في حجرة عائشة، لئلا يدخل عليه، بخلاف لو كان في البقيع، ينتابه كل أحد.
وهناك سبب آخر لدفن النبي ﷺ في حجرته، لا يتعارض مع السبب الأول، وهو ما حدّث به أبو بكر ﵁ لما اختلفوا في موضع دفنه، فأخبر أنه سمع من النبي ﷺ يقول: "ما قبض الله نبياً إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه" (١).
قوله: "أخرجاه" لعله سبق قلم؛ لأنه قد قال في مستهل هذا الحديث: "ولهما" أي: للبخاري ومسلم، فأغنى ذلك عن الإعادة.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لما تضمنه من لعن اليهود والنصارى بسبب اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد، وعدم إبراز قبره خشية أن يُتخذ مسجداً، فعبادة الله عند قبر نبي أو رجل صالح من أسباب الشرك.
فوائد الحديث:
١ - المنع من اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد.
٢ - كمال شفقة النبي ﷺ على أمته، ونصحه لهم.
٣ - جواز لعن اليهود والنصارى من حيث الجملة، لا لعن معين منهم.
وهذا أمر -وللأسف- بات بعض المتعالمين ينكره ويستهجنه، ويقول: هذا يعزز ثقافة الكراهية، فسبحان الله! على من يعترض؟ أيعترض على الله الذي يقول: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: ٧٨]؟ أم يعترض على رسول الله ﷺ الذي يقول: "لعنة الله على اليهود والنصارى"؟ إن أوثق عرى الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله، ونحن لا نبغضهم، ولا نلعنهم لذواتهم، وأعراقهم، بل لما تلبسوا به من الكفر. ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل، ورضوا بالله رباً، وبمحمد نبياً، وبالإسلام ديناً؛ لكانوا إخواننا، لهم ما لنا، وعليهم ما علينا، فإنما أبغضناهم في الله ، فينبغي التنبه، والحذر من
стр. 317
الانسياق خلف هذه العبارات الحادثة الباطلة، وعلينا أن نلزم السنة.
٥ - معرفة الحكمة من دفن النبي ﷺ في حجرته، وهي: حتى لا يتخذ قبره مسجداً.
٦ - بشرية النبي ﷺ ؛ فهو بشر يلحقه ما يلحق البشر من سكرات الموت، ومعاناة الاحتضار، فقد كان يطرح خميصة على وجهه الشريف، فإذا اغتم بها كشفها، بل قد جاء في الحديث: أنه قال: "لا إله إلا الله، إن للموت سكرات" (١)، وقد يُشكل هذا على بعض الناس، ويقول: أليس روح المؤمن تسل كما تسل الشعرة من في السقاء؟ فكيف يقع هذا؟ فيقال: لا تعارض، فإن هذه سكرات الموت غير قبض الروح، فالسكرات والكرب تكون قبل قبض الروح، وتكون كفارة لسيئاته، ورفعة لدرجاته، وفي الحديث: "الْمُؤْمِنُ يَمُوتُ بِعَرَقِ الْجَبِينِ" (٢)
وأما قبض الروح فهو لحظة خروج الروح من البدن، فإن كان مؤمنًا سلت روحه كما تسل الشعرة من العجين، أو من في السقاء، وإن كان كافراً نزعت روحه نزعاً، كما ينزع السفود من الصوف المبلول، كما قال تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾ [النازعات: ١، ٢].
ثم قال المصنف ﵀:
ولمسلم: عن جندب بن عبد الله قال: سمعتُ النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلاً، كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنتُ متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك" (٣).
стр. 318
فقد نهى عنه في آخر حياته ثم إنه لعن وهو في السياق من فعله والصلاة عندها من ذلك وإن لم يبن مسجد وهو معنى قولها: "خشي أن يتخذ مسجداً"؛ فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجداً، وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجداً، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجداً؛ كما قال ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً".
ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود ﵁ مرفوعاً "إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد"، ورواه أبو حاتم في صحيحه.
الشرح:
"ولمسلم: عن جندب بن عبد الله ﵁" البجلي، صحابي توفي بعد الستين.
قوله: "قبل أن يموت بخمس" يحتمل: خمس ليال، أو خمس سنين، ولا تحتمل أشهر؛ لأنها لو كانت أشهر لقيل: بخمسة، والأقرب -والله أعلم- أنها خمس ليال؛ لأنه ليس من عادة الراوي أن يؤقت روايته بهذه المدة الطويلة.
قوله: "إني أبرأ إلى الله" " أي: أمتنع وأتجنب.
قوله: "أن يكون لي منكم خليل" الخليل: مشتق من الخلة، والخلة: أعلى درجات المحبة؛ لأنها تتخلل القلب، وتتمكن منه ولهذا قال القائل:
قَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِني … وَلِذَا سُمِّي الخَلِيلُ خَلِيلَا (١).
قوله: "ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً" لا حاجة إلى التعريف بالصديق ﵁، فيكفيه شرفاً وتعريفاً هذه الجملة. والذي منع النبي ﷺ أن يتخذ أبا بكر خليلاً، مع شدة محبته له، أن الله قد اتخذه خليلاً،
стр. 319
فلا يليق أن يجعل مع الله غيره؛ لأن الخلة أعلى درجات المحبة، فلا تصرف إلا لله .
قوله: "ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك" (ألا) أداة تنبيه، ومن كان قبلنا: هم اليهود والنصارى، كما قال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦]، واتخاذهم القبور مساجد: إما بالبناء عليها، أو بمجرد الصلاة عندها، فإن ذلك كله يُعد اتخاذاً. وهذا النهي أصرح ما يكون في النهي.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لما فيه من النهي الصريح عن اتخاذ القبور مساجد، كما فعل اليهود والنصارى.
فوائد الحديث:
١ - النهي عن اتخاذ القبور مساجد.
٢ - سد كل طريق يفضي إلى الشرك.
٣ - إثبات صفة الخلة لله ، فالله تعالى يُحِب، ويُحَب، ويخالِل، ويُخالَل.
٤ - فضل الخليلين إبراهيم ومحمد -عليهما الصلاة والسلام-، فأنهما أفضل البشر.
٥ - فضل أبي بكر الصديق؛ إذ كان مؤهلاً للخلة، لولا اتخاذ الله نبيه ﷺ خليلاً.
٦ - إثبات خلافة أبي بكر الصديق، لعظيم فضله على الأمة. وقد اختلف العلماء، هل كانت خلافته بالنص الجلي، أم بالنص الخفي، والإيماء والإشارة، أم كانت بالبيعة؟ فذهب ابن حزم، ﵀، إلى أن خلافة أبي بكر الصديق ﵁ كانت بالنص الجلي (١)، وذهب غيره: إلى أنها كانت بالنص الخفي والإيماء والإشارة، كما في هذا الحديث، وبانعقاد البيعة على ذلك، والثاني أقرب؛ لأن النص الجلي هو أن يقول النبي ﷺ صراحة: "الخليفة بعدي أبو بكر" ولم يقع
стр. 320
ذلك، وإنما قال النبي ﷺ أقوالاً متعددة، كلها تشير إشارات قوية إلى استخلاف أبي بكر، ثم ثبت ذلك ببيعة المسلمين له ﵁.
وعقّب المصنف بكلامٍ نقله من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ولم ينسبه إليه، وهذه طريقة لبعض السلف المتقدمين: أنهم ينقلون العلم عن قائله، ولا يعزونه أحياناً، وقد رأيتُ كلاماً للبيهقي ﵀، ينقل فيه أسطراً طويلة، من كلام الخطابي ولا يعزوه، وكأنّ هذا عندهم سائغ، لأنهم يعدون العلم مشاعًا بين أهله، فلا يلزم أن يقال: قال فلان، فعندهم أن في الأمر سعة في غير الرواية الحديثية. وإن كان هذا في لغة العصر يُعد منافياً للتوثيق العلمي.
قوله: "فقد نهى عنه" أي: عن اتخاذ قبره مسجداً، يتعبد لله تعالى عنده.
قوله: "وهو في آخر حياته" ونجد ذلك في حديث جندب ﵁ لأنه قاله قبل أن يموت بخمس،
قوله: "ثم إنه لعن -وهو في السياق- من فعله" كما في حديث عائشة ﵂.
قوله: "والصلاة عندها من ذلك" أي: عند قبور الأنبياء، من اتخاذها مسجداً، وإن لم يُبن عليها مسجد.
قوله: "وهو معنى قولها: "خشي أن يُتخذ قبره مسجداً" فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجداً" ولكن يبقي احتمال: أن يُصلى عنده، فدل هذا على منع الصورتين.
قوله: "وكل موضع قُصدت الصلاة فيه فقد اتُخذ مسجداً، بل كل موضع يُصلى فيه يُسمى مسجداً، والدليل: كما قال ﷺ : "جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً" (١) "، هو كما قال ﵀، ولكن المسجد الذي تتعلق به الأحكام الفقهية؛ من كونه أرضاً وقفية، وعدم جواز إنشاد الضالة، و عدم إقامة الحدود فيه، هو المسجد الذي قصد وأُوقف لهذا الغرض.
