ذيلاً وتبعاً للناقص. فصار التشبه مخالفاً للنص، كما في قول النبي ﷺ : "من تشبه بقوم فهو منهم" (١)، ومخالفاً للعقل، لما في ذلك من انحطاط عن الرتبة العليا إلى رتبة دنيا. فلنتنبه لهذه الممارسات التي فشت في مجتمعاتنا من أنواع الملابس، والكلمات، والعادات التي يصعب حصرها، لكنها تسللت إلينا من الشرق والغرب، فلا يليق بنا أن نكون رجع الصدى، ولا أن يكون أحدنا إمعة إذا قال الناس شيئاً قاله، وإنما عليه أن يفرز، ويفحص، ويميز بين الواردات.
ثم قال المصنف ﵀:
"عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أراد الله بعبده الخير عجّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه، حتى يوافي به يوم القيامة" " هذا الحديث: رواه الترمذي (٢)، وابن عدي (٣)، والبيهقي (٤)، وهو صحيح لغيره، والحديث الصحيح لغيره عند أهل المصطلح هو الحديث الحسن إذا تعددت طرقه.
قوله: "إذا أراد الله بعبده الخير" قد يريد الله بعبده الخير، وقد يريد به الشر، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥] ويقول النبي ﷺ : "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين" (٥).
قوله: "عجّل له العقوبة في الدنيا" هذه إحدى علامات إرادة الخير بالعبد، ومعنى ذلك: أنه ينزل به من المصائب بسبب ما صدر منه من ذنوب، لتطهره، وتكفر عنه، فإن المصيبة تكفر الذنب، وتحته حتاً.
стр. 492
قوله: "وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه" أي: أخّر عنه العقوبة، لا رحمة له، أو لطفاً به، ولكن استدراجاً، وإمهالًا، كما قال تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣]
قوله: "حتى يوافي به يوم القيامة" أي: يحمل وزره يوم القيامة،، فيعذبه الله تعالى به في الآخرة. ولا شك أنّ عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، كما قال النبي ﷺ للملاعنة حيث وعظها: "عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة" (١).
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لما تضمنه من الحث على الصبر على المصائب.
فوائد الحديث:
١ - بيان علامة من علامات إرادة الله بعبده الخير، أو الشر.
٢ - الخوف من الاستدراج بالصحة والغنى.
٣ - إحسان الظن بالله ، فإذا وقع على العبد مصيبة فليقل في نفسه: أراد الله بي خيراً، أراد أن يطهرني في الدنيا قبل الآخرة، حتى لا أوافى بذنبي يوم القيامة.
٤ - وجوب الصبر على المصائب.
ثم قال المصنف ﵀:
"وعن أنس ﵁ أيضاً إنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنّ عِظَم الجزاء من عظم البلاء" " هذا حديث صحيح، رواه الترمذي، وحسنه، وابن ماجهكما تقدم.
قوله: "عِظَم" بكسر العين، وفتح الظاء، مصدر. والمراد: أنّ من كان بلاؤه أعظم، فجزاؤه أعظم، فإن الجزاء من جنس العمل وبقدره، وقد سُئل نبينا ﷺ : أي الناس أشد بلاء؟ فقال: "الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى العبد
стр. 493
على حسب دينه، فإن كان دينه صلباً اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقةً ابتلي على حسب دينه" (١). فليس البلاء دليل هوان، بل كونه دليل كرامة أقرب، لكن بشرط أن يقابله الإنسان بالصبر والاحتساب، فإن صبر فليبشر بما أعد الله له، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]
قوله: "وإن الله تعالى إذا أحب قوماً ابتلاهم" هذه علامة على حب الله لبعض عباده.
قوله: "فمن رضي فله الرضا" أي: من رضي بقضاء الله تعالى وقدره بهذا البلاء، ولم يتسخط، فله الرضا من الله ، جزاء له على رضاه على مقدوره.
قوله: "ومن سخط" أي: امتعض، وتبرم، ونفر، وأنكر هذا البلاء الذي قدره الله تعالى عليه. قوله: "فله السخط" أي: من الله ، فيسخط الله عليه مقابل سخطه على قدره. والسخط صفة من صفات الله ، قال تعالى: ﴿سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٨٠]، كما أن الرضا صفة من صفاته، قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ١٨]. فيجب على العبد أن يعتصم بربه ، وأن يهيئ نفسه، ويعدها لتلقي أقدار الله، بالصبر، واليقين، والرضا، مع سؤاله العافية في جميع الأمور. وألا يغفل عن الله ، فإنه من عرف الله في الرخاء عرفه الله في الشدة، كما في الحديث: "تعرف إليه في الرخاء، يعرفك في الشدة" (٢)، وقال ﷺ : "احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك" (٣).
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لأن فيه من وجوب الرضا بقدر الله، المتضمن للصبر على البلاء.
стр. 494
فوائد الحديث:
١ - بيان علامة محبة الله لعباده، وهي الابتلاء.
٢ - إثبات جملة من الصفات لله تعالى: المحبة لقوله: "أن الله إذا أحب"، والرضا؛ لقوله: "فله الرضا" والسخط لقوله: "فله السخط". وكلها صفات فعلية، تثبت لله على ما يليق بجلاله، وليس في إثباتها أدنى مماثلة لصفات المخلوقين، فإن الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].
٣ - بيان حكمة الله تعالى، فالله تعالى حكيم فيما يقدر، فلا يقدر الأمور لمحض المشيئة، كما يقول الأشاعرة، بل لمشيئته وحكمته معاً، سبحانه.
٤ - أن الجزاء من جنس العمل.
٥ - فيه معنى قول الله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦].
٦ - وجوب الصبر على قضاء الله وقدره.
٧ - وجوب إحسان الظن بالله تعالى.
قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية التغابن.
وهي قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ وتفسيرها: أن من أصابته مصيبة فعلم أنها من عند الله، فرضي وسلم، هدى الله قلبه.
الثانية: أن هذا من الإيمان بالله.
لقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ فسمى الصبر إيمانًا.
الثالثة: الطعن في النسب.
مراد المصنف ﵀ التحذير من الطعن في النسب، لوصفه بالكفر.
стр. 495
الرابعة: شدة الوعيد فيمن ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية.
لقوله: "ليس منا" فهذا التعبير يدل على البراءة من فاعله، وأنها من جملة الكبائر.
الخامسة: علامة إرادة الله بعبده الخير.
وهي تعجيل العقوبة له في الدنيا.
السادسة: إرادة الله به الشر.
وهي الإمساك عنه بذنبه، حتى يوافي به يوم القيامة.
السابعة: علامة حب الله للعبد.
وهي الابتلاء؛ لقوله: "إذا أحب الله قوماً ابتلاهم".
الثامنة: تحريم السخط.
لقوله: "ومن سخط فله السخط".
التاسعة: ثواب الرضا بالبلاء.
لقوله: "إنّ عظم الجزاء مع عظم البلاء" ولقوله: "فمن رضي فله الرضا".
стр. 496
باب ما جاء في الرياء
وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
وعن أبي هريرة مرفوعاً: "قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه" (١). رواه مسلم.
وعن أبي سعيد مرفوعاً: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته؛ لما يرى من نظر رجل" (٢)، رواه أحمد.
الشرح:
الرياء: مصدر راءى، يرائي، مراءاة، أو رياءً، وذلك أن يُري الناس خلاف ما هو عليه في الباطن، هذا إذا كان متعلقاً بفعل، وأما إذا كان متعلقاً بقول، فيقال: تسميع؛ ولهذا جاء في الحديث: "من سمَّع، سمَّع الله به، ومن راءى، راءى الله به" (٣). وإذا ذكر الرياء منفرداً، شمل النوعين، وإذا ذكر مقرونًا بالتسميع اختص بالأفعال.
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
ظاهرة، لأن الرياء ينافي التوحيد والإخلاص، فقليله شرك أصغر، وكثيره شرك أكبر.
стр. 497
قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ و ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر. أي: إنني بشر يلحقني ما يلحقكم من الصحة والمرض، والسرور والحزن، والغنى والفقر، والحياة والموت، وسائر الأعراض البشرية.
قوله: ﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾ الوحي هو الميزة العظيمة التي ميزه الله تعالى، وإخوانه من الأنبياء، عن سائر البشر. والوحي لغةً: الإعلام على وجه السرعة والخفاء. ويستعمل بمعنى الإلهام، والإشارة، والوسوسة. واصطلاحًا: كلام الله المنزل عل نبي من أنبيائه. فهو مصدر يراد به اسم المفعول، أي الموحى. وهو أحد ثلاث طرق لتكليم الله لأنبيائه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١]
قوله: ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: أن معبودكم المستحق للعبادة واحد، لا شريك له، لا يجوز التأله لسواه. والشاهد من الآية للباب تمامها:
قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ فيها قولان: يخاف، قاله ابن قتيبة، و يأمل، قاله الزجاج. (١)
قوله: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ أي يجمع بين وصفين:
الأول: العمل الصالح؛ لقوله: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ وهو ما كان موفقاً للسنة.
