وفي رواية: "ما أنا عليه اليوم وأصحابي" (١). فهذه النصوص الدالة على حصول الافتراق في هذه الأمة، وتبعية هذه الأمة لمن كان قبلها من اليهود والنصارى في افتراقهم، واختلافهم، تبلغ بمجموع طرقها مبلغ التواتر المعنوي.
وكتاب الله تعالى شاهد على أن التفرق سيحصل ويقع، ولم يكن النبي ﷺ ليسوق هذه الأحاديث للخبر المجرد، وإنما ساقها لتحذير أمته من مهاوي الضلال، وسبل الافتراق، فيهلك من هلك عن بينة، ويحي من حي عن بينة. وفرق بين الأمر الكوني والأمر الشرعي:
فالله تعالى قد قضى كوناً أن يقع الافتراق، وأن تتبع فئام من هذه الأمة سبل أهل الكتاب، والذين لا يعلمون، وسبق أيضاً في أمر الله الشرعي: النهي عن ذلك، فالواجب علينا أن نتفادى ما حرم الله تعالى شرعاً من التفرق والاختلاف، وأن نلزم السنة، وأن نعتصم بالكتاب.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، فقد أخبر النبي ﷺ أن ما وقع في الأمم السابقة سيقع في هذه الأمة، ومن ذلك الشرك، فقد وقع الشرك لدى اليهود والنصارى، ولدى فارس والروم، فسيقع في هذه الأمة.
فوائد الحديث:
١ - إمكانية وقوع الشرك في هذه الأمة، تبعاً لمن سبقها من الأمم.
٢ - علم من أعلام النبوة؛ لإخبار النبي ﷺ بأمور مستقبلة، ما كان يعلمها، فوقعت كما أخبر.
٣ - التحذير من مشابهة اليهود، والنصارى، والمشركين.
٤ - ضرب الأمثال، وأن ذلك مما يُعين على إيصال المعاني، وتقريب العلم، لقوله: "حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه".
стр. 352
ثم قال المصنف ﵀:
ولمسلم: عن ثوبان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله زوى لي الأرض، فرأيتُ مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة بعامة، وألا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد إذا قضيتُ قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة، وألا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً" (١).
ورواه البرقاني في صحيحه، وزاد: "وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان، وأنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ﵎" (٢).
الشرح:
قوله: "ولمسلم عن ثوبان" ثوبان: هو مولى رسول الله ﷺ ، صحبه، ولازمه، وخدمه، وكانت وفاته بحمص، سنة (٥٤ هـ)
قوله: "إن الله زوى لي الأرض" " أي: طواها، وجعلها كما جاء في بعض السياقات: كهيئة الكف، فقد صُورت له، وجمعت، حتى رآها، كما ينظر في
стр. 353
المرآة، أو كما ينظر في كفه، وهذا أمر ممكن أن نتصوره، حين نرى العرض التلفزيوني للأحوال الجوية؛ ترى الكرة الأرضية مبسوطةً، مرسومة، تعرض يمنة ويسرة، شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً، بل تراها في الأجهزة الكفية كذلك، فهذا نوع من الزوي، لكنا نعلم قطعاً، أن ما زواه الله لنبيه ﷺ ليس على الصفة التي ذكرنا، وإنما هذا من باب التقريب، والمقصود أن الله مكّن الله نبيه ﷺ من رؤيتها حقيقة.
قوله: "فرأيتُ مشارقها ومغاربها" رآها حقيقة، على صفتها التي خلقها الله عليها.
قوله: "وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها" أي: أن فتوحات أمة محمد ﷺ ستبلغ المشارق والمغارب، وقد وقع ذلك؛ فما مضى قرن على وفاة النبي ﷺ إلا وقد بلغ المسلمون تخوم الصين شرقاً، وخاضوا في المحيط الأطلسي غرباً، وملكوا بلاد الأندلس التي تُسمى الآن إسبانيا والبرتغال، شمالًا، وتسلقوا جبال البرانس التي تفصل بين إسبانيا وفرنسا، واستولوا على مناطق كبيرة من (بلاد الغال) كما كانت تُسمى، أي بلاد فرنسا، وقاربوا أن يصلوا "باريس"، ومكثوا في (بلاد الغال) سبعين سنة، كما أنهم من الجانب الآخر، شمالًا حاصروا القسطنطينية، وكادوا أن يفتحوها، وتوغلوا في بلاد النوبة، وأواسط أفريقيا جنوبًا. كل ذلك في القرن الهجري الأول، قرن الصحابة، الذي هو القرن الذهبي حقًا لهذه الأمة، فقد بلغ فيها ملك هذه الأمة المشارق والمغارب، ودخل الناس في دين الله أفواجًا.
ولعل في علم الله في قادم الأيام ما لا نحيط به، فقد أخبر النبي ﷺ أن أمته ستمتلك روما، كما تمتلك القسطنطينية، فقد جاء في الحديث أن رجلاً سأل النبي ﷺ : أي المدينتين تُفتح أولاً؛ قسطنطينية أو رومية؟ فقال: "مدينة هرقل تُفتح أولاً" (١)، يعني: قسطنطينية، وقد فتحها السلطان العثماني محمد الفاتح. وكاد المسلمون في زمن أسد بن الفرات تلميذ الإمام مالك بن أنس، رحمهما الله، أن يفتحوا روما، حينما استولوا على صقلية، قبالة إيطاليا،، لولا أن الباباوات، والأباطرة الرومان، بذلوا الجزية الذهبية لدفع ذلك.
وأما دعوة النبي ﷺ فإنه بفضل الله، ثم بواسطة الوسائل الإعلامية الحديثة
стр. 354
قد بلغت كل مبلغ، وإن كان لا يزال فئام من الناس لا يعلمون عنها شيئاً، لكنها قد بلغت جميع القارات.
قوله: "وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض" المراد بالكنزين قيل: كنز كسرى، وهو ملك الفرس، وكنز قيصر، وهو ملك الروم، وعبّر بالأحمر عن الذهب، وهو أكثر مال القياصرة، وبالأبيض عن الفضة، وهو أكثر مال الأكاسرة. وقد يكون المعنى أعم، فإن الذهب والفضة عند كلا المملكتين. وهذا يدل على أن هذه الأمة تنفتح عليها أبواب الغنائم، وهذا ما جرى فعلاً، فصارت الغنائم تساق إلى حواضر المسلمين في المدينة، ثم دمشق، ثم بغداد، من كل مكان، وتنقل السبايا، والأموال العظيمة من جراء الفتوحات الإسلامية.
قوله: "وإني سألتُ ربي لأمتي" أي: أن النبي ﷺ سأل ربه لأمته ثلاث مسائل، فأعطاه اثنتين، الأولى، والثانية، ومنعه الثالثة، وهذه الثلاث هي:
الأولى: "ألا يهلكها بسنة بعامة" والسنة: الجدب والقحط، فاستجاب الله دعاءه، فلم تقع مجاعة عامة بسبب القحط والجدب، وربما وقع هلاك جزئي.
الثانية: "وألا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم" أي: ألا يسلط على أمته عدواً خارجياً من غيرهم، فيستبيح بيضتهم. وبيضة القوم: عقر دارهم، وقصبة مملكتهم. ولا شك أن أم القرى مكة شرفها الله؛ ثم
стр. 355
تليها المدينة، وقد حفظ الله هاتين البلدتين من أن يستبيحها كافر، فاستجاب الله تعالى هذه الدعوة أيضاً.
الثالثة: "أن لا يجعل بأسهم بينهم شديداً" أي ألا يحتربوا فيما بينهم. لكن الله تعالى منعه هذه؛ ولأجل ذا وقع بين المسلمين على مدار التاريخ حروب وإحن كثيرة، شديدة، وهذا من حكمة الله البالغة، وقدره السابق.
قوله: "وإن ربي قال: يا محمد، إذا قضيتُ قضاء فإنه لا يرد" أي: إذا قضى الله قضاءً فإنه لا يرد، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧]. ولا يشكل على هذا قول النبي ﷺ : "لا يرد القضاء إلا الدعاء" (١)، فإن المقصود بالقضاء في هذا الحديث ليس القضاء الذي في اللوح المحفوظ، وإنما المراد به شيء انعقدت أسبابه، وتوفرت دواعيه، فصرفه الله بسبب الدعاء. فيكون الذي في أم الكتاب أن هذا الأمر الستوجب الوقوع، يعارضه دعاءٌ فيرفع بسببه، فالذي في اللوح المحفوظ السبب والمسبب معاً، وبذلك يزول الإشكال، فما في اللوح المحفوظ لا يتغير، وأما ما في صحف الملائكة، فإنه يقع فيه المحو والإثبات، كما قال تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، على أحد التفسيرين في معنى المحو والإثبات. وقيل: إن المحو والإثبات لا يتعلق بالأقدار، وإنما بالحسنات والسيئات، وهو الراجح.
