هؤلاء الأقربين؛ عمه وعمته وابنته وهم أقرب الناس إليه، وقصد التنبيه، وإلا فعشيرته الأقربون أكثر من هؤلاء، لكنه أراد الامتثال الدقيق لأمر ربه، فنادى فعم وخص. وقوله في شأن فاطمة خاصة: "سليني من مالي ما شئت" يدل على وجوب النفقة على الأبناء والبنات، ولم يقل هذا بالنسبة للعم والعمة.
مناسبة الحديث للباب:
جلية واضحة وهي أن محمداً بن عبد الله ﷺ سيد ولد آدم، وحامل لواء الحمد يوم القيامة، يعلنها صريحة مدوِّية: أنه لا يغني عن أحد شيئاً، فكيف بمن دونه ممن يُدعى من دون الله؟! ففيه أعظم الرد على من يتوجهون إلى الأولياء والصالحين، ويقصدون قبورهم، ويسألونهم أموراً لا تسأل إلا من الله .
فوائد الحديث:
١ - الرد على عباد القبور، والأنبياء، والصالحين.
٢ - أنه لا يجوز أن يُسأل العبد ما لا يقدر عليه إلا الله، فإن فعل فقد أشرك.
٣ - سرعة استجابة النبي ﷺ لأمر ربه، ودقته في امتثاله. وهذه فائدة تربوية، فينبغي لمن علم علماً أن يبادر إلى فعله، وألا يقول: واجب أو سنة! محرم أو مكروه! كما يقع من كثير من الناس اليوم. فما كان الصحابة -رضوان الله عليهم- يفعلون هذا، مع أوامر النبي ﷺ ومناهيه، إنما كانوا إذا أُمروا بأمر وأطاقوه، فعلوه، وإذا نُهوا عن شيء اجتنبوه، كما قال نبينا ﷺ : "فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (١). فليعود المسلم نفسه على الامتثال، ولا يكن كهيئة المماكس في السوق، الذي يلح على البائع أن يخفض له في الثمن. فإن استطاع المسلم أن يفعل ما أمره الله به فليفعله، مستشعراً عبوديته لله تعالى، وإلا فليأتِ منه ما استطاع، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وإذا نهاه الله عن شيء فليكف عنه، فإنه ما نهاه عنه إلا وهو يقدر على تركه. فنبينا ﷺ بادر بالامتثال.
стр. 247
وقد كان من السلف الصالح من إذا بلغه الحديث عن النبي ﷺ بادر بالتأسي والامتثال، حتى إن الإمام أحمد لما بلغه أن النبي ﷺ احتجم، وأعطى أبا طيبة الحجام ديناراً، ذهب واحتجم، وأعطى الحجام ديناراً (١).
وكان محمد بن أسلم الطوسي، الإمام المتفق على إمامته، وعلو رتبته، أتبع الناس للسنة في زمانه، حتى قال: "ما بلغني سنة عن رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم- إلا عملتُ بها، ولقد حرصتُ على أن أطوف بالبيت راكباً، فما مُكنت من ذلك" (٢)، ولهم في ذلك عجائب في حرصهم على إتباع السنة.
٤ - أن الوسيلة المنجية بين العبد وربه هي الإيمان، والعمل الصالح؛ لقوله: "اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئاً" وأن الوسائل الشركية لا تجدي عنه شيئاً، بل لا تزيده من ربه إلا بعداً.
٥ - أن البداءة بالأقربين مقدمة؛ فينبغي للإنسان أن يجتهد في نفع ذويه، وأقرب الناس إليه، خلافاً لما يقع من بعض الدعاة، وطلبة العلم، فربما نشروا علمهم، ودعوتهم في الخافقين، وأقرب الناس إليهم لم ينتفع بهم، وهذا خطأ في الترتيب، فيجب أن يبدأ الإنسان بمن حوله، الأقرب فالأقرب، ثم ينتقل إلى من بعدهم.
قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الآيتين.
أي: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾ [الأعراف: ١٩٢] وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣] فكل من سوى الله لا يستقل بملك ولا تدبير.
стр. 248
الثانية: قصة أحد.
وما تضمنته من نفي "الأمر" عن النبي ﷺ ، فمن دونه من المدعوين من باب أولى.
الثالثة: قنوت سيد المرسلين، وخلفه سادات الأولياء، يؤمنون في الصلاة.
أي: أن النبي ﷺ كان يقنت في صلاة الصبح، حينما يرفع من الركوع، في الركعة الثانية، ويدعو على بعض الأعيان، ويؤمن خلفه سادات الأولياء، وهم الصحابة -رضوان الله عليهم-. وقنوت النوازل مشروع، ومشروعيته باقية؛ وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن هذا القنوت مشروع في كل صلاة فجر. ولكن الصحيح: أن هذا قنوت مرتبط بنازلة، فلا يداوم عليه، وقد قنت النبي ﷺ في مواطن عدة، ومنها: أنه قنت شهراً يدعو على رعل، وذكوان، وعصية (١) بأسمائهم.
الرابعة: أن المدعو عليهم كفار.
المدعو عليهم كانوا كفاراً، وهم الثلاثة الذين جرى ذكر أسمائهم، وكأن المصنف ﵀ يشير إلى أنه لا يقنت على مسلم، ويمكن أن يكون ذلك مختصاً بوصف اللعن؛ لأنه لعنهم.
الخامسة: أنهم فعلوا أشياء ما فعلها غالب الكفار، منها: شجهم نبيهم، وحرصهم على قتله، ومنها: التمثيل بالقتلى، مع أنهم بنو عمهم.
وهذا يدل على الفجور في الخصومة، وشدة العداوة، كما قال تعالى عن المشركين: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ [التوبة: ١٠]، وهذا ما حمل النبي ﷺ على القنوت عليهم.
стр. 249
السادسة: أنزل الله عليه في ذلك: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾.
أي: مع ما بدر منهم من سوء المعاملة، والفجور في الخصومة، وشج وجهه الشريف، والتمثيل بالقتلى، وغير ذلك، إلا أنه قيل له: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ أي: فلا تدعُ عليهم باللعن، فالأمر كله لله.
السابعة: قوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾؛ فتاب عليهم، وآمنوا.
هذا ما وقع بعد ذلك، فكل هؤلاء الثلاثة: سهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، والحارث بن هشام، أسلموا عام الفتح، وحسن إسلامهم.
الثامنة: القنوت في النوازل.
أي: مشروعية القنوت في النوازل، وقد تقدم، ولكن هذه المسألة لها فروع فقهية، منها: هل يكون القنوت في النوازل من اختصاص الإمام؟ وهل يختص به مسجد دون آخر؟ فهذا مما اختلف فيه أهل العلم: فذهب بعض أهل العلم: إلى أن القنوت يختص بمسجد الإمام الأعظم. وذهب آخرون: إلى أن القنوت يكون في كل مسجد، والراجح: أن القنوت لا يختص بمسجد الإمام الأعظم، بل يمكن أن يكون في كل مسجد. وأما افتقار القنوت إلى إذن الإمام، فالراجح: أنه لا بد أن يكون القنوت بإذن الإمام؛ لأن الناس قد يختلفون في تقدير النازلة، فتجد من الناس من يرى أن هذه نازلة، وآخر لا يراها نازلة، فيقع الاختلاف بسبب هذا، ومن المعلوم أن الشارع الحكيم يتشوف إلى جمع الكلمة، وأن يكون مظهر الأمة واحداً.
التاسعة: تسمية المدعو عليهم في الصلاة بأسمائهم، وأسماء آبائهم.
فقد سمى النبي ﷺ صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، بأسمائهم، وأسماء آبائهم، فدل على الجواز، فإذا كان في تسمية المدعو عليهم، أو لهم، مصلحة، جاز؛ لأنه لا يعد من كلام الناس، بل هو دعاء، والدعاء مخاطبة الله تعالى.
стр. 250
العاشرة: لعن المعين في القنوت.
لرواية: "اللهم العن فلاناً وفلاناً" فإن أراد المصنف ﵀ أن هذا أمر وقع، ثم نهي عنه فلا إشكال، وإن أراد أنه يُستفاد من هذا جواز لعن المعين في القنوت، ففيه نظر؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك، فلا يجوز لعن المعين، بخلاف الدعاء عليه؛ لأن الدعاء أوسع؛ واللعن دعاء بالطرد والإبعاد عن رحمة الله، لكن اللعن على سبيل العموم جائز، كما تقدم، كأن يقول الإنسان: اللهم العن الكفرة، اللهم العن اليهود والنصارى، اللهم العن الله من غير منار الأرض، ونحو ذلك، فاللعن بالوصف جائز فيما ورد، أما اللعن بالشخص، فلا يجوز.
الحادية عشرة: قصته ﷺ لما أنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾.
