← Акыда

Акыда · id 30151

بيت القصيد في شرح كتاب التوحيد

أحمد القاضي

Полный текст (793 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الثانية: "رجوماً للشياطين" ينفصل من النجوم الملتهبة شهب، أو نيازك، وهي كتل ضخمة، تشق أجواز الفضاء، فيرجم الله تعالى بها مسترقي السمع، قال الله : ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥]، وقال في الآية الأخرى: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠]. وقد صان الله تعالى السماء زمن تنزل الوحي، كما قال مؤمنو الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٨، ٩] فهذه الشهب كانت زمن النبوة، وتنزل الوحي، صونًا للسماء عن استراق الشياطين للسمع. وأما ما نراه من الشهب الساقطة بعد موت النبي ﷺ وانقطاع خبر السماء، فقد تكون شهباً لرجم الشياطين، وقد تكون اشتعلت بقدرة الله ، بسبب احتكاكها بالغلاف الجوي. الثالثة: "علامات يُهتدى بها" والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦]، وقال في الآية الأخرى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْر﴾ [الأنعام: ٩٧]، فكما أن الناس في سيرهم على وجه الأرض يستدلون بالمراسم التي ينصبونها، أو الجبال الرواسي، أو غير ذلك من العلامات الثابتة، فكذلك السماء قد جعل الله تعالى هذه النجوم علامات مستديمة في أوقات معينة، أدركها الناس مع طول الملاحظة والمراقبة، وقيدوا ذلك وكتبوه، وتوارثوه، فيركب الناس البحر الخضم، أو يدخلون المفاوز والقفار المهلكة ويستدلون بالنجم القطبي، مثلًا، الذي يشير إلى الشمال، فيجعلونه عن يمينهم، أو عن شمالهم، أو أمامهم، أو خلفهم، فيستدلون به على وجهتهم. قوله: "قال قتادة ﵀: فمن تأوّل فيها غير ذلك" التأويل يراد به على لسان الشارع، وفي اللغة، أحد معنيين: ١ - الحقيقة التي يؤول إليها الشيء: لأنه مشتق من الأوْل، والأوْل هو الرجوع، وشاهد هذا المعنى قول الله : ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] أي: تحقق وقوعه في الخارج. ٢ - التفسير: ومنه قول النبي ﷺ في دعائه لابن عباس: "اللهم فقهه في

стр. 422

الدين، وعلمه التأويل" (١). أما ما أحدثه المتكلمون بعد ذلك من تعريف التأويل من أنه: نقل الكلام عن ظاهره إلى معنى يخالف الظاهر، فهذا اصطلاح حادث، ولا مشاحة في الاصطلاح، ولكن ليست هذه لغة الكتاب والسنة، فيجب أن نفهم كلام الله وكلام نبيه، وكلام السلف المتقدمين على وضع اللغة. فمراد قتادة بقوله: "فمن تأوّل فيها غير ذلك" أي: فسرها بغير ذلك، أو ادعى أنها ترجع لكذا وكذا، من دعاوى المنجمين. قوله: "فقد أخطأ، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به" أي: جانب الصواب، وضيع حظه في الآخرة فيما لا طائل من ورائه في الدنيا؛ لأنه رجم بالغيب، وتخبط بلا دليل. والتكلف مذموم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِين﴾ [ص: ٨٦]. مناسبة الأثر للباب: ظاهرة، لتضمنه بيان الحكمة من خلق النجوم؛ وضلال من زعم خلاف ذلك. فوائد الأثر: ١ - بيان الحكمة من خلق النجوم، كما دلّ عليها صريح الكتاب. ٢ - الرد على المنجمين الذين يدعون فيها دعاوى باطلة. ٣ - الرجوع إلى كتاب الله في استنباط العلل والحِكَم. ٤ - أن من اهتدى بغير هدي الله: "فقد أخطأ، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به". وهذا هو حال المنجمين، منذ قديم الزمان يدعون الدعاوى العريضة،، ويزعمون أنهم يستدلون بحركة الأفلاك السماوية على الحوادث الأرضية، حتى إن

стр. 423

بعضهم ألف كتاباً سماه (السر المكتوم في مخاطبة النجوم) (١). قوله: "وكره قتادة: تعلم منازل القمر، ولم يرخص فيه ابن عيينة وسفيان ﵀" في هذا إشارة إلى أن بعض السلف المتقدمين كرهوا تعلم علم التسيير؛ لأن منازل القمر يتعلق بعلم التسيير، لا بعلم التأثير؛ وذلك أن القمر ينزل في الشهر ثمانية وعشرين منزلاً عند الفلكيين، فكأن قتادة، وابن عيينة -رحمهما الله- كرها ذلك لئلا يكون ذريعة للاعتقادات الفاسدة. قوله: "ذكره حرب عنهما" هو حرب الكرماني، من أجلة أصحاب الإمام أحمد بن حنبل. قوله: "ورخص في تعلم المنازل: أحمد، وإسحاق" أحمد هو إمام أهل السنة: أحمد بن حنبل، وإسحاق هو صاحبه إسحاق بن راهويه -رحمهما الله-، فدلّ ذلك على أن من السلف من رخص في علم التسيير، وهذا هو الذي ينبغي؛ إذ أنه علم مفيد، نافع للناس في زراعتهم، وسفرهم، وغير ذلك، فلا حرج في تعلمه، ومن منعه من المتقدمين فإنما منعه من باب سد الذرائع، حتى لا يفضي إلى المحذور منه. قوله: "وعن أبي موسى" هو أبو موسى الأشعري، عبد الله بن قيس، صحابي، من فقهاء الصحابة -رضوان الله عليهم-، ولي الكوفة، وكانت وفاته سنة (٥٠ هـ) قوله: "ثلاثة لا يدخلون الجنة" " محمول على ما لم يبلغ مبلغ الكفر، فإنهم لا يدخلون الجنة مع أول الداخلين، بل يتعرضون للعذاب في النار بقدر كبيرتهم. فإن صدر منهم ذلك على وجه الكفر، كالتصديق بالسحر، أو استحلال الخمر، والقطيعة، فإنهم لا يدخلون الجنة مطلقاً، فيكون النفي على سبيل الإطلاق. وهم ثلاثة بالوصف، وليس بالعين. قوله: "مدمن الخمر" الخمر أم الخبائث، ومدمنها هو من يعتاد شربها، ولا ينزجر عنها؛ وشارب الخمر يجلد إما حداً، وإما تعزيراً على خلاف، وقد ورد في

стр. 424

حديث: أنّ مدمن الخمر يقتل في الرابعة (١). قوله: "قاطع الرحم" الرحم المراد بها القربى والصلة، وقطعها يكون بفعل ما ينافي وصلها، وفي الصحيح: "خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتِ الرَّحِمُ، فَأَخَذَتْ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ لَهُ: مَهْ، قَالَتْ: هَذَا مَقَامُ العَائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ، قَالَ: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ، قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَذَاكِ " قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ " (٢). فالرحم شجنة من الرحمن، مشتق من نفس المادة (رحم). فأمر الرحم عظيم، وصلة الأرحام من مقاصد الدين. وقاطع الرحم هو الذي يسيء إلى قرابته، ولا يصلهم. وقد اختلف العلماء في الرحم التي يجب صلتها، فقال بعضهم: إلى الأب الرابع، لأن النبي ﷺ ، لم يجاوز بني هاشم بسهم ذوي القربى. فهؤلاء، ومن تناسل منهم، هم رحم الإنسان. قوله: "مصدق بالسحر" وقد تقدم: أنّ "من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد" (٣)، رواه أحمد، وابن حبان في صحيحه. وذكر المصنف ﵀ هذا الحديث، وليس فيه ذكر للتنجيم؛ لكون التنجيم من السحر، لقوله ﷺ : "من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد" (٤). مناسبة الحديث للباب: غير ظاهرة، وذلك أنّ فيه الوعيد على المصدق بالسحر، والتنجيم نوع من أنواع السحر.

стр. 425

فوائد الحديث: ١ - تحريم شرب الخمر؛ والوعيد على مدمنها. ٢ - تحريم قطيعة الرحم؛ ووجوب صلتها. ٣ - تحريم السحر، وتصديق السحرة، ويدخل فيه تحريم التنجيم، وتصديق المنجمين، لأنه شعبة من السحر. ثم قال المصنف ﵀: فيه مسائل: الأولى: الحكمة في خلق النجوم. الثلاث التي عدها قتادة ﵀: زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدى بها. الثانية: الرد على من زعم غير ذلك. لقول قتادة: "فمن تأول فيها غير ذلك فقد أخطأ، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به". الثالثة: ذكر الخلاف في تعلم المنازل. وهو ما نقله من كراهية قتادة وسفيان لتعلم المنازل، وترخيص أحمد وإسحاق في تعلمها. الرابعة: الوعيد فيمن صدق بشيء من السحر، ولو عرف أنه باطل. لقوله في الحديث: "ومصدق بالسحر" فجعله أحد الثلاثة الذين لا يدخلون الجنة.