قوله: "وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة بعامة، وألا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها" هذا وعد من الله لنبيه، والله لا يخلف الميعاد، فكان كما وعد: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]، فإن هذه الأمة قد تكالب عليها من بأقطارها من أمم الأرض، وبقيت بيضتها محمية مصونة، وتقشع الغزاة، كالتتار، والصليبيين، والاستعمار الأوروبي الحديث، وحفظ الله لهذه الأمة -ولله الحمد- عقيدتها، وشخصيتها، وطريقتها، بل إن بعض الغزاة ذاب في هذه الأمة واعتنق دينها؛ لأنه دين يعلو ولا يُعلى عليه، كما وقع للتتار.
قوله: "حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً" هذه هي
стр. 356
الثالثة، التي لم يُعطها، فقد جرى في هذه الأمة من الفتن الداخلية، ما جعل بعضهم يقتل بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً، كما أخبر الله تعالى، وهذا أمر لا يخفى على قارئ التاريخ.
قوله: "رواه البرقاني في صحيحه، وزاد"البرقاني: الحافظ، أبو بكر، أحمد بن محمد الخوارزمي الشافعي، محدث، فقيه، ورع، مصنف. ولد سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، وتوفي سنة خمس وعشرين وأربعمائة، ﵀. وصحيحه مسند تضمن ما في الصحيحين، وزيادة. وزيادته هذه معتمدة، نقلها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في بعض كتبه (١).
قوله: "وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين" الأئمة: جمع إمام، والإمام هو من يقتدى به؛ ولذلك سُمي إمام الصلاة إماماً؛ لأن مَنْ خلفه من الصفوف يقتدون بصلاته، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٣]، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]، وقال: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص: ٤١]، فالإمامة تكون في الخير والشر، فخاف النبي ﷺ على أمته من الأئمة المضلين، وهم: إما أن يكونوا أئمة دنيا، أو أئمة دين، فأئمة الدنيا: سلاطين فجرة، وأئمة الدين: علماء سوء، فهؤلاء وهؤلاء أضر شيء على الأمة، كما أن أضدادهم وهم الأئمة الصالحون، والعلماء الربانيون، أنفع للأمة؛ لأنه بصلاحهم يصلح الناس.
وقد روي عن الإمام أحمد ﵀ أنه قال: "لو كان لنا دعوة مستجابة لدعونا بها لإمام عادل؛ لأن في صلاحه صلاحاً للمسلمين" (٢)، فالسلطان الصالح، والعالم الرباني، نفعهم وأثرهم على الأمة لا يوصف، والعكس بالعكس، كما قال ابن المبارك:
وَهَلْ أَفْسَدَ الدِّينَ إِلَا الملُوكُ … وَأحْبَارُ سُوءٍ وَرُهبانُها (٣).
قوله: "وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة"، صدق
стр. 357
رسول الله ﷺ ، فقد وقع السيف حين انكسر الباب، بقتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، كما في صحيح البخاري، حينما كان عمر ﵁ مع نفر من الصحابة يتذاكرون، فقال: أيكم يذكر الفتن؟ فقال حذيفة: "فتنة الرجل في أهله وماله وولده، يكفرها الصوم والصلاة، قال: ليس عن هذا أسألك، ولكني أسألك عن الفتن التي تموج موج البحر، وكان حذيفة ﵁ ذا عناية بأمر الفتن؛ يقول: "كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنتُ أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني" (١)، فقال: ما لك ولها يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها باباً، فقال: عمر ﵁: أيُفتح الباب أم يُكسر؟ فقال حذيفة: بل يُكسر، قال: أكسراً لا أباً لك؟! إذن لا يُرد أبداً (٢)، وهذا من فقهه ﵁؛ لأن الباب إذا فُتح كان حرياً أن يُرد، لكن إذا كسر لم يرد، فمعنى ذلك: أن الفتن تنفتح على المسلمين، ولا يمكن ردها، وهذا ما جرى. فقيل لحذيفة بعد ذلك: أكان عمر يدري من الباب؟ قال: نعم، كما يعلم أن دون غدٍ الليلة، فسأله بعض أصحابه من الباب؟ قال: عمر. فقد كان الباب المنيع الحائل دون وقوع الفتن، فقتله أبو لؤلؤة المجوسي، ثم مرت سنوات من خلافة ذي النورين عثمان بن عفان ﵁، والأمور تبدو مطمئنة، لكن أهل الفتن والشغب من الخوارج كانوا ينخرون في الأمصار، ويحرضون الدهماء، حتى تداعوا وتنادوا للموسم -موسم الحج-، ثم توجهوا إلى المدينة، وحصروا أمير المؤمنين، عثمان، في بيته، وتسوروا عليه، وقتلوه شهيدًا، فدخلت الأمة في أتون من الفتن المتلاحقة، تذكو تارة، وتخبو تارة. فذلك مصداق قول النبي ﷺ : "وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة".
قوله: "ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين" هذا محل الشاهد من الحديث للباب. والحي: القبيلة، والجماعة الكثيرة، فدل على أنه يقع في هذه الأمة شرك.
стр. 358
قوله: "وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان" الفئام: الجماعات الكثيرة، فهذا دليل آخر، صريح في وقوع الشرك في هذه الأمة، وأن منها من يعبد الأوثان.
وقد وقع ما أخبر به النبي ﷺ ، فهؤلاء الذين يدعون غير الله، ويستغيثون بغيره، فيما لا يقدر عليه إلا الله، ويسألونهم الشفاء، والفرج، وتنفيس الكربات، وإجابة الدعوات، ويطوفون بقبورهم، ويعكفون عندها، مشركون يعبدون الأوثان. وسيقع بصورة أشد صراحة؛ فقد جاء في الحديث: "لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة" (١)، يعني: يطفن حوله. وذو الخلصة: صنم كانت تعبده قبيلة دوس، ومواطنها ما يُسمى الآن بمنطقة "الباحة"، وكان لهم صنم معروف، يقال له: ذو الخلصة.
وأما قول النبي ﷺ : "إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم" (٢)، فهذا إخبار من النبي ﷺ عن حال الشيطان في وقت من الأوقات؛ أنه أيس أن يُعبد غير الله في جزيرة العرب، وهذا لا يمنع وقوع ما أخبر به من عود الشرك.
قوله: "وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي" هذا، أيضاً، من أعلام النبوة، حيث أخبر النبي ﷺ أنه سيكون في أمته متنبؤون كذابون، عدتهم ثلاثون. وقد ثبت هذا في أحاديث أخرى كما في قوله: "في أمتي كذابون ودجالون سبعة وعشرون: منهم أربع نسوة، وإني خاتم النبيين لا نبي بعدي" (٣)، فيكون العدد ثلاثين، خرج مخرج الجبر، والمقصود بهم من كان لهم شأن، وشهرة، وأتباع، وأما المتنبئون المغمورون؛ كالمجانين، فهؤلاء لا حصر لهم.
ومن المتنبئين الذين صار لهم ذكر، وأتباع: مسيلمة الكذاب، وسجاح، والأسود العنسي، وطليحة بن خويلد الأسدي، وإن كان قد تاب ﵁، وغيرهم، وممن وُجد في العصور الأخيرة: ميزرا غلام أحمد القادياني، ومحمد علي
стр. 359
الشيرازي، ومن يلقب نفسه بالبهاء، مؤسس طائفة البهائية، وغيرهم من أدعياء النبوة، وربما ادعوا أكثر من ذلك.
قوله: "وأنا خاتم النبيين" الختم: مهر الشيء، وطبعه، فإذا ختم على الشيء فلا يزاد عليه. ويصح أن يقال: (خاتَم) بفتح التاء، و (خاتِم) بكسرها. قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]
قوله: "لا نبي بعدي" هاتان الجملتان قاطعتان لطمع كل متطلعٍ، أفاك، أثيم، يحاول ادعاء النبوة؛ ولهذا لما أيس بعض الزنادقة من تحصيل النبوة لأنفسهم، بالرياضة والمجاهدة، زعموا، نفخوا في صورة الولاية، فقالوا: مقام الولاية فوق مقام النبوة! وأنشد قائلهم:
مَقَامُ النُّبُوَّةِ فِي بَرْزَخٍ … فُوَيْقَ الرَّسُولِ وَدُونَ الْوَلِيِّ (١).
فقلبوا السُّلّم، وجعلوا أعلى المقامات مقام الولاية، تليها النبوة، ثم دونها الرسالة، والعكس هو الصحيح: فالرسالة أعلى المراتب، ثم النبوة، وأما الولاية، فإن الولي لا يُوحى إليه أصلاً، فهي ليست قسيماً، ولا نداً للنبوة والرسالة، لكن القوم لما أسقط في أيديهم، ولم ينالوا ما اشتهوه من هذه المراتب، ادعوا أن مرتبة الولاية مرتبة سامقة عالية، أعلى من مرتبة النبوة.
قوله: "ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة". هذه البشارة تقابل ما تقدم، فإن من يقرأ الجمل السابقة قد يلحقه شيء من الأسى أنّ هذا يقع في هذه الأمة شرك، وعبادة أوثان، فأتى بهذه الجملة التي تبعث في النفس الفأل والفرح ببقاء طائفة على الحق، منصورة. والطائفة: الجماعة الكثيرة، منصورة: أي: أنها مؤيدة بالحق، غالبة.
