٣ - أن من أنواع الشرك: شرك الطاعة.
٤ - الرفق في تعليم الجاهل؛ فإن عدي ﵁ لما استدرك، وقال: "إنا لسنا نعبدهم" لم يعنف عليه النبي ﷺ ، بل علم أن عنده شبهة فكشفها، وراعى حداثة عهده بالإسلام، وأجابه جواباً حكيمًا، مقنعًا، رفيقاً، ليناً.
٥ - أن العبادة معناها واسع، وأنها لا تختص بالشعائر: من صلاة وصيام وزكاة وحج، وإنها تشمل الطاعة عموماً؛ لقوله ﷺ : "فتلك عبادتهم".
٦ - ذم التقليد الأعمى، والتعصب.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية النور.
وقد تقدم معناها، والشاهد منها: الوعيد على من ترك قوله ﷺ وخالف أمره.
الثانية: تفسير آية براءة.
والشاهد منها: أن طاعة الأحبار والرهبان في التحليل والتحريم فيما يخالف الشرع، عبادة لهم.
الثالثة: التنبيه على معنى العبادة التي أنكرها عدي.
وهي عبادة الطاعة، فلم يكن يعلم أنّ الطاعة في التحليل والتحريم عبادة، فأخبره النبي ﷺ أنها تدخل في ذلك.
الرابعة: تمثيل ابن عباس بأبي بكر وعمر، وتمثيل أحمد بسفيان.
فتمثيل ابن عباس ينطبق على الأمراء، وتمثيل أحمد بسفيان ينطبق على العلماء.
стр. 527
الخامسة: تغير الأحوال إلى هذه الغاية، حتى صار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال، وتُسمى الولاية، وعبادة الأحبار هي العلم والفقه، ثم تغيرت الحال إلى أن عبد من دون الله من ليس من الصالحين، وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين.
هذا من عميق فقه المصنف ﵀، وإدراكه للواقع في زمانه: وأن هذا الأمر تمادى بالناس حتى صار كثير من عامة المسلمين يعظم الخرافيين من أرباب الطرق الصوفية ويسيدونهم، ويسمونها (ولاية)، وصار طائفة من المسلمين يقعون في التعصب المذهبي، فيقدمون أقوال الرجال، على قول الله، وقول رسوله ﷺ ، ويسمونه (تمذهب). فمثل هذه الشائبة قد وقعت في هذه الأمة، وهو مصداق قول النبي ﷺ : "لتتبعن سنن من كان قبلكم" (١).
стр. 528
باب: قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦٠ - ٦٢].
وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [سورة البقرة: ١١].
وقوله: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة الأعراف: ٥٦].
وقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [سورة المائدة: ٥٠].
عن عبد الله بن عمرو- ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: "لا يُؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به" (١)، قال النووي: حديث صحيح، رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح (٢).
وقال الشعبي: "كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد؛ لأنه عرف أنه لا يأخذ الرشوة،
стр. 529
وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود؛ لعلمه أنهم يأخذون الرشوة، فاتفقا على أن يأتيا كاهن في جهينة فيتحاكما إليه، فنزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ الآية [النساء: ٦٠] (١).
وقيل: نزلت في رجلين اختصما، فقال أحدهما: نترافع إلى النبي ﷺ ، وقال الآخر: إلى كعب بن الأشرف، ثم ترافعا إلى عمر، فذكر له أحدهما القصة، فقال للذي لم يرض برسول الله ﷺ : "أكذلك؟ " قال: نعم، فضربه بالسيف، فقتله (٢).
الشرح:
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
عقد المصنف ﵀ هذا الباب؛ لبيان أن من لوازم الإيمان التحاكم إلى الله ورسوله، وأن من ترك التحاكم إلى الله ورسوله، واستغنى عنهما بسواهما فقد ناقض أصل التوحيد، لمناقضته مقتضى شهادة: أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، وهو استفهام للتعجب والإنكار؛ لأن حال هؤلاء المذكورين يقتضي العجب منهم، والنكير عليهم.
قوله: ﴿إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ أي: يدعون، وغالباً ما يستخدم الزعم في الدعاوى المكذوبة، أو فيما يكون موضع مسائلة وتهمة، وربما عُبِّر بالزعم عن الخبر المجرد.
قوله: ﴿أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ هو القرآن العظيم.
قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي: التوراة والإنجيل.
قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ هذه إحدى صفاتهم: وهي
стр. 530
التحاكم إلى الطاغوت، والطاغوت -كما تقدم - مشتق من الطغيان الذي هو التجاوز. واصطلاحًا: كل ما تجاوز به العبد حده؛ من معبود، أو متبوع، أو مطاع. والطاغوت هنا هو كعب بن الأشرف، كما سيأتي في سبب النزول، لكن الآية أعم، والقاعدة عند المفسرين: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فقد تنزل آية من الآيات في واقعة معينة، ولا يقتضي هذا اختصاص الحكم بتلك القضية المعينة، بل ما دل عليه اللفظ بعمومه ينسحب على جميع أفراده.
قوله: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ الكفر بالطاغوت واجب، بل هو قسيم الإيمان بالله، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]
قوله: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ أي: يستهويهم الشيطان بهذا المسلك، ويغويهم، فالضلال بمعنى: التيه والضياع عن طريق الحق.
وتتمة هذه الآية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١] هذا هو الوصف الثاني: أنهم إذا دعوا إلى التحاكم إلى ما أنزل الله، وإلى الرسول، صدوا، وأعرضوا، وأشاحوا بوجوههم. ثم قال الله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦٢] هذا هو الوصف الثالث: وهو أنهم إذا وقعت عليهم بلية ومصيبة، وانكشف أمرهم، وافتضحوا، جاؤوا معتذرين: أنهم إنما أرادوا الإحسان، والتوفيق بين المصالح، ونحو ذلك من الدعاوى والمعاذير التي ظاهرها البراءة والنصح، وباطنها الخبث والغش.
وهذه الآيات العظيمة، عند التأمل، تنطبق على فئات متعددة: فقد طبقها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على المتكلمين من الجهمية والمعتزلة ومن شابههم، الذين اشتغلوا بعلم الكلام، وتركوا علوم الكتاب والسنة؛ فإن المتكلمين أعجبوا بعلوم اليونان ومنطقهم، وقدموا الأدلة العقلية على الأدلة النقلية، ووقعوا فيما وقع فيه المنافقون، وشابهوهم من عدة وجوه:
стр. 531
الأول: أن المنافقين ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾، والمتكلمون يقولون: نحن من جملة المسلمين، ونحن من أهل القبلة. فالزعم حاصل من الطرفين.
الثاني: أن المنافقين ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾، والمتكلمون يتحاكمون إلى منطق أرسطو، وفلسفة اليونان، ثم يستدعون نصوص الكتاب والسنة، فإن هي وافقت ما دلتهم عليه عقولهم ومقدماتهم قبلوها، واعتبروها أدلة مساندة، بمنزلة الشهود الزائدين على النصاب، وإن هي عارضت ما توصلوا إليه استعملوا معها أحد طريقين:
١ - الرد: إن كان حديث آحاد، ويزعمون أنه لا يُؤخذ بأحاديث الآحاد في مسائل الاعتقاد.
٢ - التأويل: إن كان آية محكمة، أو حديثاً متواتراً، فيلوون أعناق النصوص؛ لتوافق ما أملته عليهم عقولهم.
الثالث: أن المنافقين ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، والمتكلمون زين لهم الشيطان علوم اليونان، وزخرفها لهم، وأنها سبيل الحصول على العلم القطعي اليقيني، ومع هذا لم يحصِّلوا العلم القطعي اليقيني بمسلكهم ذلك، بل ضلوا ضلالًا بعيدًا.
الرابع: أن المنافقين ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ والمتكلمون، إذا دعوا إلى علوم الكتاب والسنة، والتحاكم إلى الآثار، أشاحوا بوجوههم، ونبزوا أهل السنة بألقاب السوء، وقالوا: أنتم حشْوية، أو نوابت، وسخروا منهم.
الخامس: أن المنافقين ﴿إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ والمتكلمون إذا صيح بهم، وخشوا افتضاح طريقتهم، اعتذروا بأنهم سلكوا هذا المسلك للتوفيق بين الأدلة النقلية والعقلية.
ويشبه هؤلاء، وهؤلاء، فئة ثالثة، وهم منافقو هذا الزمان، الذين يطلق
стр. 532
عليهم اسم "العلمانيين" (١) أو "الليبراليين" (٢)، فإنهم يحملون أسماء أهل الإسلام: كعبد الله، وعبد الرحمن، ولكن وجوههم لا تولي شطر المسجد الحرام، بل تستقبل الغرب! فهم مفتونون بالغرب في ثقافاتهم، وآدابهم، واقتصادهم، واجتماعهم. وهم يشاركون سلفهم بهذه الأوصاف:
- ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ويقولون: نحن من جملة المؤمنين. - ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ فهم معجبون بفلاسفة الغرب، ومنظريهم، وقادتهم، ومفكريهم، فألسنتهم تلهج بذكر هؤلاء، وقلَّ أن يذكروا آية أو حديثاً، أو يستشهدوا بقول عالم من علماء الملة، بل هم في الواقع، يريدون استبعاد الشريعة، وتطبيق القوانين الوضعية، وتغيير حال المرأة في المجتمع، وأن يكون الاقتصاد ربوياً، وأن يشاكلوا الغرب والشرق في جميع أحوالهم، وينزعوا صبغة الله التي صبغ بها عباده المؤمنين.
- ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ إذا صاح بهم أهل العلم والإيمان، وقالوا لهم: اتقوا الله، وردوا الأمر إلى الله ورسوله، صدُّوا، وأعرضوا، وسخروا بأهل العلم، ورجال الحسبة، ويصمونهم بألقاب السوء.
стр. 533
- ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ إذا وقعت لهم فتنة، أو خافوا سخطة، قالوا: نحن نريد تحسين العلاقات، وتصحيح صورة الإسلام، وهم في الواقع يثلمون الدين، ويهدمون أركانه، فمهما زوقوا العبارات فإنهم في الحقيقة، سلكوا كمسلك أولئك المنافقين، كما وصف الله تعالى: فينبغي أن نعتبر بهذه الآيات العظيمات، ونعلم أن الله تعالى ما أبقى ذكرها إلا لدوام الحاجة إليها.
فوائد الآيات:
١ - لا يجوز تقديم كلام أحد، كائناً من كان، على كلام الله ورسوله.
٢ - وجوب التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، مع الرضا والتسليم، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
٣ - أن من تحاكم إلى غير شرع الله، وارتضاه فليس بمؤمن، ولو ادعى الإصلاح، أو التطوير، أو العصرنة، أو غير ذلك من الدعاوى المزوقة.
٤ - أن من غيّر ما أنزل الله فهو طاغوت، ومن تحاكم إليه فقد تحاكم إلى الطاغوت، وإن سماه مثلاً: حقوق الإنسان، أو الحرية الدينية، أو المساواة بين الجنسين، أو غيرها من الأسماء المزوقة.
٥ - وجوب الكفر بالطاغوت.
٦ - وجوب الحذر من مكائد الشيطان؛ فالشيطان لا يقول لأتباعه: هلموا إلى الضلال، وإنما يقول: هذا الأفضل والأحسن، ويزين ذلك بشتى الأساليب.
٧ - أن من دُعي إلى شرع الله فأعرض عنه، فهو منافق معلوم النفاق.
٨ - مشابهة المتكلمين للمنافقين في هذا المسلك.
٩ - مشابهة العلمانيين والليبراليين للمنافقين في هذا المسلك.
قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ هؤلاء هم المنافقون أيضاً. والإفساد نوعان: إفساد حسي مادي، وإفساد معنوي، والثاني أشدهما خطراً؛ لأن الأول يتعلق بالممتلكات، وما يمكن استصلاحه،
стр. 534
وأما الإفساد المعنوي فإنه يتعلق بالعقائد، والقيم، والأخلاق، وهذا شيء قد يموت عليه الشخص، فيخسر الدنيا والآخرة معًا. فنهاهم المؤمنون عن الإفساد في الأرض بصنوف الكفر، والمعاصي، والوشاية، والسعاية، للإضرار بالمؤمنين.
قوله: ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ أي: ما نحن فيه إصلاح، وليس بفساد، هكذا زعموا!.
مناسبة الآية للباب:
خفية، وذلك أن المنافقين، يتذرعون بالمزاعم الباطلة، ودعاوى الإصلاح، ومع ذلك يتحاكمون إلى غير ما أنزل الله، ويتركون شريعة الله التي يحصل بها الصلاح والإصلاح.
فوائد الآية:
١ - التحذير من التحاكم إلى الأنظمة الوضعية المخالفة للشريعة الإسلامية.
٢ - أن الضالين يعتقدون أنهم مصلحون؛ فلا عجب إذا رُئي ينافح عن فكرته، ويظهر عليه أثر الغيرة والحمية؛ لأنه ربما رأى في رأيه الفاسد، أنه مصلح، والأمر ليس كذلك.
٣ - التحذير من الإعجاب بالرأي، فلا يُجزم إلا بنص معصوم، أما مجرد الرأي فيعرض على النص، فإن وافقه فالحمد لله، وإلا فالمعول على الدليل متى استبان وظهر. ومن الناس من يعجب برأيه؛ ولهذا جعل النبي ﷺ ذلك من مسوغات العزلة، فقال: "وإعجاب كل ذي رأي برأيه" (١). فينبغي للإنسان أن يوطن نفسه على اتهام رأيه، وأنه قابل للخطأ، فيما لا نص فيه قاطع، فإذا وجد النص، فالعصمة في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ .
стр. 535
٤ - أن كل معصية في الأرض فهي فساد، وليُتأمل قول أخوة يوسف: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ [يوسف: ٧٣] لأن السرقة فساد.
٥ - عدم الاغترار بأقوال أهل البدع والأهواء، وإن زخرفوها بدعوى الإصلاح.
قوله: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الإفساد يكون بالشرك، والمعاصي، والعدوان.
قوله: ﴿بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ الأرض صلحت بما جاء به الأنبياء من الإيمان الصحيح، والشرائع العادلة، والأخلاق القويمة؛ ولهذا نهاهم نبيهم عن الإفساد.
مناسبة الآية للباب:
كسابقتها، وذلك أن من تحاكم إلى غير شرع الله فقد أفسد؛ لأن الصلاح يحصل باتباع الشرع.
فوائد الآية:
١ - أن المعاصي سبب فساد الأرض، ويقابل ذلك أن الطاعة سبب صلاحها.
٢ - أن الحكم بغير ما أنزل الله إفساد في الأرض.
فهؤلاء الذين يدعون مجتمعاتهم الإسلامية إلى محاكاة الغرب والشرق، والسير على خطاهم، فيما يتعلق بالأفكار، والأخلاق، والقيم، والمبادئ هم يدعون إلى الإفساد.
فإذا انبرى هؤلاء المفسدون، ونفّروا أهل الإسلام من تطبيق الحدود، مثلاً، وقالوا: لم تزهق نفس القاتل؟! ولم تقطع يد السارق؟! ولم يرجم الزاني المحصن؟! هذه قسوة ووحشية، كما يزعمون، فلنعلم أنهم هم المفسدون حقاً، وأن الإصلاح باتباع ما شرع الله الذي هو أعلم بمن خلق، فلا نلتفت لهذه الدعاوى، بل نعلم فسادها. قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩] وفي الحديث: "حدٌ يقام في الأرض خير من أن تمطروا أربعين
стр. 536
صباحاً" (١).
والصلاح يحصل بالتزام شرع الله ، قال أبو بكر بن عياش ﵀: "إن الله بعث محمداً إلى أهل الأرض، وهم في فساد، فأصلحهم الله بمحمدٍ ﷺ ، فمن دعا إلى خلاف ما جاء به محمد ﷺ فهو من المفسدين في الأرض" (٢)، فأحسن التنظير ﵀. وقال ابن القيم ﵀ في (بدائع الفوائد): "ومن تدبر أحوال العالم، وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله، وعبادته، وطاعة رسوله، وكل شر في العالم، وفتنة، وبلاء، وتسليط عدو، وغير ذلك، فسببه مخالفة رسوله، والدعوة إلى غير الله ورسوله" (٣).
قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ استفهام إنكاري للتوبيخ. والجاهلية: كل ما خالف الإسلام، لكنها تطلق اصطلاحاً تاريخياً على الفترة التي سبقت بعثة النبي محمد ﷺ ؛ وذلك لعموم الجهل فيها، كما قال الله لنساء النبي: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣]، فتلك هي الجاهلية الأولى، وقد تقع جاهليات لاحقة؛ لأن مرد ذلك إلى الجهل، فأينما وجد الجهل وُجدت الجاهلية. وقد تظهر في الأفراد، كما قال النبي ﷺ لأبي ذر ﵁؛ لما قال لبلال: يا ابن السوداء: "إنك امرؤ فيك جاهلية" (٤)، وقد تظهر في المجتمعات، كقول النبي ﷺ : "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن" (٥)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀: (فَإِنَّ الْإِنْسَانَ مِنْ حِينِ يَبْلُغُ؛ خُصُوصًا فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ أَزْمِنَةِ الْفَتَرَاتِ الَّتِي تُشْبِهُ الْجَاهِلِيَّةَ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ الَّذِي يَنْشَأُ بَيْنَ أَهْلِ عِلْمٍ وَدِينٍ قَدْ يَتَلَطَّخُ مِنْ أُمُورِ الْجَاهِلِيَّةِ بِعِدَّةِ أَشْيَاءَ
стр. 537
فَكَيْفَ بِغَيْرِ هَذَا وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ "لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: "فَمَنْ؟ " هَذَا خَبَرٌ تَصْدِيقُهُ فِي قَوْله تَعَالَى "فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا" وَلِهَذَا شَوَاهِدُ فِي الصِّحَاحِ وَالْحِسَانِ. وَهَذَا أَمْرٌ قَدْ يَسْرِي فِي الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الدِّينِ مِنْ الْخَاصَّةِ؛ كَمَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ مِنْهُمْ ابْنُ عُيَيْنَة؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ أَحْوَالِ الْيَهُودِ قَدْ اُبْتُلِيَ بِهِ بَعْضُ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْعِلْمِ وَكَثِيرًا مِنْ أَحْوَالِ النَّصَارَى قَدْ اُبْتُلِيَ بِهِ بَعْضُ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الدِّينِ كَمَا يُبْصِرُ ذَلِكَ مَنْ فَهِمَ دِينَ الْإِسْلَامِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ ثُمَّ نَزَّلَهُ عَلَى أَحْوَالِ النَّاسِ) (١)
فدلّ ذلك على أن الجاهلية لا تختص بفترة زمنية، ومعنى: ﴿يَبْغُونَ﴾ أي: يريدون، ويطلبون ويشتهون وتتمة الآية: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ الجواب: لا أحد أحسن، وإذا كان الجواب: بلا، فالاستفهام للنهي. و ﴿أَحْسَنُ﴾ أفعل تفضيل، لا يدل على أن في الطرف الثاني حسن؛ لأن أفعل التفضيل لا يقتضي وجود فضل في الطرف المقابل، كقول الله : ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] فأصحاب النار ليس عندهم حُسْن ألبتة، بل الحسن كله في ما أنزل الله، والسوء كله فيما ناقض ما أنزل الله.