وقد تقدم بيان القصة، وتمامها: أن النبي ﷺ قال: "أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلاً تخرج من سفح هذا الجبل، أكنتم مصدقي؟ " قالوا: ما جربنا عليك كذباً، قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" قال أبو لهب: تباً لك، ما جمعتنا إلا لهذا؟ ثم قام، فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] (١).
الثانية عشرة: جدّه ﷺ في هذا الأمر، بحيث فعل ما نسب بسببه إلى الجنون، وكذلك لو يفعله مسلم الآن.
أي: جده ﷺ في امتثال أمر ربه، فلم يحل بينه وبين تنفيذ الأمر مخاوف وتحسبات، بل مضي في أمر ربه، وفي هذا تنبيه لمن يباشر الدعوة إلى التوحيد، أنه قد ينسب إلى الجنون، أو غير ذلك من ألقاب السوء، فليحتمل كما احتمل نبي الله ﷺ .
стр. 251
الثالثة عشرة: قوله للأبعد والأقرب: "لا أغني عنك من الله شيئاً"، حتى قال: "يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئاً)، فإذا صرح ﷺ وهو سيد المرسلين بأنه لا يغني شيئاً عن سيدة نساء العالمين، وآمن الإنسان أنه ﷺ لا يقول إلا الحق، ثم نظر فيما وقع في قلوب خواص الناس اليوم، تبيّن له ترك التوحيد، وغربة الدين.
صدق ﵀، فقد تكلم عن بصيرة ومعاناة، وأدرك من حال الناس ما حمله على أن يغضب لله، ويصنف هذا الكتاب النافع، ويقيم الأدلة النقلية والعقلية على وجوب توحيد الله، وكان كثير من الناس في زمنه، ولا يزال في زمننا هذا من يكون له تعلق بالأشخاص، ويظن أن فلاناً، وفلاناً، يملكون نفعه وضره، مع أن سيد الأنبياء والمرسلين يقول: "لا أغني عنكم من الله شيئاً"، يقوله للبعيد والقريب، فأين هؤلاء عن مثل هذه النصوص؟
فيجب على كل مؤمن توحيد الوجهة والقبلة، فلا يلتفت إلى غير الله في دعائه.
стр. 252
باب قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾
وفي الصحيح: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله، كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم ذلك، حتى إذا فُزِّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض، وصفه سفيان بكفه، فحرفها، وبدد بين أصابعه، فيسمع الكلمة، فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها عن لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا، فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء" (١).
وعن النواس بن سمعان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي، أخذت السماء منه رجفة، أو قال: رعدة شديدة، خوفاً من الله ، فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا، وخروا لله سجداً، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة، كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق، وهو العلي الكبير، فيقولون: كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله (٢).
стр. 253
الشرح:
يقول المصنف ﵀: "باب: قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣] " هذه الآية تبين حال الملائكة حينما يتكلم الله بالوحي، وما يلحقهم من جراء ذلك من فزع عظيم، وخوف ورهبة، من المتكلم ، كما سيأتي مفسراً في الحديثين بعده.
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
مناسبة عظيمة، وهي أنه إذا كان هؤلاء الملائكة الكرام العظام الكبار العارفين بالله، القريبين منه، يدركهم هذا الفزع، من جراء سماع كلام الله ، فكيف يتعلق بهم المشركون؟! فالأولى أن يتعلقوا بخالقهم، وموجدهم، سبحانه وبحمده.
قوله ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ﴾ معنى (فُزِّع عن) أي: زال عنها الفزع الذي حصل لهم جراء سماعهم لكلام الله ، كما سيأتي، في حديثي أبي هريرة، والنواس بن سمعان، ﵄.
قوله: ﴿عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ هذا يدل على أن الملائكة خلق حقيقي لهم قلوب، وليسوا مجرد قوى معنوية، كما زعم بعض العصرانيين العقلانيين، بل خلقهم الله تعالى من نور، ولهم أجنحة، كما قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر: ١] وقد ثبت أن النبي ﷺ رأى جبريل في صورته التي خلقه الله عليها مرتين، له ستمائة جناح، قد سد الأفق (١)، وقال: "أُذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش، إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام" (٢)، ومع أن
стр. 254
هذه صفتهم، فإنه إذا فزع عن قلوبهم -أي زال عنها الفزع- قال بعضهم لبعض: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾؟ وهذا لتشوفهم للعلم، ورغبتهم في إدراك ما تكلم به الرب سبحانه قوله: ﴿قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ وتفصيل ذلك يأتي في حديث النواس بن سمعان، وأنهم يسألون جبريل، فيخبرهم جبريل، فيقول بعضهم لبعض: قال الحق وهو العلي الكبير. فأثبتوا لله هذين الاسمين الشريفين:
الأول: العلي: وهو يدل على صفة العلو، وعلو الله تعالى ثلاثة أنواع:
١ - علو القهر: أي: الغلبة، فلا شك أن الله تعالى علا جميع خلقه بقهره، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨].
٢ - وعلو القدر: ومعناه: أن الله له المثل الأعلى، فصفاته قد بلغت أكمل غاية الكمال، فلا يماثله أحد في أسمائه وصفاته.
٣ - وعلو الذات: ومعناه: أن الله بذاته، فوق عباده، مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، ليس فيه شيءٌ من خلقه، ولا في خلقه شيءٌ منه.
فأما النوعان الأولان، فلا يخالف فيهما أحد من أهل القبلة، وهما علو القدر، وعلو القهر. وأما النوع الثالث: فهو الذي وقع فيه الخلاف بين أهل القبلة، فأهل السنة والجماعة، من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، يثبتونه على حقيقته اللائقة بالله، خلافاً لأهل الحلول والتمثيل، وأهل التحريف والتعطيل. وقد تظافرت نصوص الكتاب والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة، على ذلك، وبسطها في غير هذا الموضع.
وأما أهل الأهواء الزائغة، فكلهم ينفي عن الله صفة علو الذات، وبعضهم يقول: هو في كل مكان! تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، ومنهم من ينفي عنه جميع الجهات، حتى يقولون: لا أمام، ولا خلف، ولا فوق، ولا تحت، ولا يمين، ولا شمال!، وهذا يقتضي القول بالعدم؛ ولهذا قال عبد الله بن المبارك ﵀: "وإنما يحاولون أن يقولوا: ليس في السماء إله" (١)، فمؤدى قولهم، وغرض بعضهم: إنكار وجود الله .
стр. 255
الثاني: الكبير: والمقصود به: الذي لا أكبر منه -سبحانه -، ولا أعظم منه، في ذاته وصفاته.
فوائد الآية:
١ - الرد على جميع المشركين الذين يَدعُون غير الله، فإن أعظم المخلوقات التي تُدعى من دون الله هم الملائكة، فإذا كانت هذه حالهم من الفزع من الله، والتعظيم لجنابه، فمن دونهم من المدعوين أضعف وأقل، كيف يدعون من دون الله؟!
٢ - إثبات الكلام لله ؛ لقوله: ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.
٣ - أن كلام الله غير مخلوق، ووجه ذلك: أنهم قالوا: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ ولم يقولوا: ماذا خلق ربكم، خلافاً لما ذهبت إليه المعتزلة.
٤ - أن كلام الله متعلق بمشيئته، أي: أنه يتكلم متى شاء، كيف شاء، بما شاء، خلافاً للأشاعرة، والماتريدية، والكلابية، الذين يقولون: إن كلام الله هو المعنى القديم القائم في ذاته، وينكرون أنه يتكلم الله بحسب الوقائع. فهذه الآية دلت على أنه يتكلم متى شاء؛ لأنه قال: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ف (إذا) تدل على الظرفية، فرتب الفزع الحادث على الكلام.
٥ - إثبات اسمين من أسماء الله الحسنى، وهما: العلي والكبير.
٦ - إثبات وصفين من صفات الله، وهما: العلو والكِبَر.
والقاعدة: أن كل اسم من أسماء الله يتضمن صفة، ولا يلزم العكس، فليس إثبات الصفة يقتضي إثبات الاسم. فقد أثبت الله لنفسه صفة المجيء بقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢] وليس من أسمائه "الجائي"، ووأثبت لنفسه الإرادة بقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وليس من أسمائه "المريد"؛ فكل اسم يتضمن صفة، ولا يلزم أن تتضمن الصفة اسماً.
٧ - إثبات عظمة الله .
٨ - فضل الملائكة الكرام.
стр. 256
ثم قال المصنف ﵀: "في الصحيح" المراد هنا: صحيح البخاري.
قوله: "إذا قضى الله الأمر" " أي: تكلم به، فالمقصود: بقضائه هنا: تَكَلُّمُهُ به؛ كما قال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] فقضاؤه يكون بالتكلم بما يريده سبحانه، كما سيأتي مفسراً في الحديث الذي بعده.
قوله: "في السماء" لأنه في السماء، سبحانه وبحمده، كما قال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٦، ١٧]. والمراد: على السماء.