стр. 360
قوله: "لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم" لا يضرهم من خذلهم من الناحية العملية، ولا من خالفهم من الناحية العلمية. فالضرر منتف عن الطائفة المنصورة من الجهتين:
الأولى: الخذلان؛ كالمثبطين الذين إذا قيل لهم: قوموا معنا، انصروا دين الله، مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قالوا: هلك الناس، فلا فائدة ولا جدوى، ونحو ذلك من المعاذير، كما قال تعالى: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧].
الثانية: المخالفة: المنازعة في الحق، واتباع المتشابه، فإذا قيل لهم: يا قوم! هذا الشرك الذي بُعث الأنبياء برده، قالوا: هذا مجرد تقرب بالصالحين، واستشفاع بهم، لمنزلتهم عند الله، ونحو ذلك. قوله: "حتى يأتي أمر الله ﵎" أمر الله الذي سيأتي هو ساعة المؤمنين؛ وليست الساعة الكبرى؛ وهي الريح الطيبة التي يبعثها الله تعالى في آخر الزمان؛ ريحها أطيب من المسك، ومسها ألين من مس الحرير، فتدخل خياشيم كل مؤمن فتستل روحه، فلا يبقى على وجه الأرض مؤمن، ويبقى في الأرض شرار الخلق، كما تقدم، فعليهم تقوم الساعة. فالساعة التي بمعنى خراب العالم، لا تقوم على مؤمن، وإنما تقوم إلا على شرار الخلق، وأما أهل الإيمان فإن لهم ساعة دون ذلك، وهي الريح الطيبة.
فقد أخبر ﷺ بأن الطائفة المنصورة باقية -بحمد الله- لا تنقطع سلسلتها، وهذا هو الواقع، فإنه لم يزل من حماة السنة، وحراس العقيدة على مر العصور والدهور، من أقامهم الله تعالى في هذه المهمة الشريفة، فحفظوا السنن والآثار، ورووا أحاديث النبي ﷺ على وجهها، وانتدبوا لتمييز الصحيح من الضعيف، وذبوا عن السنة، وجاهدوا في سبيل الله، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، وصبروا، وصابروا، ورابطوا، حتى أبقى الله تعالى هذا الدين مصوناً محفوظاً لم يُشب.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لما تضمنه من إخبار النبي ﷺ بأنه يلتحق حي من أمته بالمشركين، وأن فئامًا من أمته تعبد الأوثان، وهذا مطابق للترجمة.
стр. 361
فوائد الحديث:
١ - كفر يهود، وإيمانهم بالجبت والطاغوت، وشدة عداوتهم للمؤمنين، وموالاتهم للكافرين.
٢ - شدة شر اليهود، وحلول اللعنة والغضب عليهم، وعقوبتهم العاجلة بالمسخ، والشرك.
٣ - خطر العاطفة والاستحسان المجرد عن الدليل، وإفضائه إلى الشرك، كما وقع من الذين غلبوا على الأمر، في قصة أصحب الكهف من اتخاذ المسجد عليهم.
٤ - سنة الله الكونية في اتباع السابقين.
٥ - عظيم قدرة الله، وتصويره الأرض لنبيه، حتى رأى المشارق والمغارب.
٦ - البشارة باتساع رقعة البلاد الإسلامية، ودخول الناس في دين الله أفواجاً.
٧ - صدق موعود الله لهذه الأمة بالنصر والتمكين، كما قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥]
٨ - حرص النبي ﷺ على أمته، ورأفته ورحمته بالمؤمنين.
٩ - اثبات القدر السابق، والرد على القدرية النفاة لقوله عن ربه: "إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد".
١٠ - إثبات صفة الكلام لله تعالى، وتعلقه بمشيئته.
١١ - حفظ الله لأمة محمد ﷺ من المجاعات المفنية، بسبب القحط.
١٢ - حفظ الله لأمة محمد ﷺ من الزوال بسبب عدو خارجي، مهما بلغت قوته وكثرته.
١٣ - حصول الفتن الداخلية في أمة محمد ﷺ ، وما يترتب عليها من القتل والاسترقاق.
١٤ - خطر الأئمة المضلين في الدنيا والدين.
١٥ - استمرار الفتن في أمة محمد ﷺ ، ابتلاءً من الله، إلى قيام الساعة.
١٦ - حصول الردة الجماعية من بعض الأمة، وتحولهم إلى الشرك.
١٧ - عودة عبادة الأوثان في الأمة، والرد على من أنكر وقوع ذلك.
стр. 362
١٨ - ظهور المتنبئين الكذابين، وبيان أن عددهم ثلاثون.
١٩ - إثبات عقيدة ختم النبوة، وكفر من أنكرها؛ كالقاديانية.
٢٠ - بقاء طائفة على الحق منصورة، وهم أهل السنة والجماعة، وتأييدهم، وحفظهم من ضرر المنافقين المخذلين، وأهل البدع المخالفين.
٢١ - توقيت ذلك بإتيان أمر الله، وهي الريح الطيبة، فلكل أجل كتاب.
٢٢ - في الحديث جملة من أعلام النبوة، من إخباره ﷺ بأمور مستقبلة، وقعت، وتقع، وستقع، كما أخبر.
قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية النساء.
وهي قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾، فوقع فيهم الشرك رغم كونهم أهل كتاب، فكذلك يقع في هذه الأمة، خلافًا لمن أنكره.
الثانية: تفسير آية المائدة.
وفيها: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ مع كونهم أهل كتاب، فكذلك يقع في هذه الأمة، خلافًا لمن أنكره، أو استبعده.
الثالثة: تفسير آية الكهف.
وهي قول الله : ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ فوقع فيهم الشرك، مع وجود الكتاب بين أيديهم، فكذلك في هذه الأمة.
الرابعة: وهي أهمها: ما معنى الإيمان بالجبت والطاغوت؟ وهل هو اعتقاد قلب؟ أو هو موافقة أصحابها مع بغضها ومعرفة بطلانها؟
أراد المصنف ﵀ المعنى الثاني، كما يدل عليه منطوق الآية، وسبب
стр. 363
النزول. ولا شك أن الأول يدخل دخولاً أولياً، وهو الإيمان بها بالقلب، لكن ما استنبطه المصنف من الآية هو موافقة أهلها موافقة عملية. وهذا ينطبق على كثير من المنتسبين للعلم، الذين لا يرون بهذه البدع الشركية بأساً، ولا يرفعون بإنكارها رأساً.
الخامسة: قولهم: "إن الكفار الذين يعرفون كفرهم أهدى سبيلاً من المؤمنين".
أي أن يهود فضلت سبيل المشركين على سبيل المؤمنين، وزكت طريقتهم، مع علمهم بشركهم وكفرهم، مناكفةً للمؤمنين، وحسدًا من أنفسهم. وقد وقع من علماء السوء في زمن المصنف ﵀ من يُغلِّط الشيخ، وينصر أصحاب البدع الشركية عليه، ويقول: أنتم أهدى وأصوب مما يدعوكم إليه، مع أنه يدعوهم إلى توحيد الخالق، وذم الأنداد، وعبادة الله .
السادسة: وهي المقصود بالترجمة: أن هذا لا بد أن يوجد في هذه الأمة كما تقرر في حديث أبي سعيد.
حديث أبي سعيد الخدري ﵁ الذي قال فيه النبي ﷺ : "لتتبعن سنن من كان قبلكم"، فإذا كان الله قد أخبرنا عن من قبلنا بأنه وقع فيهم مَنْ يؤمن بالجبت والطاغوت، ومَن عبد الجبت والطاغوت، ومن اتخذ المساجد على قبور الصالحين، فإنه يقع في هذه الأمة سواء بسواء.
السابعة: التصريح بوقوعها، أعني عبادة الأوثان في هذه الأمة في جموع كثيرة.
كما في رواية البُرقاني: "وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان"، فإذا ادعى المدافعون عن القبورية، والوثنية المعاصرة، أن أمة محمد معصومة من الشرك، يقال لهم: هذا محمد نفسه ﷺ قال: "وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان" أفأنتم أعلم أم رسول الله ﷺ ؟!
стр. 364
الثامنة: العجب العجاب: خروج من يدعي النبوة مثل المختار، مع تكلمه بالشهادتين، وتصريحه بأنه من هذه الأمة، وأن الرسول حق، وأن القرآن حق، وفيه أن محمداً خاتم النبيين، ومع هذا يصدق في هذا كله مع التضاد الواضح، وقد خرج المختار في آخر عصر الصحابة، وتبعه فئام كثيرة.
وهو المختار بن عبيد الثقفي، وكان قد خرج في أواخر عهد الصحابة، بالعراق، فادعى النبوة والألوهية، ووقع منه -والعياذ بالله- شر عظيم، وتبعه خلق كثير من المفتونين، حتى أهلكه الله ، فهذا فعلاً مما يدعو للعجب أن يُصدَّق مع أنه كان يظهر الإقرار بنبوة محمد ﷺ .
التاسعة: البشارة بأن الحق لا يزول بالكلية، كما زال فيما مضى، بل لا تزال عليه طائفة.