стр. 426

باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء وقول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [سورة الواقعة: ٨٢]. وعن أبي مالك الأشعري ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة"، وقال: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب" (١)، رواه مسلم. ولهما: عن زيد بن خالد ﵁ قال: "صلّى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية، على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي، كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي، مؤمن بالكوكب" " (٢). ولهما: من حديث ابن عباس بمعناه، وفيه: قال بعضهم: "لقد صدق نوء كذا وكذا، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُّدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [سورة الواقعة: ٧٥ - ٨٢] " (٣).

стр. 427

الشرح: قال المصنف ﵀: "باب: ما جاء في الاستسقاء بالأنواء" أي: من الوعيد والزجر، والاستسقاء: طلب السقيا، والأنواء: جمع نوء، وهي منازل القمر؛ وذلك أن للقمر منازل، كما قال الله : ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩] فله في الشهر ثمان وعشرون منزلاً، ينزل في كل ليلة منزلاً، وأهل المعرفة بالنجوم يقولون: إذا مكث النجم ثلاثة عشر ليلة غاب، وطلع رقيبه. مناسبة الباب لكتاب التوحيد: نسبة نزول المطر إلى غير الله من الشرك الأكبر، المنافي للتوحيد، لأنه شرك في الربوبية، وسؤاله من غير الله، شرك في الألوهية. قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: تجعلون حظكم ونصيبكم التكذيب، كأنه لم يكن لكم حظ ولا نصيب إلا كفر تكذيب النعمة، فكان أهل الجاهلية، أنه إذا غاب نجم وظهر رقيبه، قالوا: نمطر بنوء كذا وكذا، وإذا وافق ذلك مطراً قالوا: مطرنا بنوء كذا وكذا. وكان ينبغي لهم أن يشكروا نعمة المنعم على إنزال المطر، ولكنهم عكسوا القضية، ونسبوا النعمة إلى الكواكب، فما أضلهم، وأخسر صفقتهم! فوائد الآية: ١ - بطلان نسبة نزول المطر إلى الأنواء. ٢ - أن نسبة نزول المطر إلى النوء منافٍ لشكر نعمة الله. ٣ - أنه كذب من وجهين؛ لأنه إخبار بخلاف الواقع، ولأنه تكذيب بالنعمة، وجحد للمنعم. ٤ - وجوب شكر نعمة الله ؛ فالشكر عبادة عزيزة، فكثير من الناس يحسن عبادة الصبر، وقليل منهم يحسن عبادة الشكر؛ ولهذا قال ربنا : ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]. فحين تحل البلايا والرزايا يفزع العبد إلى ربه ويدعوه، ولا شك أن هذا عبادة، ثم إذا أنعم عليه،

стр. 428

وفرج عنه: ﴿نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [الزمر: ٨] ولا يتفطن للنعمة إلا أصحاب القلوب الواعية، كما أثنى الله تعالى على نوح: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣] وكما كان نبينا ﷺ يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت له عائشة ﵂: "أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ " قال: "أفلا أكون عبداً شكوراً" (١). فعلى المؤمن أن يتفطن لشكر المنعم، وهو في مسيره، وتقلبه بين أهله، فيشكر الله بلسانه، وقلبه، وفعاله، كما قيل: أَفَادَتْكُمْ النَّعْمَاء مِني ثَلَاثَة … يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِير المحَجَبا (٢). فشكر القلب: بأن يغتبط بنعمة الله، ويشعر بالامتنان له ، وكثير من الناس لو فتشت بين أضلاعه، ونبشت عن قلبه لوجدته مسكوناً بالنقمة، والتبرم، والضيق، لا يشعر بشكر نعمة الله، فالذي ينبغي أن يحل المرء في سويداء القلب الشعور بنعمة الله ، وأعظمها الشعور بنعمة الإسلام. وشكر اللسان: باللهج بشكر الله ونسبة النعم إليه، وهذا أمر تلمسه عند بعض الموفقين، فكلما جلس مجلساً يثني على الله بما هو أهله، ويشكره على نعمائه، ومن الناس من يعقل لسانه عن ذلك، ولا يتحدث بنعم الله عليه، وربما ترك ذلك خوفاً من العين، فإذا سئل عن حاله، أجاب بما يشعر بالبؤس، مع أن الله قد أغدق عليه النعم، ولا شك أن هذا نوع من الكفران، المنافي للإيمان، وكان ينبغي أن يقول: نحن في خير، ونعمة، وسعة، وفضل من الله، ويذكر ما ينبغي؛ لأن الله يحب أن يشكر. نعم لا حاجة أن يتباهى الإنسان ويتفاخر على الناس بما خوله من نعم، لكن إذا كان المقام مناسباً، أو سُئل، فعليه أن يثني بالنعمة على مسديها، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]. وشكر الجوارح: أن يسخر جوارحه في شكر نعمة الله؛ فإذا أنعم الله عليك بالصحة، فانقل خطاك إلى المساجد، وصلِّ مع الجماعة، واسعَ على الأرملة

стр. 429

والمسكين، وحج، واعتمر، واستعمل هذه الجوارح فيما يقرب به إلى الله ، حتى إماطة الأذى عن الطريق. قوله: "وعن أبي مالك الأشعري" الحارث بن الحارث، الأشعري، الشامي ﵁. قوله: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية، لا يتركونهن" هذا عَلَمٌ من أعلام النبوة؛ يخبر النبي ﷺ بأربع خصال مذمومة، مما كان عليه أهل الجاهلية، تظل سارية في عموم الأمة، لا في جميع أفرادها، والواقع شاهد على ذلك. والجاهلية: الفترة التي سبقت الإسلام، كما سماها الله تعالى في كتابه: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣] وهي منسوبة إلى الجهل؛ وهو عدم العلم، فإن العلم إنما أتى الله به مع نبيه ﷺ بوحي السماء، كما قال الله: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: ٢]. وكونهن من خصال الجاهلية، لا يقتضي كفر من وقع فيها، فقد يتلبس الإنسان بخصلة من خصال الجاهلية ولا يكون بذلك كافراً؛ كما قال النبي ﷺ لأبي ذر ﵁ عندما قال لبلال: يا ابن السوداء: "إنك امرؤ فيك جاهلية" (١) أي: فيك خصلة من خصال الجاهلية، فقد يعلق بالمسلم شيء من أمور الجاهلية، فلا يتخلص منه إلا بالمجاهدة، كما في هذه الخصال المذكورة: الأولى: "الفخر بالأحساب" وهو التعاظم على الناس بالآباء، والمآثر، كأن يقال: نحن قبيلة كذا، وفينا كذا، وفعلنا كذا. ولم يزل هذا موجوداً في الناس إلى يومنا هذا، "ومن بطأ به عمله، لم يسرع به نسبه" (٢). الثانية: "الطعن في الأنساب" وهو: تنقص الناس بالعيب، كأن يقال: هذا لا أصل له، وهذا مشكوك في نسبه، وهذا وضيع، ونحو ذلك من أمر الجاهلية، وليس من أخلاق الإسلام.

стр. 430

الثالثة: "الاستسقاء بالنجوم" وهو: نسبة السقيا والمطر إلى حركة النجوم والأنواء، وهذا موضع الشاهد من الحديث للباب، ولم يزل في الناس من ينسب نزول المطر إلى النجم الفلاني، وينسى أن هذه مجرد موافقة تزامنية، لا أقل ولا أكثر. ولو تأمل الإنسان في كلام الناس، وكلام الفلكيين، لوجده شاهداً لقول النبي ﷺ ، وإعلامه بهذا الأمر الساري في الأمة. الرابعة: "النياحة على الميت" وهي: رفع الصوت بالبكاء، والندب على الميت، وهذا يقع، غالبًا، من النساء؛ لجزعهن، وغلبة عاطفتهن. ولا شك أنّ الموت مصيبة، لكن هذه المصيبة يجب أن تواجه بالصبر والاحتساب، لا بالصراخ والعويل، وشق الجيوب، ولطم الخدود، فإن ذلك لا يرد ميتاً، ولا يغني عن صاحبه. قوله: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها" عبر بالنائحة، مع أنه يدخل في ذلك النائح، لوقوعه في النساء أكثر من الرجال، وقوله: "إذا لم تتب قبل موتها" يدل على عظم أمر التوبة، وأن التوبة تجب كل معصية. قوله: "تقام يوم القيامة" أي: تبعث يوم القيامة. قوله: "وعليها سربال من قطران" أي: ثوب ملطخ بالقطران، وقيل: هو النحاس المذاب. قوله: "ودرع من جرب" الدرع للمرأة بمعنى القميص. والجرب: مرض جلدي معروف، يصيب الإنسان والحيوان، ينشأ عنه حكة عظيمة، وأما القطران ففيه حرارة متناهية عظيمة، والإنسان إذا وقع على بشرته شيء حار، أو أصابته حكة بليغة، فإنه يتألم تألماً عظيماً، فلما كانت النائحة تصيح بأعلى صوتها في الدنيا، وقد تفعل ذلك أيضاً تكلفاً، كالنائحة المستأجرة، كانت عقوبتها يوم القيامة من جنس عملها، فتقوم وهي تصيح وتولول، بسبب هذا السربال من القطران، والدرع من الجرب، كما قال الله: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ: ٢٦]. مناسبة الحديث للباب: مطابقة، لما تضمنه من حسبان النبي ﷺ : "الاستسقاء بالنجوم" من خصال الجاهلية؛ لما فيه من نسبة التدبير، والنعمة إلى غير الله .

стр. 431

فوائد الحديث: ١ - علامة من أعلام النبوة، لما فيه من الإخبار بأمور مستقبلة. ٢ - تحريم الفخر بالأحساب، وعُبِّية الجاهلية. ٣ - تحريم الطعن في الأنساب، وازدراء الناس. ٤ - تحريم الاستسقاء بالنجوم والأنواء؛ ونسبة التدبير والنعمة لغير الله. ٥ - أن المذكورات من خصال الجاهلية. ٦ - وجوب مخالفة أهل الجاهلية، وتحريم التشبه بهم. ٤ - أنّ التوبة تجُبُّ ما قبلها؛ لقوله: "النائحة إذا لم تتب". ٥ - التنبيه على شرط من شروط التوبة، وهو أن تقع في الزمن المحدد شرعاً، وهما زمنان: زمن عام، وزمن خاص. فالزمن الخاص: ما لم تبلغ الروح الحلقوم، والزمن العام ما لم تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت الشمس من مغربها ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]. قوله: "ولهما عن زيد بن خالد الجهني" المدني، صحابي مشهور، مات سنة ثمان وستين، أو ثمان وسبعين، بالمدينة، وقيل بالكوفة. ﵁. "قال: صلّى لنا رسول الله ﷺ " أي: صلى بنا، كأنه لما أمَّهم ﷺ صنع لهم، ولا شك أن من حصل له صلاة خلف النبي ﷺ فقد حصل له نعمة عظيمة، فضُمِّن هذا المعنى. قوله: "صلاة الصبح بالحديبية" الحديبية: قرية معروفة تبعد عن مكة قدر مرحلة، في طريق جدة، وهي المسماة الآن (الشميسي)، جزء منها في الحل، وجزء منها في الحرم. ولهذا كان النبي ﷺ عام الحديبية نازلاً في الحل منها، فإذا أراد أن يصلي تقدم إلى الشق الذي في الحرم، فصلى به، لمزيد فضل الصلاة في أرض الحرم. قوله: "على إثر سماء" إثر الشيء: ما يعقبه، والمراد بالسماء هنا: المطر، وسمي المطر سماءً باعتبار جهته؛ لأنه ينزل منها. قوله: "كانت من الليل" أي: أنهم مُطروا ليلاً.

стр. 432

قوله: "فلما انصرف، أقبل على الناس" أي: لما فرغ من صلاته، أقبل عليهم بوجهه وخطابه. قوله: "هل تدرون؟ " " أسلوب استفهام، والغرض منه تنبيه الأذهان. قوله: " "ماذا قال ربكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم" هذه الجملة تقال في زمن النبي ﷺ بإطلاق؛ في الأمور الشرعية والكونية، أما بعد زمن النبي ﷺ فلا يقال: الله ورسوله أعلم إلا في الأمور الشرعية. فلو قيل لك: هل قدم فلان من السفر؟ فلا تقل: الله ورسوله أعلم، وإنما: الله أعلم، ولو قيل لك: ما حكم كذا، في أمر لا تعلمه؟ فيصلح أن تقول: الله ورسوله أعلم. قوله: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر" هذا الكفر ليس كفراً مخرجًا عن الملة؛ لأن العبودية المذكورة هنا عبودية الإيمان، كما أنه صادر عن جهل. "فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته؛ فذلك مؤمن بي، كافر بالكوكب" هذه الجملة قالها المؤمنون، فاكتسبت صفة الذكر المشروع، بإقرار الله تعالى، وإقرار النبي ﷺ لها، فجمعت بين الفضل والرحمة، كما في الآية الأخرى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]. "وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي، مؤمن بالكوكب" ووجه كفره: أنه وقع منه لفظ ينافي التوحيد الواجب، حيث نسب المطر إلى النجم، فيكون شركًا أصغر، ولو صدر من معتقد أن النوء هو المؤثر لكان شركًا أكبر، مخرجًا عن الملة، لكن هذا لا يتصور من الصحابة -رضوان الله عليهم-، فعلمهم النبي ﷺ ما ينبغي لهم أن يقولوه. قوله: "ولهما: من حديث ابن عباس" أي: غير حديث زيد بن خالد، أي: فيه زيادة. قوله: "قال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ إلى قوله: ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ " لا يزال الناس، إلى يومنا هذا، حين يقع مطر في موسم معين، يقولون: صدق نوء كذا وكذا! وهذا من شرك الألفاظ، وهو من أنواع الشرك الأصغر، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ الآيات.

стр. 433

وللمفسرين في مواقع النجوم قولان: الأول: منهم من يقول، كابن عباس (١): المراد بها نجوم القرآن؛ لأن القرآن نزل منجماً حسب الوقائع والحوادث، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢]. الثاني: المراد: مطالع الكواكب والأجرام السماوية، وهو القول الذي أراده المصنف، وهي مطالع عظيمة؛ ولأنه قسم عظيم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦]. فهذه النجوم التي تبدو لنا قريبة، لا تقاس في القياسات الحديثة، إلا بالسنين الضوئية، والسنة الضوئية: ما يقطعه الضوء في سنة كاملة، وسرعة الضوء أعلى أنواع السرعة، حيث يسير الضوء ثلاثمائة ألف كيلو متر في الثانية الواحدة! ولهذا يحتاج ضوء الشمس ليصل إلينا ثماني دقائق. وأقرب نجم بعد الشمس، نجم يقال له: قنطورس، يحتاج ضوؤه ليصل إلينا أربع سنين! فهذا يدل على عظم مواقع النجوم، وسعة خلق الله، فهو خلق فسيح، وما نحن في هذا الكون إلا هباءة صغيرة. مناسبة الحديث للباب: مطابقة، لما فيه من ذم نسبة نزول المطر إلى الأنواء، وتسمية كفراً، وتكذيباً. فوائد الحديث: ١ - مشروعية صلاة الجماعة في السفر والحضر، والصحو والمطر. ٢ - مشروعية تعليم الإمام الناس ما يحتاجون إليه، وتخولهم بالموعظة، في المقام المناسب. ٣ - التعليم عن طريق السؤال والجواب؛ لقوله: "أتدرون ماذا قال ربكم؟ ". ٤ - أنه يشرع لمن سُئل، عن أمر شرعي، وجهل، أن يقول: الله ورسوله أعلم. ٥ - تحريم نسبة نزول المطر إلى النوء.

стр. 434

٦ - أن ذلك يُسمى كفراً، وتكذيباً، في الكتاب والسنة. ٧ - وجوب شكر نعمة الله ، وعدم إضافتها إلى غيره. ٨ - وصف الله تعالى بالفضل والرحمة؛ لقوله: "مطرنا بفضل الله ورحمته". ٩ - مشروعية هذا الذكر بعد نزول المطر؛ وأما أثناء نزوله فيقال: "اللهم صيباً نافعاً" (١). ٩ - أنّ من الكفر مالا يخرج عن الملة، وهو الأصغر. ثم قال المصنف ﵀: وفيه مسائل: الأولى: تفسير آية الواقعة. وهي قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: تجعلون نصيبكم من هذه النعمة التكذيب، بنسبتها إلى غير مسديها، بدلًا من الصدق والشكر. الثانية: ذكر الأربع التي من أمر الجاهلية. وهي "الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة". الثالثة: ذكر الكفر في بعضها. وينطبق على الاستسقاء بالأنواء؛ لقوله: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر" لمن قال: "مطرنا بنوء كذا وكذا" وكذلك الطعن في النسب، والنياحة على الميت؛ لحديث: "اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت" (٢).

стр. 435

الرابعة: أنّ من الكفر ما لا يُخرج من الملة. لأن قوله: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر"، لم ينقل قائليها عن الملة. الخامسة: قوله: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر"؛ بسبب نزول النعمة. أي: أنّ الله يبتلي عباده بالنعم، وقد تكون سبباً لحصول الكفر إذا لم تشكر. السادسة: التفطن للإيمان في هذا الموضع. أن مقتضى الإيمان هو شكر المنعم، كلما تجددت نعمة. السابعة: التفطن للكفر في هذا الموضع. وهو إسناد النعم إلى غير المنعم المتفضل، سبحانه، فقد تكون مدعاة للكفر، وهو كفر النعمة. الثامنة: التفطن لقوله: "لقد صدق نوء كذا وكذا". ما يجري على ألسنتهم، ولو بغير قصد لمعناها. فيجب تركه، والتحذير منه. التاسعة: إخراج العالم للمتعلم المسألة بالاستفهام عنها؛ لقوله: "أتدرون ماذا قال ربكم؟ ". أي: استنباطها، بطريقة السؤال والجواب؛ لأنها تشحذ الذهن. العاشرة: وعيد النائحة. أنها تبعث يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب، وهذا الجزاء من جنس العمل.

стр. 436

باب قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [سورة التوبة: ٢٤]. عن أنس أنّ رسول الله ﷺ قال: "لا يُؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده، ووالده، والناس أجمعين" (١)، أخرجاه. الشرح: هذا باب شريف؛ لتعلقه بعبادة هي أصل الدين، وهي: محبة الرب ، فإن أصل التعبد والتأله لله: هو انجذاب القلب له، فإن معنى قولنا: لا إله إلا الله، أي: لا مألوه إلا الله، والمألوه هو الذي تألهه، أي تنجذب إليه القلوب محبة وتعظيماً. فالمحبة هي أصل العبادات القلبية، ولكن المحبة التي تنبغي لله محبة مقرونة بخوف ورجاء، لا المحبة الصرفة التي يدعيها زنادقة الصوفية، حتى إنهم يحيلونها إلى نوع من العشق، يسمونه "العشق الإلهي"، ويغلون فيها، ويزعمون أنها تُنسيهم الخوف والرجاء. فتلك المحبة محبة بدعية، وليست المحبة التي أمر الله تعالى بها ورسوله. والمحبة من حيث هي نوعان: الأول: محبة طبيعية: وهي عبارة عن ميل النفس لبعض المحبوبات؛ ولها صور متنوعة:

стр. 437

منها: محبة إجلال، كمحبة الابن لأبيه. ومنها: محبة إشفاق، كمحبة الأب لابنه. ومنها: محبة شهوة، كمحبة الزوج لزوجة، وكمحبة الطعام والشراب، ونحو ذلك. فهذا النوع من المحاب الطبيعية لا يُلام عليه الإنسان، ولا يتعلق به مقصود لذاته؛ لأنه أمر جِبِلِّي طبيعي، وقد يلام عليه إذا خرج عن حده، وتجاوز المألوف، كأن يستغرق في محبوبات الدنيا إلى الحد الذي يمنعه من طاعة الرب ، ومثل أن يستغرق في مجالسة أهله، ويدع صلاة الجماعة، وكأن يتعلق بأهله، وأبنائه، ويدع الجهاد المتعين، أو يدع الحج المفترض عليه، ونحوه. الثاني: محبة السر: وهي محبة العبادة، وهي التي لا تنبغي إلا لله ، فهي محبة من نوع فريد، لا يجوز صرفها لغير لله؛ إذ هي محبة عبادة مقرونة بكمال التعظيم والخضوع، وكمال الرجاء، فقد جمعت محبةً وخوفاً، ورجاءً. وهي أعظم ما يكون في القلب من العبادات القلبية؛ إذ الخوف ينقطع، والرجاء ينقطع، كما قال الله : ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨] فإذا بلغ الإنسان المنزل -أي الجنة- زال عنه الخوف، وسكن الرجاء، واطمأن القلب بحصول المقصود. أما المحبة فلا تزال تتعاظم في قلب المؤمن، كلما ازداد علماً وإيماناً، فإذا بلغ جنة ربه ازدادت محبته له، لما يرى من كرامته، وعظيم فضله. فهذه المحبة الإيمانية تنعش القلب، وتضمد الجراح، وتضخ فيه النشاط والقوة على العمل الصالح، وتحجزه عن محبوبات النفس المنافية لمحبوبات الله. مناسبة الباب لكتاب التوحيد: جلية ظاهرة، لتعلقه بعبادة من أجل العبادات القلبية، وهي عبادة المحبة. قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ (من) تبعيضية، أي: بعض الناس، والمراد بهم المشركون. قوله: ﴿مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ (أَنْدَادًا): جمع ند، وهو الشبيه والنظير.

стр. 438

قوله: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ هذه صفة التنديد المذكور. وقد اختلف المفسرون في معناها على قولين: الأول: أي: أنهم يحبون الأصنام كما يحب المؤمنون الله. الثاني: أي: يحبون أندادهم كما يحبون الله، فهم يحبون الله لكنهم يحبون الأنداد كمحبتهم لله، فوقعوا في شرك المحبة، وهذا القول الثاني هو الذي نصره شيخ الإسلام ابن تيمية (١)، وتلميذه ابن القيم -رحمهما الله- (٢). قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للَّهِ﴾ أي: أنّ المؤمنين محبتهم لله تعالى خالصة، لا تدانيها محبة أخرى، ولا يقع لهم شرك في المحبة، فهم أشد حباً لله، من حب أصحاب الأنداد لله. قوله: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ دلت على أنهم يوم القيامة يفجؤون حين يرون العذاب، ويدركون أن القوة لله جميعاً، فمن كانت له القوة جميعاً، استحق أن يكون له الحب جميعاً، وأن يكون التعظيم له جميعاً. فوائد الآية: ١ - التحذير من شرك المحبة. ٢ - أن من المشركين من يحب الله تعالى؛ ولهذا يحلفون به، ويحجون بيته، ويتقربون إليه، لكنهم لا يفردونه بالمحبة، فلم يغن عنهم شيئًا. ٣ - أن الأنداد متخذة، مصطنعة، كما قال تعالى عن الخليل ﵇، لقومه: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧] قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، وأمته من بعده. فهذه ثمانية أصناف تجمع أمهات المحبوبات الدنيوية: ﴿آبَاؤُكُمْ﴾ فيحب الإنسان أباه محبة إجلال. ﴿وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ يحب ابنه محبة شفقة ورحمة. ﴿وَإِخْوَانُكُمْ﴾ يحبهم محبة مودة ونصرة. ﴿وَأَزْوَاجُكُمْ﴾ محبة غريزة

стр. 439

وشهوة. ﴿وَعَشِيرَتُكُمْ﴾ محبة انتماء وعشرة. وهم جماعة الرجل وقبيلته. ﴿وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾ محبة شهوة وقنية، ومعنى: ﴿اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾ أي: اكتسبتموها، فالاقتراف بمعنى الاكتساب. ﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾ أي: محبة تعلق واستبقاء. ﴿وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾ محبة مأوى ومباهاة. قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ﴾ نصب (أحب) لأنها خبر (كان) وإن تأخر، و (آباؤكم) اسمها. والمعنى: إن كان محبة هذه الأشياء المحبوبة حباً فطرياً طبيعياً- مقدمة عندكم على محبة الله ورسوله ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ عبارة تهديد ووعيد، أي: انتظروا ما يحل بكم من عقاب، إذا آثرتموها على محبوبات الله . مثال ذلك: أن يُؤمر العبد بالهجرة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، فيؤثر البقاء في الأهل والعشيرة على طاعة الله تعالى بالهجرة إلى دار الإسلام؛ ولهذا توعد الله من وقع منه ذلك، فقال سبحانه وبحمده: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٧، ٩٩]. ولما هاجر صهيب الرومي ﵁ من مكة إلى المدينة، وكان قد قدم مكة مولى، ثم عتق، واتجر وصار ذا مال، فلما أراد الهجرة لحقته قريش حتى أدركوه في بعض الطريق، فقالوا له: جئتنا فقيراً، والآن تأخذ المال وتذهب! فقال لهم: هل لكم أن أعطيكم أواقي من ذهب وتخلون سبيلي؟ فقال لهم: احفروا تحت أسكفة الباب، فإن تحتها الأواق، واذهبوا إلى فلانة فخذوا الحلتين، وخرج حتى قدم على رسول الله ﷺ قبل أن يتحول منها -أي قباء-، فلما رآه ﷺ قال: "يا أبا يحيى، ربح البيع" ثلاثاً (١)؛ لأنه استعاض عن الدنيا بالآخرة. وكثير من الناس يقدم الدرهم والدينار، وإذا تعارض مع شيء من محاب الله -آثر الدنيا على الآخرة؛ فإذا أراد حج الفريضة مثلًا، استعظم النفقة، وترك الحج.