قوله: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أي: لقوم يعلمون علم اليقين أن حكم الله هو الخير والهدى، وأنه صالح لكل زمان، ومكان، وأمة، وأنه مصلح للأفراد والمجتمعات.
مناسبة الآية للباب:
ظاهرة، لما فيها من النكير على من طلب التحاكم إلى غير الله والثناء المطلق على حكمه، الذي يدرك حسنه أهل اليقين.
стр. 538
فوائد الآية:
١ - وجوب تحكيم شرع الله.
٢ - أن كل ما خالف شرع الله فهو من حكم الجاهلية.
٣ - فضل الشريعة، وكمالها، وصلاحها، بشهادة رب العالمين.
٤ - أن تحكيم القوانين الوضعية كفر بالله ، فمن نبذ شريعة الله، واستعاض عنها بالقوانين الوضعية فقد كفر بالله .
قال المصنف ﵀:
"عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به" قال النووي: حديث صحيح رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح" النووي هو الإمام المعروف، محيى الدين، أبو زكريا، يحيى بن شرف النووي، نسبة إلى نوى، قرية من قرى الشام، عالم، ورع، محدث، فقيه، مصنف، مشهور، مشارك في جميع العلوم، وعلومه وكتبه نافعة سيارة، ومن أشهرها: (رياض الصالحين)، و (المجموع شرح المهذب). وفاته سنة (٦٧٦ هـ). والكتاب الذي أحال إليه النووي هو كتاب (الحجة على تارك المحجة)، لأبي الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي الشافعي (ت: ٥٠٧ هـ) وهو في كتاب في العقيدة، يردّ فيه على المبتدعة، وأصحاب المقالات الباطلة، مطبوع محقق. وهو غير كتاب (الحجة في بيان المحجة) لإسماعيل ابن محمد بن الفضل بن علي القرشي الطليحي التيمي الأصبهاني، أبو القاسم، الملقب بقوام السنة (ت: ٥٣٥ هـ).
وقوله: "رويناه" يصح فيه ضبطان:
الأول: "رَوَيناه" بفتح الراء وبناء ضمير الرفع على الفاعلية.
الثاني: "رُوِّينَاهُ" بضم الراء وتشديد الواو وكسرها، لبناء الفعل على ما لم يُسم فاعله.
وهذا الحديث: في ثبوته نزاع. فقد أخرجه ابن أبي عاصم، والبغوي كما
стр. 539
تقدم، والخطيب (١)، والحكيم الترمذي (٢)، وأبو القاسم الأصبهاني (٣)، والبيهقي (٤)، وأخرجه في الكنز، وعزاه إلى: (الحكيم، وأبو نصر السجزي في الإبانة، وقال: حسن غريب، والخطيب عن ابن عمرو) (٥). وقال ابن رجب الحنبلي ﵀ في شرحه للأربعين النووية: "قلتُ: تصحيح هذا الحديث بعيد جداً من وجوه، منها: أنه حديث يتفرد به نعيم بن حماد المروزي، ونعيم هذا وإن كان وثقه جماعة من الأئمة، وخرج له البخاري، فإن أئمة الحديث كانوا يحسنون به الظن، لصلابته في السنة، وتشدده في الرد على أهل الأهواء، وكانوا ينسبونه إلى أنه يَهِم، ويُشبَّه عليه في بعض الأحاديث، فلما كثر عثورهم على مناكيره، حكموا عليه بالضعف … ومنها: أن في إسناده عقبة بن أوس السدوسي البصري، ويقال فيه: يعقوب بن أوس أيضاً، وقد خرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه حديثاً عن عبد الله بن عمرو، ويقال: عبد الله بن عمر، وقد اضطرب في إسناده" (٦). فالحديث محل نزاع في تصحيحه وتضعيفه، إلا أن معناه صحيح.
قوله: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به" نفى النبي ﷺ الإيمان الواجب عمن لم يكن هواه تبعاً لما جاء به ﷺ ، وهذا معنى صحيح؛ ولهذا قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، صاحب تيسير العزيز الحميد ﵀: "معناه صحيح قطعاً، وإن لم يصح إسناده، وأصله في القرآن كثير" (٧)، أي: هذا المعنى في القرآن كثير، ومثال ذلك قول الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] ومعنى الآية هو معنى الحديث؛ لأنه قال فيها: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي
стр. 540
أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، فصار هواهم تبعاً لما جاء به. ومما يؤيده أيضاً قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] فدلّ ذلك على منافاة اتباع الهوى للإيمان. والمقصود بالهوى: ما تميل إليه النفس وتحبه مما يخالف الشرع.
وقوله: "تبعاً لما جئت به" أن يحب ما أمر الله به رسوله، ويكره ما نهى الله عنه ورسوله، فيمتثل الأوامر حتى لو وَجد في نفسه ثُقْلاً، ويترك المناهي ولو وجد في نفسه رغبة إليها، فهذا دليل على تقديمه محاب الله ومحاب رسوله على هوى نفسه، فالعبرة بالعمل. ووجود الغريزة الطبعية لا يقدح في إيمانه، بل تركها لله يدل على صحة الإيمان؛ لكونه طرح هوى نفسه، وامتثل أمره، واجتنب نهيه.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لدلالته على نفي الإيمان عمن لم يمتثل أمر الله، ولم يطمئن إلى شرعه.
فوائد الحديث:
١ - وجوب محبة ما جاء به الرسول ﷺ ؛ وهذا يحصل بالمجاهدة والدربة، وربما كان الإنسان في وقت من الأوقات يكره بعض ما جاءت به السنة، لكن بالمجاهدة يريه الله الحق حقًا، والباطل باطلًا، والحسن حسناً، والقبيح قبيحاً. ولنضرب لذلك مثلاً: بعض الناس يرى في حلق اللحية جمالاً، ونضارةً، ونظافةً، وفي إعفائها عكس ذلك، ويجد في نفسه غضاضة، وكرهًا، لكنه إذا جاهد نفسه، وتذكر أن هذا هدي محمد ﷺ طابت نفسه فيما بعد، وأحب محبوبات الله، ومحبوبات نبيه ﷺ . وبعض الناس يكون من البداية قريباً من الفطرة، سليمًا من التكلف، فلا يحتاج إلى عناء شديد ليجعل هواه تبعاً لما جاء به النبي ﷺ .
٢ - وجوب بغض ما خالف ما جاء به النبي ﷺ .
٣ - انتفاء الإيمان الواجب عمن كان هواه غير تابع لما جاء به رسول الله.
стр. 541
٤ - أن الإيمان يتفاضل، ويزيد وينقص؛ للتفاوت في مجاهدة الهوى، واتباع الهدى.
٥ - أن الإيمان التام يستلزم الموافقة التامة، ظاهراً وباطناً، وهذا أصل من أصول أهل السنة والجماعة: أن العمل لازم الإيمان، لا ينفك عنه، ولا يُتصَور بدونه، فلأجل ذا قال أهل السنة: الإيمان قول وعمل. وقالت المرجئة: الإيمان اعتقاد بالقلب، وأرجأوا العمل عن مُسمى الإيمان.
٦ - انتفاء الإيمان الواجب عن أهل البدع، والأهواء، والفساق؛ لأنهم لم يجعلوا هواهم تبعاً لما جاء به ﷺ ، ومالوا إلى مناهج ومسالك منحرفة.