كما في قوله: "ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة"؛ ولهذا ينبغي لكل مؤمن أن يشرف بالانتماء إلى هذه الطائفة المنصورة، وأن يحرص على معرفة صفاتها، وخصائصها، حتى يسلكه الله تعالى في سلكها.
العاشرة: الآية العظمى؛ أنهم مع قلتهم لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم.
كما قال تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩]
الحادية عشرة: أن ذلك الشرط إلى قيام الساعة.
لقوله: "حتى يأتي أمر الله"، ومراده بالساعة: ساعة المؤمنين، وهي الريح الطيبة.
стр. 365
الثانية عشرة: ما فيهن من الآيات العظيمة.
منها: إخباره بأن الله زوى له المشارق والمغارب، وأخبر بمعنى ذلك، فوقع كما أخبر، بخلاف الجنوب والشمال. وإخباره بأنه أعطي الكنزين. وإخباره بإجابة دعوته لأمته في الاثنتين. وإخباره بأنه منع الثالثة. وإخباره بوقوع السيف، وأنه لا يرفع إذا وقع. وإخباره بظهور المتنبئين في هذه الأمة. وإخباره ببقاء الطائفة المنصورة. وكل هذا وقع كما أخبر، مع أن كل واحدة منها من أبعد ما يكون في العقول.
فهذا نحو عشر آيات من آيات النبوة، أخبر بها النبي ﷺ ، وكلها وقعت كما أخبر ﷺ ، وبعضها يقع، وبعضها سيقع. وقد يتفاجأ السامع في وقت النبي ﷺ كيف يقع ذلك؟ لكن الأمر وقع كما أخبر ﷺ ، ومن تأمل هذه الآيات وطبقها على الواقع وجد أنها منطبقة غاية الانطباق.
الثالثة عشرة: حصر الخوف على أمته من الأئمة المضلين.
الحصر بقوله: "وإنما"؛ لأن الأئمة المضلون يحصل بضلالهم ضلال من خلفهم. وهذا في الأمور العامة، وأما الأمور الخاصة، فقد قال: "إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ" (١)
الرابعة عشرة: التنبيه على معنى عبادة الأوثان.
في قوله: "وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان". أي: أن عبادة الأوثان لا تختص بالركوع والسجود لها، بل تشمل اتباع المضلين الذين يحلون ما حرم الله، ويحرمون ما أحله الله، فيتبعوهم. وهذا مما وقع في هذه الأمة، كما وقع فيمن قبلها.
стр. 366
باب ما جاء في السحر
وقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [سورة البقرة: ١٠٢].
وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [سورة النساء: ٥١].
قال عمر: الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان (١).
وقال جابر: الطواغيت: كهان كان ينزل عليهم الشيطان في كل حي واحد (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات" قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" (٣).
وعن جندب مرفوعاً: "حد الساحر ضربه بالسيف" رواه الترمذي، وقال: "الصحيح أنه موقوف" (٤). وفي صحيح البخاري عن بجالة بن عبدة، قال: كتب عمر بن الخطاب ﵁: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، قال: فقتلنا ثلاث سواحر (٥).
стр. 367
وصح عن حفصة ﵂ أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها، فقتلت (١).
وكذلك صح عن جندب (٢). قال أحمد: عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ (٣).
الشرح:
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
لما كان السحر منافيًا لأصل التوحيد لما يتضمنه من ادعاء علم الغيب؛ ومن الاستعانة بالشياطين، ولكثرة شيوعه، وعظيم خطره، وشديد أذاه على الناس، عقد المصنف هذا الباب مبيناً حكمه، وحكم مرتكبه، وآثاره الخطيرة.
وقد ابتلى الله الناس بالسحر قديماً، فقال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢] لقد أنزل الله تعالى ملكين كريمين،؛ هاروت وماروت، وهما ملكان كسائر الملائكة الكرام، لا نقول فيهما إلا ما نقول في سائر ملائكة الله ، ولا نلتفت إلى الروايات الإسرائيلية الخيالية، التي ليس لها خطام ولا زمام، أنزلهما الله تعالى في حاضرة من حواضر العالم القديمة وهي "بابل"، فكانا يعلمان الناس السحر؛ فتنة وابتلاء، فإذا قصدهما قاصد ليتعلم منهما السحر قالا له بصريح العبارة: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾، مما يدل على أن استعمال السحر كفر، وأنه يُؤدي إلى أضرار بليغة: نفسية واجتماعية، فيقتل، ويمرض، ويفرق بين المرء
стр. 368
وزوجه، فكان هذا من أسباب حصوله في بني آدم. ولم يزل السحر موجودًا في بني آدم، وآثاره مشهودة.
قوله: "باب: ما جاء في السحر" أي: باب ما جاء من النصوص من الوعيد في السحر. والسحر في اللغة: ما خفي ولطف سببه، أي: أن له تأثيراً خفياً دقيقاً؛ ولهذا جاء في الحديث: "إن من البيان لسحراً" (١)؛ وذلك لأن البيان يُؤثر في النفوس، فالكلام كما قيل: مغناطيس القلوب؛ ولهذا يطلق السحر على الهواء، فيقال: فلان انتفخ سحره -اي: رئته- بالهواء.
وأما في الاصطلاح: فهو عبارة عن عزائم، ورقى، وتدخينات، وأدوية، تُؤثر في القلوب والأبدان، فتقتل تارة، وتمرض تارة، وتفرق بين المرء وزوجه.
قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ أي: قد علمت اليهود؛ إذ السياق في الرد على اليهود وبيان مخازيهم التي منها: اشتغالهم بالسحر. وقد سحروا رسول الله ﷺ ؛ سحره لبيد بن الأعصم اليهودي، فصار النبي ﷺ يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله، لكن ذلك لم يُؤثر على البلاغ، فإن الوحي معصوم -بحمد الله-، حتى قال لعائشة ﵂: "أشعرت أن الله أفتاني فيما فيه شفائي، أتاني رجلان: فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال أحدهما للآخر: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب، قال: ومن طبه؟ قال لبيد بن الأعصم، قال: فيما ذا؟ قال: في مشط ومشاقة، وجف طلعة ذكر، قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذروان". فخرج إليها النبي ﷺ ، ثم رجع، فقال لعائشة حين رجع: "نخلها كأنه رؤوس الشياطين"، فقلت: استخرجته؟ فقال: "لا، أما أنا فقد شفاني الله، وخشيت أن يثير ذلك على الناس شراً" ثم دفنت البئر (٢). فترك النبي ﷺ معاقبة الساحر اليهودي، مراعاة لهذه المصلحة، وهي خشية إثارة الفتنة بين الناس. فاليهود دهاقنة السحر قديماً وحديثاً، فلهذا ذمهم الله تعالى بتعاطيه.
قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ أي: من رضي به، واستعمله.
стр. 369
قوله: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ أي: من نصيب، وهذا وعيد شديد يقتضي تخليده في النار، ويدل على كفر الساحر.
قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ هذه في صفة أهل الكتاب الذين تقدم ذكرهم في الباب السابق. وتقدم أن: كلمة الجبت: تقع على الساحر، والكاهن، والصنم. والمقصود بها هنا: الساحر، كما فسرها عمر، ﵁.
قوله: "قال عمر: الجبت: السحر والطاغوت: الشيطان" هذا من تفسير الشيء بأحد أنواعه. والمعنى العام للطاغوت: ما تجاوز به العبد حده من معبود، أو متبوع، أو مطاع.
قوله: "قال جابر: الطواغيت كهان كان ينزل عليهم الشيطان في كل حي واحد" فهؤلاء طواغيت ولا ريب، ولم يرد جابر الحصر، بل هم نوع من أنواع الطواغيت. والكهان: جمع كاهن، وهو من يدعي معرفة الأمور المستقبلة، أو الإخبار عن الأشياء المغيبة. وكانت العرب في جاهليتها تحتفي بشخصين: الكاهن، والشاعر، فلكل قبيلة كاهن له رِئي من الجن، يتكهن لها وشاعر يفتخر لها، ويذب عنها.
مناسبة الآيتين للباب:
ظاهرة، لما فيهما من ذم السحر، ووعيد السحرة.
فوائد الآيتين:
١ - تحريم السحر، بل إن الآية الأولى تدل على كفر الساحر؛ لقوله: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] وهذا الوصف لا يقع إلا على كافر -والعياذ بالله-.
٢ - الوعيد البليغ على من استغنى عن كتاب الله وشرعه، وسنة نبيه ﷺ ، بالسحر؛ إذ أن هؤلاء الذين أوتوا نصيباً من الكتاب آمنوا بالجبت والطاغوت، وهجروا ما أنزل الله عليهم من التوراة، ففيه ذم بليغ لكل من نحا نحوهم، ولو كان من هذه الأمة، فاستشفى بغير ما جعله الله سبباً للشفاء من الأدوية الشرعية والحسية، كما يقع من بعض الجهال والسفهاء الذين يقصدون
стр. 370
السحرة لطلب الشفاء، ويظنون أنه لا يكشف الضر إلا ساحر، فيستغنون بالسحر عن كتاب الله، وسنة نبيه ﷺ ، وما تضمناه من الرقى الشرعية، والعوذ الإيمانية.