قوله: "ولأحمد (٢) بسند جيد، عن ابن مسعود ﵁ مرفوعاً: "إن من شرار
стр. 321
الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد" ورواه أبو حاتم في صحيحه" (١).
قوله: "إن من" (من) تبعيضية "شرار الناس" بمعنى (أفعل) التفضيل، أي أشدهم شرًا.
قوله: "من تدركهم الساعة وهم أحياء" أي: الذين تقوم عليهم الساعة وهم أحياء، وقد جاء ذلك في أحاديث صحيحة في البخاري وغيره، ووصفهم النبي ﷺ بأنهم "يتهارجون فيها تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة" (٢) وقال: "لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله، الله" (٣)، فعلى هؤلاء تقوم الساعة. ويكون المؤمنون قد قُبضوا بالريح الطيبة التي يرسلها الله تعالى بين يدي الساعة آخر الزمان، ريحها أطيب من ريح المسك، ومسها ألين من مس الحرير، فتهب عليهم، فتقبض أرواحهم، فلا تدع نفسَ مؤمنٍ إلا استلتها من خياشيمه، فلا يبقى على وجه الأرض إلا شرار الخلق.
قوله: "والذين يتخذون القبور مساجد" فهم والصنف الأول سواء في الشر؛ وذلك لعظيم جرمهم؛ إذ أن فعلهم هذا مفضٍ للشرك.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لما تضمنه من الذم البليغ لمن اتخذ القبور مساجد.
فوائد الحديث:
١ - التحذير من الصلاة عند قبور الصالحين.
٢ - أن من فعل ذلك فهو من شرار الخلق.
٣ - أن الساعة لا تقوم على مؤمن، وإنما تقوم على شرار الخلق.
стр. 322
ثم قال المصنف ﵀:
وفيه مسائل:
الأولى: ما ذكر الرسول ﷺ فيمن بنى مسجداً يعبد الله فيه على قبر رجل صالح، ولو صحت نية الفاعل.
وقد ذكر النبي ﷺ فيه قولاً عظيماً، كما في حديث أم سلمة: "أولئك شرار الخلق"، واللعن لفاعليه، ولم تشفع لهم حسن نيتهم.
الثانية: النهي عن التماثيل، وغلظ الأمر.
لتغليظ النبي ﷺ في ذلك، ولعنهم، ووصفهم بأنهم شرار الخلق.
الثالثة: العبرة في مبالغته ﷺ في ذلك، كيف بيّن لهم هذا أولاً، ثم قبل موته بخمس قال ما قال، ثم لما كان في السياق لم يكتف بما تقدم.
يعني: أن هذا النهي، والتغليظ، والتحذير البليغ، مر بعدة مراحل:
فحديث أم سلمة، ﵂، فيما رأت في أرض الحبشة، كان أثناء حياته.
ثم حديث جندب بن عبد الله، قبل أن يموت بخمس.
ثم حديث عائشة ﵂ في أثناء الاحتضار.
الرابعة: نهيه عن فعله عند قبره قبل أن يوجد القبر.
نهى النبي ﷺ عن ذلك بصريح العبارة، قبل أن يوجد قبره، احترازاً من وقوعه فقال: "ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك"
الخامسة: أنه من سنن اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم.
وقد نصَّ النبي ﷺ على ذلك، فقال: "لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، فإذا كان هذا من سننهم، فنحن مأمورون باجتناب سبيلهم، وعدم مشابهتهم.
стр. 323
السادسة: لعنه إياهم على ذلك.
لقوله ﷺ : "لعنة الله على اليهود والنصارى"، فاللعن بالوصف مشروع.
السابعة: أن مراده ﷺ تحذيره إيانا عن قبره.
هذا مراده، وهذا ما فهمته عائشة ﵂؛ لقولها: "يحذر ما صنعوا".
الثامنة: العلة في عدم إبراز قبره.
خشية أن يُتخذ مسجداً.
التاسعة: في معنى اتخاذها مسجداً.
بأن يُصلى عندها، ولو لم يُبنَ عليها مسجد.
العاشرة: أنه قرن بين من اتخذها مسجداً، وبين من تقوم عليهم الساعة، فذكر الذريعة إلى الشرك قبل وقوعه مع خاتمته.
هذا من عميق استنباط المصنف، فقد ربط بين اتخاذ القبور وقيام الساعة؛ فأول الأمر الشرك، ثم يؤول إلى تعطيل الرب ، حتى لا يُعرف باسم.
الحادية عشرة: ذكره في خطبته قبل موته بخمس: الرد على الطائفتين اللتين هما شرار أهل البدع، بل أخرجهم بعض اهل العلم من الثنتين والسبعين فرقة، وهم الرافضة، والجهمية، وبسبب الرافضة حدث الشرك وعبادة القبور، وهم أول من بنى عليها المساجد.
هاتان الطائفتان لا شك أنهما من أضل طوائف المبتدعة. وبعض من تكلم في الفرق؛ كابن المبارك، ويوسف بن أسباط، رحمهما الله، أخرجا الجهمية من الثنتين والسبعين فرقة، وعبد القاهر البغدادي في "الفرق بين الفرق" أخرج غلاة الرافضة الباطنية من أهل القبلة. وغلظ شرك الرافضة: أنهم وقعوا في الشرك العملي الذي هو عبادة غير الله؛ لأنهم يدعون علياً، والحسين، وأهل البيت،
стр. 324
دعاء صريحاً. وأما الجهمية: فوقعوا في الكفر العلمي، حيث عطّلوا صفات الرب سبحانه وبحمده، فنفوا أن يكون متصفاً بأي صفة ثبوتية، وهذا يفضي إلى إنكار الله بالكلية. فهذا وجه وصف الطائفتين بأشر أهل البدع.
الثانية عشرة: ما بلي به ﷺ من شدة النزع.
تُؤخذ من قولها: "طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها".
الثالثة عشرة: ما أكرم به من الخلّة.
وهي كرامة عظيمة؛ أن الله اتخذه خليلاً، كما اتخذ إبراهيم خليلاً.
الرابعة عشرة: التصريح بأنها أعلى من المحبة.
لتبرؤه ﷺ من خلة أحد سوى الله الذي اتخذه خليلًا، فلا شرك فيها.
الخامسة عشرة: التصريح بأن الصديق أفضل الصحابة.
لقوله ﷺ : "لو كنتُ متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً"، فلا ريب أنّ هذا الكلام يدل على فضل أبي بكر على سائر الأمة، بما فيهم أكابر الصحابة.
السادسة عشرة: الإشارة إلى خلافته.
فيكون هذا من باب النص الخفي والإشارة والإيماء إلى استحقاقه ﵁ للخلافة بعد النبي ﷺ ، وقد كان.
стр. 325
باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثاناً تُعبد من دون الله
روى مالك في الموطأ: أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (١).
ولابن جرير بسنده: عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [سورة النجم: ١٩] قال: كان يلت لهم السويق، فمات فعكفوا على قبره (٢).
وكذلك قال أبو الجوزاء عن ابن عباس: كان يلت السويق للحاج (٣).
وعن ابن عباس ﵄ قال: لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج. رواه أهل السنن (٤).
الشرح:
هذا الباب له صلة بالباب الذي قبله، فالباب السابق يتعلق بعبادة الله عند قبر رجل صالح، وهذا الباب يتعلق بالغلو في قبور الصالحين، وبهما يتبين ما أشار إليه المصنف في مسائل "باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم، وتركهم دينهم، هو الغلو في الصالحين"، من غربة الإسلام، وقدرة الله، وتقليبه للقلوب، حتى آل بأصحابها إلى عبادتها من دون الله.
стр. 326
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
ظاهرة، وذلك أن هذه الصيرورة ناشئة من الغلو في قبور الصالحين. فالغلو في الصالحين، وفي قبورهم، وقصد عبادة الله عندها، ذرائع للشرك
قوله: "روى مالك في الموطأ" الإمام مالك: هو إمام دار الهجرة، مالك بن أنس بن مالك الأصبحي، ولد سنة ثلاث وتسعين، محدث جليل، وفقيه متقن، وعالم رباني، أحد الأئمة الأربعة المتبوعين، لاسيما في بلاد المغرب، وكانت وفاته (١٧٩ هـ). وأما الموطأ: فهو كتابه الذي جمعه في السنة، انتخبه من أعالي الأسانيد، وأصحها، وبذل فيه وسعه ﵀، وجعله مرجعاً للمسلمين في أقضيتهم، فيما بلغه من العلم، حتى أن الخليفة أبو جعفر المنصور همّ أن يحمل الناس عليه، لكن مالكًا، ﵀، لكمال فقهه، وورعه، وإخلاصه، أبى، وقال: "إن أصحاب رسول الله ﷺ تفرقوا في الأمصار" (١) يريد بذلك أنه لعل عندهم علم لم يبلغه. قيل لمالك يوماً: إن فلاناً قد صنع موطأً، أي: كما صنعت، فقال ﵀: "ما كان لله بقي" (٢)
قوله: "اللهم" " أي: يا الله، فاستعيض بالميم عن ياء النداء؛ للدلالة على الجمع.