الثاني: الإخلاص لله؛ لقوله: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾.
سُئل الفضيل بن عياض ﵀ عن قول الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] ما أحسن عملاً؟ قال: "أخلصه وأصوبه" (٢)، فإنه إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً كان بدعة، وإذا كان موافقاً للسنة، ولم يكن خالصاً كان رياءً أو شركاً، فلا يحسن العمل، ولا يكون مقبولاً عند الله، إلا بالجمع بين هذين الشرطين: الإخلاص لله ، والمتابعة للنبي ﷺ . والشاهد قوله: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ أي: لا يرائي بعمله كائناً من كان، لأن (أحدًا) نكرة في سياق النهي، فتفيد العموم.
стр. 498
مناسبة الآية للباب:
ظاهرة، لما تضمنته من الأمر بإخلاص العمل لله ، والنهي عن الشرك.
فوائد الآية:
١ - أنّ أصل الدين هو الإخلاص لله .
٢ - أن الرياء نوع من الشرك؛ فيسيره من الشرك الأصغر، وكثيره من الشرك الأكبر.
٣ - أن شرطي قبول العبادة هما: الإخلاص لله تعالى، والمتابعة للنبي ﷺ .
قوله: "عن أبي هريرة مرفوعاً: "قال الله تعالى" " هذا الحديث قدسي، إلهي؛ لأن النبي ﷺ حدّث به عن ربه، بغير القرآن. وفرّقوا بين الحديث القدسي والقرآن بعدة فروق، منها:
١ - أنّ القرآن لفظه ومعناه من الله تعالى، بينما الحديث القدسي قد اختلف العلماء في لفظه، هل هو كلام الله، أو أن الله تعالى أوحى إلى رسوله ﷺ معناه، واللفظ لفظ الرسول ﷺ ؟ على قولين:
الأول: أن الحديث القدسي من عند الله لفظه ومعناه؛ لأن النبي ﷺ أضافه إلى الله تعالى، ومن المعلوم أن الأصل في القول المضاف أن يكون بلفظ قائله لا ناقله، لا سيما أن النبي ﷺ أقوى الناس أمانة، وأوثقهم رواية.
الثاني: أن الحديث القدسي معناه من عند الله، ولفظه لفظ النبي ﷺ ؛ وذلك لوجهين:
الأول: لو كان الحديث القدسي من عند الله لفظاً ومعنىً لكان أعلى سنداً من القرآن؛ لأنه ﷺ يرويه عن ربه بدون واسطة؛ وأما القرآن فبواسطة جبريل ﵇
الثاني: أنه لو كان لفظ الحديث القدسي من عند الله لم يكن بينه وبين القرآن فرق؛ لأن كليهما على هذا التقدير كلام الله، والحكمة تقتضي تساويهما في الحكم حين اتفقا في الأصل.
٢ - أنّ القرآن معجز، تحدى الله الناس أن يأتوا بمثله، أو آية منه، ولم يرد مثل ذلك في الأحاديث القدسية.
стр. 499
٣ - أنّ القرآن محفوظ من التغيير والتبديل، بخلاف الحديث القدسي، ففيه الصحيح والضعيف والموضوع.
٤ - أنّ القرآن يحرم مسه إلا طاهر على الأصح، بخلاف الحديث القدسي.
٥ - أنّ القرآن لا يقرؤه الجنب حتى يغتسل على القول الراجح، بخلاف الأحاديث القدسية.
٦ - أنّ القرآن لا تجوز قراءته بالمعنى، وأما الأحاديث القدسية فعلى الخلاف في جواز نقل الحديث النبوي بالمعنى، والأكثرون على جوازه.
٧ - أنّ القرآن تسمى الجملة منه: آية وسورة، بخلاف الحديث القدسي.
٨ - أنّ القرآن متعبد بتلاوته، والحديث القدسي لا يُتعبد بتلاوته.
٩ - أنّ القرآن يُعطى قارؤه بكل حرف عشر حسنات، بخلاف الحديث القدسي.
١٠ - أنّ الصلاة لا تكون إلا بالقرآن، ولا تصح بالحديث القدسي.
١١ - أنّ القرآن لا بد فيه من كون جبريل ﵇ واسطة بين النبي ﷺ وبين الله تعالى، بخلاف الحديث القدسي.
١٢ - أنّ القرآن ثابت بالتواتر القطعي المفيد للعلم اليقيني، فلو أنكر منه حرفاً أجمع القراء عليه لكان كافراً، بخلاف الأحاديث القدسية؛ فإنه لو أنكر شيئاً منها مدعياً أنه لم يثبت لم يكفر، أما لو أنكره مع علمه أن النبي ﷺ قاله؛ لكان كافراً؛ لتكذيبه النبي ﷺ .
قوله: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك" لأن الشركاء عادة يقع بينهم تنافس، وأثرة، بدافع الشح، وحب الاستئثار، فيتنزه الله عن ذلك، لكمال غناه.
قوله: "من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري" أي: لم يكن خالصاً له وحده سبحانه، فإن الله تعالى يطَّرح عمله، ولا يتقبله، فلا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا صوابًا.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لأن الرياء فيه شرك بالله ، فيكون سبب في حبوط العمل.
стр. 500
فوائد الحديث:
١ - التحذير من الشرك بجميع صوره.
٢ - وجوب إخلاص العمل لله وتجريده.
٣ - وصف الله تعالى بصفة الغنى.
٤ - وصف الله بصفة الكلام، لأن القول كلام.
قوله: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي" (ألا) أداة تنبيه، و (أخوف) أفعل تفضيل، أي: أشد خوفاً.
قوله: "من المسيح الدجال؟ " المسيح الدجال خلق عظيم، جاء في الحديث: "ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال" (١)؛ وذلك أن الله تعالى يجري على يد هذا المخلوق من الخوارق العجيبة ما ينبهر له الناس، فعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ، قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الدَّجَّالَ ذَاتَ غَدَاةٍ، فَخَفَّضَ فِيهِ وَرَفَّعَ، حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ، فَلَمَّا رُحْنَا إِلَيْهِ عَرَفَ ذَلِكَ فِينَا، فَقَالَ: «مَا شَأْنُكُمْ؟» قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ غَدَاةً، فَخَفَّضْتَ فِيهِ وَرَفَّعْتَ، حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ، فَقَالَ: «غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُنِي عَلَيْكُمْ، إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ، فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ، وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ، فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ وَاللهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، إِنَّهُ شَابٌّ قَطَطٌ، عَيْنُهُ طَافِئَةٌ، كَأَنِّي أُشَبِّهُهُ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَنٍ، فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ، فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الْكَهْفِ، إِنَّهُ خَارِجٌ خَلَّةً بَيْنَ الشَّأْمِ وَالْعِرَاقِ، فَعَاثَ يَمِينًا وَعَاثَ شِمَالًا، يَا عِبَادَ اللهِ فَاثْبُتُوا» قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا لَبْثُهُ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: «أَرْبَعُونَ يَوْمًا، يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ» قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ، أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ؟ قَالَ: «لَا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ» قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا إِسْرَاعُهُ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: " كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ، فَيَأْتِي عَلَى الْقَوْمِ فَيَدْعُوهُمْ، فَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَجِيبُونَ لَهُ، فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ فَتُمْطِرُ، وَالْأَرْضَ فَتُنْبِتُ، فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارِحَتُهُمْ، أَطْوَلَ مَا كَانَتْ ذُرًا، وَأَسْبَغَهُ ضُرُوعًا، وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ، ثُمَّ يَأْتِي
стр. 501
الْقَوْمَ، فَيَدْعُوهُمْ فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ، فَيُصْبِحُونَ مُمْحِلِينَ لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَيَمُرُّ بِالْخَرِبَةِ، فَيَقُولُ لَهَا: أَخْرِجِي كُنُوزَكِ، فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ، ثُمَّ يَدْعُو رَجُلًا مُمْتَلِئًا شَبَابًا، فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ فَيَقْطَعُهُ جَزْلَتَيْنِ رَمْيَةَ الْغَرَضِ، ثُمَّ يَدْعُوهُ فَيُقْبِلُ وَيَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ، يَضْحَكُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ، بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ، وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ، إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ، وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤِ، فَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلَّا مَاتَ، وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ، فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ، فَيَقْتُلُهُ" (١).
