ورواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن، من حديث ابن عباس دون قوله: "ومن أتى … " (١)، إلى آخره. قال البغوي: "العراف: الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق، ومكان الضالة، ونحو ذلك" (٢). وقيل: هو الكاهن، والكاهن: هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل. وقيل: الذي يخبر عما في الضمير.
وقال أبو العباس ابن تيمية: "العراف: اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم، ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق" (٣).
وقال ابن عباس ﵄ في قوم يكتبون (أبا جاد) وينظرون في النجوم: "ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق (٤).
الشرح:
قول المصنف ﵀: "باب: ما جاء في الكهان ونحوهم" أي: في النصوص من التغليظ، والوعيد، والتحذير. "ونحوهم" أي: ونحو الكهان: وهم الرمالون، والمنجمون، والعرافون.
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
أن هؤلاء الأصناف يدعون علم الغيب، فدعواهم هذه منازعة لله في شيء من خصائصه سبحانه وبحمده، فكان إتيانهم منافياً للتوحيد. قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]
قوله: "روى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي ﷺ " هي حفصة ﵂-قوله: "من أتى عرافاً" " أي: قصده، لا مجرد لقيه صدفة، وربما دخل في ذلك قصده بالاتصال بالوسائط الحديثة؛ كالمهاتفة، ودخول المواقع
стр. 387
الالكترونية، والقنوات الفضائية. والعراف كما قال البغوي، ﵀: هو الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق، ومكان الضالة، ونحو ذلك، وقيل: هو الكاهن. والصحيح في معنى العراف: ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أنه الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدعي معرفتها بها (١)، فيدخل فيها الكاهن، والرمال، والمنجم، ونحو هؤلاء.
قوله: "فسأله عن شيء" شيء: نكرة فتدل على العموم، أي: سأله عن شيء من الأشياء التي يقصدون من أجلها، كما يدل عليه قوله "من أتى"، لا مطلق السؤال.
قوله: "فصدقه" أي: في خبره، وجوابه عما سأله. ولكن هذه اللفظة (فصدقه) ليست في صحيح مسلم.
قوله: "لم تقبل له صلاة أربعين يوماً" عقوبةً له، وليس معنى ذلك سقوط الصلاة عنه، فالصلاة واجبة عليه، لكنه لا يُثاب عليها. ولا يلزم من نفي القبول نفي الصحة والإجزاء.
مناسبة الحديث للباب:
ما تضمنه من الوعيد الشديد على من أتى الكهان.
فوائد الحديث:
١ - تحريم إتيان الكهان وسؤالهم، وتصديقهم.
٢ - تحريم الكهانة وما شابهها من ادعاء علم الغيب.
٣ - أن قبول العمل موقوف على توفر شروطه، وانتفاء موانعه.
ثم قال المصنف ﵀:
"عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من أتى كاهناً فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ) الذي أنزل على محمد ﷺ هو قوله تعالى:
стр. 388
﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وقوله: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤]
قوله: "رواه أبو داود" ورواه والنسائي، وابن ماجه كما تقدم، وأحمد (١)، والبيهقي (٢)، وغيرهم، إلا أنه قد اختلف في ثبوته، فضعفه غير واحد من أهل العلم، وأصح منه ما بعده.
قوله: "وللأربعة والحاكم، وقال: صحيح على شرطهما، عن النبي ﷺ : "من أتى عرافاً، أو كاهناً، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ) " الأربعة هم أصحاب السنن الأربع، "والحاكم، وقد تقدم، وغيرهم، وصححه العراقي ﵀ (٣)، وجوّد إسناده الذهبي (٤)، فهذا من حيث الثبوت أصح مما قبله، أما لفظهما، فمتقارب. فعبّر في الأول: بكاهن، وفي الثاني: بعراف أو كاهن، فدل هذا على العموم.
قوله: "ولأبي يعلى بسند جيد، عن ابن مسعود، مثله موقوفاً" أبو يعلى، أحمد بن علي بن المثنى، التميمي، الموصلي. ولد سنة عشر ومائتين، محدث، ثقة، مشهور، روى عن الإمام أحمد، ويحي بن معين، وعلي بن المديني. عُمِّر حتى ناهز المائة ﵀، وصنف المسند، والمعجم. وكونه موقوفَا، أي: أن منتهى إسناده إلى ابن مسعود، وهو صحيح إليه.
مناسبة الحديثين للباب:
ظاهرة، لما تضمناه من الوعيد، والزجر الشديد، والوصف بالكفر لمن أتى الكهان.
فوائد الحديثين:
١ - تحريم إتيان الكهنة والعرافين، وسؤالهم، وتصديقهم.
стр. 389
٢ - وجوب تكذيب الكهان والعرافين؛ لأن التحذير من تصديقهم يتضمن وجوب تكذيبهم.
٣ - كفر من أتاهم، وسألهم، وصدقهم؛ لأن الله قد أخبر في كتابه بانفراده بعلم الغيب، فمن صدق الكاهن، والعراف، والمنجم، والرمَّال، وقارئ الفنجان، وقارئ الكف، ونحوهم،، فقد كفر بما أنزل على محمد.
فهذه مراتب: إتيانهم، وسؤالهم، وتصديقهم. وقد دل حديث أم المؤمنين حفصة، ﵂، في صحيح مسلم، على أن من أتى العراف أو الكاهن لم تقبل له صلاة أربعين يومًا، ودل حديث أبي هريرة، ﵁، في السنن وغيرها، على أنه كفر بما أنزل على محمد! والجمع بينهما أن يقال: من أتاه فسأله فقط، ولم يصدقه؛ لم تقبل له صلاة أربعين يوماً؛ كما في رواية مسلم، وليس فيها قيد التصديق، ومن أتاه فسأله، وصدقه فقد كفر كفراً أكبراً؛ لحديث أبي هريرة: "فقد كفر بما أنزل على محمد". وقد روى ابن حبان من حديث أنس بن مالك، ﵁، مرفوعًا: (مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ بَرِئَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ وَمَنْ أَتَاهُ غَيْرُ مُصَدِّقٍ بِهِ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاة أَرْبَعِينَ يَوْمًا) (١)، لكنه حديث ضعيف، لأن في إسناده رشدين بن سعد المهري، يقلب المناكير في أخباره على مستقيم حديثه، كما نقل ابن حبان.
حكم من لا يأتيهم برجله، ولكن يتواصل معهم عبر البريد أو القنوات الفضائية ونحوها: وضع هؤلاء الكهان والسحرة قنوات للسحر والشعوذة، يلبسونها ثوب الدين، وقراءة الأوراد، ويغرون السذج بفك السحر، وجلب الحبيب، ويلقبون أنفسهم بالمشايخ، والشيخات، وهم سحرة وساحرات، ليأكلوا أموال الناس بالباطل. فلو أن إنساناً قال: سأشاهد القناة الفلانية لأتفرج فقط! هل يحل ذلك؟ الجواب: لا يحل، بل يقاس على من أتى كاهناً أو عرافاً، فإن صدقهم انتقل إلى الوعيد الآخر، وهو الكفر بما أنزل على محمد؛ إذ ليس المقصود في تحريم النبي ﷺ لإتيانهم ذات النقلة والسفر، وإنما المقصود إتيانهم بأي طريق كان، وسؤالهم، وتصديق كلامهم. فلو وقع ذلك على أي صفة من الصفات؛ كأن يراسلهم عن طريق البريد الإلكتروني، ليستطلع ما عندهم، أو
стр. 390
كتب إليهم، أو اتصل بهم هاتفياً، فكل ذلك يدخل في الوعيد. وهؤلاء الأفاكون أخس طبقات الخلق قاتلهم الله؛ لأنهم يموهون على الناس، ويلبسون عليهم، ويزيدونهم رهقاً. ومما وقع في السنوات الأخيرة، وسمعناه من عديد من الناس؛ رجالاً ونساءً: أنه يتصل بهم أشخاص مجهولون من بلاد إفريقية، بطريقة عشوائية، فيقول قائلهم: أنا ولي الله فلان! وقد ساقني الله إليك لأنقذك، أنت مسحور منذ عدة سنوات، وأنت لا تعلم، ألست تعاني من كذا وكذا، ويذكر أموراً مما يشترك فيها البشر من المعاناة، وضيق الصدر، والاكتئاب، وحصول بعض الأعراض الصحية، فيصدق هذا المسكين ويقول: صحيح، كيف علمت؟ فيقول: لي أصحاب من الجن الصالحين يخبرونني، وسحرك مدفون في مكان أعرفه، وربما قال: في قبر من القبور، أو ملقى في البحر، وخدمي من الجن، يمكن أن يستخرجوه، ويتلفوه، وينقذوك من شره. فحول لي مبلغ كذا وكذا على هذا الحساب، إن أردت السلامة. وبعض ضعاف النفوس يصدقهم، وينساق خلفهم، ويدعو لهم، ويذهب يحدث أهله، بأنه عرف علته، وينفذ شرطه، فلا يزال يبتزه، ويأكل ماله بالباطل، ولا يغني عنه شيئًا. فيجب تحذير الناس من هؤلاء الأفاكين، المتسلطين على ضعاف العقول والدين.
ومن ذلك: ما يوجد في بعض المجلات ما يُسمى بالبروج، فيقولون: المولود في برج كذا وكذا، يحصل له حادث سعيد، أو غير سعيد، على سبيل التخمين، والرجم بالغيب. فلا تجوز مطالعة هذه الصفحات، والمواقع، فضلاً على أن يعتقد صحة ما فيها. فدين الإسلام قائم على البينة، لا على الظنون والأوهام، ولا مجال فيه لمغرض أن يفسد العقول، والقلوب، ويسلب الأموال.
قوله: "وعن عمران بن حصين ﵁ مرفوعاً: "ليس منا" " هذا التعبير النبوي المراد به: أنه لا يفعل هذا من كان على سنتنا وطريقتنا، فهو من الألفاظ الدالة على التبرؤ من فاعله، وأن فعله من الكبائر.