قوله: "لا تجعل قبري وثناً يُعبد" هذه جملة دعائية من النبي ﷺ ، يسأل ربه ألا يكون قبره وثناً، يُتوجه إليه بالعبادة، فاستجاب الله دعاءه، وصان قبره
قوله: "اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" هذه جملة بيانية للسبب الحامل على الدعاء، لكي يزجر من تسول له نفسه الغلو فيه، بأن يتخذ قبره مسجداً، فما أعظم شفقته ﷺ على أمته، وحرصه عليهم.
والغضب صفة من صفات الله الفعلية، متعلق بمشيئته وحكمته. فلله تعالى غضب يليق بجلاله وعظمته، لا يشبه غضب المخلوقين، وهذا الوصف ثابت في كتاب الله، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [النساء: ٩٣] فأسند الغضب إلى نفسه، فنثبت لله
стр. 327
ما أثبت لنفسه، على الوجه اللائق به، ولا يحل أن يقال: المراد بالغضب: إرادة الانتقام، فإن ذلك من تفسير الشيء بلازمه، وصرفه عن حقيقته، والواجب علينا أن نثبت الصفة على حقيقتها اللائقة بمن أُسندت إليه، فللمخلوق غضب يليق به، وللخالق غضب يليق به، كما أن للمخلوق إرادة تليق به، وللخالق إرادة تليق به، سواءً بسواء. فغضب المخلوق: غليان دم القلب لطلب الانتقام، فينتج عنه احمرار العينين، وانتفاخ الأوداج، وتهدج الصوت، أما غضب الخالق، فلا يمكن تكييفه، ولا يلزم عليه شيء من اللوازم البشرية. ومما يدل على تعلقه بمشيئته وحكمته، قوله ﷺ في حديث الشفاعة: "إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله" (١). فهذا هو مقتضى الإيمان بالنصوص، وكل الاعتراضات التي يدعيها محرفو الصفات ادعاءات موهومة، ولهذا يقعون في التناقض، والتناقض معيار الفساد؛ فإنهم يثبتون لله سمعاً وبصراً، وهذا حق، مع أن السمع والبصر من صفات المخلوقين، فإذا قيل لهم: كيف تثبتون لله سمعاً وبصراً، مع أن السمع والبصر من صفات المخلوقين؟ قالوا: له سمع يليق به، وبصر يليق به، فنقول لهم: كذلك له غضب يليق به، ورضًا يليق به. وهذه قاعدة مطردة في جميع الصفات.
وأفاد قوله: "اشتد غضب الله"، وما ورد آنفًا في حديث الشفاعة، على أن غضبه، سبحانه، يتفاوت شدةً، وأن شديد غضبه ينال أولئك القوم الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وهم اليهود والنصارى كما سماهم النبي ﷺ في الباب السابق، فقال: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
مناسبة الحديث للباب:
مطابق للترجمة، لتضمنه وعيد من اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، لأنهم غلوا فيها، فاستحالت أوثاناً تعبد من دون الله.
стр. 328
فوائد الحديث:
١ - التحذير من الغلو، وأن ذلك يفضي إلى الشرك.
٢ - أن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد من الغلو، فلو قال قائل: إني أجد في نفسي خشوعاً وحضور قلب، إذا صليتُ لله عند قبر الشيخ فلان، أو السيد فلان، ما لا أجد مثله إذا صليت في بيتي أو في مسجد الحي! فيقال: هذا من تزيين الشيطان وإيحائه؛ ليفضي إلى الوقوع في الشرك.
٣ - اتصاف الله تعالى بصفة الغضب؛ وهي من صفاته الفعلية اللائقة به، المتعلقة بمشيئته وحكمته، وبطلان تحريفها إلى الانتقام، أو إرادة الانتقام.
قوله: "ولابن جرير" هو أبو جعفر، محمد بن جرير الطبري، الإمام، المفسر، المحدث، الفقيه، المؤرخ، المجتهد، ديوان من دواوين العلم، وآية من آيات الله، وأعجوبة من أعاجيب الزمان، وعاء من أوعية العلم. ولد سنة أربع وعشرين ومائتين. قال لأصحابه: "أتنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا: كم يكون قدره؟ فقال: ثلاثون ألف ورقة، فقالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه، فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة، ثم قال: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا؟ قالوا: كم قدره؟ فذكر نحواً مما ذكره في التفسير، فأجابوه بمثل ذلك، فقال: إنا لله ماتت الهمم" (١)، كانت وفاته سنة عشر وثلاثمائة للهجرة. وعقيدته عقيدة سلفية، وتفسيره هو المقدم من التفسير بالمأثور، والمفسرون بعده عيال عليه.
قوله: "عن سفيان": الأقرب أنه سفيان بن سعيد الثوري ﵀، أبو عبد الله، الكوفي. وهو إمام ثقة، ثبت، حجة، كانت وفاته سنة إحدى وستين ومائة.
قوله: "عن منصور": هو منصور بن المعتمر السلمي، من المحدثين الثقات، توفي سنة اثنتين وثلاثين ومائة.
قوله: "عن مجاهد": هو مجاهد بن جبر المخزومي، مولاهم، صاحب ابن
стр. 329
عباس ﵄، ولد سنة إحدى وعشرين. إمام في التفسير. توفي ساجدًا، نحو سنة أربع ومائة.
قوله: " ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ كان يلت لهم السويق" أي قال مجاهد في تفسيرها: كان أي: اللات، يلت لهم أي للحُجاج، وعلى هذا ف (اللات) هنا بالتشديد، لكونه كان يلت السويق، أي: يخلط الدقيق بالسمن، فيطعمهم. وفي رواية: "فيطعم من يمر من الناس".
قوله: "فمات، فعكفوا على قبره" أي: أقاموا وحبسوا أنفسهم على قبره، فهذا معنى العكوف، كما قال إبراهيم ﵇: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢] أي: مقيمون، ماكثون عندها. فهذا الرجل الصالح كان يفعل ذلك تقرباً إلى الله، وإكراماً لحجاج بيته، فلما مات عكفوا على قبره، تعظيمًا له.
قوله: "وكذا قال أبو الجوزاء" هو أوس بن عبد الله الرَّبَعي، ثقة، مات سنة ثلاث وثمانين. قال البخاري عنه بسنده عن ابن عباس: نقل عن ابن عباس أنه قال: "كان اللات رجلًا يلُتُّ سويق الحاج" (١). والأغلب أن مجاهداً أيضاً أخذه عن ابن عباس؛ إذ كان ملازماً له.
فهذا ليس حديثاً مرفوعاً، وإنما هو أثر، وفي علم المصطلح: ما نُسب إلى النبي ﷺ ؛ سواء بسند متصل، أو منقطع، فهو المرفوع، وما كان منتهاه إلى الصحابي، فهو الموقوف، وما كان منتهاه إلى التابعي، فهو المقطوع، والمقطوع غير المنقطع.
مناسبة الأثر للباب:
مناسبة ظاهرة، إذ فيه بيان سبب عبادة اللات، هو الغلو فيه لصلاحه، بالعكوف على قبره.
فوائد الأثر:
١ - تحريم الغلو في الصالحين؛ لأنه وسيلة إلى الشرك.
стр. 330
٢ - تحريم العكوف على القبر، ولو كان لرجل صالح.
ثم قال المصنف ﵀:
"وعن ابن عباس ﵄ قال: لعن رسول الله ﷺ " اللعن: كما تقدم: الطرد والإبعاد عن رحمة الله. وتقدم أنه لا يجوز اللعن بالشخص -لعن المعين-، لكن يجوز اللعن بالوصف، لمن علمناه مستحقاً للعن.
قوله: "زائرات القبور" وفي لفظ: "زوارات" (١). هذا لعن بالوصف، فمن رأى امرأة تزور قبراً، فليس له أن يقول: أنتِ ملعونة، لكن يقول: لعن الله زائرات القبور، على سبيل البيان والموعظة.
قوله: "والمتخذين عليها المساجد" أي: أنهم يتخذونها موضعاً للعبادة والصلاة، سواء بنوا بنياناً أو لم يبنوا، فإن صلوا عندها فقد اتخذوها مسجداً.
قوله: "والسرج" أي: الذين يتخذون عندها السرج، ويضيئون القبور بالشموع، وما أشبه ذلك؛ لأن هذا فيه تعظيم. فقد لعن النبي ﷺ في هذا الحديث ثلاثة أصناف:
١ - زائرات القبور من النساء.
٢ - المتخذين عليها المساجد.
٣ - المتخذين عليها السرج.
