فلذلك احتيج إلى أن يُستعاذ بهذه الأسماء الشريفة الثلاثة. وقد كتب ابن القيم ﵀ رسالة قيمة في تفسير المعوذتين (١)، مفيدة في بابها.
ثم قال المصنف ﵀:
"وعن خولة بنت حكيم" وهي صحابية سُلَمية، زوجة عثمان بن مظعون، ﵁، صاحب رسول الله ﷺ ، وهي من فضليات نساء الصحابة، ﵂.
قوله: "من نزل منزلاً" (منزلاً) نكرة في سياق في الشرط، تدل على العموم، أي: سواء كان نزوله نزولاً دائماً، أو نزولاً طارئاً، فيدخل في مفهوم المنزل: أن ينزل الإنسان بيتاً ليتخذه سكناً دائماً، أو ينزل في مكان مؤقت على سبيل الاستئجار، أو ينزل في نزهة، أو في طريق سفر، فكل ذلك يُسمى منزل.
قوله: "أعوذ" أي: ألتجئ وأعتصم.
قوله: "بكلمات الله التامات" كلمات الله: أي: كلامه، وربنا سبحانه وبحمده من صفاته الثابتة بالكتاب والسنة والإجماع: صفة الكلام، وأدلة ذلك أكثر من أن تحصر: منها هذا الدليل. ومعنى: "التامات" أي: الكاملات، وصفة تمامهن كما قال ربنا : ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥] أي صدقًا في أخبارها، وعدلًا في أحكامها، وعصمةً لها من التبديل.
قوله: "من شر ما خلق" هذا يتناول جميع الشرور، من جميع المخلوقات.
قوله: "لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك" جواب الشرط وجزاؤه. وهذا خبر نبوي يجب الإيمان به، فلا يمكن أن يتعرض لأذى إذا أتى بهذه الاستعاذة على الوجه الصحيح، مقرونةً بالإخلاص لله تعالى، أما إذا قام مانع من
стр. 212
الموانع، فانه قد لا يتحقق أثرها؛ لأن تحقق كل شيء لا بد فيه من توفر الشروط، وانتفاء الموانع، ولهذا نظائره كثيرة، وأضرب لذلك مثلاً: قال النبي ﷺ عن الفاتحة: ("وما يدريك أنها رقية؟ " (١)، ومع ذلك يسترقي بعض الناس أو يرقى نفسه بالفاتحة، ولا يحصل له الأثر، وسبب تخلف الأثر: نقص في فعله، كأن يكون استرقى، أو رقى نفسه بها على وجه لم يصاحبه الإخلاص لله ، فضعفت تلك الرقية عن مقاومة المرض.
مثال آخر: وهو قول النبي ﷺ : "لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله، قال: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك، لم يضره شيطان أبداً" (٢)، ويوجد من الناس من يقول هذا الدعاء قبل أن يأتي أهله، ويبتلى بغلام شقي، بسبب تخلف شرط، قيام مانع، فلا بد أن يحقق الإنسان الشروط، وأن يحاذر الموانع.
قوله: "لم يضره شيء" (شيء) نكرة في سياق النفي، تدل على العموم، فلا يضره لا حيوان، ولا إنسان، ولا جماد، ولا شيء من الأشياء. ويُذكر أن القرطبي ﵀ قال: "جربتُ ذلك، فوجدتُه صدقاً، تركته ليلة فلدغتني عقرب، فتفكرت فإذا أنا نسيت هذا التعوذ" (٣)، سبحان الله! كان من عادته ألا يدعه، فلما نسيه أصابه قدر الله . فينبغي لنا أن نعود أنفسنا، وأهلينا، وأبناءنا، وإخواننا على هذا، فإذا نزل الإنسان منزلاً في منتزه، أو برية، فأول ما يبدأ به إذا وضع قدمه في ذلك الموضع أن يقول: "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق" فما أسهلهن من كلمات! وما أعظم أثرهن!
стр. 213
مناسبة الحديث للباب:
دل على أن الاستعاذة عبادة، فصرفها لغير الله شرك.
فاستعاذ النبي ﷺ بعزة الله؛ لأنها صفته، وبقدرته؛ لأنها صفته أيضاً، فيستعيذ العبد بالله، أو بسم من أسمائه، أو بصفة من صفاته.
فوائد الحديث:
١ - مشروعية الاستعاذة بهذا الدعاء.
٢ - مشروعية الاستعاذة بصفات الله، بخلاف الدعاء، فإنه لا يدعى إلا بأسمائه، كما قال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، فلا يجوز أن يقول: يا رحمة الله! يا قدرة الله، لما في ذلك من إيهام عدم قيام الصفة بالموصوف، واستقلال الصفات عن الذات. أما الاستعاذة فليس فيها هذا المحذور، ولهذا تكررت في الأحاديث كقول النبي ﷺ لعثمان بن العاص لما شكى له أنه أصابه وجع منذ أن أسلم،: "ضع يدك على الذي تألم من جسدك، وقل: باسم الله ثلاثاً، وقل: سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر" (١)، قال: ففعلت، فأذهب الله عني ذلك. وكدعائه ﷺ في سجوده: (اللهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ) (٢)
٣ - أن كلام الله منزل غير مخلوق، وهذا من أدلة أهل السنة والجماعة على أن القرآن غير مخلوق؛ لأنه لو كان كلام الله مخلوقاً -كما تزعم المعتزلة- لم يجز الاستعاذة بمخلوق.
٤ - إحاطة علم الله ، وتدبيره لجميع الكائنات، فنواصي العباد والمخلوقات بيده سبحانه وبحمده.
стр. 214
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولي: تفسير آية الجن.
وقد تقدم بيانه.
الثانية: كونه من الشرك.
لأن هذا الخبر من مؤمني الجن، جاء في سياق الاستنكار على مشركي العرب، وأقره الله.
الثالثة: الاستدلال على ذلك بالحديث؛ لأن العلماء يستدلون به على أن كلمات الله غير مخلوقة، قالوا: لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك.
استدل العلماء بحديث خولة بنت حكيم على أن القرآن غير مخلوق، قالوا: لأنه لا يجوز أن يُستعاذ بالمخلوق. والقرآن من كلمات الله فهو غير مخلوق.
الرابعة: فضيلة هذا الدعاء، مع اختصاره.
فهو دعاء مختصر وجيز؛ ومع ذلك فإن أثره ونتيجته وعاقبته حميدة وعظيمة.
الخامسة: أن كون الشيء يحصل به منفعة دنيوية، من كف شر، أو جلب نفع، لا يدل على أنه ليس من الشرك.
استنبط المصنف هذا من كون رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن، يقول أحدهم: "أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه" فربما كفَّ عنه سفهاء قومه، لكن هذا لا يبيح الاستعاذة بغير الله، فليس وجود النفع دليلًا على صحة العمل، فالخمر والميسر والربا يحصل بها منافع، وهن من الكبائر، فيقال هذا لمن سوغ له نفسه غشيان بعض المحرمات بدعوى حصول النفع فيها: المرجع النص، والحكم الشرعي، وليس الاستحسان والمصلحة.
стр. 215
باب من الشرك أن يستغيث بغير الله، أو يدعو غيره
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [سورة يونس: ١٠٦ - ١٠٧].
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [سورة العنكبوت: ١٧].
وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [سورة الأحقاف: ٥ - ٦].
الشرح:
قال المصنف ﵀: "باب: من الشرك أن يستغيث بغير الله، أو يدعو غيره" هذه الترجمة مركبة من قضيتين كلاهما من صور الشرك: أن يستغيث بغير الله، أو يدعو غيره.
والاستغاثة: طلب الغوث، كما أن الاستعاذة: طلب العوذ، والاستعانة: طلب العون. والدعاء: هو مطلق الطلب، فالدعاء أعم من الاستغاثة، فيشمل الاستغاثة، والاستعانة، وسائر أنواع المطالب. والفرق بينه وبين خصوص الاستغاثة أن الاستغاثة لا تكون إلا مع كرب، فإنما يستغيث المكروب، كما قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل: ٦٢]، وقال: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٦٣، ٦٤] فتلك استغاثة.
стр. 216
فعطف الدعاء على الاستغاثة في الترجمة، من باب عطف العام على الخاص. وهناك عطف الخاص على العام، كقولك: جاء الطلبة ومحمد، وإذا قلت: جاء محمد والطلبة، فهذا من عطف العام على الخاص؛ لأن محمدًا أحدهم.
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
أن الاستغاثة بغير الله، ودعاء غير الله من الشرك المنافي للتوحيد، فبيان ذلك من تفسير التوحيد، وشهادة أن لا إله إلا الله، كما وعد المصنف.
وهذا الباب من أشرف أبواب هذا الكتاب؛ لتعلقه بمسألة عظيمة، هي لب التوحيد: ألا وهي الدعاء، فإن الدعاء كما جاء في الحديث الصحيح: "الدعاء هو العبادة" (١)؛ فالدعاء عنوان العبودية، وهو حقيقة التوحيد؛ ولهذا قال ربنا -سبحانه وبحمده-: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر: ٦٠] ولم يقل: إن الذين يستكبرون عن دعائي، فدل ذلك على أن الدعاء هو العبادة، بل هو لب العبادة، وفي الحديث أيضاً: "الدعاء مخ العبادة" (٢)، لكن هذا الحديث فيه مقال، والأحاديث والآيات في هذا كثيرة.
