← Акыда

Акыда · id 30151

بيت القصيد في شرح كتاب التوحيد

أحمد القاضي

Полный текст (793 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

أنواع الخوف: الأول: خوف العبادة: وهو خوف السر، الذي لا يجوز صرفه لغير الله ، وهو أن يخاف غير الله، فيما لا يقدر عليه إلا الله، كأن يخاف جناً، أو إنساً، في أمور غير مقدورة له، ولم تجر العادة بتصرفه فيها، كأن يعتقد أن هذا المخوف يمرضه، أو يدني أجله، أو يقطع رزقه، أو ما شابه هذا، من الأمور المتعلقة بالربوبية، فمثل هذا الخوف خوف عبادة، لا يجوز صرفه لغير الله، فمن صرفه لغير الله فقد أشرك الشرك المخرج عن الملة. الثاني: الخوف الطبيعي: وهو الذي جبل الله عليه بني آدم، وجعله سبباً لبقاء نوعهم؛ إذ لولا الخوف لهلك الإنسان؛ لأن الخوف مدعاة إلى الاحتراز من الشرور المحدقة؛ فلولا الخوف من النار لاحترق الإنسان، ولولا الخوف من العطش لدخل الناس البراري والمفاوز، ولم يحملوا ماءاً، وهلكوا، ولولا الخوف من العدو لما استعدوا له بالسلاح والحراسة لدفع الصائل. فهذا الخوف الطبيعي قد جبل الله تعالى عليه بني آدم، وركبه في خلقتهم، حتى أن الله تعالى جعل البدن، إذا شعر بالخوف، يفرز مادة (الأدرنالين) لتزيد في ضربات القلب؛ ليزداد ضخ الدم إلى الأعضاء والعضلات، فيهرب، أو يدافع، أو غير ذلك، وهذا من حكمة الله. وقد وقع هذا الخوف لأنبياء الله، فإن موسى ﵇ لما أمره الله بإلقاء العصا، فانقلبت ثعباناً ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ وقال له ربه: ﴿لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ١٠] فلا يلام الإنسان أن يخاف على نفسه من السبع أن يفترسه، أو العدو أن يقتله، أو النار أن تحرقه، أو الماء أن يغرقه، فكل هذا مما جرت به العادة. إلا أنه قد يتحول إلى خوف مذموم إذا خرج عن حده، فيوقعه في الجبن، أو الرهاب، أما أصله فإنه خُلُقٌ طبيعي، ولا ينافي الإيمان. لكن المحذور أن يخاف غير الله، فيما لا يقدر عليه إلا الله، وهو الخوف الشركي. فوائد الآية: ١ - أنّ الخوف عبادة؛ لقوله: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فجعله شرطًا في الإيمان.

стр. 457

٢ - أنّ الخوف من غير الله، فيما لا يقدر عليه إلا الله، شرك مخرج عن الملة. ٣ - وجوب الحذر من مكائد الشيطان، وتخويفه، وإجلابه بخيله ورجله. ثم ثنّى المصنف بقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ وتمام هذه الآية: ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨]. فقوله: ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر. فهذه هي صفات المؤمنين الخلص. قوله: ﴿يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ عمارة المساجد على ضربين: - عمارة حسية: ببنائها بما جرت العادة من البناء؛ إما من اللبن والطين، أو من الإسمنت والحديد، بحسب اختلاف الأحوال، وقد جاء في الحديث المتواتر: "من بنى مسجداً لله كمفحص قطاة (١)، أو أصغر، بنى الله له بيتاً في الجنة" (٢)، فلا شك أن العمارة الحسية لبيوت الله من أعظم الفضائل. - عمارة معنوية: وهي عمارتها بذكر الله، وإقام الصلاة، فإن المساجد إنما بُنيت لذلك. قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور: ٣٧، ٣٨]. قوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ هؤلاء هم العمار الحقيقيون، وليست العمارة بمجرد تشييد المباني، بل العمارة الحقيقية تكون ب: - الإيمان بالله وحده؛ بربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته.

стр. 458

- الإيمان باليوم الآخر؛ بالبعث والنشور، وأحوال القيامة، والحساب، والجنة والنار. - إقام الصلاة؛ بأدائها على وجه الاستقامة، في شروطها، وأركانها، وواجباتها، ومستحباتها. - إيتاء الزكاة؛ بإخراجها من الأموال الزكوية، وبذلها لمستحقيها. - إفراده تعالى، بالخشية، كما قال: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾؛ وهذا هو موضع الشاهد من الآية. والخوف والخشية، متقاربان، وقد يُعبر بإحدى اللفظتين عن الأخرى، وقيل: بينهما فرق؛ فالخشية مبنية على علم بالمخشي منه؛ والخوف: مطلق، فقد يخاف الإنسان من شيء مجهول. ولهذا قال الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] فالعلماء خشيتهم لله أكمل من خشية غيرهم؛ لأن حصل لهم من العلم بأسمائه، وصفاته، ونعوت جلاله وكماله، ما جعلهم يخشون الله خشية أحق من خشية عامة الناس، فهذه الخشية أكمل من مطلق الخوف. قوله: ﴿فَعَسَى﴾ (عسى) من الله واجِبة، أي: متحققة. قوله: ﴿أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ أي: أي: المتصفون بهذه الصفات من الذين هداهم الله سبحانه إلى محابه. مناسبة الآية للباب: لما فيها من حصر عمارة المساجد، بمن اتصف بصفات منها: إفراده تعالى بالخشية. فوائد الآية: ١ - وجوب إفراد الله بالخشية. ٢ - أن عمَّار المساجد حقًا هم جمعوا الأوصاف المذكورة: الإيمان بالله، واليوم الآخر، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وتوحيد الخشية. ٣ - الحث على عمارة المساجد.

стр. 459

ثم قال ﵀: "وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] ". قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ (من) تبعيضية، أي: بعض الناس. قوله: ﴿مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ أي: يدعي بلسانه الإيمان بالله، في حال الرخاء والإقبال واليسر. قوله: ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾ أي: افتتن وابتلي في دينه. قوله: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ﴾ أي: عذاب الناس، وأذيتهم له في نفسه، وماله، ومنصبه، وأهله. قوله: ﴿كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ أي: كعذاب الله في الآخرة، والمعنى: أنه جزع من أذى الناس، ولم يصبر عليه، فأطاع الناس كما يطيع الله من يخاف عذابه، ووقع في شرك الخوف. قوله: ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ أي: إن جاءت الأمور موافقة لما يشتهي، وحصل مغنم، نافس عليه، وادعى النصرة، وقال: أشركونا معكم في المغنم. قوله: ﴿أَوَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ استفهام تقريري، وجوابه: بلى، فالله تعالى أعلم بما في صدور العالمين؛ من الإيمان والنفاق، والصدق والكذب. وقد كان هذا كان جارياً أول الإسلام بعد الهجرة؛ فكان بعض الناس يهاجرون إلى النبي ﷺ ، فإن رأوا ما يعجبهم بقوا على الدين، وإن رأوا شدة وكرباً، ارتدوا على أدبارهم، كما قال الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١] قال ابن عباس ﵄: " كان الرجل يقدم المدينة، فإن ولدت امرأته غلاماً، ونُتجت خيله، قال: هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته ولم تُنتج خيله، قال: هذا دين سوء" (١)، فمثل هذا يعبد الله على حرف، بخلاف المؤمنين الراسخين، الذين لا تزيدهم الشدة والبلاء إلا رسوخاً وثباتاً.