والصنفان الأخيران يشملان الرجال والنساء، والتذكير من باب التغليب، وسبب لعنهما تعظيمهم لهذه القبور، والغلو في أصحابها، و أما لعن الصنف الأول، وهن الزائرات، فلما يترتب على زيارة النساء للقبور من الجزع، والتسخط، فإنه لا يخفى أن النساء تغلبهن العاطفة، فإذا أتين المقابر، وتذكرن ذويهن، فإنهن، غالبًا، يجزعن، ويتسخطن على القدر؛ قولًا بالصياح والعويل، وفعلًا بشق الجيوب، ولطم الخدود. فكان من حكمة الشارع أن منعهن، وتوعد من فعل ذلك منهن.
стр. 331
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة:
فمنهم: من ذهب إلى أن زيارة النساء للقبور محرمة، إذا وقعت على سبيل التكرار، أخذاً برواية "زوارات". ومنهم: من جعل ذلك ممنوعاً من أصله. والثاني أرجح. وللشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد ﵀، جزء في زيارة النساء للقبور، وهو بحث حديثي فقهي رصين، انتهى فيه إلى منع زيارة النساء للقبور مطلقاً، وأجاب عما استدل به المجيزون لزيارة النساء للقبور، كاستدلالهم: بكون عائشة ﵂ وقفت على قبر أخيها محمد، وتمثلت بأبيات، بأن ذلك لم يكن منها قصداً لزيارة القبر، وإنما وقع اتفاقًا، لكونها مارة في الطريق دون قصد زيارة القبر، وفرق بين من يقصد الزيارة، وبين من يمر بالطريق ويحاذي القبر.
ومما يدل أيضاً على منعهن: ما جاء في السنن من أن النبي ﷺ لقي يوماً فاطمة، فقال: "ما أخرجك من بيتك يا فاطمة؟ " قالت: أتيت أهل هذا البيت، فرحمت إليهم ميتهم، وعزيتهم، فقال: "لعلك بلغت معهم الكدى؟ " قالت: معاذ الله أن أكون بلغتها معهم، وقد سمعتك تذكر في ذلك ما تذكر، قال: "لو بلغتها معهم، ما رأيت الجنة، حتى يراها جد أبيك" (١)، يعني: عبد المطلب. وليس من أسلوب العرب، ولا من لغة الشارع، أن يكون هذا الوعيد الشديد باللعن لمن أكثر من الزيارة، وانتفاؤه في الزيارة والزيارتين، فما كان كثيره يوجب اللعن، دل على أن أصله محرم، وما كان أصله يبلغ مبلغ اللعن فلا يكون قليله مباحاً.
فالقول الصحيح: هو عدم جواز زيارة النساء للقبور.
قوله: "رواه أهل السنن" أهل السنن الأربعة هم: الترمذي، والنسائي، وأبو داود، وابن ماجه، وأما الخمسة فالمراد بهم: الأربعة، مضافاً إليهم أحمد، فإن قيل: رواه الجماعة، فهم سبعة، هؤلاء الخمسة، إضافة إلى البخاري ومسلم، فإن قيل التسعة، فهؤلاء السبعة، مضافًا إليهم: موطأ مالك، وسنن الدارمي. وهذه أمور اصطلاحية، وقد لا تنضبط في كل كتاب.
стр. 332
وفي قوله هنا "رواه أهل السنن" فيه نوع تجوز؛ لأنه رواه أبو داود، والترمذي فقط، ولم يروه ابن ماجه والنسائي. وقد رواه أيضاً الإمام أحمد (١)، وأبو داود الطيالسي (٢)، والبيهقي (٣)، والحاكم (٤)، والطبراني (٥)، وقد حسنه الترمذي (٦)، وصححه ابن حبان (٧)، وممن حسنه أيضاً البغوي (٨)، وقد أثبته شيخ الإسلام بن تيمية ﵀، واحتج به (٩)، وكذا ابن القيم (١٠). وبعضهم أعلّه بأبي صالح باذان، وفي الحديث نقاش، لكن الغالب أن هذا الحديث حسن، يحتج به -إن شاء الله-.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهره، لما فيه من لعن معظمي القبور، باتخاذ المساجد والسرج عليها، المفضي إلى توثينها.
فوائد الحديث:
١ - تحريم الغلو في القبور بجعلها مواطن للعبادة.
٢ - تحريم إسراج القبور، وإضاءة المقابر على وجه التعظيم، بإيقاد الشموع، والإضاءة الخاصة؛ لأن هذا يدخل في هذا الوعيد، وأما اتخاذ إضاءة لغرض آخر، كأن يحتاج الناس إلى الدفن في الليل، لجلب اللبِن، وتهيئة القبر، ونقل الميت، أو ليروا طريقهم، وما أشبه ذلك، فهذا لا بأس به؛ لأنه ليس المقصود به تعظيم قبر معين، ولا تعظيم عموم المقبرة، وإنما قصد به الارتفاق، والإحسان في تجهيز الميت، وإنارة الطريق لمتبعي الجنازة، ويكون هذا مؤقتاً بقدر الحاجة. أما اتخاذ ذلك على سبيل الديمومة، وتزيين القبور، وتزويقها، فهو داخل في الوعيد.
стр. 333
٣ - بيان علة نهي النبي ﷺ عن الصلاة عند القبور؛ وهي خوف الشرك، خلافاً لمن قال من الشراح: إن العلة هي النجاسة؛ لكون تراب المقبرة يختلط برفات الموتى! وهو تعليل عليل، بل ميت، ومما يدل على بطلانه: أن النبي ﷺ ذكر أحاديث كثيرة في التحذير والوعيد من اتخاذ القبور مساجد، ولعن فاعل ذلك، وقرنه بعبادتهم. كما أنه قرنه هنا بمسألة الإسراج، الذي يدل على أن المحذور هو التعظيم. ثم لا يمكن أن يختلط رفات الموتى بأرض المقبرة، فالميت يدفن بعمق نصف قامة رجل، فكيف يختلط رفاته بالتراب الذي يكون على ظاهر المقبرة. ولهذا لا بأس بالصلاة على الجنازة في المقبرة، ولم يزل الناس يفعلون ذلك، ويصلون عليها. فهذا التعليل الذي ذهب إليه بعض الشراح ليس صواباً، وإنما النهي لسد ذرائع الشرك.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الأوثان.
فالوثن أعم من الصنم، فلو اتخذ القبر مقصداً للعبادة صار وثناً.
الثانية: تفسير العبادة.
وذلك بالغلو بها، وتعظيمها، وقصدها والعكوف عندها.
الثالثة: أنه ﷺ لم يستعذ إلا مما يخاف وقوعه.
استعاذ النبي ﷺ لا بلفظ الاستعادة، وإنما بلفظ الدعاء، فقال: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد"، فهذا سؤال منه لربه أن لا يقع هذا المحذور، فهو بمعنى الاستعادة بالمعنى العام، ولا شك أنه لم يستعذ إلا مما يتوقع حصوله.
الرابعة: قرنه بهذا اتخاذ قبور الأنبياء مساجد.
فقد علّل ذلك بذكر باشتداد غضب الله ، على من اتخذ القبور مساجد،
стр. 334
مما يدل على أن صورة العبادة التي دعا ربه أن يحفظ قبره منها: أن يتخذ مسجداً، وأن ذلك نوع من الوثنية، وقد استجاب الله دعاء نبيه ﷺ ، فالناس -بحمد الله- إنما يصلون بالمسجد، وأما حجرته، وموضع دفنه، فما زال مصوناً محفوظاً، لم يُتخذ مسجداً.
الخامسة: ذكر شدة الغضب من الله.
من قوله: "اشتد غضب الله" مما يدل على إثبات صفة الغضب واشتداده، وتفاوته، وهذا لا ينافي كماله سبحانه وبحمده، بل يدل عليه، فإنه فعال لما يريد.
السادسة: -وهي من أهمها-: معرفة صفة عبادة اللات التي هي من أكبر الأوثان.
صفة عبادتها: مبدؤها الغلو فيها، والعكوف عندها، فآل إلى صيرورتها وثنًا يعبد.
السابعة: معرفة أنه قبر رجل صالح.
كما في المروي عن ابن عباس ﵄ أنه كان يلُت السويق للحاج، وابن السبيل، تقرباً إلى الله، وإكراماً لقاصدي بيته.
الثامنة: أنه اسم صاحب القبر، وذكر معنى التسمية.
وذلك لأنه قد اختُلف -كما قد تقدم- هل هو منسوب للرجل أم إنه اسم لصخرة بيضاء منقوشة في الطائف يقال لها: اللات. ولا تعارض بين القولين؛ فقد قيل: إنه إذا صنع السويق صبه على تلك الصخرة البيضاء، فاتُخذ ذلك المكان وثناً، وصار يُعبد من دون الله.
التاسعة: لعنه زَوَّارَات القبور.
للعن رسول الله ﷺ زائرات القبور، وفي رواية: "زوارات"، فيتناول ما قل
стр. 335
من الزيارة وما كثر، لما يترتب على ذلك من التسخط والجزع.