٧ - أن محبة الأشخاص، والأعمال، والأمكنة، والأزمنة، متعلقة بكمال الإيمان، ونقص ذلك نقص في الإيمان؛ فمزاج المؤمن يتكيف تكيفاً إيمانياً، فيحب محبوبات الله، فيحب من الأزمنة: شهر رمضان، ومن الأمكنة مكة، والمدينة، وبيت المقدس، ويحب من الأشخاص والذوات: المتقين، والمحسنين، والصابرين، ويحب من الهيئات: الركوع، والسجود، ويحب من الأقوال الدعاء، وسائر الكلم الطيب، والعمل الصالح، ويكره أضدادها.
قوله: "وقال الشعبي" الشعبي: هو عامر بن شراحيل الشعبي، الكوفي. إمام مشهور، تابعي ثقة، فقيه، فاضل. مات بعد المائة. ﵀.
قوله: "كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد. عرف أنه لا يأخذ الرشوة" الذي حمل اليهودي على الترافع إلى النبي ﷺ علمه أنه لا يأخذ الرشوة، وهي: ما يعطاه الحاكم من أحد المتخاصمين ليحابيه في القضية، وكأن هذا اليهودي علم أن الحق إلى جانبه، وأنه سيحكم له، وإلا فليس هذا تعظيمًا منه للنبي ﷺ .
قوله: وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود، لعلمه أنهم يأخذون الرشوة" لعلمه أنهم أكالون للسحت، فأراد أن يرشيهم ليحصل له مراده.
قوله: "فاتفقا على أن يأتيا كاهناً من جهينة فيتحاكما إليه" أي: لما اختلفا، هداهما الشيطان إلى أن يتحاكما إلى كاهن من جهينة، والكهان -كما سبق- موجودون في كل حي من أحياء العرب، ويكون لأحدهم رئي من الجن يستعين به.
стр. 542
قوله: "فنزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ " الآيات التي صدّر بها المصنف ﵀-الباب. وقد تقدم تخريجها.
مناسبة القصة للباب:
مطابقة، لأن فيها بيان سبب نزول الآية التي ترجم بها المصنف للباب.
فوائد القصة:
١ - وجوب التحاكم إلى شريعة الله.
٢ - أن التحاكم إلى غير شرع الله ينافي الإيمان.
٣ - أن المنافقين أخبث من اليهود.
٤ - دناءة اليهود؛ لأخذهم الرشوة، وخداع المنافقين؛ لبذلهم الرشوة.
٥ - تحريم الرشوة أخذاً وإعطاء وسعاية؛ وقد جاء في الحديث: "لعن رسول الله ﷺ الراشي، والمرتشي، والرائش، يعني: الذي يمشي بينهما" (١)، فالراشي باذل الرشوة، والمرتشي من يقبلها، والرائش هو الوسيط بينهما، وكلهم داخلون في اللعنة.
٦ - شدة كراهة المنافقين وأشباههم لحكم الله ورسوله؛ وتفضيلهم التحاكم إلى الكهان على حكم الله ورسوله.
ثم قال المصنف ﵀:
"وقيل: نزلت في رجلين اختصما، فقال أحدهما: نترافع إلى النبي ﷺ ، وقال الآخر: إلى كعب بن الأشرف" كعب بن الأشرف: من زعماء اليهود، وقيل: إنه من قبيلة طيء، لكن أمه من بني النضير، فكان في عداد اليهود، وكان شديد العداوة للنبي ﷺ بفعله، وقوله، وشعره؛ ولهذا قال النبي ﷺ كما في الصحيحين: "من لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله" (٢)، فانتدب له
стр. 543
ثلة من الصحابة الخيار الأبطال، حتى قتلوه. فهذان الرجلان -ولعلهما المذكورين سابقاً، وقد يكونان غيرهما، لاختلاف الحال- اقترح أحدهما الترافع إلى النبي ﷺ ، واقترح الآخر الترافع إلى كعب بن الأشرف.
قوله: "ثم ترافعا إلى عمر، فذكر له أحدهما القصة، فقال للذي لم يرض برسول الله ﷺ : "أكذلك؟ " قال: نعم، فضربه بالسيف، فقتله" أي فعل ذلك غضبًا للنبي ﷺ ، وعقوبةً على كفر من لم يرض به حكمًا.
هذا الأثر، قد أخرجه البغوي معلقاً عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، كما تقدم، ومن المعلوم أن الكلبي متهم بالكذب، فالحديث بهذا الإسناد يكون ضعيفاً، ولكن قد أخرجه الطبراني (١)، والواحدي، كما تقدم، بإسناد جوده ابن حجر (٢). ويبقى في الحديث إشكال، وهو: كيف عمد عمر ﵁ إلى قتل الرجل من تلقاء نفسه، مع أن الحدود لا بد أن ترفع إلى السلطان؟ فهذا مُشكِل. وقد أجيب عنه بأجوبة غير مقنعة، منها:
١ - عدم ثبوت هذه القصة.
٢ - إن عمر ﵁ كان قد اطلع على الحال، واستأذن النبي ﷺ ؛ لأن المعروف من حال عمر ﵁ في وقائع كثيرة أنه كان يقول للنبي ﷺ : "يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق" (٣)، فكان النبي ﷺ يمنعه في مناسبات عدة، منها:
- في قصة حاطب بن أبي بلتعة (٤).
- وفي قصة الرجل الذي قال له: اعدل يا محمد (٥).
стр. 544
- وفي قصة عبد الله بن أبي بن سلول (١). فكان النبي ﷺ يمنعه ويذكر له أسباباً تحول دون قتلهم. فإذا كان هذا هو المعروف من شأن عمر، وهو أنه مع شدة غيرته لله ولرسوله، وحميته لدين الله، لا يقدم على شيء إلا بعد استئذان النبي ﷺ ؛ فينبغي أن يكون قد علم بما جرى من الرجلين سلفاً، واستأذن النبي ﷺ في ذلك.
مناسبة القصة للباب:
ظاهرة، لأن فيها أنّ من احتكم إلى غير شرع الله فإنه مستحق للقتل إن اعتقد ذلك واستحله؛ لأن التحاكم إلى غير شرع الله، رغبةً عنه، ردة في الدين، ففي هذه القصة ما يدل على تفضيله لحكم غير الله على حكم الله ورسوله ﷺ ؛ حيث أنه عرض عليه صاحبه الترافع إلى النبي ﷺ فأبى، فهذا يدل على الرغبة عن حكم الله ورسوله.
فوائد القصة:
١ - أن تحكيم غير شرع الله في الخصومات والمنازعات ردة عن الإسلام.
٢ - أن المرتد حده القتل.
٣ - مشروعية الغضب لله ورسوله، كما وقع من عمر.
٤ - مشروعية تغيير المنكر باليد، فيما يسوغ تغيره باليد؛ لأن مراتب التغيير كما أخبر النبي ﷺ اليد، ثم اللسان، ثم القلب، فإذا وسع الإنسان شرعاً أن يُغير بيده لزمه ذلك، وإن كان التغيير باليد إلى غيره، كالسلطان فلا يتجاوز حده.
٥ - أن معرفة الحق لا تغني عن العمل به، والانقياد له؛ فلا يكفي مجرد العلم أن دين الله أحسن من غيره، بل لا بد من الامتثال، فإنه لازم ذلك.
стр. 545
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية النساء، وما فيها من الإعانة على فهم الطاغوت.
فمن نصَّب نفسه، أو رضي أن يكون مرجعاً للتحاكم بغير شرع الله، فهو طاغوت.
الثانية: تفسير آية البقرة: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية.
فالتحاكم إلى غير شرع الله من الإفساد في الأرض.
الثالثة: تفسير آية الأعراف: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾.
فصلاح الأرض بسيادة الشرع، وفسادها بتغيير الشرع.
الرابعة: تفسير: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾.
تفسير ذلك: أن من تحاكم إلى غير شرع الله، فقد فضّل حكم الجاهلية على حكم الله.
الخامسة: ما قال الشعبي في سبب نزول الآية الأولى.
أن الخصومة جرت بين منافق ويهودي، فاليهودي اختار التحاكم إلى النبي ﷺ ؛ لعلم أنه لا يأخذ الرشوة، والمنافق اختار التحاكم إلى اليهود؛ لعلمه أنهم يأخذون الرشوة.
السادسة: تفسير الإيمان الصادق والكاذب.
الإيمان الصادق هو الذي يقتضي التحاكم إلى الله ورسوله، والإيمان الكاذب يرفض ذلك ويأباه.
السابعة: قصة عمر مع المنافق.
وقد آل به الحال إلى قتله، إن صحت القصة.
стр. 546
الثامنة: كون الإيمان لا يحصل لأحد حتى يكون هواه تبعاً لما جاء به الرسول ﷺ .
كما جاء في الحديث: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به" وهو حديث صحيح المعنى قطعاً، وإن كان في إسناده مقال، فلا يثبت الإيمان الواجب إلا بذلك.
стр. 547
باب من جحد شيئاً من الأسماء والصفات
وقول الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [سورة الرعد: ٣٠].
وفي صحيح البخاري قال علي: "حدِّثُوا الناسَ بما يَعْرِفُون، أَتُرِيدُون أن يُكَذَّبَ اللهُ ورسولُه؟! " (١).
وروى عبد الرزاق عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه عن ابن عباس: أنه رأى رجلاً انتفض لما سمع حديثاً عن النبي ﷺ في الصفات، استنكاراً لذلك، فقال: "ما فرق هؤلاء؟! يجدون رقة عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه" انتهى (٢).
ولما سمعتْ قريش رسول الله ﷺ يذكر الرحمن أنكروا ذلك، فأنزل الله فيهم: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ (٣).
الشرح:
قال المصنف ﵀: "باب: من جحد شيئاً من الأسماء والصفات" الجحد: الإنكار والنفي، والجحد: تارة يكون بالرد الصريح، وتارة يكون بالتحريف. فمراد المصنف ﵀ في هذا أن يُبيّن حكم من جحد شيئاً من الأسماء والصفات.
ولله أسماء حسنى: وقد ذكر ذلك في أربعة مواضع من كتابه فقال: ﴿وَلِلَّهِ
стр. 548
الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠] وقال: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]، وقال ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨] وكذا قال في آخر سورة الحشر: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الحشر: ٢٤].
فالله سمى نفسه بأسماء بلغت في الحسن غايته، وذلك معنى قوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [الروم: ٢٧] فهو السميع، وله من السمع أعلاه، وهو البصير، وله من البصر أعلاه، وهو القوي، وله من القوة أعلاها، وهكذا بقية الأسماء. وهذه الأسماء منها ما نعلمه، ومنها ما لا نعلمه؛ لقوله ﷺ في دعاء الكرب: "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو علمته أحداً من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك" (١)، فدل ذلك على أن لله تعالى أسماءً لا نعلمها، قد استأثر بها سبحانه، أو اختص بها بعض خلقه، ولكن الله تعالى أعلمنا منها ما شاء؛ ولهذا قال النبي ﷺ : "إنّ لله تسعة وتسعين اسماً، مائة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة" (٢)، وهذه الأسماء الحسنى مبثوثة في الكتاب والسنة، وقد انتدب العلماء قديماً، وحديثاً، إلى استنباطها من نصوص الوحيين.
ولله تعالى صفات عليا: فإن كل اسم يتضمن صفة، ولا يكون للاسم فائدة ما لم يتضمن صفة، فالسميع يدل على السمع، والبصير يدل على البصر، والقوي يدل على القوة، والعزيز يدل على العزة، والدليل على هذا أن الله تعالى أضاف الصفة إلى نفسه، فقال سبحانه: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الأنعام: ١٣٣]، وقال: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠]، وقال: ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ١٦٥] فما من اسم من أسماء الله إلا وهو متضمن لصفة كمال.
لكن الصفات لا يلزم أن تتضمن أسماء: لأن باب الصفات أوسع من باب الأسماء، فكل اسم يدل على صفة، وليس كل صفة تدل على اسم، فمن صفاته تعالى الإرادة، وليس من أسمائه المريد، ومن صفاته المجيء، وليس من
стр. 549
أسمائه الجائي، ومن صفاته المشيئة، وليس من أسمائه الشائي، وهكذا. والواجب على المؤمنين أن يثبتوا ما أثبت الله تعالى لنفسه من الأسماء الحسنى، والصفات العلى، وأن لا يتعرضوا لها بأي نوع من أنواع التحريف، والتعطيل، والتكييف، والتمثيل، بل يثبتون ما أثبته الله تعالى لنفسه، وأثبته له نبيه ﷺ وينفون ما نفاه الله عن نفسه، ونفاه عنه نبيه ﷺ ، إثباتاً بلا تمثيل، وينزهون تنزيهاً بلا تعطيل.
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
ظاهرة، وذلك إن التوحيد، كما قدمنا أول الكتاب، ثلاثة أنواع:
١ - توحيد الربوبية.
٢ - وتوحيد الألوهية.
٣ - وتوحيد الأسماء والصفات.
فهذا الباب متعلق بالنوع الثالث، على أن حصته في هذا الكتاب قليلة؛ إذ عامة ما فيه يتعلق بتوحيد العبادة (توحيد الألوهية).
قوله: "وقول الله تعالى: ﴿وَهُمْ﴾ أي: كفار قريش، وما شاكلهم من مشركي العرب.
قوله: ﴿يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ أي: يجحدون هذا الاسم، لا أنهم ينكرون وجود الله؛ لأنهم يقرون بوجود الله، ويثبتون له أيضاً بعض الأسماء، كالعزيز، والعليم، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩]، لكنهم أنكروا بعضها ومما أنكروه هذا الاسم (الرحمن) كما سيأتي في الأثر. وهو اسم من أسماء الله الحسنى، دال على اتصافه بصفة الرحمة، والفرق بينه وبين (الرحيم):
- أن (الرحمن) يدل على اتصاف الله بصفة الرحمة اتصافاً ذاتياً. والرحيم يدل على اتصافه بصفة الرحمة اتصافاً فعلياً، فهو يدل على الرحمة الواصلة،
- أن (الرحمن) يدل على الرحمة العامة، كما قال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] فهو يدل على الرحمة الواسعة والرحيم يدل على الرحمة الخاصة، كما قال: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]، فهو
стр. 550
يدل على الرحمة الواصلة. ويقرن الله تعالى بينهما كثيراً، كما في البسملة التي تفتتح بها السور. وتتمة هذه الآية:
قوله: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي﴾ أي: الرحمن الذي أنكرتموه.
قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: لا معبود بحق إلا هو.
قوله: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ قدم الجار والمجرور ليدل على الاختصاص، أي: لا على غيره. والتوكل: اعتماد القلب على الله في جلب المنافع، ودفع المضار، مع فعل الأسباب الموصلة إلى ذلك قوله: ﴿وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ أي: إلى الرحمن مرجعي وتوبتي.
مسألة الاسم والمسمى:
مسألة أحدثها المتكلمون من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، وهي هل الاسم عين المسمى أو غيره؟ فكان لا بد من البيان. فلا يقال: الاسم هو المسمى، ولا غير المسمى، بل نستفصل:
قال شارح الطحاوية: (وَطَالَمَا غَلِطَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي ذَلِكَ، وَجَهِلُوا الصَّوَابَ فِيهِ؛ فَالِاسْمُ يُرَادُ بِهِ الْمُسَمَّى تارة، ويراد بِهِ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَيْهِ أُخْرَى، فَإِذَا قُلْتَ: قَالَ اللَّهُ كَذَا، أَوْ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَهَذَا الْمُرَادُ بِهِ الْمُسَمَّى نَفْسُهُ، وَإِذَا قُلْتَ: اللَّهُ اسْمٌ عَرَبِيٌّ، وَالرَّحْمَنُ اسم عربي، والرحيم مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَالِاسْمُ ها هنا هو المراد، لا المسمى، وَلَا يُقَالُ غَيْرُهُ، لِمَا فِي لَفْظِ الْغَيْرِ مِنَ الْإِجْمَالِ. فَإِنْ أُرِيدَ بِالْمُغَايَرَةِ أَنَّ اللَّفْظَ غَيْرُ الْمَعْنَى فَحَقٌّ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ كَانَ وَلَا اسْمَ لَهُ، حَتَّى خَلَقَ لِنَفْسِهِ أَسْمَاءً، أَوْ حَتَّى سَمَّاهُ خَلْقُهُ بِأَسْمَاءٍ مِنْ صُنْعِهِمْ، فَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الضَّلَالِ وَالْإِلْحَادِ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى) (١)
فالمعتزلة تقول: الاسم غير المسمى، لاعتقادهم أن الصفات المضافة إلى الله مخلوقة، بناءً على أصلهم الفاسد بعدم قيام صفة ثبوتية في الله، وأن
стр. 551
أسماء الله تعالى أعلام محضة لا تدل على وصف ثبوتي لله. والأشاعرة تقول: الاسم هو المسمى لاقتصارهم على إثبات الصفات الذاتية المعنوية لله، وإنكارهم الصفات الفعلية. فلا نُسلِّم لهؤلاء، ولا هؤلاء بذلك، بل نقول: الاسم للمسمى، ولا نقول: الاسم هو المسمى، ولا الاسم غير المسمى. فإذا قصدنا الذات فالاسم الدال عليه هو المسمى، وإذا قصدنا اللفظ نفسه، فالاسم غير المسمى، كما لو قلت: الرحمن: اسم من أسماء الله، تريد بذلك اللفظ، فهو غير ذات الله . والحاصل: أنه لا بد من التفصيل في هذه المسائل المحدثة؛ ولهذا قال الإمام ابن جرير الطبري ﵀: "ثم حدث في دهرنا هذا حماقات، خاض فيها أهل الجهل والغباء، ونوكى الأمة والرعاع، يتعب إحصاؤها، ويمل تعدادها، فيها القول في اسم الشيء أهو هو أم هو غيره؟ " (١).