стр. 460

مناسبة الآية للباب: ظاهرة، لكون الخوف من الناس أن يصيبوه، وينالوا منه بسبب دينه، خوف من غير الله. فوائد الآية: ١ - أنّ الخوف من أذى الناس، بسبب الدين، يكذب دعوى الإيمان. ومن نتيجة هذا: ما قد يقع من بعض الناس حينما يرى المنكر فيحجم عن إنكاره، مع قدرته؛ لأنه يخشى أن يُؤنب، أو يضرب، أو نحو ذلك، فهذا له حظ من هذه الآية: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾. ٢ - وجوب الصبر على الأذى في ذات الله؛ وقد جاء أصحاب النبي ﷺ إليه مرة يشكون ما يجدون من المشركين، وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقال لهم مسلياً معزياً: "قد كان من قبلكم يُؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون" (١). فالله تعالى يبتلي عباده بأنواع البلاء؛ ليعلم سبحانه من يثبت على دينه، ممن ينقلب على عقبيه، كما قال الله تعالى: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ١، ٢]. فليس الإيمان مجرد دعوى باللسان، فما أسهل هذا! فلا بد يتعرض للبلاء، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣] وعلى المؤمن أن يسأل الله العافية، فإذا ابتلي فعليه أن يصبر. وقد كان النبي ﷺ مع أصحابه في موطن من المواطن، يريدون منازلة المشركين، فغابت الشمس قبل أن يقع بينهم وبين عدوهم قتال، فقال أصحابه: وددنا لو أنا لقينا

стр. 461

عدونا، فقال ﷺ : "لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم، فاصبروا" (١)، فكم من إنسان آنس في قلبه، في لحظة نشوة إيمانية، شيئًا من القوة، والحماس، والاندفاع، فظن أنه مستعد أن يحتمل أي بلاء في ذات الله، فما هو إلا أن يناله طرف يسير من الابتلاء، حتى يضعف ويخور. ٣ - دناءة المنافقين، وقلة مروءتهم، فهم لا يستحون؛ إذا جاء نصر من الله أقبلوا مسرعين يطالبون بنصيبهم -كما زعموا- من الغنائم، وإذا جاءت شدة انخنسوا، وفرُّوا. ٤ - إثبات علم الله ؛ المحيط بخفايا النفوس. فهذا يجعل المؤمن يشعر برقابة الله له في جميع أحواله، وتقلباته، ويثمر ذلك ثمرات مسلكية من الحرص على طاعة الله، والانكفاف عن معصيته. قوله: "وعن أبي سعيد مرفوعاً: "إن من ضُعف اليقين" " (ضعف) يجوز فيها الفتح والضم، والضعف: ضد القوة، والصحة، واليقين: ضد الشك، وهو أعلى مراتب التصديق. قوله: "أن ترضي الناس بسخط الله" أي: تتقرب إليهم بما يرضيهم من مسخوطات الله ، وهذا يقع من بعض الناس: تجده يحاول إدخال السرور على محدثه بأمر يسخط الله، كان يأتي بالمزاح الكاذب، أو بالغيبة، أو يرخص له في أمرٍ محرم ليكسب رضاه. قوله: "وأن تحمدهم على رزق الله" أي: تشكرهم على رزق الله، والمنعم الحق هو الله ، فيثني على المخلوق، وينسى الخالق الرازق. وهذا لا ينافي أن يشكر الناس، فإنه قد جاء في الحديث: "لا يشكر الله من لا يشكر الناس" (٢)، وقال الله: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]، وقال النبي ﷺ : "من صنع إليكم

стр. 462

معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه، فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه" (١). فالواجب على الإنسان أن يعتقد بقلبه: أنّ المنعم والمتفضل هو الله ، وأنّه أجرى نعمته على يدي هذا الآدمي، وجعله سبباً لحصولها، فيشكر الله تعالى، ويشكر الذي صنع إليه معروفاً، ويدعو له. وحينئذٍ لا تتعارض الأدلة، وإنما تتعارض حينما يكيل المديح والثناء للمخلوق الذي لا يعدو أن يكون سبباً، وينسي الخالق، المنعم، المتفضل. وهذا الحمد المذموم يكثر على ألسنة الشعراء، والمداحين، المتزلفين لذوي السلطان. فعلى الإنسان أن يضبط عباراته، ويتعاهد قلبه في مثل هذه المواقف. قوله: "وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله" هذه الخصلة تقع من كثير من الناس؛ تجده يتغيظ، ويتبرم، حين يفوته شيء من الدنيا، ويقول: هذا بسبب فلان؛ قطع رزقي، وأفسد عيشي، ويصب جام غضبه، وعتبه على من حوله. والواقع أن هذا ناتج عن ضعف اليقين؛ لأن من علم بأن كل شيء بيد الله، وأنه هو المعطي والمانع، والقابض والباسط: علم أنّ هؤلاء لا يملكون من أمر الله شيئاً، وأن الأمر لا يستوجب إن يذمهم ذمَّا مطلقًا على شيء منعه الله تعالى إياه، فهذا لا يرد مفقوداً، بل يورثه مزيداً من الحزن. ومن تأمل في سيرة النبي ﷺ ، وشمائله الطاهرة، وجد أنه بريء من هذا الخلق، وهو العتب، يقول أنس بن مالك ﵁: "خدمتُ رسول الله ﷺ عشر سنين، والله ما قال لي: أفاً قط، ولا قال لي لشيء: لم فعلت كذا؟ وهلا فعلت كذا؟ " (٢)، من يطيق أن يكون أحد تحت ولايته، ويمر عليه عشر سنين ولا يعاتبه مرة واحدة؟! وفوق ذلك، يقول أنس-﵁: "فإن لامني أحد من أهل بيته، إلا قال: "دعوه، فلو قُدِّر" أو قال: "لو قُضي أن يكون كان" " (٣). فلو أخذ الإنسان نفسه بهذا الخلق الرفيع، لحقق سعادة لا توصف؛ إذ أنّ معظم شقاء الناس،

стр. 463

ومشاكلهم، وشجارهم، إنما يأتي من باب العتب والتلوم، فإذا علم الإنسان أنه لا وجه أن يذم غيره على أمر لم يؤته الله إياه، طابت نفسه، وقرت عينه، وسلم الناس من لومه، فهذه أخلاق رفيعة عالية ينبغي للمسلم أن يتخلق بها. قوله: "إن رزق الله لا يجره حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره" هاتان جملتان محكمتان تدلان على الإيمان بالقدر، ولا تُلغيان فعل الأسباب؛ لكنهما تقمعان النفس عن التعلق بالأسباب الظاهرة، ونسيان مسبب الأسباب. فقوله: "إن رزق الله لا يجره حرص حريص" ليس فيه إلغاء السعي، وطلب الرزق، وإنما إعلام بأن الرزق لا يأتي بالتلهف والإشفاق، بل هو محض فضل الله ، يجريه على من شاء من عباده. ولهذا فاضل الله تعالى بين عباده، فقال: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ [النحل: ٧١] فقد تجد الإنسان الذكي، الألمعي، الحاذق، صفر اليدين، وتجد الإنسان الغبي، الخامل، الأخرق، تحت يده المال الكثير، ليعلم الناس أن الأمر بيد الله . فالذي قال: "احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ" هو الذي قال بعدها: "وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ" (١)، فليحرص الإنسان على ما ينفعه في دينه ودنياه، مستعينًا بالله، ولا يعتقد أن حرصه مستقل بتحصيل الرزق. قوله: "ولا يرده كراهية كاره" فرزق الله المقسوم للعبد سيأتيه، فما قسمه الله تعالى له فهو حاصل، يقول النبي ﷺ : "أيها الناس، اتقوا الله، وأجملوا في الطلب، فإن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها، وإن أبطأ عنها، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب، خذوا ما حل، ودعوا ما حرم" (٢). فما أحوج طلاب الدنيا إلى هذه الجملة! "اتقوا الله وأجملوا في الطلب" إنها درس لصاحب النفس المتشوفة إلى متاع الحياة الدنيا، لم يقل: لا تطلب رزقك، بل قال اتق الله،

стр. 464

وأجمل في الطلب، فرزقك مقسوم منذ الأزل، ولا بد أن تستوفيه، كما تستوفي أجلك. وكم من أناس أصيبوا بالنكسات النفسية، والعلل الباطنية؛ بسبب فوات أمر دنيوي، كما حصل قبل سنين قريبة؛ لما انهار سوق الأسهم، انهارت نفوس، وجرى لكثير من المتضررين أمراض، وجلطات، واكتئاب. ولو أيقن العبد: "إن رزق الله لا يجره حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره" وأن الواجب عليه أن يتقي الله، ويجمل في الطلب، لكانت النفس مستعدة لتلقي ما يقع عليها، فنسأل الله أن يرزقنا اليقين. مناسبة الحديث للباب: ما تضمنه من ذم الخوف من غير الله، واسترضاء الخلق بسخط الله، لطلب جاه أو رزق. فوائد الحديث: ١ - أنّ الإيمان يتفاضل، ويزيد وينقص، ويقوى ويضعف، كما أن أهله يتفاضلون فيه. ٢ - وجوب التوكل على الله . ٣ - ذم من طلب رضا الناس بسخط الله، وشؤم عاقبته، وذم من شكر الناس على رزق الله. ٤ - ذم من لام الناس على قدر الله. ٥ - وجوب الإيمان بالقدر، مع فعل الأسباب. ثم قال ﵀: "وعن عائشة ﵂ أنّ رسول الله ﷺ قال: "من التمس رضا الله بسخط الناس ﵁، وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله، سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس"، رواه ابن حبان في صحيحه" لهذا الحديث قصة، وهو أن معاوية ﵁ لما ولي، كتب إلى أم المؤمنين عائشة: أن اكتبي إليّ، وأوصيني، ولا تكثري، فكتبت إليه ﵂ بهذه الكلمات،