ودعاء الله تعالى نوعان:
الأول: دعاء العبادة: وهو مناجاة الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، والثناء بها عليه، كأن يقول القائل: "اللهم لك الحمد، أنت نور السماوات والأرض، ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض، ومن فيهن، ولك الحمد أنت فاطر السماوات والأرض ومن فيهن، اللهم لك الحمد أنت الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد" فيتملق ربه بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، ويثني عليه بما هو أهله، وإن لم يطلب شيئاً، وإنما تعبد الله بذكره، وبما يليق به من صفات الكمال، ونعوت الجلال، مما علمنا إياه، وعلمنا نبيه ﷺ .
стр. 217
الثاني: دعاء المسألة: وهو الغالب عند الناس، وهو أن يسأل العبد حاجة من ربه من جلب مصلحة، أو دفع مضرة، فيقول: اللهم ارزقني، وعافني، واشفني، وانصرني، وأجبرني، ونحو ذلك، واللائق بهذا النوع من الدعاء: أن ينتخب الداعي الاسم المناسب لمسألته فيدعو به، فيقول: يا رزاق ارزقني، ويا جبار أجبرني، وهكذا، فيأتي بالاسم المناسب، للطلب.
والعلاقة بين النوعين (دعاء العبادة، ودعاء المسألة): أن دعاء العبادة يستلزم دعاء المسألة، ودعاء المسألة متضمن لدعاء العبادة، فمن أقر لله بالعبادة، فلازم ذلك أن يفرده بالمسألة؛ قال إبراهيم ﵇: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا * فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤٨، ٤٩] لأنه لما وحّد الله بالعبادة وحّده بالدعاء: أن يهب له، فوهب له إسحاق ويعقوب، ودعاء المسألة متضمنٌ لدعاء العبادة؛ لأنه لو لم يكن معتقداً بأن الله هو القادر على إجابة الدعوات، وكشف الكربات، لما دعاه.
والدعاء عبادة عظيمة، كما جاء في الحديث: "ليس شيئاً أكرم على الله من الدعاء" (١)، وفي الحديث أيضاً: "إنه من لم يسأل الله يغضب عليه" (٢)، وقد قال الناظم في ذلك:
اللَّهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ … وَبُنَيُّ آدَمَ حِيْنَ يُسْأَلُ يَغْضَبُ (٣).
فالآدمي إذا طلبت منه شيئاً مرة ومرتين، تبرم، وتضايق، وقال: أزعجتنا، وأقلقتنا، وأما الرب -سبحانه وبحمده- فإنه إذا لم يدعه العبد غضب عليه، كما في الحديث السابق.
وليعلم: أن أي دعوة لا ترد، فقد جاء في الحديث: "ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها، ما لم يدع بإثم،
стр. 218
أو قطيعة رحم" فقال رجل من القوم: إذا نكثر، قال: "الله أكثر" (١)، فلا يدع الدعاء استبطاءً للإجابة. وقد جاء في الحديث: "يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي" (٢)، وما أكثر ما تسمع من يقول: لي سبع سنين وأنا أدعو الله ، ولم تحصل الإجابة، فينبغي أن يعلم أن الله سميع الدعاء، لكنه قد يُؤخر الإجابة لحكمة، ولمصلحة الداعي، فليحسن الظن بربه.
والصلاة، وأوراد الصباح والمساء والنوم، متضمنة لأدعية حسنة جميلة،، لكن ينبغي للعبد المؤمن أن يخصص في يومه أوقاتاً يقبل على الله بكليته، ويدعوه، ويعود نفسه على أن يكون الدعاء وظيفةً يومية له؛ فإن الخير عادة. وكم من دعوة كتب الله بها للعبد سعادة الدارين. وعلى العبد أيضاً أن يتحرى مواطن الإجابة، فإن لإجابة الدعاء أسبابًا، بعضها زمانية، وبعضها مكانية، وبعضها تتعلق بالهيئات:
فمن مواطن إجابة الدعاء الزمانية: ثلث الليل الآخر، فقد جاء في الحديث: "ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني، فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له" (٣)، فأين نحن من هذه العروض المغرية؟ لو وُضع للناس تخفيضات على بعض السلع والبضائع، لرأيتهم يذهبون زرافات ووحداناً؛ لينالوا لعاعة من الدنيا، ولو آخر الليل! وربنا كل ليلة يقول: "من يدعوني، فأستجيب له، ومن يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له".
ومن ذلك أيضاً: ساعة الجمعة، كما جاء في الحديث: "فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم، وهو قائم يصلي، يسأل الله تعالى شيئاً، إلا أعطاه إياه" (٤)، وقد
стр. 219
قيل: إنها من دخول الخطيب يوم الجمعة إلى انقضاء الصلاة، وهذا أرجح القولين. وقيل: إنها آخر ساعة بعد العصر، ومن جمع بينهما فقد أصاب خيراً -إن شاء الله-. ومن المواطن التي يستحب فيها الدعاء: أن يكون الإنسان في بيت الله الحرام، قريباً من الكعبة المشرفة.
ومن الأحوال الشريفة التي ترجى فيها الإجابة: حال السجود، فإنه أقرب ما يكون العبد من الله وهو ساجد؛ ولذا قال نبينا ﷺ : "فأما الركوع فعظموا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم" (١)، ومعنى: قمن: حري.
وينبغي للداعي أن يتأدب بما أمره الله تعالى به، قال ربنا : ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥، ٥٦] فمن أتقن فن الدعاء، واطّرح بين يدي مولاه، وخضع له، وشعر بعبوديته له سبحانه، فإن الله قريب منه، يجيب دعاءه، كما قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦] ولذا قال عمر ﵁: "إني لا أحمل هم الإجابة، ولكن أحمل هم الدعاء، فإذا ألهمت الدعاء، علمت أن الإجابة معه" (٢).
وقد ساق المصنف ﵀ في هذا الباب من الأدلة البينات ما يقطع ويمحق دابر المشركين، الذين يدعون غير الله تعالى. فأجلى صور الشرك وأبينها: دعاء غير الله، وهو الذي وقع فيه عامة بني آدم، فإذا طلبوا شيئاً نادوا ملكاً، أو جنياً، أو ميتاً، أو غائباً، أو غير ذلك، وانصرفوا عن الله ، وهم بذلك يصرفون أشرف أنواع العبادة لغير الله.
قوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الخطاب موجه للنبي ﷺ وهو نهي له وللأمة من بعده.
стр. 220
قوله: ﴿مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ في هذا إشارة إلى أنه لا يجوز للإنسان أن يدعو غير الله في جلب منفعة، أو دفع مضرة؛ لأن الإنسان إنما يدعو إما لتحصيل مطلوب، أو لدفع مرهوب، فلأجل هذا نص الله على هاتين القضيتين. وقد تضمن ذلك نفي التعلق بغير الله تعالى؛ لأن المدعو إذا كان لا يملك النفع والضر، فلا قيمة لدعائه، ولا فائدة فيه، ولا معول عليه، فما لا ينفعك إن دعوته، ولا يضرك إن تركته، فوجوده وعدمه سواء، فليس من الشرع ولا من العقل دعاء غير الله .
قوله: ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ﴾ من باب ضرب الاحتمالات، وإلا فحاشا نبينا ﷺ أن يقع منه ذلك. قوله: ﴿فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: الظلم الأكبر. فهذه الآية العظيمة تنبيه للنبي ﷺ ، ولمن بعده من أمته، وللناس جميعاً إلى وجوب إفراد الله تعالى بالدعاء، وأن من دعا غير الله في جلب منفعة، أو دفع مضرة، فقد وقع في الشرك الأعظم الذي لا يغفره الله.
مناسبة الآية للباب:
ظاهرة، لتضمنها النهي عن دعاء غير الله؛ أو الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ و ذلك من الشرك الأكبر.
فوائد الآية:
١ - أن دعاء غير الله شرك أكبر.
٢ - سلب القدرة على النفع والضر، عن كل مدعوٍّ سوى الله .
قوله: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ (إن): شرطية، فينبغي أن تكون النكرة في سياقها دالة على العموم، فقوله ﴿بِضُرٍّ﴾ يعني: أي ضر ﴿فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾، وما أعظم وقع هذه الآية على نفوس المبتلين! فمن ابتلي بضراء، ثم قرعت سمعه وحَّد الوجهة، فتوجه إلى الله وحده، وعلم أن كل أحد سوى الله، لا يملك أن يكشف عنه الضر.
قوله: ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ إذا قضى لك الخير، أيَّا كان،
стр. 221
فلا يمكن لأحد كائناً من كان أن يحول بينك وبينه، ولو اجتمع من بأقطارها، كما قال نبينا ﷺ لابن عباس ﵄: "واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك. رفعت الأقلام، وجفت الصحف" (١). فهاتان الجملتان وردتا في سورتين: في سورة الأنعام، بلفظ: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: ١٧] وفي سورة يونس، باللفظ المتقدم، وتمامها: ﴿يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧] فدلت الآية على وجوب إفراد الله تعالى بالدعاء؛ لأن الحامل على الدعاء: إما وقوع ضر يدعو الإنسان برفعه، أو طلب خير يسعى بجلبه، فهذا لا يطلب إلا من الله وحده.