قوله: "عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "اجتنبوا" " فعل أمر، بمعنى: اتركوا، كأنما قال: كونوا في جانب وهي في جانب، فالمجانبة تقتضي التخلي والبعد.
قوله: "السبع الموبقات" أي: المهلكات، وإنما سُميت كذلك لأنها تهلك فاعلها في الآخرة. قوله: "قالوا: وما هن يا رسول الله؟ " هذا ليس من السؤال المذموم الذي عليه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [المائدة: ١٠١]، لأن سياق كلام النبي ﷺ يشعر بالإغراء بالسؤال، وطلب العلم، بخلاف ابتدار المسألة في أمر مسكوت عنه.
قوله: "الشرك بالله" " هذا أعظم الموبقات بلا ريب، ولذلك قدمه بالذكر، فإن الشرك بالله أعظم الذنوب على الإطلاق، كما سُئل في الحديث الآخر: أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله نداً، وهو خلقك" (١)، فالشرك أظلم الظلم، وأقبح القبيح، وأمحل المحال، فما عصي الله بذنب أعظم من الشرك، ولا أطيع بحسنة أعظم من التوحيد.
قوله: "والسحر" هذا هو موضع الشاهد من الحديث، وقد تقدم تعريف السحر.
قوله: "وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق" قتل النفس من أعظم الموبقات، وقد توعد الله تعالى قاتل النفس بعظيم العقوبة، فقال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]، وقال ﷺ : "لن يزال المؤمن في فسحة من دينه
стр. 371
ما لم يصب دماً حراماً" (١)، ولما رأى رسول الله ﷺ الكعبة يوماً، قال: "ما أعظمك، وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده، لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك؛ ماله ودمه" (٢)، وقوله: "إلا بالحق" استثناء واحتراز لمن قتل بالحق، وقد بينه ﷺ بقوله: "لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة" (٣).
قوله: "وأكل الربا" وهو من أعظم الفساد المالي، وقد توعد الله أكلة الربا بأبشع العقوبات، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
قوله: "وأكل مال اليتيم" قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]، وفي الحديث: (إِنِّي أُحَرِّجُ عَلَيْكُمْ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ الْيَتِيمِ وَالْمَرْأَةِ) (٤)
قوله: "والتولي يوم الزحف" قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ١٦] فإذا التقى الصفان لم يجز التولي، إلا من باب الكر والفر، إلى موضع آخر، متحرفاً لقتال، أو متحيزاً إلى فئة.
قوله: "وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" أي: قذفهن بالزنا، وعبّر بالقذف لأن التهمة بالزنا كالقذيفة، في شدتها وأليم وقعها على المحصنة،
стр. 372
الشريفة، العفيفة. فلذلك غلظت عقوبته، ومذمته، في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٢٣ - ٢٥].
فالحذر الحذر من هذه السبع.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لما فيه من عد السحر من السبع الموبقات، وذكره بعد الشرك مباشرة.
فوائد الحديث:
١ - تحريم هذه السبع المهلكات، واجتنابها.
٢ - غلظ أمر السحر وعمله.
قوله "وعن جندب مرفوعاً" هو جندب الخير الأزدي، يُكنى بأبي عبد الله، وهو قاتل الساحر، في القصة المشهورة (١)؛ وذلك أنه رأى رجلاً يدخل من فم الدابة ويخرج من دبرها، يفعل هذا والناس حوله يتعجبون، فاخترط جندب سيفه، فلما رآه فيما يبدو للناظر قد دخل في جوف الدابة، ضرب الدابة فشقها نصفين، وهلك الساحر، فأخذه أمير تلك الناحية، وحبسه، لكن الحارس أطلقه، وقال: والله لا يسألني الله عنك. وقد اختلف في صحبته، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين (٢)، وقال أبو عبيد: إنه قتل في صفين (٣).
قوله: "حد الساحر ضربه بالسيف" ضربه بالهاء، وضُبطت (ضربة) بالسيف. وهو يدل على حكم الساحر، فتبين أن حده هو الضرب بالسيف، لكن اختلف العلماء هل يقتل ردة أم يقتل حداً؟ فمنهم: من قال: يقتل ردة، أي: كفراً.
стр. 373
ومنهم: من قال: يقتل حداً. وهو قول الشافعي ﵀ (١)، وخلافهم في هذا راجع إلى تحرير محل النزاع في نوع السحر:
١ - فإن كان السحر الذي استعمله أدوية تُؤثر في البدن، فهذا لا يقتل ردة، وإنما يقتل حداً.
٢ - وإن كان سحره فيه استعانة بالشياطين، كما هو الغالب على السحرة، فيقتل ردة.
قوله: "رواه الترمذي، وقال: الصحيح أنه موقوف" بناء على الخلاف في جندب.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لما فيه من ذكر حد الساحر، وأنه يضرب بالسيف.
فوائد الحديث:
١ - تحريم السحر.
٢ - أن حد الساحر ضربه بالسيف، إن كان ممن يستعين بالشياطين، لشركه.
قوله: "وفي صحيح البخاري: عن بجالة بن عبدة ﵁، قال: كتب عمر بن الخطاب: "أن اقتلوا كل ساحر وساحرة فقتلنا ثلاث سواحر" هذا قضاء راشدي من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ بقتل السحرة، وهو في حكم المرفوع.
قوله: "وصح عن حفصة ﵂: أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها: فقتلت، وكذلك صح عن جندب. فلهذا قال الإمام أحمد ﵀: عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ " وهم، عمر، وحفصة، وجندب، على القول بصحبته، ﵃ أجمعين. وفي قتل السحرة درء لشر عظيم.
стр. 374
مناسبة الآثار للباب:
ظاهرة، لما تضمنته من بيان حد الساحر، وعظم جرمه.
فوائد الآثار:
١ - أن حد الساحر القتل، وأنه لا يستتاب.
٢ - أن تعاطي السحر كان موجوداً زمن الصحابة الكرام، فمن بعدهم من باب أولى.
وقد نبّه شيخ الإسلام في بعض كلامه (١): أن السحرة والاستعانة بالشياطين تقل في أهل الإسلام، وتكثر في أهل الكتاب، وتكثر أكثر وأكثر عند أهل الأوثان، فكل ما ابتعد الناس عن نور النبوة زاد فيهم السحر. وقد راج سوق السحرة والمشعوذين في هذه الأزمنة الأخيرة، فيوجد من يتعاطى السحر في المجتمعات الإسلامية، ولكنه عند أهل الكتاب أكثر، حتى إن بعض الدول الغربية لديهم وظيفة مصنفة، تُسمى: "ساحر"، وعند الأمم الشرقية الوثنية الأمر أعظم وأطم، فحيثما عظم نور النبوة انقشع ظلام الشياطين، وإذا ضعف نشطوا.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية البقرة.
وهي قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾، حيث ذم اليهود على الرضا بالسحر واستعماله، وأثبت خسارهم في الآخرة، بما يقتضي تخليدهم في النار.
الثانية: تفسير آية النساء.
وهي قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ فالجبت من أنواعه السحر، فذمهم به.
стр. 375
الثالثة: تفسير الجبت والطاغوت، والفرق بينهما.
كما روي ذلك عن عمر، وجابر ﵄، وتفسير الصحابة مقدم.
الرابعة: أن الطاغوت قد يكون من الجن، وقد يكون من الإنس.
قد يكون من الجن شيطاناً، كما في الأثر عن عروة، وقد يكون من الآدميين، كما في قول جابر: "الطواغيت كهان تنزل عليهم الشياطين في كل حي منهم واحد".
الخامسة: معرفة السبع الموبقات المخصوصات بالنهي.
كما عدها النبي ﷺ ، ولا تدل على الحصر، لكنها أبلغ من غيرها في التحريم، وفي الأثر.
السادسة: أن الساحر يكفر.
لقوله: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.
السابعة: أنه يقتل، ولا يستتاب.
لقوله: "حد الساحر ضربه بالسيف"، ولم يقل: يستتاب، وكما أمر أمير المؤمنين عمر ﵁: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، ولم يتح لهم الاستتابة. فإن قال قائل: هل للساحر توبة؟ نقول: فيما بينه وبين الله له توبة، فالتوبة لا يغلق بابها إلا إذا بلغت الروح الحلقوم، أو طلعت الشمس من مغربها، لكن إذا بلغت الحدود السلطان فلا بد من إمضائها وإجرائها، لكن لو تاب فيما بينه وبين ربه فإن الله تعالى يقبل توبته.
الثامنة: وجود هذا في المسلمين على عهد عمر فكيف بعده؟!
يكون فيمن بعده من باب أولى وأحرى، وهو الواقع.
стр. 376
باب بيان شيء من أنواع السحر
قال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف، عن حيان ابن العلاء، حدثنا قطن بن قبيصة، عن أبيه أنه سمع النبي ﷺ قال: "إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت".
قال عوف: العيافة زجر الطير، والطرق: الخط يخط بالأرض، والجبت قال الحسن: رنة الشيطان، إسناده جيد (١). ولأبي داود، والنسائي، وابن حبان في صحيحه المسند منه (٢).
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من اقتبس شعبة من النجوم، فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد" (٣)، رواه أبو داود، وإسناده صحيح.
وللنسائي: من حديث أبي هريرة- ﵁: "من عقد عقدة، ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئاً وكل إليه" (٤).
وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ألا هل أنبئكم ما العضه؟ هي النميمة، القالة بين الناس" (٥)، رواه مسلم.
стр. 377
ولهما: عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إن من البيان لسحراً" (١).
الشرح:
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
لما أورد المصنف ﵀ في الباب السابق حقيقة السحر، وحكمه، وحد الساحر، أراد أن يثني ببيان شيء من أنواعه؛ لأنها تخفى على كثير من الناس، فعقد هذا الباب.
قوله: "قال أحمد" هو الإمام المبجل، أحمد بن حنبل، إمام أهل السنة والجماعة.
قوله: "حدثنا محمد بن جعفر" الهذلي، البصري، محدث مشهور، ثقة ﵀، لُقّب بغندر، وتوفي سنة ثلاث أو أربع وتسعين ومائة.
قوله: "حدثنا عوف" وهو عوف بن أبي جميلة، العبدي، البصري، ثقة، رمي بالتشيع والقدر. توفي سنة ست أو سبع وأربعين ومائة، ﵀.
قوله: "حدثنا قطن بن قبيصة عن أبيه" أبو سهلة البصري، صدوق. وأبوه صحابي، وهو قبيصة بن المخارق الهلالي، البصري، ﵁ ..
قوله: "إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت" " هذه ثلاثة أنواع كلها من أنواع السحر، وقد كفانا عوف ﵀ تعريف هذا المفردات الثلاث، فقال:
- "العيافة: زجر الطير": كانوا في الجاهلية إذا هموا بأمر من الأمور زجروا طيراً، أي: صاحوا به، فإن أيمن تفاءلوا، وإن أشمل تشاءموا، وإن رأوا غراباً أو بوماً امتنعوا، ويسمونها السوانح والجوانح. فهذه أمور خرافية وهمية كانت موجودة في الجاهلية، يجمعها الاستدلال بالطيور، وأصواتها، وأسمائها، على الفعل أو الترك.
- "والطرق: الخط يخط بالأرض": كان هناك رمالون يخطون في الأرض خطوطاً، فيزعمون أن ذلك يدلهم على الأمور المستقبلة من علم الغيب.
стр. 378
- "الطيرة": وهي التشاؤم بالطيور، وغيرها، وسيعقد المصنف ﵀ لها باباً مستقلاً. فهذه الثلاثة من أنواع السحر. ويدخل في ذلك ما شابهها وقاربها، مما يحدثه السحرة، كالذين يزعمون أنهم يقرؤون الفنجان، أو الكف، أو غير ذلك من الدعاوى الباطلة، ويروجونه على ضعاف العقول، ورقاق الدين، ويوجد في كثير من البلاد من يجلس على الأرصفة، أو يتخذ المصاطب، ثم يأتي إليه الناس، فيدعي أنه يقرأ كفه، ويستشرف ما يقع له في مستقبل الأيام، أو يستدل بأمور لا علاقة لها على ما يقع عليه.
قال الحسن: الجبت: رنة الشيطان" تقدم معنا: أن من معاني الجبت هو السحر، كما فسره أمير المؤمنين عمر، ﵁. وفسره الحسن البصري، ﵀، بنوع آخر من أنواعه، وهي رنة الشيطان، والمراد بالرنة: الصوت، فيدخل في ذلك أصوات الملاهي، وأضافه إلى الشيطان؛ لأنها صوته ومزاميره، ومعلوم أن الصوت أحياناً يُؤثر في النفس تأثيراً ظاهراً بليغاً؛ ويروى عن الفارابي، الفيلسوف، أنه لما اخترع آلة القانون -آلة موسيقية كالعود وغيره- دخل على قوم فعزف، فأبكاهم، ثم عزف فأضحكهم، ثم عزف فناموا، وخرج (١). فهذا يدل على أن الأصوات تُؤثر في النفوس، والقلوب تأثيراً خفياً؛ ولأجل ذا حرم الشارع الحكيم المعازف بأنواعها، إلا الدف في مناسبات معينة؛ كالعرس، والعيد، وعند قدوم سلطان منتصر. وكان أصحاب عبد الله بن مسعود ﵃ في الكوفة إذا رأوا مع الجواري دفوفاً خرقوها (٢). فالشارع الحكيم منع الملاهي؛ لأنها تُؤثر في النفوس تأثيراً شيطانيًا، يورثها الغفلة، ويصرفها عن المزاج الإيماني إلى المزاج الشيطاني. ولما كانت النفس الإنسانية لها تعلق بالأصوات، فتتلذذ بها، كما تتلذذ بالطعام، والشراب، والنكاح، بمقتضى الكينونة والطبيعة، لم يغلق الشارع هذا الباب، ويكبت هذه الرغبة، بل أعاض المؤمنين بالقرآن العظيم، والتغني به، عن هذه المعازف المحرمة، حتى إنهم يجدون بالترنم بكتاب الله أو استماعه، لذة، وأنسًا، واستمتاعًا، لا يجدها أهل المعازف في استماعهم إلى القيان والمعازف. فالله تعالى لا يغلق على الناس باباً إلا
стр. 379
ويفتح لهم باباً خيرًا منه. فيجب أن يكون هذا مستقراً في نفوس المؤمنين، وأن يتمسكوا بالدعوة إلى إنكار المعازف بجميع صورها، وألا يهونوا على الناس الأمر، بل الواجب حثهم على التنعم بقراءة القرآن العظيم، والتلذذ بسماعه من أفواه القراء المجيدين، حتى يحصل بذلك صلاح القلب. وإذا تعلق القلب بالمعازف والألحان، فإنه يطرد حب القرآن، ويستثقل سماعه. والعكس بالعكس؛ فإذا أحب الإنسان القرآن، نبذ الألحان. وهذا ذوق يجده التائبون، فمن منّ الله تعالى عليه بالهداية من المطربين، والمغنين، يحكون أن الله أعاضهم بالقرآن عن هذا، وأنهم وجدوا فيه أعظم مما كانوا يطلبونه في المعازف من السعادة.
قوله: "ولأبي داود والنسائي وابن حبان في صحيحه: المسند منه" مراده أن هؤلاء الثلاثة اقتصروا على رواية المرفوع، دون كلام عوف بن أبي جميلة، فكلام عوف عند أحمد فقط.
مناسبة الحديث للباب:
مطابقة للترجمة، لما تضمنه من ذكر بعض الأنواع التي تدخل في السحر.
فوائد الحديث:
١ - أن العيافة والطرق والطيرة، وما شابهها، من الجبت، أي: السحر.
٢ - أن رنة الشيطان، أي: صوته، كالمعازف، من السحر المؤثر في النفوس بلطف.
ثم قال المصنف ﵀:
"وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد" "رواه أبو داود، بإسناد صحيح".
قوله: "اقتبس": أي: تعلم، وأخذ؛ لأنه مأخوذ من القبس، وهو الشعلة من النار، كما قال تعالى: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾ [طه: ١٠] فناسب أن يعير بها عن النجوم؛ لأن النجوم في أصلها، مادة ملتهبة.
стр. 380
قوله: "شعبة" الشعبة: الخصلة، أو القطعة، أو الطائفة.
قوله: "من النجوم" أي: مما يُسمى بعلم النجوم، والمراد بعلم التنجيم هنا الممنوع منه؛ لأن علم التنجيم ينقسم إلى قسمين:
١ - علم التأثير. بأن يعتقد الإنسان أن حركة الأفلاك العلوية، تُؤثر في الحوادث الأرضية، فيزعم أنه إذا طلع نجم كذا فسيقع كذا وكذا على الأرض، وإذا اقترن نجم كذا بنجم كذا، فإنه سيحصل كذا وكذا، فهذا العلم المزعوم يُسمى "علم التأثير"، فمن اعتقد أن هذه النجوم تُؤثر بطبعها، فقد أشرك في الربوبية؛ لأنه أضاف التدبير إلى غير الله .
٢ - علم التسيير: هو الاستدلال بالشمس، والقمر، والكواكب، ومطالعها على معرفة القبلة، والأوقات، والجهات، فهذا النوع لا بأس به، بل كثير منه نافع، قد حث عليه الشارع. وهذا مجرد اقتران فلكي لا تأثير له ولا تسبب. وقد منعه بعض السلف، كما روي عن أحمد وإسحاق (١)، كما سيأتي، ولكن الصحيح: جوازه.
قوله: "زاد ما زاد" أي: بقدر ما يزداد من الاقتباس، يزداد من السحر. ومن التنجيم المحرم: ما يدعيه أصحاب الأبراج، في بعض المجلات، أو بعض المواقع، من الدعاوى العريضة، السخيفة؛ فيقولون: من ولد في برج الحمل، فإنه يقع له كذا وكذا، ومن ولد في برج الجدي، فإنه يقع له كذا وكذا، وهكذا، فكل هذا رجم بالغيب، ونوع من السحر.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لما تضمنه من أن التنجيم نوع من أنواع السحر، وهو ما يُسمى بعلم التأثير.