стр. 440

وقد يكون الحب المقدم على محبة الله ورسوله، نقصاً في الإيمان الواجب، وقد يكون نقصاً في أصل الإيمان، فإن عارض أصل الإيمان فهو حب شركي، وإن عارض واجباً من الواجبات، فهو منافٍ للإيمان الواجب، يكون صاحبه تحت المشيئة والإرادة، إن شاء الله عذبه بقدر ذنبه، ومآله إلى الجنة، وإن شاء عفا عنه، كما هي القاعدة في أهل الكبائر. قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ هم الخارجون عن طاعة الله؛ لأن الفسق في اللغة معناه: الخروج، تقول العرب: فسقت التمرة، إذا خرجت من قشرها. فالفسق من موانع الهدى. مناسبة الآية للباب: ظاهرة، لما تضمنته من وعيد من قدم محبوبات نفسه على محبة الله، ورسوله، وشرعه. فوائد الآية: ١ - وجوب محبة الله، وأنها من التوحيد. ٢ - وجوب محبة النبي ﷺ ؛ وأنها من الإيمان الواجب برسالته. ٣ - وجوب محبة ما شرعه الله ورسوله، كالجهاد في سبيل الله، وأنه من الإيمان الواجب. ٤ - الوعيد على من قدم هذه الثمانية على محبوبات الله ورسوله؛ لقوله ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾. ٥ - أن الفسق من موانع الهدى، وأسباب الزيغ والضلال، كما في الآية الأخرى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥]. فلا يهلك على الله إلا هالك. قوله: "عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" أخرجاه" الإيمان المنفي هنا هو الإيمان الواجب، أي: لا يكون الإنسان مؤمناً الإيمان الواجب عليه حتى تفوق محبة

стр. 441

نبيه ﷺ محبتة لولده، ووالده، والناس أجمعين. ومن تأمل نعمة الله تعالى ببعثة النبي ﷺ أدرك أن حاجته إلى نبيه ﷺ أعظم من حاجته إلى أبيه، وأمه، وطعامه، وشرابه، ونفسه، فهذه مقومات دنيوية، أما ما جاء بها محمد ﷺ من الهدى والعلم، فلا صلاح للدين والدنيا إلا به، فلا بد من تقديم محبة النبي ﷺ على محبة الولد والوالد، بحيث يجد المرء ذلك في صميم قلبه. ولهذا لما سمع عمر هذا الحديث قال: "يا رسول الله، لأنت أحب إليّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي ﷺ : "لا، والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك"، فقال عمر: "فإنه الآن، والله، لأنت أحب إلي من نفسي" فقال النبي ﷺ : "الآن يا عمر" (١). وهذه المراجعة من عمر ﵁ صدق وحق؛ لأن هذه المحبة التي أحدثها عمر، نتجت عن نظر، فهي محبة مكتسبة، فحين أخبره النبي ﷺ بأنه لا يتم إيمانه الواجب إلا بتقديم محبته على محبة نفسه، تأمل، ونظر، وأدرك أن هذه المحبة يجب أن تفوق محبة النفس، فقال: "الآن، والله، لأنت أحب إلي من نفسي" قالها متحققًا ﵁ وشهد له من لا ينطق عن الهوى، فقال: "الآن يا عمر" وأثبت له ﷺ هذه المحبة. وهذا جواب سديد على المتطاولين على الصحابة، كالرافضة، الذين يلمزون عمر ﵁ بالتظاهر بهذا، فيقال لهم: إن لمزكم إياه لمز للنبي ﷺ ، فهل كان النبي ﷺ يقره على هذه الدعوى ويشهد له بذلك، والأمر خلاف ذلك؟ لا، والله! فلا شك أن عمر كان صادقاً فيما أخبر، وأنه قد اكتسب هذه المحبة بالنظر، لما علَّمه نبيه ﷺ بأن هذا من ضرورات الإيمان به. وبناء عليه: فعلينا أن نتعاهد قلوبنا حقاً، وأن نصدق في محبتنا لنبينا ﷺ ، وما من مؤمن إلا وهو محب لنبيه قطعاً، لكن هل هذه المحبة كما شرط النبي ﷺ ؟ لقد رأينا -بحمد الله- حين تطاول بعض الكفرة على نبينا ﷺ بالرسوم المسيئة، كيف ضج المسلمون في مختلف البلاد الإسلامية، وأعربوا عن سخطهم وبغضهم لهؤلاء الشانئين المستهزئين، بأنواع الهتافات، والنداءات، والمظاهرات، والمقاطعات، ولا شك أنّ هذا دليل على صدق المحبة للنبي ﷺ ، لكن يجب أن يبيّن لجمهور

стр. 442

المسلمين بأن المحبة الحقيقة للنبي ﷺ هي في اتباع أمره، وسنته، والاقتداء به، فإن هذا هو عنوان المحبة الصادقة لنبينا ﷺ . ومن أمثلة ذلك: ولما وضع خبيب بن عدي ﵁ بين السيف والنطع، وجمهور المشركين قد تحلقوا حوله، قال له أبو سفيان حين قدم ليقتل: أنشدك بالله يا خبيب، أتحب أن محمداً الآن عندنا مكانك نضرب عنقه، وأنك في أهلك؟ قال: "والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه، وإني جالس في أهلي" (١). وجاء في حديث يوم الحديبية "إن -عروة بن مسعود- جعل يرمق أصحاب النبي ﷺ بعينيه، فرجع عروة إلى أصحابه، فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر، وكسرى، والنجاشي، والله إن رأيتُ ملكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد ﷺ محمداً، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحِدُّون إليه النظر تعظيماً له" (٢). كان أصحاب النبي ﷺ يقولون: فداك أبي وأمي! وهم صادقون، يفدونه بأنفسهم وأموالهم، أولئك أهل الحب الصادق. ثم نشأ أقوام يدعون محبة النبي ﷺ وليس حظهم من محبته إلا أن يعقدوا الحضرات، ويقيموا الموالد، ويدبجوا القصائد، ويهمهمون، ويرقصون، ويزعمون أنهم يحبون النبي ﷺ ، وإذا دعوا إلى سنة من سننه، كانت أثقل عليهم من الجبل! أولئك أصحاب الحب الكاذب. وإنما زين لهم الشيطان أعمالهم. سر محبتنا لرسول الله ﷺ : كونه رسول الله، لا لمجرد شخصه، فالمحبة الذي نبذلها للنبي ﷺ محبة من نوع خاص، محبة الرسالة، لأن الله أرسله، واصطفاه أحببناه، فمحبة النبي ﷺ فرع عن محبة الله ، والإنسان كل ما كان صادقاً في محبته للشيء كان متبعاً موافقاً لمحبوبات حبيبه. فأنى لقوم يدعون محبة النبي ﷺ وهم يخالفون هديه في الأصول والفروع؟! ونضرب مثالاً بسيطاً:

стр. 443

إعفاء اللحية، كيف تطيب نفس مؤمن يعلم أن هذا هدي محمد ﷺ ، وأنه كان له لحية عظيمة تملأ ما بين منكبيه، ثم يزهد في هدي النبي ﷺ ، ويحلق لحيته، أو يأخذ منها، أو يقصرها، ويتشبه بالكفار؟! إن الحب الصادق للنبي ﷺ يستلزم امتثال سنته، واقتفاء أثره، حتى حمل بعض الصحابة -رضوان الله عليهم- على محاكاة النبي ﷺ فيما ليس من أمر التشريع؛ يقول أنس ﵁: "دعا رسول الله ﷺ رجلٌ، فانطلقت معه، فجيء بمرقة فيها دباء، فجعل رسول الله ﷺ يأكل من ذلك الدباء، ويعجبه، قال: فلما رأيتُ ذلك جعلت ألقيه إليه، ولا أطعمه، ثم قال أنس: "فما زلت بعد يعجبني الدباء" (١)، هذا حب ناتج عن محبة المحبوب، ولا نقول: من السنة محبة القرع؛ لأن النبي ﷺ كان يحبه محبة طبيعية. وكان ابن عمر ﵄ يتحرى الأماكن التي نزل فيها النبي ﷺ في سفراته، فينزل فيها، بل والمواضع التي قضى فيها حاجته، فيقضي فيها حاجته، فقد جاء عن أنس بن سيرين قال: كنتُ مع ابن عمر بعرفات، فلما كان حين راح، رحت معه حتى أتى الإمام، فصلى معه الأولى، والعصر، ثم وقف معه، وأنا وأصحاب لي، حتى أفاض الإمام، فأفضنا معه، حتى انتهينا إلى المضيق دون المأزمين، فأناخ وأنخنا، ونحن نحسب أنه يريد أن يصلي، فقال غلامه الذي يمسك راحلته: إنه ليس يريد الصلاة، ولكنه ذكر أن النبي ﷺ لما انتهى إلى هذا المكان قضى حاجته، فهو يحب أن يقضي حاجته (٢). فهذا ناتج عن المحبة، وهو أمر مألوف في بني آدم، فإن الإنسان إذا أحب شخصاً صار يحاكيه في طريقته في الكلام، وفي خطه، ومشيته، وملبسه، وغير ذلك. فعلينا أن نملأ قلوبنا بمحبة النبي ﷺ ، وهذا يحصل بإدمان قراءة سيرته، وشمائله الطاهرة، فإن من قرأ في سيرته ﷺ وتأملها، امتلأ قلبه محبة لهذا النبي الكريم. وقد كان من آثار هذه الأحداث المصاحبة للرسوم المسيئة لنبينا ﷺ أن

стр. 444

التفت بعض الغربيين إلى سيرته، فصاروا يقرؤون عن هذه الشخصية التي ثار بسببها هذا الاحتجاج المدوي، مما أدى إلى اعتناق كثير منهم للإسلام. مناسبة الحديث للباب: ظاهرة، لأن محبة النبي ﷺ فرع عن محبة الله، وكمال محبة الله باتباع نبيه، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. فوائد الحديث: ١ - أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، خلافاً للمرجئة؛ لأن المحبة عمل قلبي، وشرطٌ في الإيمان الواجب، فهذا دليل على أن حقيقة الإيمان مركبة من قول وعمل. ٢ - أن نفي الإيمان، لا يستلزم نفي أصله، بل نفي كماله الواجب أو المستحب. ٣ - أن نفي الكمال الواجب لا يوجب الخروج من الملة، فلو قدر أن أحداً لم يبلغ هذه المنزلة، ولم يقدم محبة النبي ﷺ على محبة ولده، ووالده، والناس أجمعين، فلا يقال إنه كافر، خلافًا للوعيدية، بل يقال: مؤمن ناقص الإيمان. ثم قال المصنف ﵀: ولهما: عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يُقذف في النار" (١). وفي رواية: "لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى … " (٢)، إلى آخره.

стр. 445

وعن ابن عباس ﵄ قال: "من أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه، حتى يكون كذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئاً" (١)، رواه ابن جرير. وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [سورة البقرة: ١٦٦] قال: المودة (٢). الشرح: قوله: "ولهما عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث من كن فيه" " "ثلاث" دون إضافة، أي: ثلاث خصال. "من كن فيه" أي: من وجدن فيه. قوله: "وجد بهن حلاوة الإيمان" أي: حصل له نعيم وسرور في القلب، وهي حلاوة حقيقة، ولا يلزم أن تكون كحلاوة السكر؛ لأن لكل شيء حلاوة تليق به، فللمشروب حلاوة تليق به، وللإيمان حلاوة تليق به، فحلاوة الإيمان المراد بها: ما يقوم بالقلب من فرحة، وبهجة، وبشاشة يجدها، ويشعر بها المؤمن. وهذه الخصال: الأولى: "أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما": تقديم محبة الله ورسوله على سائر المحبوبات. فليعرض المرء نفسه على هذا المعيار، هل الله ورسوله أحب إليه مما تشتهيه نفسه من شهوات المأكولات، والمشروبات، والملبوسات، والمنكوحات عند التعارض؟ الثانية: "أن يحب المرء لا يحبه إلا لله": الحب في الله، بأن يحب الشخص محبة باعثها محبة الله سبحانه وبحمده، لا لأجل جاهه، ولا ماله، ولا منصبه، ولا وسامته، ولا طرافته، بل لدينه، وإيمانه، وحسن اعتقاده،

стр. 446

وصلاحه، واستقامته، وحسن عمله، ونحو ذلك من المعاني. الثالثة: "وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار" هذه علامة حسية، ووجد حقيقي، يدل على أن هذا الإنسان يحب الله ونبيه محبة حقيقية. وقوله: "بعد إذ أنقذه الله منه" يدل على أنه قد كان كافراً، فانتقل من الكفر إلى الإيمان. والمقصود: أن يكره أن يقع في الكفر بعد أن كتبه الله تعالى مؤمناً، سواءٌ جرى منه سابق كفر أم لا، كما يكره أن يلقى في النار. وقد جرى لبعض أصحاب النبي ﷺ وهو حبيب بن زيد، الذي بعثه النبي ﷺ إلى مسيلمة، فجعل يقطعه إرباً إرباً، ويقول له: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ فيقول: نعم، فيقول له: أتشهد أني رسول الله؛ فيقول: لا أسمع (١)، فما زال يقطعه حتى وقع نصفه على الأرض، حتى مات ﵁، صابرًا، محتسبًا. وجرى لبعض التابعين أيضاً، وهو أبو مسلم، عبد الله بن ثُوَب الخولاني؛ أدخله الأسود العنسي في النار، لكن الله نجاه من النار، كما نجّى إبراهيم (٢). فلا يزال يُوجد من عباد الله من تكون (حلاوة الإيمان) في قلبه توجب له أن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار. وبعض مَنْ مروا بأحوال غواية وضلال، ثم منَّ الله عليهم بالهداية يجدون في قلوبهم من اللذة ما يقول أحدهم: أفضل أن أهلك، ولا أعود إلى حالي السابقة، يقع هذا كثيراً على ألسنة المهتدين. قوله: "وفي رواية: "لا يجد أحد حلاوة الإيمان"، هذه الرواية عند البخاري، تفيد الشرطية والحصر. مناسبة الحديث للباب: ظاهرة، لما تضمنه من قدم محبة الله ورسوله على محبة ما سواهما. فوائد الحديث: ١ - أن للإيمان حلاوة حقيقية، يتذوقها من استكمل الخصال المذكورة.

стр. 447

٢ - فضيلة محبة الله ورسوله، وتقديمها على محبة ما سواهما. ٣ - فضل الحب في الله. وهذا أمر ينبغي التفطن له؛ لأن بعض الناس يرى في نفسه أنه يحب فلاناً في الله ولله، وقد تكون هذه الدعوى غير صحيحة! وإنما يميل إليه لداعٍ آخر؛ كأن يحبه لماله، أو لجاهه، أو لوسامته، أو لدعابته، أو غير ذلك، فليفتش الإنسان في قلبه، ويفحص نواياه، ويحذر أن يصور له الشيطان أن انجذابه لفلان، أو علان، حب في الله، وليس كذلك. عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ مَسْجِدَ دِمَشْقِ بالشَّامِ، فَإِذَا أَنَا بِفَتًى بَرَّاقِ الثَّنَايَا، وَإِذَا النَّاسُ حَوْلَهُ، إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَسْنَدُوهُ إِلَيْهِ، وَصَدَرُوا عَنْ رَأْيِهِ، فَسَأَلْتُ عَنْهُ فَقِيلَ: هَذَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ، هَجَّرْتُ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي بِالْهَجِيرِ، وَقَالَ إِسْحَاقُ: بِالتَّهْجِيرِ، وَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي، فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى إِذَا قَضَى صَلَاتَهُ، جِئْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ: وَاللهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ لِلَّهِ. فَقَالَ: أَللَّهِ؟ فَقُلْتُ: أَللَّهِ. فَقَالَ: أَللَّهِ؟ فَقُلْتُ: أَللَّهِ. فَأَخَذَ بِحُبْوَةِ رِدَائِي فَجَبَذَنِي إِلَيْهِ، وَقَالَ: أَبْشِرْ! فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: قَالَ اللهُ : "وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ) (١). فقول الإنسان لصاحبه: إني أحبك في الله، دعوى سهلة، تحتاج لتحقيق، كما فعل معاذ- ﵁ مع أبي إدريس الخولاني- ﵀، فمن وجد ذلك في نفسه حقًا، وصدقًا، فليخبر أخاه، كما ورد في الحديث عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَجُلًا كَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَأُحِبُّ هَذَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «أَعْلَمْتَهُ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «أَعْلِمْهُ» قَالَ: فَلَحِقَهُ، فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّكَ فِي اللَّهِ، فَقَالَ: أَحَبَّكَ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي لَهُ. (٢) فينبغي ألا تبتذل هذه الكلمة، وتقال جزافًا. أما الميل، فقد يكون في بعض الأحيان مباحاً، وقد يكون محرماً، فقد

стр. 448

يميل الإنسان إلى آخر لتجانسهما في الطباع؛ ولهذا جاء في الحديث: أن امرأة كانت تضحك الناس في مكة، هاجرت إلى المدينة، فنزلت على امرأة تضحك الناس في المدينة، فلما بلغ النبي ﷺ ذلك، قال: "الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف" (١)، فربما وقع بين بعض الناس نوع انجذاب وتواؤم، بسبب تجانس الطباع، فلا يُثرب على أحد في هذا؛ لأن هذا في دائرة المباح، وهو غالب حال الناس. والمحذور أن يقع تعلق محرم، وهو العشق والغرام، فينجذب إليه لسبب من الأسباب الشهوانية، وقد يتمادى به الحال -عياذاً بالله- فيصبح محبة شركية؛ فإن العاشق مع معشوقه يقع منه أحياناً نوع شرك، حتى إنه يفضل محبته على محبة الله ، وقد حكى ابن القيم ﵀ في كتابه: (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي) الذي يُسمى أيضاً: (الداء والدواء) أمثلة لهذا الانحراف. فعلى الإنسان أن يحرس بوابات قلبه، لا سيما في سن الشباب، أن يتسلل، أو يدب إليه شيء من هذه النزغات الشيطانية، ففي صفوف الشباب والشابات ما يعرف الآن باسم "الانجذاب" أو "التعلق"، أو غير ذلك، فإن هذه من مصايد الشيطان، فينبغي أن يحذر منها غاية الحذر. ٤ - محبة خصال الإيمان والمؤمنين. ٥ - بغض خصال الكفر والكافرين. ثم قال ﵀: "وعن ابن عباس ﵄ قال: من أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله" أربع جمل شرطية متعاطفة. قوله: " فإنما تنال ولاية الله بذلك" جواب الشرط، على هيئة جملة، والتقدير: نال ولاية الله.