مناسبة الآية للباب:
لما كان لا يكشف الضر إلا الله، ولا يجلب الخير إلا الله، لزم أن يكون هو المدعو وحده، لا شريك له، فإن العبادة لا تصلح إلا لمالك الضر والنفع، فصرف الدعاء لغيره شرك أكبر.
فوائد الآية:
١ - وجوب إفراد الله تعالى بالدعاء.
٢ - بطلان دعاء غير الله، وأنه أعجز من أن يحقق المطلوب.
٣ - إثبات المشيئة والإرادة لله ؛ لقوله: ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ﴾ وإرادة الله تعالى تنقسم إلى قسمين: إرادة كونية، وهي المشيئة، وإرادة شرعية، وهي المحبة، فالإرادة أعم من المشيئة. فالإرادة الكونية: لابد من وقوعها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] والإرادة الشرعية: قد تقع وقد لا تقع، كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ومع ذلك فإن من الناس من يقع في العسر ويدع اليسر، مع أن الله أراد بهم اليسر.
стр. 222
٤ - إثبات اسمين من أسماء الله تعالى: الغفور، والرحيم، متضمنين لصفتين كريمتين: المغفرة، وهي الستر والتجاوز، والرحمة. وهما صفتان حقيقيتان لائقتان به تعالى.
قوله: ﴿فَابْتَغُوا﴾ أي: اطلبوا عند الله الرزق، وقدم الظرف ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ لكي يدل على اختصاص الله تعالى به؛ وذلك أن الله هو الرزاق وحده، لا رازق سواه، كما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] والرزق حاجة بشرية، يسعى إليها الناس جميعاً، فاحتاج الأمر إلى تنبيههم إلى مصدره، وهو الله تعالى، وليس فلان الذي يسوق الرزق، أو يقطع الرزق، كما يعبر بعض الناس، فيقول: فلان قطع رزقي! إنما الرزق بيد الله، فيبتغى عنده.
قوله: ﴿وَاعْبُدُوهُ﴾ هذا من عطف العام على الخاص؛ لأن ابتغاء الرزق يعني: طلبه من الله، ودعائه بحصوله. والعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال، والأعمال، الظاهرة والباطنة (١)، فمعنى: فاعبدوه أي: أخلصوا له في العبادة.
قوله: ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ أي: كونوا معترفين بنعمته، مثنين بها عليه؛ فإن كثيراً من الناس يغفل عن الشكر؛ لهذا قال سبحانه: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] وقال مثنياً على نبي من أنبيائه، وهو نوح ﵇: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣] وما أكثر من يحقق عبادة الصبر؛ فيبتلى، فيصبر، ويحتسب، لكن ما أقل من يحقق عبادة الشكر، فإذا كانت الأمور طبيعية، والرزق واسع، والصحة بادية، غفل كثير من الناس عن شكر المنعم، وإذا تغير الحال، أقبلوا على الله بكليتهم، ودعوا الله مخلصين، فلهذا كان الشكر عبادة جليلة.
وقد ألف ابن القيم ﵀ كتاباً، اسماه: (عِدَة الصابرين وذخيرة الشاكرين) تضمن المفاضلة بين الفقير الصابر، والغني الشاكر، وخلص ﵀ إلى أن المفاضلة بينهما ليست مطلقة، بأن يقال: الصابر أفضل من الشاكر، أو الشاكر أفضل من الصابر، وإنما يختلف ذلك باختلاف الأحوال. ولكن في الأعم
стр. 223
الأغلب: عبادة الشكر قليلة في الناس، كما تقدم. والشكر يكون بالقلب وباللسان وبالجوارح، كما قال الناظم:
أَفَادَتْكُمْ النَّعْمَاء مِني ثَلَاثَة … يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِير المحَجَبا (١).
فيشكر العبد ربه بقلبه: بالاعتراف والإقرار لله بالنعمة، والاغتباط بها، فهذه وظيفة القلب. ثم وظيفة اللسان: بالثناء بها على الله، فيتكلم في مجالسه بذلك، ويلهج لسانه بالثناء بالنعمة على مسديها. وبجوارحه: فيسخِّر هذه الجوارح في مراضيه. وبهذا تتحقق عبادة الشكر. وحينما نقول: تتحقق، لا نعني: أنها تُستوفى، فإنه لا يستطيع أحد أن يكافئ نعمة الله ، وقد قال القائل:
إذَا كانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللهِ نِعمَةً … عَلىَّ لَهُ فِي مِثْلِها يَجِبُ الشُكْرُ
فكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إلاَّ بِعَوْنِهِ … وَإنْ طالَتِ الأَّيامُ واتَّصَلَ الدَّهْرُ؟! (٢).
أي: لو أن إنساناً اشتغل بشكر نعم الله تعالى، لكان توفيقه لشكر النعمة نعمة جديدة، تحتاج إلى شكر، ثم إذا شكر هذه النعمة الجديدة، كان هذا نعمة أيضاً تحتاج إلى شكر، فأنى له أن يبلغ شكر المنعم، ولو طالت الأيام، واتصل العمر.
قوله: ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: إليه مآلكم يوم القيامة، فيجازيكم على أعمالكم؛ إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، كما قال: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥، ٢٦].
مناسبة الآية للباب:
لما فيها من التنبيه على إفراد الله بالدعاء بحصول الرزق، دون من سواه.
فوائد الآية:
١ - وجوب إفراد الله تعالى بالدعاء.
стр. 224
٢ - وجوب إفراد الله بطلب الرزق، فلا يقال: يا فلان ارزقني، ولا يعارض ذلك أن يعمل، أو يكون أجيراً عند فلان، لكن يكون طلبه القلبي للرزق من الله تعالى.
٣ - وجوب إفراد الله بجميع أنواع العبادة؛ لقوله: ﴿وَاعْبُدُوهُ﴾.
٤ - وجوب شكر الله؛ لقوله: ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾.
٥ - إثبات البعث من قوله: ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
ونلحظ أن الله تعالى يكثر من التذكير باليوم الآخر عقب الأوامر والنواهي؛ لأن هذا من أعظم البواعث للاستجابة والامتثال، فإن العبد إذا ذكر أن من ورائه يوماً آخر، يجازى على إحسانه، ويعاقب على إساءته، حفزه ذلك إلى الطاعة، وزجره عن المعصية.
ثم قال المصنف ﵀:
"وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف: ٥] "
قوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ أي: لا أحد أضل، فهذا استفهام جوابه (لا) فيكون استفهاماً للنفي، ومعنى الضلال: وهو التيه والضياع.
قوله: ﴿مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: سوى الله من الأصنام، والشجر، والحجر.
قوله: ﴿مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ كأن ينصب وجهه إلى حجر، أو شجر، أو قبر، ويدعوه! فلو ظل يدعوه إلى يوم القيامة، لم يستجب له، ولم يحقق طلبه. فهؤلاء في ضلال مبين؛ لأنهم يدعون من لا يستجيب لهم إلى يوم القيامة.
قوله: ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ مرجع الضمير في قوله: ﴿وَهُمْ﴾ إلى المدعوين. أي: فضلًا عن عدم الاستجابة، فهم غافلون عنهم، لا يسمعون دعاءهم. سواء كان المدعو من الشجر والحجر، أو كان من الأموات المقبورين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]. وهذا التصوير
стр. 225
فيه تنفير بالغ من هذه الحال؛ إذ كيف يليق بآدمي عاقل، وإنسان كامل، أن يخاطب من لا يستجيب له؟! فلو أن أحداً قام إلى أحد هذه الأعمدة، وأخذ يخاطبه، ويتحدث معه؛ لكان مضحكة، إذ كيف يخاطب جمادًا؟! فكذلك هؤلاء الذين يسألون الأصنام والأموات تحقيق دعواتهم، لا يختلفون عن هذا بشيء، فهم أهل للمسبة والسخرية.
قوله: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ﴾ أي: يوم القيامة، والحشر لغة: الجمع.
قوله: ﴿كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً﴾ أي: كان أولئك المدعوُّون، وتلك الآلهة المزعومة، أعداء لهؤلاء الداعين، لا يحفظون لهم هذا الصنيع في الدنيا، وإنما يتبرؤون منهم، ويلعن بعضهم بعضاً.
قوله: ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ أي: رافضين لعبادتهم، ومتنصلين من عُبَّادهم، كما قال الله : ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ [سبأ: ٤٠، ٤١]، وهذا قيل لمن كان يعبد الملائكة، فغيرهم من باب أولى.
مناسبة الآيتين للباب:
ظاهرة، لما فيهما من تسفيه من يدعو غير الله، ويستغيث بغير الله، وشدة ضلاله.
فوائد الآيتين:
١ - أن الدعاء عبادة؛ لأنه قال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٥] فلا يجوز صرفه لغير الله ، فمن صرفه لغير الله تعالى فقد وقع في الشرك الأكبر.
٢ - بيان شدة ضلال المشركين؛ لقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ أي: لا أحد أضل.
٣ - أن الشرك بالله أعظم الضلال.
٤ - إثبات البعث؛ من قوله: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ﴾.
٥ - أن هذه الأوثان والأصنام لا تسمع، ولا تستجيب، ففيه الرد على المشركين بمختلف أصنافهم، وعلى القبوريين الذين يأتون إلى أصحاب القبور،
стр. 226
يزعمون فيهم الصلاح، ويدعونهم من دون الله تعالى، قائلين: يا سيد فلان، أنا بحسبك، اكشف ضري، أو اشف مريضي، أو أعطني، إلى غير ذلك، فيدعوه من دون الله، فهذا الشرك الذي بُعث الأنبياء برده، ومع ذلك زين الشيطان لكثير من هؤلاء المغرورين صنيعهم.
ثم قال المصنف ﵀:
وقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [سورة النمل: ٦٢].
وروى الطبراني بإسناده: أنه كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين، فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق، فقال النبي ﷺ : "إنه لا يُستغاث بي، وإنما يُستغاث بالله" (١).
قوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ﴾ استفهام تقريري، والجواب: الله -سبحانه وبحمده-، هو الذي يجيب المضطر. والمضطر: من أصابته الضرورة، إما بمرض، أو هلكة، أو تيه.
قوله: ﴿إِذَا دَعَاهُ﴾ أي: حال الدعاء؛ لأن دعوة المضطر دعوة حرَّى، فيجيبها الله ، وإجابته لدعوة المضطر دليل على وجوده، وربوبيته سبحانه.
قوله: ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ أي: يرفع ما يسوء المرء في نفسه، وأهله، وماله.
قوله: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ أي: يخلف بعضكم بعضاً في الأرض،
стр. 227
كلما فني جيل خلفه جيل، كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥].
قوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ هذا استفهام إنكاري، فلما كان المشركون مقرين بأن الله تعالى هو الذي يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء، حتى إنهم إذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين، فحري بهم أن يوحدوا الله بالعبادة، وألا يدعوا معه إلهاً غيره.
قوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ أي: مع علمكم بهذا لا يقع منكم تذكر كافٍ، وإنما قد تذكرون ذلك في حال الاضطرار فقط.
مناسبة الآية للباب:
ظاهرة، لانفراد الله تعالى بإجابة دعاء المضطر، وكشف كربته.
فوائد الآية:
١ - بطلان الاستغاثة بغير الله؛ لأن دعوة المضطر هي الاستغاثة، وهي الاستغاثة بغير الله، فيما لا يقدر عليه إلا الله، أما الاستغاثة بغير الله فيما أقدر عليه غيره فجائزة. فلو أن إنساناً مثلاً كان يتخبط في لجة الموج، ورأى من يمشي على سيف البحر، فقال: أغثني! أغثني!، فلا يُعد ذلك شركاً؛ لأنه طلب الغوث ممن يملكه، ويقدر عليه. ولو أحاطت به النار، ورأى من يمر بجواره، ويمكنه أن يطفأ النار، فقال: الغوث! الغوث!، أو أغثني! فهذا ليس شركاً، ودليل ذلك ما ذكره الله تعالى في كتابه في قصة موسى ﵇، حيث قال: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥] أي: أن الإسرائيلي استغاث بموسى على القبطي الذي كان يضربه، فأغاثه، فهذه ليست استغاثة شركية.
فنعرف الاستغاثة الشركية بالنظر في الحال والقرائن، فإذا كان المستغيث يستغيث بغائب، أو ميت، أو بمن لا يقدر أن يغيثه، ولو كان حياً، فهذه استغاثة شركية، فلو قال مثلاً للطبيب: اشف مريضي، أو وقف على قبر، وقال: يا فلان أنا في حسبك، أو دعا غائبًا، وقال: المدد يا سيد! فكل ذلك استغاثة شركية، مخرجة عن الملة.
стр. 228
وهناك مسألة حادثة، وأصلها قديم، وهي أن يأتي بعض الناس عند صاحب قبر من الصالحين، فيقول لصاحب القبر: يا فلان اشفع لي عند ربك!، ادع الله أن يغفر لي!، فاختلف بعض المعاصرين في هذه المسألة: فقال بعضهم: إنها بدعة مغلظة، لكنها لا تبلغ الشرك الأكبر؛ لأنه لم يدعه، وإنما طلب منه أن يشفع له عند الله. ولكن الصحيح: أن هذا شرك أكبر؛ لأنه دعا ميتاً، وتعلّق قلبه بمن لا يسمع ولا يقدر، وأعرض عن دعاء الله وحده، فيجب أن يسد الباب، ولا يفسح لأي لون من ألوان التدنس الشركي أن يفسد قلوب الموحدين.
٢ - إقرار المشركين بتوحيد الربوبية؛ لأن الله استدل عليهم بذلك.
٣ - أن الإقرار بتوحيد الربوبية لا ينجي صاحبه من النار، فلا بد من توحيد الألوهية، ولو كان توحيد الربوبية كافياً لما احتيج إلى دعوتهم؛ لأنهم كانوا مقرين بأن الله هو الذي يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء.
٤ - الاحتجاج بالمتفق عليه على المختلف فيه، فالمشركون يوافقوننا بأن الله تعالى هو الذي يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء، ولكنهم يخالفوننا في توحيد العبادة، فنقول لهم: كما أنكم أقررتم بتوحيد الربوبية، فإنه يلزمكم أن تقروا بتوحيد الألوهية.
قال المصنف ﵀:
قوله: "وروى الطبراني": هو الإمام سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي، أبو القاسم الطبراني، المتوفى سنة ٣٦٠ هـ، صاحب المعاجم الثلاثة: الكبير، والأوسط، والصغير، وكتبه هذه الثلاثة تُسمى معاجم؛ لأن المصنفين في الحديث: منهم من يصنف في السنن، ومنهم من يصنف في المسانيد، ومنهم من يصنف في المعاجم، ومنهم من يصنف في المستدركات والمستخرجات. فالسنن: ما رتبه مصنفه على أبواب الفقه، والمسانيد: هو ما رتبه مصنفه على مسانيد الصحابة، بصرف النظر عن موضوع الأحاديث، فيأتي بأحاديث أبي بكر مجتمعة، ولو اختلفت موضوعها، والمعاجم: هو ما رتبه مصنفه على أسماء شيوخه، فيسرد الأحاديث التي رواها عن شيخه الأدنى في مقام واحد، ثم ينتقل إلى ما رواه عن شيخ آخر، بصرف النظر عن موضوعها.
стр. 229
قوله: "بإسناده" هذا الحديث ضعيف؛ لأن في سنده عبد الله بن لهيعة ﵀، وهو من أئمة المسلمين، وقضاتهم، وأهل للمدح والعدالة، إلا أنه احترقت كتبه في آخر عمره، فاختلط، فصار يحدث من حفظه ويغلط، فلذلك ضعّف العلماء حديثه، ومنهم من يقبله ويحسنه، لكن الأصل أن حديث ابن لهيعة ضعيف، وهذا من حديثه ﵀.
قوله: "أنه كان في زمن النبي ﷺ منافق" والمنافق: هو الذي يظهر الإسلام، ويبطن الكفر، مأخوذ من نافقاء اليربوع، واليربوع - ويقال: جربوع - قال ابن الأثير: (قَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ «النِّفَاقِ» وَمَا تصرَّف مِنْهُ اسْما وفعْلا، وَهُوَ اسمٌ إِسْلَامِيٌّ، لَمْ تَعْرفْه الْعَرَبُ بالمعْنى المخْصُوص بِهِ، وَهُوَ الَّذِي يَسْتُر كُفْرَه ويُظْهر إِيمَانَهُ، وَإِنْ كَانَ أصلُه فِي اللُّغة مَعْروفا. يُقَالُ: نَافَقَ يُنَافِقُ مُنَافَقَةً ونِفَاقاً، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّافِقَاءِ: أحَد جِحَرة اليَرْبوع، إِذَا طُلِب مِنْ واحِدٍ هرَب إِلَى الآخَر، وخرَج مِنْهُ. وَقِيلَ: هُوَ مِنَ النَّفَقِ: وَهُوَ السَّرَب الَّذِي يُسْتَتَر فيهِ، لِسَتْرِه كُفْرَه) (١) فاليربوع يرقق جزءاً من سقف بيته، فإذا أتي من قبل القاصعاء، ضرب برأسه هذا الجزء المرقق، وخرج من النافقاء، فيقال: نافق اليربوع؛ لأنه احتال وخرج من هذا المأزق بحيلة، فكذلك المنافق يخرج من المآزق بالأيمان المغلظة، كما قال تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦] وقال: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ [التوبة: ٩٥] فشُبِّه المنافق باليربوع الذي يفر من المآزق بالطرق الملتوية، ثم صار المنافق يسمى فيما بعد "زنديق"، وهي كلمة أعجمية، لكن تُؤدي نفس المعنى.
قوله: "يؤذي المؤمنين" وبعضهم يروي لهذا الحديث قصة، وهي: أن عبد الله بن أبي بن سلول، رأس النفاق، أتى المسجد ومعه نمرقة، وهيئة حسنة، وإذا بأبي بكر جالس، فقال: هذا موسى أتى بالعصا، وهذا عيسى يبرأ الأكمه والأبرص، وهذا صالح أتى بالناقة، فعلام محمد لم يأتِ بشيء؟ (٢). فتأثر أبو بكر ﵁، وبكى، فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا
стр. 230
المنافق، فقاموا، فقال النبي ﷺ : "إنه لا يُستغاث بي، وإنما يُستغاث بالله". وقد تقرر أن الاستغاثة نوعان:
ممنوعة: أن يُستغاث بميت مقبور، أو بغائب، أو حاضر في أمر لا يقدر عليه إلا الله تعالى، كأن يقول: اشفني، وارزقني، ونحو ذلك. وهذ شرك أكبر.
جائزة: وهي أن يستغاث بمخلوق فيما يقدر عليه، كقول الغريق لمن يمر بسيف البحر: أغثني، وقول الحريق: أغثني، وهكذا، فإن هذا لا بأس به.
فإنكار النبي ﷺ بقوله: "إنه لا يُستغاث بي، وإنما يُستغاث بالله" على فرض صحة هذا الحديث يُحمل على أحد وجهين:
الأول: أنه أنكر عليهم اللفظ، وهو قولهم: "قوموا نستغيث برسول الله ﷺ " حيث رأى أن هذا التعبير مناف للأدب مع الله، مع إمكان أن يستغاث بالنبي ﷺ فيما يقدر عليه.
الثاني: أنه ﷺ رأى أن ذلك استغاثة ممنوعة؛ لأنه لم يكن قادراً على إغاثتهم من ذلك المنافق؛ وإن كان الذين طلبوا ذلك قد لا يعلمون، فلم يقع منهم ذلك على سبيل الشرك. وقد ذكر هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله عليه-، وهو كون النبي ﷺ لم يكن قادراً على ذلك الرجل، في ذلك الحين (١)، ففي أول الهجرة كان لأهل النفاق سطوة وقوة، حتى قال عبد الله بن أبي بن سلول: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] فقال عمر ﵁: مرني فلأضرب عنقه، فقال النبي ﷺ : "دعه، لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه" (٢)، ثم لما قوي أمر الإسلام، وخضدت شوكة المنافقين، ذكَّر الرسول ﷺ عمر بمقالته، قال: "أما والله لو قتلته يوم أمرتني بقتله، لأرعدت له آنف، لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته" (٣). وهذا يدل على أهمية
стр. 231
السياسة الشرعية، وأنه ينبغي للحاكم الشرعي أن يلاحظ تغير الأحوال، وقوة الإسلام وضعفه، فلا يحمل الناس على أمر لا طاقة لهم به، بل ينظر في عواقب الأمور، ويتبصر، ويميز بين باب السياسة الشرعية، بين باب الثوابت العقدية، وباب السياسة الشرعية، فالثوابت العقدية لا تتغير، وأما السياسة الشرعية فإن فيها من المراوحة ومراعاة المصالح والمفاسد، ما لا يخل بالثوابت العقدية. والله الموفق للحكمة وفصل الخطاب.
قال المصنف ﵀:
وفيه مسائل:
الأولى: أن عطف الدعاء على الاستغاثة من عطف العام على الخاص.
فالدعاء أعم من الاستغاثة، فيشمل دعاء المكروب وغيره، بينما الاستغاثة هي دعاء المكروب،
الثانية: تفسير قوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾.
الخطاب في هذه الآية للنبي ﷺ ، وقرن الحكم بالتعليل، فغير الله لا يملك الضر والنفع، فليس حقيقًا بالدعاء.
الثالثة: أن هذا هو الشرك الأكبر.
وذلك لأن الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦].
الرابعة: أن أصلح الناس لو يفعله إرضاء لغيره صار من الظالمين.
بدلالة هذه الآية، فإذا كان هذا يقال للنبي ﷺ ، وهو إمام الموحدين، إنك إن دعوت غير الله فإنك إذاً من الظالمين، فما بالك بغيره؟! فهو من باب أولى.
стр. 232
الخامسة: تفسير الآية التي بعدها.
وهي قول الله : ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾، وتفسيرها: إذا كان لا يكشف الضر إلا الله وجب أن تكون العبادة له وحده، والاستغاثة به وحده.
السادسة: كون ذلك لا ينفع في الدنيا مع كونه كفراً.
فيكون المشرك قد جمع على نفسه مصيبتين: عدم تحقق مراده، وكون هذا الفعل كفراً.
السابعة: تفسير الآية الثالثة.
وهي: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، وقد تقدم.
الثامنة: أن طلب الرزق لا ينبغي إلا من الله، كما أن الجنة لا تطلب إلا منه.
وهذا معنى يغيب عن كثير من طالبي الرزق، وكل بني آدم يطلب الرزق، فكثير من الناس لا يستشعر أن الرزق من عند الله ، بل يبتغيه من المخلوقين.
التاسعة: تفسير الآية الرابعة.
وهي قوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾، ففيها تسفيه لهم، وتضليل لطريقتهم.
العاشرة: أنه لا أضل ممن دعا غير الله.
بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، أي: لا أحد أضل، فهو اسم تفضيل على بابه، أي: أضل الضالين.
стр. 233
الحادية عشرة: أنه غافل عن دعاء الداعي، لا يدري عنه.
لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾، أي: أن هؤلاء المدعوين غافلون عن دعاء من يدعونهم من دون الله ، فإن كانوا جماداً كالأشجار والأحجار، فهم بطبعهم لا يسمعون، وإن كانوا أمواتاً فكذلك، وإن كانوا ملائكة كراماً، فإنهم مشغولون بعبادة ربهم عن دعاء هؤلاء، متبرئون منهم.
الثانية عشرة: أن تلك الدعوة سبب لبغض المدعو للداعي، وعداوته له.
لأنه قال: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥] وقال: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] فكل مودة أُقيمت على الكفر بالله، فإنها تنقلب عداوة يوم القيامة.
الثالثة عشرة: تسمية تلك الدعوة عبادة للمدعو.
لأنه قال: ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ فسمى الله تعالى دعاءهم عبادة.
الرابعة عشرة: كفر المدعو بتلك العبادة.
لقوله: ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ فالمدعو يتبرأ ويتنصل من هذه العبادة.
الخامسة عشرة: هي سبب كونه أضل الناس.
أي: أن تلك الأمور الأربعة: وهي كونه لا يخرج بطائل من دعائه؛ وكون المدعو غافلاً عن دعائه، وانقلاب مودتهم عداوة يوم القيامة، وكفر المدعو بدعاء الداعي، جعلته أضل الناس.
стр. 234
السادسة عشرة: تفسير الآية الخامسة.
وهي قول الله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾، وقد تقدم.
السابعة عشرة: الأمر العجيب، وهو إقرار عبدة الأوثان: أنه لا يجيب المضطر إلا الله؛ ولأجل هذا يدعونه في الشدائد، مخلصين له الدين.
وهذا أمر عجب فعلاً، ولذلك إذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين، ومع ذلك يدعون غيره في الرخاء! لأن العجب ينتج عن اجتماع أمرين، لا يجتمعان عادةً، أو عقلًا، فلما اجتمعا، أوجبا عجباً.
الثامنة عشرة: حماية المصطفى ﷺ حمى التوحيد، والتأدب مع الله .
نفهم من عبارة المصنف ﵀: أنه رأى أن إنكار النبي ﷺ على من قال: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ أنه لحظ باب مراعاة الأدب في الألفاظ، وإلا فإنه لا يبلغ مبلغ الشرك، باعتبار أنه يمكن أن يغيثهم في هذا الأمر، وهذا أحد التوجهين. والتوجيه الآخر: أن النبي ﷺ لم يكن في ذلك الحين قادراً على إغاثتهم، فكأنهم طلبوا منه ما لا يقدر عليه (١).
стр. 235
باب قول الله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾، [سورة فاطر: ١٣ - ١٤].
وفي الصحيح: عن أنس قال: شُجَّ النبي ﷺ يوم أحد، وكسرت رباعيته، فقال: "كيف يفلح قوم شَجُّوا نبيهم؟ " فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [سورة آل عمران: ١٢٨] (١).
وفيه: عن ابن عمر ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: "اللهم العن فلاناً وفلاناً" بعدما يقول: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد" فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية (٢).
وفي رواية: يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] (٣).
الشرح:
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
لما قرر المصنف ﵀ في الباب السابق أن (من الشرك أن يستغيث بغير الله
стр. 236
أو يدعو غيره) أراد أن يقيم الأدلة النقلية العقلية على بطلان الشرك.
قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ﴾ الهمزة للاستفهام، والاستفهام هنا للإنكار والتوبيخ، والمراد بهم العرب الذي بعث فيهم النبي ﷺ .