стр. 465

وهي كلمات نورانية، يحتاج إليها من ولي ولاية أكثر من غيره. قوله: "من التمس رضا الله بسخط الناس" أي: من طلب وحرص على تحقيق رضا الله ، ولم يلتفت لسخط الناس. قوله: "﵁، وأرضى عنه الناس" حصل له مراده الذي قصده، وهو رضا الله، وحصل له رضا الناس في العاقبة والمآل والعاقبة. قوله: "ومن التمس رضا الناس بسخط الله" أي: تقرب إليهم بما يعجبهم، ويسخط الله. قوله: "سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس" فإن الله يسخط عليه، ويُسخط عليه الناس، وعومل بنقيض قصده. وهذا أمر مجرب مشهود، فكم من إنسان قام لله قومة صادقة، ولامه من حوله، وزجروه، فلم يعبأ بهم، ولم يلتفت إلى ذمهم، وتقريعهم، وما زال أمَّاراً بالمعروف، نهاءًا عن المنكر، داعياً إلى الله ، فما هي إلا سُنيات، أو دون ذلك، حتى صرف الله إليه قلوب الناس؛ لأنهم علموا صدقه، وأنه لا يبتغي من وراء ذلك حظ نفس، فانقلب سخطهم رضاً، وذمهم مدحًا. والعكس؛ فكم من إنسان بذل دينه، ومروءته، ليرضي الناس، فربما سمع منهم ثناءً بادئ الأمر، وأعجبهم حاله، لكن ما هي إلا أيام حتى تكشف لهم أمره، وعادوا ذامين له، ساخطين عليه. فاجعل الله تعالى نصب عينيك في كل ما تأتي وما تذر. ولقد سُئل إسحاق بن راهويه عن مسألة، فأجاب، فقيل له: إن أخاك أحمد بن حنبل يقول فيها بمثل ذلك، فقال: ما ظننتُ أن أحداً يوافقني عليها (١)، فلم يلتفت لأحد، ولم يستوحش من قلة السالك، ولم يقل: هل معي أحد على هذا القول؟ وإنما نظر فيما يجب عليه شرعاً، ويبرؤه عند الله ، فهذه هي الحسابات الصحيحة، في الدنيا والآخرة، لكن تحتاج إلى يقين، وثبات، وصبر، واعتصام بالكتاب والسنة، وفي سير السلف الصالح أسوة حسنة. مناسبة الحديث للباب: ظاهرة، لما تضمنه من حمد من قدم خشية الله، وذم من قدم خشية الناس.

стр. 466

فوائد الحديث: ١ - أنّ الجزاء من جنس العمل، وأن العاقبة للتقوى. ٢ - أنّ قلوب العباد بيد الله؛ فهو الذي يُرضي ويُسخط، ويصرف القلوب، فليثق العبد بربه. ثم قال ﵀: فيه مسائل: الأولى: تفسير آية آل عمران. وهي قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ وقد تقدم. فينبغي لنا إذا وقع في نفوسنا شيء من هذا التخويف، أن نقول كما قال المؤمنون: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. الثانية: تفسير آية براءة. وهي قول الله : ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ والشاهد منها: قوله: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾، فأثنى على من أفرده بالخشية. الثالثة: تفسير آية العنكبوت. وهي قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾، ففيها ذم لمن ترك حق الخالق، خوفاً من فتنة المخلوق. الرابعة: أنّ اليقين يضعف ويقوى. لقوله ﷺ : "إنّ من ضعف اليقين" وهذا أمر يجده المؤمن في نفسه، فيمر به حال يشعر بقوة اليقين، بسبب الذكرى، ويأتي عليه حال يصيبه الوهن، إما بسبب المعاصي، أو الغفلة.

стр. 467

الخامسة: علامة ضعفه، ومن ذلك هذه الثلاث. وهي: "أن يرضي الناس بسخط الله، وأن يحمدهم على رزق الله، وأن يذمهم على ما لم يؤته الله". السادسة: أنّ إخلاص الخوف لله من الفرائض. لقوله تعالى: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فجعله شرطاً في الإيمان، فدل على انتفاء الإيمان عند انتفائه؛ لأن المشروط ينتفي عند انتفاء شرطه. السابعة: ذكر ثواب من فعله. وهو رضاه عنه، وإرضاء الناس عليه. الثامنة: ذكر عقاب من تركه. وهو سخطه عليه، وإسخاط الناس عليه.

стр. 468

باب قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، [سورة الأنفال: ٢]. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، [سورة الأنفال: ٦٤]. وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، [سورة الطلاق: ٣]. وعن ابن عباس ﵄ قال: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قالها إبراهيم ﷺ حين أُلقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (١) [سورة آل عمران: ١٧٣]، رواه البخاري، والنسائي. الشرح: ترجم المصنف ﵀ للباب بهذه الآية العظيمة: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وهذه الآية وردت في مقالة موسى ﵇ لقومه، حينما أمرهم أن يدخلوا الأرض المقدسة، فتلكؤوا، وقالوا: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ [المائدة: ٢٢] فأمرهم بالتوكل على الله ، وبين لهم أنه شرط في الإيمان. وحقيقة التوكل: اعتماد القلب على الله في جلب المصالح ودفع

стр. 469

المفاسد، مع فعل الأسباب الشرعية، أو الحسية، الموصلة إلى ذلك. مناسبة الباب لكتاب التوحيد: التوكل عبادة قلبية، فصرفها لغير الله شرك، فناسب إيراد هذا الباب، بعد ذكر المحبة، والخوف، لأن مقام التوكل من أعظم مقامات السالكين. قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ أي: لا على غيره، فقدم الجار والمجرور للحصر ﴿فَتَوَكَّلُوا﴾ أي: اعتمدوا وفوضوا أموركم جميعها إليه ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فدل ذلك على أن توحيد الله بالتوكل من شرط الإيمان. وليعلم: أن اعتماد الإنسان على غيره ينقسم إلى قسمين: الأول: أن يعتمد على غيره فيما لا يقدر عليه إلا الله، كأن يقول: اعتمدتُ عليك في شفاء ابني، فهذا شرك أكبر، لا يجوز صرف هذا إلا لله تعالى. فهذا هو "التوكل". الثاني: أن يعتمد على غيره فيما يقدر عليه، فهذا جائز مباح؛ وقد جرت به العادة وصح شرعاً؛ لأنه استنابة، كأن يستنيبه في بيع، أو شراء، أو إجارة، أو ولاية نكاح، ونحو ذلك. وهذا "وكالة" أو "توكيل". وأما التوكل فإنه لا ينقسم؛ لأنه عبادة، كما أن السجود لا يمكن أن ينقسم إلى سجود عبادة، وسجود غير عبادة، بخلاف الأمور الأخرى، مثل الخوف، والحب. فالتوكل كله عبادة لا يجوز صرفه لغير الله تعالى. وأما التوكيل والوكالة فهذا لم يزل في الناس جارٍ، حتى قيل: والنّاسُ بالنّاسِ من حَضْرٍ وبادِيَةٍ … بعضٌ لبعضٍ -وإن لم يَشعُروا- خدَم. (١). فلم يزل الناس يقضي بعضهم مصالح بعض، ولم يزل الناس يتخذون الوكلاء نيابة عنهم، ولم يزل الفقهاء ﵏ يعقدون في كتب الفقه: باب الوكالة، فالتوكيل والوكالة مشروعان؛ لأنهما استنابة في مقدور عليه. وقد سئل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ عن قول بعض العامة: توكلتُ عليك يا فلان في كذا، ويذكر أمراً من الأمور المقدور عليها،

