتله،

стр. 187

بخلاف لو قرب شاة، أو بقرة، أو ناقة، لانتفعوا بلحمها، لكنهم يدركون أن الأمر يتعلق بالقلب، وأن فعله هذا ينم عن تعظيم، فالأهم عندهم هو حصول ذلك التعظيم، الذي هو عمل القلب، فلا شك أن أعمال القلوب هي أساس أعمال الجوارح، وأن الفقه كل الفقه بالاعتناء بإصلاح القلب، قبل العناية بإصلاح الأعمال.

стр. 188

باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله وقول الله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾، [سورة التوبة: ١٠٨]. عن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: نذر رجل أن ينحر إبلاً ببوانة، فسأل النبي ﷺ فقال: "هل كان فيها وثنٌ من أوثان الجاهلية يعبد؟ " قالوا: لا، قال: "فهل كان فيها عيداً من أعيادهم؟ " قالوا: لا، فقال رسول الله ﷺ : "أوف بنذرك، فإنه لا وفاء بنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم" (١)، رواه أبو داود، وإسناده على شرطهما. الشرح: قوله: "باب: لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله" "لا" ناهية، لا نافية، لأن المقام مقام أحكام، فالمراد النهي عن الذبح لله بمكان يُذبح فيه لغير الله. فالحكم ها هنا يتعلق بالموضع، لا بأصل العمل. مناسبة الباب لكتاب التوحيد: هذا الباب بمنزلة التتمة للباب الذي قبله، فإن المصنف ﵀ لما عقد باباً في ما جاء في الذبح لغير الله؛ وذلك متعلق بأصل العبادة، أردفه بهذا الباب المتعلق بالوسيلة والذريعة التي تؤدي إلى ذلك. قوله: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ الضمير يرجع إلى مسجد الضرار؛ وذلك أن

стр. 189

النبي ﷺ أتاه نفر من المنافقين، تظاهروا بالإصلاح والتوفيق، فقالوا: يا رسول الله، إنا قد ابتنينا مسجداً؛ ليكون للضعيف، وأصحاب العلل في الليلة الشاتية، ونحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه، وكان النبي ﷺ على أهبة التوجه لغزوة تبوك، فقال النبي ﷺ : "إني على جناح سفر، فلو قد رجعنا إن شاء الله أتيناكم، فصلينا لكم فيه" (١)، ومضى النبي ﷺ لغزوته، فلما رجع، وكان بينه وبين المدينة ليلة، نزلت الآيات وهي قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٧، ١٠٨] (٢). فنبّه الله تعالى نبيه إلى هذا الأمر، وفضح أولئك المنافقين، وبيّن أنهم بنوا ذلك المسجد لقصد المضارة، لكي يكون مباءة لهم، ومجمعاً يتآمرون فيه على الإسلام وأهله، والتفريق بين المؤمنين، ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ وهذا إشارة إلى رجل يقال له: ابن قمئة، كان قد تنصر في الجاهلية؛ فلما قدم النبي ﷺ المدينة، أبى قبول الإسلام، والتحق بالمشركين، وصار يراسل المنافقين، ويهيجهم ضد النبي ﷺ ، فجعلوا هذا المسجد -مسجد الضرار- موضعاً يجتمعون فيه، وربما تسلل إليهم فيه ذلك الخبيث. فلما بنوا هذا المسجد لهذه الأغراض الفاسدة، نهى الله تعالى نبيه عن القيام فيه، حتى لا يضفي عليه صفة شرعية، وليس المراد مجرد القيام الذي بمعنى الوقوف، وإنما القيام للصلاة. فدل ذلك على إن كل مسجد ضرار، لا يجوز الصلاة فيه، إذا قُصد منه المضارة والتفريق بين المؤمنين، والإرصاد لمن حارب الله ورسوله، ونحو ذلك من المقاصد الفاسدة. قوله: ﴿أَبَدَاً﴾ تأبيد، يدل على أنه حتى لو حُول عن هذا الغرض، فإنه منهي عن القيام فيه. ومن أعجب العجب أن أحد الإخوة في المدينة النبوية أراني موضعاً في

стр. 190

بعض جهات المدينة يُسمى "مسجد الضرار"، وهو عبارة عن حجرة ليس له سقيفة، وأخبرني أن بعض المبتدعة، والجهال من زوار المدينة يقصدونه ويصلون فيه، ويسمونه مسجد الضرار! فيا للعجب! واختلف المفسرون في المسجد الذي أسس على التقوى، من أول يوم: - فمنهم من قال: إنه مسجد قباء؛ لأن النبي ﷺ حين قدم المدينة، نزل في بني عمرو بن عوف، وكانوا في قباء، بنى مسجد قباء، وظل النبي ﷺ يتعاهد هذا المسجد فيما بعد، حتى أنه ربما ذهب إليه ماشياً، أو راكباً، ليصلي فيه، ورغب في الصلاة فيه، فقال: "من تطهر في بيته، ثم أتى مسجد قباء، فصلى فيه صلاة، كان له كأجر عمرة" (١)، فلا شك أنه مسجد شريف؛ ولهذا ذهب بعض الصحابة والتابعين إلى أنه المسجد المقصود في الآية، وممن ذهب إلى ذلك: ابن عباس، وعروة بن الزبير، والشعبي، والحسن (٢). - وقال آخرون: إن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجده ﷺ ، وهذا قول عمر ﵁، وابنه (٣). وقد جاء في صحيح مسلم ما يؤيد هذا صريحًا، وهو ما جاء عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: مر بي عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، قال: قلت له: كيف سمعت أباك يذكر في المسجد الذي أسس على التقوى؟ قال: قال أبي: دخلت على رسول الله ﷺ في بيت بعض نسائه، فقلت: يا رسول الله، أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفاً من حصباء، فضرب به الأرض، ثم قال: "هو مسجدكم هذا" لمسجد المدينة، قال: فقلت: أشهد أني سمعتُ أباك هكذا يذكره (٤). وقوله: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ المراد بذلك اليوم -على القول الذي رجحناه- اليوم الذي وصل فيه النبي ﷺ إلى موضع مسجده، وكان مربداً لغلامين من بني