فوائد الحديث:
١ - تحريم التنجيم الذي يقصد به الاستدلال بحركة الأفلاك العلوية على الحوادث الأرضية.
стр. 381
٢ - أن التنجيم نوع من أنواع السحر، كما أراد المصنف من إيراده في هذا الباب.
٣ - أن الإثم يزداد بزيادة الفعل؛ لقوله: "زاد ما زاد".
ثم قال المصنف:
"وللنسائي من حديث أبي هريرة: "من عقد عقدة، ثم نفث فيها فقد سحر" " على طريقة السحرة الذين وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] وذلك أن يعقد عقدة ثم يتمتم بكلمات يستعين فيها بالجن، وينفث بريقه. والنفث: دون التفل، وفوق النفخ. فالنفخ هواء، والنفث بريق خفيف، والتفل يكون ببزاق.
قوله: "ومن سحر فقد أشرك" فقد وقع في الشرك؛ لأنه لا يحصل له السحر إلا بالتقرب إلى الشياطين، والاستعانة بهم على وجه شركي؛ إما بالذبح، أو بإحراق البخور، أو بالسجود لهم، كما هو معلوم من حال السحرة، قبحهم الله.
قوله: "ومن تعلق شيئاً وكل إليه" هذه جملة عامة محكمة، يعني: من تعلق قلبه بشيء، واعتمد عليه، وكله الله إليه؛ فمن تعلق بالله فهو مولاه ووكيله، ومن تعلق بغيره وكله الله إليها.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة صريحة، لذكره أشهر أنواع السحر، وهو النفث في العقد، الذي يُسمى "العزيمة" في بعض البلدان، ويمارسه، وللأسف، من ينسبونهم إلى الدين، والدين منهم براء، فإن هذا ليس من شأن أهل الدين، بل هو من شأن السحرة والمشعوذين.
فوائد الحديث:
١ - بيان نوع من أنواع السحر، وهو أشهرها: النفث في العقد.
٢ - أن السحر شرك؛ لقوله: "ومن سحر فقد أشرك" لأن فيه استعانة بالشياطين.
стр. 382
٣ - أن من تعلق بغير الله وكل إليه؛ لقوله: "من تعلق شيئاً وكل إليه".
قوله: "عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ألا أنبئكم" " (ألا) أداة تنبيه، و (أنبئكم): أخبركم.
قوله: "ما العَضْه؟ " بفتح العين وسكون الضاد، مصدر: عضه يعضه، وهو الكذب والسحر. قوله: "هي النميمة؛ القالة بين الناس" أي: السعاية بالقول ونقله على وجه الإفساد، وإيغار الصدور. وهي من كبائر الإثم، وعدها النبي ﷺ هنا من السحر؛ لأنها تفرق بين المتوادِّين بسبب خفي لطيف، كما السحر.
مناسبة الحديث للباب:
خفية، فاعتبار النميمة نوعًا من السحر، لخفاء تأثيرها، وشدته. وهذا يدل على أن مدلول السحر أوسع مما يُظن، فقد ذكر المصنف في هذا الباب أنواعاً متعددة منه، يجمعها: أنه ما خفي ولطف سببه، فتارةً يكون بعزائم، ورقى، وتدخينات، وأحياناً يكون بكلام شركي، أو سعاية، أو وشاية، وأحياناً يكون بالاستدلال بالنجوم، وغير ذلك من الطرق الباطلة.
فوائد الحديث:
١ - أن النميمة نوع من أنواع السحر، للطيف سببها، وشديد أثرها.
٢ - تحريم النميمة، وأنها من كبائر الإثم.
٣ - التعليم عن طريق السؤال والجواب.
ثم قال المصنف:
"ولهما عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إن من البيان لسحراً" " البيان: البلاغة والفصاحة، أي: أنه يعمل عمل السحر، فيجعل الحق باطلاً، والباطل حقاً، وهذا يقع من الكهان، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى فِي امْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ اقْتَتَلَتَا، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ، فَأَصَابَ بَطْنَهَا وَهِيَ
стр. 383
حَامِلٌ، فَقَتَلَتْ وَلَدَهَا الَّذِي فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَضَى: أَنَّ دِيَةَ مَا فِي بَطْنِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ، فَقَالَ وَلِيُّ المَرْأَةِ الَّتِي غَرِمَتْ: كَيْفَ أَغْرَمُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ، وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلَّ، فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الكُهَّانِ» (١)، فبعض الكلام المزخرف يقلب الحق باطلاً، والباطل حقاً، فلهذا قال النبي ﷺ : "إن من البيان لسحراً". لكن هذا لا يدل على ذم البيان مطلقًا، إنما يدل هذا على ذم البيان الذي يتوصل به إلى الباطل، وأما البيان الذي يتوصل به إلى الحق، فحيَّهلاً، فكم من إنسان آتاه الله فصاحة وبياناً، فاستمال بها القلوب، وجذبها إلى الحق، فلهذا اتخذ النبي ﷺ خطيباً وشاعراً، فخطيبه ﷺ ثابت بن قيس بن الشماس، وشاعره: حسان بن ثابت، وكعب بن مالك. فالحاصل: أن البيان إذا كان لبيان الحق فهو محمود، وينبغي لطالب العلم أن يكون عنده ذائقة لغوية، وأدبية، يحسن بها منطقه وحديثه إلى الناس، بمحسنات بديعية، وشواهد شعرية، وأمثال سيارة، فإن هذا من دواعي التأثير ..
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، فإن للبيان تأثيرًا لطيفًا في النفوس كالسحر.
فوائد الحديث:
١ - أن البيان، إذا قصد به الباطل، نوع من أنواع السحر؛ لما فيه من التمويه والتدليس.
٢ - التحذير من فتنة القول، فقد يعجب الإنسان بالبيان، ويرد الحق من جرَّائه.
стр. 384
قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: أن العيافة والطرق والطيرة من الجبت.
أي: أن هذه الثلاث من السحر، لحديث قبيصة. ويقاس عليها ما شابهها.
الثانية: تفسير العيافة والطرق.
كما فسّرها أيضاً عوف: بأن أي العيافة زجر الطير، والطرق الخط يخط بالأرض، وهكذا سائر الاستدلالات الباطلة.
الثالثة: أن علم النجوم من نوع السحر.
لقوله: "من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد".
الرابعة: العقد مع النفث من ذلك.
لقوله: "من عقد عقدة فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك".
الخامسة: أن النميمة من ذلك.
وهي العضة، القالة بين الناس، وهي نوع من السحر؛ لكون النمام يفرق بين الناس، كالساحر الذي يفرق بين المرء وزوجه، لا أنها مثله في الكفر والقتل.
السادسة: أن من ذلك بعض الفصاحة.
لقوله: "إن من البيان لسحراً"، فإذا كان الرجل فصيحاً فإنه يجعل الحق باطلاً، والباطل حقاً، ويموه على الناس حتى يقبلوا كلامه، بسبب فصاحته، صار ذلك نوعاً من السحر، أما إذا كان البيان في لنصر الحق، ورد الباطل فهو محمود. وقد عدد المصنف ﵀ في هذا الباب ستة أنواع من أنواع السحر.
стр. 385
باب ما جاء في الكهان ونحوهم
روى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: "من أتى عرافاً فسأله عن شيء، فصدقه، لم تقبل له صلاة أربعين يوماً" (١).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من أتى كاهناً، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ) (٢)، رواه أبو داود.
وللأربعة والحاكم -وقال: صحيح على شرطهما- عن أبي هريرة: "من أتى عرافاً أو كاهناً، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ) (٣).
ولأبي يعلى بسند جيد عن ابن مسعود مثله موقوفاً (٤).
وعن عمران بن حصين ﵁ مرفوعاً: "ليس منا من تطير أو تُطير له، أو تَكهن أو تُكهن له، أو سحر أو سُحر له، ومن أتى كاهناً فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ) (٥)، رواه البزار، بإسناد جيد.
стр. 386
ورواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن، من حديث ابن عباس دون قوله: "ومن أتى … " (١)، إلى آخره. قال البغوي: "العراف: الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق، ومكان الضالة، ونحو ذلك" (٢). وقيل: هو الكاهن، والكاهن: هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل. وقيل: الذي يخبر عما في الضمير.
وقال أبو العباس ابن تيمية: "العراف: اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم، ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق" (٣).
وقال ابن عباس ﵄ في قوم يكتبون (أبا جاد) وينظرون في النجوم: "ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق (٤).
الشرح:
قول المصنف ﵀: "باب: ما جاء في الكهان ونحوهم" أي: في النصوص من التغليظ، والوعيد، والتحذير. "ونحوهم" أي: ونحو الكهان: وهم الرمالون، والمنجمون، والعرافون.