стр. 470

فأجاب ﵀: أن هذا شرك، أما التوكيل فيجوز؛ لأنه استنابة (١)، فَفَرَقَ بين التوكل والتوكيل. وسُئل أيضاً عن قول بعض العامة: متوكل على الله ثم عليك، فأجاب: هذا شرك، وإنما يقول: موكلك، ولا يقول: موكل الله ثم موكلك، فإن هذه عامية، وليست في محلها (٢). وعلّق ابن قاسم ﵀ تلميذ الشيخ على هذه المسألة، فقال: والفرق بين هذا وبين أعوذ بالله ثم بك: أنه يجوز الاستعاذة بالمخلوق مفرداً فيما يقدر عليه، بخلاف التوكل، فإنه كله عبادة، كما لا يجوز: أسجد لله، ثم لك، أو أعبد الله، ثم أعبدك يا فلان، كذلك لا يجوز أن يقول: أتوكل على الله، ثم عليك (٣). وبهذا يتبيّن أن التوكل عبادة خالصة، لا تنقسم، أما مطلق الاعتماد، ففيه التفصيل: - فما كان فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو التوكل الذي لا يجوز صرفه إلا لله، وكذا لو نادى غائباً، وقال: أنت وكيلي في كذا وكذا،، فهذا يلتحق بالشرك؛ لأنه يدعو غائباً، ويعتمد عليه. - وما كان في مقدور العباد، فهو توكيل سائغ، إذا كانوا أهلاً لذلك، كما لو قال لشخص حاضر قادر: وكلتك أن تبني لي هذا الحائط، أو: وكلتك أن تستخرج لي صكاً شرعياً بملكية هذه الأرض، فهذا لا بأس به. فوائد الآية: ١ - وجوب التوكل على الله ؛ وأنه عبادة لا يجوز صرفها لغيره، فمن صرفها لغيره، فقد وقع في الشرك الأكبر. ٢ - أن التوكل من أعظم أسباب القوة والنصر؛ لأن هذا قيل لهم بين يدي فتح وجهاد. ٣ - أن التوكل شرط في صحة الإيمان.

стр. 471

ثم ثنّى المصنف ﵀ بقول الله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢]. قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ (إنما) أداة حصر. قوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: خافت، والوجل من أعمال القلوب. قوله: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ أي: إذا تلي عليهم القرآن ازداد إيمانهم. قوله: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ قدم الجار والمجرور ليفيد الاختصاص. وهذا هو موضع الشاهد، فقلوبهم تفزع إلى الله في المضائق والأزمات، وعند الحاجات والملمات، وتركن إلى جنابه. أما من كان قلبه يلتفت يمنة ويسرة، ويطلب الخلاص عند الأشخاص، فليس بمتوكل ولا مؤمن حقًا. قوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ يؤدونها على وجه الاستقامة؛ في شروطها، وأركانها، وواجباتها. قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ أي: يبذلون النفقة الواجبة؛ من زكاة، أو نفقة على ولد، أو زوجة، أو بهيمة، والنفقة المستحبة، من صدقة، وبر، وصلة. قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ أي: من جمع هذه الخصال الخمس فقد حقق الإيمان الكامل. وبه يتبيّن أن الإيمان درجات، ومراتب: الأولى: أصل الإيمان: وهو الحد الأدنى الفاصل بين الإيمان والكفر؛ وهو الاستعلان بالشهادتين معتقداً لمعناهما، مقرًا بمقتضاهما. الثانية: الإيمان الواجب: أن ينضم إلى ما سبق فعل الواجبات، وترك المحرمات، فمن أتى بذلك دخل الجنة، فقد سأل رجل النبي ﷺ : "أرأيت إذا صليت الصلوات المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئاً، أأدخل الجنة؟ قال: "نعم" قال: والله لا أزيد على ذلك شيئاً" (١).

стр. 472

الثالثة: الإيمان الكامل؛ وذلك أن يضيف إلى ما تقدم، فعل المستحبات، وترك المكروهات، وهو الإيمان المطلق. وفرقٌ بين الإيمان المطلق، ومطلق الإيمان، فالإيمان المطلق هو الإيمان الكامل، ومطلق الإيمان هو الحد الأدنى منه، الذي ليس بعده إلا الكفر. والمؤمنون يتفاوتون في هذه المراتب، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣٢]. - فالظالم لنفسه: الذي أتى بأصل الإيمان، ووقع في بعض المحرمات، أو ترك بعض الواجبات. - والمقتصد: هو الذي أتى بأصل الإيمان، وصدقه بفعل الواجبات، وترك المحرمات، وحسب. - والسابق بالخيرات: هو الذي فعل الواجبات والمستحبات، وترك المحرمات والمكروهات. مناسبة الآيات للباب: ظاهرة، لما تضمنته أوصاف المؤمنين حقًا، من إفراد الله بالتوكل. فوائد الآيات: ١ - أن الإيمان يزيد وينقص؛ لقوله: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، بخلاف المرجئة، والوعيدية، الذين يعتقدون أن الإيمان شيء واحد، إما أن يوجد كله، وإما أن يعدم كله، لكن المرجئة تساهلوا في تحقيقه؛ وقصروه على التصديق، ولم يدخلوا العمل في مسمى الإيمان. والوعيدية شددوا في شرطه، فجعلوا ترك للواجبات، وفعل الكبائر، مزيل لاسم الإيمان، لكن الإيمان عند الفريقين، لا يزيد ولا ينقص. واستدل أهل السنة والجماعة على أن الإيمان يزيد وينقص، بناطق الكتاب، في ستة مواضع صريحة، منها الموضع السابق. ٢ - أن أهل الإيمان يتفاضلون فيه، فمنهم المؤمنون حقاً، ومنهم دون ذلك، ففي قول الله : ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] شرط الله تعالى في الرقبة أن تكون مؤمنة، فلو لم يجد الإنسان إلا عبداً زانياً، أو سارقاً، أو مغتاباً،

стр. 473

أو نماماً، أو ظالماً، أو جانياً، فأعتقه برأت ذمته باتفاق العلماء؛ وصدق عليه أنه رقبة مؤمنة، ومع ذلك فليس إيمانه كإيمان من وصفهم الله ها هنا، ولا كمن وصفهم الله بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥]. ٣ - أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، وقوله: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. فالتوكل عبادة عملية قلبية، وإقام الصلاة عبادة عملية بدنية، خلافاً للمرجئة، بجميع طبقاتها، التي تخرج الأعمال عن مسمى الإيمان. ثم قال المصنف ﵀: "وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ " قوله: ﴿يَا أَيُّهَا﴾ (يا) أداة نداء، وأتى ب (أي) ليتوصل بها إلى نداء المعرف ب (أل)؛ لأنه لا يجوز لغةً أن تدخل ياء النداء على المعرف ب (أل). والعامة يقولون: يا الرجل، يا الواقف، يا القاعد، وهذا غير صحيح لغةً. والهاء للتنبيه قوله: ﴿النَّبِيُّ﴾ بالهمز وبدونه، يقال: النبئ والنبي، وهو إما (فعيل) بمعنى (فاعل) أي: مُنَبِّئٌ عن الله برسالته، وإما بمعنى (مفعول) أي: أنه مُنَبَّأٌ من الله بأوامره ونواهيه، ويُجمع على الأنبياء، والنبيين، والنُبآء، كما قال الشاعر: يَا خَاتَمَ النُّبَآءِ إِنَّكَ مُرسَلٌ … بِالحَقِّ خَيْرُ هُدَى الْإِلَهِ هُدَاكَا (١) واختلفوا من أي مادة اشتُق اسم (النبيّ) على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه مأخوذ من النبأ، وهو الخبر؛ لأنه يُنْبِئُ عن الله، أي يُخْبِرُ، ومنه قوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا في صُحُفِ مُوسَى﴾ [النجم: ٣٦].