قوله: ﴿مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ أي الأصنام، والأشجار، والأحجار، التي يدعونها من دون الله، فيجعلون لها شركاً في العبودية، فالله تعالى يعجّب من حالهم، وينكر عليهم، ويوبخهم، صنيعهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] فلا يمكن أن يكون الخالق والمخلوق سواء. ولهذا أبطل الله تعالى ألوهية الأصنام: بأنها لا تخلق، ولا تملك ضراً، ولا نفعاً، فقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٣] فمن هذه صفته ليس أهلاً للعبادة، لأنهم لا يملكون شيئاً من صفات الربوبية. و (شيئاً) نكرة في سياق النفي، فدلت على أنهم لا يخلقون أدنى شيء، كما أخبر في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣].
قوله: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ أي: أن هؤلاء المدعوين لا يستطيعون نصر من يدعونهم من المشركين، وليس هذا فقط، بل لا يستطيعون الانتصار لأنفسهم، فلو اعتدى عليهم أحد ما استطاعوا رده. ومما يروى في ذلك:
قال ابن هشام: (كَانَ عَمرو بْنُ الجَموح سَيِّدًا مِنْ سَادَاتِ بَنِي سَلمة، وَشَرِيفًا مِنْ أشرافِهم؛ وَكَانَ قَدْ اتَّخَذَ فِي داره صنمًا من خشب، يُقَالُ لَهُ: مَناةُ، كَمَا كَانَتْ الْأَشْرَافُ يَصْنَعُونَ، تَتَّخِذُهُ إِلَهًا تُعَظِّمُهُ وَتُطَهِّرُهُ، فَلَمَّا أَسْلَمَ فِتْيَانُ بَنِي سَلَمة: معاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَابْنُهُ مُعاذ بْنُ عَمْرو بْنِ الجَموح، فِي فِتْيَانٍ مِنْهُمْ مِمَّنْ أَسْلَمَ وَشَهِدَ الْعَقَبَةَ، كَانُوا يُدْلِجُونَ بِاللَّيْلِ عَلَى صَنَمِ عَمرو ذَلِكَ فيحملوِنه فَيَطْرَحُونَهُ فِي بَعْضِ حُفر بَنِي سَلِمَةَ، وَفِيهَا عِذَرُ النَّاسِ، مُنَكَّسًا عَلَى رَأْسِهِ، فَإِذَا أَصْبَحَ عَمْرٌو، قَالَ: وَيْلَكُمْ! مَنْ عَدَا عَلَى آلِهَتِنَا هَذِهِ اللَّيْلَةَ؟ قَالَ: ثُمَّ يَغْدُو
فوائد الآيتين:
١ - إقامة الأدلة العقلية على إبطال الشرك، فالعقل أحد مصادر الاستدلال؛ ولهذا يحيل الله تعالى عليه كثيراً، كقوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] وقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤]. فالعقل السليم من الشهوات والشبهات من أقوى الأدلة الموصلة للحق، وإنما يذم من قدم العقل على النقل، وجعل النقل تابعاً للعقل، وهم المتكلمون والفلاسفة، فيجعلون العقل سيداً متبوعًا، والنقل مسوداً تابعاً، فالعقل أداة، يستنير بنور النقل، ويستضيء به، فلا نعطله، ولا نستقل به.
٢ - إثبات صفة الخلق لله ، فالله تعالى هو الخالق وحده، لا خالق سواه.
٣ - إثبات التدبير لله ؛ لأن النصر بيده.
٤ - الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية، وهي طريقة قرآنية، متكررة، فلما كان هؤلاء المشركون مقرين بأن ألهتهم لا تخلق، بل هي مخلوقة، وبأنها لا تنصرهم، ولا تنصر نفسها، كان من لازم ذلك ألا يعبدوها، ولا محيد لهم عنه.
قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: من دون الله، وهم كُثر، فهناك من يدعو الجن، ومن يدعو الأنبياء والصالحين، ومن يدعو الملائكة، ومن يدعو الأصنام، الحيوانات، وغيرها.
قوله: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ القطمير: هو الغشاء الرقيق الذي يغلف النواة، وهو شيء تافه، لا يمثل ملكاً، ومع ذلك لا يملكونه. فلا شك أن الله، سبحانه، هو المتفرد بالملك، فله ملك السماوات والأرض؛ ولهذا قال في الآية الأخرى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢] أي: فهم لا يملكون استقلالاً، ولا مشاركة، ولا معاونة، فبأي وجه يستحقون العبادة وهم لا يملكون شيئًا؟!
قوله: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ يعني: إذا وقع منكم ذلك ودعوتهم،
стр. 239
لم يسمعوا دعاءكم ﴿وَلَوْ سَمِعُوا﴾ على سبيل التنزل ﴿مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ لأنهم لا يملكون الإجابة، فلا سمع، ولا ملك. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ فيوم القيامة تتبرأ منهم كل هذه المعبودات، سواء منها ما عُبد برضاه، أو بغير رضاه، فإنه يبرأ من عابديه؛ ولهذا يقول الله للملائكة يوم القيامة: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤٠ - ٤١]. قال الله : ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ وهذه جملة محكمة، ذهبت مثلًا، أي: لا يخبرك بعواقب الأمور، ومآلاتها كالخبير، المطلع على بواطن الأمور، ولا أخبر من الله، ولا أعلم منه . وهذه الآية، كقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥ - ٦]، وقوله: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]. فالقرآن مثاني.
مناسبة الآيات للباب:
أنها دالة على ما قصده المصنف ﵀ من إقامة الدليل العقلي على بطلان ألوهية المشركين؛ لكونها لا تملك، ولا تسمع، ولا تستجيب، فلا وجه لدعائها.
فوائد الآيات:
١ - إقامة الدليل العقلي على بطلان الشرك.
٢ - بيان الصفات التي يجب توفرها في المدعو؛ ليصح دعاؤه، وهي: (الملك، والسماع، والاستجابة) وقد انتفت في حق هؤلاء المدعوين، وثبتت في حق الله تعالى، فهو المعبود الحق، فالله تعالى له الملك، وهو سميع الدعاء، وهو الذي يملك الإجابة.
٣ - إثبات اسم الخبير له سبحانه وبحمده.
стр. 240
ثم قال المصنف ﵀:
"وفي الصحيح" المراد هنا: الصحيحان؛ البخاري ومسلم.
قوله: "عن أنس قال: شُجَّ النبي ﷺ " الشج: يكون في الوجه والرأس خاصة، دون سائر الجراحات. وفي البطن تسمى: جائفة.
قوله: "يوم أحد" يوم أحد يوم معروف في الإسلام، وكان في السنة الثالثة من الهجرة، وأحد اسم لجبل، شمالي المدينة، متوحد بين الجبال، وقد ورد الثناء عليه، فقال ﷺ : "أحد جبل يحبنا ونحبه" (١)، وخاطبه يوماً لما رجف بهم، فقال: "اسكن أحد، فليس عليك إلا نبي، وصديق، وشهيدان" (٢)، يعني: نفسه، وأبا بكر، وعمر، وعثمان ﵃ أجمعين-.
قوله: "وكسرت رباعيته" وذلك أنه في يوم أحد، كانت الدائرة أول النهار، للمسلمين، فلما عصوا من بعد ما أراهم ما يحبون، ونزل الرماة من الجبل، كرَّ عليهم خالد بن الوليد بالخيل، فصارت الدائرة للمشركين، ولقي النبي ﷺ من العنت ما الله به عليم؛ فسقط في حفرة من حفر أبي عامر الفاسق، وشج في وجهه الشريف، ودخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنتيه ﷺ ، وكسرت رباعيته، والرباعية: السن الذي قبل الناب، يعني: بين الناب والثنية؛ بسبب ما جرى في ذلك اليوم.
قوله: "كيف يفلح قوم شَجُّوا نبيهم؟ " " قالها النبي ﷺ على سبيل الاستبعاد، ولم يقطع، ولم يجزم، وإنما استفهم أو تعجب، والمقام يقتضي العجب. فاستدرك الله عليه، وأنزل:
قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ فالأمر كله لله، يقضي ما يشاء، ويحكم ما يريد.
مناسبة الحديث، والآية للباب:
فإذا كان النبي ﷺ لم يدفع عن نفسه الأذى، ويقال له: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ
стр. 241
شَيْءٌ﴾، فكيف ينتظر ممن دونه أن يدفع عن غيره، أو أن يكون له من الأمر شيء؟ فهذا دليل عقلي نقلي على بطلان دعاء المشركين والقبوريين لمعبوديهم، وأنه ليس لهم من الأمر شيء، من باب أولى.
فوائد الحديث والآية:
١ - بطلان دعاء الأولياء والصالحين؛ فإذا كان النبي ﷺ لا يملك من الأمر شيئاً، فكيف بمن دونه؟
٢ - وقوع البلاء على الأنبياء والصالحين. وفي حديث سعد بن أبي وقاص، قال: قلت: يا رسول الله أي الناس أشد بلاء؟ قال: "الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى العبد على حسب دينه، فإن كان في دينه صلباً أشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد، حتى يتركه يمشي على الأرض، وما عليه من خطيئة" (١). فلا يبتئس المسلم إذا وقع عليه بلاء، فليس هذا علامة هوان على الله بل كونه دليل كرامة أقرب. ولكن العبد يسأل الله العافية، كما في الحديث: "سلوا الله العافية، فإنه لم يعط عبد شيئاً أفضل من العافية" (٢).