مناسبة الآية للباب:
مطابقة للترجمة، لما فيها من الإنكار على من جحد اسم الرحمن، وكذلك بقية الأسماء والصفات.
فوائد الآية:
١ - أن من جحد شيئاً من الأسماء والصفات، بعد البينة، وإقامة الدليل، فإنه يكفر.
٢ - وجوب الإيمان بأسماء الله وصفاته.
٣ - وجوب توحيده سبحانه.
٤ - وجوب التوكل عليه.
٥ - وجوب التوبة إليه سبحانه.
٦ - أن أسماء الله تعالى أعلام وأوصاف: أعلام باعتبار دلالتها على ذاته سبحانه، وأوصاف باعتبار أن كل اسم يدل على صفة مستقلة، تميزه عن غيره، فالسميع، غير البصير، والبصير غير العليم، والعليم غير القدير، من حيث تميز كل اسم منها بمعنى مستقل. فإذا قيل: هل أسماء الله الحسنى مترادفة أو متغايرة؟
стр. 552
فيقال: هي مترادفة باعتبار دلالتها على الذات، ومغايرة باعتبار استقلال كل اسم منها بمعنى يخصه. فجميع الأسماء الحسنى دالة على ذات الله، فالله هو السميع، وهو البصير، وهو العليم، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢] إلى آخر السورة، فكل هذه الأسماء الحسنى ترجع إلى اسم "الله"، فبهذا الاعتبار دلالتها على الذات مترادفة. أما باعتبار اختصاص كل اسم بمعنى يميزه عن غيره فهي متغايرة ومتباينة، فالسميع يدل على السمع، والبصير يدل على البصر، والعليم يدل على العلم، والقدير يدل على القدرة، وهكذا، خلافاً للمعتزلة القائلين: أسماء الله أعلام محضة، تدل على ذات الله، ولا تدل على صفات. ومذهبهم ظاهر البطلان.
٧ - اختصاص الله بهذا الاسم الشريف (الرحمن)، فلا يجوز إطلاقه على غيره، لما يدل عليه من طلاقة الرحمة وغايتها. ومن أسماء الله الحسنى -بل أكثرها- ما يجوز إطلاقه على المخلوق، باعتبار أن ما لله يليق به، وما للمخلوق يليق به، فمثلاً قول الله : ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ﴾ [يوسف: ٥١] فسمى خلقاً من خلقه العزيز، مع أنّ العزيز من أسماء الله الحسنى، وقال سبحانه: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] فوصف خلقاً من خلقه بالعظم، مع أنه سبحانه هو العظيم، وسمى بعض عباده بالملك، فقال: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾ [يوسف: ٤٣] مع أن الله تعالى هو الملك، فدل ذلك على جواز تسمية المخلوق باسمٍ يُسمى به الله، لكن على اعتبار أن ما لله يليق به، هو المثل الأعلى، وما للمخلوق يليق به، وهو المثل الأدنى.
ومن الأسماء الحسنى ما لا يجوز إطلاقه على غير الله، مثل اسم (الله)؛ ولهذا أبطل الله ألوهية كل آلهة مدعاة، فقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَة﴾ [الأنبياء: ٢٤]. ومما يختص الله تعالى به أيضاً اسمه (الرحمن) لأنه يدل على طلاقة الرحمة وسعتها وشمولها، فلا يجوز أن يتسمى إنسان بالرحمن، ويجوز أن يتسمى إنسان بالرحيم، كما قال الله عن نبيه: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيم﴾ [التوبة: ١٢٨]. ولا يجوز أن يُسمى غيره بالمتكبر؛ لأن المتكبر هو الله، ولا يصدق على سواه.
٨ - كفر الجهمية الذين أنكروا أسماء الله وصفاته؛ فإذا كان المشركون قد كفروا بإنكار اسم واحد هو (الرحمن) فكيف بالجهمية الذين أنكروا جميع
стр. 553
أسماء الله الحسنى، وزعموا أن الأسماء الحسنى اصطنعها الناس، وأطلقوها على الله تعالى الله عما يقولون. وقد أجمع السلف على تكفير الجهمية - وإن كانوا قد اختلفوا في تكفير المعتزلة- لشناعة مقالتهم، وأنه ليس لهم تأويل سائغ، كما قال ابن القيم ﵀:
فَهُمُ بِذَا جَهْمِيةٌ أَهْلُ اعتِزَالٍ … ثَوْبُهمْ أَضْحَى لَهُ عَلَمَانِ
وَلَقَدْ تَقَلَّدَ كُفْرُهُم خَمْسُونَ فِي … عَشْرٍ مِنْ الْعلمَاء فِي الْبلدَانِ (١).
ثم قال المصنف ﵀:
"وفي صحيح البخاري: قال علي" هو علي بن أبي طالب ﵁. هذا الحديث رواه الإمام البخاري في كتاب العلم، في باب من خص بالعلم قوماً دون قوم كراهية أن لا يفهموا (٢). و (كتاب العلم) في صحيح البخاري كتاب حافل، ينبغي لكل طالب علم أن يقرأه، ويستشرحه، لتضمنه مسائل متعلقة بالعلم، وآدابه، وطرقه.
قوله: "حدثوا الناس بما يعرفون" أي: بما يفهمون، فعلي ﵁ كأنما خاطب بهذا قوماً من القصاص أو الوعاظ الذين يحدثون الناس بأمور مشتبهة، فنهاهم عن مبادأة الناس بأمور مشكلة، ولكن يحدثونهم بما أنزل الله في كتابه، وما قاله رسوله، فكل ما أنزله الله، وقاله رسوله فهو بيّن واضح؛ لأن الله وصف كتابه بأنه ﴿مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥] و ﴿تِبْيَانًا﴾ [النحل: ٨٩] و ﴿بَيَانٌ﴾ [آل عمران: ١٣٨]، فهو -بحمد الله- واضح، فلا يُترك الواضح، ويُؤتى المشتبه؛ من الإسرائيليات، والمسائل المشكلة، وإنما يوعظون، ويقص عليهم بناطق الكتاب، والآثار الصحيحة، وعلل ذلك بتعليل مقنع؛ وهو أن تحديثهم بما ينكرون، مدعاة إلى تكذيب الله ورسوله. وهذه مفسدة عظيمة.
مناسبة الأثر للباب:
ظاهرة، لأن التحديث أو الإخبار بالغرائب والمتشابهات، سبب للتكذيب بأسماء الله وصفاته.
стр. 554
فوائد الأثر:
١ - تجنب ذكر بعض أبواب العلم إذا خشي حصول مفسدة، وله أسباب متعددة، منها قصور الفهم، كما في هذا الأثر. ومنها توقع ضرر من جرائها؛ ولهذا كره بعض السلف أن يُحدَث الحجاجُ بحديث العرنيين؛ لأن فيه تعزيراً بليغاً، لما استاقوا الإبل ونهبوها، وقتلوا الراعي، فسمل النبي ﷺ أعينهم، وألقاهم في الرمضاء؛ يستقون فلا يسقون (١)، فأغلظ عليهم في العقوبة، فلا يُحدث الظالم الغشوم بمثل هذا الحديث؛ لأنه يحمله على مزيد من الظلم، لظنه أن هذا يؤيد طريقته، فلا بد للواعظ الحكيم أن يراعي الأحوال.
٢ - أن ظهور القُصّاص والوعاظ قديم في الأمة؛ وهؤلاء يحصل بوعظهم ترقيق القلوب، ولكن ينبغي أن يُرشَدوا ويُوجهوا إلى العظة بموعظة الكتاب والسنة، وتجنب ذكر الأحاديث الضعيفة، والقصص المشكلة، فإذا وقع أحدهم في شيء من هذا بُيِّن له الحق، ولم يمنع من الموعظة الحسنة.
٣ - التحذير من البدع وما تفضي إليه.
قال المصنف ﵀:
"وروى عبد الرزاق" عبد الرزاق بن همام الحميري، مولاهم، أبو بكر الصنعاني، ثقة حافظ، مات سنة إحدى عشرة ومائتين ﵀.
قوله: "عن معمر" هو معمر بن راشد الأزدي، مولاهم، أبو عروة البصري، ثقة، ثبت، فاضل. سكن اليمن، ومات سنة أربع وخمسين ومائة ﵀=.
قوله: "عن ابن طاوس" هو عبد الله بن طاوس اليماني، أبو محمد، ثقة، فاضل، عابد. مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة ﵀.
"عن أبيه" طاوس بن كيسان اليماني، أبو عبد الرحمن الحميري، مولاهم، ثقة، فقيه، فاضل. مات سنة ست ومائة ﵀
стр. 555
قوله: "عن ابن عباس ﵄ أنه رأى رجلاً انتفض لما سمع حديث عن النبي ﷺ في الصفات استنكاراً لذلك" أي: حدّث ابن عباس ﵄ بحديث من أحاديث الصفات الخبرية؛ كذكر الوجه، أو اليدين، أو العينين، أو القدم، أو الساق، فانتفض هذا الرجل لما سمع هذا الحديث استنكاراً لذلك؛ لأنه تبادر إلى ذهنه التمثيل. فالعلة ليست في النص، وإنما في عقله، حيث ظن أن النص يدل على التشبيه، فانتفض استنكاراً لذلك. قوله: "ما فرق هؤلاء؟! " الفرق هو الخوف، أي: ما سبب هذه الرعدة والانتفاضة؟ وهذا استفهام استنكاري لحال هذا الرجل.