стр. 191

النجار، فاشتراه منهما بالثمن، وأقام عليه مسجده، وهو موضع مخصوص، حتى إنه جاء في قصة الهجرة: أن النبي ﷺ حين انطلق من قباء جعلت أحياء الأنصار يتلقونه ويقولون: يا رسول هنا المنزل، هنا المنعة والعشيرة ﵃، وكلهم يعرض نفسه، فكان النبي ﷺ يقول: "دعوها، فإنها مأمورة" (١) أي: الناقة، مسيرة من عند الله ، حتى بلغت موضع مسجده، فبركت، فلم ينزل عنها النبي ﷺ ، ثم قامت، حتى مشت، فبركت، ثم رجعت إلى موضعها الأول، فألقت جِرانها، وتحلحلت، فقال النبي ﷺ : "ها هنا المنزل -إن شاء الله-" (٢). فهو منزل بوأه الله إياه، كما بوأ لإبراهيم مكان البيت، فلهذا كانت الصلاة فيه تعدل ألف صلاة فيما سواه من المساجد، وقد أسس على التقوى من أول يوم، فهو أحق أن يقوم فيه. وقال الله تعالى مثنياً على أهله، وهم الأنصار المحيطين به، من بيوتات، وعشائر مختلفة، من الأوس والخزرج، ومنهم أهل قباء: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ والمراد بالطهارة هنا: الطهارة المعنوية والحسية؛ فالطهارة المعنوية المقصود بها الطهارة من الشرك، والبدعة، والذنوب، والكبائر. وأما الطهارة الحسية فالمقصود بها الطهارة من الحدث، والخبث. وكلا الطهارتين كانتا مجتمعتين في الأنصار -رضوان الله عليهم-. ومن حمل الآية على أهل قباء روى في ذلك حديثاً: أن النبي ﷺ أتاهم في مسجد قباء فقال: "إن الله ﵎ قد أحسن عليكم الثناء في الطهور، في قصة مسجدكم، فما هذا الطهور الذي تطهرون به؟ " قالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئاً، إلا أنه كان لنا جيران من اليهود، فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط، فغسلنا كما غسلوا (٣)، أي: فعلوا ذلك، ولا شك أن الماء طهور ومطهر. مناسبة الآية للباب: لطيفة المأخذ، لأن الله نهى نبيه عن الصلاة في "مسجد الضرار"، لمخالفته

стр. 192

مقاصد الصلاة، من التوحيد والإخلاص، فكذلك الذبح لله في مكان يذبح فيه لغيره. وهذا يدل على عمق فقه المصنف ﵀. فوائد الآية: ١ - منع الذبح لله في موضع يذبح فيه لغير الله، قياساً على منع الصلاة في مسجد الضرار. ٢ - مشروعية الصلاة في المساجد جماعة، والدليل على ذلك قوله: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾. والأدلة متكاثرة على مشروعية الصلاة جماعةً في المسجد، ولكن لفظ المشروعية يحتمل الاستحباب والوجوب، فنقول زيادة على ذلك: إن الصلاة جماعة واجبة، والصلاة في المسجد، إلا لمعذور، واجبة، والدليل على وجوبها في المسجد قول النبي ﷺ : "ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار" (١). ولا يمكن أن يعزر النبي ﷺ هذا التعزير البالغ في أمر غير واجب؛ لأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم، وفي هذا رد على المتساهلين في الفتيا بعدم وجوب الصلاة جماعة في المسجد. فالصلاة جماعة واجبة، وكونها في المسجد واجبة، إلا لمن كان معذوراً، فينبغي لطالب العلم الفقيه أن يشيع هذا ويؤكده، وأن يمسِّك الناس بالكتاب، وألا يسوغ لهم التساهل بما يخالف النصوص الواضحة البينة. ٣ - إثبات صفة المحبة لله ؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾، فالله تعالى يحب محبة تليق به، ليست كمحبة المخلوق، فمحبة المخلوق تعتريها رقة، وعاطفة، وضعف، وأما محبة الله فهي محبة تليق به، وهي محبة حقيقية، لكنها مضافة إليه، فكما أن ذاته لا تشبه الذوات، فصفاته لا تشبه الصفات، وفي هذا رد على المتكلمين الذين ينكرون هذه الصفة وأمثالها.

стр. 193

٤ - فضل إسباغ الوضوء؛ لقوله: ﴿يَتَطَهَّرُوا﴾ بالتضعيف، والزيادة في المبنى زيادة في المعنى. ٥ - تأثير النية في العمل؛ فهذا المسجد الذي بني بقصد المضارة بات ممنوعاً؛ لأن الذين بنوه أرادوا به أمر سوء، وهو التفريق بين المؤمنين، والإرصاد لمن حارب الله ورسوله، إلى غير ذلك، فهذا يدل على أن النية تؤثر في البقاع والأعمال. ٦ - مشروعية سد كل ذريعة مفضية إلى الشرك. ثم قال المصنف ﵀: "عن ثابت بن الضحاك": هو ثابت بن الضحاك بن خليفة بن ثعلبة الأشهلي الخزرجي، صحابي من بنى عبد الأشهل، وقد كانت وفاته سنة (٦٤ هـ). قوله: "نذر رجل" هكذا ذكر الرجل مبهماً، لم يبين من هو؟ ولا يضر الجهل به. والنذر: هو إلزام المرء نفسه أمراً غير واجب عليه. وقد اختلف العلماء في حكم النذر: فقال بعضهم: هو حرام، وقال بعضهم: هو مكروه، وسيأتي باب مستقل في النذر. قوله: "أن ينحر إبلاً" النحر في حق الإبل، نسبة لموضعه في الرقبة، والذبح في حق الغنم. قوله: "ببُوانة" بضم الباء، ويصح فتحها، وهو موضع قيل: إنه أسفل مكة، وقيل: إنه هضبة من وراء ينبع، يبعد خمسةً وثلاثين كيلومتر عن ينبع، وقد تتغير أسماء المواضع مع تقادم الزمن، قوله: "هل كان فيها وثناً من أوثان الجاهلية؟ " قد تقدم تعريف الوثن، وأنه كل ما عُبد من دون الله، وأن الصنم: ما جُعل على هيئة إنسان أو حيوان، فالوثن أعم من الصنم. قوله: "قالوا: لا، قال: "فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ " " العيد: اسم لما يعود، والعيد ما اجتمع فيه عدة أوصاف: الأول: التكرار والعود؛ ولهذا سمي عيداً.

