والمراد به: أبو طالب؛ لكنها تشمل من سواه، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
قوله: ﴿لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ دلت على نفي الهداية عنه ﷺ ، ودل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] على إثباتها له! والجمع بينهما أن يقال:
إن الهداية المنفية في قول الله : ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ هداية التوفيق والإلهام، فهي خالصة لله ؛ لأنها متعلقة بمشيئته، وحكمته، وربوبيته، لا يشاركه أحد سواه، كقوله : ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣].
والهداية المثبتة في قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] هداية الدلالة والإرشاد والتعليم والبيان، وهذه ثابتة للنبي ﷺ ، ولسائر الأنبياء، والعلماء، والدعاة، والمربين، وكل من كان على هدى، ودعا إليه. ويدل عليها، أيضاً، قول الله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]، فهذه هداية دلالة وإرشاد؛ لأنها لو كانت هداية توفيق وإلهام لاستجابوا وآمنوا، لكنهم استحبوا العمى على الهدى، فدل على أن الهداية التي هُدوا إليها هي هداية البيان والدلالة والإرشاد.
وهذا أمر مشاهد: فتجد أن الأب -مثلاً- يعظ ابنه وينصحه ويقول له: ﴿وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾، ومع هذا يأبى، ويقول: ﴿مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأحقاف: ١٧] فهداية الدلالة والبيان والإرشاد والتعليم، تقع من أهلها من الأنبياء، والعلماء، والدعاة، والمربين، والناصحين، والمحتسبين، وأما دلالة التوفيق والإلهام، فهي مما يختص الله تعالى به.
قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: من أراد الله به خيراً، قال الله : ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] فالشرح: والضيق أمور إلهية سماوية بيد الله تعالى.
قوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ أي: هو سبحانه أعلم بمن يستحق الهداية، ممن لا يستحق.
стр. 282
فوائد الآية:
١ - الرد على من يعتقد في الأولياء والصالحين نفعاً أو ضراً وتصرفاً.
٢ - أن هداية التوفيق والإلهام بيد الله.
٣ - إثبات صفة العلم لله، وأن له منه المثل الأعلى، لقوله: (أعلم).
٤ - إثبات صفة المشيئة؛ لقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ فلله المشيئة المطلقة؛ فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
٥ - إثبات الحكمة في أقدار الله تعالى؛ لقوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. فمشيئة الله دوماً مقترنة بحكمته، وليست مشيئة محضة، فالله تعالى يشاء لحكمة، وأفعاله معللة سبحانه وبحمده، ومبنية على الحكمة والتعليل، بخلاف ما ذهبت إليه الأشاعرة: أن الله يفعل لمحض المشيئة، ولو لم يكن هناك حكمة، وهذا باطل، وقد ألّف ابن القيم ﵀ كتاباً ماتعاً في باب القدر: اسمه (شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل) وهو من أحسن ما كُتب في موضوع القدر.
ثم قال المصنف ﵀:
"في الصحيح" ومراده هنا: الصحيحان؛ البخاري ومسلم، أصح الكتب بعد كتاب الله.
قوله: "عن ابن المسيب" هو سعيد بن المسيب بن حزن، المخزومي، القرشي ﵀، الإمام الثبت الثقة المشهور، مات بعد التسعين، وقد ناهز الثمانين ..
قوله: "عن أبيه" أبوه: المسيب بن حزن، له ولأبيه صحبة، وقد كانت وفاته زمن عثمان، وقد أراد النبي ﷺ أن يغير اسم حزن إلى سهل، فقال: "لا أغير اسماً سمانيه أبي". قال ابن المسيب: "فما زالت الحزونة فينا بعد" (١)، وهذا يدل أن الأسماء مؤثرة "
قوله: قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة" أبو طالب: عم النبي ﷺ ، وقد
стр. 283
كان له حماية ورعاية للنبي ﷺ ، فأدخله في جواره، وحماه من قريش؛ لكنه كان مصراً على كفره حتى مات.
قوله: "جاءه رسول الله ﷺ وعنده عبد الله بن أبي أمية، وأبو جهل" رجلان من صناديد قريش، كانا يعودانه، وهو يحتضر، وجاء النبي ﷺ في تلك الحالة، ومعنى: "حضرته الوفاة" يعني: مقدماتها، وعلاماتها. "
قوله: فقال: "يا عمِّ" " منادى، الأصل فيه (يا عمي) فحذف ياء المتكلم، وعوض عنها بالكسرة الدالة على الياء المحذوفة. وخاطبه بآصرة القربى لاستلانة قلبه، واستجلاب عاطفته.
قوله: "قل: لا إله إلا الله، كلمةً" كلمةً بالفتح؛ لأنها بدل من جملة: لا إله إلا الله.
قوله: "أحاج لك بها عند الله" أي: أحتج لك عند الله بها، وأستشفع بها.
قوله: "فقالا له أترغب عن ملة عبد المطلب؟! " عبد المطلب: جد النبي ﷺ ، وأبو أبي طالب، وكان من أعظم العرب، ومقدم قريش، وهو الذي جدد حفر زمزم، وكان له ذكر وصيت. فهذان المشركان نخياه بنخوة الجاهلية، وذكراه بملة عبد المطلب. ولهذا الأمر وقع في نفس العربي، فالعرب أمة تحتفي بآبائها وأجدادها، ويعتزون بهم، حتى إن الله جعله مثالًا في المناسك، فقال: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠]
قوله: "فأعاد عليه النبي ﷺ فأعادا": أي أعاد عليه الدعوة إلى قول لا إله إلا الله، فأعاد المشركان عليه قولهما: أترغب عن ملة عبد المطلب؟! وتأمل حال هذا المحتضر الذي يلتفت يمنة ويسرة، عنده من يدعوه إلى الهدى، ومن يدعوه إلى الضلالة.
قوله: "فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب" وعبّر الراوي بضمير الغيبة "هو" تحاشيًا أن يعبر بضمير المتكلم "أنا"، ونظائره في النصوص كثيرة، لكن الراوي استثقل أن يأتي باللفظ الذي ينسب إلى النفس.
стр. 284
قوله: "وأبى أن يقول: لا إله إلا الله" وهذا يدل على أن العرب كانوا يعرفون دلالات الألفاظ، ومقتضياتها، بخلاف حال الناس اليوم، فليست المسألة مجرد كلمة تقال، فالعربي يعلم أن قول: لا إله إلا الله، يعني: الكفر بالطواغيت، وباللات والعزى ومناة وهبل، وغير ذلك، ويقتضي الدينونة لله وحده.
قوله: "فقال النبي ﷺ : "لأستغفرن لك ما لم أنه عنك" " حلف النبي ﷺ ، فاللام لام القسم، وبعدها نون التوكيد الثقيلة، واستثنى، فقال: "ما لم أنه عنك"، وقد كان.
قوله: "فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣] ". فقوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ أي: لا ينبغي له، وليس من شأنه، وحاشاه. وهذا أبلغ من أن يقول: "لا تستغفروا للمشركين". ومثلها في الدلالة قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]. فهذا التوحيد الخالص يلغي جميع الروابط، والعلائق، والوشائج، سوى رابطة الإيمان، فإذا تعارضت هذه الروابط مع رابطة الإيمان بطلت. وإن لم تتعارض لم يزدها الإيمان إلا قوة وتوثيقًا.
قوله: "وأنزل الله في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾، وهذا صريح في سبب النزول. والعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.
مناسبة الحديث للباب:
القصة مطابقة لترجمة الباب، لأنها سبب نزول الآية وتفسير لها، وأن النبي ﷺ على عظم قدره، ومنزلته عند ربه، لا يملك لعمه الأحب، الأقرب نفعاً، فكيف يطلب النفع من غيره؟!
فوائد الحديث:
١ - جواز عيادة المريض الكافر إذا رجي إسلامه، وقد كان النبي ﷺ يفعل
стр. 285
ذلك، حتى إنه عاد مرة غلاماً يهودياً، وهو على فراش الموت، فقال: "له أسلم" فنظر الغلام إلى أبيه اليهودي فقال: "أطع أبا القاسم". فشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: "الحمد لله الذي أنقذه من النار" (١).
٢ - ضرر قرناء السوء، وشؤم الصلة بهم، فقد حالوا بينه أبي طالب وبين النجاة من النار. فليحذر العاقل من رفقاء السوء على مختلف درجاتهم، فلا يلزم أن يحول قرين السوء بين الإنسان والإيمان، ربما كان سبباً في جره للبدعة، أو الفسوق والعصيان، وكما قيل:
عَنِ المرْءِ لَا تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينهِ … فكُلُّ قَرينٍ بالمُقَارِنِ يَقْتَدي (٢).
٣ - معرفة العرب معنى: لا إله إلا الله، وأنها تقتضي الكفر بما يعبد من دون الله.
٤ - أن الأعمال بالخواتيم؛ لأنه لو قال: لا إله إلا الله، لحاج له بها عند الله .
٥ - بطلان التعلق بالنبي ﷺ وغيره، لجلب النفع، أو دفع الضر، من الذين يغلون في النبي ﷺ ، ويدعونه من دون الله،؟ كقول قائلهم:
يا أكرَمَ الخلقِ ما لي مَنْ ألوذُ به … سِوَاكَ عِنْدَ حُلولِ الحادِثِ العَمِمِ
اِنْ لم يكُن في مَعَادِي آخِذَاً بِيَدِي … فَضْلاً وإلا فَقُلْ: يا زَلَّةَ القَدَمِ (٣).