وجاء من خبره مع الرجل المؤمن أنه "يؤمر به فيؤشر بالمئشار (٢) من مفرقه حتى يفرق بين رجليه، قال: ثم يمشي الدجال بين القطعتين، ثم يقول له: قم، فيستوي قائماً، قال: ثم يقول له: أتؤمن بي؟ فيقول: ما ازددت فيك إلا بصيرة" (٣)، فيفتتن الناس به فتنة عظيمة، حتى أن النبي ﷺ قال: "من سمع بالدجال فلينأ عنه، فو الله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه، مما يبعث به من الشبهات"، أو "لما يبعث به من الشبهات" (٤). ومع شدة فتنته تخوف النبي ﷺ على أمته بما هو أخوف منه.
قوله: "قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "الشرك الخفي؛ يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته؛ لما يرى من نظر رجل" رواه أحمد" هذا هو الرياء، وهو أن يزين الإنسان عبادته ليحمده الناس. والرياء إذا خالط العمل فلا يخلو من حالين:
стр. 502
الأولى: أن يدافعه ويجاهده فيذهب، فحينئذٍ لا يضره، وعمله صحيح ومقبول.
الثانية: أن يسترسل معه، وحينئذٍ يُنظر:
١ - إن كان هذا الرياء في أصل العمل، أي: منذ مبدئه ومنشئه، فالعمل حابط من أصله؛ لأنه لم ينعقد، لفقد شرط الإخلاص.
٢ - وإن كان في أصله خالصًا، ثم طرأ الرياء عليه أثناءه، فله حالان أيضًا:
- إن كانت العبادة واحدة، ينبني بعضها على بعض، كالصلاة، حبطت جميعها.
- وإن كانت ذات أجزاء مفرقة، يستقل كل جزء بنفسه، كالصدقات، فلا يحبط إلا ما قارنه.
ونضرب لذلك مثالاً: رجل قام يصلي مخلصاً لله ، ثم شعر بأن فلان يرمقه، فأخذ يزين صلاته، ويمد ركوعه وسجوده، فتبطل الصلاة كلها؛ لأن الصلاة عبادة ينبني بعضها على بعض، ولا يمكن أن يصح بعض أجزائها ويبطل بعض. ولو أن إنساناً أراد أن يتصدق بمائة ريال، وقسمها خمسين، خمسين، وتصدق بالخمسين الأولى مخلصاً لله، ثم دخله الرياء في إخراج الخمسين الثانية، حبطت الثانية دون الأولى؛ لأنه قارنها الرياء، ولا تلازم بينهما.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لما تضمنه من التخويف من الرياء، وتفسيره.
فوائد الحديث:
١ - شدة شفقة النبي ﷺ وخوفه على أمته؛ كما وصفه ربه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]
٢ - أن أخوف ما يُخَاف على الصالحين: الرياء، لما يقع لهم من محبة التزين بالدين، عكس الفساق، فإن ذلك لا يعنيهم.
٣ - ذم الشرك مطلقاً.
стр. 503
ثم قال المصنف ﵀:
وفيه مسائل:
الأولى: تفسير آية الكهف.
وهي قوله تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ أي: أن العمل لا يقبل إلا إذا خالصاً لله، ليس له فيه شرك لأحد، والرياء ينافي الإخلاص.
الثانية: الأمر العظيم في رد العمل الصالح إذا دخله شيء لغير الله.
وهو الشرك؛ لقوله: "تركته وشركه" وعُدّ عظيماً؛ لأنه ضاع على العامل فصار هباءً منثوراً، والتعبير بالترك يدل على غضب الله من صاحب هذا العمل.
الثالثة: ذكر السبب الموجب لذلك وهو كمال الغنى.
لقوله: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك".
الرابعة: أن من الأسباب: أنه تعالى خير الشركاء.
فلا ينازعِ من جعل شريكاً له فيه، بخلاف سواه من الشركاء والخلطاء الذين يتشاحون، ويبغي بعضهم على بعض، طلبًا للاستئثار.
الخامسة: خوف النبي ﷺ على أصحابه من الرياء.
فكيف بمن دونهم من أطباق الأمة؟!
السادسة: أنه فسّر ذلك بأن يصلي المرء لله، لكن يزينها لما يرى من نظر رجل إليه.
وهذه حقيقة الرياء، وكيفيته. وهذا من تفسير الشيء ببعض أنواعه وأمثلته.
стр. 504
باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا
وقول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة هود: ١٥ - ١٦].
في الصحيح: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة: إن أُعطي رضي، وإن لم يُعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، وإن استأذن لم يُؤذن له، وإن شفع لم يشفع (١).
الشرح:
قول المصنف ﵀: "باب: من الشرك" (من) هنا للتبعيض، أي: بعض صور الشرك.
قوله: "إرادة الإنسان بعمله الدنيا" أي: بالعمل الصالح المشروع، أغراضًا دنيوية؛ من مال، أو منصب، أو جاه، وليس التعبد لله.
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
لكون العمل لأجل الدنيا شرك في القصد، ينافي التوحيد الواجب، وربما ينافي أصله.
стр. 505
والفرق بين هذا الباب والباب الذي قبله، وهو ما يتعلق بالرياء: أن الرياء يختص بالثناء، لأن المرائي يعمل لأجل المدح. وأما هنا فيعمل ليصيب دنيا، أي: ليحصِّل من وراء ذلك متاعاً، أو مالاً، ونحو ذلك، فكأن الباب السابق يتعلق بالأمور الاعتبارية، وهذا الباب يتعلق بالأمور الدنيوية المادية.
قوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أي: من كان يريد بعمله ثواب الدنيا، كما قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠]، وكما أخبر النبي ﷺ في حديث: "إنما الأعمال بالنيات" قال: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه" (١)
قوله: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ أي: نوفر لهم ما طلبوه وقصدوه من متاعها، كاملًا. قوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ أي: لا ينقصون. إلا إن هذه الآية قد قُيدت بآية أخرى، وهي قول الله تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُّرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨] فدلت على أنه يُكتب لهم ما قدره الله لهم؛ لقوله: ﴿مَا نَشَاءُ﴾ فقيد ذلك بالمشيئة.
قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ لأنهم استوفوا مرادهم في الدنيا، ولم يعملوا للآخرة، ولم يبق لهم سوى جزاء الشرك، وهو النار.
قوله: ﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا﴾ أي: أنه بطل عملهم في الدنيا، واضمحل في الآخرة؛ لقول الله : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].
قوله: ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لأنه لم يرد به وجه الله . وقد ذكرت عائشة ﵂ للنبي ﷺ رجلاً شريفاً من أهل مكة، قلت: يا رسول الله، ابن
стр. 506
جُدعان، كان في الجاهلية، يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذاك نافعه؟ قال: "لا ينفعه، إنه لم يقل يوماً: ربِّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين" (١).
مسألة: حكم الوظائف الشرعية، والولايات الدينية:
هل عمل الإنسان في الأذان، أو الإمامة، أو الخطابة، أو القضاء، أو التدريس، التي يتقاضى عليها جعلًا، أو مرتبًا، مناف للإخلاص، ومعرض صاحبه للوعيد الشديد المذكور في الآية؟
الجواب: أن ذلك بحسب ما قام في قلبه، فإذا كانت نيته الأصلية هي الإخلاص لله تعالى، ونفع عباده المؤمنين، فهذه نية صالحة، ولا يضره ما حصل له من نفع دنيوي، وأما إذا كانت نيته الأولى إرادة الدنيا فهو داخل في حكم هذه الآية.