стр. 194

الثاني: الاجتماع، فلا عيد إلا باجتماع. الثالث: الاحتفال بأعمال مصاحبة؛ من عبادة أو فرح. فإذا اجتمعت هذه الأوصاف الثلاثة، فذلك عيد؛ ولا عيد في الإسلام إلا الأضحى، والفطر. وما اتخذ من أعياد جمعت هذه الأوصاف فإنها أعياد بدعية، لا يجوز الاحتفال بها. وقد عوض الله المسلمين عن أعياد الجاهلية بعيدين: عيد الفطر، وعيد الأضحى، وجعل لهم عيداً أسبوعياً، وهو الجمعة. قوله: "أوف بنذرك" " أمره أن يوفي بنذره، بنحر تلك الإبل في ذلك الموضع، فإن قال قائل: إذا كان النذر يدور بين التحريم والكراهة، فكيف أمره النبي ﷺ أن يفي بنذره على كلا الاحتمالين؟ فالجواب: هناك فرق بين إنشاء النذر وبين الوفاء به بعد عقده، فيقال: لا يُلزم الإنسان نفسه بشيء له فيه سعة، ولا يضيق على نفسه واسعاً، فإذا أراد من ربه شيئاً، فليرفع يديه ويسأله، فإنه كريم، يداه مبسوطتان، سحاء الليل والنهار. لكن إذا عَقد النذر، سواء كان نذر طاعة، أو نذراً مباحاً، فإنه يلزمه الوفاء به. والاستدامة أقوى من الابتداء. قوله: "فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله" النذر الذي فيه معصية لا وفاء فيه، وقد دلت هذه الجملة على أن الذبح في الموضع الذي كان يذبح فيه لغير الله معصية. قوله: "ولا فيما لا يملك ابن آدم" لأن النذر تصرف، والتصرف فرع عن التملك. فهناك نذران لا وفاء فيهما: الأول: "لا وفاء لنذر في معصية الله" كأن يقول قائل: لله عليه نذر إن نجح في الاختبار، أن يشرب خمراً، فلا يفي بنذره؛ لأنه معصية. وهل عليه كفارة أم لا؟ اختلف العلماء: - فذهب الإمام أحمد، وأبو حنيفة (١) إلى وجوب الكفارة؛ لحديث: "لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين" (٢)، فقالوا: لا يفي بنذره، لكن عليه كفارة يمين.

стр. 195

- وذهب الشافعي ﵀ إلى أن نذر المعصية لم ينعقد أصلاً، وما دام لم ينعقد فلا كفارة فيه (١). الثاني: "ولا فيما لا يملك ابن آدم" كأن يقول مثلاً: لله عليه نذر إن حصل كذا وكذا أن أوقف بيت فلان! فلا يفي بنذره؛ لأنه لا يملك ما نذر به. مناسبة الحديث للباب: ظاهرة، لقوله: "فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله" فدل على أن الذبح لله في مكان يذبح فيه لغير الله، نذر معصية، لا يجوز الوفاء به لما تقدم. ثم قال ﵀: وفيه مسائل: الأولى: تفسير قوله: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٨]. وقد تقدم بيانه. ووجه الاستشهاد قياس الذبح على الصلاة. الثانية: أن المعصية قد تؤثر في الأرض، وكذلك الطاعة. اتخاذ المنافقين مسجداً ضراراً، أثر في بقعته، فصارت الصلاة فيها محرمة أبداً. كما أن اتخاذ المؤمنين البقعة مسجدًا يفضلها، ويخلع عليها أحكامًا شرعية، والعلماء يقولون: إن الصلاة في المسجد العتيق أفضل من الصلاة في المسجد الجديد؛ لأنه عُبد الله فيه أكثر. الثالثة: رد المسألة المشكلة إلى المسألة البينة ليزول الإشكال. وذلك من قياس المصنف ﵀ مسألة الذبح على مسألة الصلاة، فإن مسألة

стр. 196

الصلاة بينة جداً، فقاس عليها المسألة المشكلة، وهي مسألة الذبح؛ لكي يحصل البيان. الرابعة: استفسار المفتي إذا احتاج إلى ذلك. هذه مسألة مهمة لطلبة العلم، وهي استفسار المفتي من المستفتي؛ لأن من المسائل ما يحتاج إلى استفصال وبيان، والسائل في الغالب لا يدرك تبعات سؤاله، فقد يسأل سؤالاً مجملاً، فعلى المفتي النبيه أن يستفصل. واستنبط المصنف ﵀ هذه الفائدة من سؤال النبي ﷺ عن ذلك الموضع: "هل كان فيها وثن يعبد؟ وهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ " لأن هذا الأمر محتمل، والناس حديثو عهد بجاهلية وشرك. الخامسة: أن تخصيص البقعة بالنذر لا بأس به إذا خلا من الموانع. لأن النبي ﷺ أقر الرجل لما انتفى المحظور، أن يفي بنذره بالذبح في ذلك الموضع وهو (بوانة) فربما خصصه لأنه موضع اجتماع لقبيلته أو أهله، أو لأي سبب من الأسباب، فلا حرج أن ينذر إنسان أن يذبح ذبيحة في قرية معينة، مع انتفاء المحذور الشرعي. السادسة: المنع منه إذا كان فيه وثن من أوثان الجاهلية، ولو بعد زواله. لقول النبي ﷺ : "هل كان فيها وثن؟ " لأن الذبح فيه ولو بعد زواله قد يحييه، ويبعثه في النفوس، ويُذكّر الناس بما كان عليه هذا الموضع في الماضي، فيثير فيهم نعرة الشرك. السابعة: المنع منه إذا كان فيه عيد من أعيادهم، ولو بعد زواله. ولهذا ينبغي الحذر من إحياء آثار الجاهلية باسم التراث وغيره؛ لأن هذا بعثٌ لأمور الجاهلية، وتذكيرٌ بها، وتعليقٌ للقلوب والنفوس بما طواه الإسلام وطمسه.