قوله: "يجدون رقة عند محكمه" أي: ليناً، وقبولاً، عند الأمور المحكمة الواضحة.
قوله: "ويهلكون عند متشابهه" أي ما يشتبه عليهم منه، كمن وصفهم الله في قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧]. فهذا الرجل الذي انتفض، اتبع المتشابه، حيث ظن أن ذكر الصفات يقتضي التمثيل والتشبيه، والأمر ليس كذلك. وكان الواجب عليه إذا اشتبه عليه شيء، أن يرد المتشابه إلى المحكم، ويقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. فهذا نص محكم، فكل ما أخبر الله تعالى به عن نفسه، أو أخبر به نبيه ﷺ ، فلا يمكن بحال من الأحوال أن يكون على وجه التمثيل. فالواجب أن نثبت إثباتاً بلا تمثيل، وننزه الله تنزيهاً بلا تعطيل، ولا نبالغ في الإثبات فنقع في التمثيل. كما ننزه الله تعالى عن النقائص، والعيوب، ومماثلة المخلوقين، ولا نبالغ في التنزيه فنقع في التعطيل، بل نتوسط، ونقبل هذه النصوص الثابتة الصحيحة، ونؤمن بما دلت عليه من المعاني اللائقة بالله، وننفي التمثيل والتعطيل؛ لأن الممثل يعبد صنماً، والمعطل يعبد عدماً، والمؤمن الحنيف يعبد الله الحي الذي لا يموت، الذي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
مناسبة الأثر للباب:
ظاهرة، لإنكار ابن عباس-﵄ على من أنكر ما يجب لله من الأسماء
стр. 556
والصفات. وبيّن بأنه يجب على الإنسان أنه يؤمن بالمحكم والمتشابه، كما قال الله تعالى عن الراسخين في العلم: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] فما دام كل من عند ربنا، فلا يمكن أن يتعارض ولا أن يتناقض ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
وبناء عليه: فمن مر به نص من نصوص الصفات، ولم يحط به علماً، وأشكل عليه فهمه، فليعتصم بالمحكم، وليقل: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ فالنص المشتبه لا يمكن أن يكون معارضاً للمحكم، وليذكر قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وإذا اشتبه عليه نص من نصوص القدر، وتبادر إلى ذهنه معنى سوء من إلقاء الشيطان، بأنه يقتضي ظلماً، فليعتصم بالمحكم، كقوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]، وهكذا في نصوص المعاد، ونصوص الوعيد. فهذه طريقة الراسخين في العلم، ثم بعد ذلك يطلب رفع الاشتباه بسؤال أهل الذكر، فإن ما جهله قد علمه غيره. ولذلك لا يوجد متشابه مطلق في الشريعة، فالتشابه نسبى؛ يشتبه على بعض الناس دون بعض، ويشتبه على إنسان في وقت دون وقت، فقد يشتبه عليه بعض المسائل في مقتبل طلبه للعلم، فكلما ازداد علماً زالت عنه الإشكالات، وتبيّن له الحق. فلا يوجد في دين الله شيء مشتبه اشتباهاً مطلقاً لا سبيل للعلم به؛ لأن الله وصف كتابه كله بالإحكام، فقال: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١] فالقرآن كله محكم بهذا الاعتبار، فلا يتبع المتشابه، بل يعتصم بالمحكم إلى أن يفتح الله عليه.
وقد وصف الله تعالى كتابه بالإحكام العام، وبالإحكام الخاص، وبالتشابه العام، والتشابه الخاص، وبيان ذلك كما يلي:
- الإحكام العام: وهو الإتقان في أخباره وأحكامه، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١]، وقال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
- التشابه العام: وهو تماثله وتناسبه، وتصديق بعضه بعضًا، فلا يتناقض ولا يتعارض، فما ذُكر في موضع يُوافق ما ذُكر في موضع آخر، ولا يمكن أن
стр. 557
يعارضه، قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣].
- التشابه الخاص: وهو مشابهة الشيء لغيره من وجه، ومخالفته له من وجه آخر. وهذا تشابه نسبي إضافي، لكونه يشتبه على بعض الناس دون بعض، ويشتبه على الشخص في وقت دون وقت، ويشتبه في نص دون نص.
- الإحكام الخاص: وهو الفصل بين الشيئين المشتبهين من وجه المختلفين من وجه آخر.
وقد نبَّه الله على هذين النوعين في قوله : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧] أي: آيات واضحات الدلالة، لا تحتمل إلا معنى واحداً، فعامة المنزل من هذا القسم، ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ أي: تحتمل أكثر من معنى. وقد جعل الله ذلك من باب الابتلاء والامتحان، وهذه الآيات معدودة قليلة. ثم بيَّن الله طريقة الزائغين، فقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ أي: لا يعلم حقيقة ما أخبر الله تعالى به وكيفيته إلا الله ، وبيَّن طريقة الراسخين، فقال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
فوائد الأثر:
١ - مشروعية ذكر آيات الصفات وأحاديثها بحضرة العوام، ولا دليل لمن قال: لا يحدث بأحاديث الصفات عند العوام! فالنبي ﷺ حدث بها الذكي، والبليد، والأعرابي، والحضري، والمتعلم، والجاهل، فنحن نحدّث بما حدّث به النبي ﷺ ، وإذا اشتبه شيء جرى بيانه، ولا يُوجد شيء من العلم مما أخبر به النبي ﷺ يختص به أحد دون أحد.
٢ - أن من رد شيئاً من خبر الله وخبر رسوله فهو من الهالكين؛ لقول ابن عباس ﵁: "يهلكون عند متشابهه" ولقول الإمام أحمد فيما سبق: "لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك" (١).
стр. 558
٣ - الإنكار على من أنكر شيئاً من أسماء الله وصفاته؛ كالجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة، وغيرهم.
٤ - أن التشابه في النصوص أمر نسبي إضافي.
٥ - أن اتباع المتشابه يفضي إلى الهلاك.
٦ - وجوب رد المتشابه إلى المحكم.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: عدم الإيمان بجحد شيء من الأسماء والصفات.
مراد المصنف ﵀ أن الإيمان بأسماء الله وصفاته شرط في الإيمان.
الثانية: تفسير آية الرعد.
فقد دلت على أن المشركين يكفرون بهذا الاسم (الرحمن) ورد عليهم بقوله: ﴿هُوَ رَبِّي﴾ أي: الرحمن الذي أنكرتم اسمه هو ربي.
الثالثة: ترك التحديث بما لا يفهم السامع.
يُؤخذ من أثر علي ﵁: "حدثوا الناس بما يعرفون" وهذا أمر يرجع إلى حكمة المتحدث، فلا يبادئ الناس بشيء يشق عليهم فهمه، بل يحدثهم بقدر عقولهم، ولا يدخلهم في عويص المسائل التي لا يدركونها، كما يفعل المتكلمون بل يربيهم بصغار العلم قبل كباره.
الرابعة: ذكر العلة: أنه يفضي إلى تكذيب الله ورسوله، ولو لم يتعمد المنكر.
لقول علي ﵁: "أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟ " ولا شك أن لا أحد من الوعاظ، والمتحدثين، يريد ذلك، لكن قد يقع منه من غير قصد، فعليه أن يتبصر بما يقول.
стр. 559
الخامسة: كلام ابن عباس لمن استنكر شيئاً من ذلك، وأنه أهلكه.
أي: أنّ عباس ﵄ بيّن السبب الذي أهلك هذا الرجل الذي سمع شيئاً من أحاديث الصفات فانتفض استنكاراً، وهو اتباع المتشابه. وكان الواجب على مثل هؤلاء أن يردوا المتشابه إلى المحكم.
стр. 560
باب قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾
قال مجاهد ما معناه: هو قول الرجل: هذا مالي ورثته عن آبائي (١).
وقال عون بن عبد الله: يقولون: لولا فلان لم يكن كذا (٢).
وقال قتيبة: يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا (٣).
وقال أبو العباس بعد حديث زيد بن خالد الذي فيه: إن الله تعالى قال: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر" (٤) … الحديث، وقد تقدم، وهذا كثير في الكتاب والسنة، يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويشرك به، قال بعض السلف: هو كقولهم: كانت الريح طيبة، والملاح حاذقاً (٥)، ونحو ذلك، ممن هو جارٍ على ألسنة كثير.