стр. 449

الولَاية، بفتح اللام، تعني: المودة، والنصرة، وبكسرها، تعني الإمارة. والمراد الأول. فالمؤمنون بعضهم أولياء بعض، كم وصف الله: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. وولاية الله تكون من الله للعبد، ومن العبد للرب، فولاية العبد للرب تكون بما تقدم: بأن يحب في الله، ويبغض في الله، ويوالي في الله، ويعادي في الله. وولاية الرب للعبد تكون بمحبته إياه، ولطفه به، وإدخاله جنته، وغير ذلك مما يصنعه الله لعبده المؤمن. والمعاداة لها صورتان: الأولى: البغض القلبي، كما قال تعالى عن إبراهيم والذين معه: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]. الثانية: المنابذة العملية: وتكون باللسان، وبالفعال، كالجهاد في سبيل الله . قوله: "ولن يجد عبد طعم الإيمان، وإن كثرت صلاته وصومه، حتى يكون كذلك" دلّ ذلك على أن الإيمان يتفاضل، وأن من الناس من تكثر صلاته وصومه، لكن لا يتذوق طعم الإيمان، وسر ذلك: أنه قد يُؤدي بعض الأعمال على سبيل العادة والتكرار، فهذه الأعمال القلبية من: الحب، والبغض، والموالاة، والمعاداة هي التي تذكي جذوة الإيمان، وبها يجد المرء طعمه. قوله: "وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا " من تمام كلام ابن عباس- ﵄ أي: أكثر تآخي الناس وصلاتِهم. يقول ابن عباس هذا في زمانه، مع بقايا الصحابة وخيار التابعين، فكيف بمن بعدهم؟! وقد كان الرعيل الأول يتآخون في الله؛ ومن شواهد ذلك: أنه لما وقعت غزوة بدر، أسر المسلمون عدداً من المشركين، فكان ممن أُسر حبيب بن عمير، أخو مصعب بن عمير، أسره رجل من الأنصار، فمر مصعب ﵁ وكان صاحب الراية، فلما رآه أخوه حبيب فرح، ظناً أنه سيفكه من الأسر، فلما حاذاه وهو يرمقه، قال مصعب بن عمير للأنصاري: "شد يديك به، فإن أمه ذات متاع،

стр. 450

لعلها تفديه منك" (١)، فظن حبيب أن مصعباً لم يعرفه، فقال: يا مصعب أنا أخوك، قال: هو أخي قبلك. فأخوة الإيمان مقدمة على إخوة النسب؛ ولهذا يروى أن من المسلمين من قتل أخاه، وابن عمه، في الغزوات، نصرة لدين الله. قوله: "وذلك لا يجدي على أهله شيئاً" أي: لا ينفعهم، بل يضرهم، كما قال الله : ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] فكل خلة في الدنيا تنقلب عداوة يوم القيامة، إلا خلة التقوى، فإنها ثابتة باقية. قوله: "وقال ابن عباس: في قوله: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ يعني: المودة" فالأسباب: جمع سبب، وهي حبال المودة. مناسبة الأثر للباب: من ناحيتين: الأولى: تحقيق محبة الله ، وما يتعلق بها من محبة أوليائه، وبغض أعدائه، بالقلب. والثانية: مناصرة أولياء الله، ومعاداة أعدائه، بالعمل، فلا تتحقق ولاية الله إلا بهذين الشرطين. فوائد الأثر: ١ - ذكر الأسباب التي تنال بها ولاية الله، وتنال بها محبته. ٢ - إثبات المحبة من الجانبين، فالرب سبحانه يُحَب، ويُحِب، يحبه أولياؤه، ويحب أولياءه، لكن له سبحانه محبة ليست كمحبة المخلوق، فمحبة المخلوق فيها نوع انعطاف، ورقة، ولين، والله تعالى ليس كذلك ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، فله سبحانه محبة تليق به نثبت حقيقتها، ولا ندرك كنهها، وندرك آثارها. ٣ - فضل الحب في الله، والبغض في الله، والموالاة في الله، والمعاداة في الله. فينبغي للإنسان أن يحقق هذه الخصال الشريفة. جاء في الأثر: "أن

стр. 451

ملكاً أمر أن يخسف بقرية، فقيل: يا رب إن فيها فلاناً العابد، فأوحى الله: أن به فابدأ، فإنه لم يتمعر وجهه فيّ ساعة قط" (١)، فمن مقاييس محبة الله أن ينظر المسلم كيف يكون قلبه حين تنتهك حرمات الله، وكيف يكون قلبه حين يستنصر لدين الله، وهل يبتهج قلبه حين يرى أولياء الله، وهل ينقبض قلبه لرؤية أعداء الله؟ بهذا تظهر أثر الولاية الحقيقية لله . ٤ - ذم التآخي والتلاقي على أمر الدنيا، وأن يقيم العبد ذلك على أساس الحب في الله. ثم قال المصنف ﵀: فيه مسائل: الأولى: تفسير آية البقرة. وهي قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ المتضمنة الشرك في المحبة. الثانية: تفسير آية براءة. وهي آية المحبوبات الثمانية، ووعيد من قدمها على محبة الله، ورسوله، وجهاد في سبيله. الثالثة: وجوب تقديم محبته ﷺ على النفس والأهل والمال. كما قال ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين". الرابعة: نفي الإيمان لا يدل على الخروج من الإسلام. أي في قوله: "لا يؤمن أحدكم"، بل هو نقص في الإيمان الواجب.

стр. 452

الخامسة: أن للإيمان حلاوة، قد يجدها الإنسان وقد لا يجدها. كما في حديث: "ثلاث من كن فيه" فقد توجد في بعض المؤمنين، وقد لا توجد؛ ولهذا قال ابن عباس ﵄: "وإن كثرت صلاته وصيامه" مع أن هذا المصلي الصائم من جملة المؤمنين. السادسة: أعمال القلب الأربع التي لا تنال ولاية الله إلا بها، ولا يجد أحد طعم الإيمان إلا بها. وهي: الحب في الله، والبغض في الله، والموالاة في الله، والمعاداة في الله، فلا يجد أحد طعم الإيمان إلا بهذه الأربع، كما قال ابن عباس-﵄ السابعة: فهم الصحابي للواقع: أن عامة المؤاخاة على أمر الدنيا. أي: أنّ ابن عباس ﵄ كان ملماً بحال الناس، وأنه فشا فيهم التآخي، وإقامة الصلات على أمور الدنيا. فينبغي لطالب العلم أن يعي حال مجتمعه. الثامنة: تفسير: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾. فقد فسّرها ابن عباس ﵄ بالمودة، كما قال الله : ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]. التاسعة: أنّ من المشركين من يحب الله حباً شديداً. يُؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ يحبون أندادهم كما يحبون الله لكنه حب لا ينفعهم؛ لأنهم أشركوا معه غيره. العاشرة: الوعيد على من كان الثمانية أحب إليه من دينه. الثمانية هي: الآباء، والأبناء، والإخوان، والأزواج، والعشيرة، والأموال، والتجارة، والمساكن؛ والوعيد قوله: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤].

стр. 453

الحادية عشرة: أنّ من اتخذ نداً تساوي محبته محبة الله فهو الشرك الأكبر. أي: أن من سوى غير الله، بالله في المحبة، فقد أشرك شركًا أكبر؛ لأن المحبة عبادة.

стр. 454

باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وقوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [سورة التوبة: ١٨]. وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ الآية [سورة العنكبوت: ١٠]. وعن أبي سعيد ﵁ مرفوعاً: "إنّ من ضعف اليقين: أن ترضي الناس بسخط الله، وأن تحمدهم على رزق الله، وأن تذمهم على ما لم يُؤتك الله، إنّ رزق الله لا يجره حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره" (١). وعن عائشة ﵂ أنّ رسول الله ﷺ قال: "من التمس رضا الله بسخط الناس ﵁، وأرضى الناس عنه، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس" (٢) رواه ابن حبان في صحيحه. الشرح: شرع المصنف- ﵀ بذكر جملة من الأبواب المتعلقة بعبادات القلوب،

стр. 455

فابتدأها -كما سبق- بما يتعلق بالحب، وهذا الباب يتعلق بالخوف، ويليه باب يتعلق بالتوكل، وهكذا؛ وذلك لأن العبادات القلبية أصل التوحيد. مناسبة الباب لكتاب التوحيد: الخوف عبادة من العبادات، لا يجوز صرفها لغير الله ، فمن خاف غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فقد وقع في الشرك الأكبر المخرج من الملة. قوله: ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر ﴿ذَلِكُمُ﴾ المشار إليه الشيطان. قوله: ﴿الشَّيْطَانُ﴾ عَلَمٌ على جنسه، وهو إبليس الذي لعنه الله، مأخوذ من الشطْن: وهو البُعد؛ لأنه بعُد عن طاعة الله، فأبعده الله عن رحمته. قوله: ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ أي: يخوفكم بأوليائه، وهذه طريقة شيطانية معروفة، معهودة، وهي أنّ الشيطان يلقي في قلوب المؤمنين الخوف من أوليائه من المشركين، فيصور لهم عدوهم بأنه ذو عدد، وعدة، وبأس شديد، ليرعبهم بهم. ولكن الإيمان الحق يكتسح ذلك؛ فلهذا قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٣ - ١٧٥] وإنما يُؤثر ذلك في ضعاف الإيمان فيخافون، وينخذلون. وقد ذكر الله في سورة الأحزاب تنوع الناس أمام هذه المخاوف، فحينما أحيطت المدينة بعشرة آلاف مقاتل، من المشركين واليهود، قال المنافقون، والذين في قلوبهم مرض: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب: ١٣]. وأما المؤمنون الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فقالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢]، فهذا هو الفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان. قوله: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ نهي، ثم أمر، ثم شرط. فدلّ على أن الخوف عبادة، وأنه شرط في الإيمان الواجب.

стр. 456

أنواع الخوف: الأول: خوف العبادة: وهو خوف السر، الذي لا يجوز صرفه لغير الله ، وهو أن يخاف غير الله، فيما لا يقدر عليه إلا الله، كأن يخاف جناً، أو إنساً، في أمور غير مقدورة له، ولم تجر العادة بتصرفه فيها، كأن يعتقد أن هذا المخوف يمرضه، أو يدني أجله، أو يقطع رزقه، أو ما شابه هذا، من الأمور المتعلقة بالربوبية، فمثل هذا الخوف خوف عبادة، لا يجوز صرفه لغير الله، فمن صرفه لغير الله فقد أشرك الشرك المخرج عن الملة. الثاني: الخوف الطبيعي: وهو الذي جبل الله عليه بني آدم، وجعله سبباً لبقاء نوعهم؛ إذ لولا الخوف لهلك الإنسان؛ لأن الخوف مدعاة إلى الاحتراز من الشرور المحدقة؛ فلولا الخوف من النار لاحترق الإنسان، ولولا الخوف من العطش لدخل الناس البراري والمفاوز، ولم يحملوا ماءاً، وهلكوا، ولولا الخوف من العدو لما استعدوا له بالسلاح والحراسة لدفع الصائل. فهذا الخوف الطبيعي قد جبل الله تعالى عليه بني آدم، وركبه في خلقتهم، حتى أن الله تعالى جعل البدن، إذا شعر بالخوف، يفرز مادة (الأدرنالين) لتزيد في ضربات القلب؛ ليزداد ضخ الدم إلى الأعضاء والعضلات، فيهرب، أو يدافع، أو غير ذلك، وهذا من حكمة الله. وقد وقع هذا الخوف لأنبياء الله، فإن موسى ﵇ لما أمره الله بإلقاء العصا، فانقلبت ثعباناً ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ وقال له ربه: ﴿لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ١٠] فلا يلام الإنسان أن يخاف على نفسه من السبع أن يفترسه، أو العدو أن يقتله، أو النار أن تحرقه، أو الماء أن يغرقه، فكل هذا مما جرت به العادة. إلا أنه قد يتحول إلى خوف مذموم إذا خرج عن حده، فيوقعه في الجبن، أو الرهاب، أما أصله فإنه خُلُقٌ طبيعي، ولا ينافي الإيمان. لكن المحذور أن يخاف غير الله، فيما لا يقدر عليه إلا الله، وهو الخوف الشركي. فوائد الآية: ١ - أنّ الخوف عبادة؛ لقوله: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فجعله شرطًا في الإيمان.

стр. 457

٢ - أنّ الخوف من غير الله، فيما لا يقدر عليه إلا الله، شرك مخرج عن الملة. ٣ - وجوب الحذر من مكائد الشيطان، وتخويفه، وإجلابه بخيله ورجله. ثم ثنّى المصنف بقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ وتمام هذه الآية: ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨]. فقوله: ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر. فهذه هي صفات المؤمنين الخلص. قوله: ﴿يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ عمارة المساجد على ضربين: - عمارة حسية: ببنائها بما جرت العادة من البناء؛ إما من اللبن والطين، أو من الإسمنت والحديد، بحسب اختلاف الأحوال، وقد جاء في الحديث المتواتر: "من بنى مسجداً لله كمفحص قطاة (١)، أو أصغر، بنى الله له بيتاً في الجنة" (٢)، فلا شك أن العمارة الحسية لبيوت الله من أعظم الفضائل. - عمارة معنوية: وهي عمارتها بذكر الله، وإقام الصلاة، فإن المساجد إنما بُنيت لذلك. قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور: ٣٧، ٣٨]. قوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ هؤلاء هم العمار الحقيقيون، وليست العمارة بمجرد تشييد المباني، بل العمارة الحقيقية تكون ب: - الإيمان بالله وحده؛ بربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته.

стр. 458

- الإيمان باليوم الآخر؛ بالبعث والنشور، وأحوال القيامة، والحساب، والجنة والنار. - إقام الصلاة؛ بأدائها على وجه الاستقامة، في شروطها، وأركانها، وواجباتها، ومستحباتها. - إيتاء الزكاة؛ بإخراجها من الأموال الزكوية، وبذلها لمستحقيها. - إفراده تعالى، بالخشية، كما قال: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾؛ وهذا هو موضع الشاهد من الآية. والخوف والخشية، متقاربان، وقد يُعبر بإحدى اللفظتين عن الأخرى، وقيل: بينهما فرق؛ فالخشية مبنية على علم بالمخشي منه؛ والخوف: مطلق، فقد يخاف الإنسان من شيء مجهول. ولهذا قال الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] فالعلماء خشيتهم لله أكمل من خشية غيرهم؛ لأن حصل لهم من العلم بأسمائه، وصفاته، ونعوت جلاله وكماله، ما جعلهم يخشون الله خشية أحق من خشية عامة الناس، فهذه الخشية أكمل من مطلق الخوف. قوله: ﴿فَعَسَى﴾ (عسى) من الله واجِبة، أي: متحققة. قوله: ﴿أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ أي: أي: المتصفون بهذه الصفات من الذين هداهم الله سبحانه إلى محابه. مناسبة الآية للباب: لما فيها من حصر عمارة المساجد، بمن اتصف بصفات منها: إفراده تعالى بالخشية. فوائد الآية: ١ - وجوب إفراد الله بالخشية. ٢ - أن عمَّار المساجد حقًا هم جمعوا الأوصاف المذكورة: الإيمان بالله، واليوم الآخر، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وتوحيد الخشية. ٣ - الحث على عمارة المساجد.

стр. 459

ثم قال ﵀: "وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] ". قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ (من) تبعيضية، أي: بعض الناس. قوله: ﴿مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ أي: يدعي بلسانه الإيمان بالله، في حال الرخاء والإقبال واليسر. قوله: ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾ أي: افتتن وابتلي في دينه. قوله: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ﴾ أي: عذاب الناس، وأذيتهم له في نفسه، وماله، ومنصبه، وأهله. قوله: ﴿كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ أي: كعذاب الله في الآخرة، والمعنى: أنه جزع من أذى الناس، ولم يصبر عليه، فأطاع الناس كما يطيع الله من يخاف عذابه، ووقع في شرك الخوف. قوله: ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ أي: إن جاءت الأمور موافقة لما يشتهي، وحصل مغنم، نافس عليه، وادعى النصرة، وقال: أشركونا معكم في المغنم. قوله: ﴿أَوَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ استفهام تقريري، وجوابه: بلى، فالله تعالى أعلم بما في صدور العالمين؛ من الإيمان والنفاق، والصدق والكذب. وقد كان هذا كان جارياً أول الإسلام بعد الهجرة؛ فكان بعض الناس يهاجرون إلى النبي ﷺ ، فإن رأوا ما يعجبهم بقوا على الدين، وإن رأوا شدة وكرباً، ارتدوا على أدبارهم، كما قال الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١] قال ابن عباس ﵄: " كان الرجل يقدم المدينة، فإن ولدت امرأته غلاماً، ونُتجت خيله، قال: هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته ولم تُنتج خيله، قال: هذا دين سوء" (١)، فمثل هذا يعبد الله على حرف، بخلاف المؤمنين الراسخين، الذين لا تزيدهم الشدة والبلاء إلا رسوخاً وثباتاً.

стр. 460

مناسبة الآية للباب: ظاهرة، لكون الخوف من الناس أن يصيبوه، وينالوا منه بسبب دينه، خوف من غير الله. فوائد الآية: ١ - أنّ الخوف من أذى الناس، بسبب الدين، يكذب دعوى الإيمان. ومن نتيجة هذا: ما قد يقع من بعض الناس حينما يرى المنكر فيحجم عن إنكاره، مع قدرته؛ لأنه يخشى أن يُؤنب، أو يضرب، أو نحو ذلك، فهذا له حظ من هذه الآية: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾. ٢ - وجوب الصبر على الأذى في ذات الله؛ وقد جاء أصحاب النبي ﷺ إليه مرة يشكون ما يجدون من المشركين، وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقال لهم مسلياً معزياً: "قد كان من قبلكم يُؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون" (١). فالله تعالى يبتلي عباده بأنواع البلاء؛ ليعلم سبحانه من يثبت على دينه، ممن ينقلب على عقبيه، كما قال الله تعالى: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ١، ٢]. فليس الإيمان مجرد دعوى باللسان، فما أسهل هذا! فلا بد يتعرض للبلاء، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣] وعلى المؤمن أن يسأل الله العافية، فإذا ابتلي فعليه أن يصبر. وقد كان النبي ﷺ مع أصحابه في موطن من المواطن، يريدون منازلة المشركين، فغابت الشمس قبل أن يقع بينهم وبين عدوهم قتال، فقال أصحابه: وددنا لو أنا لقينا
следующие страницы →