стр. 197

الثامنة: أنه لا يجوز الوفاء لمن نذر في تلك البقعة؛ لأنه نذر معصية. لأن النبي ﷺ لم يرخص له، إلا لما انتفى المحذور، فهذا هو المنطوق، فدل المفهوم على أنه لو كان خلاف ذلك لما رخص له، بل سيمنعه من ذلك. التاسعة: الحذر من مشابهة المشركين في أعيادهم، ولو لم يقصده. هذا يُؤخذ من قوله: "هل كان فيه عيد من أعيادهم؟ " فدل على أن أهل الإسلام لهم شارة وميزة خاصة، لا يصلح أن يكونوا ذيلًا لغيرهم، ولا رجع الصدى لهم، بل ينبغي أن يتميزوا بما ميزهم الله تعالى به، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، فلا يكونوا مجرد انعكاس لليهود والنصارى والذين لا يعلمون، بل يعتزوا بدينهم وقيمهم وأخلاقهم وعباداتهم وعاداتهم الكريمة، ولا يتلقفوا عادات المشركين وأحوالهم. ونبَّه المصنف على مسألة مهمة، تلتبس على كثير من الناس، وهي أنه ليس من شرط تحريم التشبه القصد. فالتشبه عمل محرم لذاته، ولو لم يقصد فاعله التشبه. العاشرة: لا نذر في معصية. هكذا عبّر المصنف في هذه المسألة العاشرة فقال: "لا نذر في معصية" لكن لفظ النبي ﷺ : "لا وفاء في نذر" وبينهما فرق، فإذا قيل: لا نذر في معصية، فالمعنى: أن النذر لا ينعقد، وإذا قيل: لا وفاء، فالمعنى: أن النذر ينعقد، لكن لا يوفى به، وقد وردت السنة بهذا وبهذا، لكن: "لا نذر" يحمل على أن المراد لا وفاء لنذر؛ لقوله ﷺ في الحديث الصحيح: "ومن نذر أن يعصي الله، فلا يعصه" (١).

стр. 198

الحادية عشرة: لا نذر لابن آدم فيما لا يملك. وما لا يملكه الإنسان: قد لا يملكه قدراً، وقد لا يملكه شرعاً، فالذي لا يملكه شرعاً هو التصرف في مال غيره، وما لا يملكه قدراً، كما لو قال مثلاً: لله عليه نذر إن حصل كذا أن يطير في الهواء، وليس في طوقه، فلا نذر فيما لا يملكه ابن آدم.

стр. 199

باب من الشرك النذر لغير الله وقول الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾، [سورة الإنسان: ٧]. وقوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾، [سورة البقرة: ٢٧٠]. وفي الصحيح: عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" (١). الشرح: قال المصنف ﵀: "باب: من الشرك النذر لغير الله" المراد بالشرك هنا: الشرك الأكبر، الذي لا يغفره الله تعالى؛ وذلك إن النذر عبادة، ومن صرف نوعاً من أنواع العبادة لغير الله تعالى، فقد وقع في الشرك. وقوله في الترجمة: "من الشرك" (من) تبعيضية، أي: من بعض أنواع الشرك وصوره. و (النذر): إلزام الإنسان نفسه شيئًا غير واجب عليه، سواء كان من الطاعات، أو من الأمور المباحات. والنذر أنواع متعددة: فمنه (نذر طاعة، ونذر معصية، ونذر لجاج وغضب، ونذر مباح): - نذر الطاعة: كأن يقول: لله عليّ نذر أن أحج بيت الله، أو أن أزور مسجد رسول الله ﷺ . - نذر المعصية: كأن يقول: لله عليه نذر أن يقطع رحمه، أو يشرب خمرًا.

стр. 200

- نذر المباح: كأن يقول: لله عليه نذر أن يمشي مسافة كذا وكذا. - نذر اللجاج والغضب: وهو الذي يصدر من الإنسان حال المنازعة والمشادة، فيقول: عليّ نذر كذا إن كان الأمر كذا، ولا يقصد بذلك حقيقة النذر، وإنما يريد تأكيد كلامه، أو نفي كلام غيره، أو إلزام غيره، أو نحو هذا. - النذر المطلق: بأن يقول: عليّ نذر، ولا يُسمي شيئاً. - فأما نذر الطاعة، فإنه يجب الوفاء به؛ لما سيأتينا من حديث عائشة ﵂: "من نذر أن يطيع الله فليطعه" (١). - وأما نذر المعصية فيحرم الوفاء به؛ لقوله: (ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" (٢)، بصرف النظر عن لزوم الكفارة، من عدمها. - وأما نذر اللجاج والغضب، فيخير فيه بين فعل ما نذر، إن كان مباحاً، أو مشروعاً، أو يكفر كفارة يمين. - وأما النذر المطلق الذي لم يُسم، فتجب فيه كفارة يمين. فهذه هي أنواع النذور، وأحكامها. أما النذر من حيث أصله، فقد قدمنا: أن أقل أحواله الكراهة، وقال بعض العلماء بالتحريم، وإلى هذا يميل شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)؛ وذلك أن النذر تضييق واسع، والله تعالى تعبدنا وأمرنا بشرائع، فلا وجه أن نلزم أنفسنا بما لم يلزمنا الله تعالى به. فما أمرنا به على سبيل الإلزام، فهو واجب، أو على سبيل الاستحباب فهو مندوب، فلا يضيق الإنسان على نفسه واسعاً، ويلزم نفسه بما لم يلزمه الله به. والدليل على كراهة النذر قول النبي ﷺ : "إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل" (٤)، وصدق ﷺ فإنا رأينا الناس ينذرون، ثم يَشْقَوْن في نذورهم، فتجد أحدهم ينذر نذراً لأمر عرض له، أو حل به، فإذا حقق الله له مراده، ضاق