стр. 474

الثاني: أن أصل النبيِّ هو الطريق، وسمي النبي نبياً لاهتداء الخلق به كالطريق، قال القطامي: لَمَّا وَرَدْنَا نبِيَاً وَاسْتَتَبَّ لَنَا … مُسْتَحْفَرٌ بِخُطُوطِ النَّسْجِ مُنْسَجِلُ (١) الثالث: أنه مأخوذ من نبا ينبو إذا ظهر، فالنبي من النبوة، وهو الارتفاع؛ لأن منزلة الأنبياء رفيعة ظاهرة. والمراد بالنبي هنا هو محمد ﷺ . قوله: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ أي: كافيك، فالحسب الكفاية. قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ المراد: الله يكفيك ويكفي من اتبعك من المؤمنين، ولا يمكن أن يكون المراد: حسبك الله، وحسبك من اتبعك من المؤمنين؛ لأن الحسب والكفاية لا تكون إلا لله ، فلا يمكن أن يُحال النبي ﷺ على المؤمنين في الكفاية. مناسبة الآية للباب: ظاهرة، لأن الحسب هو الكفاية التي تستلزم التوكل. فوائد الآية: ١ - كفاية الله لنبيه والمؤمنين، واستغناؤهم عمن سواه. ٢ - أن الإيمان بكفاية الله يستلزم إفراده بالتوكل. ٣ - بطلان دعوى من جعل الحسب لغير الله، كمن يدعو ميتًا، أو غائبًا: (أنا في حسبك)! ٤ - وجوب اتباع النبي ﷺ من سائر المؤمنين. قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: عليه، لا على غيره، في جلب النفع، ودفع الضر. قوله: ﴿فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ أي: كافيه، وقد جاءت هذه الجملة ضمن جمل نورانية محكمة، لها وقع عظيم في القلب، وهي قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ

стр. 475

بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٢، ٣]. فما من مؤمن يعتريه شيء من القلق، أو الخوف، أو الهم، أو الخوف، من فوات مطلوب، أو طلب مقصود، فيقرأ هذه الآيات حتى يطمئن فؤاده، ويعلم أن كل شيء بيد الله. فهي دواء ناجع للهم والحزن. مناسبة الآية للباب: ظاهرة، كسابقتها، لما فيها من ذكر كفاية الله لمن حقق التوكل. فوائد الآية: ١ - وجوب التوكل على الله . ٢ - فضيلة التوكل، وأنه يحصل به المقصود. ٣ - أن الجزاء من جنس العمل، فمن اعتمد قلبه على الله كفاه، فالتوكل مقام عظيم، خلافاً لما ادعاه بعض الصوفية من أنه من أضعف مقامات السالكين، بل التوكل من أعظم منازل السالكين، ومقامات العبودية الشريفة. وسيد المتوكلين ﷺ فعل كل سبب، مع توكله على الله ، فقد ظاهر بين درعين، ولبس المغفر على رأسه، وفي هجرته كمن نهاراً، وسار ليلاً، واتخذ دليلاً، وغير ذلك. ثم قال المصنف ﵀: "وعن ابن عباس ﵄ قال: "حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم ﵇ حينما ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] رواه البخاري، والنسائي" هذا النص يدل على فقه ابن عباس ﵄ ودقة ملاحظته، فإنه قد جمع بين ما قال إمام الموحدين في الأولين، وما قال إمام الموحدين في الآخرين، بين قول إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار: حسبنا الله ونعم الوكيل. وقد روي أن جبريل ﵇ عرض له، فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ قال: أمَّا إليك فلا، وأما

стр. 476

إلى الله فبلى (١)، وقول نبينا ﷺ والمؤمنين حين أجلب عليهم بعض الناس، وقالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ كنوع من الحرب النفسية، والإرهاب، لكن النبي ﷺ ومن معه من المؤمنين قابلوهم بالتوكل على ربهم، فكانت النتيجة: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٤]، وصدق عليه قول ربه: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣] مناسبة الأثر للباب: ظاهرة، لما تضمنه من الاستشهاد على تفويض الأمور إلى الله، وصدق التوكل عليه. فوائد الأثر: ١ - فضيلة هذه الكلمة ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾، وبعض الناس اليوم، يستعملها في غير موضع التوكل، بل في موضع الاسترجاع، أو الحوقلة، أو التشكي، كما يقول العامة عندنا: فلان يتحسب على فلان، أي يدعو عليه. وهي في الأصل كلمة توحيد تدل على التوكل، والاعتماد على الله ، فيما ينوب المرء. لكن إن استعملها الإنسان في مقام معين، ربما دلت على الدعاء بالقرائن المحيطة. ٢ - مشروعية قولها في الكروب والمضائق؛ لأن إبراهيم ﵇ قالها في كرب وضيق، وقالها نبينا ﷺ والمؤمنون كذلك. ٣ - إثبات زيادة الإيمان ونقصانه. ٤ - أن الله قد يجعل فيما يكرهه الإنسان خيراً كثيراً، فالذين قيل لهم: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾، حصل لهم منه الخير والنعمة ما لم يكن لهم بالحسبان، كما قال: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ وهذا من ثمرات التوكل على الله.

стр. 477

ثم قال المصنف ﵀: فيه مسائل: الأولى: أن التوكل من الفرائض. لقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ فهذا أمر، والأصل في الأمر الوجوب. الثانية: أنه من شروط الإيمان. لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فلا يصدق وصف الإيمان، ولا يكون من جملة المؤمنين، إلا من حقق التوكل على الله تعالى. الثالثة: تفسير آية الأنفال. المتضمنة لصفات المؤمنين حقًا، ومنها التوكل، وهي قوله: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. الرابعة: تفسير الآية في آخرها. أي في آخر سورة الأنفال، وهي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِين﴾ أي: الله كافيك، وكافي من اتبعك. الخامسة: تفسير آية الطلاق. وهي قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ أي كافيه. السادسة: عظم شأن هذه الكلمة؛ أنها قول إبراهيم، ونبينا محمد ﷺ في الشدائد. ولنا فيهما أسوة حسنة، فينبغي للإنسان أن يحتفي بهذه الكلمة، وأن يعتصم بها في دعائه لربه حتى يكشف الله كربه. ومن شواهد ذلك، قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾. [التوبة: ١٢٩].

стр. 478

باب قول الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [سورة الحجر: ٥٦]. وعن ابن عباس ﵄ أنّ رسول الله ﷺ سُئل عن الكبائر، فقال: "الشرك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله" (١). وعن ابن مسعود ﵁ قال: "أكبر الكبائر الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله" (٢)، رواه عبد الرزاق. الشرح: هذه الترجمة مكونة من آيتين؛ تضمنت الأولى الأمن من مكر الله، والثانية القنوط من رحمة الله. فهذان معنيان متقابلان، وآفتان عظيمتان، لمنافاتهما لتوحيد الله . قوله: ﴿أَفَأَمِنُوا﴾ استفهام إنكاري يتضمن التوبيخ والنكير. والضمير يعود على مكذبي الرسل. قوله: ﴿مَكْرَ اللَّهِ﴾ المكر: إيصال العقوبة، أو الضرر بطريق خفي، من حيث لا يُتوقع. وينقسم إلى قسمين: ١ - مكر محمود: وهو إيصال الضرر إلى مستحقه، من حيث لا يشعر. ٢ - ومكر مذموم: وهو إيصال الضرر إلى غير مستحقه، من حيث لا يشعر. مثال ذلك: لو أنّ إنساناً تحايل على الناس، واستدرجهم، وأغراهم وأكل

стр. 479

بأموالهم بالباطل، فذلك مكر مذموم، لأنه وقع على بريء. ولو انتدب له شرطي من الشرطة الجنائية، فاستدرجه، وأغراه بأنه سيعطيه أموالاً ليقع في قبضته، فذلك مكر محمود، لأنه وقع على ظالم. فالمكر المضاف إلى الله سبحانه، لا ريب أنه مكر محمود؛ لأن الله تعالى إنما يمكر بالماكرين، كما قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤]، وقال: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠]. ولهذا كان هذا الوصف، وأمثاله مما ينقسم إلى محمود ومذموم، لا يجوز أن يساق إلا على سبيل المقابلة، ولا يسمى الله بالماكر، ولا يوصف بالمكر، أو يخبر به عنه بإطلاق، بل لا بد من التقييد؛ فيقال: ماكر بالماكرين، ويمكرون ويمكر الله، ونحوه، حتى لا يتبادر إلى الذهن المعنى المذموم. وكذلك الحال في: الكيد، والخداع، والاستهزاء، مما تنقسم مدلولاتها إلى محمود ومذموم. ومكر الله، في الآية، استدراجه للمكذبين أعداء الرسل، وأخذهم على حين غرة. قوله: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ أي: الهالكون. وذلك لجهلهم بالله. قوله: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ﴾ القنوط: هو شدة اليأس، واستبعاد الفرج، وهي حالة نفسية تعتري بعض النفوس، ويعبرون عنها أحياناً بالإحباط، وهو من الكبائر العظيمة، لما فيها من سوء الظن بالله. قوله: ﴿إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ الضال هو التائه المخطئ لدرب الصواب. مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن الأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله من أعظم الذنوب المنافية للتوحيد، وقد تُنافي التوحيد من أصله، وقد تنافي كماله الواجب، بحسب الدرجة التي بلغها صاحبها. فوائد الآيتين: ١ - التحذير من مكر الله، وأخذ الأهبة والاستعداد.