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
أن هؤلاء الأصناف يدعون علم الغيب، فدعواهم هذه منازعة لله في شيء من خصائصه سبحانه وبحمده، فكان إتيانهم منافياً للتوحيد. قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]
قوله: "روى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي ﷺ " هي حفصة ﵂-قوله: "من أتى عرافاً" " أي: قصده، لا مجرد لقيه صدفة، وربما دخل في ذلك قصده بالاتصال بالوسائط الحديثة؛ كالمهاتفة، ودخول المواقع
стр. 387
الالكترونية، والقنوات الفضائية. والعراف كما قال البغوي، ﵀: هو الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق، ومكان الضالة، ونحو ذلك، وقيل: هو الكاهن. والصحيح في معنى العراف: ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أنه الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدعي معرفتها بها (١)، فيدخل فيها الكاهن، والرمال، والمنجم، ونحو هؤلاء.
قوله: "فسأله عن شيء" شيء: نكرة فتدل على العموم، أي: سأله عن شيء من الأشياء التي يقصدون من أجلها، كما يدل عليه قوله "من أتى"، لا مطلق السؤال.
قوله: "فصدقه" أي: في خبره، وجوابه عما سأله. ولكن هذه اللفظة (فصدقه) ليست في صحيح مسلم.
قوله: "لم تقبل له صلاة أربعين يوماً" عقوبةً له، وليس معنى ذلك سقوط الصلاة عنه، فالصلاة واجبة عليه، لكنه لا يُثاب عليها. ولا يلزم من نفي القبول نفي الصحة والإجزاء.
مناسبة الحديث للباب:
ما تضمنه من الوعيد الشديد على من أتى الكهان.
فوائد الحديث:
١ - تحريم إتيان الكهان وسؤالهم، وتصديقهم.
٢ - تحريم الكهانة وما شابهها من ادعاء علم الغيب.
٣ - أن قبول العمل موقوف على توفر شروطه، وانتفاء موانعه.
ثم قال المصنف ﵀:
"عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من أتى كاهناً فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ) الذي أنزل على محمد ﷺ هو قوله تعالى:
стр. 388
﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وقوله: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤]
قوله: "رواه أبو داود" ورواه والنسائي، وابن ماجه كما تقدم، وأحمد (١)، والبيهقي (٢)، وغيرهم، إلا أنه قد اختلف في ثبوته، فضعفه غير واحد من أهل العلم، وأصح منه ما بعده.
قوله: "وللأربعة والحاكم، وقال: صحيح على شرطهما، عن النبي ﷺ : "من أتى عرافاً، أو كاهناً، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ) " الأربعة هم أصحاب السنن الأربع، "والحاكم، وقد تقدم، وغيرهم، وصححه العراقي ﵀ (٣)، وجوّد إسناده الذهبي (٤)، فهذا من حيث الثبوت أصح مما قبله، أما لفظهما، فمتقارب. فعبّر في الأول: بكاهن، وفي الثاني: بعراف أو كاهن، فدل هذا على العموم.
قوله: "ولأبي يعلى بسند جيد، عن ابن مسعود، مثله موقوفاً" أبو يعلى، أحمد بن علي بن المثنى، التميمي، الموصلي. ولد سنة عشر ومائتين، محدث، ثقة، مشهور، روى عن الإمام أحمد، ويحي بن معين، وعلي بن المديني. عُمِّر حتى ناهز المائة ﵀، وصنف المسند، والمعجم. وكونه موقوفَا، أي: أن منتهى إسناده إلى ابن مسعود، وهو صحيح إليه.
مناسبة الحديثين للباب:
ظاهرة، لما تضمناه من الوعيد، والزجر الشديد، والوصف بالكفر لمن أتى الكهان.
فوائد الحديثين:
١ - تحريم إتيان الكهنة والعرافين، وسؤالهم، وتصديقهم.
стр. 389
٢ - وجوب تكذيب الكهان والعرافين؛ لأن التحذير من تصديقهم يتضمن وجوب تكذيبهم.
٣ - كفر من أتاهم، وسألهم، وصدقهم؛ لأن الله قد أخبر في كتابه بانفراده بعلم الغيب، فمن صدق الكاهن، والعراف، والمنجم، والرمَّال، وقارئ الفنجان، وقارئ الكف، ونحوهم،، فقد كفر بما أنزل على محمد.
فهذه مراتب: إتيانهم، وسؤالهم، وتصديقهم. وقد دل حديث أم المؤمنين حفصة، ﵂، في صحيح مسلم، على أن من أتى العراف أو الكاهن لم تقبل له صلاة أربعين يومًا، ودل حديث أبي هريرة، ﵁، في السنن وغيرها، على أنه كفر بما أنزل على محمد! والجمع بينهما أن يقال: من أتاه فسأله فقط، ولم يصدقه؛ لم تقبل له صلاة أربعين يوماً؛ كما في رواية مسلم، وليس فيها قيد التصديق، ومن أتاه فسأله، وصدقه فقد كفر كفراً أكبراً؛ لحديث أبي هريرة: "فقد كفر بما أنزل على محمد". وقد روى ابن حبان من حديث أنس بن مالك، ﵁، مرفوعًا: (مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ بَرِئَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ وَمَنْ أَتَاهُ غَيْرُ مُصَدِّقٍ بِهِ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاة أَرْبَعِينَ يَوْمًا) (١)، لكنه حديث ضعيف، لأن في إسناده رشدين بن سعد المهري، يقلب المناكير في أخباره على مستقيم حديثه، كما نقل ابن حبان.
حكم من لا يأتيهم برجله، ولكن يتواصل معهم عبر البريد أو القنوات الفضائية ونحوها: وضع هؤلاء الكهان والسحرة قنوات للسحر والشعوذة، يلبسونها ثوب الدين، وقراءة الأوراد، ويغرون السذج بفك السحر، وجلب الحبيب، ويلقبون أنفسهم بالمشايخ، والشيخات، وهم سحرة وساحرات، ليأكلوا أموال الناس بالباطل. فلو أن إنساناً قال: سأشاهد القناة الفلانية لأتفرج فقط! هل يحل ذلك؟ الجواب: لا يحل، بل يقاس على من أتى كاهناً أو عرافاً، فإن صدقهم انتقل إلى الوعيد الآخر، وهو الكفر بما أنزل على محمد؛ إذ ليس المقصود في تحريم النبي ﷺ لإتيانهم ذات النقلة والسفر، وإنما المقصود إتيانهم بأي طريق كان، وسؤالهم، وتصديق كلامهم. فلو وقع ذلك على أي صفة من الصفات؛ كأن يراسلهم عن طريق البريد الإلكتروني، ليستطلع ما عندهم، أو
стр. 390
كتب إليهم، أو اتصل بهم هاتفياً، فكل ذلك يدخل في الوعيد. وهؤلاء الأفاكون أخس طبقات الخلق قاتلهم الله؛ لأنهم يموهون على الناس، ويلبسون عليهم، ويزيدونهم رهقاً. ومما وقع في السنوات الأخيرة، وسمعناه من عديد من الناس؛ رجالاً ونساءً: أنه يتصل بهم أشخاص مجهولون من بلاد إفريقية، بطريقة عشوائية، فيقول قائلهم: أنا ولي الله فلان! وقد ساقني الله إليك لأنقذك، أنت مسحور منذ عدة سنوات، وأنت لا تعلم، ألست تعاني من كذا وكذا، ويذكر أموراً مما يشترك فيها البشر من المعاناة، وضيق الصدر، والاكتئاب، وحصول بعض الأعراض الصحية، فيصدق هذا المسكين ويقول: صحيح، كيف علمت؟ فيقول: لي أصحاب من الجن الصالحين يخبرونني، وسحرك مدفون في مكان أعرفه، وربما قال: في قبر من القبور، أو ملقى في البحر، وخدمي من الجن، يمكن أن يستخرجوه، ويتلفوه، وينقذوك من شره. فحول لي مبلغ كذا وكذا على هذا الحساب، إن أردت السلامة. وبعض ضعاف النفوس يصدقهم، وينساق خلفهم، ويدعو لهم، ويذهب يحدث أهله، بأنه عرف علته، وينفذ شرطه، فلا يزال يبتزه، ويأكل ماله بالباطل، ولا يغني عنه شيئًا. فيجب تحذير الناس من هؤلاء الأفاكين، المتسلطين على ضعاف العقول والدين.
ومن ذلك: ما يوجد في بعض المجلات ما يُسمى بالبروج، فيقولون: المولود في برج كذا وكذا، يحصل له حادث سعيد، أو غير سعيد، على سبيل التخمين، والرجم بالغيب. فلا تجوز مطالعة هذه الصفحات، والمواقع، فضلاً على أن يعتقد صحة ما فيها. فدين الإسلام قائم على البينة، لا على الظنون والأوهام، ولا مجال فيه لمغرض أن يفسد العقول، والقلوب، ويسلب الأموال.
قوله: "وعن عمران بن حصين ﵁ مرفوعاً: "ليس منا" " هذا التعبير النبوي المراد به: أنه لا يفعل هذا من كان على سنتنا وطريقتنا، فهو من الألفاظ الدالة على التبرؤ من فاعله، وأن فعله من الكبائر.
قوله: "من تطير" أي: فعل الطيرة، وسيفرد المصنف باباً عن التطير والطيرة. والمقصود بالتطير بوجه عام: التشاؤم، وأصله من التشاؤم بالطير، ثم صار أوسع من ذلك.