стр. 201

به ذرعًا، وطفق يبحث عن مخرج من تبعات هذا النذر، ويبحث عن من يفتيه بالتحلل منه، مع أنه كان في عافية. تجد أحدهم يقول: لله عليّ أن أذبح ناقة، ثم يبحث عن مفتٍ يفتيه بكفارة يمين، أو يفتيه بأكلها ومن يعول. وهكذا يستخرج به من البخيل. كما أن في النذر نوع سوء ظن بالله، كأنّ هذا الذي نذر يظن أن الله تعالى لا يجيب دعوته إلا بمقابل، وأنه لا يستجيب الدعوات، ولا يقضي الحاجات إلا إذا بذل شيئاً، مع أن ربنا -سبحانه وبحمده- واسع العطاء، كما قال ﷺ "يد الله ملأى، لا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماء والأرض؟ فإنه لم يغض ما في يده" (١)، فكيف يقايض العبد ربه ويقول: إن حصل لي كذا، فعلت كذا وكذا. فإن قال قائل: أليس الله تعالى قد امتدح الموفين بالنذر، فقال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧] فيقال: بلى، قد امتدحهم، وهم أهل لمدحه، والجواب عن هذا الإيراد من وجهين: الأول: أن النذر في الآية مطلق الطاعة؛ وليس النذر بالتعريف الفقهي عند الفقهاء: إلزام المكلف نفسه عبادة غير واجبة، فقد يراد بالنذر الأمر الواجب بأصل الشرع؛ كما قال ربنا : ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] يعني: الحجاج إذا أفاضوا من المزدلفة، ورموا جمرة العقبة، تحللوا من إحرامهم، وأزالوا عنهم التفث، أي الأذى. فالمراد ب ﴿نُذُورَهُمْ﴾: ما لزمهم من المناسك. الثاني: أن يقال: إن الله امتدحهم على وفائهم بالنذر، الذي التزموا به، لا على إنشائهم للنذر، وفرق بين الابتداء وبين الوفاء، فابتداء النذر مكروه، وربما كان محرماً، كما قد قيل، لكن الوفاء به إذا انعقد واجب، ومن أتى واجباً فإنه يحمد على فعله.

стр. 202

مناسبة الباب لكتاب التوحيد: لما كان النذر عبادة، كان صرفه لغير الله شرك. ومن الناس من ينذر للقبور، والمشاهد، والملائكة، والأنبياء، والصالحين، والجن، وغيرهم، فهذا تقرب لغير الله ، فهو شرك أكبر؛ لأن النذر عبادة، فلا يكون إلا لله. قوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ دلت هذه الآية الكريمة على أن النذر عبادة؛ لأنها جاءت في سياق الثناء على الأبرار. ولما كان عبادة حرُم صرفه لغير الله. وليت المصنف ﵀ أضاف إليها قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] لأن اللام في قوله: ﴿وَلْيُوفُوا﴾ لام الأمر، فدل ذلك على أن هذا مأمور به، فهو عبادة. مناسبة الآية للباب: مطابقة للترجمة، لما فيها من الدلالة على أن النذر عبادة، فصرفه لغير الله شرك. فوائد الآية: ١ - أن النذر عبادة، فصرفه لغيره شرك. ٢ - فضيلة الوفاء بالنذر بالمعنى العام، الذي هو مطلق الطاعات، أو بالمعنى الخاص. قوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ﴾ (ما): شرطية، وفعل الشرط: ﴿أَنْفَقْتُمْ﴾، وجوابه وجزاؤه جملة: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ ويصح أن تكون (ما) موصولة، بمعنى: (الذي) يعني: والذي أنفقتم من نفقة فإن الله يعلمه؛ لكن كونها شرطية أليق. قوله: ﴿مِنْ نَفَقَةٍ﴾ يدل على الاستغراق، أي: أياً كانت تلك النفقة، كثيرة أو قليلة، صالحة، أو غير صالحة، مقبولة أو غير مقبولة؛ لأن الإنسان قد ينفق نفقات على غير الوجه الصحيح، فأخبر الله تعالى أنه مطلع وعالم. و ﴿نَفَقَةٍ﴾ نكرة في سياق الشرط، فتدل على العموم. قوله: ﴿أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ﴾ هذا موضع الشاهد. و ﴿نَذْرٍ﴾ جاء نكرة في

стр. 203

سياق الشرط، فيتناول كل نذر؛ كبير أو صغير، لطاعة أو معصية .. قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ هذا جواب الشرط، وهو ليس خبراً مجرداً، بل يدل على أن الله يجازي عليه، ففيه معنى الوعد والوعيد، فلا شك أن الله تعالى يعلم كل شيء، لكنه يفيد تضمناً: أن الله يعلمه ويجازي عليه إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. مناسبة الآية للباب: مطابقة للترجمة، كسابقتها. فوائد الآية: ١ - إثبات النذر، وأنه عبادة لله . ٢ - إثبات عِلْم الله تعالى المحيط بكل شيء .. ٣ - إثبات الجزاء، فما من عمل يعمله الإنسان من قول أو فعل، إلا وهو مسطور، مزبور، مكتوب، يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠] ومثل هذه الآيات توجب للمؤمن تقوىً واحتياطاً لنفسه، وتنبهًا إلى ما خلّفه وراء ظهره، فيتحلل من حقوق العباد، ويتوب إلى رب العباد، حتى يوافى ربه خفيف الظهر. ٤ - فضل الوفاء بالنذر؛ لقوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾. ثم قال المصنف ﵀: "وفي الصحيح" أي: صحيح البخاري "عن عائشة ﵂" هي أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق، أفقه نساء الصحابة على الإطلاق، قال عنها النبي ﷺ : "فضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على سائر الطعام" (١)، والثريد كما عرّفه الشاعر:

стр. 204

إِذَا مَا الخبزُ تَأدمُهُ بِلَحْمٍ … فَذاكَ أَمَانَة اللهِ الثَّريدُ (١). خبز معه لحم؛ وذلك أفضل الطعام؛ لأنه ضم البر واللحم. ولكن العلماء اختلفوا في المفاضلة بينها وبين خديجة ﵄، فمنهم: من قدمها، ومنهم من قدم خديجة، وهما أفضل أمهات المؤمنين -رضوان الله عليهن-، والله حسيب من نال منها من المنافقين القدامى والمحدثين. فإن عائشة ﵂ قد طالها من أذى المنافقين قديماً: أن رموها بالإفك، فأنزل الله براءتها قرآناً يتلى إلى يوم القيامة، ومن منافقي هذا الزمان من الروافض وأشكالهم، من يطعنون في عرضها إلى يومنا هذا، وقد توعدهم الله بالعذاب الأليم. وقد روت عن النبي ﷺ أحاديث عدة، وعُمِّرت ﵂ حتى سنة (٥٧ هـ) وهذا من حفظ الله تعالى لدينه، حيث قيَّض تعالى لنبيه ﷺ هذه الفتاة الذكية النبيهة، التي حفظت عن رسول الله ﷺ خاصة أمره في بيته، فيما لا يطلع عليه إلا أهله، فضبطته ضبطاً تاماً، وحدثت به، وأمدَّ الله تعالى في عمرها، حتى تلّقى عنها العلم الصحابة والتابعون. قوله: "من نذر أن يطيع الله" " جملة شرطية، (من) اسم شرط، و (نذر) فعل الشرط. قوله: "فليطعه" جواب الشرط، فدلت هذه الجملة على وجوب الوفاء بنذر الطاعة، فمن نذر نذر طاعة لزمه أن يفي به، ولا يخرج منه بكفارة، فلا يُضيِّق الإنسان على نفسه واسعاً، وليتطوع لله طواعية، من تلقاء نفسه، ويمتثل ما أمره الله تعالى به أمر وجوب أو استحباب، دون أن يلزم نفسه بما لم يلزمه الله به، كأن ينذر أن يصوم كل اثنين وخميس، حين يجد في نفسه نشاطاً وقوة، فإذا ما تقدم به العمر، وضعُف، ندم. قوله: "ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" فلا يجوز الوفاء بنذر المعصية. أما النذر الذي وقع على وجه شركي، فهذا لا ينعقد أصلاً، فثمّ فرق بين نذر المعصية، والنذر الشركي:

стр. 205

فنذر المعصية القول الراجح: أنه منعقد، كما ذهب إلى ذلك الإمام أحمد (١)، وأبو حنيفة (٢)؛ وتلزم فيه الكفارة. وذهب الشافعي إلى عدم انعقاده، وأنه لا كفارة فيه (٣). وأما نذر الشرك: لقبر، أو لجن، أو ميت، أو لملك، فهذا لم ينعقد أصلاً؛ لأنه ليس عبادة في أصله، بل هو شرك مناف للتوحيد. كما إن اليمين إذا كانت يميناً صحيحة، كمن حلف بالله، أو باسم من أسمائه، أو صفة من صفاته على أمر مستقبل، وعقد ذلك في قلبه، فهي منعقدة، ومن حلف بغير الله، لم تنعقد يمينه، فكذلك من نذر لغير الله، فإن نذره لا ينعقد. مناسبة الحديث للباب: مطابقة، لأن الحديث دل أن النذر عبادة، فإذا صُرفت العبادة لغير الله تعالى كان شركاً، فدخل تحت هذا الباب. فوائد الحديث: ١ - أن النذر عبادة، فصرفه لغير الله تعالى شرك أكبر. ٢ - وجوب الوفاء بنذر الطاعة. ٣ - تحريم الوفاء بنذر المعصية. ثم قال المصنف ﵀: فيه مسائل: الأولى: وجوب الوفاء بالنذر. وهذا بيّن من قول الله : ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾، ومن قول النبي ﷺ : "من نذر أن يطيع الله فليطعه".

стр. 206

الثانية: إذا ثبت كونه عبادة لله، فصرفه إلى غيره شرك. قول المصنف ﵀: "إذا ثبت" ليس مراده التردد في ذلك، وإنما مراده: ما دام قد ثبت أنه عبادة، فإن صرفه لغير الله شرك، فلا شك في ثبوت كونه عبادة. الثالثة: أن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به. لقوله: "ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه"، لأنه لا يتقرب لله بمعصيته.

стр. 207

باب من الشرك الاستعاذة بغير الله وقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [سورة الجن: ٦]. وعن خولة بنت حكيم قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من نزل منزلاً فقال: أعوذ بكلمات الله التامات، من شر ما خلق، لم يضره شيء، حتى يرحل من منزله ذلك" (١)، رواه مسلم. الشرح: قول المصنف ﵀: "باب: من الشرك الاستعاذة بغير الله" هذه الترجمة ليست على إطلاقها، وإنما أراد المصنف ﵀ نوعاً من أنواع الاستعاذة، وهي الاستعاذة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، هذا هو الذي يكون من الشرك. وأما الاستعاذة بغير الله فيما يقدر عليه ذلك الغير، فليس شركاً، بدليل قول النبي ﷺ : "يعوذ عائذٌ بالبيت" (٢)، في أحاديث الفتن. فالاستعاذة بغير الله فيما أقدره الله عليه جائزة، وليست شركاً، كما أن الاستغاثة بغير الله فيما يقدر عليه غيره جائزة، قال تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] والاستعاذة: طلب العوذ. والعوذ: هو الالتجاء والاعتصام. وحقيقة

стр. 208

الاستعاذة: الهرب من شيء مخوف إلى من يؤمنه منه، كأن يرى الإنسان مثلاً سبعاً، فيهرب منه، ويدخل بيتًا يتقي به، أو يطارده عدو، فيلجأ إلى قسم الشرطة، ونحوه، قال الشاعر مفرِّقاً بين العياذ واللياذ: يا مَنْ ألُوذُ بِهِ فيمَا أُؤمّلُهُ … وَمَنْ أعُوذُ بهِ مِمّا أُحاذِرُهُ لا يَجْبُرُ النّاسُ عَظْماً أنْتَ كاسِرُهُ … وَلا يَهيضُونَ عَظْماً أنْتَ جابِرُهُ (١). وهذا لا ينبغي إلا لله ، ولا يجوز أن يقال في حق مخلوق، وإن كان قائله ربما قاله في حق مخلوق، لكنه لا يصح إلا لله. فقوله: "يا من ألوذ به فيما أؤمله" دل هذا على أن اللياذ يكون في الأمور المطلوبة المحبوبة. و"ومن أعوذ به مما أحاذره" دل على أن العياذ يكون من الأمور المخوفة المرهوبة. مناسبة الباب لكتاب التوحيد: لما كانت الاستعاذة عبادة، كان صرفها لغير الله شركًا منافيًا للتوحيد، فنبه المصنف على وجوب إفراد الله بالاستعاذة فيما لا يقدر عليه إلا هو. قوله: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦] هذه الآية جاءت في سياق خبر الجن الذين لقوا النبي ﷺ ، كما قال الله : ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن: ١، ٢]، فهؤلاء قوم مؤمنون من الجن لقوا النبي ﷺ ، واستمعوا إلى القرآن، وفرحوا به، ثم صاروا يخبرون بحالهم، فأوحى الله إلى نبيه بما قالوا. ولهذا ينبغي للإنسان أن يميز ما يقال بشأن الجن بين الحق والباطل، والظن واليقين، فإن الناس ما زالوا يخوضون في أمر الجن، فيزيدون وينقصون، ويحكون الأساطير والخرافات، والظن لا يغني من الحق شيئاً، فالحق هو ما ذكره الله تعالى في كتابه، أو ذكره نبيه ﷺ في سنته، وفيهما غنية وكفاية، أما ما يتداوله الناس، ويتحدثون به في مجالسهم وأسمارهم، فلا تصدق ولا تكذب. فمن قرأ سورة الجن تبيّن له أن الجن خَلْقٌ من خلْق الله، يعتريهم ما يعتري