قوله: "ضربت الملائكة" الملائكة: جمع ملك، وأصله مألك من الألوكة، وهي الرسالة. وهم عالم غيبي، خلقهم الله من نور، وسخرهم في عبادته، وتسبيحه، وتقديسه، ومنحهم القوى الخارقة على تنفيذ أمره، وليس لهم من خصائص الربوبية والألوهية شيء، بل هم: ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٩]
قوله: "بأجنحتها خَضَعاناً لقوله" بفتح الخاء والضاد، ويصح بضم الخاء وتسكين الضاد. أي: تذللاً وخضوعاً لكلامه الذي صدر منه سبحانه وبحمده.
قوله: "كأنه سلسلة على صفوان، ينفذهم ذلك" هذا ليس تشبيهاً لصوت الرب ، ولكن تشبيه للنفاذ بالنفاذ؛ تشبيه لنفاذ الصوت فيهم، بنفاذ صوت السلسلة على الحجر الأملس. والسلسلة هي الحلق الحديدية المتصلة. فإذا ضربت السلسلةُ الصفوانَ صدر صوت حاد، ينفذ في تكوينهم وخلقتهم، كما ينفذ صوت السلسة على الصفوان في بدن ابن آدم، لحدته ومضائه.
ومن المعلوم: أن الأصوات، والمرئيات، يكون لها تأثير متفاوت في الأجسام، قال تعالى في المرئيات: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠] فهذه الأشعة تؤثر على النظر؛ لأنها فوق طاقته المعتادة، فكذلك الصوت يؤثر في
стр. 257
الأبدان، وينفذ فيها، فهذا أثر سماعهم لكلام الرب فيخضعون بأجنحتهم، ويصيبهم الغشي. وقد تقدم تفسيرها.
قوله: "فيسمعها" أي: تلك الكلمة التي تكلم الله بها الرب، وتلقتها الملائكة. والمقصود بالكلمة: الكلام، فإن الكلمة تدل في لغة العرب على الجملة.
قوله: "فيسمعها مسترق السمع" اسم جنس للشيطان من الجن، الذي يصعد في أجواز الفضاء؛ ليسترق السمع، وينزل به على الكاهن.
قوله: "ومسترق السمع هكذا، بعضه فوق بعض؛ وصفه سفيان بكفه فحرفها، وبدد بين أصابعه" هو سفيان بن عيينة بن ميمون الهلالي ﵀، من أئمة السلف، ومن الحفاظ الأثبات الثقات، كانت وفاته سنة (١٩٨ هـ). وقوله (فحرفها) أي: جعلها كالحرف، وبدد بين أصابعه، أي: فرقها، كأنها طبقات من الجن يلقي بعضهم إلى بعض القول.
قوله: "فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن" فهي سلسلة متصلة من الشياطين، مسترقي السمع، يوصلونها إلى الساحر أو الكاهن. والفرق بين الساحر أو الكاهن: أن الساحر هو من يستخدم ما دق ولطف سببه في التأثير. وأما الكاهن: فهو من يدعي العلم بالمغيبات، والأمور المستقبلة. وسيأتي لهما مزيد بيان في أبواب مستقلة.
قوله: "فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة" الشهاب: أجزاء منفصلة من النجوم والأجرام السماوية، تحرق الشياطين، كما قال الله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] فيرمي الله الجن والشياطين بهذه الشهب فتحرقهم. وهذا الشهاب الذي يصوَّب على مسترقي السمع، ربما أدركه قبل أن يلقي الكلمة، فأحرقه، فانقطع السند، وربما تمكن من إلقائها إلى من تحته، حتى تبلغ الساحر أو الكاهن.
والرمي بالشهب قد كثر قبيل بعثة النبي ﷺ ؛ وذلك من إرهاصات نبوته، فقد كانت الجن تسترق السمع، ويصعدون في أجواز الفضاء، ويمدون السحرة
стр. 258
والكهنة بما تتكلم به الملائكة، والله تعالى قد أقدرهم على أن يصعدوا في طبقات الجو بهيئة لا نعلمها. فلما بعث النبي ﷺ حفظت السماء؛ لكي لا يتطرق إلى الوحي أدنى تدخل، قال الله تعالى حاكياً عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٨، ٩] فحفظت السماء زمن النبوة، لأجل الوحي الذي تكفل الله تعالى بحفظه، فلم يستطيعوا أن يصلوا إلى ما كانوا يصلون إليه؛ فلما شعروا بهذا، تنادوا وقالوا: وقع في الأرض حدث، فطفقوا يبحثون في الأرض، حتى وصلت طائفة منهم إلى وادي نخلة، مرجع النبي ﷺ من ثقيف، وهو يقرأ القرآن، ويصلي، فعرفوا السبب، وأنزل الله : ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٢٩، ٣٠] فتبين للجن أن قد حصل أمر عظيم، وهو بعثة محمد ﷺ ، فآمن منهم من آمن، وكفر منهم من كفر.
وبعد وفاة النبي ﷺ ، وانقطاع خبر السماء، ربما عادوا إلى ما كانوا عليه من استراق السمع؛ لأنهم عاودوا إمداد الكهنة والسحرة بما كانوا يمدونهم به، وقد حصل المقصود من حفظ الوحي، فلا مانع أن يرجع الأمر إلى ما كان عليه.
قوله: "فيكذب معها مائة كَذْبة" بفتح الكاف، وسكون الذال المعجمة، أي: يخلط الساحر، أو الكاهن، مع الكلمة السماوية مائة كذبة مزخرفة مسجوعة؛ لكي يكبرها، ويزوقها، ويجعل لها رواجاً عند الناس.
قوله: "فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا كذا: كذا وكذا؟ " أي: فيغتر الناس بهذا الحق القليل على إثبات الباطل الكثير.
قوله: "فيُصدَّق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء" أي: لتحققها، فيقبل قوله في المائة الباطلة.
مناسبة الحديث للباب:
لطيفة، دقيقة، وذلك أن هذا التأثر البليغ للملائكة الكرام العظام، من جراء سماع كلام الرب ، وما يلحقهم من الخضعان والذل والاخبات لله ، دليل
стр. 259
على أنه لا يُدعى غير الله، وأن من دعا الملائكة فمن دونهم في القوة والخلقة فهو مشرك بالله.
فوائد الحديث:
١ - الرد على المشركين، وإبطال توسلهم بالأولياء والصالحين.
٢ - عظم شأن الرب .
٣ - إثبات صفة الكلام لله .
٤ - إثبات صفة العلو لله .
٥ - بطلان السحر والكهانة، وذمهما، وأنهما مبنيان على الكذب، في الأعم الأغلب.
قال المصنف ﵀:
"عن النواس بن سمعان ﵁" وهو النواس بن سمعان، ويقال شمعان، الكلابي الأنصاري ﵁، صحابي مشهور، سكن الشام.
قوله: "إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر، تكلم بالوحي" " وهذا دليل على أن قضاءه كلام، كما قال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]. وهذه الجملة تفسر الجملة السابقة من حديث أبي هريرة: "إذا قضى الله الأمر"، أن قضاءه بكلامه. قوله: "أخذت السماوات منه رجفة، أو قال: رعدة شديدة" وهذا دليل على أن السماوات تسمع؛ لأن الله قد أعطى كل خلق ما يخصهم، فلا يقول قائل: أليست السماء سقفاً محفوظاً مبنية، فكيف تسمع؟ فيقال: إن الله تعالى أودع في كل خلق سمعاً يليق به، فلا غرو أن تسمع السماوات، أليس قد قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، فأمرهما، فسمعتا، وأجابتا. وقال: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ [الأحزاب: ٧٢]. فمن ضيق الأفق، وقصر والنظر، أن لا يُتصور الكلام إلا بلسان وشفتين، ولا يتصور السمع إلا بصماخ وأذنين! حتى الجمادات، أثبت النبي ﷺ لها مشاعر وأحاسيس،
стр. 260
فقال: "أحد جبل يحبنا ونحبه" (١). فلا عجب أن تسمع السماوات، ولا عجب أن يلحقها رجفة أو رعدة، وهذا شك من الراوي. والرجفة والرعدة معناهما متقارب، أي: الاضطراب المصحوب بخوف ورعب.
قوله: "خوفاً من الله ، فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا" فميز بين السماوات وأهلها، فالسماوات تعتريها رجفة أو رعدة، وأهل السماوات -وهم الملائكة الكرام- يعتريهم صعق وغشي.
قوله: "وخروا سجداً، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل" ف (أول) خبر يكون مقدم، (وجبريل) اسمها مؤخر. وحاصل ذلك: أن الملائكة الكرام يخرون مغشياً عليهم، جميعهم، بمن فيهم جبريل، إلا إن جبريل ﵇ لفضله يكون أول من يرفع رأسه، وهذا فيه إثبات الرأس لجبريل.