الشرح:
قوله: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ أي: المشركون يعرفون ما أنعم الله تعالى به عليهم من الصحة، والمال، والمسكن، والأنعام، والسرابيل، وغيرها، مما عدده الله في سورة النحل، التي تسمى سورة النِّعم، ثم يقابلون ذلك بكفرها، ونسبتها إلى غير المنعم بها سبحانه. وقيل: إن
стр. 561
المراد بالنعمة: محمد ﷺ ، فقد أنعم الله عليهم ببعثته، وعرفوا صدقه، وأمانته ثم أنكروه، وكفروا به. روى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ؛ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: نَعَمْ. قَالَ: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: نَعَمْ. ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْهِ، كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ الْأَعْرَابِيُّ: نَعَمْ، حَتَّى بَلَغَ: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ فَوَلَّى الْأَعْرَابِيُّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (١)
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
من صور الشرك المنافي للتوحيد الواجب إسناد النعم لغير الله.
قوله: "قال مجاهد" مجاهد بن جبر، أبو الحجاج المخزومي، مولاهم المكي، ثقة، إمام في التفسير، مات بعيد المائة، ﵀.
قوله: "ما معناه: هو قول الرجل: هذا مالي ورثته عن آبائي" هذا من تفسير الشيء بمثاله، فعدّ مجاهد ﵀ قول الإنسان: "هذا مالي ورثته عن آبائي" من نكران نعمة الله، حيث لم يسند النعمة إلى مسديها، وهو الله ، وإنما جعل هذا مالاً متسلسلاً إليه، ولم يرعَ فيه نعمة الله ، بإضافة النعمة إليه سبحانه، والثناء بها عليه ..
قوله: "وقال عون بن عبد الله" عون بن عبد الله الهذلي، أبو عبد الله الكوفي، ثقة، عابد، كانت مات قبل عشرين ومائة، ﵀.
قوله: "لولا فلان لم يكن كذا" (لولا) حرف امتناع، فعلّق عدم الحصول بفلان. فهو عنده السبب في حصول المطلوب، أو دفع المرهوب، وفي هذا إسناد الفضل إلى غير مسديه، وهو الله .
"وقال ابن قتيبة" هو عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، حافظ، أديب، يوصف بأنه خطيب أهل السنة، كما كان الجاحظ خطيب المعتزلة، وله مؤلفات نافعة، مات سنة ست وسبعين ومائتين، ﵀.
стр. 562
قوله: "يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا" أي: ما يحصل لهم من النعم المذكورة في سورة النحل يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا. فهذه التفاسير التي ذكرها المصنف ﵀ عن مجاهد، وعون بن عبد الله، وابن قتيبة، كلها تدل على المراد بقوله: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ أن إنكارها يكون بنسبتها إلى غير الله .
فوائد الآية:
١ - أن المشركين مقرون بتوحيد الربوبية؛ لأن الله تعالى أثبت لهم المعرفة فقال: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ ولكنهم يشركون بتوحيد العبادة؛ ولذلك لم يقع في قلوبهم شكر المنعم ونسبة الفضل إليه.
٢ - وجوب نسبة النعم إلى الله ، وإضافتها إليه، لا إلى السبب الظاهر.
٣ - التحذير من نسبة النعم إلى غير الله ، وأن ذلك شرك منافٍ للتوحيد.
٤ - التأدب مع الله بالألفاظ.
٥ - الرد على القائلين بالصدفة من الملاحدة (الصدفيون)، الذين ينسبون الحوادث إلى الصدفة، إلا أن يقصد القائل: أن ذلك وقع اتفاقاً على غير تخطيط مسبق منه، لكن لو اعتقد: أن الصدفة مؤثرة بطبعها، أو أن الأمور تقع خبط عشواء، فإن هذا شرك في الربوبية.
٦ - الرد على القائلين بالطبيعة من الملاحدة (الطبائعيون)، الذين ينسبون الحوادث إلى الطبيعة، ويقول: غضبت الطبيعة، أو أبدعت الطبيعة كذا وكذا، فهذا شرك في الربوبية.
قوله: "وقال أبو العباس" شيخ الإسلام ابن تيمية، وهذه مجرد كنية، وليس له ولد. ﵀.
قوله: "بعد حديث زيد بن خالد، الذي فيه: إن الله تعالى قال: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر" " الحديث قد تقدم في باب: ما جاء في الاستسقاء بالأنواء.
стр. 563
قوله: "وهذا كثير في الكتاب والسنة؛ يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويشرك به" أي شواهد ذلك كثيرة، كقول قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨] وقول عاد: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]، وقول المترفين: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾ [سبأ: ٣٥]
قوله: "قال بعض السلف: هو كقولهم: كانت الريح طيبة، والملاح حاذقاً" الملاح هو ربان السفينة. نسبوا السلامة إلى طيب الريح، وحذق الربان، ونسوا مجري الرياح، ومعلم الإنسان.
قوله: "ونحو ذلك، مما هو جارٍ على ألسنة كثير". أراد-﵀ أن يُبيّن أن أمثال هذه التعبيرات فاشية في كلام الناس، وسارية على ألسنتهم، لا يفطنون لها. وينبغي للمؤمن اليقظ الذي يتحسس قلبه بحس الإيمان فلا يطلق هذه الكلمات على عواهنها، بل يقيدها بالقيود الإيمانية، المقرة بالفضل لله رب العالمين.
فوائد الآيات:
١ - وجوب إسناد النعم إلى الله تعالى.
٢ - الحذر من التساهل في الألفاظ.
٣ - إن مثل هذه الكلمات تعد إنكاراً للنعمة.
وتفسير بعض السلف كعون بن عبد الله، وغيره، يدل على أنه لا يجوز أن يقول الإنسان: لولا فلان، والصواب أنّ هذه المسألة لها حالات:
الأولى: إن كان الحامل له على هذا مجرد الخبر فلا بأس به، ويدل على ذلك أن العباس سأل النبي ﷺ فقال: "إن عمك أبا طالب كان يحوطك فهل نفعته بشيء" فقال: "هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار" (١)، فقال: "لولا أنا" وهذا خرج مخرج الخبر المجرد فلا بأس به.
الثانية: أن يقصد بها السببية لا مجرد الخبر، فلها حينئذٍ ثلاث حالات:
стр. 564
الأولى: أن يكون سبباً خفياً غير متعقل ولا مدرك، ولا تأثير له إطلاقاً، فهذا شرك أكبر، كأن يقول مثلاً: لولا الولي الفلاني لم نمطر، ولولا وجود مقام فلان أو قبر فلان لأتانا العدو، أو نحو ذلك، فهذا شرك أكبر؛ لأنه نسبه إلى سبب غير ظاهر ولا متعقل، ولا مدرك، ولا يصلح أن يكون سبباً إطلاقاً.
الثانية: أن يضيفه إلى سبب ظاهر، لكن لم يثبت كونه سبباً؛ لا حساً، ولا شرعاً، مثل قول من قال: "مطرنا بنوء كذا" (١)، فأضافه إلى النوء، ومثل من يعلق القلائد على رقاب البهائم أو الصبيان، دفعاً للعين، فقد أضافه إلى سبب ظاهر، لكن هذا السبب منزوع السببية، لم يجعله الله سبباً لا بالشرع ولا بالحس، فهذا شرك أصغر.
الثالثة: أن يضيفه إلى سبب حقيقي؛ إما شرعي، وإما حسي، فهذا جائز، بشرطين:
الأول: إن لا يعتقد أن السبب مؤثر بذاته وطبعه.
الثاني: أن لا يتناسى المنعم وهو الله -سبحانه تعالى-، ونضرب لذلك مثلاً: رجل استعمل العسل للتداوي من مرض، فشفاه الله تعالى، وقد علم أن الله تعالى ذكر العسل من أسباب الشفاء، فقال: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩]. وكذا قال النبي ﷺ : "الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم، أو شربة عسل … " (٢)، فقال: لولا العسل وإلا ما شفيت من هذا المرض، فقد أحال إلى سبب ظاهر، جعله الله سبباً حسياً، فهذا لا بأس به، لكن بشرط: أن لا يعتقد أن هذا الدواء -أي: العسل- مؤثر بنفسه، وأن لا يتناسى المنعم الذي أودع فيه هذه الخاصية.
стр. 565
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: تفسير معرفة النعمة وإنكارها.
معرفة النعمة بالإقرار بالقلب بها، وإنكارها يكون بجحدها باللسان، وعدم إضافتها إلى المنعم سبحانه.
الثانية: معرفة أن هذا جارٍ على ألسنة كثير.
كما في الأمثلة المذكورة: "هذا مالي ورثته عن آبائي" و"لولا فلان" و"كانت الريح طيبة والملاح حاذقاً" وغيرها مما يجري على ألسنة الناس كثيراً، حينما يفسرون بعض الظاهرات.
الثالثة: تسمية هذا الكلام إنكاراً للنعمة.
لقوله تعالى: ﴿يعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣]
الرابعة: اجتماع الضدين في القلب.
اجتماع الضدين في القلب؛ لقوله: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ فجمع بين المعرفة والإنكار، فقد يجتمع في الشخص الواحد خصلة إيمان، وخصلة كفر، وخصلة فسوق، وخصلة طاعة، وهذا قد وقع من المشركين، فهم يعرفون النعمة، ولكنهم ينكرونها.