٦ - كفر أبي طالب، والرد على من زعم إسلامه، فيحاول بعضهم بدافع عاطفي أن يثبت إسلام أبي طالب، وإسلام والدي النبي ﷺ ، بلا دليل، أو بأدلة موضوعة، أو متكلفة، مخالفة للأدلة الصحيحة الصريحة. فالواقع: أن أبا طالب مات على الشرك، فإن آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب.
٧ - مضرة تقليد الآباء والأجداد، إذا كانوا على باطل.
стр. 286
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: تفسير قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
وأن المراد بهذه الهداية المنفية: هداية التوفيق والإلهام، فهي خاصة بالله تعالى.
الثانية: تفسير قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.
فتدل على عدم جواز الاستغفار للمشركين مطلقاً، ومن تطبيقاتها: ما رواه أبو هُرَيْرَةَ، قَالَ: زَارَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ» (١)
الثالثة: وهي المسألة الكبرى: تفسير قوله ﷺ : "قل: لا إله إلا الله" بخلاف ما عليه من يدعي العلم.
أن تفسير: لا إله إلا الله: الكفر بما يعبد من دون الله، وعدم دعاء غير الله ، هذا هو تفسيرها الذي عرفه أبو طالب والمشركون الأولون، ويتجاهله مشركو هذا الزمان.
الرابعة: أن أبا جهل ومن معه يعرفون مراد النبي ﷺ إذا قال للرجل: "قل: لا إله إلا الله" فقبح الله مَنْ أبو جهل أعلم منه بأصل الإسلام.
هذا يدل على سوء حاله، أن يكون أبو جهل أعرف منه بحقيقة الإسلام.
стр. 287
ويقال: إن أحد العرب سأل أحد الصحابة: إلام تدعون؟ قال: إلى "لا إله إلا الله"، فقال: والله لتقاتلنكم الروم والعجم، فانظر كيف استنبط هذا المعنى؟ أدرك أن هذه الكلمة العظيمة الثقيلة، لها تبعات، وليست كلمة تقال باللسان؛ لأن أصحاب الأهواء والشرك، سوف يذبون عن هذه المصالح التي يحصلون عليها، فيحملون السلاح في وجه أهل الإسلام.
الخامسة: جدّه ﷺ ومبالغته في إسلام عمه.
وذلك لأن لعمه حق خاص لقرابته؛ ولأنه كان يذود عنه، ويحميه؛ ولهذا لما سأله العباس:
هل نفعت عمك بشيء؟ قال: "نعم، وجدته في غمرات من النار، فأخرجته إلى ضحضاح" (١)، فخفف عنه بسبب شفاعة النبي ﷺ ، وهذه من أخص أنواع الشفاعة.
السادسة: الرد على من زعم إسلام عبد المطلب وأسلافه.
من ذوي الدوافع العاطفية، التي لا تقوم على حجة وبرهان، بل تعتمد على استدرار عواطف العوام. فملة عبد المطلب هي الشرك، بدليل قولهما: "أترغب عن ملة عبد المطلب؟ " حين أمره النبي ﷺ أن يقول: لا إله إلا الله، فهي نقيض التوحيد.
السابعة: كونه ﷺ استغفر له، فلم يغفر له، بل نهي عن ذلك.
لأنه قال: "أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك" (٢)، فنهي بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ مع أن الرسول ﷺ أقرب الناس أن يجيب الله دعاءه، ومع ذلك اقتضت حكمة الله أن لا يجيب دعاءه لعمه أبي طالب؛ لأن الأمر بيد الله، لا بيد الرسول، ولا غيره.
стр. 288
الثامنة: مضرة أصحاب السوء على الإنسان.
إذ لولا صحبة هذين الرجلين لربما قال أبو طالب: لا إله إلا الله، عندما عرضها عليه النبي ﷺ ، لكنهما استثارا نعرة الجاهلية، فامتنع، وهذا يدل على مضرة رفقاء السوء في جميع سلوك الإنسان، لا سيما في باب الإيمان.
التاسعة: مضرة تعظيم الأسلاف والأكابر.
وهذه محنة الأمم السابقة التي صدتهم عن اتباع الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣، ٢٤]. فعلى الإنسان أن يتخلص من هذا القيد، فلا تحمله عاطفة، أو عصبية، أو نخوة جاهلية، على رد الحق، بل عليه أن ينأى بنفسه عن كل هذا، ولا يقع أسيراً مرتهناً لهذه العادات الموروثة عن الآباء والأجداد، إذا كانت تخالف الشرع.
العاشرة: استدلال الجاهلية بذلك.
وهي قولهما: "أترغب عن ملة عبد المطلب؟! "، وكذلك يقول مشركو الزمان.
الحادية عشرة: الشاهد لكون الأعمال بالخواتيم؛ لأنه لو قالها لنفعته.
ففي صحيح البخاري: "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالخَوَاتِيمِ" (١) ولهذا ينبغي للإنسان دوماً أن يسأل الله حسن الخاتمة، ففي حديث أبي مسعود المشهور: "فإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخل النار" (٢). فهذا يوجب للإنسان أن يكون بين الخوف
стр. 289
والرجاء، وألا يركن إلى حاله، أو يعجب بنفسه، بل يسأل الله العصمة والثبات.
الثانية عشرة: التأمل في كبر هذه الشبهة في قلوب الضالين؛ لأن في القصة أنهم لم يجادلوه إلا بها، مع مبالغته ﷺ وتكريره، فلأجل عظمتها ووضوحها عندهم، اقتصروا عليها.
الشبهة هي: الاعتزاز بالآباء والأجداد، والملة السابقة، فكل من احتج بمثل هذا، ففيه شبه من المشركين، كأن يقول قائل: أدركنا علماءنا ومشايخنا على هذه الطريقة، هذا لا يغني شيئاً، بل يجب الرد عند التنازع والاشتباه إلى الله، وهو كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، وإلى سنة رسوله ﷺ ، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
стр. 290
باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين
وقول الله : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [سورة النساء: ١٧١].
وفي الصحيح: عن ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [سورة نوح: ٢٣] قال: "هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تُعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي (١) العلم عُبدت" (٢).
وقال ابن القيم: "قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد، فعبدوهم" (٣).
وعن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله" (٤)، أخرجاه.
стр. 291
وقال: قال رسول الله ﷺ : (إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو" (١).
ولمسلم: عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "هلك المتنطعون" قالها ثلاثاً (٢).
الشرح:
كان بنو آدم على ملة واحدة، هي التوحيد، كما قال الله : ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣]، فوقعوا في الشرك بسبب الغلو في الصالحين. والغلو: مجاوزة الحد، وهو بمعنى: الإفراط، فكلُّ مجاوزة للحد؛ سواء كان في القول، أو الاعتقاد أو العمل، فإنه يُعد غلواً. والمراد "بالصالحين" جمع صالح، فيتناول عند الإطلاق جميع أصناف المؤمنين، والأنبياء، والصديقين، والشهداء. أما عند الاقتران، فالصالحون هم: الممتثلون لأوامر الله، المجتنبون لمناهيه.
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
لما كان الشرك نقيض التوحيد، ناسب أن يعقد المصنف باباً يذكر فيه السبب الذي أوقع بني آدم في الشرك، بعد أن كانوا على التوحيد؛ ليُحذر ذلك الأمر ويجتنب، ولا يقع الناس فيما وقع فيه أسلافهم.
قوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ هذا نداء من الله إلى أهل الكتاب، وأهل الكتاب المراد بهم حصراً: اليهود والنصارى، ومما يدل على ذلك قول الله : ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا
стр. 292
عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٦] والطائفتان اللتان أُنزل عليهما التوراة والإنجيل، هم اليهود والنصارى.
وهذا المصطلح (أهل الكتاب) لا يدل، بحد ذاته، على مدح ولا ذم، فإنهم أهل الكتاب بمعنى: أن الكتاب أنزل عليهم؛ ولهذا يُعبر الله تعالى أحياناً بقوله: ﴿أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ١٠١]، ومرة بقوله: ﴿وَرِثُوا الْكِتَابَ﴾ [الأعراف: ١٦٩]، ومرة بقوله: ﴿أُورِثُوا الْكِتَابَ﴾ [الشورى: ١٤]، فلا يكون مدحاً لهم إلا إذا أقاموهما به، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦]، وإن هم ضيعوهما كان ذلك ذماً، وعاد حجة عليهم.
وقد آل الحال بأهل الكتاب إلى تحريفه، وتضييعه؛ ولما بُعث نبينا ﷺ كانت فرصة سانحة لأهل الكتاب أن يرجعوا إلى ملة إبراهيم، فإن الله تعالى قد قال: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦]، فكان القرآن رافعاً للإشكال والالتباس الذي وقع فيه اليهود والنصارى، فلو أنهم اغتبطوا بنعمة الله، وقبلوا ما ساق الله تعالى إليهم من الخير لنجوا وسعدوا، وقد جرى ذلك لكثير منهم -ولا ريب-، فإن الله تعالى قال في كتابه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٥] فهؤلاء يؤتون أجرهم مرتين؛ لأنهم أمنوا برسولهم الأول، ثم آمنوا بمحمد ﷺ ثانياً، بخلاف الذين أصروا على كفرهم وتكذيبهم، وقولهم بأن الله ثالث ثلاثة، وأن عيسى ابن الله، أو هو الله، وقولهم بالحلول والتجسد والبنوة، وغير ذلك من العقائد الباطلة التي عليها نصارى اليوم، أو اليهود الذين قالوا: عزير ابن الله، وكذبوا بمحمد ﷺ .