стр. 209

الآدميين، وأنهم عباد مُعبّدون لله تعالى؛ منهم الصالحون، ومنهم دون ذلك، منهم المسلمون، ومنهم القاسطون، وأنهم لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا رشداً، إلى آخر ما ذكروا. قوله: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ﴾ بفتح الهمزة؛ لأنها مؤولة بمصدر. وكلمة (رجال) خرجت مخرج الأغلب، وإلا ربما وقع هذا الأمر من النساء أيضاً. قوله: ﴿يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ أفاد ذلك أن في الجن رجال ونساء، فيهم ذكور وإناث، وهذا هو الحق؛ ولهذا قيل في تفسير قول النبي ﷺ : "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" (١): أن الخبُث: ذكور الشياطين، والخبائث إناثهم (٢)، ولهذا يتناسلون ويتكاثرون. قوله: ﴿يَعُوذُونَ﴾ أي: يعوذون بهم عياذة شركية، وقد جاء ذلك مفسراً في الآثار، وهو أن الرجل من أهل الجاهلية كان إذا نزل في سفره في وادٍ، نادى: "أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه" (٣)، سيد الوادي من الجن؛ لأنهم يخشون أن تصيبهم الجن بأذى، إما بقذف، أو قتل، أو نحو ذلك، فيعلنون الدخول في جوارهم، ويطلبون منه العوذ. قوله: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ الرهق: العنت، والمشقة. وللآية توجيهان: الأول: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ أي: زاد الإنسُ الجنَّ رهقاً، فيكون معنى (رهقاً) أي: طغياناً وتكبراً؛ أي: لما وجد الجن أن الإنس يعوذون بهم صار عندهم نوع من الزهو، والغرور، والطغيان الذي يستطيلون به على الإنس؛ لأن الإنسان إذا استضعف لغيره استطال عليه. الثاني: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ أي: زاد الجنُّ الإنسَ عنتاً، وأذىً، ومشقة؛ فاستذلوهم واستضعفوهم. ولا مانع من اجتماع المعنيين، وصحة التفسيرين. فالواقع: أن عياذ الإنس بالجن أدى إلى نتيجتين متلازمتين:

стр. 210

- زيادة تجبر الجن واستطالتهم على الإنس وطغيانهم. - زيادة عنت الإنس وضعفهم، وخورهم أمام الجن، فاجتمع المحظوران. مناسبة الآية للباب: ظاهرة، فإن الله تعالى أنكر على لسان مؤمني الجن ما فعله مشركو الإنس من العياذ بالجن. فوائد الآية: ١ - أنّ الاستعاذة عبادة لا يجوز صرفها لغير الله ؛ لأن سياق الآية سياق استنكار من مؤمني الجن على مشركي الإنس. ٢ - أن في الجن رجال ونساء. ٣ - أن من استعاذ بغير الله وكله الله إليه، فأورثه عنتاً ورهقاً. ٤ - أن رسالة النبي ﷺ للإنس والجن؛ وقد دعا النبي ﷺ الجن، فآمن به بعضهم. ٥ - مشروعية الاستعاذة بالله؛ لأن الإنسان قد يعتريه من الأمور الباطنة، أو يلحقه من الشرور الظاهرة، ما لا يمكن أن يعيذه إلا الله الواحد القهار، فشرع له أن يستعيذ بربه، ويناجيه في كل ما يلم به، فإن الإنسان ضعيف بطبعه، ويعتريه القلق والتوجس. وقد شرع الله تعالى لنا المعوذتين؛ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، وختم بهما كتابه العزيز. فسورة الفلق فيها الاستعاذة من الشرور الخارجية، وسورة الناس فيها الاستعاذة من الشرور الداخلية. والعجب: أن المستعاذ به في سورة الفلق اسم واحد، من أسماء الله الحسنى، وهو (الرب)، والمستعاذ منه أربعة شرور: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: ٢ - ٥]، وأما في سورة الناس، فالمستعاذ به ثلاثة أسماء من أسماء الله الحسنى: (الرب) و (الملك) و (الإله)، والمستعاذ منه شر واحد، وهو الوسواس، ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: ٤ - ٦]! مما يدل على خطر الوسواس، وعظيم أثره في النفس،

стр. 211

فلذلك احتيج إلى أن يُستعاذ بهذه الأسماء الشريفة الثلاثة. وقد كتب ابن القيم ﵀ رسالة قيمة في تفسير المعوذتين (١)، مفيدة في بابها. ثم قال المصنف ﵀: "وعن خولة بنت حكيم" وهي صحابية سُلَمية، زوجة عثمان بن مظعون، ﵁، صاحب رسول الله ﷺ ، وهي من فضليات نساء الصحابة، ﵂. قوله: "من نزل منزلاً" (منزلاً) نكرة في سياق في الشرط، تدل على العموم، أي: سواء كان نزوله نزولاً دائماً، أو نزولاً طارئاً، فيدخل في مفهوم المنزل: أن ينزل الإنسان بيتاً ليتخذه سكناً دائماً، أو ينزل في مكان مؤقت على سبيل الاستئجار، أو ينزل في نزهة، أو في طريق سفر، فكل ذلك يُسمى منزل. قوله: "أعوذ" أي: ألتجئ وأعتصم. قوله: "بكلمات الله التامات" كلمات الله: أي: كلامه، وربنا سبحانه وبحمده من صفاته الثابتة بالكتاب والسنة والإجماع: صفة الكلام، وأدلة ذلك أكثر من أن تحصر: منها هذا الدليل. ومعنى: "التامات" أي: الكاملات، وصفة تمامهن كما قال ربنا : ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥] أي صدقًا في أخبارها، وعدلًا في أحكامها، وعصمةً لها من التبديل. قوله: "من شر ما خلق" هذا يتناول جميع الشرور، من جميع المخلوقات. قوله: "لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك" جواب الشرط وجزاؤه. وهذا خبر نبوي يجب الإيمان به، فلا يمكن أن يتعرض لأذى إذا أتى بهذه الاستعاذة على الوجه الصحيح، مقرونةً بالإخلاص لله تعالى، أما إذا قام مانع من