стр. 480

٢ - التحذير من القنوط من رحمة الله، ووجوب رجائه، وحسن الظن به. ٣ - وجوب الجمع بين الخوف والرجاء في القلب، فالعبد يحتاج من خوف الله إلى ما يحجزه عن معصية الله، ولا حاجة له فيما زاد عن ذلك، ويحتاج من رجاء الله ما يحفزه على طاعة الله. فهذه معادلة قلبية متيسرة لمن يسرها الله تعالى له، فحينئذٍ تستقيم النفس، وتصبح نفسًا سويةً، سليمة، خلية من الأمراض النفسية. وتذهب عنها الوساوس، والأفكار السلبية، وتكتسب تقوى تعصمها عن اتباع الشهوات، والشبهات. ثم قال المصنف ﵀: "وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ : سئل عن الكبائر" وتقدم تعريف الكبائر "فقال: "الشرك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله" " هذه ثلاث خصال عظيمة: الأولى: "الشرك بالله" وهو تسوية غير الله بالله، فيما هو من خصائص الله. وهو أعظم الذنوب. فما عُصي الله بذنب أعظم من الشرك، وما تقرب إليه بطاعة أعظم من التوحيد. الثانية: "اليأس من روح الله" وهي قطع الرجاء بالله، واستبعاد فرجه. قال يعقوب لبنيه: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]. الثالثة: "الأمن من مكر الله" أي: الغفلة، وعدم الاكتراث من استدراج الله تعالى للعبد بالمال، والصحة، والجاه، وغير ذلك. وهذا الحديث لم يذكر المصنف من أخرجه، وقد رواه البزار (١)؛ والطبراني (٢)، وابن أبي حاتم (٣)، واختلف العلماء في ثبوته: فحسّنه جمع من

стр. 481

العلماء، منهم العراقي (١)، والسيوطي (٢)، والألباني، إلا أن ابن كثير ﵀ قال: "وفي إسناده نظر، والأشبه أن يكون موقوفاً" (٣). ولا ريب أن معناه صحيح، وأن هذه الخصال من الخصال الموجبة، التي جاء الشارع بالتحذير منها، والنكير على من وقع فيها. قوله: "وعن ابن مسعود، قال: "أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله" هذا الأثر كسابقه، إلا أنه ذكر القنوط واليأس، وهما متقاربان. قوله: "رواه عبد الرزاق الصنعاني ﵀" وقد جزم ابن كثير ﵀ بصحته موقوفًا، فقال: هو صحيح إليه بلا شك (٤)، أي: إلى ابن مسعود، وقد رواه أيضًا ابن جرير (٥)، والطبراني (٦). مناسبة الأثرين للباب: مطابقة للترجمة، لما فيهما من ذم الأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله؛ لمنافاتهما للتوحيد. فوائد الأثرين: ١ - تحريم الأمن من مكر الله، واليأس من روح الله. ٢ - أن الشرك بالله أعظم الذنوب على الإطلاق. ٣ - أن العبد ينبغي أن يجمع بين الخوف والرجاء. ٤ - وجوب تعظيم الله، وحسن الظن به، معًا.

стр. 482

ثم قال المصنف ﵀: فيه مسائل: الأولى: تفسير آية الأعراف. تفسير آية الأعراف، وهي قول الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ في شأن المكذبين لرسله. الثانية: تفسير آية الحجر. وهي قوله: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ في سياق الآيات عن إبراهيم ﵇. الثالثة: شدة الوعيد فيمن أمن مكر الله. لقوله: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾. الرابعة: شدة الوعيد في القنوط. لقوله: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ وكذلك ما رواه ابن عباس، وابن مسعود ﵄.

стр. 483

باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله وقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١]. قال علقمة: "هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم" (١). وفى صحيح مسلم: عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت" (٢). ولهما: عن ابن مسعود مرفوعاً: "ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية" (٣). وعن أنس ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "إذا أراد الله بعبده الخير، عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه، حتى يوافي به يوم القيامة" (٤). وقال النبي ﷺ : "إنّ عظم الجزاء من عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط" (٥). حسنة الترمذي.

стр. 484

الشرح: قوله: "من الإيمان": أي من خصال الإيمان. و"الصبر" لغة: الحبس، والكف، والمنع. واصطلاحًا: حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي والسخط، وحبس الجوارح عن لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعوى الجاهلية. و"أقدار الله" ما قضله الله في الزل من الأمور المؤلمة المكروهة. مناسبة الباب لكتاب التوحيد: لكون الصبر شعبة من شعب الإيمان الواجب. منزلة الصبر وفضله: كثر ذكر الصبر في كتاب الله ، وثناء الله تعالى على الصابرين، في نحو من خمس وخمسين موضعًا، ومنها: قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]، وقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]، وقوله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] فمقام الصبر واجب، وفضله عظيم. وفي سنة رسول الله ﷺ : "ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة؛ في نفسه، وولده، وماله، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة" (١). ويروى عن علي- ﵁ أنه قال: (ألا إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا قطع الرأس باد الجسد، ثم رفع صوته فقال: ألا إنه لا إيمان لمن لا صبر له) (٢). والأحاديث والآثار في الصبر كثيرة.

стр. 485

وكم من الناس من يبلغ المراتب العلى، لا بصلاته، ولا بصيامه، ولا بقيامه، ولا بصدقته، لكن يقيض الله تعالى عليه مصيبة دنيوية في بدنه، أو نفسه، أو أهله، أو ماله، فيرفعه الله به أعلى الدرجات. والذي ينبغي للإنسان أن يسأل الله العافية، لكن إذا ابتلي فليصبر؛ ولهذا وجه النبي ﷺ أصحابه لما حالت الشمس بينهم وبين أن يقاتلوا عدوهم، فقالوا: يا رسول الله وددنا أنا لو لقينا عدونا، فقال رسول الله ﷺ : "لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم، فاصبروا" (١). فالإنسان لا يدري ما حاله إذا وقعت عليه المصيبة، فربما آل حاله إلى الجزع والسخط، فإن الإنسان محل القصور والتقصير، فعليه أن يسأل الله العافية، فإذا أجرى الله عليه شيئاً من قدره، فليستمسك بما قاله النبي ﷺ : "عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء، صبر فكان خيراً له" (٢). وما يقع على العبد من مصائب دنيوية، تارة تكون تكفيرًا للسيئات، وتارة تكون رفعةً للدرجات، وتارة تكون ابتلاء؛ يستخرج الله تعالى بها أنواع العبوديات من خبيئة قلبه، فلا يظننّ ظان بالله إلا خيراً. قال الله : ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ [الفجر: ١٥] يظن بعض الناس إذا رأى أنّ الله أنعم عليه بالصحة، والمال، والغنى، أنه كريم على الله! ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر: ١٦] ويظن بعض من الناس أن تضييق الرزق، واعتلال الصحة ونحو ذلك علامة شؤم، وهوان على الله! فعقّب الله في الحالتين بقوله: ﴿كَلَّا﴾ أي: ليس الأمر كما تظنون، فليس عطاؤنا دليل كرامة، وليس منعنا دليل هوان، وإنما دليل الكرامة والمهانة ما يكون من العبد؛ فإن هو قابل الضراء بالصبر، وقابل السراء بالشكر، فهو الكريم على الله، وإن هو قابل الضراء بالجزع، وقابل السراء بالأشر والبطر، فهو الهين على الله. هذا هو المعيار الحقيقي؛ ولهذا تنبّه له نبي الله سليمان لما رأى عرش