والله قد أمر عباده المؤمنين بعبادة عظيمة، وشعيرة شريفة، وهي الجهاد في سبيل الله، ثم قال لهم: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ [الفتح: ٢٠]، فهذه المغانم من الدنيا، ومن المتاع، فلم يكن إغراؤهم بهذا منافياً لأصل النية، فأصل نيتهم صحيح، وهو إعلاء كلمة الله ، وانضاف إليها مقاصد أخرى، يرتفقون بها، ويستعينون بها على دنياهم. ومن أدلة ذلك: قول النبي ﷺ : "من قتل قتيلاً له عليه بينة، فله سلبه" (٢)، فهذا إغراء من النبي ﷺ ، وحث للمقاتلين في سبيل الله: أن يثخنوا في العدو، حتى يحصلوا على السلب، وهو ما يكون على المقاتل من الثياب والسلاح، وغير ذلك، فدل ذلك على أن هذا لا ينافي النية الأصلية. وعلى هذا نقيس سائر الأمور، فمَن تقدم للإمامة يريد بذلك سد حاجة المسلمين، فيصلي لهم، وحمل نفسه على الالتزام بالصلاة، وضبط حفظه
стр. 507
للقرآن، مع ما يحصل له من الارتفاق في دنياه من مال يعينه على مقاصده، أو سكن، أو نحو ذلك، فهذا لا بأس به، ولا يقدح في نيته. وكذلك من يستنيبه العاجز ليحج له، ويأخذ على ذلك عوضًا، فهذا إذا قصد نفع أخيه، وشهود المنافع التي وعد الله تعالى بها في الحج، فهذه نية صالحة، ولا حرج عليه فيما أخذ، أو فيما أعطي. وهكذا بقية الوظائف الدينية؛ كالقضاء، والتعليم، والخطابة، والإفتاء، والأذان، والإمامة، وغير ذلك. وإنما المحظور: أن يسعى ليكون إماماً، لأجل أن يجد بيتاً يسكن فيه، ولولاه ما أمَّ المسلمين. فهذا اتخذ الإمامة وسيلة للسكنى. أو كمن يدخل الكليات الشرعية بغرض التعيين على وظيفة تدر عليها دخلًا شهريًا، ولم يلحظ إلا الدنيا فقط، فهذه نية فاسدة تدخله في هذا الوعيد. بخلاف لو نوى بدراسته الشرعية التزود بالعلم، بطرق منظمة، ومنهجية، والحصول على شهادة تمكنه من نفع العباد، والبلاد، وكفاية نفسه ومن يعول، فهذه نية صالحة، ولا غبار عليها. وما زال المسلمون من عهد النبوة، والخلافة الراشدة على ذلك. ولا تستقيم المصالح الشرعية إلا بها.
لكن ينبغي للإنسان أن يتعاهد قلبه، وأن يصحح نيته، فقد يشوب النية في البدايات شائبة سوء، لكن يصلحها الله ، حتى قال بعض أهل العلم: "طلبنا العلم لغير الله، فأبى أن يردنا إلا إلى الله" (١)، أي: أنهم في مستهل طلبهم، وقلة علمهم، وضعف فقههم، وورعهم، ربما كان في نفوسهم شائبة من إرادة الدنيا، فلما أشرفوا على العلم، ونظروا فيه، أصلح الله به قلوبهم، فزالت عنهم هذه الشوائب.
وقد يبتدئ الإنسان بنية صالحة، ثم يطرأ عليه انحراف في النية، فيزين له الشيطان حب التصدر، والتزين أمام الناس، والمنافسة على حطام الدنيا، فيهلك. فعلى المؤمن أن يداوي نفسه بذكر هذه الآيات، والتمعن فيها، والعلم بأن الله تعالى "أغنى الشركاء عن الشرك" كما سبق، وأنه لا يبقى له إلا ما أريد به وجه الله؛ ولهذا لما قيل للإمام مالك بن أنس ﵀: "إن فلاناً قد ألّف موطئاً
стр. 508
مثلك" فقال ﵀: "ما كان لله بقي" (١)، وفعلاً أبقى الله موطأ مالك، وربما نُسي موطأ غيره، وذلك لصلاح نيته.
فالركن الركين، والأساس المتين، أن يحرص الإنسان على إصلاح قلبه، وتنقيته من الشوائب، ويحذر من أحابيل الشيطان، فإن الشيطان يتدسس بصور شتى، حتى قال سفيان الثوري، ﵀: "ما عالجتُ شيئاً أشد عليّ من نيتي؛ لأنها تنقلب عليّ" (٢)، فعلى الإنسان أن يتعاهد قلبه، وأن يحصن ضميره، وهذا يحصل بدوام الذكر، فإن الذكرى تنفع المؤمنين.
مناسبة الآيتين للباب:
مطابقة، لما تضمنتاه من وعيد من أراد بعمله الدنيا من الحبوط، والبطلان، والنار.
فوائد الآيتين:
١ - أن الله حكم عدل مقسط، يجازي من عمل عملاً حسناً، وإن لم يرد به الله والدار الآخرة، في الدنيا، كيف شاء، فهذا من كمال عدله سبحانه.
مثال ذلك: ما يقوم به بعض الكفار في البلاد الغربية، من الأعمال الإنسانية الإغاثية؛ فيقيمون الملاجئ، وينفقون على الفقراء، والأيتام، والمشردين، حتى أنه لا يكاد يُوجد في بلادهم جائع، أو عارٍ، أو مريض لا يجد دواء، ويعتنون بهذه الأمور الاجتماعية غاية العناية، بل ويمدون ذلك إلى البلدان المنكوبة بالكوارث والحروب، فتنطلق من بلادهم جمعيات المساعدات الإنسانية، والإغاثية، وربما كان بعضها لأهداف سياسية، أو تنصيرية، لكن جزءاً كبيراً منها -كما يقولون-: لدوافع أخلاقية إنسانية. فلأجل ذا يكافئون في الحياة الدنيا -كما هو مشاهد- بالتيسير المادي، والتفوق المدني والصناعي، وحصول الرفاهية والتمكين التي لا تحصل لغيرهم. فهذا من كمال عدل الله أن يجدوا نتيجة أعمالهم الحسنة في الدنيا، لكنها لا تنفعهم في الآخرة.
стр. 509
٢ - أن الشرك محبط للأعمال.
٣ - أن من الشرك: إرادة الإنسان بعمله الدنيا.
٤ - الوعيد الشديد لمن أراد بعمله الدنيا.
٥ - أهمية الإخلاص، وأنه منجاة.
ثم قال ﵀:
قوله: "في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ " المراد صحيح البخاري.
"قال: قال رسول الله ﷺ : "تعس" " (تعس) جملة دعائية، المراد بها: سقط وهوى.
قوله: "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة" ذكر أربع معبودات؛ فالدينار والدرهم معروفان، الدينار: قطعة من الذهب، والدرهم: من الفضة، و (الخميصة): ثوب، أو كساء، يكون من خز أو من صوف، ويكون معلمًا، أي: مخططًا، وكان الناس يلبسونها إلى عهد ليس بالبعيد. و (الخميلة): القطيفة، وهو دثار مخمل، والدثار ما يلبس فوق الشعار، والشعار: ما باشر الجسد من الثياب.
وهذا دعاء من النبي ﷺ على هؤلاء العُبَّاد الأربعة، وليس المقصود بذلك الحصر، وإنما التمثيل؛ وذلك أن من الناس من يتعلق بالذهب، ومنهم يتعلق بالفضة، ومنهم من يتعلق بالملابس الفاخرة؛ من خميصة أو خميلة. ومنهم من يتعلق بغير ذلك.
قوله: "إن أعطي رضي، وإن لم يُعط سخط" كما وصف الله تعالى المنافقين، سواء بسواء، في قوله: ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة: ٥٨].
قوله: "تعس" كرر الدعاء عليه بالتعاسة، تشديدًا عليه.
قوله: "وانتكس" أي: عاوده الداء والمرض، فالانتكاس يكون بعد الضر. وقيل: معنى انتكس من النكوس، أو النكوص، وهو الانقلاب على الوجه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج: ١١].
стр. 510
قوله: "وإذا شيك" أي: إذا أصابته شوكة.
قوله: "فلا انتقش" أي: فلا يتمكن من إخراج الشوكة، بمعنى: أنه يعجز عن أبسط الأشياء وأهونها، ولا يمكنه الخلاص منها، حتى إنه لو أصابته شوكة لم يتمكن من إخراجها بالمنقاش. وكل هذه دعوات له بالخيبة، وسوء الحال والمآل.
وبعد أن صور النبي ﷺ صورة المتاجر بدينه، المريد الدنيا بعمله، الطالب للعطايا والهبات على حساب دينه، الساخط عند المنع، ودعا عليه بما يستحق من فساد أمره، فوات طلبه، عقّب على ذلك بصورة مقابلة:
قوله: "طوبى لعبد" طوبى قيل: اسم للجنة، وقيل: اسم شجرة في الجنة، مأخوذ من التطويب، أو من الدعاء له بالطيب، فإن مادتها واحدة. والمراد بالعبد الجنس.
قوله: "آخذ بعنان فرسه" العنان: سير اللجام للدابة.
قوله: "في سبيل الله" أي: مجاهدًا في سبيل الله؛ لأن من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله. وهذا دليل الإخلاص.
قوله: "أشعث رأسه" أي: غير مرجل ومدهن، بل فيه الشعث والغبرة؛ لانهماكه في الجهاد، فهو ليس من أهل التنعم والترفه بحيث يمشط شعره، ويدهنه، لأنه مشغول بما هو أعلى وأولى. قوله: "مغبرة قدماه" لتنقله على قدميه في المغازي، والثغور، ومضامير الجهاد في سبيل الله. قوله: "إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة" أي: أنه لا يأبه بموقعه في المعركة، فإذا وجهه قائد الجيش، أو أمير السرية إلى موضع، قال: سمعاً وطاعةً؛ لأنه لا يبحث عن الصدارة، أو السلامة، وإنما يسعى لإعزاز الدين، فطوراً يكون في الحراسة؛ فيمكث في الليل شاخصاً يحمى بيضة المسلمين، وتارة يكون في الساقة، في أخريات القوم، يعين ساقطهم، ويلتقط ساقطتهم.