٣ - وجوب التوكل على الله ، وتفويض الأمر إليه.
٤ - وجوب الصبر على أقدار الله المؤلمة، فإذا وقع على الإنسان ما يكرهه، فلا يسخط.
٥ - الصبر على الدعوة إلى الله، وما يلقى في سبيلها.
٦ - عدم اليأس من روح الله؛ فيوم أحد جرى فيه ما جرى من الانتكاسة الظاهرة على المسلمين، لكن حصل بعد ذلك من الآثار الحميدة ما أحال المحنة منحة، والنقمة نعمة. وهكذا ينبغي للمؤمن أن يحسن الظن بربه، فقد جاء في الحديث: "إن الله لا يقضي للمؤمن قضاء إلا كان خيراً له" (٣)، لكن هذا يحتاج
стр. 242
إلى قلوب واثقة، مطمئنة. فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط. فمن عقد قلبه على هذا المعنى، فليبشر، فعما قريب سينقشع البلاء، ويتكشف عن خير عميم، وبركة مذخورة.
ثم قال المصنف ﵀:
قوله: "وفيه" أي: في صحيح البخاري.
قوله: "عن ابن عمر ﵄" هو عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ وعن أبيه- كانت وفاته سنة (٧٣ هـ) وهو من فقهاء الصحابة، ومحدثيهم.
قوله: "أنه سمع رسول الله ﷺ يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر" كان ذلك بعد أن كسرت رباعيته، وشج رأسه الشريف يوم أحد.
قوله: "اللهم العن فلاناً وفلاناً" اللعن: هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وقد لعن النبي ﷺ أشخاصًا معيّنين، سيأتي ذكرهم في الرواية الأخرى.
قوله: "بعد ما يقول: "سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد" " أي: بعد الرفع من الركوع والتسميع. والمراد بالسمع هنا: سمع الإجابة، أي: تقبل، فهذه الجملة دعائية. وأما الحمد: فهو وصف الله تعالى بصفات الكمال، ونعوت الجلال.
قوله: "فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية. وفي رواية: يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ " هؤلاء الثلاثة كانوا مشركين يوم أحد، وأسلموا عام الفتح، فحين لعنهم النبي ﷺ استدرك الله عليه ذلك، وقال: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾، لأنه سبق في علم الله أن هؤلاء الثلاثة سيسلمون، ويحسن إسلامهم. ولا تعارض بين حديث ابن عمر، وحديث أنس السابق، قال ابن حجر، ﵀: (وَطَرِيق الْجمع بَينه وَبَين حَدِيث بن عُمَرَ أَنَّهُ ﷺ دَعَا عَلَى الْمَذْكُورِينَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي صَلَاتِهِ فَنَزَلَتِ الْآيَةُ فِي الْأَمْرَيْنِ مَعًا فِيمَا وَقَعَ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ الْمَذْكُورِ وَفِيمَا نَشَأَ عَنْهُ مِنَ الدُّعَاءِ عَلَيْهِمْ وَذَلِكَ كُلُّهُ فِي أُحُدٍ) (١)
стр. 243
مناسبة الحديث للباب:
أن النبي ﷺ لا يملك أن يحكم على غيره، بل الأمر لله. فدل ذلك على وجوب إفراد الله تعالى بالدعاء والعبادة، فإذا كان نبيه لا يملك ذلك، فغيره فمن باب أولى.
فوائد الحديث:
١ - بطلان التعلق بالأولياء والصالحين؛ لقضاء الحاجات، وتفريج الكربات، والرد على القبوريين الذين يقولون: إنهم يدعون هؤلاء الصالحين لمنزلتهم عند الله، فيقال: هذا نبي الله ﷺ يقال له: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] فكيف بمن دونه؟ فيجب توحيد الله تعالى بالعبادة والدعاء.
٢ - جواز الدعاء على مشرك معين في الصلاة؛ لدعائه ﷺ على هؤلاء الثلاثة، وأما لعن المعين فقد ورد النهي عنه، والفرق بين الدعاء واللعن، أن اللعن يقتضي الطرد والإبعاد عن رحمة الله، والدعاء قد يقتضي عقوبة دون ذلك.
٣ - أن الإمام يجمع بين التسميع والتحميد؛ لقول ابن عمر: بعد ما يقول: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد" وكذا المنفرد، وأما المأموم فإنه يقتصر على التحميد؛ لأن الإمام يقول: سمع الله لمن حمده، فيجيبه المأموم: "ربنا ولك الحمد" (١)، أو "ربنا لك الحمد" (٢)، أو "اللهم ربنا ولك الحمد" (٣)، أو "اللهم ربنا لك الحمد" (٤)، فهذه أربع صيغ، كلها ثابتة.
стр. 244
قال المصنف ﵀:
وفيه: عن أبي هريرة ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ حين أنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] قال: "يا معشر قريش -أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية عمة رسول الله ﷺ لا أغني عنك من الله شيئاً، ويا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئاً" (١).
الشرح:
قوله: "وفيه" أي: في صحيح البخاري.
قوله: "عن أبي هريرة ﵁" لعل هذا أول موضع يرد فيه ذكر أبي هريرة في كتاب التوحيد. وأبو هريرة، ﵁، علم مشهور، واسمه عبد الرحمن بن صخر الدوسي، وكان إسلامه في السنة السادسة من الهجرة، في فتح النبي ﷺ لخيبر، وقد قدم مع الطفيل بن عمرو الدوسي، الذي كان سبب إسلام قبيلته، فأقبل على تعلم العلم، وحفظ الحديث، ودعا له النبي ﷺ بالحفظ، حتى أنه روي عنه أكثر من خمسة آلاف حديث، فهو أكثر الصحابة حديثاً، وتوفي سنة سبع، وقيل ثمان، وقيل تسع وخمسين.
قوله: "قام رسول الله ﷺ حين أنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ أبو هريرة ﵁ تلقى هذا عن الصحابة؛ لأنه لم يشهد هذا القيام، فهذا الحديث يعد مرسل صحابي، وله حكم الاتصال؛ لأن الصحابة -رضوان الله عليهم- عدول كلهم.
جاء في بعض الروايات: أنه صعد على الصفا (٢)، فيكون هذا القيام قيامه
стр. 245
على الصفا، والصفا هو سفح جبل أبي قبيس، كما أن المروة سفح جبل قعيقعان، والسعي يقع بينهما، وقد قال النبي ﷺ : "أبدأ بما بدأ الله به" (١): ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] وهو قريب من مجالس قريش، إذ كانوا يتحلقون حول البيت، فامتثل النبي ﷺ أمر ربه، فقام. قوله: "يا معشر قريش" المعشر: هم الجماعة، مأخوذ من العشرة، وقريش: هي القبيلة العربية الشريفة التي ينتمي إليها النبي ﷺ .
قوله: "أو كلمةً نحوها" يعني: شك من الراوي، هل قال: يا معشر قريش، أو كلمة قريبة منها، وهذا يفيد فائدة حديثية: وهو جواز الرواية بالمعنى، بشروط، أهمها: ألا يخل بالمعنى، وألا يكون ذلك من ألفاظ الأذكار المتعبد بها. و (كلمةً) بالنصب على تقدير فعل محذوف، أي: أو قال. قوله: "اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئاً" الشراء، هو أحد طرفي المعاوضة؛ لأن المعاوضة تقوم على بيع وشراء، فكأنه نبّه على هذا المعنى العظيم، يعني: اعتقوا أنفسكم بشرائها، وشراؤها يكون بالإيمان بالله وحده، والدخول في عقد الإسلام.
قوله: "فعم، ثم خصّ" أي: بعد أن عمم الخطاب لقريش، خص الأقربين؛ لأن الله تعالى قال له: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤].
قوله: "يا عباسُ بن عبد المطلب" (يا عباسُ) بالرفع على الأصل؛ لأنه منادى مفرد علم، ويجوز فيه النصب إتباعاً لفتحة (ابن). والعباس عم النبي ﷺ ، أظهر إسلامه عام الفتح.
قوله: "لا أغني عنك من الله شيئاً" أخبره النبي ﷺ أنه لا يغني عنه من الله شيئاً، رغم قرابته، إذا لم يؤمن به، ويقبل ما جاء به من التوحيد، وترك الشرك به.
قوله: "يا صفية عمة رسول الله ﷺ ، لا أغني عنك من الله شيئاً، ويا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئاً" نادى النبي ﷺ
стр. 246
هؤلاء الأقربين؛ عمه وعمته وابنته وهم أقرب الناس إليه، وقصد التنبيه، وإلا فعشيرته الأقربون أكثر من هؤلاء، لكنه أراد الامتثال الدقيق لأمر ربه، فنادى فعم وخص. وقوله في شأن فاطمة خاصة: "سليني من مالي ما شئت" يدل على وجوب النفقة على الأبناء والبنات، ولم يقل هذا بالنسبة للعم والعمة.