стр. 212

الموانع، فانه قد لا يتحقق أثرها؛ لأن تحقق كل شيء لا بد فيه من توفر الشروط، وانتفاء الموانع، ولهذا نظائره كثيرة، وأضرب لذلك مثلاً: قال النبي ﷺ عن الفاتحة: ("وما يدريك أنها رقية؟ " (١)، ومع ذلك يسترقي بعض الناس أو يرقى نفسه بالفاتحة، ولا يحصل له الأثر، وسبب تخلف الأثر: نقص في فعله، كأن يكون استرقى، أو رقى نفسه بها على وجه لم يصاحبه الإخلاص لله ، فضعفت تلك الرقية عن مقاومة المرض. مثال آخر: وهو قول النبي ﷺ : "لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله، قال: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك، لم يضره شيطان أبداً" (٢)، ويوجد من الناس من يقول هذا الدعاء قبل أن يأتي أهله، ويبتلى بغلام شقي، بسبب تخلف شرط، قيام مانع، فلا بد أن يحقق الإنسان الشروط، وأن يحاذر الموانع. قوله: "لم يضره شيء" (شيء) نكرة في سياق النفي، تدل على العموم، فلا يضره لا حيوان، ولا إنسان، ولا جماد، ولا شيء من الأشياء. ويُذكر أن القرطبي ﵀ قال: "جربتُ ذلك، فوجدتُه صدقاً، تركته ليلة فلدغتني عقرب، فتفكرت فإذا أنا نسيت هذا التعوذ" (٣)، سبحان الله! كان من عادته ألا يدعه، فلما نسيه أصابه قدر الله . فينبغي لنا أن نعود أنفسنا، وأهلينا، وأبناءنا، وإخواننا على هذا، فإذا نزل الإنسان منزلاً في منتزه، أو برية، فأول ما يبدأ به إذا وضع قدمه في ذلك الموضع أن يقول: "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق" فما أسهلهن من كلمات! وما أعظم أثرهن!

стр. 213

مناسبة الحديث للباب: دل على أن الاستعاذة عبادة، فصرفها لغير الله شرك. فاستعاذ النبي ﷺ بعزة الله؛ لأنها صفته، وبقدرته؛ لأنها صفته أيضاً، فيستعيذ العبد بالله، أو بسم من أسمائه، أو بصفة من صفاته. فوائد الحديث: ١ - مشروعية الاستعاذة بهذا الدعاء. ٢ - مشروعية الاستعاذة بصفات الله، بخلاف الدعاء، فإنه لا يدعى إلا بأسمائه، كما قال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، فلا يجوز أن يقول: يا رحمة الله! يا قدرة الله، لما في ذلك من إيهام عدم قيام الصفة بالموصوف، واستقلال الصفات عن الذات. أما الاستعاذة فليس فيها هذا المحذور، ولهذا تكررت في الأحاديث كقول النبي ﷺ لعثمان بن العاص لما شكى له أنه أصابه وجع منذ أن أسلم،: "ضع يدك على الذي تألم من جسدك، وقل: باسم الله ثلاثاً، وقل: سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر" (١)، قال: ففعلت، فأذهب الله عني ذلك. وكدعائه ﷺ في سجوده: (اللهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ) (٢) ٣ - أن كلام الله منزل غير مخلوق، وهذا من أدلة أهل السنة والجماعة على أن القرآن غير مخلوق؛ لأنه لو كان كلام الله مخلوقاً -كما تزعم المعتزلة- لم يجز الاستعاذة بمخلوق. ٤ - إحاطة علم الله ، وتدبيره لجميع الكائنات، فنواصي العباد والمخلوقات بيده سبحانه وبحمده.

стр. 214

ثم قال المصنف ﵀: فيه مسائل: الأولي: تفسير آية الجن. وقد تقدم بيانه. الثانية: كونه من الشرك. لأن هذا الخبر من مؤمني الجن، جاء في سياق الاستنكار على مشركي العرب، وأقره الله. الثالثة: الاستدلال على ذلك بالحديث؛ لأن العلماء يستدلون به على أن كلمات الله غير مخلوقة، قالوا: لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك. استدل العلماء بحديث خولة بنت حكيم على أن القرآن غير مخلوق، قالوا: لأنه لا يجوز أن يُستعاذ بالمخلوق. والقرآن من كلمات الله فهو غير مخلوق. الرابعة: فضيلة هذا الدعاء، مع اختصاره. فهو دعاء مختصر وجيز؛ ومع ذلك فإن أثره ونتيجته وعاقبته حميدة وعظيمة. الخامسة: أن كون الشيء يحصل به منفعة دنيوية، من كف شر، أو جلب نفع، لا يدل على أنه ليس من الشرك. استنبط المصنف هذا من كون رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن، يقول أحدهم: "أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه" فربما كفَّ عنه سفهاء قومه، لكن هذا لا يبيح الاستعاذة بغير الله، فليس وجود النفع دليلًا على صحة العمل، فالخمر والميسر والربا يحصل بها منافع، وهن من الكبائر، فيقال هذا لمن سوغ له نفسه غشيان بعض المحرمات بدعوى حصول النفع فيها: المرجع النص، والحكم الشرعي، وليس الاستحسان والمصلحة.

стр. 215

باب من الشرك أن يستغيث بغير الله، أو يدعو غيره وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [سورة يونس: ١٠٦ - ١٠٧]. وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [سورة العنكبوت: ١٧]. وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [سورة الأحقاف: ٥ - ٦]. الشرح: قال المصنف ﵀: "باب: من الشرك أن يستغيث بغير الله، أو يدعو غيره" هذه الترجمة مركبة من قضيتين كلاهما من صور الشرك: أن يستغيث بغير الله، أو يدعو غيره. والاستغاثة: طلب الغوث، كما أن الاستعاذة: طلب العوذ، والاستعانة: طلب العون. والدعاء: هو مطلق الطلب، فالدعاء أعم من الاستغاثة، فيشمل الاستغاثة، والاستعانة، وسائر أنواع المطالب. والفرق بينه وبين خصوص الاستغاثة أن الاستغاثة لا تكون إلا مع كرب، فإنما يستغيث المكروب، كما قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل: ٦٢]، وقال: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٦٣، ٦٤] فتلك استغاثة.
следующие страницы →