قوله: "فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة؛ كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق، وهو العلي الكبير، فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل" أي: يقولون: "قال الحق وهو العلي الكبير". وهذا يفسر مجيء الضمير في الآية بصيغة الجمع (قالوا). فالحديث مبين لما أجمل في الآية.
قوله: "فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله " أي: إلى حيث أمر الله من سماء، أو أرض، بما قضى؛ لأن جبريل ﵇ هو الموكل بالوحي؛ ولهذا كان أشرف الملائكة وسيدهم. وسادة الملائكة ثلاثة: جبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل. وسر سيادتهم أنهم موكلون بالحياة؛ فجبريل موكل بحياة القلوب، وميكائيل موكل بحياة النبات، وإسرافيل موكل بحياة الأبدان، والقلوب هي أشرف هذه الثلاثة؛ ولهذا قال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]. وهذا يدل أيضاً، على حمق اليهود، فإنهم يعدون جبريل ﵇ عدوهم من الملائكة، كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨] وإنما أبغضوه لأنه هو الذي
стр. 261
يحل بهم المثلات، وينزل بعقوبة الله على من خالف أمره.
مناسبة الحديث للباب:
كونه يدل على عظم خوف الملائكة من الله ، فمن دعا الملائكة، فمن دونهم، فقد وقع في الشرك الأكبر، المخرج عن الملة.
فوائد الحديث:
١ - إبطال توسل المشركين بالأولياء والصالحين.
٢ - عظم شأن الرب .
٣ - إثبات صفة الكلام لله .
٤ - فضل جبريل ﵇.
٥ - حرص الملائكة على العلم.
٦ - إثبات سماع السماوات لكلام الرب سبحانه، وتعظيمها له.
ثم قال المصنف ﵀:
وفيه مسائل:
الأولى: تفسير الآية.
لأن المصنف لم يورد آية سواها، وهي قوله تعالى: ﴿حَتَى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: زال عنها الفزع، وهم الملائكة، وقد تقدم تفسيرها.
الثانية: ما فيها من الحجة على إبطال الشرك، خصوصاً من تعلق على الصالحين، وهي الآية التي قيل: إنها تقطع عروق شجرة الشرك من القلب.
الحجة البالغة التي تجتث شجرة الشرك الخبيثة: أن الملائكة أعظم المدعوِّين خَلْقاً ومنزلةً، ومع ذلك، هذا حالهم مع ربهم، خاضعين، من خشيته مشفقين، فكيف يدعون من دونه؟! فكيف بمن أضعف منهم خلقًا، وأدنى رتبة؟! فلا يجوز التعلق بأحد من الصالحين، فضلاً عن غيرهم.
стр. 262
الثالثة: تفسير قوله: ﴿قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.
وقد تبيّن بالحديثين بعدها أن هذا مما تتراجعه الملائكة بينها من كلام.
الرابعة: سبب سؤالهم عن ذلك.
أنهم علموا أن جبريل قد أوحى إليه ربه بكلام، فيسألون ذلك من باب طلب العلم.
الخامسة: أن جبرائيل هو الذي يجيبهم بعد ذلك بقوله: "قال كذا وكذا".
كما في حديث النواس بن سمعان ﵁.
السادسة: ذكر أن أول من يرفع رأسه جبرائيل.
للتصريح به في حديث النواس، ويدل على فضيلته الخاصة.
السابعة: أنه يقول لأهل السماوات كلهم؛ لأنهم يسألونه.
لقوله: (كلما مر بسماء سأله ملائكتها) فيجيبهم جميعًا.
الثامنة: أن الغشي يعم أهل السماوات كلهم.
لقوله في الحديث: "فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا".
التاسعة: ارتجاف السماوات لكلام الله.
لقوله: "أخذت السماوات رجفة أو رعدة" خوفاً من الله تعالى.
العاشرة: أن جبرائيل هو الذي ينتهي بالوحي إلى حيث أمره الله.
كما ذكره في آخر حديث النواس بن سمعان؛ وذلك لأنه الملك الموكل بالوحي.
стр. 263
الحادية عشرة: ذكر استراق الشياطين.
كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁، أن الشياطين يركب بعضهم بعضاً، فيسترقون السمع من السماء.
الثانية عشرة: صفة ركوب بعضهم بعضاً.
كما وصفها سفيان بن عيينة، والذي يظهر أن سفيان ﵀ تلقاها عمن قبله، فربما كان من قبيل المسلسل، و"المسلسل" في علم الحديث: أن يتواطأ الرواة على لفظ، أو فعل، يأخذها بعضهم عن بعض إلى منتهاه، إلى النبي ﷺ . وأما إذا أتى الراوي بلفظ من عنده للبيان، فهذا يُسمى إدراجاً، وقد يكون الإدراج في أول الحديث، أو وسطه، أو آخره، وهذا مبسوط في علم مصطلح الحديث.
الثالثة عشرة: إرسال الشهب.
وذلك لإهلاك الشيطان المسترق للسمع، لا لما كانت تظنه العرب في الجاهلية: أن ذلك لحياة عظيم أو لموته. قال تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ٦ - ١٠]
الرابعة عشرة: أنه تارة يدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وتارة يلقيها في أذن وليه من الإنس قبل أن يدركه.
كما جاء في حديث أبي هريرة.
الخامسة عشرة: كون الكاهن يُصدق بعض الأحيان.
يصدق أحياناً بسبب هذه الكلمة المسترقة من السماء، وربما حصل بعض ما قال اتفاقًا، فيغتر به من يغتر، ويكون الله قد أجرى ذلك ابتلاء لعباده.
стр. 264
أما المؤمن الذي يؤوي إلى ركن شديد، فيعلم أنه: ﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، فلا يخالطه شك في ذلك؛ ولهذا ينبغي التحذير مما تشيعه بعض وسائل الإعلام من الترويج لبعض المنجمين، فإن وقع شيء من ذلك، فإنما هو بالاستعانة بالشياطين من مسترقي السمع، ويخلطه بأضعافه من الكذب، أو يكون مما وقع اتفاقاً، فلا يعول عليهم، ولا يلتفت إليهم في الإخبار بالمغيبات، واستشراف المستقبل.
السادسة عشرة: كونه يكذب معها مائة كذبة.
أي: يخلط الكاهن أو الساحر مع الكلمة التي ألقاها إليه وليّه من الشياطين مائة كذبة،، فلا يصدق إلا الكلمة التي سُمعت من السماء.
السابعة عشرة: أنه لم يُصدَّق كذبه إلا بتلك الكلمة التي سُمعت من السماء.
هذا يدل على خطورة لبس الحق بالباطل، فعلى المؤمن أن يميز؛ فيقر الحق، ويرد الباطل، ولا يغتر بدمج الحق بالباطل لتسليك الباطل، بل عليه أن يتبين ما يلقى عليه، ويستنير بنور الله . فكم من المتحدثين المتحذلقين الذين يملؤون الأعمدة الصحفية، أو يصنفون الكتب، أو يعتلون المنابر الإعلامية، يقولون باطلاً ممزوجًا بشيء من الحق؛ لترويج باطلهم، كما يقال: يدس السم في العسل. فعلى المؤمن أن يكون يقظاً متنبهاً، فلا يرد الحق لاختلاطه بالباطل، ولا يقبل الباطل لاقترانه بالحق، بل يميز ويفصل.
الثامنة عشرة: قبول النفوس للباطل، كيف يتعلقون بواحدة ولا يعتبرون بمائة؟!
يشير المصنف ﵀ إلى طبيعة النفوس المنحرفة، كيف يستهويها الباطل، مع أن نسبة الحق منه واحد بالمائة، بسبب الأهواء والشبهات، فتتشبث بهذا القليل من الحق لتسويغ الكثير من الباطل، وشواهده كثيرة.
стр. 265
التاسعة عشرة: كونهم يلقي بعضهم إلى بعض تلك الكلمة، ويحفظونها، ويستدلون بها.
كما وصف الله بعضهم بقوله: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ [الذاريات: ٥٣]
العشرون: إثبات الصفات خلافاً للأشعرية المعطلة.
تضمنت الآية والحديثان إثبات بعض صفات الله ، ومنها: صفة العلو لله ، وهي صفة عظيمة، ينكرها الجهمية والأشاعرة، وإثبات صفة الكلام التي ينكرها الجهمية والمعتزلة، ويثبتها الأشاعرة على وجه غير الوجه الذي يثبتها عليه أهل السنة والجماعة، فيجعلون كلام الله هو المعنى القديم القائم في نفسه، ولا يثبتون الكلام الحقيقي الذي هو الحرف والصوت، المتعلق بمشيئته. والحق أن الله تعالى يتكلم بحرف وصوت، بكلام حقيقي، لا يماثل كلام المخلوقين، وأنه قديم النوع، حادث الآحاد.
الحادية والعشرون: أن تلك الرجفة والغشي خوفاً من الله .
وقد جاء ذلك صريحاً في الحديث بقوله: "خوفاً من الله ".
الثانية والعشرون: أنهم يخرون لله سجداً.