مناسبة الحديث للباب:
جلية واضحة وهي أن محمداً بن عبد الله ﷺ سيد ولد آدم، وحامل لواء الحمد يوم القيامة، يعلنها صريحة مدوِّية: أنه لا يغني عن أحد شيئاً، فكيف بمن دونه ممن يُدعى من دون الله؟! ففيه أعظم الرد على من يتوجهون إلى الأولياء والصالحين، ويقصدون قبورهم، ويسألونهم أموراً لا تسأل إلا من الله .
فوائد الحديث:
١ - الرد على عباد القبور، والأنبياء، والصالحين.
٢ - أنه لا يجوز أن يُسأل العبد ما لا يقدر عليه إلا الله، فإن فعل فقد أشرك.
٣ - سرعة استجابة النبي ﷺ لأمر ربه، ودقته في امتثاله. وهذه فائدة تربوية، فينبغي لمن علم علماً أن يبادر إلى فعله، وألا يقول: واجب أو سنة! محرم أو مكروه! كما يقع من كثير من الناس اليوم. فما كان الصحابة -رضوان الله عليهم- يفعلون هذا، مع أوامر النبي ﷺ ومناهيه، إنما كانوا إذا أُمروا بأمر وأطاقوه، فعلوه، وإذا نُهوا عن شيء اجتنبوه، كما قال نبينا ﷺ : "فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (١). فليعود المسلم نفسه على الامتثال، ولا يكن كهيئة المماكس في السوق، الذي يلح على البائع أن يخفض له في الثمن. فإن استطاع المسلم أن يفعل ما أمره الله به فليفعله، مستشعراً عبوديته لله تعالى، وإلا فليأتِ منه ما استطاع، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وإذا نهاه الله عن شيء فليكف عنه، فإنه ما نهاه عنه إلا وهو يقدر على تركه. فنبينا ﷺ بادر بالامتثال.
стр. 247
وقد كان من السلف الصالح من إذا بلغه الحديث عن النبي ﷺ بادر بالتأسي والامتثال، حتى إن الإمام أحمد لما بلغه أن النبي ﷺ احتجم، وأعطى أبا طيبة الحجام ديناراً، ذهب واحتجم، وأعطى الحجام ديناراً (١).
وكان محمد بن أسلم الطوسي، الإمام المتفق على إمامته، وعلو رتبته، أتبع الناس للسنة في زمانه، حتى قال: "ما بلغني سنة عن رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم- إلا عملتُ بها، ولقد حرصتُ على أن أطوف بالبيت راكباً، فما مُكنت من ذلك" (٢)، ولهم في ذلك عجائب في حرصهم على إتباع السنة.
٤ - أن الوسيلة المنجية بين العبد وربه هي الإيمان، والعمل الصالح؛ لقوله: "اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئاً" وأن الوسائل الشركية لا تجدي عنه شيئاً، بل لا تزيده من ربه إلا بعداً.
٥ - أن البداءة بالأقربين مقدمة؛ فينبغي للإنسان أن يجتهد في نفع ذويه، وأقرب الناس إليه، خلافاً لما يقع من بعض الدعاة، وطلبة العلم، فربما نشروا علمهم، ودعوتهم في الخافقين، وأقرب الناس إليهم لم ينتفع بهم، وهذا خطأ في الترتيب، فيجب أن يبدأ الإنسان بمن حوله، الأقرب فالأقرب، ثم ينتقل إلى من بعدهم.
قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الآيتين.
أي: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾ [الأعراف: ١٩٢] وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣] فكل من سوى الله لا يستقل بملك ولا تدبير.
стр. 248
الثانية: قصة أحد.
وما تضمنته من نفي "الأمر" عن النبي ﷺ ، فمن دونه من المدعوين من باب أولى.
الثالثة: قنوت سيد المرسلين، وخلفه سادات الأولياء، يؤمنون في الصلاة.
أي: أن النبي ﷺ كان يقنت في صلاة الصبح، حينما يرفع من الركوع، في الركعة الثانية، ويدعو على بعض الأعيان، ويؤمن خلفه سادات الأولياء، وهم الصحابة -رضوان الله عليهم-. وقنوت النوازل مشروع، ومشروعيته باقية؛ وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن هذا القنوت مشروع في كل صلاة فجر. ولكن الصحيح: أن هذا قنوت مرتبط بنازلة، فلا يداوم عليه، وقد قنت النبي ﷺ في مواطن عدة، ومنها: أنه قنت شهراً يدعو على رعل، وذكوان، وعصية (١) بأسمائهم.
الرابعة: أن المدعو عليهم كفار.
المدعو عليهم كانوا كفاراً، وهم الثلاثة الذين جرى ذكر أسمائهم، وكأن المصنف ﵀ يشير إلى أنه لا يقنت على مسلم، ويمكن أن يكون ذلك مختصاً بوصف اللعن؛ لأنه لعنهم.
الخامسة: أنهم فعلوا أشياء ما فعلها غالب الكفار، منها: شجهم نبيهم، وحرصهم على قتله، ومنها: التمثيل بالقتلى، مع أنهم بنو عمهم.
وهذا يدل على الفجور في الخصومة، وشدة العداوة، كما قال تعالى عن المشركين: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ [التوبة: ١٠]، وهذا ما حمل النبي ﷺ على القنوت عليهم.
стр. 249
السادسة: أنزل الله عليه في ذلك: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾.
أي: مع ما بدر منهم من سوء المعاملة، والفجور في الخصومة، وشج وجهه الشريف، والتمثيل بالقتلى، وغير ذلك، إلا أنه قيل له: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ أي: فلا تدعُ عليهم باللعن، فالأمر كله لله.
السابعة: قوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾؛ فتاب عليهم، وآمنوا.
هذا ما وقع بعد ذلك، فكل هؤلاء الثلاثة: سهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، والحارث بن هشام، أسلموا عام الفتح، وحسن إسلامهم.
الثامنة: القنوت في النوازل.
أي: مشروعية القنوت في النوازل، وقد تقدم، ولكن هذه المسألة لها فروع فقهية، منها: هل يكون القنوت في النوازل من اختصاص الإمام؟ وهل يختص به مسجد دون آخر؟ فهذا مما اختلف فيه أهل العلم: فذهب بعض أهل العلم: إلى أن القنوت يختص بمسجد الإمام الأعظم. وذهب آخرون: إلى أن القنوت يكون في كل مسجد، والراجح: أن القنوت لا يختص بمسجد الإمام الأعظم، بل يمكن أن يكون في كل مسجد. وأما افتقار القنوت إلى إذن الإمام، فالراجح: أنه لا بد أن يكون القنوت بإذن الإمام؛ لأن الناس قد يختلفون في تقدير النازلة، فتجد من الناس من يرى أن هذه نازلة، وآخر لا يراها نازلة، فيقع الاختلاف بسبب هذا، ومن المعلوم أن الشارع الحكيم يتشوف إلى جمع الكلمة، وأن يكون مظهر الأمة واحداً.
التاسعة: تسمية المدعو عليهم في الصلاة بأسمائهم، وأسماء آبائهم.
فقد سمى النبي ﷺ صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، بأسمائهم، وأسماء آبائهم، فدل على الجواز، فإذا كان في تسمية المدعو عليهم، أو لهم، مصلحة، جاز؛ لأنه لا يعد من كلام الناس، بل هو دعاء، والدعاء مخاطبة الله تعالى.
стр. 250
العاشرة: لعن المعين في القنوت.
لرواية: "اللهم العن فلاناً وفلاناً" فإن أراد المصنف ﵀ أن هذا أمر وقع، ثم نهي عنه فلا إشكال، وإن أراد أنه يُستفاد من هذا جواز لعن المعين في القنوت، ففيه نظر؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك، فلا يجوز لعن المعين، بخلاف الدعاء عليه؛ لأن الدعاء أوسع؛ واللعن دعاء بالطرد والإبعاد عن رحمة الله، لكن اللعن على سبيل العموم جائز، كما تقدم، كأن يقول الإنسان: اللهم العن الكفرة، اللهم العن اليهود والنصارى، اللهم العن الله من غير منار الأرض، ونحو ذلك، فاللعن بالوصف جائز فيما ورد، أما اللعن بالشخص، فلا يجوز.
الحادية عشرة: قصته ﷺ لما أنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾.
وقد تقدم بيان القصة، وتمامها: أن النبي ﷺ قال: "أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلاً تخرج من سفح هذا الجبل، أكنتم مصدقي؟ " قالوا: ما جربنا عليك كذباً، قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" قال أبو لهب: تباً لك، ما جمعتنا إلا لهذا؟ ثم قام، فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] (١).
الثانية عشرة: جدّه ﷺ في هذا الأمر، بحيث فعل ما نسب بسببه إلى الجنون، وكذلك لو يفعله مسلم الآن.
أي: جده ﷺ في امتثال أمر ربه، فلم يحل بينه وبين تنفيذ الأمر مخاوف وتحسبات، بل مضي في أمر ربه، وفي هذا تنبيه لمن يباشر الدعوة إلى التوحيد، أنه قد ينسب إلى الجنون، أو غير ذلك من ألقاب السوء، فليحتمل كما احتمل نبي الله ﷺ .