قوله: "من تطير" أي: فعل الطيرة، وسيفرد المصنف باباً عن التطير والطيرة. والمقصود بالتطير بوجه عام: التشاؤم، وأصله من التشاؤم بالطير، ثم صار أوسع من ذلك.
стр. 391
قوله: "أو تُطِير له، أو تَكَهن أو تُكِهن له" أي: طلب من يتطير له، كأن يقول لأحد: أريد السفر إلى المكان الفلاني فازجر الطير، ليتبين لي النفع أو الضر.
"أو تَكَهن، أو تُكِهن له" أي: استشرف الغيب بنفسه، أو طلب من يستشرفه له.
قوله: "أو سَحَر، أو سُحِر له" أي: باشر السحر بنفسه، أو أمر من يسحر له. وهذا يقع من الحاقدين إذا أراد مضارة آخر، بذل مالاً لساحر، وطلب منه أن يفعل به شرًا.
قوله: " "ومن أتى كاهناً فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ) رواه البزار بإسناد جيد" وقد تقدم مثله من رواية أبي هريرة، بقيد التصديق، كما هاهنا.
قوله: "ورواه الطبراني، بإسناد حسن، من حديث ابن عباس دون قوله: "ومن أتى إلى آخره" " فالحديث ثابت بجميع جمله، والحمد لله.
مناسبة الحديث للباب:
مطابقة للترجمة، حيث تبرأ النبي ﷺ من الكهان، ونحوهم من السحرة، ومدعي علم الغيب.
فوائد الحديث:
١ - تحريم الطيرة، والتطير، والبراءة من فاعليها.
٢ - تحريم الكهانة والتكهن والبراءة من فاعليها.
٣ - تحريم السحر، وطلبه، ولبراءة من فاعليه.
٤ - تحريم إتيان الكهان وسؤالهم وتصديقهم، وأن ذلك من موارد الكفر.
٥ - وجوب إجراء نصوص الوعيد على ظاهرها.
٦ - حماية الشريعة للعقول، والنفوس، والأموال.
قوله: "قال البغوي" هو الإمام الحافظ، المحدث، الفقيه، محيي السنة، أبو محمد، الحسين بن مسعود الفراء، البغوي، الشافعي. ولد سنة ثلاث وثلاثين
стр. 392
وأربعمائة، وتوفي سنة ست عشرة وخمسمائة، ﵀. له مصنفات واسعة نافعة، في التفسير والفقه والسنة.
قوله: "العراف الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق، ومكان الضالة، ونحو ذلك" هذه المقدمات لا علاقة لها بمحل المسروق والضالة. أما إذا كانت هذه المقدمات ذات علاقة، فهذا لا يُعد عرافة، بل يسمى "فراسة" و "قيافة"، ومثله ما يُسمى الآن بأدلة "البحث الجنائي"، فيستدل بها على مكان المسروق، أو المختطف، أو الضال، بناءً على تتبع الأثر، أو البصمات، فما كان بمقدمات حسية، حقيقية، متعقلة، فليس من العرافة التي نهى عنها النبي ﷺ ، وأكفر فاعلها.
قوله: "والكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل" وقيل: الذي يخبر عما في الضمير، وذلك أن قرينه من الجن يتصل بقرين الإنسان، فربما أخبر عما خبأ في ضميره. فالكاهن يخبر بأمور مغيبة، أما حاضرة، وإما مستقبلة، وإما في النفس، وما أخبر به من الأمور المستقبلة، فوقع، فهو مما ناله من مسترقي السمع، كما تقدم.
قوله: "وقال أبو العباس ابن تيمية شيخ الإسلام: العرَّاف اسم للكاهن، والمنجِّم، والرمَّال، ونحوهم، ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق" (١)، قال ﵀ في الفتاوى: ("الْعَرَّافُ" قَدْ قِيلَ إنَّهُ اسْمٌ عَامٌّ لِلْكَاهِنِ، وَالْمُنَجِّمِ، وَالرِّمَالِ، وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ فِي تَقَدُّمِ الْمَعْرِفَةِ، بِهَذِهِ الطُّرُقِ. وَلَوْ قِيلَ: إنَّهُ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِبَعْضِ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ، فَسَائِرُهَا يَدْخُلُ فِيهِ بِطَرِيقِ الْعُمُومِ الْمَعْنَوِيِّ) (٢). فوسع شيخ الإسلام ﵀ مدلول كلمة (العراف) بحيث شملت كل من ادعى المعرفة بواسطة هذه الطرق المزعومة، سواء كان عن طريق التنجيم؛ بحركات النجوم، والأفلاك، والأجرام العلوية، فيستدل بها على الحوادث الأرضية، أو الرمَّال الذي يضرب في الرمل، فيقول: يقع كذا، ويقع كذا، أو غيرهم من الأفاكين؛ كقارئ الكف، والفنجان، فإن هؤلاء جميعاً داخلون في لفظ العراف.
стр. 393
وقال ابن الأثير: (الكاهِنُ: الَّذِي يَتَعاطَى الخَبَر عَنِ الكائِنات فِي مُسْتَقْبَل الزَّمَانِ، ويَدَّعي مَعْرِفَةَ الأسْرار. وَقَدْ كَانَ فِي الْعَرَبِ كَهَنة، كَشِقّ، وسَطِيح، وغيرِهما، فَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَزْعمُ أَنَّ لَهُ تابِعاً مِنَ الجِنّ، وَرَئِيًّا يُلْقِي إِلَيْهِ الْأَخْبَارَ، وَمِنْهُمْ من كَانَ يَزْعمُ أَنَّهُ يَعْرِف الْأُمُورَ بمُقَدِّمات أسْباب يَسْتَدلُّ بِهَا عَلَى مَواقِعها مِنْ كَلَامِ مَنْ يَسأله، أَوْ فِعْلِه، أَوْ حَالِهِ، وَهَذَا يَخُصُّونه بِاسْمِ العَرَاف، كَالَّذِي يَدَّعِي مَعْرِفَةَ الشَّيْءِ المَسْروق، وَمَكَانِ الضَّالَّة وَنَحْوِهِمَا. وَالْحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ «مَنْ أتَى كاهِنا» قَدْ يَشْتَمِل عَلَى إتْيان الكاهِن، والعَرّاف، والمُنَجِّم) (١)
قوله: "وقال ابن عباس" هكذا أطلقه المصنف، ولم يعزُه، وقد أخرجه عبد الرزاق (٢)، والبيهقي (٣)، وإسناده صحيح.
قوله: "في قوم يكتبون (أبا جاد) " أي: حروف "أبجد هوز حطي كلمن"، ويقال عنها: أبا جاد، وتُسمى الحروف الأبجدية. أما الحروف الهجائية فهي: أ ب ت ث ج ح … ، إلى الياء. وليس معنى: "يكتبون أبا جاد" مجرد الخط باليد، فإن هذا مباح، بل مستحب، لكونه وسيلة لحفظ العلم، وتوثيق العقود، والوصايا، والأوقاف، وغيرها، ولا يدخل فيه أيضاً تعلمها لحساب الجمل، فقد كانوا يُؤرخون لبعض الحوادث بكلمات أو عبارات دالة على التأريخ؛ فيجعلون الأحرف الأولى تقابل الأعداد الفردية، والأحرف التي تليها تقابل العقود العشرية، والتي تليها تقابل المئوية. مثال ذلك: أرخوا لتجديد عمارة الجامع الكبير في عنيزة، زمن الشيخ عبد الرحمن السعدي، ﵀، سنة اثنتين وستين وثلاثمائة وألف (١٣٦٢ هـ) بعبارة (اغفر لنا).
وإنما أراد ابن عباس ﵄ أمراً كان جارياً عندهم، وهو أنهم يُقطِّعون حروف (أبا جاد)، ويتعلمونها لاستكناه علم الغيب، فهذا الذي أنكره ابن عباس، بدليل الجملة التالية.
قوله: "وينظرون في النجوم" فهم منجمون، وليس المقصود النظر المجرد، فإنه مباح، قال تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، وقد
стр. 394
يكون مستحبًا، كما لو قصد التفكر والاعتبار، قال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١]، وقال: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥]، وقال: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦]. والنظر المنهي عنه هنا، نظر خاص، وهو الاستدلال بحركة النجوم، ومطالعها على الحوادث الأرضية، فيزعمون أنه إذا طلع النجم الفلاني، واقترن بالنجم الفلاني، ستقع حرب مثلاً! والمنجمون موجودون قديماً، وحديثاً، وسيفرد المصنف بابًا عن التنجيم.
قوله: "ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق" (ما أرى) بفتح الهمزة، وتصح بضمها، أي: ما أعلم، وبالضم أي: ما أظن. و (خلاق) أي: نصيب. وهذا تكفير من ابن عباس ﵄ لهؤلاء؛ وكأنه قاسهم على السحرة، كما قال الله : ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢].
مناسبة الأثر للباب:
ظاهرة، لما تضمنه من كفر من ادعى الغيب بكتابة (أبا جاد)، والنظر في النجوم، كحال الكهان، وأنهم لا خلاق لهم في الآخرة ..
فوائد الأثر:
١ - تحريم تعلم (أبا جاد) بدعوى التوصل إلى الأخبار المغيبة.
٢ - تحريم التنجيم.
٣ - كفر من فعل ذلك، لنفي الخلاق عنه في الآخرة.
قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: لا يجتمع تصديق الكاهن مع الإيمان بالقرآن.
إذ كيف يُصدق الكاهن الذي يدعي علم الغيب، من يؤمن بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]؟!
стр. 395
الثانية: التصريح بأنه كفر.
لقوله: "فقد كفر بما أُنزل على محمد"، فتجرى على ظاهرها.
الثالثة: ذكر من تُكِهن له.