كما في الحديث: "وخرّوا لله سجداً" والخرور: هو الهوي من أعلى إلى أسفل.
стр. 266
باب الشفاعة
وقول الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٥١].
وقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [سورة الزمر: ٤٤].
وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٥].
وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [سورة النجم: ٢٦].
وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سورة سبأ: ٢٢ - ٢٣].
الشروح
الكلام على الشفاعة من عدة أوجه:
أولاً: من حيث تعريفها:
الشفاعة في اللغة: مأخوذة من الشفع، وهو الزوج، ضد الوتر؛ لأن الأشياء: إما شفع، وإما وتر، قال تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣]، فمادة (شفع) تدل على الزوجية والإثنينية، بخلاف الفردية.
وأما في الاصطلاح: فالشفاعة: سؤال الخير للغير، وأقرب الاستعمالات لها في لغتنا المعاصرة قولهم: (الواسطة). قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥]. فكأن الشافع، لما انضم إلى المشفوع له، صارا شفعًا، بعد أن كان وترًا.
стр. 267
ثانيًا: الفرق بين الشفاعة عند الله والشفاعة عند غيره:
وينبغي أن يعلم أن الشفاعة عند الله ليست كالشفاعة عند ملوك الدنيا، وعدم التمييز بين هذا وهذا هو الذي أوقع المشركين فيما وقعوا فيه من الشرك العظيم. فإن الشفاعة عند ملوك الدنيا تكون مقبولة: إما رغبة، أو رهبة، فحينما يتقدم الشافع عند ملك، أو سلطان، أو أمير، أو كبير؛ ليشفع لفلان، فإن شفاعته تقع دون إذن مسبق، بل يفجؤه بها، وقد يقبل شفاعته رغبة في استمالته، أو دفعًا لسخطه، وهذان الاحتمالان منتفيان في حق الله ، فإن الله لا يستكثر بعباده من قلة، ولا يستعز بهم من ذلة، ولا يقبل شفاعة الشافعين ليستقوي بهم، ولا ليدفع شرهم وخطرهم، حاشا وكلا، فالله هو القوي العزيز، الذي له القوة جميعاً، وله العزة جميعاً، وهو الغني الحميد، الذي له ملك كل شيء، وخلقه مضطرون مفتقرون إليه.
ثالثًا: شروط الشفاعة:
الشفاعة حق خالص له سبحانه، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤]. ووجه كونها لله جميعاً: أن الشفاعة عند الله لا تكون صحيحة إلا بشرطين:
الشرط الأول: إذن الله للشافع أن يشفع، دليل هذا الشرط قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فلا يملك أحد أن يشفع عند الله إلا بعد إذنه. أما الشفاعة عند المخلوقين فلا يشعر ذلك السلطان، أو الكبير، أو الأمير، أو الوزير، إلا وقد أدلى الشافع بشفاعته، دون إذن مسبق، أما في حق الله فلا بد من إذن مسبق؛ لأن الشفاعة له.
الشرط الثاني: رضاه عن المشفوع له، والدليل على هذا الشرط، قول الله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨]. وقد جمع الله تعالى بين هذين الشرطين في آية النجم، فقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] أي: من بعد أن يأذن الله لمن يشاء من الشافعين، ويرضى عن المشفوع لهم، فتبيّن بهذا معنى قول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤].
رابعًا: الحكمة من الشفاعة:
فإن قال قائل: إذا كان الأمر كذلك، وصارت الشفاعة لا تحصل إلا بإذن
стр. 268
للشافع، ورضا عن المشفوع له، فما الداعي للشفاعة؟ الجواب عن هذا أن يقال: إن ذلك لإظهار كرامة الشافعين؛ من الأنبياء، والصديقين، والشهداء، والصالحين، ومنزلتهم عند ربهم، بجعلهم سببًا لحصول المراد. لا كما فهمها المشركون، أنها نوع إدلاء على الله تعالى، كما عند ملوك الدنيا.
خامسًا: أنواع الشفاعة:
الشفاعة المذكورة في القرآن، نوعان:
١ - شفاعة مثبتة. وهي ما جمعت شرطي قبول الشفاعة: إذن الله للشافع، ورضاه عن المشفوع له. كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فأثبت الشفاعة بشرطيها.
٢ - شفاعة منفية. وهي الشفاعة للمشركين، لتخلف شرطيها، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]، أو التي توهمها المشركون لآلهتهم، كما قال قائلهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] وكقولهم: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] فأبطل الله تعالى ذلك.
وكما وقع المشركون الأوائل في إشكالية الشفاعة، وقع فيها المشركون المتأخرون، فصار الذين يقصدون الأولياء والقبور، ويدعون الصالحين إذا أُنكر عليهم ذلك، قالوا: هؤلاء يشفعون لنا عند الله، فنحن ندعوهم لمقامهم ومنزلتهم، وقربهم، عند الله، فهم وسائط بيننا وبين الله، ونحن مسلمون، نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وليس حالنا كحال المشركين، فيقال: لا فرق، بين ما وقع فيه الأوائل من دعاء غير الله وما وقعتم فيه، فإن قلتم: نحن ندعو صالحين، فقد دعوا صالحين: كاللات الذي كان يلت السويق للحجاج، والملائكة هم أقرب الخلق لله ، وعيسى ﵇، وأمه الصديقة، فكانوا يستشفعون بالصالحين، كما تفعلون، ومع ذلك أبطل الله صنيعهم، وأكفرهم بذلك، فلا فرق بين الفعلين.
وأما قولكم: نحن نشهد أن لا إله إلا الله، فيقال: إن شهادة أن لا إله إلا الله تعني أن لا معبود بحق إلا الله، وألا تصرف العبادة لغير الله، فإن أخللتم بذلك فقد نقضتم شهادتكم.
стр. 269
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
لما كانت مسألة الشفاعة من المسائل التي أشكلت على أهل الإشراك، ففهموها على غير وجهها، ووقعوا بسبب ذلك في الشرك الأكبر، احتيج إلى بيانها غاية البيان.
واستدل المصنف -رحمه الله تعالى- بقول الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٥١].
قوله: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ﴾ النذارة: هي الإعلام بأمر مخوف، وضدها: البشارة، وهي الإعلام بأمر مرجو، ودعوة المرسلين قائمة على البشارة والنذارة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [النساء: ١٦٥] فالرسل دوماً مبشرين ومنذرين، يبشرون بوعد الله، وينذرون من وعيده. ومرجع الضمير في قوله: ﴿بِهِ﴾ أي: بالقرآن العظيم.
قوله: ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ فلا ينتفع بالنذارة إلا المؤمن باليوم الآخر، فالإيمان باليوم الآخر هو الذي يحمل العبد على أن ينتفع بالمواعظ، أما من لا يؤمن بالبعث، ولا باليوم الآخر، فلا تؤثر فيه القوارع والمواعظ؛ لأنه يظن أن منتهى الأمر أن يموت، ويتحلل جسده، ويصبح تراباً، وأما من علم بأن ثّمة يوم آخر؛ يجازى المحسن على إحسانه، والمسيء على إساءته، فإنه تنفعه النذارة. فكأن الأمر بالنذارة، هنا، باعتبار حصول أثرها. وقوله: ﴿أَنْ يُحْشَرُوا﴾ أي: أن يجمعوا، ويساقوا إلى ربهم،
قوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ﴾ الولي: مشتق من الولْي، وهو القرب والدنو، فليس لهم من دون الله ولي يحول بينهم وبين الله .
قوله: ﴿وَلَا شَفِيعٌ﴾ سمي الشفيع شفيعاً؛ لأن الشافع ينضم إلى المشفوع له، فصار شفعاً بعد أن كان المشفوع له وتراً.
قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٥١] غاية هذه النذارة ونتيجتها حصول التقوى. وتقوى الله تعني: أن يجعل العبد بينه وبين عذاب الله تعالى وقاية، بامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، وليست الوقاية أن يتخذ شفيعاً، أو ولياً يدعوه من دون الله، فهذه لا تزيده من الله إلا بعداً.
стр. 270
مناسبة الآية للباب:
مطابقة للترجمة، وهي نفي الاعتماد على الشفعاء، دون إيمان وتقوى.
فوائد الآية:
١ - إثبات الشفاعة لله ، فلا يستقل بها أحد.
٢ - النذارة بالقرآن العظيم، وأنه أعظم المواعظ.
٣ - إثبات اليوم الآخر.
٤ - فضيلة الخوف من الله واليوم الآخر.
٥ - وجوب إفراد الله بالدعاء، وعدم دعاء غيره.
٦ - إبطال دعاوى المشركين الذين يزعمون أن أولياؤهم شفعاء لهم عند الله .
ثم استدل المصنف بقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤] وهذه الآية تدل على أن الشفاعة خالصة لله ، وليست لأحد، فهو الذي يأذن للشافع أن يشفع لمن ارتضى من عباده. ولهذا فإن نبينا ﷺ يوم القيامة يذهب فيسجد تحت العرش، ويحمد الله تعالى بمحامد، كالمستأذن، فحينئذٍ يقال له: "يا محمد ارفع رأسك، واشفع تشفع، وسل تعطه" (١).
ولنبينا ﷺ شفاعة خاصة وشفاعة عامة:
١ - الشفاعة الخاصة: لا يشاركه فيها أحد، وهذه ثلاثة أنواع:
الأول: الشفاعة العظمى، وهي المقام المحمود، وهي شفاعته ﷺ لأهل الموقف أن يقضى بينهم، فإن الخلائق يوم القيامة إذا طال بهم المقام، ودنت منهم الشمس قدر ميل، أو ميلين، وساخ العرق في الأرض سبعين ذراعاً، حتى إن منهم من يلجمه العرق إلجاماً، وبلغ منهم الجهد كل مبلغ، فزعوا إلى آدم ﵇ وقالوا: اشفع لنا عند ربك، فيحيلهم آدم على نوح، ويحيلهم نوح على إبراهيم،
стр. 271
ويحيلهم إبراهيم على موسى، ويحيلهم موسى على عيسى، وكل من سبق، باستثناء عيسى، ﵈، يذكر ذنباً أذنبه، فيستحي من الله أن يشفع، ويقول: نفسي نفسي، ويذكر فضل من بعده، حتى يؤول الأمر إلى نبينا ﷺ ، فيقول: "أنا لها" (١)، فيأتي، فيسجد تحت العرش، ويفتح عليه بمحامد، يقول: "لا أحسنها الآن") ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع، فيقول: يا ربي! أمتي، أمتي. فيكون أول من يقضى بينهم أمة محمد ﷺ ، فهذه هي الشفاعة العظمى التي قال الله تعالى عنها: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩].
الثاني: شفاعته ﷺ لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة، ولا يشاركه في هذه الشفاعة أحد، كما قال في الحديث الصحيح: "آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك" (٢).
الثالث: شفاعته ﷺ في تخفيف العذاب عن عمه أبي طالب؛ وذلك أن العباس بن عبد المطلب ﵁ سأل النبي ﷺ وقال له: يا رسول الله إن عمك أبا طالب كان يحوطك، وينصرك في مكة، فهل نفعته بشيء؟ فقال: "نعم، وجدته في غمرات من النار، فأخرجته إلى ضحضاح" (٣)، وقال: "أهون أهل النار عذاباً أبو طالب، وهو منتعل بنعلين، يغلي منهما دماغه" (٤)؛ فالمشركون في الأصل لا تنفعهم شفاعة الشافعين، لكن هذه حالة استثنائية نفع النبي ﷺ فيها عمه، فأُخرج من الدرك الأسفل من النار، وخفف عنه، فنُعل بنعلين، يغلي منهما دماغه، وهو أهون أهل النار عذاباً.
٢ - الشفاعة العامة: وهي التي يشترك فيها النبي ﷺ مع غيره من الأنبياء،
стр. 272
والصديقين، والشهداء، والصالحين، حتى الفَرَط يشفع في والديه، وهذه أنواع خمسة:
أحدها: الشفاعة فيمن استحق النار من عصاه الموحدين: أن لا يدخلها.
الثاني: الشفاعة فيمن دخل النار من عصاة الموحدين: أن يخرج منها، فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن الله تعالى يقول: "اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا" (١)، وهذان النوعان أنكرتهما المعتزلة، والرافضة، والإباضية، لأنهم على عقيدة واحدة في باب الوعد والوعيد، فينكرون الشفاعة، ويثبتها أهل السنة للأدلة المتكاثرة في الصحاح، والسنن، والمسانيد، والمعاجم، الدالة على إخراج من شاء الله إخراجه، ويقال لهؤلاء الذين أخرجوا بعد أن امتحشوا: "الجهنميون"، وفي الحديث: "أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم -أو قال بخطاياهم- فأماتهم إماتة، حتى إذا كانوا فحماً، أذن بالشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر (٢)، فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة، أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحِبَّة تكون في حميل السيل" فقال: رجل من القوم: كأن رسول الله ﷺ قد كان بالبادية (٣).
الثالث: الشفاعة فيمن تساوت سيئاتهم وحسناتهم أن يدخلوا الجنة، وهؤلاء هم أهل الأعراف، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٦] فهؤلاء تنالهم شفاعة الشافعين فيدخلون الجنة.
الرابع: الشفاعة في رفع درجات بعض أهل الجنة؛ حيث يشفع لبعض أهل
стр. 273
الجنة أن ترفع درجاتهم. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١].
الخامسة: الشفاعة في دخول بعض المؤمنين الجنة بلا حساب ولا عذاب؛ ويدل على هذا النوع حديث عكاشة بن محصن الأسدي، حين أخبر النبي ﷺ عن السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فخاض الناس في ذلك، كما تقدم في أول كتاب التوحيد، ثم قال عكاشة بن محصن: "ادع الله أن يجعلني منهم" قال: "أنت منهم" (١).
فهذه ثمانية أنواع من أنواع الشفاعة. وأهل السنة يثبتونها جميعاً، ويختص النبي ﷺ بثلاثة منها، لا يشاركه فيها أحد.
قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ الاستفهام للنفي، والمعنى: لا أحد يشفع عنده إلا بإذنه، فدلت على إثبات هذا الشرط العظيم، وهو إذن الله للشافع أن يشفع.
قوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ (كم): هي التكثيرية الخبرية، أي: ما أكثر! وخص السماوات لأنها منازل الملائكة الكرام، وقد قال النبي ﷺ : "إن السماء أطت (٢)، وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجداً لله" (٣)، فالسماء معمورة بالملائكة الكرام، وهؤلاء الملائكة في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئاً، ومعنى "لا تغني" أي: لا تجدي ولا تنفع، إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء من الشافعين، ويرضى عن المشفوع لهم.
стр. 274
ثم قال المصنف ﵀:
"قول الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣] "
قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أي: أدعيتم من الآلهة المزعومة من أشجار، وأحجار، وكواكب، وصالحين، سوى الله ، وهذا أسلوب تحدي وتعجيز.
قوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ والذرة: هي النملة الصغيرة، وهذا هو الذي فهمه المخاطبون، ولا وجه أن يقال: إن الذرة في الآية يراد بها الذرة الفيزيائية، المتناهية في الصغر، التي لا ترى بالعين المجردة، كما يقوله بعض المعاصرين، من دعاة الإعجاز العلمي في القرآن! فالواقع أن الله خاطب الناس بما يعرفون، فالذرة التي ذكرت في القرآن هي المعهودة لديهم، مثل بها للتدليل على أدق الأشياء وأصغرها، ولم يكن معلوماً عندهم أن المادة تتكون من ذرات، وأن الذرة تتكون من بروتون، ونيترون، وغير ذلك من المعلومات التفصيلية.
قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ أي: أن هؤلاء المدعوين الذين أشركتموهم مع الله ، لا يملكون استقلالاً، ولا يملكون مشاركة.
قوله: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ أي: معين أو معاون، فهو غني عن معاونتهم؛ كما يعاون الخدم والحشم، الأمير أو السلطان، فنفى الله عنهم ثلاثة أمور، وبقي أمر رابع؛ وهو الشفاعة: قوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ هذا هو الاحتمال الرابع الذي يمكن أن يتعلق به المشركون، وهو أن يقول قائلهم: سلَّمنا وأقررنا أن هؤلاء المدعوين: لا يملكون ذرة استقلالاً، ولا مشاركة، ولا مظاهرة، لكن لمدعوينا مقام وجاه، يدلون به على الله ، فما دام لهم هذه المنزلة، فنحن
стр. 275
نتعلق بهم وندعوهم! فلذلك محق الله تعالى المتعلق الأخير بقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ فلم يبق شيء يتعلق به المشركون. فهذه الآية العظيمة أبطلت جميع ما يمكن أن يحتج به دعاة الشرك، وهي من أعظم آيات التوحيد.
مناسبة الآيتين للباب:
ظاهرة، لما فيها من الرد على المشركين الذين يتعلقون بالأولياء، ويطلبون منهم الشفاعة.
فوائد الآيتين:
١ - الرد على المشركين الأوائل والمتأخرين.
٢ - مشروعية المجادلة والمناظرة للمخالفين؛ لأن الله ندب نبيه لذلك، فقال له: ﴿قُلْ﴾، وأملى عليه ما ينبغي أن يقول، فلا بد أن يكون في أهل الإسلام من ينتدب للرد والمناظرة، وهكذا كان، فإن العلماء قد انبروا لذلك، وكانوا على ضربين: منهم من يصنف ابتداءً في بيان مسائل الدين الأصلية والفرعية. ومنهم من ينصب نفسه للرد على أهل البدع والمخالفين، وكلا الأمرين مطلوب، ويحسن أن يجمع العالم بينهما؛ فأحدهما في جانب البناء، والثاني في جانب الصيانة.
٣ - قطع جميع الأسباب والمتعلقات التي يتعلق بها المشركون وهي: الملك، والمشاركة، والمعاونة، والشفاعة، وأنها خالصة لله تعالى.
٤ - إثبات الشفاعة؛ وذلك من قوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، فالاستثناء يدل على وجود شفاعة مثبتة، وهي التي تكون بإذنه.
٥ - أن المشركين الذين استشفعوا بمعبوداتهم، لا تنفعهم تلك الشفاعة؛ ولهذا ذمهم الله، فقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف: ٥].
стр. 276
ثم قال المصنف-﵀:
قال أبو العباس: نفى الله عن من سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك، أو قسط منه، أو أن يكون عوناً لله، ولم يبق إلا الشفاعة، فبيّن أنها لا تنفع إلا لم أذن له الرب، كما قال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [سورة الأنبياء: ٢٨]. فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون، هي منتفية يوم القيامة، كما نفاها القرآن، وأخبر النبي ﷺ أنه يأتي فيسجد لربه، ويحمده؛ لا يبدأ بالشفاعة أولًا، ثم يقال له: ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تُعط، واشفع تشفع (١).
وقال أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: "من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه" (٢)، فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله.
وحقيقته: أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص، فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع، ليكرمه، وينال المقام المحمود" (٣).
فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك؛ ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع، وقد بيّن النبي ﷺ أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص. ا. هـ كلامه" (٤).
الشرح:
قوله: "قال أبو العباس" هذه كنيته، وأما لقبه فشيخ الإسلام، وتقي الدين أيضاً، واسمه: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني، ولد سنة ٦٦١ هـ، وتوفي سنة ٧٢٨ هـ، وشهرته تغني عن تعريفه، فهو شيخ الإسلام حقًا، ومجدد الدين صدقًا. ﵀.
قوله: "نفى الله عن من سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون
стр. 277
لغيره ملك، أو قسط منه، أو أن يكون عوناً لله، ولم يبق إلا الشفاعة، فبيّن أنها لا تنفع إلا لم أذن له الرب، كما قال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾. فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون، هي منتفية يوم القيامة، كما نفاها القرآن، وأخبر النبي ﷺ أنه يأتي فيسجد لربه، ويحمد، لا يبدأ بالشفاعة أولًا، ثم يقال له: ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تُعط، واشفع تشفع" (١).
هذا في حديث الشفاعة المشهور: أن النبي ﷺ يقول: "فأقول: أنا لها، فأستأذن على ربي، فيؤذن لي، ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن، فأحمده بتلك المحامد، وأخر له ساجداً، فيقول: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع" (٢)، فهو ﷺ لم يبدأ بطلب الشفاعة، ولكن مُنحت له.
قوله: "وقال أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: "من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه" (٣)، فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله" دل ذلك على أنه لا بد من إذن الله للشافع أن يشفع، بدليل قوله: "واشفع تشفع"، ولابد من رضاه عن المشفوع له، وشرط الرضا: أن يكون من أهل التوحيد والإخلاص، لقوله: "من قال: لا إله إلا الله، خالصاً من قلبه"، وإن شابته شائبة كبيرة، لا تبلغ الشرك ..
قوله: "وحقيقته: أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص، فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع، ليكرمه، وينال المقام المحمود" (٤)، هذه حقيقة الشفاعة: أنها تفضل ورحمة من الله على من أراد الله تعالى أن يرحمه؛ وذلك بواسطة شفاعة هذا الشافع، الذي أذن له بها، فيكرمه الله على رؤوس الخلائق، بأن يجيز شفاعته، ولا شك أن ذلك كرامة له، ودليل على منزلته عند الله ، وبهذا يتبين فضل الشفاعة، قال الله : ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] فالمقام المحمود هو الشفاعة العظمى، وهو
стр. 278
شفاعته ﷺ لأهل الموقف: أن يُقضى بينهم، وإنما سمي "المقام المحمود" لأن جميع الخلائق تحمده على هذا العمل، الذي كان سببًا في خلاصهم، بعد هذا الموقف الطويل، فلهذا قال ﷺ : "وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة" (١).
قوله: "فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك؛ ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع، وقد بيّن النبي ﷺ أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص. ا. هـ كلامه" (٢)، فدل ذلك على وجود نوعين من الشفاعة؛ منفية، ومثبتة كما سبق.
وبناء عليه: فإن هؤلاء الذين يضيعون أعمارهم في دعاء غير الله ، ويتقربون إلى المقبورين والأولياء، ويقولون: نحن في سترك يا فلان، أو نحن في حسبك، ونحن كذا وكذا؛ يخاطبون هذا الميت المقبور، الذي لا يملك لنفسه، ولا لغيره نفعاً ولا ضراً، إنما يهدرون أعمارهم، ويفسدون أديانهم، ويرغبون عن الطريق السوي، وهو دعاء الله ، وسؤاله مباشرة.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الآيات.
أي الواردة في هذه الباب، وقد تقدم بحمد الله.
الثانية: صفة الشفاعة المنفية.
وهي التي تطلب من غير الله، التي كان عليها المشركون.
الثالثة: صفة الشفاعة المثبتة.
وهي التي تطلب من الله، فتجمع شرطين:
١ - إذن الله للشافع أن يشفع.
стр. 279
٢ - ورضاه عن المشفوع له.
الرابعة: ذكر الشفاعة الكبرى، وهي المقام المحمود.
وهي له ﷺ لأهل الموقف؛ ليقضى بينهم، كما قال الله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] فهذا المقام المحمود هو شفاعته لهم.
الخامسة: صفة ما يفعله ﷺ ، وأنه لا يبدأ بالشفاعة، بل يسجد، فإذا أُذن له شفع.
وهذا قد جاء في حديث الشفاعة المتفق عليه، ونبَّه عليه شيخ الإسلام ابن تيمية.
السادسة: من أسعد الناس بها؟
هو من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه؛ وهذا فضل عظيم؛ ولهذا قال النبي ﷺ لأبي هريرة: "لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث" (١)، فليحقق العبد هذا في نفسه، وليقل: لا إله إلا الله، خالصاً من قلبه، أي: لا معبود بحق إلا الله، وليمرر هذا المعنى على قلبه، في مختلف الأوقات، فإن هذا من أعظم أسباب حصول الشفاعة من النبي ﷺ .
السابعة: أنها لا تكون لمن أشرك بالله.
لأنه شرط لها الإخلاص القلبي، المنافي للشرك.
الثامنة: بيان حقيقتها.
كما عبّر شيخ الإسلام ﵀ بقوله: "وحقيقته أن الله هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص -يعني أهل التوحيد- فيرحمهم، ويكون ذلك بواسطة من أراد الله أن يكرمه".
стр. 280
باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾
في الصحيح: عن ابن المسيب عن أبيه، قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله ﷺ وعنده عبد الله بن أبي أمية، وأبو جهل، فقال له: "يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله" فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فأعاد عليه النبي ﷺ ، فأعادا، فكان آخر ما قال: "هو على ملة عبد المطلب" وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال النبي ﷺ : "لأستغفرن لك ما لم أنه عنك" فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ الآية [سورة التوبة: ١١٣]، وأنزل الله في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [سورة القصص: ٥٦] (١).
الشرح:
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
الرد على القبوريين، وأمثالهم الذين يعتقدون في الأنبياء والصالحين النفع والضر، فإذا كان أصلح الصالحين، وأفضل الأولياء، وسيد الأنبياء محمد ﷺ لا يملك نفع من يحب، فكيف بمن دونه؟!
قوله: ﴿إِنَّكَ﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، أي: لا تهدي من أحببت هدايته،
стр. 281
والمراد به: أبو طالب؛ لكنها تشمل من سواه، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
قوله: ﴿لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ دلت على نفي الهداية عنه ﷺ ، ودل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] على إثباتها له! والجمع بينهما أن يقال:
إن الهداية المنفية في قول الله : ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ هداية التوفيق والإلهام، فهي خالصة لله ؛ لأنها متعلقة بمشيئته، وحكمته، وربوبيته، لا يشاركه أحد سواه، كقوله : ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣].
والهداية المثبتة في قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] هداية الدلالة والإرشاد والتعليم والبيان، وهذه ثابتة للنبي ﷺ ، ولسائر الأنبياء، والعلماء، والدعاة، والمربين، وكل من كان على هدى، ودعا إليه. ويدل عليها، أيضاً، قول الله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]، فهذه هداية دلالة وإرشاد؛ لأنها لو كانت هداية توفيق وإلهام لاستجابوا وآمنوا، لكنهم استحبوا العمى على الهدى، فدل على أن الهداية التي هُدوا إليها هي هداية البيان والدلالة والإرشاد.