العاشرة: لعنه من أسرجها.
لقوله: "والمتخذين عليها المساجد والسرج" لما في ذلك من الغلو فيها.
стр. 336
باب ما جاء في حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد، وسده كل طريق يوصل إلى الشرك
وقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة التوبة: ١٢٨].
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا عليّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" رواه أبو داود، بإسناد حسن، رواته ثقات (١).
وعن علي بن الحسين: أنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ ، فيدخل فيها فيدعو، فنهاه، وقال: ألا أحدثكم حديثاً سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا قبري عيداً، ولا بيوتكم قبوراً، وصلوا عليّ فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم" رواه في المختارة (٢).
الشرح:
قول المصنف ﵀: "باب: ما جاء في حماية المصطفى" المصطفى: هو النبي ﷺ ، وهو حقيق بهذا الوصف؛ لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥] ولقوله ﷺ : "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم" (٣).
стр. 337
قوله: "جناب التوحيد" أي: جانبه، فهو يحمي جانبه أن يُمس ويُتسور، فحماه النبي ﷺ كما يحمي صاحب الحمى حماه من الكلأ والعشب.
قوله: "وسده كل طريق يوصل إلى الشرك" معطوف على حماية، والتقدير: وما جاء في سده.
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
لما ذكر المصنف ﵀ في الأبواب السابقة ما قاله النبي ﷺ على وجه العموم في حماية التوحيد، أراد أن يُبيّن في هذا الباب ما جاء من حمايته جناب التوحيد على وجه الخصوص.
قوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ المخاطبون: العرب ابتداءً؛ لأنه بُعث فيهم؛ ولأنه قال: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾، أي: من جنسكم، وفئتكم، وبلغتكم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] فهي سنة إلهية؛ أن يبعث الله الرسل من وسط قومهم، وبلغتهم، وفي قراءة: (من أَنْفَسِكم) (١)، من النفاسة.
قوله: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْه مَا عَنِتُّمْ﴾ أي: شديد عليه الأمر الذي يشق عليكم، ويلحقكم من جراءه العنت، لكمال شفقته ورأفته بأمته.
قوله: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ الحرص: جمع الهم على الشيء والسعي في تحصيله. فهو ﷺ شديد الحرص على ما فيه نفعكم، والتحذير مما فيه ضرركم في العاجل والآجل، ومن تتبع سيرته ﷺ وجد هذا جلياً؛ فإنه لم يدع شاذة ولا فاذة، إلا واهتم لها، وبيّنها لأمته ﷺ
قوله: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أي: شديد الشفقة، وبليغ الرحمة بالمؤمنين. وشواهد ذلك من سيرته العطرة ﷺ أكثر من أن تحصر. ودلت الآية على أنه يجوز أن يسمى المخلوق بما يُسمى به الخالق، على اعتبار أن ما للمخلوق يليق به، وما للخالق يليق به؛ وذلك أن الرؤوف والرحيم من
стр. 338
أسماء الله الحسنى، وسمى بهما نبيه ﷺ ؛ فرأفته ورحمته ﷺ تليق به، ورأفة الله ورحمته سبحانه تليق به.
مناسبة الآية للباب:
ظاهرة، لما تضمنته من شهادة الله تعالى لنبيه ﷺ بكمال الحرص، والرأفة، والرحمة بأمته، ودفع الشر عنها الذي أعظمه الشرك بالله تعالى.
فوائد الآية:
١ - أن النبي ﷺ حذر أمته من الشرك قطعاً؛ لأنه أعظم خطر يتهددها، فلا يمكن أن ينهى النبي ﷺ أمته عن أمور سهلة؛ لفظية، وعملية، وأدبية، ويدع أعظم الأمور وهو الشرك.
٢ - منَّة الله تعالى علينا ببعثة هذا النبي الرؤوف الرحيم بأمته، فينبغي أن نقدر قدر هذه النعمة.
٣ - شرف النبي ﷺ في قومه؛ لقوله: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: من أوسطكم نسباً.
٤ - بيان بعض شمائل النبي ﷺ ؛ وهي حرصه على أمته، ورأفته، ورحمته بهم.
٥ - أنه مع غير المؤمنين على الضد من ذلك؛ لقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفتح: ٢٩]، فإنه شديد عليهم.
قوله: "وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجعلوا بيوتكم قبوراً"، ليس المقصود: اتخاذها مقابر يُدفن فيها الموتى؛ لأن هذا غير وارد، فلا أحد يجعل بيته موضعاً للدفن، وإنما المراد: لا تعطلوها عن الصلاة والعبادة فيها، فتكون بمنزلة القبور، وهذا يدل على أنه كان مستقراً عندهم: أن المقابر ليست موضعاً للصلاة، ولا للعبادة، وإنما للزيارة، والعظة، والدعاء للأموات، فلهذا خاطبهم بأمر معهود، ومثل مستقر معلوم عندهم.
قوله: "ولا تجعلوا قبري عيداً" أي: موضعاً تعتادون مجيئه وقصده زماناً، ومكاناً، فإن العيد مأخوذ من العود، والعود هو التكرار، فنهى النبي ﷺ أن يتخذ قبره مزاراً معتاداً، وإنما شرع النبي ﷺ لأمته أن يقصدوا مسجده، فقال: "لا تشد
стр. 339
الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ ، ومسجد الأقصى" (١)، وأما القبر فلا يشد إليه الرحل، لكن من كان في المدينة النبوية فإنه يشرع له أن يزور قبر النبي ﷺ ، وأن يزور قبور الصحابة وغيرهم، في البقيع، وأن يزور قبور الشهداء في أحد، لكن لا يشد الرحل من بلده إلى المدينة، بنية زيارة القبر.
قوله: "وصلوا عليّ" الصلاة منا على النبي ﷺ دعاء له بأن يذكر عند ربه في الملأ الأعلى.
قَالَ أَبُو العَالِيَةِ: "صَلَاةُ اللَّهِ: ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ المَلَائِكَةِ، وَصَلَاةُ المَلَائِكَةِ الدُّعَاءُ " قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " يُصَلُّونَ: يُبَرِّكُونَ" (٢) أي: يدعون بالبركة.
قوله: "فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" كأن النبي ﷺ لما نهى عن اتخاذ قبره عيداً، وسد هذا الباب، فتح باباً آخر، وهو تعويض ذلك بكثرة الصلاة والسلام عليه، فإن صلاتنا تبلغه، حيث كنا، ولو كنا في أقاصي الأرض.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لما تضمنه من حرص النبي ﷺ على صيانة التوحيد، وسد الطرق المفضية إلى الشرك باتخاذ قبره عيداً.
فوائد الحديث:
١ - وجوب سد الطرق المفضية إلى الشرك، كاتخاذ قبور الصالحين عيدًا.
٢ - مشروعية وفضل الصلاة والسلام على النبي ﷺ في أي موضع كان.
٣ - أنه لا فرق في الصلاة والسلام عليه بين من قرب من قبره، ومن بعد عنه.
٤ - النهي عن شد الرحال لزيارة قبر النبي ﷺ ؛ لقوله: "لا تجعلوا قبري عيداً".
стр. 340
ثم قال المصنف ﵀:
"وعن علي بن الحسين" هو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ولقبه: زين العابدين، وهو أفضل التابعين في زمنه، توفي سنة ثلاث وتسعين، ﵀.
قوله: "أنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ ، فيدخل فيها" أي: أن ذلك الرجل زُين له أن يدخل في ذلك المكان، ويخلو بالدعاء، كأنه وقع في قلبه أن الدعاء في هذا الموضع له مزية؛ لقربه من القبر الشريف.
قوله: "فنهاه، ألا أحدثكم حديثاً سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ " يا له من سند شريف! علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن رسول الله ﷺ . و "ألا" أداة تنبيه، وهذا من حسن التعليم أن قرن النهي والإنكار، بالرفق والاستدلال، ليحصل العلم والقبول معًا.
قوله: "لا تتخذوا قبري عيداً، ولا بيوتكم قبوراً، فإن تسليمكم يبلغني حيث كنتم" تقدم معنى هاتين الجملتين الأوليين، وزاد في هذا الحديث: ذِكْر التسليم على ما تقدم في الحديث السابق، من قوله: "فإن صلاتكم". وينبغي أن يعلم بأنه لا يتم الأمر إلا بالجمع بين الصلاة والسلام؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] فلا يكفي أن يقول الإنسان: اللهم صلِّ على محمد، بل يقول: اللهم صلَّ وسلم على محمد، ولا يكفي أن يقول: ﵇، بل يقول: ﵊. وأما الاقتصار عليها في "الصلاة الإبراهيمية" فلأنها مسبوقة بالسلام عليه في التشهد.
قوله: رواه في المختارة"، المختارة؛ هي أحاديث مختارة زائدة على ما في الصحيحين، جمعها ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي ﵀.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، فإن النبي ﷺ كان شديد الحرص على سد كل طريق يفضي إلى الشرك، وأخذ ذلك عنه أصحابه، والتابعون لهم بإحسان.