أراد المصنف ﵀ التأكيد على أن الطالب كالفاعل، فلو تورع فزعم بأنه لا يريد أن يتكهن هو بنفسه، لكن أوصى غيره فإنه يدخل في الوعيد أيضاً. لقوله: "أو تُكهن له".
الرابعة: ذكر من تُطير له.
كذلك، لقوله (٠ أو تُطير له)، والراضي كالفاعل، فكيف بالآمر.
الخامسة: ذكر من سُحر له.
كذلك، "أو سحر له"، فكأنه فعل ذلك بنفسه.
السادسة: ذكر من تعلم (أبا جاد).
أي على هذا الوجه المذموم شرعاً، وهو أن يستدل بتقطيع الحروف على الأمور المغيبة، فقد وقع في الرجم بالغيب.
السابعة: ذكر الفرق بين الكاهن والعراف.
كما قال البغوي، ﵀، فيكون الكاهن: من يخبر عن المغيبات في المستقبل، والعراف: الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات غير متعقلة، يستدل بها، وإما أن العراف اسم يشمل الكاهن، فيكون من باب العام والخاص، وقيل: إنهما بمعنى واحد، والله أعلم.
стр. 396
باب ما جاء في النشرة
عن جابر أن رسول الله ﷺ سُئل عن النشرة، فقال: "هي من عمل الشيطان" رواه أحمد، بسند جيد (١)، وأبو داود (٢)، وقال: سُئل أحمد عنها فقال: ابن مسعود يكره هذا كله (٣).
وفي البخاري: عن قتادة: قلتُ لابن المسيب: رجل به طب، أو يُؤخذ عن امرأته، أيحل عنه أو ينشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم ينه عنه (٤).
وروي عن الحسن: أنه قال: لا يحل السحر إلا ساحر (٥).
قال ابن القيم: النشرة: حل السحر عن المسحور، وهي نوعان:
الأول: حل بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يحمل قول الحسن، فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب، فيبطل عمله عن المسحور.
стр. 397
والثاني: النشرة بالرقية والتعوذات والأدوية والدعوات المباحة، فهذا جائز (١).
الشرح:
قوله: "باب: ما جاء في النشرة" أي: باب ما جاء في حكمها وأنواعها؛ وذلك أن الأمر يحتمل الجواز، والمنع. فلما كان بعض أنواع النشرة منافياً للتوحيد، لما فيه من الاستعانة بالشياطين؛ وذلك بالوقوع في السحر نفسه، ناسب إدخال هذا الباب في كتاب التوحيد؛ لأن النشرة قد تكون من فعل الشياطين.
والنشرة في اللغة: مأخوذة من النشر وهو التفريق؛ والنشر عكس الطي، فالنشر يدل على السعة، ضد الضيق والحرج؛ ولهذا قال عن أصحاب الكهف: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الكهف: ١٦]؛ وذلك أن المصاب يكون في كرب وضيق، فإذا تداوى فكأنما فُرِّق ذلك عنه فانتشر بعد أن كان مضيقاً عليه. فالنشرة: نوع من العلاج؛ يكون بالرقية، ويكون بغيرها، فمنه: ما يكون مباحاً، ومنه: ما يكون محرماً.
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
لما ذكر المصنف ﵀ ما يتعلق بالسحر، وبيّن شيئاً من أنواعه، وذكر الكهان وما يصدر منهم، أتبع ذلك بهذا الباب المتعلق بالنشرة، فإن الناس إذا أصابهم السحر، طفقوا يبحثون عن حَلِّه، والخلاص من شره، فربما وقعوا في النشرة الشركية.
قوله: "عن جابر: أن النبي ﷺ سُئل عن النشرة، فقال: "هي من عمل الشيطان" رواه أحمد، بسند جيد" (أل) في (النشرة) عهدية، فلهذا بادر النبي ﷺ بالقول: بأنها من عمل الشيطان؛ لأن النشرة المسئول عنها هي ما كان معهوداً في الجاهلية من حل السحر بسحر مثله، فيحصل بالاستعانة بالشياطين، واستجدائهم، وتقديم النذور والقرابين لهم، فيقعون في الشرك الأعظم، الذي
стр. 398
حرمه الله تعالى. فكان جواب النبي ﷺ منصباً على نوع من النشرة، وهي التي كانت معروفة في الجاهلية.
قوله: "وأبو داود"، وقال: سُئل أحمد عنها، فقال: ابن مسعود يكره هذا كله": أبو داود السجستاني، ﵀ من تلاميذ أحمد، فسنده إليه متصل. فأخبر الإمام أحمد، بما بلغه من العلم، أن ابن مسعود ﵁ يكره ذلك. وقد تقدم أنه يكره التمائم التي تكون من القرآن، لكن هذه الكلية التي ذكرها الإمام أحمد ﵀ تُحمل على النوع الممنوع فقط، ولا يدخل فيها الرقى، والأدعية الشرعية، قطعًا. وقد سُئل الإمام أحمد ﵀ عن رجل يزعم أنه يحل السحر، فقال: قد رخص فيه بعض الناس، قيل: إنه يجعل في الطنجير ماءً، ويغيب فيه، ويفعل كذا، فنفض يده كالمنكر، وقال: ما أدري ما هذا؟ قيل له: فترى أن يُؤتى مثل هذا يحل السحر؟ قال: ما أدري ما هذا (١)، فتبرأ أحمد، ﵀، من هذا الصنيع، ولم يقره؛ لأن فيه شعوذة. ومثل هذا كان موجوداً في هذه البلاد، وربما لا يزال، ويسمونه "صب الرصاص"، فإذا أصيب الإنسان بعين، يأتون إلى هذا المصاب ويضعون فوق رأسه إناءً، ويصبون فيه رصاصاً ذائباً، ويزعمون أن صورة العائن تتشكل فيه! فهذا لا يحل، وهو ضرب من الشعوذة والسحر والاستعانة بالشياطين.
مناسبة الحديث للباب:
مطابقة، حيث تضمن تحريم النشرة، وأنها من عمل الشيطان، فهي منافية للتوحيد.
فوائد الحديث:
١ - النهي عن النشرة الجاهلية.
٢ - أن للشيطان عملًا، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ
وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠]، وقال: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥]
стр. 399
٢ - مشروعية سؤال العلماء في النوازل.
٣ - عزو المفتي الجواب إلى من هو أعلم منه.
ثم قال ﵀: "وفي البخاري عن قتادة" هو قتادة بن دعامة السدوسي، ثقة من حفاظ التابعين، كانت وفاته سنة (١١٨ هـ)
قوله: "قلتُ لابن المسيب: رجلٌ به طب" أي: سحر، ولكن يسمونه طباً من باب التفاؤل، كما جاء في حديث سحْر النبي ﷺ : "فقال أحدهما للآخر: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب" (١)، أي مسحور، فكانوا يسمون من به سحر مطبوب، أو به طب، كما كانوا يسمون اللديغ سليماً، تفاؤلًا بالسلامة.
قوله: "أو يُؤَخَّذُ عن امرأته" (يُؤَخَّذُ) بالتضعيف، وضُبط بالتخفيف، والمعنى واحد، أي: أنه يصرف عن امرأته،، وهذا من أعمال السحرة، فيجعلون الزوجة تتعلق بزوجها، أو يجعلون الزوج يتعلق بزوجته تعلقاً غير طبيعي، ويسمى "العطف"، أو يجعلون الزوجة تنفر من زوجها، أو يجعلون الزوج ينفر من زوجته نفرة عجيبة، بحيث لا يطيق أحدهما قرب الآخر، ولا رائحته، ولا مسه، ويلحقه من جراء ذلك ألم عظيم، ويسمى "الصرف"، قال تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] وهذا كله من أعمال السحر الشائعة قديماً وحديثاً. ومن الإشاعات التي تقولها العامة، ولا دليل عليها: أن من عقد شيئاً عند عقد النكاح، فإنه يؤدي إلى صرف الزوج عن زوجته، حتى إنهم يكرهون أن يشبك الإنسان أصابعه أثناء عقد النكاح، لكن هذا لا دليل عليه.
قوله: "أيحل عنه أو ينشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع، فلم ينه
عنه": هذا يدل على أن ابن المسيب ﵀ لا يرى بأساً بالنشرة، لكن يظهر من جوابه أنه لحظ أن النشرة نوعان: منها ما ينفع، ومنها ما يضر، فسوغ ما ينفع؛ وذلك أن الله تعالى قد قال في آية السحر: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢].
стр. 400
وأما قول بعض الفقهاء: لا بأس بحل السحر بسحر مثله! فلا يسلم، ففي الحديث: (إِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِي حَرَامٍ) (١)، وعن ابن مسعود موقوفًا: (إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ) (٢) قال ابن قدامة، ﵀: (فأما الذي يحل بالسحر؛ فان كان بشيء من القرآن، أو شيء من الذكر، والأقسام، والكلام المباح، فلا بأس به. فإن كان بشيء من السحر، فقد توقف أحمد عنه، قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسئل عن رجل يزعم انه يحل السحر، فقال: قد رخص فيه بعض الناس، قيل لأبي عبد الله: انه يجعل في الطنجير ماءً، ويغيب فيه، ويعمل كذا، فنفض يده كالمنكر، وقال: ما أدري ما هذا، قيل له: فترى ان يؤتى مثل هذا يحل السحر؟ فقال: ما أدري ما هذا. وروي عن محمد بن سيرين، أنه سئل عن امرأة تعذبها السحرة، فقال رجل: أخط خطًا عليها، وأغرز السكين عند مجمع الخط، واقرأ القرآن. فقال محمد: ما أعلم بقراءة القرآن بأسًا على حال، ولا أدري ما الخط والسكين. وروي عن سعيد بن المسيب، في الرجل يؤخذ عن امرأته، فيلتمس من يداويه، فقال: إنما نهى الله عما يضر، ولم ينه عما ينفع. وقال أيضاً: إن استطعت أن تنفع أخاك فافعل. فهذا من قولهم يدل على أن المعزم ونحوه، لم يدخلوا في حكم السحرة، لأنهم لا يسمون به، وهو مما ينفع ولا يضر) (٣). فهذه ثلاثة آثار عن السلف:
- فأما المروي عن أحمد، ﵀، فليس في السؤال أنه يحل السحر بالسحر! وليس فيه ما يدل على التوقف، بل فيه ما يدل على الإنكار والتبرؤ: (فنفض يده كالمنكر، وقال: ما أدري ما هذا، قيل له: فترى ان يؤتى مثل هذا يحل السحر؟ فقال: ما أدري ما هذا).
- وأما المروي عن ابن سيرين، فإنه أبى أن يقر غير القرآن، وبرأ من الخط والسكين.
- وأما المروي عن ابن المسيب، فإنه يدل على رفض السحر، لأنه يضر ولا ينفع، كما قال تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ
стр. 401
بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وإنما سوغ ما ينفع. واختلاف الاصطلاحات لا يغير الحقائق، فلو سمي الساحر "معزِّمًا" أو غير ذلك، فالحكم واحد.
لكن قد يطلق بعضهم النشرة على ما لا يدخل في حدها، فإن النشرة: حل السحر بسحر مثله، فلو قصد من يدله على موضع السحر، أو يستخرجه له، دون أن يحله بسحر، فإن ذلك لا يدخل، بالضرورة، في النشرة الشيطانية، وإنما يلتحق بمسألة الاستعانة بالجن، وهل يمكن أن تقع على وجه غير شركي، أم لا.
قوله: "وروي عن الحسن قال: "لا يحُل السحر إلا ساحر" هذا من الحسن حكم بمنع النشرة، إذا وقعت على سبيل السحر؛ إذ السحر محرم، منهي عنه، ومن موارد الشرك بالله، فلا يقدر على حل السحر إلا ساحر، والساحر لا يمكن أن يؤدي عمله إلا بالاستعانة بالشياطين، وذلك ممنوع.
فأراد المصنف ﵀ من نقل هذه النصوص أن يُبيّن اختلاف المنقول عن السلف في جواز النشرة، التي هي حل السحر عن المسحور، فظاهر كلام سعيد بن المسيب: الجواز، وظاهر كلام الحسن: المنع، ثم عقّب على ذلك بكلام جامع مبين، لابن القيم ﵀ يرفع هذا الإشكال، حيث قال ابن القيم: "النشرة حل السحر عن المسحور، وهي نوعان:
الأول: حل بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يحمل قول الحسن، فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب، فيبطل عمله عن المسحور.
والثاني: النشرة بالرقية والتعوذات والأدوية والدعوات المباحة، فهذا جائز" (١).
وهذا هو فصل الخطاب في هذه المسألة، فيقال النشرة نوعان:
أحدهما: ما وقع على سبيل الشرك بالله، والتقرب للشيطان، من قبل الناشر والمنتشر، فهذا لا يحل بحال؛ لقوله: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم
стр. 402
عليكم" (١)، وهؤلاء السحرة يطالبون من أتاهم بأمور تكشف عن خبث طويتهم، فأحياناً يطالبونه -والعياذ بالله- بتلويث المصحف، ووضعه في القاذورات، أو ذبح شاة أو تيس أو ديك أسود، ولا يذكر اسم الله عليه، فيقع الذبح لهذا الجني، الذي يستعينون به، أو يطالبونه بإحراق البخور تعظيماً للجني المعظم عندهم، لكي ينفذ له ما أراد، فكل هذا من الشرك الأكبر.
ثم إنه يترتب على تسويغ حل السحر بالسحر، مفاسد عديدة، منها:
١ - مصادمة النصوص الصحيحة، الواردة في تحريم إتيان السحرة، كما تقدم، ومنها ما جاء في حديث معاوية بن الحكم: "وَإِنَّ مِنَّا رِجَالًا يَأْتُونَ الْكُهَّانَ، قَالَ: "فَلَا تَأْتِهِمْ" (٢)
٢ - ما ورد بخصوص النشرة، وأنها (من عمل الشيطان) بإطلاق.
٣ - رواج سوق السحر والشعوذة، وتعلق العامة بهم، وانصرافهم عن الطرق الشرعية.
٤ - أكل أموال الناس بالباطل.
٥ - استزلال المصاب إلى الوقوع في الشرك، بذبح، أو نذر، أو قول، أو فعل، منافٍ للإيمان.
٦ - سوء العاقبة، في الدنيا والآخرة، قال تعالى: (﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩].
الثانية: ما وقع بالعوذ الشرعية، والحروز الإيمانية، فهذا مشروع، والله تعالى لم يدع عباده دون مخرج، بل أمرهم بالأسباب الشرعية، والأدوية الحسية، وقد جاء في الحديث: "ما أنزل الله داء، إلا قد أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله" (٣)، وقال الله : ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا
стр. 403
هُوَ﴾ [الأنعام: ١٧]؛ أياً كان ذلك الضر؛ لأن (ضر) نكرة جاءت في سياق الشرط، فتدل على العموم. فإذا قوي اليقين عند العبد المبتلى بالعين أو بالسحر، بأن الله هو الذي يجيب الدعوات، ويكشف الكربات، فإن الله يستجيب له، فهو المدبر سبحانه، ولو شاء أتلف مادة السحر أياً كانت، وأينما كانت، ولو كانت مدفونة في قبر، أو ملقاة في قعر البحر، أو غير ذلك. فعلى العبد أن يفعل الأسباب الشرعية؛ كالرقى والدعاء، والأسباب الحسية؛ كالأدوية المباحة، كما قال ابن القيم ﵀، فيرقي نفسه، أو يرقيه غيره، ويحافظ على الأوراد. وإذا كان الأمر يتعلق بمعاناة عضوية، فيتناول الأدوية المناسبة.
فالواجب: التوكل على الله ، وألا يدب اليأس إلى النفس، وكثير من الناس إذا اضطرب مزاجه، أو أصابه أدنى عارض نفسي أو عضوي، تبادر إلى ذهنه: أنه قد عمل له عمل، أو أصابته عين. والعين حق، والسحر حق، لكن لا يجوز للإنسان أن يعتمد على الظنون بلا بينة، بل عليه أن يفعل ما في وسعه، وما أتاح الله له من الأسباب. وأما القطع بشيء من هذه الأشياء دون دليل وبينة، فلا؛ لأنه يفتح على الإنسان باب التوهم، وسوء الظن بالمسلمين.
وبعض الرقاة الجهلة -وللأسف- يصنع هذه الأوهام؛ فيأتيه الرجل أو المرأة، يعاني مرضاً ما، فيقول له: وقع لك كذا وكذا، ويأتي بالعجائب؛ يقول: دخل بك اثنان من الجن، أو ثلاثة، حتى قال أحدهم: دخلت فيك قبيلة! فيخرج من أتى هؤلاء بعلة، بألف علة! ويصاب بالانهيار والتوتر البالغ. فمن اشتغل بالرقية، فليس مطلوباً منه أن يقدم تشخيصًا لما جرى؛ لأن هذا أمر غيبي، لا يعلمه إلا الله، وإنما عليه أن يقرأ على المريض، وينفث، كما قال النبي ﷺ : "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل" (١)، ويوصيه بالأوراد الشرعية، والتوكل على الله، ويطمئن قلبه، ويذكره بأنه لا يصيبه إلا ما كتبه الله له.
ولا يجوز للراقي أن يتباهى بإخبار المرقي بما جرى له، وما وقع منه، بل إن هذا مدعاة إلى الشك في هذا المعالج، فربما كان يستعين بالجن. فلا يقال: هذه عين، وهذا سحر، إلا بيقين، أو بقرينة قوية. ومن شأن ابن آدم أن يصاب
стр. 404
بهذه الأعراض، فليس كل ما يقع من الآفات والأعراض مرده إلى العين أو السحر، وإن كانت العين حقاً، والسحر كذلك، لكن لا بد من دليل؛ ولهذا لما جرى لبعض أصحاب النبي ﷺ أنه عرض، قال النبي ﷺ : "هل تتهمون له أحداً؟ " قالوا: نتهم عامر بن ربيعة، فدعا رسول الله ﷺ عامراً، فتغيظ عليه، قال: "علام يقتل أحدكم أخاه؟ ألا بركّت؟! فاغتسل له" فغسَّل له عامر وجهه، ويديه، ومرفقيه، وركبتيه، وأطراف رجليه، وداخلة إزاره، في قدح، ثم صب عليه، من ورائه، فراح سهل مع الناس ليس به بأس (١). فالواجب الحذر من الوقوع في الوهم والشك، وتوزيع التهم على المسلمين، فإن هذا باب لو دخل فيه الإنسان لن يخرج منه سالماً، وسيقع في دوامة من الظنون، وربما أصابه من الهم والغم، أكثر مما لو أصابه سحر حقيقي، أو عين حقيقية.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن النشرة.
لقول النبي ﷺ : "هي من عمل الشيطان" والمراد بها نشرة الجاهلية.
الثانية: الفرق بين المنهي عنه والمرخص فيه عما يزيل الإشكال.
أن المنهي عنه هو ما كان فيه استعانة بالشياطين، والمرخص فيه هو ما وقع على وجه شرعي، من الأدوية المباحة، والرقى والتعويذات الشرعية.
стр. 405
باب ما جاء في التطير
وقول الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأعراف: ١٣١].
وقوله: ﴿قَالُوا طَائِرُكُم مَّعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ [سورة يس: ١٩].
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر" (١)، أخرجاه. زاد مسلم: (ولا نوء، ولا غول" (٢).
ولهما: عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا عدوى، ولا طيرة، ويعجبني الفأل" قالوا: وما الفأل؟ قال: "الكلمة الطيبة" (٣).
ولأبي داود بسند صحيح: عن عروة بن عامر، قال: "ذُكرت الطيرة عند رسول الله ﷺ فقال: "أحسنها الفأل، ولا ترد مسلماً، فإذا رأى أحدكم ما يكره، فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك" (٤).
وعن ابن مسعود مرفوعاً: "الطيرة شرك، الطيرة شرك" "وما منا إلاّ، ولكن الله يذهبه بالتوكل" رواه أبو داود، والترمذي وصححه، وجعل آخره من قول ابن مسعود (٥).
стр. 406
ولأحمد: من حديث عبد الله بن عمرو: "من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك"، قالوا: وما كفارة ذلك؟ قال: "أن يقول: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك" (١).
وله: من حديث الفضل بن عباس ﵁: "إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك" (٢).
الشرح:
قال المصنف ﵀: "باب: ما جاء في التطير" " أي: من الوعيد؛ إذ أن التطير مذموم كله، بلا تفصيل. وهو مأخوذ من الطير، وأصل ذلك أن أهل الجاهلية كانوا يتشاءمون بالطيور، فإذا أراد أحدهم سفراً، أو عملاً، زجر الطير، فإن ذهبت يميناً تفاءل، وإن ذهبت شمالاً تشاءم. ثم إنه توسع مدلول التطير حتى صار في الاصطلاح أعم من ذلك، فصار يشمل: التشاؤم بكل مرئي أو مسموع، وزاد شيخنا ابن عثيمين ﵀: "أو معلوم" (٣)، وهذا من المواضع القليلة التي يكون فيها التعريف الاصطلاحي أوسع من التعريف اللغوي؛ إذ العادة أن اللغة أوسع من الاصطلاح. فمنه:
- التطير بالمرئي: كإنسان خرج يريد سفراً، فقابل إنساناً أعورَ أو أعرجَ، فوقع في قلبه أن هذه سفرة مشؤومة، فترك السفر.
- التطير بالمسموع: كمن خرج يريد سفراً، فسمع نعيق بوم، أو صياح غراب، أو قائلاً يقول لآخر: يا خائب، أو يا خاسر، فعدل عن السفر.
- التطير بالمعلوم: كمن خرج يريد سفرًا، فبلغه خبرٌ سيئ، فتشاءم به، فرجع عن قصده.
стр. 407
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
لما كانت اطيرة تعلُّقٌ بسبب لم ينصبه الله سببًا؛ لاحسًا، ولاشرعًا، كانت من الشرك المنافي للتوحيد، فعقد المصنف هذا الباب للتحذير منها بجميع صورها.
فلا يجوز أن يعلق الإنسان أفعاله بأمور موهومة، لا صلة لها مُتعقَّلة بما هو بصدده؛ فإن هذا كله من التطير. وقد جاءت الشريعة لتربي المؤمنين على أن يقيموا تصرفاتهم، وأعمالهم، على البينة، وألا تتلاعب بهم الظنون والأوهام، فتتعطل مصالحهم.
قوله: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ المقصود آل فرعون، لأنهم تطيروا بموسى، كما قال الله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] فرد الله عليهم بقوله: ﴿أَلَا﴾ أداة تنبيه ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر ﴿طَائِرُهُمْ﴾ أي: ما قضي عليهم من خير أو شر ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: من عند الله ، ولا شأن لموسى وبني إسرائيل به. قوله: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ القائلون هم ارسل الذين بعثوا أهل قرية، فقال لهم أهلها: ﴿تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ فأجابوهم بأن حظكم، وما ينوبكم من خير أو شر، معكم، أي: مكتوب في كتابكم، ولا شأن لنا به، وسببه ما يصدر منكم من أفعال سيئة، وتتمتها: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ أي: ألِكوننا وعظناكم، ودعوناكم، جعلتم هذا مدعاة للتطير؟! ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ أي حقيقة الحال أنكم مسرفون. والسرف: مجاوزة الحد في كل شيء.
والآيتان تدلان على أنّ التطير موجود في الأمم السابقة، في آل فرعون، وفي النصارى؛ لأن أصحاب هذه القرية كانوا بعد عيسى ﵇.
مناسبة الآيتين للباب:
مطابقتان للترجمة، لأن فيهما ذم التطير، وأنه من عمل الكفار،.
فوائد الآيتين:
١ - أنّ التطير من أعمال الجاهلية.
٢ - وجوب الإيمان بالقدر السابق.
стр. 408
٣ - أن المعاصي هي السبب الكوني والشرعي للمصائب والشؤم؛ لقول الرسل: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي: بسبب أعمالكم وقع ما تكرهون، وقولهم: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ أي: أنّ إسرافكم بالمعاصي والذنوب، أوقعكم في هذه المحاذير.
٤ - ذم الجهل؛ لقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فالجهل من أعظم الأسباب التي توقع الناس في الشرك والبدع.
٥ - الأذى القولي والمعنوي الذي يلقاه الدعاة إلى الله من مخالفيهم، فآل فرعون يتهمون موسى ومن معه بما ليس فيهم، وما ليس من شأنهم، وأهل القرية يتهمون رسلهم بأنهم شؤم عليهم!، فهذا من أساليب المخالفين للتحريض على الدعاة والمصلحين. فلا غرابة أن يتكرر مثله لأهل العلم، والحسبة، فيصمهم مخالفوهم بألقاب السوء، وهذا مسلك قديم.
قوله: "وعن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر"، أخرجاه. وزاد مسلم: "ولا نوء، ولا غول". هذه ستة أمور موهومة، نفاها النبي ﷺ ، لكن نفيه لها ليس نفي وجود، بل نفي تأثير.
قوله: "لا عدوى" العدوى: اسم من الإعداء، وهو مجاوزة العلة من شيء إلى شيء، أي: انتقال العلة والمرض من بدن إلى بدن؛ من آدمي إلى آدمي، أو من حيوان إلى حيوان، أو من حيوان إلى إنسان. والعدوى التي نفاها النبي ﷺ هي العدوى التي كان يعتقدها أهل الجاهلية، وهي أنها تُؤثر بطبعها. ولهذا لما استشكل من سمع قوله: "لا عدوى"، قال: يا رسول الله، البعير الأجرب يكون في الأبل، فتجرب الإبل كلها، فقال رسول الله ﷺ : "فمن أجرب الأول؟ " (١)، فدل ذلك على أن العدوى التي نفاها النبي ﷺ هو اعتقاد أنّ العدوى مؤثرة بطبعها، دون تقدير الله، وأما ما كان على سبيل السببية، فهذا لا يُنكر؛ ولذا قال النبي ﷺ : "لا يورد ممرض على مصح" (٢)، وهذا إشارة منه ﷺ للحجر الصحي، للحد من العدوى، وتفشي الوباء
стр. 409
والجمع بين قول النبي ﷺ : "لا عدوى" وبين قوله ﷺ : "وفر من المجذوم فرارك من الأسد" (١)؛ أن قوله: "لا عدوى" أراد به نفي اعتقاد أهل الجاهلية أن العدوى مؤثرة بذاتها دون الله ، وقوله: "وفر من المجذوم فرارك من الأسد" دليل على إثبات الأسباب، ووجوب التوقي من العدوى.
قوله: "ولا طيرة" تقدم بيانها، ويلتحق بذلك التشاؤم بالأشخاص، والبقاع، وكل شيء من الأشياء التي ليس لها صلة بالأمر المعين. وهذا محل الشاهد من الحديث.
قوله: "ولا هامة" الهامة: بتخفيف الميم قيل: إنها البوم خاصة؛ إذ كانوا يتشاءمون من البوم، ويرون أنه نذير شؤم، فمن وقعت البوم عنده، أو على طرف جداره، قالوا: دنا أجله! ولا علاقة لهذا الطائر بالآجال، إنما هو طائر طار، فوقع على أصل جدار، فكيف يكون هذا شهادة وفاة في حق فلان أو علان؟! هذا من السفه.
وكان من خرافات أهل الجاهلية: أن القتيل يتخلق من عظامه طير يطير في السماء، فيصيح، حتى يُؤخذ بثأره! ولا يمكن أن ينشأ من عظام الميت طير يطير.
قوله: "ولا صفر" اختلف في المراد به: فقيل: داء يصيب البطن، وقيل: هو الشهر المعروف؛ إذ كان أهل الجاهلية يتشاءمون به، وقيل: أراد به النبي ﷺ النسيئة، التي نهى الله تعالى عنها في كتابه، في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٦ - ٣٧] فكان أهل الجاهلية يستطيلون توالي الأشهر الحرم المتوالية، وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، فلا يغزو بعضهم بعضًا، ولا ينهب بعضهم بعضاً، فتضيق بهم الحال، فكان يقوم منهم قائم في موسم الحج، ويقول: أنسأنا المحرم إلى كذا وكذا، فينقلونه إلى صفر؛ لكي يكون لهم فسحة بين الأشهر الحرم المتوالية. ولا شك أن النسيء محرم، وكفر، كما وصف الله، لكن هذا القول لا يناسب السياق؛ إذ أنّ النبي ﷺ ذكر أموراً منافية
стр. 410
للتوحيد، فقال: "لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر" فالمناسب أن يكون المراد التشاؤم بشهر صفر.
وبعض الناس يداوي العلة بعلة، ويقابل البدعة ببدعة، فإذا ذكر صفر قال: صفر الخير، ولا يصح أن نقول: صفر الخير، ولا صفر الشر! فإن صفر ظرف زمان، وشهر من أشهر الله ، لا يضاف إلى خير ولا إلى شر، إلا بدليل، بخلاف شهر رمضان، فنقول: المبارك؛ لأن بركته ظاهرة بشرعية الصيام، وإنزال القرآن، فلا نعلق بشهر وصفاً لم يعلقه الله تعالى به.
قوله في زيادة مسلم: "ولا نوء" " سيأتي باب ما جاء في التنجيم، وباب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء، والمراد هنا نفي اعتقاد تأثير الأنواء بنفسها.
قوله: "ولا غُول" الغول: بالضم، واحد الغيلان، وهو نوع من الجن والشياطين، تتراءى للمسافرين، وتغولهم، أي: عن الطريق؛ ولهذا نهى النبي ﷺ أن يسافر الرجل وحده، فقال: "الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة رَكْب" (١)، فإنه قد يعرض له شيء من هذه الأمور المخوفة، وهذا أمر تواتر الناس على حكايته من خلال أسفارهم؛ أنه يظهر لهم. فالذي نفاه النبي ﷺ اعتقاد كونها تُؤثر بنفسها، فلا يمكن أن تُستقل بالتأثير على أحد، أو تهلكه دون الله . فكل هذا النفي من النبي ﷺ تقويةٌ وتعزيزٌ لنفوس المؤمنين، فلا تتلاعب بهم الأوهام، ولا تصرفهم عن مصالحهم.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لما فيه من التصريح بنفي الطيرة، المتضمن للنهي عن التطير.
فوائد الحديث:
١ - أن هذه الأمور الستة، المنفية، وما في حكمها، لا تُؤثر استقلالاً.
стр. 411
٢ - اطراح الأوهام والخرافات، واعتماد الدلائل والبينات.
٣ - وجوب التوكل على الله في الأمور كلها.
قوله: "ولهما عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا عدوى ولا طيرة" " قد تقدم بيانه. قوله: "ويعجبني الفأل" الفأل مهموز، وهو: ما يَسُر ويُفْرِح، بخلاف الطيرة؛ فإنها ما يسوء ويحزن، فالفأل يكون في الأمور المحببة، والطيرة في الأمور المستكرهة.
قوله: "قالوا: وما الفأل؟ قال: "الكلمة الطيبة" " فسّر النبيُّ ﷺ الفأل بنوع من أنواعه، فالكلام الحسن الطيب يبعث على السرور، فمن يسمع كلمة: فلاح، أو نجاح، أو خير، أو سعة، أو طمأنينة، أو سكينة مثلاً، يستبشر بها؛ ويستروح لها، لأنها ألفاظ حسنة، كما أن سماع أضدادها، كالخيبة، والخسار، والشر، والضيق، والكرب، والقلق، يبعث على الانقباض بالفطرة.
مناسبة الحديث للباب:
مطابقة للترجمة، لما فيه من ذم الطيرة، ومدح الفأل.
فوائد الحديث:
١ - نفي استقلال العدوى والطيرة بالتأثير.
٢ - أن الفأل الحسن ليس من الطيرة المنهي عنها.
٣ - أن من أنواع الفأل "الكلمة الطيبة".
٤ - الاستبشار بالكلمات الطيبة، والأحوال الحسنة، وأنه من حسن الظن بالله . ٥ - طيب نفس النبي ﷺ ، وإعجابه بالفأل.
قوله: "ولأبي داود، بسند صحيح، عن عروة بن عامر" وفي بعض النسخ: "عقبة بن عامر" وهو تصحيف، والصواب: عروة بن عامر، مختلف في صحبته. ذكره ابن حبان في ثقات التابعين. فقول المصنف: إنه بسند صحيح، غير مسلَّم،؛ لأن عن عروة ليست له صحبة، فيكون الحديث مرسلاً.
стр. 412
قوله: "ذُكرت الطيرة عند رسول الله ﷺ " أي جرى السؤال عنها، أو الكلام فيها.
قوله: "أحسنها الفأل" " هذا دليل على أن الفأل نوع من الطيرة، لكنه من الطيرة الصالحة، وكأن الطيرة قد تستعمل في كل أمر متوقع، فيكون الفأل مشمولًا بالمعنى العام، فأخرجها النبي ﷺ واستثناها من الطيرة المذمومة.
قوله: "ولا ترد مسلماً" أي: لا تحول بينه وبين مراده، ومسعاه.
قوله: "فإذا رأى أحدكم ما يكره، فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت" هذه الجمل وإن لم تثبت إسنادًا، فهي جمل صحيحة المعنى، وقد دل عليها الكتاب والسنة؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٧] وقال النبي ﷺ لأبي موسى: "ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة" فقال: بلى، يا رسول الله، قال: "قل: لا حول ولا قوة إلا بالله" (١)، فلا حرج أن يدعو الإنسان بهذه الكلمات، لا على سبيل الدوام، وإنما يدعو بها أحياناً؛ ليخرج ما قد يقع في نفسه من إلقاء الشيطان، وكقول النبي ﷺ في مناجاته لربه: "لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك" (٢)، فلا يأتي بالحسنات إلا الله، لا يكون من الله إلا خير، إما لذاته، وإما لمآله؛ ولهذا قال مؤمنو الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠] فحين ذكروا الشر أتوا بالفعل الذي لم يسم فاعله، فقالوا: ﴿أَشَرٌّ أُرِيدَ﴾، تأدبّا مع الله، ولما ذكروا الرشد، أتوا بالاسم الظاهر قالوا: ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾. فالشر لا يُنسب إلى الله تعالى، وإنما يكون الشر في المقضي، لا في القضاء، فالقضاء من الله كله خير، لكن المقضي يتنوع إلى خير وشر، أما باعتبار صدوره من الله تعالى فإنه خير قطعاً؛ وذلك باعتبار مآلاته، كما فلا يملك منع وقوع السيئات إلا الله، كما لا يملك رفعها بعد وقوعها إلا هو سبحانه.
стр. 413
قوله: "ولا حول ولا قوة إلا بك" أي: لا تحول لنا من حال إلى حال، ولا قوة على ذلك إلا بالله وحده، فالباء ها هنا للاستعانة.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لاستثناء الفأل من عموم الطيرة، وبقائها على أصل الذم، والنهي عن العمل بها، ومدافعتها بالدعاء المناسب.
فوائد الحديث:
١ - إبطال الطيرة، وبيان ما تُستدفع به من الذكر.
٢ - أن ما يقع في القلب من الطيرة لا يضر صاحبه إلا أن يتبعه.
٣ - أن الفأل نوع من الطيرة، لكنه حسن.
٤ - وجوب التوكل على الله تعالى، وتعلق القلب به، وهذا من أعظم أسباب السعادة: أن يأوي القلب إلى الله ، ولا تتقاذفه أمواج الظنون والأوهام؛ فمن الناس من يتدفق قلبه ليل نهار، فكلما سمع إشاعة، أو حكاية، وقع في هم وغم. أما المؤمن الذي يعلم أنه لا يتحرك متحرك، ولا يسكن ساكن إلا بإذن الله، وأن ﴿كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨] فقلبه مطمئن، يعلم أن هذا الكون يسير وفق نظام بديع، ليس خبط عشواء، ولا ضربة لازب، بل وفق حكمة مقدرة من عند الله ، فيأوي إلى ركن شديد.
قوله: "وله من حديث ابن مسعود مرفوعاً" أي لأبي داود، إلى النبي ﷺ لأن مقامه رفيع. قوله: "الطيرة شرك، الطيرة شرك" كررها النبي ﷺ مرتين، وهذا من أساليب التعليم. قوله: "وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل" رواه أبو داود، والترمذي، وصححه، وجعل آخره من قول ابن مسعود، ﵁" وهذا أقرب، ويُسمى هذا في مصطلح الحديث: (مدرج)، وهو أن يحدث المحدث بحديث ثم يدخل شيئًا من كلامه فيه، على سبيل البيان والتوضيح. وقد يقع الإدراج في السند، وقد يقع في المتن، وقد يقع في أوله، وقد يقع في آخره، وقد يقع في وسطه، وبسط ذلك في علم مصطلح الحديث. فقوله: "وما منا إلا" قطع، على تقدير محذوف، وهو: وما منا إلا تطير. فمراده أن التطير خاطر بشري، يقع لعامة بني آدم، فتتأثر قلوبهم بسماع شيء، أو
стр. 414
رؤيته، لكنه آثر ﵁ ألا يصرح بالتعبير المستكره، وهو (التطير)، فاكتفى بالقطع، اعتمادًا على دلالة السياق فقال: "وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل" أي: يهجم الخاطر الشيطاني على القلب، فما هو إلا أن يتذكر الإنسان إيمانه بالله، وتوكله عليه، فيطرده من قلبه، ويذهبه بالتوكل، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]
وينبغي للمؤمن دوماً أن يستدعي إيمانه للتخلص من الخطرات، والشبهات، والشهوات الشيطانية، كما جرى ليوسف، ﵇، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٢٤] فبرهان ربه الذي رآه هو ما قام في قلبه من تعظيم الله وخشيته، فحال بينه وبين الوقوع في الفحشاء؛ ولهذا قال: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤] لا كما قال بعض المفسرين: إنه رأى صورة يعقوب في الجدار، عاضاً على أصبعه! فهذا خيال لا دليل عليه، وروايات إسرائيلية لا خطام لها ولا زمام.
فإذا هجم على المرء خاطر شيطاني من الشبهات، أو الشهوات، أو الظنون، أو الأوهام، فليستدع مخزونه الإيماني، ليخرج هذا الخاطر، ويعود قلبه مثل السراج يزهر، لا يعلق به شيء من هذه الأوضار، فهذه ثمرة الإيمان وفائدته.
مناسبة الحديث للباب:
مطابقة للترجمة، لما في الحديث من التنصيص على أن الطيرة شرك.
فوائد الحديث:
١ - أنّ الطيرة شرك؛ لكنها شرك أصغر، إلا أن يعتقد أن الذي تطير به مُؤثر بطبعه، فيكون شركًا أكبر في الربوبية، أما مجرد ما يقع في النفس من انقباض، أو نحوه، فلا يبلغ الشرك الأكبر.
٢ - التعليم بالتكرار: "الطيرة شرك، الطيرة شرك". وقد كان النبي ﷺ يفعل ذلك أحياناً، فيكرر الكلام ثلاثاً، كما في قوله: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ " (١)،
стр. 415
قالها ثلاثاً، فينبغي للمعلم أحياناً أن يكرر الجملة؛ ليتمكن السامع من وعيها. قالت عائشة ﵂: "كان يحدث حديثاً لو عده العاد لأحصاه" (١)؛ وقال معاوية بن الحكم ﵁: "ما رأيتُ معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه" (٢).
٣ - فضيلة التوكل، وأنه سبب لذهاب الطيرة. ويتحقق التوكل: بإطالة النظر والتدبر، فكلما تدبر الإنسان في قدرة الله ، وتصريفه للكون زاد يقينه وثقته في الله. وحقيقة التوكل: اعتماد القلب على الله في جلب المنافع، ودفع المضار.
قوله: "ولأحمدَ من حديث ابن عمرو" هذا الحديث ضعيف؛ لأن فيه ابن لهيعة، وابن لهيعة عبد الله بن لهيعة، أحد قضاة المسلمين، وكان رجلاً خيّراً، عالماً، صالحاً، إلا أن كتبه احترقت في آخر عمره، فصار يحدث من حفظه، فاختلط ﵀؛ ولهذا قيل: إن رواية العبادلة عنه مقبولة؛ لأنهم رووا عنه قبل الاختلاط، وهم عبد الله بن يزيد المقرئ، وعبد الله بن وهب، وعبد الله بن المبارك، وأضاف بعضهم عبد الله بن مسلمة، وليس بصحيح؛ لأنه صغير، والمرجح عند كثير من أهل العلم تضعيفه مطلقاً. ومنهم من يفرق بين حاله قبل احتراق كتبه وحاله بعدها.
قوله: "من ردته الطيرة عن حاجته، فقد أشرك" الطيرة قد تحمل صاحبها على ترك مصالحه بناءً على مخاوف موهومة، وهذا ضرب من الشرك.
قوله: "وما كفارة ذلك يا رسول الله؟؟ " أي: كيف يخرج الإنسان منها، ويدفعها؟ لا أنها كفارة ككفارة اليمين.
قوله: "أن يقول: اللهم لا خير إلا خيرك" وهذه الجمل معناها صحيح، فالخير حقًا هو الخير الذي قضاه الله خيراً، فقد يظن بعض الناس شيئاً من الأشياء خيراً، وهو في الواقع شر.
قوله: "ولا طير إلا طيرك" أي: لا قَدَر إلا قدرك؛ لأن المقصود بالطير هنا ما قضاه الله وقدره. ولم يقل: ولا شر، لأن الشر لا يضاف إلى الله. وقد
стр. 416
يظن بعض الناس شيئًا من الأشياء شرًا، وهو في عاقبته خير، قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]
قوله: "ولا إله غيرك" أي: لا معبود سواك، فلا يتعلق القلب رغبة، ورهبة، وخوفًا، وطمعًا، ومحبة، وتوكلاً، واستعانة، بغيرك، ومقتضى ذلك: تحقيق العبودية لله رب العالمين.
قوله: "وله: من حديث الفضل بن عباس" ابن عم رسول الله ﷺ ، استشهد في خلافة عمر.
قوله: "إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك" رواه الإمام أحمد" هذا حديث ضعيف أيضًا، لكن وإن ضعُف إسناده إلا إن معناه صحيح، فإن الطيرة المذمومة، التي يلام فاعلها، هي ما حملت صاحبها على الترك، بسبب أمر موهوم. أما ما وقع في القلب، فلم يعمل به، معتمداً على الله ، فهو التوكل المحمود. ولا شك أنه ما من من أحد إلا ويقع في نفسه شيء من هذا، فقد يخيل إليه أن هذا العمل مآله إلى سوء وفشل، فعليه أن يطرد ذلك، وأن يقدم على العمل متوكلاً على الله فإنه إن فعل ذلك أثمر له ثمرات عظيمة، وعاد بخير الدنيا والآخرة، وهو أمر مجرب. فليعوّد المسلم نفسه: ألا يجعل تصرفاته مبنية على الأوهام والظنون، بل يجعلها مبنية على الحقائق والبينات.
مناسبة الحديث للباب:
مطابقة للترجمة، لما تضمنه من بيان الطيرة الشركية، وبيان طريق التخلص منها.
فوائد الحديث:
١ - أنّ الطيرة شرك؛ لقوله: "من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك".
٢ - بيان حقيقة الطيرة الشركية؛ وهي "ما أمضاك أو ردك" أما مجرد الخطرات فلا تضر؛ لقول النبي ﷺ : "إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا، أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ" (١).
стр. 417
٣ - بيان الذكر الذي يستدفع به هذا الخاطر، وهو قوله: "اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك" ومع ضعف هذا الحديث كما تقدم، إلا إن استعمال الإنسان لمثل هذه الأدعية الحسنة لا على سبيل الالتزام، واعتقاد الثبوت عن رسول الله ﷺ لا بأس به، فإنه لا يلزم في الأدعية أن تكون توقيفية، فللإنسان أن يدعو بكل دعاء صالح، ولكن الدعاء المأثور أفضل من غيره، شرط أن يكون المعنى صحيحاً.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: التنبيه على قوله: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ مع قوله: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾.
لا تعارض بينهما، فالمقصود بالأولى: أنّ الله سبحانه هو الذي يقضي ويقدّر، وفي الثانية: أنّ ما يقع عليهم من أمور مستكرهة إنما هو من عند أنفسهم، وبكسبهم، فلما كذّبوا موسى ﵇، وكذّبوا الرسل الذين بعثوا إلى قريتهم؛ كان ذلك سبباً في حصول البلاء عليهم، فلا تعارض، فهذه الأمور المشؤمة التي يتشاءمون منها لها أسباب، ومن أعظم أسبابها: الكفر والفسوق؛ ولهذا رد عليهم أنبياؤهم، فقالوا: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [يس: ١٩].
الثانية: نفي العدوى.
أي نفي استقلالها بالتأثير، لقوله: "لا عدوى"
الثالثة: نفي الطيرة.
فالطيرة غير مُؤثرة، ولا يجوز استعمالها، لقوله: "ولا طيرة"
الرابعة: نفي الهامة.
إنما هي خلق من خلق الله، لا يتعلق بها ضر ولا نفع، لقوله: "ولا هامة"
стр. 418
الخامسة: نفي الصفر.
لأن الأزمنة لا تأثير لها في السعد والنحس، لقوله: "ولا صفر".
السادسة: أن الفأل ليس من ذلك، بل مستحب.
الفأل ليس من الطيرة المذمومة، لقوله: "وأحسنها الفأل" فهو مستثنىً، وكان يعجبه الفأل.
السابعة: تفسير الفأل.
بأنه "الكلمة الطيبة". وهذا التفسير على سبيل المثال، لا على سبيل الحصر؛ لأن الفأل كل ما ينشط الإنسان على شيء محمود؛ من قول، أو فعل، مرئي، أو مسموع.
الثامنة: أنّ الواقع في القلوب من ذلك -مع كراهته- لا يضر، بل يُذهبه الله بالتوكل.
لقول ابن مسعود ﵁: "وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل" فلا يضر.
التاسعة: ذكر ما يقول من وجده.
وقد ذكر أثرين، لكنهما ضعيفان: الأول أن يقول: "اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك" والثاني: أن يقول: "اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك"، لكن يصح الدعاء بهما، دون اعتقاد ثبوتهما.
العاشرة: التصريح بأن الطيرة شرك.
لقوله في الحديث: "الطيرة شرك، الطيرة شرك".
الحادية عشرة: تفسير الطيرة المذمومة.
وهي: "ما أمضاك أو ردك"، فخرج ما لم يترتب عليه أثر عملي.
стр. 419
باب ما جاء في التنجيم
قال البخاري في صحيحه: قال قتادة: "خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يُهتدى بها، فمن تأوّل فيها غير ذلك أخطأ، وأضاع نصيبه، وتكلّف ما لا علم له به (١). انتهى.
وكره قتادة: تعلُّم منازل القمر، ولم يرخص ابن عيينة فيه، ذكره حرب عنهما (٢)، ورخص في تعلم المنازل أحمد، وإسحاق (٣).
وعن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن خمر، ومصدق بالسحر، وقاطع الرحم" (٤)، رواه أحمد، وابن حبان في صحيحه.
الشرح:
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
عقد المصنف ﵀ هذا الباب؛ لتعلق مسألة التنجيم بالتوحيد من جهتين:
الأولى: لما في التنجيم من ادعاء علم الغيب؛ وذلك مما اختص الله تعالى به، فإن المنجمين يزعمون استشراف واستطلاع ما في المستقبل، ولا يعلم الغيب إلا الله
الثاني: لما يترتّب على ذلك من تعلق القلب بغير الله تعالى، فيتعلق
стр. 420
القلب بمطالع النجوم ومغاربها، ويعتقد: أن ذلك يُؤثر في مجريات الأمور والأقدار.
قوله: "باب: ما جاء في التنجيم" لم يقطع بحكم ذلك، فإن هذه الترجمة لا تفيد حكماً، وإنما تفيد الإخبار بأن المصنف ﵀ سيسوق ما ورد من نصوص في حكم التنجيم، وذلك أنّ علم النجوم ينقسم إلى قسمين: - علم تسيير، وعلم تأثير.
أما علم التسيير فهو: علم مباح، وإن كان قد وقع فيه الخلاف. والمقصود به: معرفة مطالع النجوم ومغاربها، وارتباط ذلك بالفصول الأربعة، صيفاً وشتاءً، وخريفاً، وربيعاً، وما يتعلق بذلك من زراعة المحاصيل، ومعرفة منازل القمر، والأهلة، وما يتعلق بها من العبادات، والعِدَد، وحلول آجال العقود والمعاملات. ويُسمى بعلم الفلك، فهذا العلم مباح؛ لأنه يدرك بالنظر والقياس، واستعمال الآلات والأدوات، ولم زال الناس يشتغلون به من قديم الدهر، إلى يومنا هذا، حتى بات علماً واسعاً، لاسيما في العصور الأخيرة، لتطور الأدوات والوسائل.
أما النوع الثاني: وهو علم التأثير -زعموا-، وهو الاستدلال بحركة الأفلاك، والأجرام السماوية، على الحوادث الأرضية، فيزعم المنجمون أنه إذا طلع نجم كذا يحصل كذا، وإذا اقترن نجم كذا بكذا يحصل كذا، كما يفعل بعض السفهاء بما يسمونه "الأبراج"، فهذا النوع محرم لما فيه من ادعاء علم الغيب، ونسبة التدبير إلى غير الله .
قوله: "قال البخاري في صحيحه: قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدي بها" هذه الثلاث:
الأولى: "زينة للسماء" وهذا الأمر يدركه كل أحد، فإذا تأمل الإنسان في هذه اللآلئ المنتثرة في قبة السماء، وهي تزهر وتضيء، وتأمل توزيعها وانتظامها، يجدها في غاية الجمال والزينة، كأنها العقد الذي يرصع الجيد، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك: ٥].
стр. 421
الثانية: "رجوماً للشياطين" ينفصل من النجوم الملتهبة شهب، أو نيازك، وهي كتل ضخمة، تشق أجواز الفضاء، فيرجم الله تعالى بها مسترقي السمع، قال الله : ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥]، وقال في الآية الأخرى: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠]. وقد صان الله تعالى السماء زمن تنزل الوحي، كما قال مؤمنو الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٨، ٩] فهذه الشهب كانت زمن النبوة، وتنزل الوحي، صونًا للسماء عن استراق الشياطين للسمع. وأما ما نراه من الشهب الساقطة بعد موت النبي ﷺ وانقطاع خبر السماء، فقد تكون شهباً لرجم الشياطين، وقد تكون اشتعلت بقدرة الله ، بسبب احتكاكها بالغلاف الجوي.
الثالثة: "علامات يُهتدى بها" والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦]، وقال في الآية الأخرى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْر﴾ [الأنعام: ٩٧]، فكما أن الناس في سيرهم على وجه الأرض يستدلون بالمراسم التي ينصبونها، أو الجبال الرواسي، أو غير ذلك من العلامات الثابتة، فكذلك السماء قد جعل الله تعالى هذه النجوم علامات مستديمة في أوقات معينة، أدركها الناس مع طول الملاحظة والمراقبة، وقيدوا ذلك وكتبوه، وتوارثوه، فيركب الناس البحر الخضم، أو يدخلون المفاوز والقفار المهلكة ويستدلون بالنجم القطبي، مثلًا، الذي يشير إلى الشمال، فيجعلونه عن يمينهم، أو عن شمالهم، أو أمامهم، أو خلفهم، فيستدلون به على وجهتهم.
قوله: "قال قتادة ﵀: فمن تأوّل فيها غير ذلك" التأويل يراد به على لسان الشارع، وفي اللغة، أحد معنيين:
١ - الحقيقة التي يؤول إليها الشيء: لأنه مشتق من الأوْل، والأوْل هو الرجوع، وشاهد هذا المعنى قول الله : ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] أي: تحقق وقوعه في الخارج.
٢ - التفسير: ومنه قول النبي ﷺ في دعائه لابن عباس: "اللهم فقهه في
стр. 422
الدين، وعلمه التأويل" (١). أما ما أحدثه المتكلمون بعد ذلك من تعريف التأويل من أنه: نقل الكلام عن ظاهره إلى معنى يخالف الظاهر، فهذا اصطلاح حادث، ولا مشاحة في الاصطلاح، ولكن ليست هذه لغة الكتاب والسنة، فيجب أن نفهم كلام الله وكلام نبيه، وكلام السلف المتقدمين على وضع اللغة.
فمراد قتادة بقوله: "فمن تأوّل فيها غير ذلك" أي: فسرها بغير ذلك، أو ادعى أنها ترجع لكذا وكذا، من دعاوى المنجمين.
قوله: "فقد أخطأ، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به" أي: جانب الصواب، وضيع حظه في الآخرة فيما لا طائل من ورائه في الدنيا؛ لأنه رجم بالغيب، وتخبط بلا دليل. والتكلف مذموم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِين﴾ [ص: ٨٦].
مناسبة الأثر للباب:
ظاهرة، لتضمنه بيان الحكمة من خلق النجوم؛ وضلال من زعم خلاف ذلك.
فوائد الأثر:
١ - بيان الحكمة من خلق النجوم، كما دلّ عليها صريح الكتاب.
٢ - الرد على المنجمين الذين يدعون فيها دعاوى باطلة.
٣ - الرجوع إلى كتاب الله في استنباط العلل والحِكَم.
٤ - أن من اهتدى بغير هدي الله: "فقد أخطأ، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به".
وهذا هو حال المنجمين، منذ قديم الزمان يدعون الدعاوى العريضة،، ويزعمون أنهم يستدلون بحركة الأفلاك السماوية على الحوادث الأرضية، حتى إن
стр. 423
بعضهم ألف كتاباً سماه (السر المكتوم في مخاطبة النجوم) (١).
قوله: "وكره قتادة: تعلم منازل القمر، ولم يرخص فيه ابن عيينة وسفيان ﵀" في هذا إشارة إلى أن بعض السلف المتقدمين كرهوا تعلم علم التسيير؛ لأن منازل القمر يتعلق بعلم التسيير، لا بعلم التأثير؛ وذلك أن القمر ينزل في الشهر ثمانية وعشرين منزلاً عند الفلكيين، فكأن قتادة، وابن عيينة -رحمهما الله- كرها ذلك لئلا يكون ذريعة للاعتقادات الفاسدة.
قوله: "ذكره حرب عنهما" هو حرب الكرماني، من أجلة أصحاب الإمام أحمد بن حنبل.
قوله: "ورخص في تعلم المنازل: أحمد، وإسحاق" أحمد هو إمام أهل السنة: أحمد بن حنبل، وإسحاق هو صاحبه إسحاق بن راهويه -رحمهما الله-، فدلّ ذلك على أن من السلف من رخص في علم التسيير، وهذا هو الذي ينبغي؛ إذ أنه علم مفيد، نافع للناس في زراعتهم، وسفرهم، وغير ذلك، فلا حرج في تعلمه، ومن منعه من المتقدمين فإنما منعه من باب سد الذرائع، حتى لا يفضي إلى المحذور منه.
قوله: "وعن أبي موسى" هو أبو موسى الأشعري، عبد الله بن قيس، صحابي، من فقهاء الصحابة -رضوان الله عليهم-، ولي الكوفة، وكانت وفاته سنة (٥٠ هـ)
قوله: "ثلاثة لا يدخلون الجنة" " محمول على ما لم يبلغ مبلغ الكفر، فإنهم لا يدخلون الجنة مع أول الداخلين، بل يتعرضون للعذاب في النار بقدر كبيرتهم. فإن صدر منهم ذلك على وجه الكفر، كالتصديق بالسحر، أو استحلال الخمر، والقطيعة، فإنهم لا يدخلون الجنة مطلقاً، فيكون النفي على سبيل الإطلاق. وهم ثلاثة بالوصف، وليس بالعين.
قوله: "مدمن الخمر" الخمر أم الخبائث، ومدمنها هو من يعتاد شربها، ولا ينزجر عنها؛ وشارب الخمر يجلد إما حداً، وإما تعزيراً على خلاف، وقد ورد في
стр. 424
حديث: أنّ مدمن الخمر يقتل في الرابعة (١).
قوله: "قاطع الرحم" الرحم المراد بها القربى والصلة، وقطعها يكون بفعل ما ينافي وصلها، وفي الصحيح: "خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتِ الرَّحِمُ، فَأَخَذَتْ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ لَهُ: مَهْ، قَالَتْ: هَذَا مَقَامُ العَائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ، قَالَ: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ، قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَذَاكِ " قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ " (٢). فالرحم شجنة من الرحمن، مشتق من نفس المادة (رحم). فأمر الرحم عظيم، وصلة الأرحام من مقاصد الدين. وقاطع الرحم هو الذي يسيء إلى قرابته، ولا يصلهم. وقد اختلف العلماء في الرحم التي يجب صلتها، فقال بعضهم: إلى الأب الرابع، لأن النبي ﷺ ، لم يجاوز بني هاشم بسهم ذوي القربى. فهؤلاء، ومن تناسل منهم، هم رحم الإنسان.
قوله: "مصدق بالسحر" وقد تقدم: أنّ "من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد" (٣)، رواه أحمد، وابن حبان في صحيحه. وذكر المصنف ﵀ هذا الحديث، وليس فيه ذكر للتنجيم؛ لكون التنجيم من السحر، لقوله ﷺ : "من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد" (٤).
مناسبة الحديث للباب:
غير ظاهرة، وذلك أنّ فيه الوعيد على المصدق بالسحر، والتنجيم نوع من أنواع السحر.
стр. 425
فوائد الحديث:
١ - تحريم شرب الخمر؛ والوعيد على مدمنها.
٢ - تحريم قطيعة الرحم؛ ووجوب صلتها.
٣ - تحريم السحر، وتصديق السحرة، ويدخل فيه تحريم التنجيم، وتصديق المنجمين، لأنه شعبة من السحر.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: الحكمة في خلق النجوم.
الثلاث التي عدها قتادة ﵀: زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدى بها.
الثانية: الرد على من زعم غير ذلك.
لقول قتادة: "فمن تأول فيها غير ذلك فقد أخطأ، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به".
الثالثة: ذكر الخلاف في تعلم المنازل.
وهو ما نقله من كراهية قتادة وسفيان لتعلم المنازل، وترخيص أحمد وإسحاق في تعلمها.
الرابعة: الوعيد فيمن صدق بشيء من السحر، ولو عرف أنه باطل.
لقوله في الحديث: "ومصدق بالسحر" فجعله أحد الثلاثة الذين لا يدخلون الجنة.