وهذا أمر مشاهد: فتجد أن الأب -مثلاً- يعظ ابنه وينصحه ويقول له: ﴿وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾، ومع هذا يأبى، ويقول: ﴿مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأحقاف: ١٧] فهداية الدلالة والبيان والإرشاد والتعليم، تقع من أهلها من الأنبياء، والعلماء، والدعاة، والمربين، والناصحين، والمحتسبين، وأما دلالة التوفيق والإلهام، فهي مما يختص الله تعالى به.
قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: من أراد الله به خيراً، قال الله : ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] فالشرح: والضيق أمور إلهية سماوية بيد الله تعالى.
قوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ أي: هو سبحانه أعلم بمن يستحق الهداية، ممن لا يستحق.
стр. 282
فوائد الآية:
١ - الرد على من يعتقد في الأولياء والصالحين نفعاً أو ضراً وتصرفاً.
٢ - أن هداية التوفيق والإلهام بيد الله.
٣ - إثبات صفة العلم لله، وأن له منه المثل الأعلى، لقوله: (أعلم).
٤ - إثبات صفة المشيئة؛ لقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ فلله المشيئة المطلقة؛ فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
٥ - إثبات الحكمة في أقدار الله تعالى؛ لقوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. فمشيئة الله دوماً مقترنة بحكمته، وليست مشيئة محضة، فالله تعالى يشاء لحكمة، وأفعاله معللة سبحانه وبحمده، ومبنية على الحكمة والتعليل، بخلاف ما ذهبت إليه الأشاعرة: أن الله يفعل لمحض المشيئة، ولو لم يكن هناك حكمة، وهذا باطل، وقد ألّف ابن القيم ﵀ كتاباً ماتعاً في باب القدر: اسمه (شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل) وهو من أحسن ما كُتب في موضوع القدر.
ثم قال المصنف ﵀:
"في الصحيح" ومراده هنا: الصحيحان؛ البخاري ومسلم، أصح الكتب بعد كتاب الله.
قوله: "عن ابن المسيب" هو سعيد بن المسيب بن حزن، المخزومي، القرشي ﵀، الإمام الثبت الثقة المشهور، مات بعد التسعين، وقد ناهز الثمانين ..
قوله: "عن أبيه" أبوه: المسيب بن حزن، له ولأبيه صحبة، وقد كانت وفاته زمن عثمان، وقد أراد النبي ﷺ أن يغير اسم حزن إلى سهل، فقال: "لا أغير اسماً سمانيه أبي". قال ابن المسيب: "فما زالت الحزونة فينا بعد" (١)، وهذا يدل أن الأسماء مؤثرة "
قوله: قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة" أبو طالب: عم النبي ﷺ ، وقد
стр. 283
كان له حماية ورعاية للنبي ﷺ ، فأدخله في جواره، وحماه من قريش؛ لكنه كان مصراً على كفره حتى مات.
قوله: "جاءه رسول الله ﷺ وعنده عبد الله بن أبي أمية، وأبو جهل" رجلان من صناديد قريش، كانا يعودانه، وهو يحتضر، وجاء النبي ﷺ في تلك الحالة، ومعنى: "حضرته الوفاة" يعني: مقدماتها، وعلاماتها. "
قوله: فقال: "يا عمِّ" " منادى، الأصل فيه (يا عمي) فحذف ياء المتكلم، وعوض عنها بالكسرة الدالة على الياء المحذوفة. وخاطبه بآصرة القربى لاستلانة قلبه، واستجلاب عاطفته.
قوله: "قل: لا إله إلا الله، كلمةً" كلمةً بالفتح؛ لأنها بدل من جملة: لا إله إلا الله.
قوله: "أحاج لك بها عند الله" أي: أحتج لك عند الله بها، وأستشفع بها.
قوله: "فقالا له أترغب عن ملة عبد المطلب؟! " عبد المطلب: جد النبي ﷺ ، وأبو أبي طالب، وكان من أعظم العرب، ومقدم قريش، وهو الذي جدد حفر زمزم، وكان له ذكر وصيت. فهذان المشركان نخياه بنخوة الجاهلية، وذكراه بملة عبد المطلب. ولهذا الأمر وقع في نفس العربي، فالعرب أمة تحتفي بآبائها وأجدادها، ويعتزون بهم، حتى إن الله جعله مثالًا في المناسك، فقال: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠]
قوله: "فأعاد عليه النبي ﷺ فأعادا": أي أعاد عليه الدعوة إلى قول لا إله إلا الله، فأعاد المشركان عليه قولهما: أترغب عن ملة عبد المطلب؟! وتأمل حال هذا المحتضر الذي يلتفت يمنة ويسرة، عنده من يدعوه إلى الهدى، ومن يدعوه إلى الضلالة.
قوله: "فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب" وعبّر الراوي بضمير الغيبة "هو" تحاشيًا أن يعبر بضمير المتكلم "أنا"، ونظائره في النصوص كثيرة، لكن الراوي استثقل أن يأتي باللفظ الذي ينسب إلى النفس.
стр. 284
قوله: "وأبى أن يقول: لا إله إلا الله" وهذا يدل على أن العرب كانوا يعرفون دلالات الألفاظ، ومقتضياتها، بخلاف حال الناس اليوم، فليست المسألة مجرد كلمة تقال، فالعربي يعلم أن قول: لا إله إلا الله، يعني: الكفر بالطواغيت، وباللات والعزى ومناة وهبل، وغير ذلك، ويقتضي الدينونة لله وحده.
قوله: "فقال النبي ﷺ : "لأستغفرن لك ما لم أنه عنك" " حلف النبي ﷺ ، فاللام لام القسم، وبعدها نون التوكيد الثقيلة، واستثنى، فقال: "ما لم أنه عنك"، وقد كان.
قوله: "فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣] ". فقوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ أي: لا ينبغي له، وليس من شأنه، وحاشاه. وهذا أبلغ من أن يقول: "لا تستغفروا للمشركين". ومثلها في الدلالة قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]. فهذا التوحيد الخالص يلغي جميع الروابط، والعلائق، والوشائج، سوى رابطة الإيمان، فإذا تعارضت هذه الروابط مع رابطة الإيمان بطلت. وإن لم تتعارض لم يزدها الإيمان إلا قوة وتوثيقًا.
قوله: "وأنزل الله في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾، وهذا صريح في سبب النزول. والعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.
مناسبة الحديث للباب:
القصة مطابقة لترجمة الباب، لأنها سبب نزول الآية وتفسير لها، وأن النبي ﷺ على عظم قدره، ومنزلته عند ربه، لا يملك لعمه الأحب، الأقرب نفعاً، فكيف يطلب النفع من غيره؟!
فوائد الحديث:
١ - جواز عيادة المريض الكافر إذا رجي إسلامه، وقد كان النبي ﷺ يفعل
стр. 285
ذلك، حتى إنه عاد مرة غلاماً يهودياً، وهو على فراش الموت، فقال: "له أسلم" فنظر الغلام إلى أبيه اليهودي فقال: "أطع أبا القاسم". فشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: "الحمد لله الذي أنقذه من النار" (١).
٢ - ضرر قرناء السوء، وشؤم الصلة بهم، فقد حالوا بينه أبي طالب وبين النجاة من النار. فليحذر العاقل من رفقاء السوء على مختلف درجاتهم، فلا يلزم أن يحول قرين السوء بين الإنسان والإيمان، ربما كان سبباً في جره للبدعة، أو الفسوق والعصيان، وكما قيل:
عَنِ المرْءِ لَا تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينهِ … فكُلُّ قَرينٍ بالمُقَارِنِ يَقْتَدي (٢).
٣ - معرفة العرب معنى: لا إله إلا الله، وأنها تقتضي الكفر بما يعبد من دون الله.
٤ - أن الأعمال بالخواتيم؛ لأنه لو قال: لا إله إلا الله، لحاج له بها عند الله .
٥ - بطلان التعلق بالنبي ﷺ وغيره، لجلب النفع، أو دفع الضر، من الذين يغلون في النبي ﷺ ، ويدعونه من دون الله،؟ كقول قائلهم:
يا أكرَمَ الخلقِ ما لي مَنْ ألوذُ به … سِوَاكَ عِنْدَ حُلولِ الحادِثِ العَمِمِ
اِنْ لم يكُن في مَعَادِي آخِذَاً بِيَدِي … فَضْلاً وإلا فَقُلْ: يا زَلَّةَ القَدَمِ (٣).
٦ - كفر أبي طالب، والرد على من زعم إسلامه، فيحاول بعضهم بدافع عاطفي أن يثبت إسلام أبي طالب، وإسلام والدي النبي ﷺ ، بلا دليل، أو بأدلة موضوعة، أو متكلفة، مخالفة للأدلة الصحيحة الصريحة. فالواقع: أن أبا طالب مات على الشرك، فإن آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب.
٧ - مضرة تقليد الآباء والأجداد، إذا كانوا على باطل.