стр. 486

ملكة سبأ مستقراً عنده، فقال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: ٤٠]، خلافًا لقارون الذي أوتي من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوءُ بالعصبة أولي القوة، فقال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]. قوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ الإيمان لغة، عند كثير من المتأخرين: التصديق، كما قال الله عن أخوة يوسف: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧]، إلا إنّ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يرى أنه تصديق خاص (١)، تصديق مصحوب بالأمن، ففيه معنى الائتمان؛ ولذلك يتضمن معنى الإقرار، والقبول، والرضا، والانقياد. وأما تعريف الإيمان اصطلاحاً: فهو اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان. وهذه جملة شرطية، ومعنى ﴿يؤمن بالله﴾ أي: يعتقد بأن هذه المصيبة التي نزلت به، إنما هي بقدر الله، فيصبر. وجواب الشرط: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ أي: يهدي قلب هذا الصابر على هذه المصيبة، وهذه آية عظيمة، وجملة منيرة لكل مؤمن، بأن الصبر النابع من الإيمان، سبب لهداية القلب. فالإيمان هنا هو الإيمان بالقدر، المستلزم للصبر على أقدار الله المؤلمة، فمن علم أن هذا الذي جرى عليه إنما وقع بعلم الله، وكتابته، ومشيئته، وخلقه، فرضي بالله رباً ومدبراً؛ أورثه ذلك هداية يجدها في قلبه؛ ولهذا قال الله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١]. "قال علقمة" هو علقمة بن قيس بن عبد الله، من أفاضل أصحاب عبد الله بن مسعود ﵁، ولد في حياة النبي ﷺ ، لكنه لم يلقه، ويعد من كبار التابعين، وعلمائهم وفقهائهم، كانت وفاته بعد الستين، ﵀. قوله: "هو الرجل" ليس المقصود أنه رجل دون امرأة، وإنما خرج مخرج التغليب. قوله: "تصيبه المصيبة" أي: يقع عليه من قدر الله تعالى ما يؤلمه؛ من موت قريب، أو فوات مال، أو حصول آفة ومرض، أو غير ذلك، مما يجريه الله تعالى على عباده.

стр. 487

قوله: "فيعلم أنها من عند الله" أي: يستيقن أنها جرت بتقدير الله السابق، وحكمته البالغة. قوله: "فيرضى ويسلم" ولا يعترض وينقم، فيورثه ذلك هداية في قلبه. مناسبة الآية للباب: مطابقة للترجمة، لما تضمنته من الرضا بالله رباً، ومدبراً، والصبر على أقداره. فوائد الآية: ١ - فضيلة الصبر. ٢ - أنّ الأعمال داخلة في مسمى الإيمان؛ لأن الصبر عمل قلبي؛ لما يحصل في القلب من المجاهدات، والإرادات الإيمانية، فهو ليس تصديقاً فقط، ولكنه عمل. ٣ - بيان ثمرة الصبر، وهي هداية القلب، فالصبر النابع من الإيمان لا يورث مرارة، ولكنه يورث هداية، ولهذا قال النبي ﷺ : "وما أُعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر" (١)، فالصبر يُورث في القلب إيماناً، ورضاً، وتسليماً، وقوة. وقد قيل: والصبر مثل اسمه مرٌّ مذاقته … ** لكن عواقبه أحلى من العسل قوله: "وفى صحيح مسلم: عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "اثنتان في الناس هما بهم كفر" أي: أن هاتين الخصلتين كفر قائم بالناس، وليس الكفر الأكبر المخرج عن الملة، وإنما أراد الكفر الأصغر، لأن هاتين الخصلتين من خصال الجاهلية: الأولى: "الطعن في النسب" أي: عيبه وتنقصه، وهذا يقع كثيراً في الناس، فيلمز بعضهم بعضاً، وينبز بعضهم بعضاً بأنسابهم وأصولهم، مع أن الأحساب والأنساب لا تغني عنهم عند الله شيئاً، كما قال تعالى: ﴿﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ

стр. 488

إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣] وقال النبي ﷺ : "من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه" (١). الثانية: "النياحة على الميت" المراد بالنياحة: رفع الصوت بالندب على الميت، وذكر محاسنه، وما يصاحب ذلك، مما يدل على التسخط على القدر، وأما مجرد البكاء، ودمع العين، فهذا انفعال طبيعي، ليس مذموماً، يقع من بني آدم؛ ولهذا حصل للنبي ﷺ مثله، حينما مات ابنه إبراهيم. ولا تزال النياحة في الناس، بسبب المصائب التي يجريها الله على عباده، وهي من كبائر الإثم، وقد تقدم في الحديث: "النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا، تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ" (٢). والناس تُجاه المصائب، على مراتب: ١ - السخط: وهذه أدنى المراتب، فيسخط قلبه، وتجزع نفسه، ويسيء الظن بربه، ويدعو بالويل والثبور،، ويشق جيبه، ويلطم خده، وهذا لا شك محرم، وربما بلغ مبلغ الكفر، كما لو أنه أساء الظن بالله ، واتهمه في قضائه. ٢ - مرتبة الصبر: وذلك بحبس النفس عن الجزع، وسوء الظن بالله، وحبس اللسان عن التشكي والسخط، كأن يقول: يا ويلاه! يا ثبوراه! ونحو ذلك، وحبس الجوارح عن الضرب، واللطم، والشق، ونحو ذلك من أفعال الجاهلية، فإذا سلم من هذه الأشياء، وكظم ما يجد، فقد أدى الواجب، ونال ثواب الصابرين. ٣ - مرتبة الرضا: وذلك أن يبلغ العبد المبتلى درجة يستوي عنده الأمران؛ لقوة يقينه بالله، وتسليمه بقضائه، فهذه مرتبة قد قال بعض أهل العلم: إنها واجبة، وممن قال بذلك أبو الوفاء ابن عقيل ﵀ (٣)، ولكن القول الصحيح

стр. 489

الذي رجّحه شيخ الإسلام ابن تيمية (١)، وتلميذه ابن القيم (٢): أن الرضا مستحب، وليس بواجب، وإنما الواجب هو الصبر. ٤ - مرتبة الشكر: وهذا مقام رفيع يقع لبعض المؤمنين، فتسمو نفوسهم أحياناً مع المصائب، وتشعر بالغبطة لما وقع عليها! كأنهم رأوا أنّ الله أراد بهم خيراً من تكفير السيئات، ورفعة الدرجات، فنظروا إلى المصيبة بعين القدر، فأحدث لهم ذلك سروراً وبهجة، وهذا عجيب فعلاً، ولا يصل إليه إلا الكُمَّل من الصالحين. وهذه المراتب -باستثناء مرتبة السخط- ربما تنتاب المؤمن في المصيبة الواحدة، فأحياناً يعصف بقلبه ما يفزع فيه إلى الصبر والتجلد، وقد يستروح فيجد حالاً من الرضا، واستواء الأمرين، ثم يتسامى فتهب عليه نسائم الشكر والاغتباط بما أجرى الله تعالى عليه. فربما أطاف بالقلب جميع هذه الأحوال الثلاثة، وهو لأيها غلب. والمهم ألا ينزل عن درجة الصبر. مناسبة الحديث للباب: ظاهرة، لما تضمنه من تحريم النياحة، المنافية للصبر، ووصفها بأنها من خصال الكفر. فوائد الحديث: ١ - تحريم الطعن في النسب، فالناس مؤتمنون على أنسابهم. ٢ - تحريم النياحة على الميت. ٣ - وجوب الصبر على أقدار الله المؤلمة. ٤ - أن الكفر كفران: كفر أكبر، ناقل عن الملة، وكفر أصغر، لا ينقل عن الملة. قوله: "ولهما عن ابن مسعود مرفوعاً: للشيخين؛ البخاري ومسلم. وعبر بالرفع لعلو منزلته ﷺ

стр. 490

قوله: "ليس منا" " هذا التبرؤ من أساليب الوعيد، ويدل على أن الفعل كبيرة. قوله: "من ضرب الخدود، وشق الجيوب" جمع جيب: هو مدخل الرأس من القميص. قوله: "ودعا بدعوى الجاهلية" وهي الندب، والنياحة، كقولهم: واثبوراه، واعمراه، واجبلاه، يا ويلاه، ونحوها، أو ما يقابلها من ألفاظ عند الناس في مختلف المجتمعات، على اختلاف اللغات. على سبيل السخط والجزع، وهذه أفعال أهل الجاهلية، ولا شك أن هذا سفه؛ لأن هذا لا يرفع عنه مصيبة، بل يزيده ألماً، فلهذا برأ النبي ﷺ أهل الإسلام منها. مناسبة الحديث للباب: ظاهرة، لما تضمنه من البراءة من السخط على أقدار الله المؤلمة، بالقول والفعل، لمنافاتها للصبر. فوائد الحديث: ١ - تحريم السخط بالقول أو الفعل، وأنه من الكبائر؛ لقوله: "ليس منا". ٢ - وجوب الصبر. ٣ - تحريم مشابهة أهل الجاهلية. وهذا ملحظ مهم، فإن الشارع الحكيم لم يزل يميز بين أهل الإسلام، وأهل الشرك، فيجب على أهل الإسلام أن يشعروا أن الله ميزهم بميزة لا يدانيهم فيها أمة ولا ملة. فمن السفه أن نجد بعض المسلمين يجري خلف العادات الغربية، والشرقية، ويحاكي اليهود والنصارى والذين لا يعلمون؛ في عقائدهم، وأخلاقهم وعاداتهم، وأعيادهم، ومناسباتهم، وملابسهم، وأشكالهم! هذا نقص في الدين، ونقص في العقل وضعف في الشخصية،. أما نقصه في الدين فظاهر، حيث أنّ الله قال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] فوصفنا بالخيرية، ووضعنا في موضع الريادة، والسيادة، والقيادة، فكيف ننزل عن هذه الرتبة، ونخالف أمر الله، وأمر نبيه ﷺ . وأما نقصه في العقل: فلأنه لا يليق بالإنسان الكامل، أن يكون

стр. 491

ذيلاً وتبعاً للناقص. فصار التشبه مخالفاً للنص، كما في قول النبي ﷺ : "من تشبه بقوم فهو منهم" (١)، ومخالفاً للعقل، لما في ذلك من انحطاط عن الرتبة العليا إلى رتبة دنيا. فلنتنبه لهذه الممارسات التي فشت في مجتمعاتنا من أنواع الملابس، والكلمات، والعادات التي يصعب حصرها، لكنها تسللت إلينا من الشرق والغرب، فلا يليق بنا أن نكون رجع الصدى، ولا أن يكون أحدنا إمعة إذا قال الناس شيئاً قاله، وإنما عليه أن يفرز، ويفحص، ويميز بين الواردات. ثم قال المصنف ﵀: "عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أراد الله بعبده الخير عجّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه، حتى يوافي به يوم القيامة" " هذا الحديث: رواه الترمذي (٢)، وابن عدي (٣)، والبيهقي (٤)، وهو صحيح لغيره، والحديث الصحيح لغيره عند أهل المصطلح هو الحديث الحسن إذا تعددت طرقه. قوله: "إذا أراد الله بعبده الخير" قد يريد الله بعبده الخير، وقد يريد به الشر، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥] ويقول النبي ﷺ : "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين" (٥). قوله: "عجّل له العقوبة في الدنيا" هذه إحدى علامات إرادة الخير بالعبد، ومعنى ذلك: أنه ينزل به من المصائب بسبب ما صدر منه من ذنوب، لتطهره، وتكفر عنه، فإن المصيبة تكفر الذنب، وتحته حتاً.

стр. 492

قوله: "وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه" أي: أخّر عنه العقوبة، لا رحمة له، أو لطفاً به، ولكن استدراجاً، وإمهالًا، كما قال تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣] قوله: "حتى يوافي به يوم القيامة" أي: يحمل وزره يوم القيامة،، فيعذبه الله تعالى به في الآخرة. ولا شك أنّ عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، كما قال النبي ﷺ للملاعنة حيث وعظها: "عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة" (١). مناسبة الحديث للباب: ظاهرة، لما تضمنه من الحث على الصبر على المصائب. فوائد الحديث: ١ - بيان علامة من علامات إرادة الله بعبده الخير، أو الشر. ٢ - الخوف من الاستدراج بالصحة والغنى. ٣ - إحسان الظن بالله ، فإذا وقع على العبد مصيبة فليقل في نفسه: أراد الله بي خيراً، أراد أن يطهرني في الدنيا قبل الآخرة، حتى لا أوافى بذنبي يوم القيامة. ٤ - وجوب الصبر على المصائب. ثم قال المصنف ﵀: "وعن أنس ﵁ أيضاً إنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنّ عِظَم الجزاء من عظم البلاء" " هذا حديث صحيح، رواه الترمذي، وحسنه، وابن ماجهكما تقدم. قوله: "عِظَم" بكسر العين، وفتح الظاء، مصدر. والمراد: أنّ من كان بلاؤه أعظم، فجزاؤه أعظم، فإن الجزاء من جنس العمل وبقدره، وقد سُئل نبينا ﷺ : أي الناس أشد بلاء؟ فقال: "الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى العبد

стр. 493

على حسب دينه، فإن كان دينه صلباً اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقةً ابتلي على حسب دينه" (١). فليس البلاء دليل هوان، بل كونه دليل كرامة أقرب، لكن بشرط أن يقابله الإنسان بالصبر والاحتساب، فإن صبر فليبشر بما أعد الله له، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] قوله: "وإن الله تعالى إذا أحب قوماً ابتلاهم" هذه علامة على حب الله لبعض عباده. قوله: "فمن رضي فله الرضا" أي: من رضي بقضاء الله تعالى وقدره بهذا البلاء، ولم يتسخط، فله الرضا من الله ، جزاء له على رضاه على مقدوره. قوله: "ومن سخط" أي: امتعض، وتبرم، ونفر، وأنكر هذا البلاء الذي قدره الله تعالى عليه. قوله: "فله السخط" أي: من الله ، فيسخط الله عليه مقابل سخطه على قدره. والسخط صفة من صفات الله ، قال تعالى: ﴿سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٨٠]، كما أن الرضا صفة من صفاته، قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ١٨]. فيجب على العبد أن يعتصم بربه ، وأن يهيئ نفسه، ويعدها لتلقي أقدار الله، بالصبر، واليقين، والرضا، مع سؤاله العافية في جميع الأمور. وألا يغفل عن الله ، فإنه من عرف الله في الرخاء عرفه الله في الشدة، كما في الحديث: "تعرف إليه في الرخاء، يعرفك في الشدة" (٢)، وقال ﷺ : "احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك" (٣). مناسبة الحديث للباب: ظاهرة، لأن فيه من وجوب الرضا بقدر الله، المتضمن للصبر على البلاء.

стр. 494

فوائد الحديث: ١ - بيان علامة محبة الله لعباده، وهي الابتلاء. ٢ - إثبات جملة من الصفات لله تعالى: المحبة لقوله: "أن الله إذا أحب"، والرضا؛ لقوله: "فله الرضا" والسخط لقوله: "فله السخط". وكلها صفات فعلية، تثبت لله على ما يليق بجلاله، وليس في إثباتها أدنى مماثلة لصفات المخلوقين، فإن الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. ٣ - بيان حكمة الله تعالى، فالله تعالى حكيم فيما يقدر، فلا يقدر الأمور لمحض المشيئة، كما يقول الأشاعرة، بل لمشيئته وحكمته معاً، سبحانه. ٤ - أن الجزاء من جنس العمل. ٥ - فيه معنى قول الله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]. ٦ - وجوب الصبر على قضاء الله وقدره. ٧ - وجوب إحسان الظن بالله تعالى. قال المصنف ﵀: فيه مسائل: الأولى: تفسير آية التغابن. وهي قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ وتفسيرها: أن من أصابته مصيبة فعلم أنها من عند الله، فرضي وسلم، هدى الله قلبه. الثانية: أن هذا من الإيمان بالله. لقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ فسمى الصبر إيمانًا. الثالثة: الطعن في النسب. مراد المصنف ﵀ التحذير من الطعن في النسب، لوصفه بالكفر.

стр. 495

الرابعة: شدة الوعيد فيمن ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية. لقوله: "ليس منا" فهذا التعبير يدل على البراءة من فاعله، وأنها من جملة الكبائر. الخامسة: علامة إرادة الله بعبده الخير. وهي تعجيل العقوبة له في الدنيا. السادسة: إرادة الله به الشر. وهي الإمساك عنه بذنبه، حتى يوافي به يوم القيامة. السابعة: علامة حب الله للعبد. وهي الابتلاء؛ لقوله: "إذا أحب الله قوماً ابتلاهم". الثامنة: تحريم السخط. لقوله: "ومن سخط فله السخط". التاسعة: ثواب الرضا بالبلاء. لقوله: "إنّ عظم الجزاء مع عظم البلاء" ولقوله: "فمن رضي فله الرضا".
следующие страницы →