стр. 341
فوائد الحديث:
١ - النهي عن الدعاء عند قبور الصالحين؛ لنهي علي بن الحسين الرجل عن الدعاء في الفرجة.
٢ - مشروعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لفعل علي بن الحسين، ﵀، فقد رأى منكراً فغيره؛ قال النبي ﷺ : "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" (١)، وعلى هذا فينبغي لمن قصد بيت الله الحرام، أو مسجد رسوله ﷺ ، ورأى من بعض المسلمين الذين لم يُتح لهم أن يتعلموا التوحيد شيئاً من الأخطاء أن يجتهد في تعليمهم. وكثير من طلبة العلم يذهب للعمرة أو للزيارة، ويرجع ولم يقل كلمة واحدة في التعليم، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، مع أنه يرى من حال الناس وأخطائهم شيئًا كثيرًا، لكن لا يرفع بذلك رأساً، ولا يرى بتركه بأساً، وربما تندر بها في المجالس! بخلاف حال السلف، كما فعل علي بن الحسين، ﵀.
٣ - تحريم السفر إلى زيارة قبر النبي ﷺ ؛ لقوله: "لا تتخذوا قبري عيداً"؛ لأن اتخاذه عيداً يقتضي السفر إليه.
٤ - بيان أن الصلاة والسلام عليه يحصلان ولو من مكان بعيد؛ لقوله: "فإن صلاتكم، وفي رواية: تسليمكم، يبلغني حيث كنتم".
٥ - أن المقصود من الوقوف على قبره ﷺ هو الصلاة والسلام عليه. والطريقة الصحيحة في زيارة قبر النبي ﷺ ، لمن كان حاصلًا في المدينة، وأحب أن يزور القبر الشريف، وقبر صاحبيه، فإنه إذا حاذى رأس النبي ﷺ حيال الدائرة المفتوحة في السور المحيط بحجرته ﷺ ، استقبله وقال: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد" فإن هذه الصيغة هي التي علمها النبي ﷺ أمته، حين علمهم السلام عليه، ثم يخطو خطوة واحدة أو خطوتين، فيستقبل رأس أبي بكر الصديق، ﵁؛ لأن هذه القبور الثلاثة ليست مصفوفة جنب
стр. 342
إلى جنب، بل أقربها قبر النبي ﷺ ، ثم رأس أبي بكر حيال قدم النبي ﷺ من ورائه، ثم قبر عمر من ورائه، فهم متوالون، وليسوا صفاً، ويقول أمام قبر أبي بكر: السلام عليك يا خليفة رسول الله، اللهم اجزه عن أمة محمد خير الجزاء، ويدعو له بما أحب، ثم يخطو خطوة، فيستقبل رأس عمر، ﵁، ويقول: السلام عليك يا أمير المؤمنين؛ لأنه أول من سمي بأمير المؤمنين عمر ﵁، اللهم اجزه عن أمة محمد خير الجزاء، ثم ينصرف، ولا يطيل القيام، فهذه هي الزيارة المشروعة. وإذا أحب أن يدعو فلا يدعو باتجاه القبر، كما يفعل بعض الجهال، بل يستقبل القبلة ويدعو؛ وهذا ليس مشروعاً بخصوصه، وإنما باعتبار مشروعية الدعاء مطلقاً، ولا يستقبل القبر بالدعاء.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية براءة.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية، وقد تقدم ما تضمنته من الصفات الشريفة للنبي ﷺ ، الدالة على أنه قد بين التوحيد والشرك، وسد الذرائع الموصلة إليه.
الثانية: إبعاده أمته عن هذا الحمى غاية البعد.
لنهيه عن اتخاذ قبره عيدًا، وبيانه أن الصلاة والسلام يبلغانه حيث كانوا، حماية جناب التوحيد.
الثالثة: ذكر حرصه علينا ورأفته ورحمته.
كما قال تعالى: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أي: حريص على هدايتنا، ووصول النفع الدنيوي والأخروي إلينا، رؤوف رحيم بنا.
стр. 343
الرابعة: نهيه عن زيارة قبره على وجه مخصوص، مع أن زيارته من أفضل الأعمال.
وذلك من قوله: "لا تجعلوا قبري عيداً"، فهذا هو الوجه المخصوص، وهو أن يكون أمرًا راتبًا، يشد الرحل إليه، بل حتى من كان في المدينة لا يرتب موعداً ثابتاً لزيارته، كأن يتخذ ليلة معينة، أو يوماً معيناً يقصد قبره، فكل ما أفاده لفظ (العود) فهو منهي عنه، لكن يفعل ذلك لماماً.
الخامسة: نهيه عن الإكثار من الزيارة.
لأنه قال: "عيداً" والعيد: مأخوذ من العود، وهو التكرار.
السادسة: حثه على النافلة في البيت.
لقوله ﷺ : "لا تجعلوا بيوتكم قبوراً"، وهذا يقتضي أن تعمر البيوت بذكر الله والصلاة، وينبغي أن يُشاع هذا بين الناس، فبيوت كثير من المسلمين اليوم -وللأسف- صارت موطناً للشياطين، تسمع منها إلا المعازف، وترى فيها المشاهد الماجنة، التي تبثها قنوات العهر والرذيلة، فيجب طرد الشياطين، بذكر الله تعالى، وإقام الصلاة. وقد كانت بيوت المسلمين، فيما مضى، محلاً لقيام الليل، وقراءة القرآن، وذكر الله، فينبغي على طلبة العلم أن ينشروا هذا بين أهليهم وذويهم، وأن يحثوهم على عمارة البيوت بكثرة الذكر والصلاة، وعدم مشابهتها للمقابر، وأن هذا من أعظم أسباب الحفظ والصون من أذى الشيطان؛ الحسي والمعنوي.
السابعة: أنه متقرر عندهم أنه لا يصلى في المقبرة.
فالتنظير قصد به التنفير، لأنه قد استقر عندهم: أن المقابر ليست محلاً للعبادة.
الثامنة: تعليله ذلك بأن صلاة الرجل وسلامه عليه يبلغه وإن بعد، فلا حاجة إلى ما يتوهمه من أراد القرب.
المشار إليه النهي عن اتخاذ قبره عيدًا وتعليل النهي: بأن الصلاة والسلام يبلغانه حيث كان، فلا محوج لشد الرحال إليه.
стр. 344
التاسعة: كونه ﷺ في البرزخ تعرض أعمال أمته في الصلاة والسلام عليه.
وهذا في الحياة البرزخية، فإن النبي ﷺ قد مات قطعاً، ولكن الله تعالى يرد عليه روحه، فيرد السلام، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ¬ السَّلَامَ" (١)، وقد جاء مثل ذلك لآحاد المسلمين، فقد روى ابن عبد البر، مرفوعًا: "ما من أحد مر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا، فسلم عليه، إلا عرفه، ورد عليه¬ السلام" (٢).
стр. 345
باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان
وقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [سورة النساء: ٥١].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [سورة المائدة: ٦٠].
وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [سورة الكهف: ٢١].
عن أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذّة بالقذّة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟ " أخرجاه (١).
الشرح:
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
عقد المصنف هذا الباب لبيان أن الشرك يقع في هذه الأمة، رداً على القبوريين الذين يزعمون أن الشرك لا يمكن أن يقع في أمة محمد ﷺ ، وأن ما يقع منهم من دعاء، وذبح، ونذر لغير الله ليس شركًا.
قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾: روى سعيد بن منصور في سننه، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: قَدِمَ حُيَيّ بْنُ
стр. 346
أخْطَب، وكَعْب بْنُ الأشْرف إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: أَنْتُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ، فَنَحْنُ خَيْرٌ، أَمْ مُحَمَّدٌ؟ فَقَالُوا: وَمَا أَنْتُمْ، وَمَا مُحَمَّدٌ؟ قَالُوا: صُنْبُورٌ قَطَّعَ أَرْحَامَنَا، وَاتَّبَعَهُ سُرَّاق الْحَجِيجِ: بَنُو غِفَار، فنحن أهدى سَبِيلًا أَمْ هُوَ؟ قَالُوا: أَنْتُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ (١).
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ صيغة استخبار، وقد تكون رؤية علمية أو بصرية، والخطاب للنبي ﷺ .
قوله: ﴿إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا﴾ أي: أعطوا، وهم اليهود والنصارى، والقرآن يعبر عنهم بثلاثة أوصاف: ﴿أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، ﴿أُورِثُوا الْكِتَابَ﴾، ﴿وَرِثُوا الْكِتَابَ﴾ ولا تدل بحد ذاتها، على تزكية.
قوله: ﴿نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ أي: قدراً وحظاً من الكتاب، وهو التوراة والإنجيل.
قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ أي: رغم كونهم أتوا نصيباً من الكتاب، وقامت عليهم الحجة الرسالية؛ فإنهم يؤمنون أي يصدقون ﴿بِالْجِبْتِ﴾ والجبت: كلمة تتناول عدة معانٍ، فتطلق على الصنم، والسحر، والكهانة، والساحر، والكاهن. وأما ﴿الطَّاغُوتِ﴾ فإن المراد به في هذه الآية: الشيطان؛ لأنه رأس الطواغيت، وأما الطاغوت بالمعنى العام: فهو مأخوذ من الطغيان، وقد عرّفه ابن القيم، ﵀، بأنه: "كل ما تجاوز به العبد حده من معبود، أو متبوع، أو مطاع؛ فطاغوت كل قوم: من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله" (٢).
مناسبة الآية للباب:
ظاهرة، لأنها أثبتت أن الذين أتوا نصيباً من الكتاب، وقع منهم إيمان
стр. 347
بالجبت والطاغوت، رغم وجود الكتاب في أيديهم، فكذلك يقع في هذه الأمة، مع وجود الكتاب بين أيديها.
فوائد الآية:
١ - الدعوة إلى العظة والاعتبار بمن قبلنا؛ لقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾.
٢ - وجوب الكفر بالجبت والطاغوت.
٣ - وجوب العمل بالعلم، وإلا صار حجة على صاحبه.
قوله: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾ أي: يا محمد، هل أخبركم، والخطاب في سياق محاجة أهل الكتاب. قوله: ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: من هو أشر عاقبة، وجزاءً عند الله ؛ لأنهم كانوا قد ذموا أصحاب النبي ﷺ ، ووصفوهم بالشر، فقال لهم: دعوني أخبركم بمن هو أشر ممن نبذتموه ورميتموه بذلك.
قوله: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ أي: طرده وأبعده عن رحمته.
قوله: ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ أي: حقق عليه غضبه، فلا يرضى عليه بعده.
قوله: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ أي: مسخهم كذلك، وهم أصحاب السبت.
قوله: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ أي: جعل منهم من يعبد الشيطان، وهؤلاء المذمومون هم أصحاب السبت، وهم طائفة من اليهود، سكنوا قريةً حاضرة البحر، ابتلاهم الله فصارت ﴿تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ [الأعراف: ١٦٣] فتظهر على سطح الماء من كثرتها، ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٦٣] فتنة وابتلاء لهم. فتحايلوا على شرع الله، وصاروا يرمون شباكهم يوم الجمعة، ولا يسحبونها إلا يوم الأحد، فيقولون: لم نصِد يوم السبت حيث حُرم علينا، تحايلاً منهم، فعاقبهم الله -بهذه العقوبة الفظيعة، حيث لعنهم، وغضب عليهم، وجعل منهم القردة والخنازير، وعبد الطاغوت. ويمكن أن يقال: إن هذا الوعيد ينطبق على عامة اليهود، فمنهم من لعنه الله، وغضب عليه، ومنهم من جعل منهم القردة والخنازير، وهم أصحاب السبت خاصة، ومنهم من جعله يعبد الطاغوت، وكل هذا حاصل فيهم.
стр. 348
مناسبة الآية للباب:
ظاهرة، لدلالتها على وقوع الشرك ممن كان قبلنا، مع وجود الكتاب بين أيديهم، فلم يحجزهم عن عبادة الطاغوت، وفي هذا إشارة إلى أن هذه الأمة، وإن وجد فيها القرآن، وإن وجدت فيها الصحاح، والسنن، والمسانيد، فليس بمانع أن يقع من بعض أفرادها من يشرك بالله.
فوائد الآية:
١ - إمكان وقوع الشرك في هذه الآمة؛ لوقوعه فيمن كان قبلها.
٢ - محاجة المخالفين بالدليل الأظهر، فإنهم لما وصفونا بالشر، أمر الله نبيه بأن يقول لهم: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾، فذكر شيئاً من أوصافهم التي بلغوا فيها غاية الشر.
٣ - أن الجزاء من جنس العمل؛ فإن القوم لما انتكسوا بالشرك، وتنكروا لفطرهم، وغيروا ما أوجب الله عليهم من عبادته وحده، جوزوا بجنس عملهم؛ فمسخهم الله قردة وخنازير، مسخاً حقيقياً. والجزاء من جنس العمل.
٤ - إثبات صفة الغضب لله .
ثم قال المصنف: "وقوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ " أي: قال المتغلبون من ذوي الولاية والسلطان الذين عثروا على أصحاب الكهف، نبني على كهفهم مسجدًا؛ تعظيمًا لهم. وذلك أن الله تعالى أعثر عليهم بعد ثلاثمائة وتسع سنين، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ [الكهف: ٢١]، أي: ليعلم الناس أن وعد الله بإحياء الموتى، وبعثهم من قبورهم أحياء، حق، وأن قيام الساعة حتم، إذ كانوا قد اختلفوا في البعث؛ هل هو حقيقة أم ليس كذلك؟ فأقام الله هذه الآية البينة؛ لتكون تعزيزاً لإثبات عقيدة البعث. فزين الشيطان لأصحاب السلطان، أن
стр. 349
يبنوا مسجداً على موضعهم، ويتبركوا بهم! وليس هذا من الله إقراراً لهم، ولكنه نكير عليهم.
مناسبة الآية للباب:
ظاهرة، لأن الناس في ذلك الزمان قد وقع منهم الشرك، مع كونهم أهل كتاب، فبنوا المساجد على القبور، ووقعوا في الشرك، فحري أن يقع مثله في هذه الأمة.
فوائد الآية:
١ - تحريم اتخاذ المساجد على القبور.
٢ - إمكان وقوع مثله في هذه الأمة، وقد كان.
٣ - الحذر من الغلو في الصالحين.
ثم قال المصنف: "عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟ " أخرجاه" حديث أبي سعيد ﵁ حديث عظيم، وأصل كبير في حصول الاختلاف والافتراق في هذه الأمة.
قوله: "لتتبعنَّ" قسم، واللام هنا، لام القسم، فقد أكد النبي ﷺ هذا الخبر بالقسم، ولام القسم ونون التوكيد الثقيلة، فما بعد هذا التأكيد تأكيد.
قوله: "سنن من كان قبلكم" أي: طرق ومذاهب الأمم والطوائف السابقة.
قوله: "حذو القذة بالقذة" أي: أنكم تحذون حذوهم كحذو القذة بالقذة. والقذة: ريشة السهم، وكل سهم له قذتان، متناظرتان تماماً، فلعظيم تناظرهما ضرب بهما المثل في التماثل. قوله: "حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" مثّل النبي ﷺ بجحر الضب، مع أنه لا يمكن للآدمي أن يدخل جحر الضب؛ لأن جحر الضب -كما هو معلوم- عند العارفين، يمتاز بالضيق، والحرج، والالتواء، فكأن النبي ﷺ يقول:
стр. 350
حتى لو تقحموا المسالك الضيقة الوعرة، وركبوا الأمور المنكرة، المستهجنة، لفعلتم! وهذا الذي حدَّث به النبي ﷺ قد وقع كما قال. قوله: "قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ " أي: أتعني بمن كان قبلنا اليهود والنصارى؟ قوله: "قال: "فمن؟ " " أي: فمن غيرهم؟ وجاء في حديث آخر: فقيل: يا رسول الله، كفارس والروم؟ فقال: "ومن الناس إلا أولئك؟! " (١). فمن مجموع الحديثين يتبين: أن النبي ﷺ أخبر أن أمته ستحاكي من كان قبلها من الأمم، سواء كان ذلك على الصعيد الديني، أو على الصعيد المدني؛ لأن فارس والروم يدلان على الحالة المدنية السياسية؛ إذ هما كيانان اجتماعيان، سياسيان، وأما اليهود والنصارى، فيدلان على الحالة الدينية. وما أخبر به النبي ﷺ قد وقع، فإن هذه الأمة قد وجد فيها من يضاهي اليهود والنصارى، ومن يضاهي المشركين، كالفرس والمجوس، وغيرهم من الأمم الشرقية والغربية.
ويُؤيد هذا الحديث: ما أخبر به النبي ﷺ من طرق عدة من حديث معاوية (٢)، وعبد الله بن عمرو (٣)، وأبي هريرة (٤)، وأنس (٥)، وغيرهم، من قوله: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة، وسبعون في النار، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، والذي نفس محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة في الجنة، وثنتان وسبعون في النار" قيل: يا رسول الله من هم؟ قال: "الجماعة"،
стр. 351
وفي رواية: "ما أنا عليه اليوم وأصحابي" (١). فهذه النصوص الدالة على حصول الافتراق في هذه الأمة، وتبعية هذه الأمة لمن كان قبلها من اليهود والنصارى في افتراقهم، واختلافهم، تبلغ بمجموع طرقها مبلغ التواتر المعنوي.
وكتاب الله تعالى شاهد على أن التفرق سيحصل ويقع، ولم يكن النبي ﷺ ليسوق هذه الأحاديث للخبر المجرد، وإنما ساقها لتحذير أمته من مهاوي الضلال، وسبل الافتراق، فيهلك من هلك عن بينة، ويحي من حي عن بينة. وفرق بين الأمر الكوني والأمر الشرعي:
فالله تعالى قد قضى كوناً أن يقع الافتراق، وأن تتبع فئام من هذه الأمة سبل أهل الكتاب، والذين لا يعلمون، وسبق أيضاً في أمر الله الشرعي: النهي عن ذلك، فالواجب علينا أن نتفادى ما حرم الله تعالى شرعاً من التفرق والاختلاف، وأن نلزم السنة، وأن نعتصم بالكتاب.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، فقد أخبر النبي ﷺ أن ما وقع في الأمم السابقة سيقع في هذه الأمة، ومن ذلك الشرك، فقد وقع الشرك لدى اليهود والنصارى، ولدى فارس والروم، فسيقع في هذه الأمة.
فوائد الحديث:
١ - إمكانية وقوع الشرك في هذه الأمة، تبعاً لمن سبقها من الأمم.
٢ - علم من أعلام النبوة؛ لإخبار النبي ﷺ بأمور مستقبلة، ما كان يعلمها، فوقعت كما أخبر.
٣ - التحذير من مشابهة اليهود، والنصارى، والمشركين.
٤ - ضرب الأمثال، وأن ذلك مما يُعين على إيصال المعاني، وتقريب العلم، لقوله: "حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه".
стр. 352
ثم قال المصنف ﵀:
ولمسلم: عن ثوبان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله زوى لي الأرض، فرأيتُ مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة بعامة، وألا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد إذا قضيتُ قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة، وألا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً" (١).
ورواه البرقاني في صحيحه، وزاد: "وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان، وأنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ﵎" (٢).
الشرح:
قوله: "ولمسلم عن ثوبان" ثوبان: هو مولى رسول الله ﷺ ، صحبه، ولازمه، وخدمه، وكانت وفاته بحمص، سنة (٥٤ هـ)
قوله: "إن الله زوى لي الأرض" " أي: طواها، وجعلها كما جاء في بعض السياقات: كهيئة الكف، فقد صُورت له، وجمعت، حتى رآها، كما ينظر في
стр. 353
المرآة، أو كما ينظر في كفه، وهذا أمر ممكن أن نتصوره، حين نرى العرض التلفزيوني للأحوال الجوية؛ ترى الكرة الأرضية مبسوطةً، مرسومة، تعرض يمنة ويسرة، شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً، بل تراها في الأجهزة الكفية كذلك، فهذا نوع من الزوي، لكنا نعلم قطعاً، أن ما زواه الله لنبيه ﷺ ليس على الصفة التي ذكرنا، وإنما هذا من باب التقريب، والمقصود أن الله مكّن الله نبيه ﷺ من رؤيتها حقيقة.
قوله: "فرأيتُ مشارقها ومغاربها" رآها حقيقة، على صفتها التي خلقها الله عليها.
قوله: "وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها" أي: أن فتوحات أمة محمد ﷺ ستبلغ المشارق والمغارب، وقد وقع ذلك؛ فما مضى قرن على وفاة النبي ﷺ إلا وقد بلغ المسلمون تخوم الصين شرقاً، وخاضوا في المحيط الأطلسي غرباً، وملكوا بلاد الأندلس التي تُسمى الآن إسبانيا والبرتغال، شمالًا، وتسلقوا جبال البرانس التي تفصل بين إسبانيا وفرنسا، واستولوا على مناطق كبيرة من (بلاد الغال) كما كانت تُسمى، أي بلاد فرنسا، وقاربوا أن يصلوا "باريس"، ومكثوا في (بلاد الغال) سبعين سنة، كما أنهم من الجانب الآخر، شمالًا حاصروا القسطنطينية، وكادوا أن يفتحوها، وتوغلوا في بلاد النوبة، وأواسط أفريقيا جنوبًا. كل ذلك في القرن الهجري الأول، قرن الصحابة، الذي هو القرن الذهبي حقًا لهذه الأمة، فقد بلغ فيها ملك هذه الأمة المشارق والمغارب، ودخل الناس في دين الله أفواجًا.
ولعل في علم الله في قادم الأيام ما لا نحيط به، فقد أخبر النبي ﷺ أن أمته ستمتلك روما، كما تمتلك القسطنطينية، فقد جاء في الحديث أن رجلاً سأل النبي ﷺ : أي المدينتين تُفتح أولاً؛ قسطنطينية أو رومية؟ فقال: "مدينة هرقل تُفتح أولاً" (١)، يعني: قسطنطينية، وقد فتحها السلطان العثماني محمد الفاتح. وكاد المسلمون في زمن أسد بن الفرات تلميذ الإمام مالك بن أنس، رحمهما الله، أن يفتحوا روما، حينما استولوا على صقلية، قبالة إيطاليا،، لولا أن الباباوات، والأباطرة الرومان، بذلوا الجزية الذهبية لدفع ذلك.
وأما دعوة النبي ﷺ فإنه بفضل الله، ثم بواسطة الوسائل الإعلامية الحديثة
стр. 354
قد بلغت كل مبلغ، وإن كان لا يزال فئام من الناس لا يعلمون عنها شيئاً، لكنها قد بلغت جميع القارات.
قوله: "وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض" المراد بالكنزين قيل: كنز كسرى، وهو ملك الفرس، وكنز قيصر، وهو ملك الروم، وعبّر بالأحمر عن الذهب، وهو أكثر مال القياصرة، وبالأبيض عن الفضة، وهو أكثر مال الأكاسرة. وقد يكون المعنى أعم، فإن الذهب والفضة عند كلا المملكتين. وهذا يدل على أن هذه الأمة تنفتح عليها أبواب الغنائم، وهذا ما جرى فعلاً، فصارت الغنائم تساق إلى حواضر المسلمين في المدينة، ثم دمشق، ثم بغداد، من كل مكان، وتنقل السبايا، والأموال العظيمة من جراء الفتوحات الإسلامية.
قوله: "وإني سألتُ ربي لأمتي" أي: أن النبي ﷺ سأل ربه لأمته ثلاث مسائل، فأعطاه اثنتين، الأولى، والثانية، ومنعه الثالثة، وهذه الثلاث هي:
الأولى: "ألا يهلكها بسنة بعامة" والسنة: الجدب والقحط، فاستجاب الله دعاءه، فلم تقع مجاعة عامة بسبب القحط والجدب، وربما وقع هلاك جزئي.
الثانية: "وألا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم" أي: ألا يسلط على أمته عدواً خارجياً من غيرهم، فيستبيح بيضتهم. وبيضة القوم: عقر دارهم، وقصبة مملكتهم. ولا شك أن أم القرى مكة شرفها الله؛ ثم
стр. 355
تليها المدينة، وقد حفظ الله هاتين البلدتين من أن يستبيحها كافر، فاستجاب الله تعالى هذه الدعوة أيضاً.
الثالثة: "أن لا يجعل بأسهم بينهم شديداً" أي ألا يحتربوا فيما بينهم. لكن الله تعالى منعه هذه؛ ولأجل ذا وقع بين المسلمين على مدار التاريخ حروب وإحن كثيرة، شديدة، وهذا من حكمة الله البالغة، وقدره السابق.
قوله: "وإن ربي قال: يا محمد، إذا قضيتُ قضاء فإنه لا يرد" أي: إذا قضى الله قضاءً فإنه لا يرد، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧]. ولا يشكل على هذا قول النبي ﷺ : "لا يرد القضاء إلا الدعاء" (١)، فإن المقصود بالقضاء في هذا الحديث ليس القضاء الذي في اللوح المحفوظ، وإنما المراد به شيء انعقدت أسبابه، وتوفرت دواعيه، فصرفه الله بسبب الدعاء. فيكون الذي في أم الكتاب أن هذا الأمر الستوجب الوقوع، يعارضه دعاءٌ فيرفع بسببه، فالذي في اللوح المحفوظ السبب والمسبب معاً، وبذلك يزول الإشكال، فما في اللوح المحفوظ لا يتغير، وأما ما في صحف الملائكة، فإنه يقع فيه المحو والإثبات، كما قال تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، على أحد التفسيرين في معنى المحو والإثبات. وقيل: إن المحو والإثبات لا يتعلق بالأقدار، وإنما بالحسنات والسيئات، وهو الراجح.
قوله: "وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة بعامة، وألا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها" هذا وعد من الله لنبيه، والله لا يخلف الميعاد، فكان كما وعد: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]، فإن هذه الأمة قد تكالب عليها من بأقطارها من أمم الأرض، وبقيت بيضتها محمية مصونة، وتقشع الغزاة، كالتتار، والصليبيين، والاستعمار الأوروبي الحديث، وحفظ الله لهذه الأمة -ولله الحمد- عقيدتها، وشخصيتها، وطريقتها، بل إن بعض الغزاة ذاب في هذه الأمة واعتنق دينها؛ لأنه دين يعلو ولا يُعلى عليه، كما وقع للتتار.
قوله: "حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً" هذه هي