وقد وجه الله تعالى إلى أهل الكتاب جملة من النداءات، من بينها هذا النداء العظيم:
قوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ أي: لا تتجاوزوا ما أمركم الله تعالى به في العقائد والأعمال. وأكثر غلو النصارى في العقائد، وأكثر
стр. 293
غلو اليهود في الأعمال، وإن كان قد وقع لكلا الطائفتين غلو في الاعتقاد، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] فغلوا في البشر، ورفعوهم فوق منزلتهم، وتجاوزوا بهم الحد، وشبهوهم بالخالق، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
ثم إن النصارى لم يزالوا يغلون في عيسى ﵇ حتى قالوا: هو الله، أو ثالث ثلاثة، وجعلوا الإله مكوناً من ثلاثة أقانيم: الأب، والابن، والروح القدس، كما أنهم غلو في الحواريين، ومن يسمونهم الرسل، كبولس، والأساقفة، وأطلقوا عليهم لقب "قديسين"، وزعموا أنه إذا اجتمع الأساقفة في "مجمع" واحد، فإنهم معصومون، وأن "الروح القدس" يوجههم. فنشأت (المجامع النصرانية) التي ابتدأت من مجمع نيقية، سنة (٣٢٥) للميلاد، وتلتها مجامع متعددة، كان آخرها المجمع الفاتيكاني الثاني، الذي دام من سنة (١٩٦١ م) إلى (١٩٦٥ م). فيعتقد النصارى الكاثوليك: أنه إذا اجتمع أساقفتهم الذين على وجه الأرض في مجمع مسكوني -والمسكوني نسبة إلى الأرض المسكونة- فإن جميع قراراتهم ودساتيرهم تكتسب العصمة، بل غلا بعضهم وزعم لعصمة لبابا الكنيسة الكاثوليكية الرومانية. وفي المقابل، فهم مفرطون في الأعمال، فلا عبادة عند النصارى، ولا التزام بالشريعة؛ لأن (بُولس) أفسد دينهم، وأقنعهم أن مجرد الإيمان بيسوع المخلص -كما يقولون- يبررهم، أي: يحصل لهم بذلك البر، ويسقط عنه الناموس أي: الشريعة، فيكون معفىً من إتباع شريعة موسى! هذا معنى "التبرر" عندهم. ويلاحظ أن النصارى ليس عندهم عبادات تُذكر، وغاية ما في الأمر أن يحضر أحدهم قدَّاساً يوم الأحد، ويستمع إلى موعظة القسيس، وبعض التراتيل، ويتناول العشاء الرباني "الأفخارستيا" من يد الكاهن، وهو كسرة خبز مغموسة بنبيذ، ثم ينصرف.
أما اليهود فقد غلوا في الاعتقاد، كما غلوا أيضاً في الأعمال، فصار عندهم تشدد في أمر الذبائح، والطهارة، وغير ذلك، حتى صار الدين كالأغلال والآصار عليهم، ولو آمنوا لسلموا ونجوا، كما قال تعالى: فنهاهم الله تعالى عن الغلو، فقال: ﴿﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ
стр. 294
الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]
مناسبة الآية للباب:
واضحة جلية، حيث نهي الله فيها أهل الكتاب عن الغلو، فأبوا، وغلوا في أنبيائهم وصالحيهم، فكفروا، وخرجوا عن دين أنبيائهم. وهو نهي وتحذير لهذه الأمة أيضاً أن تسلك مسلكهم؛ وذلك أن نبينا ﷺ قد أخبرنا فقال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً شبراً، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم" قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: "فمن" (١)، وقد وقع فعلاً، في هذه الأمة غلو، وإن كان بنسبة أقل، من أفراد غلوا في الأنبياء، والصالحين، والأولياء، ورفعوهم فوق منزلتهم، وأطلقوا عليهم الأوصاف والمدائح التي لا تنبغي إلا لله. وبقيت الفرقة الناجية، والطائفة المنصورة، شاهدة بالحق، في كل زمان ومكان، ولله الحمد والمنة.
فوائد الآية:
١ - تحريم الغلو.
٢ - الرد على اليهود والنصارى فيما أحدثوه في دينهم.
٣ - أن الغلو قد يقع في الأشخاص، برفع شخص فوق منزلته، وقد يقع في الأعمال بابتداع ما لم يشرعه الله تعالى.
٤ - فضل دين الإسلام، وأنه دين التوسط والاعتدال؛ بين إفراط اليهود، وتفريط النصارى، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] فمن لزم السنة المحضة فقد سار في طريق وسط لا عوج فيه.
стр. 295
ثم قال المصنف ﵀:
قوله: "في الصحيح" المراد بالصحيح هنا: صحيح البخاري.
قوله: "عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ " القائلون هم قوم نوح، ﵇، يتواصون فيما بينهم؛ يقول بعضهم لبعض: تمسكوا بما أنتم عليه، ولا تتركوا عبادة آلهتكم، وعلى وجه الخصوص هؤلاء الخمسة: ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، وخصوا هؤلاء الخمسة بالذكر؛ لشهرتهم، ومنزلتهم عندهم. وقد عرّفهم ابن عباس ﵄ بقوله: "هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا، أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً" أي: اعمدوا وأقيموا أنصابًا، والأنصاب: هي الأصنام المصورة، وسموها بأسمائهم. ففعلوا، وهذا إيحاء شيطاني، متلبس بالصلاح والموعظة، يستزل به الجهال، فكأنه قال: إن أنتم تركتم هؤلاء الخمسة الفضلاء، بعد موتهم، فسوف تنسونهم، وتكسلون عن العبادة، والرأي: أن تتجهوا إلى مجالسهم التي كانوا يُعلِّمون فيها العلم، ويعظون فيها الناس، وتنصبوا صوراً وتماثيل لهم، تسمونها بأسمائهم، حتى إذا رأيتموهم تذكرتم مجالسهم، ونشطتم على العبادة. هكذا كيد الشيطان، وتزيينه، وتسويله، واستزلاله للأغرار. ولو قال لهم من البداية: اعبدوهم! لرفضوا مقالته؛ إذ كانوا حديثي عهد بتوحيد، لكنه أتاهم بالتدرج؛ شيئًا فشيئًا، فاكتفى من الجيل الأول بهذا التعظيم، وقبل منهم.
قوله: "ففعلوا، ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك" وهم الجيل الأول، الذين نصبوا الأنصاب.
قوله: "ونسي العلم" أي: اندرس؛ لأن العلم يندرس بموت العلماء العاملين، وعدم وجود من يحفظه في الصدور، لا في السطور، فقد تُوجد الكتب، ومع هذا يُهجر العلم؛ فالعبرة بالعلم المقترن بالعمل.
قوله: "عُبدت" فإن الشيطان أتى إلى من بعدهم، وأغراهم بعبادتهم، وقال: هؤلاء شفعاؤكم عند الله، فادعوهم، وارجوهم، فلهم منزلة عند الله، فعبدوهم، وهكذا وقع الشرك.
стр. 296
وفي بعض الآثار عن ابن عباس ﵁ قال: كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا (١)، كما قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] أي: على التوحيد، ﴿فاختلفوا،﴾ فاختلفوا في عباداتهم، وأشركوا، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣].
قوله: "قال ابن القيم ﵀: قال غير واحد من السلف لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد، فعبدوهم" (٢)، كلام ابن القيم، ﵀، زيادة بيان لما رواه البخاري عن ابن عباس، وفيه زيادة: وهي العكوف، أي: وافق رواية البخاري في صنع التصاوير والأنصاب، وزاد على ذلك ذكر العكوف، بمعنى: أنه أغراهم في البداية أن يعكفوا على قبورهم، فعكفوا على قبورهم، تعظيماً لهم، وانجذاباً إليهم. ثم نقلهم إلى مرحلة أخرى فقال: يطول بكم ذلك، فانصبوا لهم أنصاباً في مجالسهم حتى يسهل عليكم استصحاب ذكرهم، فهكذا يتسلل الشيطان إلى قلوب الآدميين ويتلطف بالإغراء والوسوسة، فينبغي للمؤمن الفطن، الكيس، الحاذق، أن يجعل على قلبه حارساً يفحص الواردات، ويميز بين الواردات الإيمانية، والواردات الشيطانية، فلا يستدرج إلى هلكة.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، ففيه أن الغلو في الصالحين يُفضي إلى عبادتهم.
فوائد الحديث:
١ - أن الغلو في الصالحين من أعظم أسباب الشرك.
٢ - التحذير من التصوير، لا سيما تصوير المعظمين؛ من الأمراء، والعلماء، والصالحين، لما يؤدي إلى التعلق والغلو. فيجب الحذر من التصاوير، لا سيما ما كان منها منحوتاً؛ لأنه أبلغ في المضاهاة، سواء كان منحوتاً من
стр. 297
خشب، أو حجر، أو خزف. وإذا توجه الإنسان إلى كثير من بلاد المسلمين -للأسف- وجد هذه الأنصاب مبثوثة في الميادين العامة، والأماكن المشرفة. وهذا من أعظم الأسباب المفضية إلى الشرك بالله تعالى.
٣ - الحذر من مكائد الشيطان وأحابيله؛ فإن الشيطان لا يأتي دفعة واحدة، وإنما يتدرج في إيقاع العبد بما أحب، درجات. فليكن المؤمن على حذر أن يوقعه في البدعة، أو في الكبيرة، أو في الغفلة. ينبغي للمؤمن أن يكون يقظاً، ولا يكون غافلاً عن مكائد الشيطان. ومع ذلك فإن الشيطان على تلطفه، وتسلله إلى النفس بمختلف الوسائل، فإن كيده ضعيف أمام النفس المؤمنة، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦].
٤ - فضل العلم وأهله؛ لقوله: "حتى إذا هلك أولئك، ونسي العلم عُبدت" فالعلم حصانة، وعصمة، فإن الله يرد به شراً كثيراً، وأهل العلم هم أوتاد الأرض، ونجوم السماء، إذا هم أدوا ما حملهم الله إياه، وشرفهم به.
٥ - أن فقد العلم لا يكون بفقد الكتب المسطورة والأوعية الصوتية، والأقراص المدمجة، وإنما يكون بفقد العلماء، كما في الحديث: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبق عالماً، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا" (١).
٦ - ذم التقليد؛ لأن من جاء بعدهم قلدوا أسلافهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] وقد مر في الباب السابق قريب من هذا المعنى في قصة أبي طالب، حين نخاه المشركان بنخوة الجاهلية: "أترغب عن ملة عبد المطلب؟ " فتقليد الآباء والأجداد على الباطل، من أعظم أسباب الضلال.
стр. 298
ثم قال المصنف ﵀:
"عن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله"، وهذا من تواضعه ﷺ ، فإنه نهى أصحابه عن الإطراء. والمقصود ب (الإطراء): المبالغة بالمدح، والتزيد فيه، وربما كان الإطراء الذي قصده النبي ﷺ هو هذا النوع الذي قيده بقوله: "كما أطرت النصارى ابن مريم"، ولا يعني ذلك عدم التوسع في الثناء عليه ﷺ ، وذكر سيرته الشريفة، وشمائله الطاهرة، ولكن ما جاوز ذلك كان مذموماً، فالنصارى غلت في المسيح ﵇، فمنهم من اعتقد أنه الله، ومنهم من اعتقد أنه ابن الله، ومنهم من اعتقد أنه ثالث ثلاثة، ومنهم من يخلط بين ذلك كله، ويعبر بتعبيرات فلسفية غامضة؛ فيزعمون أن الله حل في جسد المسيح، وأن المسيح هو الإله الذي يمشي بين الناس، وأنه هو الذي قُبض عليه، وعُلق على الصليب، ومات، ثم يزعمون أنه قام من قبره بعد ثلاثة أيام. تارة يتحدثون عن الله، فينقلب الحديث عن الإبن! ويختلط "الناسوت" ب"اللاهوت"، فلا يستطيعون التعبير عنه بلغة واضحة مقنعة، فلهذا كثر اختلافهم، ووصفوا بالضلال، حتى قال بعض أهل العلم: لو اجتمع عشرة من النصارى ليبحثوا قضية واحداة لخرجوا بأحد عشر قولاً، فهم "الضالون" الذين ضلوا عن سواء السبيل.
قوله: "إنما أنا عبد" أداة حصر، فقطع الطريق على كل نزعة غلو.
قوله: "فقولوا: عبد الله ورسوله" هذا من حسن التعليم والتلقين. فالأصل فيه العبودية كسائر الناس، ولكنها عبودية خاصة، فإنه أكمل الناس عبودية لله رب العالمين. وقد جمع النبي ﷺ لنفسه بين وصفين، كما جمع الله تعالى له هذين الوصفين وهما:
١ - أنه عبد: وفي وصفه بالعبودية رد على أهل الغلو الذين يرفعونه إلى مقام الألوهية.
٢ - أنه رسول: وفي وصفه بالرسالة رد على أهل الجفاء الذين يقدحون فيه ﷺ ، ولا يعزروه، ولا يوقروه. فالحق وسط بين ضلالتين، وعدل بين عوجين، ووسط بين طرفين.
стр. 299
مناسبة الحديث للباب:
مطابقة للترجمة، لما فيه من النهي عن الإطراء الذي هو مقدمات الغلو المفضي إلى التأليه. وأن النبي ﷺ الذي هو أكرم بني آدم على الله يشرف بوصفه بالعبودية، فمن زاد عن وصفه بالعبودية والرسالة فقد غلا، وأفضى به ذلك إلى الشرك، ومن أمثلة ذلك أبيات البوصيري، التي يقول فيها:
يا أكرَمَ الخلقِ ما لي مَنْ ألوذُ به … سِوَاكَ عِنْدَ حُلولِ الحادِثِ العَمِمِ
اِنْ لم يكُن في مَعَادِي آخِذَاً بِيَدِي … فَضْلاً وإلا فَقُلْ: يا زَلَّةَ القَدَمِ
فَإِنَّ مِنْ جُودِكَ الدُّنْيَا وَضَرَتِهَا … وَمِنْ عُلُومِكَ عِلَمَ اللوحِ وَالقَلمِ (١).
فمثل هذه الأبيات لا تزيد صاحبها قرباً من الله، ولا محبةً من رسوله، ولو سمعها النبي ﷺ لأنكر عليه، كما أنكر على من قال أقل من ذلك_ كما سيأتي_ فإن في هذا منازعة لله تعالى في خالص حقه في ألوهيته، وربوبيته أيضاً، ولكن الغلو يعمي ويصم، فنسأل الله أن يلزمنا كلمة التقوى.
فوائد الحديث:
١ - تحريم الغلو، ومجاوزة الحد في المديح.
٢ - كمال شفقة النبي ﷺ ونصحه لأمته.
٣ - أن الغلو في الصالحين يفضي إلى الشرك، كما أفضى الغلو في عيسى بالنصارى إلى الشرك، فكذلك من غلا في النبي ﷺ فإنه يفضي به إلى الشرك.
٤ - التحذير من التشبه باليهود، والنصارى، وسائر الكفرة، فالواجب أن يربأ المسلم بنفسه عن السير على طريقهم وتقليدهم. وأنه لمن دواعي الأسف أن نجد الآن كثيرًا من المسلمين يحاكي النصارى الغربيين في عاداتهم وتقاليدهم، كإقامة حفلات الميلاد لأولاده؛ من بنين وبنات، ويُطفئ الشموع بعدد سنوات عمره، وغير ذلك، ولم يكن هذا جاريًا بين المسلمين، ولا من عادة أهل الإسلام، وإنما شاهدوه في الأفلام وقرأوه في القصص والروايات، فصاروا يحاكونه، يظنون أن هذا لا يقدح في الدين، وهو في الحقيقة يهدم الدين؛ لأن
стр. 300
من تشبه بقوم فهو منهم. فعلينا أن نعتز بديننا، وأن نعلم أن الله أكرمنا بكرامة عظيمة، حيث قال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] فلا يليق بأمة الرسالة، والقيادة، والريادة، أن تكون ذيلاً وتبعاً لمن هم دونها.
ثم قال المصنف ﵀:
"قال رسول الله ﷺ " هكذا ذكر المصنف هذا الحديث دون عزوٍ إلى مصدره، في جميع النسخ. والحديث رواه الإمام أحمد (١)، وابن ماجه كما تقدم، من حديث ابن عباس ﵄.
قوله: "إياكم والغلو" (إياكم): اسم فعل بمعنى: احذروا، عكس عليكم. و (الغلو) منصوبة بالفعل المحذوف، (احذروا).
قوله: "فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو" أي: من الأمم، وهذا يشمل اليهود والنصارى، وغيرهم. وهذه جملة تعليلية تفيد الطمأنينة للحكم، وإمكان القياس، وسمو الشريعة.
مناسبة الحديث للباب:
مطابقة للترجمة، فإن فيه النهي عن الغلو مطلقاً.
فوائد الحديث:
١ - النهي عن الغلو؛ لقوله: "إياكم".
٢ - فضيلة الاعتبار بحال الأمم السابقة، قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الروم: ٤٢] وهذا هو السير المثمر، وليس السير لتتبع الآثار، والتعجب من المباني، والمخلفات، والتراث، ففائدة ذلك قليلة، وإنما المفيد: نظر الاعتبار. ولقد وجه القرآن الكريم إلى الاعتبار بمساكن الأمم السابقة التي يمرون عليه، فقال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا
стр. 301
تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨] وقال: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦] وهي مدائن صالح في وادي القرى، فكانوا يمرون ويرون هذه البيوت المنحوتة من الصخر، مما يدل على قوة أهلها، ومع ذلك أهلكهم الله . ولما مر النبي ﷺ بوادي القرى أمر أصحابه فقال: "لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين، إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، لا يصيبكم ما أصابهم" (١)، وقنَّع النبي ﷺ رأسه ووجهه، وأرخى الزمام لناقته، ومر سريعاً؛ لأنها أرض عذاب، فالذي ينبغي للإنسان ألا يذهب للتنزه، والترفه، والتسلية في هذه الأماكن، وإنما يدخلها للاعتبار والاتعاظ، هذا هو المطلوب.
٣ - حرص النبي ﷺ على أمته؛ فالنبي ﷺ ما ترك شاذة ولا فاذة إلا ونبه أمته عليها، كما قال أبو ذر: "لقد توفي رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علماً" (٢). فلا يمكن أن تجد مسألة من المسائل، أو نازلة من النوازل، إلا وفي ديننا -ولله الحمد- الشفاء والغناء والكفاية.
٤ - وجوب الاعتدال في جميع الأمور. فيجب على المسلم أن يحذر من جميع صور الغلو، فالغلو هو الذي أوقع الخوارج في تكفير المسلمين، واستحلال دمائهم، وأموالهم، والغلو هو الذي أوقع الرافضة في تأليه علي بن أبي طالب ﵁، ورفعه فوق منزلته، وأهل بيته من بعده، ولا تكاد تجد فرقة من الفرق الهالكة، إلا وقد غلت في شيء من الأشياء:
فالمشبهة: غلو في الإثبات، حتى وقعوا في التمثيل.
والمعطلة: غلو في التنزيه، حتى وقعوا في التعطيل.
والقدرية: غلو في إثبات أفعال العباد، حتى أنكروا القدر.
والجبرية: غلو في إثبات أفعال الله ، حتى سلبوا العبد مشيئته وفعله.
فليحذر الإنسان من الغلو، وليكن معتدلاً وسطًا، والوسطية تكون في
стр. 302
العقائد، وفي العبادات، وفي المعاملات، وفي الأخلاق، وفي النفقات، وفي كل شيء. كما قيل:
عليك بأوساط الأمور فإنها طريق إلى نهج الصواب قويم
ولا تغلُ في شيء من الأمر واقتصد كلا طرفي قصد الأمور ذميم
وأما الغلو في العبادات فله صور:
منها: أن يحدث في دين الله ما ليس منه، بأن يبتدع أذكارًا، أو أوراداً، أو صلوات، أو أفعالًا، لم يأتِ بها النبي ﷺ ، فهذا نوع من التجاوز.
ومنها: أن يأتي إلى أمر مشروع فيزيد فيه، أو يدعه، كالثلاثة النفر الذي قال أحدهم: "أنا أصوم الدهر، ولا أفطر"، مع أن الصوم في أصله مشروع، وقال الآخر: "أما أنا فإني أصلي الليل أبداً"، مع أن القيام مشروع، وقال الثالث: "أنا أعتزل النساء، فلا أتزوج أبداً" (١)، مع أن الزواج مشروع، فينبغي للمسلم أن يسُوس نفسه سياسة معتدلة؛ لأن النفس كالدابة التي يركبها؛ من حصان، أو بغل، أو سيارة، فإن حمّلها ما لا تطيق أعيت، وتعطلت، وإن ترفق بها، واغتنم نشاطها، سارت حثيثاً، وحفظ عليها نشاطها، واستبقى مادتها.
وأما الغلو في المعاملات: فيكون بأكل الربا، و اللعب بالميسر، وبيوع الغرر، لتجاوزها حد العدل والإنصاف، وما يترتب عليه من المجازفة، والمضارة المنافية للتوسط.
وأما الغلو في الأخلاق: فيكون بتجاوز الحد الأوسط؛ فيكون كرمه إسرافًا وتبذيرًا، وشجاعته تهورًا وهلكة، وقوته بطشًا وتنكيلًا. وهكذا.
وأما الغلو في النفقات: فيكون بالخروج عن "القوام"، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧].
فليكن المسلم معتدلًا في كل شيء؛ في عقائده، وعباداته، ومعاملاته، وأخلاقه، ونفقاته، بل وفي عواطفه ومشاعره؛ لأن من الناس من إذا أحب أسرف، وإذا أبغض أسرف، وقد جاء في بعض الآثار: "أحبب حبيبك هوناً ما، عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما،
стр. 303
عسى أن يكون حبيبك يوماً ما" (١)، فينبغي للإنسان ألا يشتط، ولا يغلو في شيء من الأمور، حتى تنضبط نفسه، ويعتدل ميزانه.
ثم قال المصنف ﵀:
"ولمسلم: عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "هلك المتنطعون" قالها ثلاثاً" أي: كررها ثلاث مرات، و "هلك" إما خبر عنهم، وإما دعاء عليهم بالهلكة، ولا مانع من اجتماع الأمرين.
قوله: "المتنطعون" جمع متنطع، والتنطع: التعمق في الشيء، والمبالغة فيه، والتكلف. فمن التنطع في العقائد: الغلو في الصالحين، وما يحصل من المبالغة في إطرائهم، وتعظيمهم. والصواب: أنه إن كان صاحب فضل وعلم ودين، فحقه الاحترام، والإجلال، والانتفاع بعلمه وفضله، والتأسي بأخلاقه، لا بالتمسح به، والانحناء له، ولحس يديه، مما يفعله الجاهلون.
ومن التنطع في العبادة: ما يفعله الموسوسون، من الإسراف في استعمال في الماء في الوضوء والغسل، وقد حدثني بعضهم: إنه لا يدخل دورة المياه حتى يشغل "الدينامو"؛ لأن الماء ينتهي في الخزان! مع أن خير الورى ﷺ يتوضأ بمد، ويغتسل بصاع، وهو أوفر منا شعراً، وأعظم فضلاً.
ومن التنطع: التشدق في الكلام، فمن الناس من يتشدق في كلامه، ويعبر بالألفاظ المغربة، ويقع في التكلف الذي برأ الله منه نبيه ﷺ ، قال تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]. عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ، وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ،
стр. 304
وَالْمُتَشَدِّقُونَ، وَالْمُتَفَيْهِقُونَ"، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ، وَالْمُتَشَدِّقُونَ، فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ؟ قَالَ: " الْمُتَكَبِّرُونَ " (١)
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لما فيه من ذم التنطع، وهو نوع من الغلو، والدعاء على المتنطعين.
فوائد الحديث:
١ - النهي عن التنطع في جميع الأشياء.
٢ - الحث على الاعتدال في جميع الأشياء.
٣ - حرص النبي ﷺ على هداية أمته، وحملهم على المنهج السوي الصحيح.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: أن من فهم هذا الباب وبابين بعده تبيّن له غربة الإسلام، ورأى من قدرة الله، وتقليبه للقلوب العجب.
الأبواب الثلاثة المشار إليها هي:
- باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين.
- باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده.
- باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثاناً تعبد من دون الله.
وهي تكشف عما آل إليه حال كثير من الناس، وحكمة الله في ابتلائهم.
الثانية: معرفة أول شرك حدث في الأرض أنه بشبهة الصالحين.
كما أفصح عنه تفسير ابن عباس للآية، وأن هذه الأصنام المعبودة، أسماء لرجال صالحين.
стр. 305
الثالثة: أول شيء غيّر به دين الأنبياء، وما سبب ذلك، مع معرفة أن الله أرسلهم.
الشيء هو عبادة الصالحين، وسبب ذلك هو الغلو فيهم، مع إقرارهم بالنبوات.
الرابعة: قبول البدع، مع كون الشرائع والفطر تردها.
البدعة: هي الإحداث في الدين، ومع ذلك تقبل، وتنطلي على الغافلين، مع أن العقل والشرع يأبيان البدعة؛ لأن البدعة استدراك على الدين، وتنقص للشريعة. فقد تمكن الشيطان من تمرير هذا الإحداث على بني آدم، بتزيينه ووسوسته.
الخامسة: أن سبب ذلك كله مزج الحق بالباطل. فالأول: محبة الصالحين. والثاني: فعل أناس من أهل العلم شيئاً، أرادوا به خيراً، فظن من بعدهم أنهم أرادوا به غيره.
وهذا ملحظ مهم، وهو أن سبب ما وقعوا فيه، هو لبس الحق بالباطل، بأن دعاهم الشيطان إلى تعظيم الصالحين، وإظهار محبتهم لينشطوا على في العبادة، وهذا حق، لكنه خرج بهم إلى حد الغلو؛ وهو: إقامة الأنصاب لهم، إبقاءً لذكرهم، فآل الأمر بمن بعدهم إلى دعائهم وعبادتهم. ولولا هذا الحق الممزوج بالباطل ما قُبل منه. فمهمة الراسخين في العلم: تمييز الحق من الباطل، والمحكم من المتشابه، والتحذير من الخلط والتلبيس.
السادسة: تفسير الآية التي في سورة نوح.
وقد تبيّن تفسيرها بحمد الله، من كلام ابن عباس- رضي الله عنهما_. وتتمة ذلك أن نعلم: أن هذه الأصنام رجعت في قبائل العرب، مع أنها كانت في زمن نوح؛ لأنه لما جاء الطوفان طمرت، وكانت في موضع في جدة، فأتى الشيطان إلى عمرو بن لحي في منامه، وقال له: "ائت صفا جدة، تجد فيها أصناماً معدة، فأوردها تهامة ولا تهب،
стр. 306
ثم ادع العرب إلى عبادتها تجب" (١)، فذهب، وكشف عنها، وفرّقها في قبائل العرب، وزاد على ذلك فأحضر "هبل" من البلقاء، وجعله في مكة، فهو يتحمل وزر المشركين الذين جاؤوا بعده إلى يوم القيامة، وقد قال النبي ﷺ : "رأيتُ عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف، أبا بني كعب هؤلاء، يجر قصبه في النار" (٢)
السابعة: جبلة الآدمي في كون الحق ينقص في قلبه، والباطل يزيد.
هذا من تأثير الشيطان، والنفس الأمارة بالسوء، والهوى، وإلا فقد فطرها الله على التوحيد.
الثامنة: فيه شاهد لما نقل عن السلف: أن البدعة سبب الكفر.
لأن البدعة خروج عن النص والدليل، فالبدعة لم تكن في مبدئها شركاً، فمجرد إقامة الأنصاب ليس شركاً، وإنما بدعة عملية، ثم أدت بهم تلك البدعة إلى عبادتها، فصارت شركاً.
التاسعة: معرفة الشيطان بما تؤول إليه البدعة، ولو حَسُن قصد الفاعل.
الشيطان يدرك طبيعة بني آدم؛ ولهذا تدرج معهم، مستغلاً حسن القصد، المقترن بالجهل، فبدأ بهم بالبدعة؛ لمعرفته بما تؤول بهم إليه.
العاشرة: معرفة القاعدة الكلية، وهي: النهي عن الغلو، ومعرفة ما يؤول إليه.
القاعدة الكلية قوله تعالى: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ وهي مطردة في جميع الأمور؛ في العقائد، والعبادات، والعادات، والأخلاق، والنفقات، وفي كل شيء.
стр. 307
الحادية عشرة: مضرة العكوف على القبر؛ لأجل عمل صالح.
لما نقل ابن القيم عن السلف: (لما ماتوا عكفوا على قبورهم)، وسيأتي له مزيد بيان في البابين اللذين أشار إليهما المصنف ﵀، فإن العكوف على القبور، وطول والمكث عندها، ولو لعمل صالح، يُؤدي إلى هذه المضرة البليغة.
الثانية عشرة: معرفة النهي عن التماثيل، والحكمة في إزالتها.
لما نقله ابن القيم ﵀ عن غير واحد من السلف، (ثم صوروا تماثيلهم) فالتصوير ذريعة للوقوع في الشرك، لا سيما إذا كان لمعظمين. وسيأتي باب مستقل في التصوير.
الثالثة عشرة: معرفة شأن هذه القصة، وشدة الحاجة إليها، مع الغفلة عنها.
أي القصة التي ذكرها ابن عباس ﵄، فإنها قصة عظيمة، تكشف عن مثيلاتها، مما يتكرر مع بني آدم، ومع ذلك يغفل عنها.
الرابعة عشرة: وهي أعجب وأعجب: قراءتهم إياها في كتب التفسير والحديث، ومعرفتهم بمعنى الكلام، وكون الله حال بينهم وبين قلوبهم، حتى اعتقدوا: أن فعل قوم نوح هو أفضل العبادات، فاعتقدوا أن ما نهى الله ورسوله عنه فهو الكفر المبيح للدم والمال.
يشير المصنف إلى علماء السوء، من سدنة الأضرحة والمقامات، الذين يقرؤون هذه القصة، ويقفون على معناها الجلي في التفاسير والصحاح والسنن، ثم تنطمس بصائرهم فيقعون فيما وقع فيه قوم نوح من الشرك الصراح، ويستحسنونه،.
الخامسة عشرة: التصريح بأنهم لم يريدوا إلا الشفاعة.
أي: أن أولئك الذين نصبوا الأنصاب للصالحين، زعموا أنهم ما أرادوا إلا الشفاعة، وهي ذات الدعوى التي يدعيها مشركو زمانه ﵀.
стр. 308
السادسة عشرة: ظنهم أن العلماء الذين صوروا الصور أرادوا ذلك.
أي ظن الجيل الثاني أن الجيل الأول من العلماء أرادوا بذلك أن يتخذوهم شفعاء، مع أنهم لم يريدوا ذلك، بل أرادوا تخليد ذكرهم، ومحبتهم. فكأن المصنف ﵀ يشير إلى حال كثير من الجهال الذين يغترون بأمور تصدر من علماء السوء، فيقعون في الشرك، من حيث لا يعلمون.
السابعة عشرة: البيان العظيم في قوله ﷺ : "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم"، فصلوات الله وسلامه على من بلغ البلاغ المبين.
هذا بيان بليغ منه ﷺ ؛ إذ أنه نهى عن الإطراء، وهو مجاوزة الحد في المدح، والتزيُّد فيه، وبيّن ذلك بالمثال، فقال: "كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم"، ثم بيّن لهم ما الذي ينبغي أن يقولوه، فإن من سد باباً فعليه أن يفتح بدله، فأرشدهم إلى العبارة البليغة المطابقة للواقع، التي لا إفراط فيها ولا تفريط، وهي: "عبد الله ورسوله" فوصْفه بالعبودية ردٌ على أهل الغلو، ووصْفه بالرسالة رد على أهل الجفاء.
الثامنة عشرة: نصيحته إيانا بهلاك المتنطعين.
ووجه النصح: إخباره ﷺ بهلاك المتنطعين، ثلاثاً، وهذا من الاجتهاد في النصح، سواء قلنا: إن ذلك خرج مخرج الخبر، أو خرج مخرج الدعاء، ففيه التحذير من الوقوع فيما وقعوا فيه، فالتنطع مذموم، سواء كان متعلقاً بالعقائد، أو العبادات، أو العادات والسلوك.
التاسعة عشرة: التصريح بأنها لم تعبد حتى نُسي العلم، ففيها بيان معرفة قدر وجوده، ومضرة فقده.
وقد جاء ذلك في حديث ابن عباس ﵄، حيث قال: "ونسي العلم" يعني: أندرس، وهذا يدل على أن العلم عصمة من الوقوع في البدع
стр. 309
والضلالات. والرب يعصم عبده بأنواع من العصمة: فمن ذلك:
- الإيمان: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾
- العلم: فإن العلم نور، وضده الجهل.
- التقوى: فإن التقوى فرقان: يفرق الله تعالى به بين الحق والباطل.
- العقل، فقد يمن الله تعالى على بعض عباده بعقل راجح، يتبين به مآلات الأمور.
- الخُلق، فإن الخلق الكريم، والمروءة تحول بين العبد وبين الزلل والخطأ.
فهذه العواصم الخمس إن اجتمعت لعبد، فذلك أعلى الكمال؛ يعصمه الله تعالى من الخطأ والضلال في حق نفسه، وفي حق عباده، وإذا فقد العبد جميعها، فهو أضل الضالين، وأهلك الهالكين. وبين هذين الطرفين مضمار واسع، يتفاوت فيه الناس، نسأل الله أن يعصمنا بعصمته.
العشرون والأخيرة: أن سبب فقد العلم: موت العلماء.
لأنه لما مات قبض الجيل الأول، ونسي العلم، وقع المحذور من الشرك بالله تعالى، فيرجع الأمر إلى موت العلماء، كما جاء مصرحاً به في الحديث: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوسا جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا" (١)، فهذا يدل على منزلة أهل العلم، لأنهم يُمسِّكون بالكتاب، ويحفظ الله بهم الملة، وينبغي ألا يكون العلم محبوسًا في السطور، بل يكون في الصدور، كما قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]، ثم يظهر من الصدور إلى الجوارح، حتى يكون علماً حقيقياً نافعاً مباركاً، وهذا هو حال العلماء الربانيين.
стр. 310
باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده؟!
في الصحيح: عن عائشة أن أم سلمة ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة، وما فيها من الصور، فقال: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح، أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله" (١)، فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل.
ولهما: عنها قالت: لما نُزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، فقال -وهو كذلك-: "لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"؛ يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً"، أخرجاه (٢).
الشرح:
عقد المصنف ﵀: "باب: ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده؟! "، ليُبيِّن الوسيلة المفضية إلى الغلو في الصالحين، وهي قصد العبادة عند
стр. 311
قبور الصالحين، وأن هذا قد جاء التغليظ فيه، وختم الترجمة بسؤال تعجبي وهو قوله: "فكيف إذا عبده؟! " وذلك لتعظيم الأمر وتهويله.
قوله: "في الصحيح"، المراد بالصحيح هنا: صحيح البخاري.
قوله: "عن عائشة أن أم سلمة ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة" أم سلمة: هي هند بنت أبي أمية المخزومي، الذي كان يلقب بزاد الراكب، وكانت زوج أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وكانا من المهاجرين الأوائل إلى الحبشة، ثم عادا، وتوفي أبو سلمة ﵁، وحزنت عليه حزناً عظيماً، فدخل عليها النبي ﷺ ، وقال لها: "ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيراً منها، إلا أجره الله في مصيبته، وأخلف له خيراً منها". قالت: فلما توفي أبو سلمة قلتُ: كما أمرني رسول الله ﷺ ، فأخلف الله لي خيراً منه؛ رسول الله ﷺ (١)، فتزوجها، وصارت من أمهات المؤمنين، وجبر الله كسرها، وقد كانت وفاتها سنة (٦٢ هـ).
حكت أم سلمة، ﵂، للنبي ﷺ صفة كنيسة رأتها في أرض الحبشة، والكنيسة: معبد النصارى. والحبشة: هي التي تُسمى الآن أثيوبيا، وما جاورها من البلدان، كأريتريا. وقد وصل دين النصارى إلى أرض الحبشة في وقت مبكر، فإن بعض تلاميذ المسيح ذهب إلى مصر، وانتقل أحدهم -وهو (مرقص) - إلى بلاد الحبشة، فاعتنق أهلها النصرانية، ولحقهم ما لحق بقية النصارى من الخلاف، والضلال، ومن أنهم ذلك، تزويق الكنائس بالتماثيل، فيصورون العذراء ﵂، والمسيح ﵇، وهو منصوب على خشبة الصلب، ويصورون الملائكة، والقديسين. وهذا مشهور عندهم؛ فإن من يدخل كنائسهم يدهش عندما يقلب بصره في الجدران المليئة بالصور والأيقونات، وكأن هذا -والله أعلم- نوع من التعويض عن الخواء الروحي، فيضعون هذه الصور والمنحوتات حتى يشعروا بشيء من الروحانية. ولم يكن المسيح ﵇ قد اتخذ كنيسة، بل كان يصلي في معابد اليهود الذين بُعث فيهم، ولكن من جاء بعده صاروا يستقلون بالكنائس والكاتدرائيات. فحكت أم سلمة للنبي ﷺ ، على سبيل الخبر، ما رأت في الكنيسة من التصاوير.
стр. 312
قوله: "أولئكِ" " (أولئكِ) بكسر الكاف، والخطاب لأم سلمة،، ويصح (أولئكَ)، بالفتح. قوله: "إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح" هذا الشك في اللفظ من الراوي. قوله: "بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور" قاموا بعملين:
الأول: أنهم بنوا على قبره مسجداً، أي: موضعاً للصلاة.
الثاني: صوروا فيه تلك الصور، أي: زوقوا الجدران، والأسقف، والمكان بتلك التصاوير.
قوله: "أولئك شرار الخلق عند الله") المشار إليهم الذين فعلوا هذا الفعل، وغلوا في الصالحين، هم شرار الخلق، أي أعظمهم شرًا وجرمًا.
قوله: "فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل" هذا ليس من كلام المصنف، بل من كلام ابن القيم ﵀ (١). فجمعهم بين الفتنتين من أعظم الوسائل المفضية إلى الشرك.
مناسبة الحديث للباب:
مطابقة للترجمة، إذ أنّ هذا الحديث يدل على أن بناء المساجد على القبور لعبادة الله، واتخاذ الصور، يفضي إلى عبادة غيره؛ ولهذا صاروا شرار الخلق؛ لوقوعهم في الشرك بالله تعالى.
فوائد الحديث:
١ - المنع من عبادة الله عند قبور الصالحين، سداً لذريعة الوقوع في الشرك.
٢ - الاعتبار بحال الأمم قبلنا.
٣ - تحريم التصوير؛ لما فيه من مضاهاة خلق الله ، ولا سيما إذا كان للمعظمين من الصالحين وأمثالهم؛ لأنه وسيلة إلى الشرك. فصار التصوير يحرم من وجهين: من جهة مضاهاة خلق الله. ومن جهة كونه وسيلة إلى الوقوع في الشرك.
стр. 313
٤ - عظم هذه الجريمة، وأن من ارتكبها فهو من شرار الخلق بشهادة من لا ينطق عن الهوى.
٥ - جواز دخول الكنائس لفعل أم سلمة، وعدم إنكار النبي ﷺ لذلك.
ولا شك أن ظاهر الحديث يدل على ذلك، ولكن هذه القصة قضية عين، فتحتاج إلى بيان وتفصيل، فنقول: إن دخول الكنائس، والمعابد الأخرى، له حالات:
الأولى: أن يكون دخولها من باب الإعجاب بهم، والتملق لهم، فهذا لا يجوز، كما يفعله بعض السائحين السفهاء، فيقصدون الكنائس، والمعابد الوثنية، ويبدون إعجابهم بها، ويداهنون كهنتها، مع أنه يذكر فيها التثليث، والبنوة، وتأليه المسيح، وصلبه، فضلًا عما تحويه من الصور المنكرة، والمعازف، والطقوس الكفرية، كالذي يسمونه العشاء الرباني "الأفخارستيا"، فإذا فرغ الكاهن، أو الأسقف، راعي الكنيسة من موعظته، أتى بكأس فيه خمر، وقِطَعًا من الخبز، ثم دعا الذين حضروا القُداس، فيتقدمون واحداً واحدًا، أمامه، فينزل أحدهم على ركبته على هيئة الخضوع، ثم يقوم الكاهن بغمس قطعة من الخبز في كأس الخمر، ويناوله إياها، فيأكلها، ويزعمون أنه قد اختلط بهم دم المسيح ولحمه، فالخبز يمثل لحم المسيح، والخمر يمثل دمه!، وهذا من العقائد الباطلة، والطقوس السخيفة، التي عليها النصارى إلى يومنا هذا.
فما يفعله -وللأسف- بعض السفهاء، من الذهاب لكنائسهم، بغرض الفرجة، فقط، لا يجوز، فإنه يحصل لهؤلاء النصارى نوع اعتزاز، فيأخذون في شرح دينهم، وقد يكون فتنة لبعض من دخلها.
الثانية: أن يدخل الكنيسة لمصلحة؛ إما لدعوتهم، أو لكشف عوارهم، ونقدهم، فهذا لا بأس به، ولعل دخول أم سلمة من هذا الباب، ولو لم يكن في دخولها فائدة، إلا حصول هذا الحديث لكفى، فدخول الكنيسة، والكنيس، ومعابد الوثنيين للدعوة، أمر مشروع؛ فقد كان نبينا ﷺ يأتي يهود في كنيسهم، يوم مدراسهم، ويدعوهم إلى الإسلام. فقد روى أحمد (١)، والحاكم في
стр. 314
مستدركه (١)، والطبراني (٢)، وابن حبان في صحيحه (٣) من حديث عوف بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ أتى يهوداً في كنيستهم، فقال: "يا معشر اليهود، أروني إثني عشر رجلاً يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، يحبط الله عن كل يهودي تحت أديم السماء الغضب الذي غضب عليه"! عرض عليهم عرضًا مغريًا، لو كانوا يفقهون، قال: "فأمسكوا، وما أجابه منهم أحد، ثم رد عليهم، فلم يجبه أحد، ثم ثلّث، فلم يجبه أحد، فقال: "أبيتم، فو الله إني لأنا الحاشر، وأنا العاقب، وأنا المقفي، آمنتم أو كذبتم". ثم خرج. فلا بأس بغشيانهم في كنيستهم لغرض صحيح، كدعوتهم، أو للاطلاع على حالهم بغرض نقدهم، وكشف زيفهم.
قوله: "ولهما" أي: البخاري ومسلم.
قوله: "لما نُزل برسول الله ﷺ " (نُزل) هكذا بصيغة الفعل الذي لم يُسم فاعله، أي: نزل به ملك الموت، في حال الاحتضار.
قوله: "طفق" أي: جعل.
قوله: "يطرح خميصة له على وجهه" والخميصة: كساء له أعلام، أي: ثوب أو قماش مخطط، فكان نبينا ﷺ يعاني في سكرات الموت كرباً، وعناءً، شديدين، فجعل يطرح الخميصة على وجهه الشريف؛ لشدة ما يجد من الألم، وهذا مما ادخره الله له من البلاء الذي يرفع الدرجات.
قوله: "فإذا اغتم بها" أي: انحبس نفسه.
قوله: "كشفها" أي أزاحها عن وجهه الشريف، ليتنفس.
قوله: "فقال -وهو كذلك-" أي وهو على تلك الحال، ولا يكاد يوجد بشر في مثل حاله العصيبة، يمكن أن ينصح، لولا أنه رسول الله ﷺ الذي هو بالمؤمنين رؤوف رحيم؛ فلشدة نصحه وشفقته على أمته صار أعظم ما يشغل باله في هذا الحال أمر أمته.
قوله: "لعنة الله على اليهود والنصارى" واللعن: هو الطرد والإبعاد عن
стр. 315
رحمة الله. واليهود والنصارى: هم أهل الكتاب، واليهود سموا يهوداً، في أصح الأقوال: نسبة إلى يهوذا بن يعقوب ﵇، فنسبوا إليه. وقيل: إنما سموا يهوداً من التهود وهو التوبة، لقولهم: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، وقيل: من الهوادة وهي المحبة.
وأما النصارى: فقيل: إن سبب تسميتهم بهذا الاسم، نسبة إلى بلدة الناصرة، التي كان ينزلها المسيح ﵇. وقيل: نسبة إلى تناصرهم فيما بينهم. وقيل: نسبة إلى قولهم: ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢]. والحاصل: أن اليهود صار علماً على المنتسبين إلى موسى ﵇، المعتقدين بالتوراة، والنصارى صار علماً على المنتسبين إلى عيسى ﵇، المعتقدين بالإنجيل. وقد بيّنا: أن اليهودية والنصرانية ليستا ديانتين سماويتين، بل هما محرفتان عن أصل سماوي، فإن دين الله واحد، وهو الإسلام، وهو الذي بعث الله به نوحاً، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، وجميع أنبياء الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. لكن لما طرأ التحريف على دين موسى، ﵇،، صارت تلك الملة تُسمى اليهودية؛ ولما طرأ التحريف على دين عيسى، ﵇، صارت تلك الملة تُسمى النصرانية. ولهذا برّأ الله إبراهيم، ﵇، منهما، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧]. فيُخطئ من يقول: الأديان السماوية؛ لأن الدين واحد، وليس لله أديان متعددة، بل شرائع متعددة.
قوله: "اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" أي: أن سبب لعنهم هو وقوعهم في الشرك، وتحويلهم قبور أنبيائهم إلى مواضع للعبادة والسجود، سواء بنوا عليها بنيانًا، أم لم يبنوا، فإن موضع السجود يُسمى مسجداً. وهذا يدل على عظيم شفقة النبي ﷺ ونصحه لأمته؛ لأنه لما شعر ﷺ بأنه في سياق الموت، وقد دنا أجله خشي أن تصنع به أمته ما صنعت اليهود والنصارى بأنبيائها، فألقى عليهم هذه الجملة؛ تحذيراً حتى لا يقعوا فيما وقع فيه من كان قبلهم.
قولها: "يحذر ما صنعوا" هذا من قول عائشة ﵂ ومن فقهها؛ أي: أنه ما قال ذلك في هذا المقام، إلا للتحذير مما صنع اليهود والنصارى.
قولها: "ولولا ذلك لأبرز قبره" أي: لأخرج من حجرته الشريفة، ووضع في البقيع، لكنه لم يفعل ذلك خشية أن يتخذ مسجداً، فدفن النبي ﷺ في بيته،
стр. 316
في حجرة عائشة، لئلا يدخل عليه، بخلاف لو كان في البقيع، ينتابه كل أحد.
وهناك سبب آخر لدفن النبي ﷺ في حجرته، لا يتعارض مع السبب الأول، وهو ما حدّث به أبو بكر ﵁ لما اختلفوا في موضع دفنه، فأخبر أنه سمع من النبي ﷺ يقول: "ما قبض الله نبياً إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه" (١).
قوله: "أخرجاه" لعله سبق قلم؛ لأنه قد قال في مستهل هذا الحديث: "ولهما" أي: للبخاري ومسلم، فأغنى ذلك عن الإعادة.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لما تضمنه من لعن اليهود والنصارى بسبب اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد، وعدم إبراز قبره خشية أن يُتخذ مسجداً، فعبادة الله عند قبر نبي أو رجل صالح من أسباب الشرك.
فوائد الحديث:
١ - المنع من اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد.
٢ - كمال شفقة النبي ﷺ على أمته، ونصحه لهم.
٣ - جواز لعن اليهود والنصارى من حيث الجملة، لا لعن معين منهم.
وهذا أمر -وللأسف- بات بعض المتعالمين ينكره ويستهجنه، ويقول: هذا يعزز ثقافة الكراهية، فسبحان الله! على من يعترض؟ أيعترض على الله الذي يقول: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: ٧٨]؟ أم يعترض على رسول الله ﷺ الذي يقول: "لعنة الله على اليهود والنصارى"؟ إن أوثق عرى الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله، ونحن لا نبغضهم، ولا نلعنهم لذواتهم، وأعراقهم، بل لما تلبسوا به من الكفر. ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل، ورضوا بالله رباً، وبمحمد نبياً، وبالإسلام ديناً؛ لكانوا إخواننا، لهم ما لنا، وعليهم ما علينا، فإنما أبغضناهم في الله ، فينبغي التنبه، والحذر من
стр. 317
الانسياق خلف هذه العبارات الحادثة الباطلة، وعلينا أن نلزم السنة.
٥ - معرفة الحكمة من دفن النبي ﷺ في حجرته، وهي: حتى لا يتخذ قبره مسجداً.
٦ - بشرية النبي ﷺ ؛ فهو بشر يلحقه ما يلحق البشر من سكرات الموت، ومعاناة الاحتضار، فقد كان يطرح خميصة على وجهه الشريف، فإذا اغتم بها كشفها، بل قد جاء في الحديث: أنه قال: "لا إله إلا الله، إن للموت سكرات" (١)، وقد يُشكل هذا على بعض الناس، ويقول: أليس روح المؤمن تسل كما تسل الشعرة من في السقاء؟ فكيف يقع هذا؟ فيقال: لا تعارض، فإن هذه سكرات الموت غير قبض الروح، فالسكرات والكرب تكون قبل قبض الروح، وتكون كفارة لسيئاته، ورفعة لدرجاته، وفي الحديث: "الْمُؤْمِنُ يَمُوتُ بِعَرَقِ الْجَبِينِ" (٢)
وأما قبض الروح فهو لحظة خروج الروح من البدن، فإن كان مؤمنًا سلت روحه كما تسل الشعرة من العجين، أو من في السقاء، وإن كان كافراً نزعت روحه نزعاً، كما ينزع السفود من الصوف المبلول، كما قال تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾ [النازعات: ١، ٢].
ثم قال المصنف ﵀:
ولمسلم: عن جندب بن عبد الله قال: سمعتُ النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلاً، كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنتُ متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك" (٣).
стр. 318
فقد نهى عنه في آخر حياته ثم إنه لعن وهو في السياق من فعله والصلاة عندها من ذلك وإن لم يبن مسجد وهو معنى قولها: "خشي أن يتخذ مسجداً"؛ فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجداً، وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجداً، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجداً؛ كما قال ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً".
ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود ﵁ مرفوعاً "إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد"، ورواه أبو حاتم في صحيحه.
الشرح:
"ولمسلم: عن جندب بن عبد الله ﵁" البجلي، صحابي توفي بعد الستين.
قوله: "قبل أن يموت بخمس" يحتمل: خمس ليال، أو خمس سنين، ولا تحتمل أشهر؛ لأنها لو كانت أشهر لقيل: بخمسة، والأقرب -والله أعلم- أنها خمس ليال؛ لأنه ليس من عادة الراوي أن يؤقت روايته بهذه المدة الطويلة.
قوله: "إني أبرأ إلى الله" " أي: أمتنع وأتجنب.
قوله: "أن يكون لي منكم خليل" الخليل: مشتق من الخلة، والخلة: أعلى درجات المحبة؛ لأنها تتخلل القلب، وتتمكن منه ولهذا قال القائل:
قَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِني … وَلِذَا سُمِّي الخَلِيلُ خَلِيلَا (١).
قوله: "ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً" لا حاجة إلى التعريف بالصديق ﵁، فيكفيه شرفاً وتعريفاً هذه الجملة. والذي منع النبي ﷺ أن يتخذ أبا بكر خليلاً، مع شدة محبته له، أن الله قد اتخذه خليلاً،
стр. 319
فلا يليق أن يجعل مع الله غيره؛ لأن الخلة أعلى درجات المحبة، فلا تصرف إلا لله .
قوله: "ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك" (ألا) أداة تنبيه، ومن كان قبلنا: هم اليهود والنصارى، كما قال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦]، واتخاذهم القبور مساجد: إما بالبناء عليها، أو بمجرد الصلاة عندها، فإن ذلك كله يُعد اتخاذاً. وهذا النهي أصرح ما يكون في النهي.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لما فيه من النهي الصريح عن اتخاذ القبور مساجد، كما فعل اليهود والنصارى.
فوائد الحديث:
١ - النهي عن اتخاذ القبور مساجد.
٢ - سد كل طريق يفضي إلى الشرك.
٣ - إثبات صفة الخلة لله ، فالله تعالى يُحِب، ويُحَب، ويخالِل، ويُخالَل.
٤ - فضل الخليلين إبراهيم ومحمد -عليهما الصلاة والسلام-، فأنهما أفضل البشر.
٥ - فضل أبي بكر الصديق؛ إذ كان مؤهلاً للخلة، لولا اتخاذ الله نبيه ﷺ خليلاً.
٦ - إثبات خلافة أبي بكر الصديق، لعظيم فضله على الأمة. وقد اختلف العلماء، هل كانت خلافته بالنص الجلي، أم بالنص الخفي، والإيماء والإشارة، أم كانت بالبيعة؟ فذهب ابن حزم، ﵀، إلى أن خلافة أبي بكر الصديق ﵁ كانت بالنص الجلي (١)، وذهب غيره: إلى أنها كانت بالنص الخفي والإيماء والإشارة، كما في هذا الحديث، وبانعقاد البيعة على ذلك، والثاني أقرب؛ لأن النص الجلي هو أن يقول النبي ﷺ صراحة: "الخليفة بعدي أبو بكر" ولم يقع
стр. 320
ذلك، وإنما قال النبي ﷺ أقوالاً متعددة، كلها تشير إشارات قوية إلى استخلاف أبي بكر، ثم ثبت ذلك ببيعة المسلمين له ﵁.
وعقّب المصنف بكلامٍ نقله من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ولم ينسبه إليه، وهذه طريقة لبعض السلف المتقدمين: أنهم ينقلون العلم عن قائله، ولا يعزونه أحياناً، وقد رأيتُ كلاماً للبيهقي ﵀، ينقل فيه أسطراً طويلة، من كلام الخطابي ولا يعزوه، وكأنّ هذا عندهم سائغ، لأنهم يعدون العلم مشاعًا بين أهله، فلا يلزم أن يقال: قال فلان، فعندهم أن في الأمر سعة في غير الرواية الحديثية. وإن كان هذا في لغة العصر يُعد منافياً للتوثيق العلمي.
قوله: "فقد نهى عنه" أي: عن اتخاذ قبره مسجداً، يتعبد لله تعالى عنده.
قوله: "وهو في آخر حياته" ونجد ذلك في حديث جندب ﵁ لأنه قاله قبل أن يموت بخمس،
قوله: "ثم إنه لعن -وهو في السياق- من فعله" كما في حديث عائشة ﵂.
قوله: "والصلاة عندها من ذلك" أي: عند قبور الأنبياء، من اتخاذها مسجداً، وإن لم يُبن عليها مسجد.
قوله: "وهو معنى قولها: "خشي أن يُتخذ قبره مسجداً" فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجداً" ولكن يبقي احتمال: أن يُصلى عنده، فدل هذا على منع الصورتين.
قوله: "وكل موضع قُصدت الصلاة فيه فقد اتُخذ مسجداً، بل كل موضع يُصلى فيه يُسمى مسجداً، والدليل: كما قال ﷺ : "جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً" (١) "، هو كما قال ﵀، ولكن المسجد الذي تتعلق به الأحكام الفقهية؛ من كونه أرضاً وقفية، وعدم جواز إنشاد الضالة، و عدم إقامة الحدود فيه، هو المسجد الذي قصد وأُوقف لهذا الغرض.
قوله: "ولأحمد (٢) بسند جيد، عن ابن مسعود ﵁ مرفوعاً: "إن من شرار