قوله: "إن استأذن لم يُؤذن له، وإن شفع لم يشفع" أي أنه ليس من أهل الوجاهة والظهور، حتى إنه يرد في الأبواب، ولا يعتد بشفاعته، كما قال
стр. 511
النبي ﷺ : "كم من أشعث أغبر ذي طمرين، لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره" وفي رواية: "مدفوع بالأبواب" (١)، أي: إذا همّ أن يدخل قيل له: ارجع وراءك، لكنه لو أقسم على الله لأبره! أي: لما بينه وبين ربه من ولاية. قال النبي ﷺ : "منهم البراء بن مالك" (٢)، فيا لها من شهادة عظيمة للبراء؛ ولهذا كان المسلمون إذا قاتلوا عدوهم، وحمى الوطيس، نادوا: يا براء، أقسم على ربك أن يمنحنا أكتافهم، فما هو إلا أن يقسم حتى يُهزم القوم، ويولون الدبر.
فهؤلاء أهل الله وخاصته، كما وصفهم النبي ﷺ ، لا يريدون الدنيا. ومما يُروى أن محمد بن واسع ﵀ شهد موقعة، وأظفر الله المسلمين بغنائم، فكان من نصيبه تاج مرصع بجواهر، فوضعه في كمه ومضى، فتبعه رجل من أصحاب الأمير لينظر ما يصنع به؟! فمر بسائل يسأل صدقة، فأخرج التاج من كمه ودفعه إليه، ومضى لا يبالى، يقول الرجل: فأرضيت هذا السائل بشيء، وأخذته (٣)، فشتان بين الناس.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لما تضمنه من ذم العمل لأجل الدنيا؛ ووصفه بالعبودية لها، ومدح العمل لأجل الآخرة.
فوائد الحديث:
١ - ذم العمل لأجل الدنيا وإرادتها.
٢ - مدح العمل لأجل الآخرة، والإخلاص لله .
٣ - أن إرادة الإنسان بعمله الدنيا وزينتها نوع من العبودية لغير الله.
٤ - فضل التواضع والإخبات.
٥ - فضل الجهاد في سبيل الله .
стр. 512
٥ - ذم الترفه والتنعم ومنافاته لخصال الرجولة والمروءة.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: إرادة الإنسان الدنيا بعمل الآخرة.
بأن يعمل الإنسان أعمالاً صالحة يريد بها الدنيا، فهذا من الشرك؛ لأنه جعل عمل الآخرة وسيلة لثواب الدنيا، وسلمًا لنيل لعاعتها. وقد تكون إرادته الدنيا بعمله الصالح: منافية لأصل الإيمان والتوحيد، أو لكماله الواجب، أو لكماله المستحب بحسب الأحوال.
الثانية: تفسير آية هود.
بل آيتي هود، وقد تقدم. وهما من أخوف ما في القرآن في هذا الباب.
الثالثة: تسمية الإنسان المسلم عبد الدينار والدرهم والخميصة.
أي: أن النبي ﷺ لم يرد بهذا أنه كافر، وإنما أراد ذمه لإرادته بعمله الدنيا، فسماه (عبد) والعبودية لا شك أنها درجات، كما قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] فمتبع الهوى كمتخذ الإله من دون الله، لكن قد يكون مخرجاً من الملة، وقد يكون دون ذلك.
الرابعة: تفسير ذلك بأنه: "إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط".
بأن يكون رضاه وسخطه تابعاً لحصول مبتغاه من الدنيا، وكان الواجب عليه أن يرضى بما قسم له، ولا يتبع نفسه هواها.
الخامسة: قوله: "تعس وانتكس".
الدعاء عليه بالتعاسة، وبمعاودة الداء مرة أخرى، وهذا أشد ما يكون في المعاناة أن يتماثل للبرء ثم ينتكس، ويعاوده المرض.
стр. 513
السادسة: قوله: "وإذا شيك فلا انتفش".
الدعاء عليه بالفشل والخذلان، فلا يتمكن من دفع أهون الأمور وأسهلها.
السابعة والأخيرة: الثناء على المجاهد الموصوف بتلك الصفات.
وهي: أشعث رأسه، مغبرة قدماه، آخذ عنان فرسه في سبيل الله، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع، فهذا يدل على كمال إخلاصه في عمله، وعدم إرادة الدنيا، بخلاف عباد الدرهم، والدينار، والخميصة، والخميلة ونحوها.
стр. 514
باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله، أو تحليل ما حرم الله، فقد اتخذهم أرباباً من دون الله
وقال ابن عباس يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء؛ أقول: قال رسول الله ﷺ ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر (١).
وقال الإمام أحمد: عجبتُ لقوم عرفوا الإسناد وصحته، ويذهبون إلى رأى سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة النور: ٦٣]، أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك؛ لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك (٢).
عن عدي بن حاتم: أنه سمع النبي ﷺ يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة التوبة: ٣١]، فقلتُ له: إنا لسنا نعبدهم، قال: "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه"، فقلتُ: بلى، قال: "فتلك عبادتهم" (٣)، رواه أحمد، والترمذي، وحسنه.
стр. 515
الشرح:
العلماء والأمراء: طائفتان يصلح الناس بصلاحهم، ويفسدون بفسادهم؛ لما لهما من النفوذ والتأثير. ومنزلة العلماء في الشريعة منزلة عالية رفيعة، فإن هم وفوا بالميثاق الذي أخذه الله عليهم، نفع الله تعالى بهم نفعاً عظيماً، يقول الله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
كما أن الأمراء أيضاً لهم منزلة عالية في ضبط الأمور، وانتظام أحوال البلاد والعباد، ودفع الفساد، فإذا صلحوا أصلح الله تعالى بهم أمر العامة، حتى قال بعض الصحابة: "إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن" (١)، وقال الإمام أحمد ﵀: "لو كان لنا دعوة مستجابة لدعونا بها لإمام عادل؛ لأن في صلاحه صلاحاً للمسلمين" (٢)،
وقد أمر الله تعالى بطاعة ولاة الأمر، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] فجعل طاعة أولي الأمر - وهذا يشمل الأمراء والعلماء- تابعة لطاعته وطاعة رسوله ﷺ ، وطاعة الله وطاعة رسوله، أصلان عظيمان، وطاعة الرسول من طاعة الله؛ لقوله: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله" (٣). فأحق من يُدعى له بالتسديد والتوفيق مَنْ ولي ولاية عامة، وهم العلماء الذين يُصدَر عنهم في الأحكام، والأمراء الذين بسط الله تعالى لهم في السلطان، فتجري أحكامهم وأوامرهم على الكافة. فمن أطاع العلماء
стр. 516
والأمراء في تحريم ما أحل الله، أو تحليل ما حرم الله، فقد اتخذهم أرباباً"
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
لما كانت الطاعة "عبادة"، لم يجز صرفها لغير الله، ووجب توحيد الله بها، ومن أعظم حق الله في الطاعة: طاعته في التحليل والتحريم؛ إذ أنّ هذا خالص حقه، قال الله : ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]. وليس للأمراء، ولا للعلماء، أن يشرّعوا دون الله، فكما أن له الخلق، فله الأمر، كما قال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] فالله هو الذي يأمر وينهى، ويحل ويحرم، ووظيفة العلماء أن يُبيّنوا ذلك للناس، ووظيفة الأمراء أن يحملوهم عليه، هكذا جرت السنن، وسارت الأمة من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا، فمن عكس الطريقة، وسوغ لنفسه أن يحل ما حرم الله، وأن يحرم ما أحل الله، فقد نازع الله في حقه، ومن أطاعه في ذلك فقد اتخذه رباً؛ لما سيأتي من الآيات.
قوله: "وقال ابن عباس يوشك" أي: يقرب ويدنو.
قوله: "أن تنزل عليكم حجارة من السماء" أي: أن تحصبوا بالحجارة، وهو نوع من العذاب. قوله: "أقول: قال رسول الله ﷺ وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟ " أي: أنّ ابن عباس ﵄ أنكر إنكاراً بليغاً على من يسمع كلام النبي ﷺ ، ويقابله بكلام أبي بكر الصديق، وعمر الفاروق، فكيف بمن قابله بكلام من دونهما من العلماء والأمراء؟!.
وهذا الأثر قد رواه بألفاظ متقاربة: الإمام أحمد، كما تقدم، والخطيب البغدادي (١)، وابن عبد البر (٢)، وابن حزم (٣)، وذكره بهذا اللفظ ابن القيم في إعلام الموقعين كما تقدم.
ولهذا الأثر قصة: وهو أنّ عروة بن الزبير ﵄ قال لابن عباس: "ألا
стр. 517
تتقي الله ترخص في المتعة؟ " ومن المعلوم أنّ النبي ﷺ لما حج حجة الوداع أمر أصحابه بالتمتع، وأن يفسخوا حجهم إلى عمرة، ثم يحرموا بالحج في اليوم الثامن، وقال ﷺ متأسفاً على فوات الخير: "لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما أهديتُ، ولولا أن معي الهدي لأحللتُ" (١)، فالذي منع النبي ﷺ من جعلها متعة أنه ساق الهدي، ومن ساق الهدي لا يمكنه أن يحل حتى يبلغ الهدي محله، يوم النحر، فلم يكن في وسع النبي ﷺ أن يتمتع؛ ولذلك حج رسول الله ﷺ قارناً، ولكنه عزم على أصحابه المفردين، الذين لم يسوقوا الهدي، أن يفسخوا الحج إلى عمرة، ويحلوا الحل كله، فإذا كان يوم الثامن أحرموا بالحج، وأراد بذلك أن يبطل عادة أهل الجاهلية، فقد كانوا يرون أن الإحرام بالعمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، فاجتهد النبي ﷺ أن يجتث هذا الاعتقاد الجاهلي، وقام بنفسه ﷺ بالاعتمار في الأشهر الحرم، فوقعت جميع عمراته في شهر ذي القعدة، وأراد أن يفعل أصحابه ما فعل، فألح عليهم بذلك.
وفي خلافة أبي بكر وعمر اجتهدا اجتهاداً فصارا ينهيان الناس عن المتعة، والسبب أنهما خافا أن يُهجَر البيت؛ لأن من أتى البيت بعمرة وحجة، ربما قال في نفسه: لا حاجة أن آتي بعمرة في أشهر العام، فيهجر البيت، ولا تحصل العمرة في أشهر السنة، فكان من اجتهادهما ﵄ أن أمرا الناس أن يحجوا مفردين. ورأى ابن عباس ﵄ أن هذا اجتهاد في مقابل النص، وأن المتعة أفضل، بل واجبة، فلما قال له عروة بن الزبير: "ألا تتقي الله! ترخص في المتعة؟ " قال له ابن عباس: "سل أمك يا عرية"! تصغير عروة، تحقيراً له، بسبب هذه المراجعة، فقال: "أما أبو بكر وعمر فلم يفعلاه" أي: كأنك خالفت سنتهما، فقال: "والله ما أراكم منتهين حتى يعذبكم الله، أحدثكم عن رسول الله ﷺ ، وتحدثون عن أبي بكر وعمر، وفي لفظ آخر عنه أنه قال: "أُراهم سيهلكون، أراهم سيهلكون، أقول: قال النبي ﷺ ، ويقولون: نهى أبو بكر
стр. 518
وعمر" هذا لفظ الإمام أحمد، وقد حسنه ابن مفلح (١).
مناسبة الأثر للباب:
ظاهرة، إذ أنّ ابن عباس ﵄ رأى أن في اتباع ما ذهب إليه أبو بكر وعمر ﵄، اجتهادًا، وهما من العلماء الأمراء، بخلاف ما أمر به النبي ﷺ من الطاعة المحرمة، التي تستوجب العقوبة. فكيف بمن دونهما، ممن ليس أهلًا للاجتهاد.
فوائد الأثر:
١ - وجوب تقديم قول رسول الله ﷺ على قول كل أحد.
٢ - أن مخالفة هدي النبي ﷺ في أقواله وأفعاله من أسباب العقوبة.
٣ - ذم التقليد لمن بلغه الدليل، فابن عباس لم ينكر على عروة إلا حين أخبره أن هذا هدي النبي ﷺ ، فاحتج بكلام أبي بكر وعمر، فعظُم ذلك عليه، وأغلظ عليه في النكير.
ثم قال المصنف ﵀:
"وقال الإمام أحمد بن حنبل: عجبتُ لقوم" والتعجب نوعان:
الأول: أن يكون عن استحسان.
الثاني: أن يكون عن استنكار. وهذا من الاستنكار،
قوله: "عرفوا الإسناد وصحته" أي: وقوا على سند الحديث إلى رسول الله ﷺ وثبت عندهم أنه صحيح.
قوله: "ويذهبون إلى رأي سفيان" هو سفيان بن سعيد الثوري، أبو عبد الله، الكوفي، ثقة، حافظ، فقيه، حجة. مات سنة إحدى وستين ومائة ﵀، والرأي في مقابل النص فاسد الاعتبار. فتعجب الإمام أحمد ﵀ ممن بلغه الدليل بالسند الصحيح، المتصل إلى رسول الله ﷺ ، ثم يأخذ برأي سفيان، أو غيره من العلماء.
стр. 519
قوله: "والله تعالى يقول" استدل ﵀ بالقرآن لبيان وجه العجب.
قوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ لم يقل: "يخالفون أمره" مع أن (خالف) يتعدى بنفسه، لأنه ضمنه معنى: (أعرض) المتعدي بعن، والتضمين من صنوف البلاغة.
قوله: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ الفتنة هنا: المحنة والعذاب والعقوبة. وقد بيّنها الطبري ﵀ بقوله: "يطبع على قلبه، فلا يأمن أن يظهر الكفر بلسانه، فتُضرب عنقه" (١)، أي: أنه لا يأمن إذا رد قول الشارع أن يتمادى به الأمر، فيقع في كفر يظهر على فلتات لسانه، فيقتل به ردة. وقد فسرها الإمام أحمد، بعد ذكر الآية.
قوله: ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة.
قوله: "أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك" هذا الأثر عن الإمام أحمد ﵀ ينطبق على جزء الترجمة؛ لأن الترجمة: "باب: من أطاع العلماء والأمراء" فيصدق في حق أبي بكر وعمر ﵄ وصف (الأمراء) ويصدق في حق سفيان ﵀ وصف (العلماء). وليس معنى ذلك: أن من صدر منه هذا الأمر المخالف للدليل أنه تعمد المخالفة، فإن أبا بكر وعمر ﵄ من الخلفاء الراشدين المهديين، لكنهما ليسا معصومين، وقد اجتهدا اجتهاداً ربما كان الأرجح خلافه، وربما صدر منهما من باب السياسة الشرعية، بحكم الإمارة والولاية. وسفيان ﵀ إمام مشهور، فهو إذا رأى رأياً مخالفاً، صادرًا عن اجتهاد، فإنما يكون بسبب أنه لم يبلغه الدليل الصحيح، وله أجر واحد. لكن هذا لا يسوغ لمن بلغه الدليل الصحيح أن يأخذ بقوله. فهذان الأثران: أثر ابن عباس، وأثر الإمام أحمد، ليس فيهما تنقصاً للمذكورين، فإن ذلك صدر منهم عن اجتهاد، ونية صالحة.
مناسبة الأثر للباب:
ظاهرة، لما تضمنه من النكير على من قلد العلماء، وأعرض عن الدليل الصحيح.
стр. 520
فوائد الأثر:
١ - تحريم التقليد على من بلغه الدليل.
٢ - جواز التقليد لمن لا يعرف الدليل؛ لأن الإمام أحمد إنما عجب من حال من عرف الإسناد وصحته، فدل ذلك على أن من لم يعرف الإسناد وصحته، كالعامي، وأخذ برأي إمام معتبر، فلا تثريب عليه.
٣ - الرد على من قال: لا إنكار في مسائل الخلاف، والصواب أن يقال: لا إنكار على المجتهد، فالإنسان إذا اجتهد بأدوات الاجتهاد المعروفة، وأداه اجتهاده إلى نتيجة معينة، فلا ينكر عليه؛ لأنه قصد إصابة الحق، وطاعة الخالق سبحانه، فنحمده على اجتهاده، ولو كان مخالفاً للحق.
أما دعوى عدم الإنكار في مسائل الخلاف فليس صواباً؛ لأنه ما من مسألة فرعية إلا وفيها خلاف، فكأنه بذلك يوصد باب الترجيح، وطلب الحق بدليله، وتسويغ تتبع الرخص. وما زال الأئمة الكبار المتبوعون يعظمون شأن الإتباع، وعدم التعصب، ومن أقوالهم في ذلك:
١ - قال الإمام أبو حنيفة ﵀: "إذا جاء الحديث عن رسول الله ﷺ فعلى الرأس والعين، وإذا كان عن الصحابة اخترنا من قولهم، وإذا كان عن التابعين زاحمناهم" (١) لأن الصحابة - رضوان الله عنهم- شهدوا التنزيل، وعلموا التأويل بفضل صحبتهم النبي ﷺ .
٢ - وقال الإمام مالك ﵀: "كلٌّ مأخوذ من قوله ومتروك، إلاَّ صاحب هذا القبر" (٢)؛ أي: قبر النبي ﷺ ؛ لأنه كان يقول ذلك في مسجد رسول الله ﷺ ، ويشير إلى قبره.
٣ - وقال الإمام الشافعي ﵀: "أجمع الناس على أن من استبانت له سنة عن رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس" (٣). وقال أيضاً:
стр. 521
"إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط" (١).
فهذه الأقوال لهؤلاء الأئمة ﵏ دليل صدقهم وإخلاصهم، وأنهم ما كانوا يريدون الاستكثار من الأتباع، بل همهم إصابة الحق. فمحبتهم والنصح لهم، ألا نتبعهم إلا على ما وافق هدي النبي ﷺ . وهذا المعنى ينبغي أن يرسخ في القلب والنفس، وأن نعلم مقتضى شهادة أن محمد رسول الله: تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وأن لا يُعبد الله إلا بما شرع. وهذا لا يقتضي الزهد في أقوال العلماء والفقهاء، كما يقع من بعض السفهاء، فإنه لشدة حملته على التعصب والجمود، ينتقل إلى الطرف المقابل، فيقع في النيل من أئمة المذاهب، وازدراء كتب المذاهب، والطعن في الفقهاء، وهذا مسلك باطل. فالعلماء ﵏ اجتهدوا في تقريب العلم، ووضعوا متوناً مختصرة، مما رأوا أنه موافق للدليل، وهم في ذلك مجتهدون. ولهذا كان الأئمة المحققون، كشيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمهما الله- وغيرهما، ينسبون إلى مذهب الإمام أحمد، لكنهم يخالفون المذهب في مسائل كثيرة.
وبناء عليه، فلا ينافي الإتباع للنبي ﷺ أن يتفقه الإنسان على مذهب معتبر، بل ينبغي لطالب العلم أن يتفقه على أصول المذهب السائد في محلته ومنطقته؛ فإذا كان مثلاً في البلاد النجدية، تفقه على مذهب الإمام أحمد؛ لأنه السائد المعمول به، وإذا كان في بلاد المغرب، تفقه على مذهب مالك؛ لأنه السائد المعمول به في تلك الجهات، وإذا كان في بلاد الشام، أو الهند، تفقه على مذهب أبي حنيفة، لأنه السائد المعمول به، وإذا كان في بلاد مصر أو بعض بلاد المشرق؛ كماليزيا، وإندونيسيا، وأواسط آسيا، تفقه على مذهب الشافعي، لأنه السائد المعمول به. وليس من مقتضى التفقه على مذهب معين أن يصم الإنسان أذنيه، ويغمض عينيه، ولا ينطق إلا بما جرى به المذهب، بل عليه أن يتجرد للحق، فإذا تبيّن له الحق في خلاف مذهبه تبعه، وإلا وقع في التعصب المذموم؛ إذ لا يليق بطالب العلم أن يبلغه الدليل، ثم تأخذه حمية التعصب المذهبي فينتصر للمذهب، مع بدو الدليل على خلافه.
стр. 522
فعلى المسلم أن ينعتق من أسر التعصب، وربقة التقليد، فإنه يضل صاحبه عن الحق، ولا يقول -كما قال أحدهم-: كل قول يخالف ما قاله الأصحاب فهو إما منسوخ أو مؤول! فصارت مرجعيته الأصحاب، لا الكتاب والسنة. وهذا ينقض شهادة: أن محمد رسول الله؛ فقد جعل كلام الأصحاب حاكمًا على كلام محمد ﷺ . فعلى المؤمن أن يوحد النبي ﷺ بالإتباع، كما يوحد الله بالعبادة، سواء بسواء.
وقد وقع في الأمة الإسلامية، من جراء التعصب المذهبي، ما يندى له الجبين، فبلغ الأمر بالمتعصبة أن يقول قائلهم: يجوز للحنفي أن يتزوج يهودية أو نصرانية ولا يجوز له أن يتزوج شافعية! ويقال: إن اثنين تنازعا في مسألة تحريك الإصبع في الصلاة، وكان أحدهما يرى التحريك، والآخر لا يرى ذلك، فلما قاما إلى الصلاة جعل أحدهما يحرك إصبعه بشدة، ليغيظ صاحبه، فلما سلم عمد إلى إصبعه فكسره!.
وعلى طالب العلم أن يجتهد في بيان الحق في مسائل الخلاف، فإن قُبل منه فذاك، وإن لم يُقبل منه فليحسن الظن بمخالفه، ويعتقد أنه هذا ما أدى إليه اجتهاده، إذا كان المخالف عنده أثارة من علم. أما إذا كان ﴿يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج: ٨]، وإذا قيل له: قال الله ورسوله، كذا وكذا، أشاح بوجهه، وقال: ولو! فهذا يُعرض عنه، ولا يمارى، فإنه مفتون، كما قال الإمام أحمد: "لعله إذا رد بعض قوله يقع في قلبه شيء من الزيغ، فيهلك". وقد كان السلف ينكرون أشد النكير على هؤلاء، فعن ابن عباس ﵄ قال: قال رجل: كم يكفيني من الوضوء؟ قال: مد، قال: كم يكفيني للغسل؟ قال: صاع، فقال الرجل: لا يكفيني، قال: لا أمَّ لك، قد كفى من هو خير منك، رسول الله ﷺ " (١). ومنهم من هجر من رد شيئاً من كلام النبي ﷺ ، كما جاء عن سعيد بن جبير، أن قريباً لعبد الله بن مغفل خذف، قال: فنهاه، وقال: إن رسول الله ﷺ نهى عن الخذف، وقال: "إنها لا تصيد صيداً، ولا تنكأ عدواً، ولكنها تكسر السن، وتفقأ العين" قال: فعاد، فقال: أحدثك أن رسول الله ﷺ
стр. 523
نهى عنه، ثم تخذف، لا أكلمك أبداً" (١)، وفي هذه الأزمنة بتنا نرى من يملأ أعمدة الصحف، والوسائط الالكترونية، في الطعن في كلام النبي ﷺ ، ويرد ذلك، فإلى الله المشتكي. وقد أخبر النبي ﷺ عن هذا، فقال: "سيأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة" قيل: وما الرويبضة؟ قال: "الرجل التافه في أمر العامة" (٢)، فصرنا نرى الرجل التافه، الذي لا علم عنده، يتكلم في الأمور العامة، ذات الأثر الخطير، مما لا ينبغي الكلام فيها إلا لمرجعية علمية معتبرة.
ثم قال ﵀: "عن عدي بن حاتم أنه سمع النبي ﷺ " عدي هو أحد أصحاب النبي ﷺ ، وأبوه حاتم الطائي الذي يضرب به المثل في الكرم، وكان عدي قد اعتنق النصرانية، وصار ركوسياً، ثم فر من النبي ﷺ ، وكانت له أخت عاقلة، فما زالت تراسله حتى أقنعته بأن يرجع إلى النبي ﷺ ، ويعتنق الإسلام، فرجع إلى النبي ﷺ فدخل على النبي ﷺ ، وكان عليه صليبٌ من ذهب، ففرح بمقدمه، وكان جالسًا على وسادة، فنزع الوسادة وألقاها له، فسمعه يقرأ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١].
قوله: "فقلت إنا لسنا نعبدهم" ظن أن اتخاذهم أربابًا، أن يخر راكعاً أو ساجداً، للأحبار والرهبان، فنفى عبادتهم إياهم.
قوله: "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ " فقال: "بلى" "قال: "فتلك عبادتهم" " لأنهم أطاعوهم في تحليل ما حرم الله،
стр. 524
وتحريم ما أحل الله. وهذا الحديث رواه ابن جرير (١)، والبيهقي (٢)، والطبراني (٣)، وابن سعد (٤)، وابن مردويه (٥)، وحسنه شيخ الإسلام في كتاب الإيمان (٦)، وبعضهم نقل تحسين الترمذي، لكن الصحيح أن عبارة الترمذي: "هذا حديث غريب لا نعرفه، إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وعطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث" (٧). ولعل التحسين المنسوب إلى الترمذي وقع في بعض النسخ، وعموماً فإن هذا الحديث له طرق يقوي بعضها بعضاً، وحسبك بتحسين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ له.
واليهود والنصارى يعبثون بالشريعة، فيحلون ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله:
- أما اليهود: فوقائعهم في هذا كثيرة، لكن أسلوبهم أسلوب الحيل، فإذا أرادوا أن يحللوا أو يحرموا، تحايلوا على شرع الله، ولم يغيروا اللفظ نصاً، لكن يتحايلون عليه بأنواع الحيل، ومن ذلك: ما أخبر عنه النبي ﷺ : "قاتل الله اليهود إن الله لما حرم شحومها -أي الميتة- جملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه" (٨)، كما حرفوا حكم الرجم، وجعلوا مكانه التحميم -أي التسويد- والجلد (٩). وقصة أصحاب السبت، في التحايل على صيد الحيتان، معلومة مشهورة. ولم يزل هذا المسلك الدنيء مصاحبًا لهم حتى يومنا هذا.
- وأما النصارى: فإنهم اتخذوا دينهم هزواً ولعباً، فكان أن أبطلوا
стр. 525
"الناموس" وهو شريعة موسى، حينما دخل في دينهم رجل يقال له: بولس، يسمونه القديس (بولس) فزعم أن من آمن بالمسيح إلهاً مخلصاً، فإنه يتبرر، أي: يصبح باراً، ويسقط عنه الناموس، ولا تلزمه شريعة. فكلما أرادوا أن يغيروا في دينهم، وشرعهم، عقدوا ما يسمونه بالمجمع المسكوني، وهو مجمع يتنادون له، ويجمعون فيه جميع أساقفة الأرض المسكونة، ويزعمون أن روح القدس يهديهم، ويرشدهم، ويصوب ما يصدر عن ذلك المجمع من قرارات، فتكتسب صفة العصمة. فهذا معنى قول النبي ﷺ : "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ فتلك عبادتهم".
قوله: ﴿اتَّخَذُوا﴾ أي: جعلوا، والضمير يرجع إلى اليهود والنصارى معاً.
قوله: ﴿أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ﴾ الأحبار: علماء اليهود، والرهبان: عباد النصارى.
قوله: ﴿أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ووجه اتخاذهم إياهم أرباباً، كونهم أعطوهم حق الحكم والتشريع، والحكم من خصائص الله، كما قال الله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، وكذلك التشريع، كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]. فهم صرفوا ذلك لغير الله، فنازعوا الله تعالى في الربوبية، فهذا شرك في الربوبية، ثم إن طاعتهم إياهم في ذلك شرك في الألوهية، فأخلوا بتوحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية معاً.
مناسبة الحديث للباب:
مطابق للترجمة، لما تضمنه من إنكار النبي ﷺ طاعة العلماء في تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله.
فوائد الحديث:
١ - أنّ طاعة العلماء والأمراء في التحليل والتحريم، بخلاف ما شرع الله، بمنزلة عبادتهم.
стр. 526
٣ - أن من أنواع الشرك: شرك الطاعة.
٤ - الرفق في تعليم الجاهل؛ فإن عدي ﵁ لما استدرك، وقال: "إنا لسنا نعبدهم" لم يعنف عليه النبي ﷺ ، بل علم أن عنده شبهة فكشفها، وراعى حداثة عهده بالإسلام، وأجابه جواباً حكيمًا، مقنعًا، رفيقاً، ليناً.
٥ - أن العبادة معناها واسع، وأنها لا تختص بالشعائر: من صلاة وصيام وزكاة وحج، وإنها تشمل الطاعة عموماً؛ لقوله ﷺ : "فتلك عبادتهم".
٦ - ذم التقليد الأعمى، والتعصب.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية النور.
وقد تقدم معناها، والشاهد منها: الوعيد على من ترك قوله ﷺ وخالف أمره.
الثانية: تفسير آية براءة.
والشاهد منها: أن طاعة الأحبار والرهبان في التحليل والتحريم فيما يخالف الشرع، عبادة لهم.
الثالثة: التنبيه على معنى العبادة التي أنكرها عدي.
وهي عبادة الطاعة، فلم يكن يعلم أنّ الطاعة في التحليل والتحريم عبادة، فأخبره النبي ﷺ أنها تدخل في ذلك.
الرابعة: تمثيل ابن عباس بأبي بكر وعمر، وتمثيل أحمد بسفيان.
فتمثيل ابن عباس ينطبق على الأمراء، وتمثيل أحمد بسفيان ينطبق على العلماء.
стр. 527
الخامسة: تغير الأحوال إلى هذه الغاية، حتى صار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال، وتُسمى الولاية، وعبادة الأحبار هي العلم والفقه، ثم تغيرت الحال إلى أن عبد من دون الله من ليس من الصالحين، وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين.
هذا من عميق فقه المصنف ﵀، وإدراكه للواقع في زمانه: وأن هذا الأمر تمادى بالناس حتى صار كثير من عامة المسلمين يعظم الخرافيين من أرباب الطرق الصوفية ويسيدونهم، ويسمونها (ولاية)، وصار طائفة من المسلمين يقعون في التعصب المذهبي، فيقدمون أقوال الرجال، على قول الله، وقول رسوله ﷺ ، ويسمونه (تمذهب). فمثل هذه الشائبة قد وقعت في هذه الأمة، وهو مصداق قول النبي ﷺ : "لتتبعن سنن من كان قبلكم" (١).
стр. 528
باب: قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦٠ - ٦٢].
وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [سورة البقرة: ١١].
وقوله: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة الأعراف: ٥٦].
وقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [سورة المائدة: ٥٠].
عن عبد الله بن عمرو- ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: "لا يُؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به" (١)، قال النووي: حديث صحيح، رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح (٢).
وقال الشعبي: "كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد؛ لأنه عرف أنه لا يأخذ الرشوة،
стр. 529
وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود؛ لعلمه أنهم يأخذون الرشوة، فاتفقا على أن يأتيا كاهن في جهينة فيتحاكما إليه، فنزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ الآية [النساء: ٦٠] (١).
وقيل: نزلت في رجلين اختصما، فقال أحدهما: نترافع إلى النبي ﷺ ، وقال الآخر: إلى كعب بن الأشرف، ثم ترافعا إلى عمر، فذكر له أحدهما القصة، فقال للذي لم يرض برسول الله ﷺ : "أكذلك؟ " قال: نعم، فضربه بالسيف، فقتله (٢).
الشرح:
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
عقد المصنف ﵀ هذا الباب؛ لبيان أن من لوازم الإيمان التحاكم إلى الله ورسوله، وأن من ترك التحاكم إلى الله ورسوله، واستغنى عنهما بسواهما فقد ناقض أصل التوحيد، لمناقضته مقتضى شهادة: أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، وهو استفهام للتعجب والإنكار؛ لأن حال هؤلاء المذكورين يقتضي العجب منهم، والنكير عليهم.
قوله: ﴿إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ أي: يدعون، وغالباً ما يستخدم الزعم في الدعاوى المكذوبة، أو فيما يكون موضع مسائلة وتهمة، وربما عُبِّر بالزعم عن الخبر المجرد.
قوله: ﴿أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ هو القرآن العظيم.
قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي: التوراة والإنجيل.
قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ هذه إحدى صفاتهم: وهي
стр. 530
التحاكم إلى الطاغوت، والطاغوت -كما تقدم - مشتق من الطغيان الذي هو التجاوز. واصطلاحًا: كل ما تجاوز به العبد حده؛ من معبود، أو متبوع، أو مطاع. والطاغوت هنا هو كعب بن الأشرف، كما سيأتي في سبب النزول، لكن الآية أعم، والقاعدة عند المفسرين: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فقد تنزل آية من الآيات في واقعة معينة، ولا يقتضي هذا اختصاص الحكم بتلك القضية المعينة، بل ما دل عليه اللفظ بعمومه ينسحب على جميع أفراده.
قوله: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ الكفر بالطاغوت واجب، بل هو قسيم الإيمان بالله، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]
قوله: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ أي: يستهويهم الشيطان بهذا المسلك، ويغويهم، فالضلال بمعنى: التيه والضياع عن طريق الحق.
وتتمة هذه الآية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١] هذا هو الوصف الثاني: أنهم إذا دعوا إلى التحاكم إلى ما أنزل الله، وإلى الرسول، صدوا، وأعرضوا، وأشاحوا بوجوههم. ثم قال الله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦٢] هذا هو الوصف الثالث: وهو أنهم إذا وقعت عليهم بلية ومصيبة، وانكشف أمرهم، وافتضحوا، جاؤوا معتذرين: أنهم إنما أرادوا الإحسان، والتوفيق بين المصالح، ونحو ذلك من الدعاوى والمعاذير التي ظاهرها البراءة والنصح، وباطنها الخبث والغش.
وهذه الآيات العظيمة، عند التأمل، تنطبق على فئات متعددة: فقد طبقها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على المتكلمين من الجهمية والمعتزلة ومن شابههم، الذين اشتغلوا بعلم الكلام، وتركوا علوم الكتاب والسنة؛ فإن المتكلمين أعجبوا بعلوم اليونان ومنطقهم، وقدموا الأدلة العقلية على الأدلة النقلية، ووقعوا فيما وقع فيه المنافقون، وشابهوهم من عدة وجوه: