← Акыда

Акыда · id 30151

بيت القصيد في شرح كتاب التوحيد

أحمد القاضي

Полный текст (793 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

المراد بالنعمة: محمد ﷺ ، فقد أنعم الله عليهم ببعثته، وعرفوا صدقه، وأمانته ثم أنكروه، وكفروا به. روى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ؛ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: نَعَمْ. قَالَ: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: نَعَمْ. ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْهِ، كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ الْأَعْرَابِيُّ: نَعَمْ، حَتَّى بَلَغَ: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ فَوَلَّى الْأَعْرَابِيُّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (١) مناسبة الباب لكتاب التوحيد: من صور الشرك المنافي للتوحيد الواجب إسناد النعم لغير الله. قوله: "قال مجاهد" مجاهد بن جبر، أبو الحجاج المخزومي، مولاهم المكي، ثقة، إمام في التفسير، مات بعيد المائة، ﵀. قوله: "ما معناه: هو قول الرجل: هذا مالي ورثته عن آبائي" هذا من تفسير الشيء بمثاله، فعدّ مجاهد ﵀ قول الإنسان: "هذا مالي ورثته عن آبائي" من نكران نعمة الله، حيث لم يسند النعمة إلى مسديها، وهو الله ، وإنما جعل هذا مالاً متسلسلاً إليه، ولم يرعَ فيه نعمة الله ، بإضافة النعمة إليه سبحانه، والثناء بها عليه .. قوله: "وقال عون بن عبد الله" عون بن عبد الله الهذلي، أبو عبد الله الكوفي، ثقة، عابد، كانت مات قبل عشرين ومائة، ﵀. قوله: "لولا فلان لم يكن كذا" (لولا) حرف امتناع، فعلّق عدم الحصول بفلان. فهو عنده السبب في حصول المطلوب، أو دفع المرهوب، وفي هذا إسناد الفضل إلى غير مسديه، وهو الله . "وقال ابن قتيبة" هو عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، حافظ، أديب، يوصف بأنه خطيب أهل السنة، كما كان الجاحظ خطيب المعتزلة، وله مؤلفات نافعة، مات سنة ست وسبعين ومائتين، ﵀.

стр. 562

قوله: "يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا" أي: ما يحصل لهم من النعم المذكورة في سورة النحل يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا. فهذه التفاسير التي ذكرها المصنف ﵀ عن مجاهد، وعون بن عبد الله، وابن قتيبة، كلها تدل على المراد بقوله: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ أن إنكارها يكون بنسبتها إلى غير الله . فوائد الآية: ١ - أن المشركين مقرون بتوحيد الربوبية؛ لأن الله تعالى أثبت لهم المعرفة فقال: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ ولكنهم يشركون بتوحيد العبادة؛ ولذلك لم يقع في قلوبهم شكر المنعم ونسبة الفضل إليه. ٢ - وجوب نسبة النعم إلى الله ، وإضافتها إليه، لا إلى السبب الظاهر. ٣ - التحذير من نسبة النعم إلى غير الله ، وأن ذلك شرك منافٍ للتوحيد. ٤ - التأدب مع الله بالألفاظ. ٥ - الرد على القائلين بالصدفة من الملاحدة (الصدفيون)، الذين ينسبون الحوادث إلى الصدفة، إلا أن يقصد القائل: أن ذلك وقع اتفاقاً على غير تخطيط مسبق منه، لكن لو اعتقد: أن الصدفة مؤثرة بطبعها، أو أن الأمور تقع خبط عشواء، فإن هذا شرك في الربوبية. ٦ - الرد على القائلين بالطبيعة من الملاحدة (الطبائعيون)، الذين ينسبون الحوادث إلى الطبيعة، ويقول: غضبت الطبيعة، أو أبدعت الطبيعة كذا وكذا، فهذا شرك في الربوبية. قوله: "وقال أبو العباس" شيخ الإسلام ابن تيمية، وهذه مجرد كنية، وليس له ولد. ﵀. قوله: "بعد حديث زيد بن خالد، الذي فيه: إن الله تعالى قال: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر" " الحديث قد تقدم في باب: ما جاء في الاستسقاء بالأنواء.

стр. 563

قوله: "وهذا كثير في الكتاب والسنة؛ يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويشرك به" أي شواهد ذلك كثيرة، كقول قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨] وقول عاد: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]، وقول المترفين: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾ [سبأ: ٣٥] قوله: "قال بعض السلف: هو كقولهم: كانت الريح طيبة، والملاح حاذقاً" الملاح هو ربان السفينة. نسبوا السلامة إلى طيب الريح، وحذق الربان، ونسوا مجري الرياح، ومعلم الإنسان. قوله: "ونحو ذلك، مما هو جارٍ على ألسنة كثير". أراد-﵀ أن يُبيّن أن أمثال هذه التعبيرات فاشية في كلام الناس، وسارية على ألسنتهم، لا يفطنون لها. وينبغي للمؤمن اليقظ الذي يتحسس قلبه بحس الإيمان فلا يطلق هذه الكلمات على عواهنها، بل يقيدها بالقيود الإيمانية، المقرة بالفضل لله رب العالمين. فوائد الآيات: ١ - وجوب إسناد النعم إلى الله تعالى. ٢ - الحذر من التساهل في الألفاظ. ٣ - إن مثل هذه الكلمات تعد إنكاراً للنعمة. وتفسير بعض السلف كعون بن عبد الله، وغيره، يدل على أنه لا يجوز أن يقول الإنسان: لولا فلان، والصواب أنّ هذه المسألة لها حالات: الأولى: إن كان الحامل له على هذا مجرد الخبر فلا بأس به، ويدل على ذلك أن العباس سأل النبي ﷺ فقال: "إن عمك أبا طالب كان يحوطك فهل نفعته بشيء" فقال: "هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار" (١)، فقال: "لولا أنا" وهذا خرج مخرج الخبر المجرد فلا بأس به. الثانية: أن يقصد بها السببية لا مجرد الخبر، فلها حينئذٍ ثلاث حالات:

стр. 564

الأولى: أن يكون سبباً خفياً غير متعقل ولا مدرك، ولا تأثير له إطلاقاً، فهذا شرك أكبر، كأن يقول مثلاً: لولا الولي الفلاني لم نمطر، ولولا وجود مقام فلان أو قبر فلان لأتانا العدو، أو نحو ذلك، فهذا شرك أكبر؛ لأنه نسبه إلى سبب غير ظاهر ولا متعقل، ولا مدرك، ولا يصلح أن يكون سبباً إطلاقاً. الثانية: أن يضيفه إلى سبب ظاهر، لكن لم يثبت كونه سبباً؛ لا حساً، ولا شرعاً، مثل قول من قال: "مطرنا بنوء كذا" (١)، فأضافه إلى النوء، ومثل من يعلق القلائد على رقاب البهائم أو الصبيان، دفعاً للعين، فقد أضافه إلى سبب ظاهر، لكن هذا السبب منزوع السببية، لم يجعله الله سبباً لا بالشرع ولا بالحس، فهذا شرك أصغر. الثالثة: أن يضيفه إلى سبب حقيقي؛ إما شرعي، وإما حسي، فهذا جائز، بشرطين: الأول: إن لا يعتقد أن السبب مؤثر بذاته وطبعه. الثاني: أن لا يتناسى المنعم وهو الله -سبحانه تعالى-، ونضرب لذلك مثلاً: رجل استعمل العسل للتداوي من مرض، فشفاه الله تعالى، وقد علم أن الله تعالى ذكر العسل من أسباب الشفاء، فقال: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩]. وكذا قال النبي ﷺ : "الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم، أو شربة عسل … " (٢)، فقال: لولا العسل وإلا ما شفيت من هذا المرض، فقد أحال إلى سبب ظاهر، جعله الله سبباً حسياً، فهذا لا بأس به، لكن بشرط: أن لا يعتقد أن هذا الدواء -أي: العسل- مؤثر بنفسه، وأن لا يتناسى المنعم الذي أودع فيه هذه الخاصية.

стр. 565

ثم قال المصنف ﵀: فيه مسائل: الأولى: تفسير معرفة النعمة وإنكارها. معرفة النعمة بالإقرار بالقلب بها، وإنكارها يكون بجحدها باللسان، وعدم إضافتها إلى المنعم سبحانه. الثانية: معرفة أن هذا جارٍ على ألسنة كثير. كما في الأمثلة المذكورة: "هذا مالي ورثته عن آبائي" و"لولا فلان" و"كانت الريح طيبة والملاح حاذقاً" وغيرها مما يجري على ألسنة الناس كثيراً، حينما يفسرون بعض الظاهرات. الثالثة: تسمية هذا الكلام إنكاراً للنعمة. لقوله تعالى: ﴿يعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣] الرابعة: اجتماع الضدين في القلب. اجتماع الضدين في القلب؛ لقوله: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ فجمع بين المعرفة والإنكار، فقد يجتمع في الشخص الواحد خصلة إيمان، وخصلة كفر، وخصلة فسوق، وخصلة طاعة، وهذا قد وقع من المشركين، فهم يعرفون النعمة، ولكنهم ينكرونها.

стр. 566

باب قول الله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قال ابن عباس في الآية: الأنداد هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء، في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلان، وحياتي، وتقول: لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتانا اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان، لا تجعل فيها فلاناً، هذا كله به شرك (١)، رواه ابن أبي حاتم. وعن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" (٢)، رواه الترمذي، وحسنه، وصححه الحاكم. وقال ابن مسعود: لأن أحلف بالله كاذباً أحب إليّ من أن أحلف بغيره صادقاً (٣). وعن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله، ثم شاء فلان" (٤)، رواه أبو داود بسند صحيح.

стр. 567

وجاء عن إبراهيم النخعي أنه يكره أن يقول: أعوذ بالله وبك، ويجوز أن يقول: بالله ثم بك، قال: ويقول: لولا الله ثم فلان، ولا تقولوا: ولولا الله وفلان (١). الشرح: مناسبة الباب لكتاب التوحيد: هذا الباب، والذي قبله، والذي بعده، تتعلق بالألفاظ المنافية للتوحيد؛ الداخلة في الشرك الأصغر لما تتضمنه من إسناد المشيئة، والفعل إلى غير الله . قوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ الأنداد: جمع ند، وهم العدلاء والنظراء. قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: وأنتم تعلمون أن الله واحد، لا مثيل له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. قوله: "قال ابن عباس في الآية: "الأنداد هو الشرك" أي اتخاذ الأنداد، المنهي عنه في الآية، هو الشرك الخفي، الآتي وصفه في كلامه بالأمثلة. قوله: "أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل " أي: أنه شرك خفي، غير ظاهر، لا يُتنبه له، ولا يُؤبه له "" مثّل لخفائه، بخفاء دبيب نملة على صفاة سوداء. فاجتمع خفاء الصوت، وخفاء الصورة؛ فخفاء الصوت لكونه دبيب نملة، والصفاة ملساء، فدبيبها يكون بالغ الخفاء. وخفاء الصورة لكون النملة سوداء، والصفاة سوداء، فالشرك أخفى منه. قوله: "وهو أن تقول: أراد التمثيل ببعض الألفاظ، لا الحصر، وهي: - "والله وحياتك يا فلان" المحذور في هذا أنه حلف بحياته، وعطفه على الحلف بالله بالواو التي تقتضي التسوية، فجمع بين ممنوعين.

стр. 568

- "وحياتي" هذا حلف بغير الله، والحلف يتضمن تعظيم المحلوف به، فلا يجوز أن يكون بحياة الإنسان ولا بحياة غيره. - "وتقول: لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص" كليبة تصغير كلبة، وذلك أنها لما دخل اللصوص نبحت، ففر اللصوص، فعلق المنع على كليبة فلان. - "ولولا البط في الدار لأتى اللصوص" لأن البط إذا دخل الدار داخل، صدر منه ضجيج، وصياح، فينتبه أهل الدار، فيفر اللصوص، فقد أحال المنع إلى البط. - "وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت" المحذور في هذه الصورة أنه سوى في المشيئة، فجعل مشيئة صاحبه كمشيئة الله ، بأن عطف عليها بالواو، التي تقتضي التسوية، ولم يقل: ما شاء الله، ثم شئت، لأن "ثم" تفيد الترتيب. - "وقول الرجل: لولا الله وفلان" فسوى بين فلان وبين الله بالواو، التي تقتضي التسوية، ولم يقل: لولا الله ثم فلان، لأن "ثم" تفيد الترتيب. وتقدم التفصيل في الباب السابق. قوله: "لا تجعل فيها فلان" أي: قل: لولا الله وحسب، ولا تقحم ذكر مخلوق. قوله: "هذا كله به شرك" أي جميع الصور الست السابقة، شرك خفي بالله . وليس الشرك الخفي قسيماً للشرك الأكبر والأصغر، وإنما الشرك نوعان: أكبر، وأصغر، وبعضه يكون خفياً لا ينتبه له، ويجري على اللسان دون قصد، فلذلك سُمي الشرك الخفي، وهو غالباً ما يكون متعلقاً بالألفاظ، فيكون من الشرك الأصغر. مناسبة الأثر للباب: تفسير للترجمة، لما فيه من صور التنديد الجارية على اللسان. فوائد الآية والأثر: ١ - التحذير من الشرك في العبادة.

стр. 569

٢ - أن المشركين مقرون بربوبية الله. ٣ - أن من الشرك ما يكون شديد الخفاء، ويكثر في الألفاظ. ٤ - وجوب التوقي من الألفاظ المشعرة بالشرك بالله تعالى، وإن لم يقصدها صاحبها. ثم قال ﵀: "وعن عمر بن الخطاب أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" رواه الترمذي، وحسنه، وصححه الحاكم" وممن رواه أيضاً أبو داود، والبيهقي، وإسناده صحيح. قوله: "من حلف" الحلف هو اليمين، وهو توكيد الحكم أو الخبر بذكر معظم على وجه مخصوص، بأن يكون مقروناً بأحد حروف القسم الثلاث: الواو، أو الباء، أو التاء، بأن يقول: والله، أو بالله، أو تالله. فلا يجوز الحلف بغير الله أيًا كان؛ سواء كان شيئاً حسياً، كما لو حلف بالسماء، أو بالأرض، أو بأبيه، أو اعتبارياً معنوياً، كما لو حلف بالأمانة، أو بالشرف، فبعض الناس يقول: بشرفي، أو بأمانتي، فلا يجوز ذلك وأمثاله. قوله: "فقد كفر أو أشرك" هذا شك وقع من الراوي، ولا يمكن أن يكون على سبيل التنويع، أي: يكون قد كفر من وجه، أو أشرك من وجه آخر. والشرك نوع من الكفر. والمراد بالكفر أو الشرك هنا الكفر الأصغر، أو الشرك الأصغر، وأقرب اللفظين "فقد أشرك" لأنه الحلف بغير الله شرك مع الله في التعظيم، والمعنى متقارب. مناسبة الحديث للباب: ظاهرة، لأن الحلف بغير الله، تعظيم وتنديد، فهو مطابق للترجمة، وهي قوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]. فوائد الحديث: ١ - تحريم الحلف بغير الله، وأنه شرك، أو كفر بالله، وهو، غالبًا، شرك

стр. 570

أصغر، أو كفر أصغر، لكن لو حلف معتقداً أن هذا المحلوف به مستحق للعظمة المطلقة، فهو شرك أكبر بلا ريب، ولو حلف مثلاً بالسموات، والأرض، أو بأبيه، أو جده، معظماً إياها التعظيم الذي لا ينبغي إلا لله ، فلا شك أنه شرك أكبر. لكن الغالب فيما يقع من الناس أنهم لا يبلغون به هذا المبلغ. ٢ - أن التعظيم المطلق مستحُق لله . ٣ - أن من حلف بغير الله لا تلزمه الكفارة؛ لأن النبي ﷺ لم يذكر هنا كفارة. إشكال وجوابه: ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال للرجل الذي قال: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص: "أفلح وأبيه إن صدق" (١). فحلف بأبيه، فكيف الجمع بينه وبين حديث الباب؟ أجاب العلماء عن هذا الإشكال بأجوبة، منها: ١ - أنّ هذه الرواية غير محفوظة، وهذا جواب ضعيف؛ لأنها ثابتة عند مسلم، فلا وجه لوصفها بالشذوذ. ٢ - أنه قد وقع تصحيف؛ والتصحيف: هو الخطأ في الرسم، والصواب: أفلح والله؛ لأنهم ما كانوا ينقطون الحروف، فرسم (وأبيه) بلا نقط، مقارب لرسم (والله)، لا سيما مع الخط القديم. ولكن يجاب عن هذا الاعتراض: بأنهم كانوا يروون الحديث مشافهة، ولم يقع التدوين إلا لاحقًا، فإذا قدّرنا أنه وقع تصحيف في الكتابة، فإن ذلك لا يرد على الرواية الشفهية. ٣ - أنّ هذا ممن يجري على اللسان دون قصد، ولكن هذا لا يحل الإشكال؛ لأن النبي ﷺ قال: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" أي: وإن لم يقصد، فهذا محذور لفظي، كما تقدم في الأمثلة السابقة في تفسير ابن عباس ﵄ للآية.

стр. 571

٤ - إن هذا من خصائص النبي ﷺ ، فله أن يحلف بذلك، وهذا بعيد؛ لأن معلم الناس الخير أولى بالتزامه، ولا يمكن أن يكون من خصائص النبي ﷺ ما يُشعر بتعظيم غير الله. ٥ - أنها على تقدير محذوف، أي: أفلح ورب أبيه، لكن الأصل عدم الحذف. واختار شيخنا ابن عثيمين ﵀-أن قول النبي ﷺ : "أفلح وأبيه" منسوخ، فقال: (أن هذا منسوخ، وأن النهي هو الناقل من الأصل، وهذا أقرب الوجوه) (١) ثم قال المصنف ﵀: "وقال ابن مسعود: لأن أحلف بالله كاذباً أحب إليّ من أن أحلف بغيره صادقاً" اللام لام الابتداء، فَتُأَول (أن) وما دخلت عليه بمصدر، والتقدير: (حلفُهُ بالله كاذباً). فابن مسعود ﵁ يفاضل بين صورتين: أن يحلف بالله كاذباً، أو يحلف بغيره صادقاً، ويفضل الأولى. وهذا الأثر قد رواه: عبد الرزاق، والطبراني، لكن في سنده انقطاع، والهيتمي ﵀ يقول: "ورجاله رجال الصحيح" (٢)، لكن الانقطاع ضَعْف في الإسناد ولا ريب. ومن تأمل في هذا الحديث رأى أنّ فيه حكمة، وهو أن الحلف بالله كاذباً قد جمع بين حسنة التوحيد، وسيئة الكذب، والحلف بغيره صادقاً قد جمع بين حسنة الصدق، وسيئة الشرك، فالأرجح ما تضمن حسنة التوحيد، فلذلك فضّل ابن مسعود ﵁ ذلك، مع أنه لا يصدر منه، وحاشاه ﵁، لكنه أراد التعليم، على فرض صحة هذا الأثر. مناسبة الأثر للباب: ظاهرة، لما فيه من التنفير من الحلف بغير الله، وأن ذلك من اتخاذ الأنداد.

стр. 572

فوائد الأثر: ١ - تحريم الحلف بغير الله. ٢ - تأييد قول من قال: إن الشرك الأصغر أعظم من كبائر الذنوب، لعموم قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] وهذا يشمل الأكبر والأصغر، وليس معنى قولنا: لا يُغفر أن الشرك الأصغر يوجب التخليد في النار، وإنما المقصود: أنه لا يدخل تحت المشيئة والإرادة، كالكبائر، فلو فنيت حسناته، وبقي عليه شرك الأصغر، لم تذهبه الحسنات في الميزان، لم يغفر، ولا بد أن يُعذب به، وهذا مكمن الخطر. ٣ - ارتكاب أخف الضررين، أو المفسدتين، في سبيل دفع أشدهما، فالمفسدة الأخف هنا: الكذب، والمفسدة الأشد: الشرك، فارتكب الكذب، دفعاً للشرك. ٤ - فقه ابن مسعود ﵁. قال المصنف ﵀: "وعن حذيفة عن النبي ﷺ قال: "لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان" رواه أبو داود، بسند صحيح" وممن رواه أيضاً: النسائي، والإمام أحمد، والبيهقي، وصححه النووي ﵀ (١)، وقال الذهبي: إسناده صالح (٢)، فهو مرفوع صحيح. والمحذور في الصيغة الأولى: التسوية بالعطف بالواو التي تقتضي التسوية، وارتفع المحذور في الصيغة الثانية: لما أتى ب (ثم) التي تدل على الترتيب والتراخي. قوله: "وجاء عن إبراهيم النخعي أنه يكره: أعوذ بالله وبك، ويجوِّز أن يقول: بالله ثم بك، قال: ويقول: لولا الله ثم فلان، ولا تقولوا: لولا الله وفلان" هذان مثالان آخران للمحذور اللفظي من التسوية بالواو، فإذا قال الرجل:

стр. 573

"أعوذ بالله وبك" فقد وقع في الشرك؛ لأن العوذ التجاء واعتصام بالمستعاذ به، فمعنى ذلك أنه سوى بينهما في الاستعاذة، والاستعاذة عبادة لا يجوز صرفها لغير الله ، فيما يقدر عليه إلا الله، فإذا قال: "ثم بك" ارتفع هذا المحذور، لأنه جعل استعاذته بالمخلوق في درجة أدنى من استعاذته بالخالق. وكذلك في: "لولا الله وفلان" فهذا شرك في اللفظ، ويزول المحذور في: "لولا الله ثم فلان". مناسبة الحديث والأثر للباب: ظاهرة، لما في ذلك من النهي عن التشريك في المشيئة، والاستعاذة، والتدبير، وإفراد الله بذلك. فوائد الحديث والأثر: ١ - تحريم هذه الألفاظ: "ما شاء الله وشئت" و"ولولا الله وفلان" و"أعوذ بالله وبك" لأن ذلك من اتخاذ الأنداد. ٢ - أن المحذور يزول بالعطف ب (ثم) لأنها تدل على الترتيب. ٣ - إثبات المشيئة لله، واثبات المشيئة للعبد، لكن مشيئة المخلوق تابعة لمشيئة الخالق، كما قال الله : ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨، ٢٩] وفي ذلك رد على الجبرية: بإثبات مشيئة العبد، ورد على القدرية: بإثبات مشيئة الله تعالى، المحيطة بمشيئة العبد. ٤ - أن من سد باباً من الحرام فليفتح باباً من الحلال. ثم قال المصنف ﵀: فيه مسائل: الأولى: تفسير آية البقرة في الأنداد. وقد فسرها ابن عباس ﵄ ببعض صور الشرك الأصغر المتعلق بالألفاظ.

стр. 574

الثانية: أن الصحابة ﵃ يفسرون الآية النازلة في الشرك الأكبر أنها تعم الأصغر. الصحابة -رضوان الله عليهم- يستدلون بالآيات الدالة على منع الشرك الأكبر على مسائل الشرك الأصغر، فإن آية: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] نزلت في قريش، وهم يشركون الشرك الأكبر، فاستدل بها ابن عباس على ما ذكر من الشرك الأصغر، كما استدل النبي ﷺ في قصة ذات أنواط، حينما قالوا: "اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط" فقال: "الله أكبر! إنها السنن، قلتم كما قال بنو إسرائيل: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة" (١)، فأولئك أرادوا الشرك الأكبر، والصحابة وقعوا في الشرك الأصغر. الثالثة: أن الحلف بغير الله شرك. لقوله في حديث عمر: "من حلف بغير الله فقد أشرك". الرابعة: أنه إذا حلف بغير الله صادقاً فهو أكبر من اليمين الغموس. اليمين الغموس أن يحلف بالله ليقتطع بها مال امرئ مسلم، ومع ذلك فالحلف بغير الله، ولو صادقًا، أشد من الحلف به كاذبًا ليقتطع مال امرئ مسلم، رغم كونها تغمس صاحبها في النار. لأن الحلف بغير الله شرك أصغر، واليمين الغموس كبيرة، والشرك الأصغر أكبر من الكبائر. الخامسة: الفرق بين (الواو) و (ثم) في اللفظ. (الواو) تقتضي التسوية، و (ثم) تقتضي الترتيب، فما عطف بالواو فلا يجوز؛ لأنها تقتضي التشريك، وما كان ب (ثم) جاز؛ لانتفاء التسوية والتنديد.

стр. 575

باب ما جاء في من لم يقنع بالحلف بالله عن ابن عمر- ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تحلفوا بآبائكم، من حلف بالله فليصدق، ومن حلف له بالله فليرضَ، ومن لم يرضَ فليس من الله" (١)، رواه ابن ماجه بسند حسن. الشرح: تقدم في الباب الذي قبله أن الحلف هو: تأكيد الحكم، أو الخبر بذكر مُعظم على هيئة مخصوصة؛ وذلك باستعمال أحد حروف القسم الثلاثة. فإذا أراد الإنسان أن يحلف فالواجب عليه أن يحلف بالله، وأن يصدق في يمينه. وفي هذا الباب بين المصنف الواجب على المحلوف له، فقال: "باب: ما جاء" أي: من الوعيد "في من لم يقنع بالحلف بالله": أي: لم يرض بذلك. مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن المحلوف له، إذا لم يرضَ بالحلف بالله، فهو دليل على ضعف تعظيمه لله، فيكون ذلك منافياً للتوحيد الواجب. قال ﵀: "عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "لا تحلفوا بآبائكم" " نهى النبي ﷺ عن الحلف بالآباء؛ وذلك أن العرب كانت تعظم الآباء، ومن تعظيمهم للآباء: أنهم كانوا يحلفون بهم، كما قال الله : ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠] فلهذا خصّ الحلف بالآباء بالذكر لكثرته بينهم،

стр. 576

وإلا فقد تقدم في حديث عمر ﵁ قول النبي ﷺ : "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك"، وهذا يتناول كل محلوف به سوى الله، فيدخل فيه الآباء، لكنه خص الآباء بالذكر لفشوه بينهم. قوله: "من حلف بالله فليصدق" هذا هو الواجب على الحالف؛ أن يصدق في يمينه، فإن هو كذب في يمينه، فقد استهان بجناب الله، حيث اتخذ هذا الاسم الشريف سلماً يرتقي به إلى عرض من الدنيا، أو يستدفع به أذى من الدنيا، وذلك لا يليق بمؤمن، لمنافاته للتوحيد الواجب. قوله: "ومن حلف له بالله فليرضَ" هذا هو الواجب على المحلوف له؛ أن يرضى، وهذا يشمل المنازعات، والخصومات التي تقع بين يدي الحاكم الشرعي، كما في قول النبي ﷺ : "البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه" (١)، ويشمل ما يقع في ماجريات الحياة اليومية بين الناس؛ حينما يحلف بعضهم لبعض تأكيداً؛ إثباتاً أو نفياً. قوله: "ومن لم يرضَ فليس من الله" هذا من نصوص الوعيد؛ لأن فيه براءة "ليس من الله" أي: أن الله بريء منه، وبهذا يكون رد اليمين بالله كبيرة من الكبائر، ينطبق عليها حد الكبيرة، فالكبيرة ما ترتب عليها حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، أو اقترن به لعن، أو غضب، أو براءة، وما أشبه ذلك. وهذا الحديث رواه ابن ماجه بسند حسن، كما قال المصنف ﵀، وقال البوصيري ﵀ في مصباح الزجاجة: "هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات" (٢)، وقد حسنه ابن حجر ﵀ (٣). مناسبة الحديث للباب: مطابق للترجمة، لما فيه من الوعيد على من لم يقنع بالحلف بالله، وأن الله برئ منه.

стр. 577

فوائد الحديث: ١ - وجوب الرضا بالحلف بالله، وتحريم رده. ٢ - الوعيد الشديد على من لم يقنع بالحلف بالله، وأن ذلك من الكبائر. ٣ - وجوب الصدق في اليمين. ٤ - أن الأصل في المسلم السلامة والصدق، فينبغي قبول يمينه. مسألة: هل يجب على الإنسان أن يقنع بكل يمين؟ فيه تفصيل، فقد قال شيخنا ابن عثيمين ﵀: إن كان الحالف موضع صدق وثقة، فإنك ترضى بيمينه، وإن كان غير ذلك فلا، كما قال حويصة ومحيصة: "كيف نرضى يا رسول الله بأيمان اليهود؟ فأقرهم؛ وذلك لما قتل قتيل من المسلمين بين ظهراني اليهود، ووقعت مسألة القسامة المشهورة، قال لهم النبي ﷺ : "تحلفون، وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم" قالوا: وكيف نحلف ولم نشهد ولم نر؟ قال: "فتبريكم يهود بخمسين" فقالوا: كيف نأخذ أيمان قوم كفار؟! فعقله النبي ﷺ من عنده (١)، فردوا أيمان اليهود. فأقرهم النبي ﷺ على ذلك، ولم ينكر عليهم. (٢) ويمكن أن نقسم أحوال بذل اليمين إلى خمسة حالات: الأولى: أن يعلم الإنسان يقيناً أن هذا الحالف كاذب في يمينه، فحينئذٍ لا يلزم تصديقه، فترد يمينه ولا حرج؛ ولا محظور يتعلق بجناب الله . الثانية: أن يترجح كذبه، فللمحلوف له أن يرد يمينه، ولا يلزمه تصديقه؛ لأن العمل بغلبة الظن كثير في الشريعة. الثالثة: أن يتساوى الأمران، أي: صدقه وكذبه، فحينئذٍ يجب الرضا والقبول. الرابعة: وهي من باب أولى: أن يترجح صدقه، فيجب قبول يمينه، والرضا به.

стр. 578

الخامسة: وهي من باب أولى وأحرى أيضاً: أن يعلم صدقه، فيتعين تصديقه، وقبول خبره. قال المصنف ﵀: وفيه مسائل: الأولى: النهي عن الحلف بالآباء. لقوله: "لا تحلفوا بآبائكم" وكذا بأي معظم سوى الله . الثانية: الأمر للمحلوف له بالله أن يرضى. لقوله: "ومن حلف له بالله فليرضَ" وهذا من تعظيم جناب الله، فيثاب عليه. الثالثة: وعيد من لم يرضَ. لقوله: "فمن لم يرضَ فليس من الله" ولم يذكر المصنف ﵀ مسألة وجوب الصدق في الحلف؛ لأنه قد تقدم في الباب السابق، في قول ابن مسعود: لأن أحلف بالله كاذباً أحب إليّ من أن أحلف بغيره صادقاً.

стр. 579

باب قول: ما شاء الله وشئت عن قتيلة أن يهودياً أتى النبي ﷺ فقال: إنكم تشركون؛ تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: "ورب الكعبة"، وأن يقولوا: "ما شاء الله، ثم شئت" (١)، رواه النسائي وصححه. وله أيضاً: عن ابن عباس- ﵄ أن رجلاً قال للنبي ﷺ : ما شاء الله وشئت، فقال: "أجعلتني لله نداً، بل ما شاء الله وحده" (٢). ولابن ماجه عن الطفيل -أخي عائشة لأمها- قال: رأيتُ كأني أتيت على نفر من اليهود، قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عزيراً ابن الله، قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، ثم مررتُ بنفر من النصارى، فقلتُ: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله، قالوا: وأنتم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيتُ النبي ﷺ فأخبرته، فقال: "هل أخبرتَ بها أحداً؟ " قلتُ: نعم، قال: فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد: فإن طفيلاً رأى رؤيا، أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها،

стр. 580

فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده" (١). الشرح: قال المصنف ﵀: "باب: قول: ما شاء الله وشئت" مضمون هذا الباب قد تقدم في باب سبق، وهو باب: قول الله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] ومناسبته كمناسبة ما قبله. قوله: "عن قتيلة" هي بنت صيفي الجهنية، ويقال: الأنصارية قوله: "إن يهودياً أتى للنبي ﷺ فقال: إنكم تشركون" مراده بذلك الشرك الأصغر؛ لأن ذلك متعلق بالألفاظ. قوله: "تقولون: ما شاء الله وشئت وتقولون: والكعبة" فسّر اليهودي دعواه بهذين المثالين، وصدق! وربما قال ذلك على سبيل العيب والتنقص، وهذا هو الأغلب، وربما قاله على سبيل الإنكار المحض، ذلك أن اليهود أعلم من النصارى بباب التوحيد، ولهذا جاء في سفر الخروج، ذكر الوصايا العشر، وفيها: (لا يكن لك آلهة أخرى تُجاهي. لا تصنع لك منحوتًا، ولا صورة شيءٍ مما في السماء من فوق، ولا مما في الأرض من أسفل، ولا مما في المياه من تحت الأرض. لا تسجد لها ولا تعبدها، لأني أنا الرب إلهك إله غيور … لا تلفظ اسم الرب إلهك باطلًا، لأن الرب لا يُبَرِّئُ الذي يلفظ اسمه باطلًا) (٢) قوله: "فأمرهم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: "ورب الكعبة" وأن يقولوا: "ما شاء الله، ثم شئت" صحح النبي ﷺ لفظ: "والكعبة" إلى "ورب الكعبة"، فنقله من حلف بمخلوق إلى حلف بالخالق، وصحّح لفظ: "ما شاء الله وشئت" من التسوية بالواو إلى "ما شاء الله، ثم شئت" فجعلها مُرتّبة. قوله: "رواه النسائي وصححه" وممن رواه أيضاً أحمد، والحاكم،

стр. 581

والبيهقي، وقال ابن حجر: "وسنده صحيح" (١). مناسبة الحديث للباب: مطابق للترجمة، لما تضمنه من نهي النبي ﷺ عن هذه الكلمة؛ لأنها من الشرك الأصغر. فوائد الحديث: ١ - النهي عن هذا اللفظ: "ما شاء الله وشئت" لما فيه من التسوية بين الخالق والمخلوق. ٢ - النهي عن الحلف بالكعبة، وكل معظم؛ لإقرار النبي ﷺ اليهودي على دعواه. ٣ - معرفة اليهود للشرك الأصغر، وما يقدح في التوحيد الواجب. ٤ - أن صاحب الهوى يعرف الحق، فاليهود لا شك أنهم قوم بهت، وأصحاب هوى، وأكلة سحت، ولكن إذا كان لهم هوى في الأمر تكلموا بالحق. ٥ - قبول الحق ممن جاء به، وإن كان عدواً، وإن وقع منه ذلك على سبيل اللوم والانتقاص، فإن المؤمن أسعد الناس بالحق، كما جاء في الأثر: "الحكمة ضالة المؤمن، حيثما وجدها فهو أحق بها" (٢)؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] فالواجب: أن نقبل الحق ممن جاء به، ولا نرده لأنه صدر من فلان، بل ننظر في القول، فإذا رأيناه موافقاً للحق قبلناه، وإن رأيناه مخالفاً رددناه، وبالمقابل لو أخطأ من نحب، لم نقبل خطأه لمحبتنا إياه؛ لأن الحق أحب إلينا منه. ٦ - أن الشرك الأصغر لا يخرج من الملة؛ لأنه لا يقتضي كفراً.

стр. 582

٧ - أنه ينبغي لمن سد باباً من الحرام أن يفتح باباً من الحلال، فلما نهاهم النبي ﷺ عن هاتين الصيغتين: "والكعبة" و "ما شاء الله وشئت"، فتح لهما باباً آخر، وهو البدل بأن يقولوا: "ورب الكعبة" و "وما شاء الله ثم شئت". مثال ذلك:: لو استفتاك إنسان يريد تمويلاً، هل يجوز أن أقترض بفائدة؟ فلا ريب أنك ستنهاه، وتقول: أكل الربا من السبع الموبقات، لكن افتح له باباً آخر، ومره بالتكسب، أو القرض الحسن، إن تيسر له، فإن لم يجد، فمره بالتورق، بأن يشتري سلعةً من مالكها، بثمن مؤجل، أعلى مما هو عليه نقداً، ثم يقوم ببيعها؛ لا على من اشتراها منه، ولا على وسيطه، ولكن يبيعها على الناس، ويقبض ثمنها، ويرتفق به، ويقضي حاجته، ويقوم بسداد ما عليه إلى أجل. فينبغي للمفتي أن يتفطن لهذا المعنى. على أن من المنهيات ما لا يكون له بدل، فيتعين اجتنابها، كما قال النبي ﷺ : "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم" (١). ٨ - إثبات المشيئة لله، واثبات المشيئة للعبد، وفي هذا رد على طرفي الضلالة في باب أفعال الله، وهما: القدرية الذين ينكرون مشيئة الله ، والجبرية: الذين ينكرون مشيئة العبد، فكان الوسط: إثبات مشيئة للمخلوق، تابعة لمشيئة الله، كما قال الله : ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨، ٢٩]. قوله: "وله أيضاً، عن ابن عباس: أن رجلاً قال للنبي ﷺ : ما شاء الله وشئت، فقال: "أجعلتني لله نداً؟ بل ما شاء الله وحده" " هذا الحديث قد رواه النسائي، ورواه أيضاً الإمام أحمد، وابن ماجه، وهو حديث صحيح. وقول النبي ﷺ للرجل: "أجعلتني لله نداً؟ " استفهام خرج مخرج الإنكار، ومعنى: "نداً" أي: عِدلاً وشريكاً، ولا شك أن الرجل لم يرد ذلك، وإن كان قد وقع فيه، وهذا يدل على أنه ربما قال الإنسان كلمة الكفر، ولا يكون بها كافراً، وربما فَعَلَ الكفر ولا يكون بفعله كافراً، وذلك لقيام مانع من الموانع، كالجهل وغيره.

стр. 583

مناسبة الحديث للباب: مطابقة، لأن فيها النهي عن هذه اللفظة بعينها "ما شاء الله وشئت" التي تدل على التسوية. فوائد الحديث: ١ - النهي عن قول: "ما شاء الله وشئت" وما أشبه ذلك، مما عُطف بالواو. ٢ - وجوب إنكار المنكر؛ قولياً كان أو فعلياً، ولا يجوز للعالم أو من علم مسألة أن يقرَّ الخطأ، فقد كان من منهج النبي ﷺ ألا يدع شاذة ولا فاذة، يحتاج الناس إلى بيانها إلا بينها وقت الحاجة، ولا يمر بموقف من المواقف فيه خطأ، إلا ونبه عليه. وهكذا ينبغي لأهل العلم: ألا يدعوا الكلمات والتصرفات الخاطئة، تمر مروراً عابراً، دون أن يقوموا بالبيان والتصويب، مع الرفق، والحكمة، والشفقة على الخلق، فيحصل بذلك نشر الخير والصواب. ٣ - حرص النبي ﷺ على صيانة التوحيد، وحماية جنابة في الأمور السهلة، والصعبة. ٤ - أنه لا يلزم من قول كلمة الكفر أن يكون قائلها كافراً، فإن التكفير حكم عظيم لا يجوز إلا بتوفر الشروط، وانتفاء الموانع. ثم قال المصنف ﵀: "ولابن ماجه، عن الطفيل، أخي عائشة لأمها" الطفيل بن عبد الله بن الحارث بن سخبرة الأسدي، نسبة إلى الأَزْد؛ قبيلة عربية مشهورة، والسَّخْبر: نَبْت، وهو أخو عائشة وعبد الرحمن بن أبي بكر لأمهما أم رومان؛ لأن أبا بكر ﵁ تزوجها بعد عبد الله بن الحارث بن سخبرة، وللطفيل هذا صحبة، روى عن رسول الله ﷺ حديثاً واحداً، رواه عنه ربعي بن خراش، وهو هذا الحديث. ولعل المصنف ﵀ نبّه بقوله: "أخي عائشة لأمها" لأن الطفيل بن سخبرة اثنان، أحدهما: له صحبة، وهو هذا أخو عائشة لأمها، والثاني ليس بصحابي، يحدث

стр. 584

عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁، روى عنه حماد بن سلمة (١). قوله: "قال: رأيتُ" أي في المنام، فهي رؤية منامية. قوله: "كأني أتيتُ على نفر من اليهود" النفر: الرهط والجماعة. قوله: " فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله" كأنما يقول: نعم القوم أنتم لولا كذا وكذا. والذي عابهم به هو أمر عظيم، وهم أنهم ينسبون لله الولد، تعالى الله عن ذلك علوًّ كبيرًا. وهذا كفر صراح. قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠] قوله: "قالوا: وإنكم" أي: يا معشر المسلمين. قوله: "لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد" فردوا عليه بجنس ما عابهم به، وإن كان لا سواء بين القضيتين؛ فأين قول: "عزير ابن الله" وهو كفر أكبر، من قول: "ما شاء الله، وشاء محمد" وهو نوع من الشرك الأصغر؟ قال: "ثم مررتُ بنفر من النصارى، فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله" وهذه مقالتهم المشهورة، المستقرة عنهم إلى يومنا هذا، وقد أكفرهم الله بها كما تقدم، قوله: "قالوا: وأنتم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد" كما قال يهود. قوله: "فلما أصبحتُ أخبرتُ بها من أخبرتُ، ثم أتيتُ النبي ﷺ ، فأخبرته، فقال: "هل أخبرتَ بها أحداً؟ " قلتُ: نعم، قال: فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعدُ" " لم يُنكر النبي ﷺ على الطفيل كونه حدّث بها؛ لأن هذا مما جرت به طبائع الناس؛ أن يحدثوا برؤاهم، وإنما سأله ليرى ﷺ هل ذاع الخبر وانتشر،

стр. 585

فيستدعي البيان والتعقيب؛ لأنه المشرّع للأمة، فلما علم أنه قد حدّث بها، صعد المنبر، وحمد الله، وأثنى عليه، وهذا يدل على أن من أراد أن يخطب فليبدأ بحمد الله، والثناء عليه، ثم يقول: (أما بعد) أي: مهما يكن من شيء. قوله: "فإن طفيلاً رأى رؤيا، أخبر بها من أخبر منكم" هذا يدل على أن رؤيا الطفيل، رؤيا حق؛ لأن النبي ﷺ اعتمدها وأقرها، وعمل بمقتضاها. والرؤيا لا تستقل بإثبات الأحكام، ولكن لما قصها على النبي ﷺ ، وأقر مضمونها، دل على أنها رؤيا حق. والرؤيا ليست كالحلم، فالحلم من الشيطان، والرؤيا من الله، وهي عبارة عن أمثال، ورموز، يضربها الملك للمؤمن في منامه، فتقع في نفسه موقعاً، ويكون لها دلالة؛ ولهذا كان النبي ﷺ يحتفي بالرؤى، وإذا أصبح قال: "أيكم رأى رؤيا؟ " (١)، فيطلب منهم أن يقصوا عليه مما رأوه. وكان هو أيضاً ﷺ يحدثهم بما رأى من مرائي، وبعضها طويل، وكان ﷺ يُعبّر الرؤى أحياناً. فلا بأس أن يخبر الإنسان برؤياه، ولا بأس أن يطلب لها التعبير، إلا أنه قد وقع في الأزمنة الأخيرة توسع بالغ في هذا، من قبل الرائين، والمعبرين؛ فبعض الرائين لا يميزون بين الحلم والرؤيا؛ فكلما رأى شيئاً في المنام ظنه رؤيا، مع أن ما يراه الإنسان في المنام ربما كان رؤيا، وربما كان حلماً مزعجاً مؤذياً من الشيطان، وربما كان مما يحدث به نفسه في اليقظة، فيراه في المنام، وهذا كثير، بل هو الغالب. وصار كثير من الناس، لا سيما النساء، يكثرن من طلب التعبير للأحلام، ولا ينبغي للإنسان أن يشغل نفسه بذلك، فإن جزءاً منها من الشيطان؛ ولهذا قال ﷺ : "الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم شيئاً يكرهه، فلينفث حين يستيقظ ثلاث مرات، ويتعوذ من شرها، فإنها لا تضره" (٢). قال أبو سلمة ابن عبد الرحمن ﵀، وهو أحد رواة الحديث: "وإن كنتُ لأرى الرؤيا أثقل عليّ من الجبل، فما هو إلا أن سمعتُ هذا الحديث فما أباليها" (٣).

стр. 586

ومن توسع المعبرين، أنهم أنشؤوا مواقع على الانترنت، وبرامج فضائية، وتفرغوا للتعبير، وتوفروا عليه، وربما صاحب ذلك حظوظ الدنيا، حتى باتت نوعاً من الاسترزاق عن طريق رسائل الجوال الباهظة الثمن، أو حبًا للتصدر والذكر. فكل هذا مما حدث في الأزمنة الأخيرة، ولم يكن المعبرون فيما مضى ينصبون أنفسهم، ويتعرضون للتعبير. فعلى الإنسان أن يعتدل، فلا يهون من شأن الرؤى، ويردها، ويسخر منها، كما قد يقع من بعض الناس، ولا يغالي فيها، حتى يجعلها شغله الشاغل، ويعيش في دوامة من القلق والظنون، فتوهن عزمه، وتفت عضده، فتكثر عليه المخاوف. قوله: "وإنكم قلتم كلمة يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها" أي: أن النبي ﷺ كان يمنعه الحياء أن يجابههم بالنهي عنها؛ وذلك أن النبي ﷺ كان رجلاً حيياً، أشد حياء من العذراء في خدرها، والحياء ليس نقصاً، بل هو من الإيمان، ودليل حياة القلب، وإنما سُمي الحياء حياء لأنه علامة حياة القلب؛ ولذلك يُسمى المطر حياءً؛ لأن الأرض تحيا به. فإذا كان الإنسان حييًا، دل ذلك على صحة قلبه، ولهذا كان النبي ﷺ وجهه مرآة قلبه، فما وقع في قلبه ظهر على محياه لصدقه، فكان إذا فرح تهلل وجهه حتى كأنه مذهبة، وانفرجت أساريره، وإذا حزن، أو رابه شيء، عرف ذلك في وجهه، وهذا دليل الصدق. ومن الناس من لا يظهر عليه أي تعبير، ولا تعرف أراضٍ هو أم ساخط؟ وهذا يوجب الريبة، فلا يطمئن إليه محدثه، ومن يتعامل معه. والمقصود، أن الحياء منعه أن يجابههم بالنهي. ومن شواهد ذلك: أنه ﷺ رأى على رجل صفرة، فكرهها، وكره أن يجبهه بذلك، فلما ولّى الرجل قال لأصحابه: "لو أمرتم هذا أن يغسل هذه الصفرة" قال الراوي: "وكان لا يكاد يواجه أحداً في وجهه بشيء يكرهه" (١). وها هنا إشكال! فربما قال قائل: لم أخّر النبي ﷺ البيان؟ هل الحياء يمنع من بيان الحق؟ الجواب أن يقال: لأن هذه المسألة لم يأتِ فيها حكم صريح بعد، وإلا فإنه لو بلغ النبي ﷺ حكم من الله بتحريم ذلك ما تأخر عن البيان،

стр. 587

فلما بلغته هذه الرؤيا رآها قاطعة حاسمة، فأعلن في الناس أن لا يقولوا: "ما شاء الله وشاء محمد" بل يقولوا: "ما شاء الله وحده". مناسبة الحديث الباب. مطابقة، لنهي النبي ﷺ عن التشريك في المشيئة، والأمر بالتوحيد فيها. فوائد الحديث: ١ - العناية بالرؤى، وكونها سبباً لتشريع بعض الأحكام في عهد النبوة. ٢ - أن قول: "ما شاء الله وشئت" من الشرك الأصغر. ٣ - معرفة اليهود بموارد الشرك وأسبابه، مع وقوعهم في الشرك الأكبر. ٤ - بيان آداب الخطبة، من حمد الله، والثناء عليه، وقول: (أما بعدُ). ٥ - إسناد القول إلى قائله، وعدم الإبهام لغير ما موجب. ٦ - أن قول: (ما شاء الله وحده) أفضل من قول: (ما شاء الله، ثم شئت) على أن قول: (ما شاء الله ثم شئت) جائز. ٧ - أن الأمر إذا شاع وانتشر، فلا بد فيه من بيان عام. ولهذا يجب على أهل العلم، والمراجع العلمية، ودور الفتيا، في بلاد المسلمين إذا فشا بين ظهراني المسلمين ما يستلزم البيان أن يبادروا إلى ذلك،، ولا يدعوا الأمر ملتبسًا، يتكلم فيه من هب ودب بما شاء، فيصبح الناس في حيص بيص، كما يلاحظ في بعض الفتاوى الشاذة المتداولة. ٨ - بيان خلق كريم من أخلاق النبي ﷺ ، وهو الحياء. ثم قال المصنف ﵀: فيه مسائل: الأولى: معرفة اليهود للشرك الأصغر. لإنكار اليهود على المسلمين قولهم: "ما شاء الله وشئت".

стр. 588

الثانية: فهم الإنسان إذا كان له هوى. كما فهمت يهود، وميزوا الصحيح والباطل من الألفاظ؛ لما كان لهم هوى التنقص واللوم. الثالثة: قوله ﷺ : "أجعلتني لله نداً؟ " فكيف بمن قال: مالي من ألوذ به سواك … والبيتين بعده؟ (١). أي: إذا كان النبي ﷺ أنكر على من قال: "ما شاء الله وشئت" وقال: "أجعلتني لله نداً؟ " فكيف بمن قال: ما هو أعظم من ذلك؟! وألمح المصنف ﵀ إلى أبيات البوصيري التي غلا فيها في مدح النبي ﷺ إذ يقول: يا أكرَمَ الرُّسْلِ ما لي مَنْ أَلُوذُ به … سِوَاكَ عندَ حلولِ الحادِثِ العَمِمِ إنْ لَمْ يَكُنْ في مَعادِي آخِذاً بِيَدِي … فضلاً وإلا فقلْ: يا زَلَّةَ القدمِ فإنَّ من جُودِكَ الدنيا وَضَرَّتها … وَمِنْ عُلُومِكَ عِلْمَ اللّوحِ وَالقَلمِ (٢). حيث وحَّده باللياذ، والفضل، وملك الدنيا والآخرة، وعلم اللوح والقلم! فماذا أبقى لله؟ الرابعة: أن هذا ليس من الشرك الأكبر؛ لقوله: "منعني كذا وكذا". إذ لو كان يبلغ مبلغ الشرك الأكبر لم يمنعه الحياء، ولم يتردد في النهي عنه. الخامسة: أن الرؤيا الصالحة من أقسام الوحي. وقد ذكر النبي ذلك ﷺ صريحاً في قوله: "الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة" (٣)؛ ووجه هذا التقسيم: أن النبي ﷺ بدئ بالرؤيا

стр. 589

الصالحة، تأتي كفلق الصبح، ستة أشهر، ثم أوحى إليه بعد ذلك مدة حياته، ثلاثًا وعشرين سنة، فتكون نسبة الرؤيا الصالحة إلى عموم مدة الوحي جزءًا من ستة وأربعين جزءًا من النبوة. السادسة: أنها قد تكون سبباً لشرع بعض الأحكام. كما في هذا الحديث، وكما في رؤيا عبد الله بن زيد، فقد كانت سبباً تشريع الأذان، وقبل ذلك رؤيا إبراهيم ﵊ أنه يذبح ابنه، كانت سبباً في مشروعية الأضحية، لكن هذا إذا كان مؤيدًا بالوحي، وقول معصوم، أما بعد ذلك فلا، ووقد يستأنس بها في غير الأحكام، إذا لم تدل على ما يخالف الشريعة؛ وإلا فلا عبرة بها، ولا يلتفت إليها.

стр. 590

باب من سب الدهر فقد آذى الله وقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [سورة الجاثية: ٢٤]. وفي الصحيح: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "قال الله تعالى: يُؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار" (١). وفي رواية: "لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر" (٢). الشرح: قال المصنف ﵀: "باب: من سب الدهر فقد آذى الله" (من) هنا بمعنى (الذي). وحقيقة السب في اللغة: الشتم واللوم. وأما (الدهر) فهو ظرف الزمان الذي جعله الله تعالى محلاً لقيام الحوادث. والأذى: المقصود به في اللغة: ما خف أثره، وقلّ ضرره، كما قال الله : ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ [آل عمران: ١١١]. فالأذى أخف أنواع الضرر، ولا يلزم من الأذى حصول الضرر، ففي الحديث القدسي: "يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني" (٣)، فلا يستطيع أحد أن يضر الله تعالى، لكن المعنى: أن يصدر من المخلوق ما يسخطه تعالى من قول، أو فعل،

стр. 591

وهذا لا ريب موجود، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾ [محمد: ٢٨] وقال: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ [الزخرف: ٥٥]. ويصدق على الشيء الذي صدر منهم أنه أذى، وأنهم آذوا الله تعالى به؛ ولهذا قال تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ أي: أنهم لن ينالوا منكم، ولن يسلبوا إيمانكم، أو يزحزحوكم عن دينكم، لكنهم يزعجونكم بأنواع المزعجات من العدوان، أو الكلام، وما أشبه ذلك. مناسبة الباب لكتاب التوحيد: من سب الدهر فكأنما أثبت فاعلاً مع الله، وهذا شرك في الربوبية؛ لأنه قام في قلبه أن الدهر فاعل بنفسه، والله وهو المدبر المتصرف، فلا مدبر ولا متصرف سواه. قوله: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ وتتمة هذه الآية: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤] الظن: هنا هو الوهم، فحكى الله في هذه الآية مقالة مشركي العرب، ومن على شاكلتهم من الفلاسفة الدهرية؛ وذلك أن بني آدم، حيال المبدأ والمعاد، ثلاثة أنواع: فالنوع الأول: الذين يثبتون المبدأ والمعاد: وهم المؤمنون، أتباع الأنبياء، كما وصفهم الله بقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩٤]. النوع الثاني: الذين ينكرون المبدأ والمعاد: هم الفلاسفة القائلون بقدم العالم، وخلوده، وتسلسله من الجهتين. وهؤلاء ملاحدة كفار؛ فهم ينكرون أن يكون الله خلق الخلق، بل يزعمون أن هذا العالم قديم، متناهٍ في القدم، ليس له أول، ويدخل في هؤلاء أصحاب نظرية "دارون"، الذي لا ينكر قصة بدأ

стр. 592

خلق الله تعالى لآدم وحواء، ويزعم أن أصل الأنواع كان من جسم لا يرى بالعين المجردة، تطور في مراحل النمو والارتقاء، حتى وصل إلى مرتبة القردة العليا، ثم مع تقادم الزمن تحول إلى صورة إنسان، إلى غير ذلك من التخرصات والفرضيات. وقد سماه الله ظناً وخرصاً، فقال: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤]، وقال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٦]، [يونس: ٦٦]. فهو لا يقوم على أساس من الأدلة والبراهين. النوع الثالث: الذين أثبتوا المبدأ، وأنكروا المعاد، وهم مشركو العرب، ومن على شاكلتهم. والدليل على إثباتهم المبدأ قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، والدليل على إنكارهم المعاد آيات كثيرة، منها قوله: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الجاثية: ٢٤] أي: ليس ثم إلا هذه الدنيا التي نعيشها ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ أي: يموت بعضنا، ويولد بعضنا، كما قال قائلهم: "أرحام تدفع، وأرض تبلع" (١)، وقال: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧]. فقوله: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ هو موضع الشاهد، ومرادهم: أننا لا نهلك إلا بمرور الزمان، كما كانوا يقولون في الجاهلية: أصابتهم قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، ويا خيبة الدهر، إلى غير ذلك، مما ينسبونه إلى الدهر في جاهليتهم. قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي: أنّ دعواهم تلك ليست مبنية على علم، ولا على دليل. قوله: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ أي: ليس عندهم إلا مجرد الخرص، والظن الفاسد. وكل اعتقاد فاسد فمنشأه: الظن الفاسد، والتخرص، والتهوك، وأما العلم اليقيني الثابت فهو ما كان من عند الله ، أو من معصوم من أنبيائه الكرام. وليس في مقالات بني آدم، قسم رابع ينكر المبدأ، ويثبت المعاد.

стр. 593

مناسبة الآية للباب: ظاهرة، لما فيها من نسبة الإهلاك إلى الدهر، فآذوا الله بنسبة التدبير والأمر لغيره، والله يقول: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]. فوائد الآية: ١ - إثبات البعث، والرد على منكريه، وهم الدهرية. ٢ - فساد مقالة الدهرية؛ لأن مبناها على مجرد الظن. ٣ - كل مقالة لا تستند إلى دليل فهي رد. فائدة: سب الدهر ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: أن يقصد بذلك الخبر المحض: فهذا جائز، ولا بأس به، كقول الإنسان على سبيل الخبر المحض: هذا يوم شديد الحر، أو هذا يوم قائظ، أو هذا يوم بارد. ومما يشهد لصحته قول لوط ﵇: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧] فخرج منه مخرج الخبر، لا الاعتراض والتبرم. الثاني: أن يسب الدهر بوصفه فاعلاً، فهذا شرك أكبر؛ لأنه أثبت خالقاً مع الله وهذا نقض لعقد الربوبية. الثالث: أن يسب الدهر لا باعتقاد أن الدهر هو الفاعل، لكن لكونه محلاً لهذا الأمر المكروه، فهذا محرم، لا لأنه من الشرك، لكن لما فيه من الاعتراض على القدر، كأن يقول على سبيل التبرم والضيق: هذا يوم نحس، أو هذا شهر شؤم، كأنه ينسب النحس، والشؤم إلى هذا الزمن، فهذا محرم لما فيه من الاعتراض على القدر. قوله: "وفي الصحيح" أي في الصحيحين، فقد رواه البخاري ومسلم، بل ورواه بعض أهل السنن، كأبي داود (١)، والنسائي (٢)

стр. 594

قوله: "عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "قال الله تعالى" " هذا الحديث يقال له: حديث قدسي أو إلهي، لفظه من النبي ﷺ ، ومعناه من الله قوله: "يُؤذيني ابن آدم؛ يسب الدهر" جملة تفسيرية لصفة الأذية؛ أي: يذمه، ويلومه، عند حصول المصائب. قوله: "وأنا الدهر" أي: أنا مالك الدهر ومصرفه؛ لا أنه -سبحانه- الدهر. وربما قال قائل: هذا دليل صريح على أن (الدهر) من أسماء الله الحسنى! لكن النبي ﷺ بيّن أنّ الله تعالى لم يرد بذلك التسمية. قوله: "أقلب الليل والنهار" إذن فثم مُقَلِّب، ومُقَلَّب، ولا يمكن أن يكون المُقَلِّب هو المُقَلَّب. فالمُقَلِّب هو الله تعالى، والمُقَلَّب هو الدهر، الذي هو الليل والنهار. ومما يدل على أن الدهر ليس من الأسماء الحسنى: أن الدهر اسم جامد لا يحمل معنى الحُسن، ونحن نعلم من كتاب الله أن أسماء الله حسنى، قد بلغت في الحسن غايته، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] فأسماء الله الحسني دالة في مبناها على معنىً حسن، كالسميع، والعليم، والحكيم، والرحيم، أما الدهر فلا يعطي معنى يدل على الحُسن؛ لأنه اسم جامد. وفي رواية عند مسلم: "لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر" (١)، أي: أنّ الله هو الذي يجري فيه ما يريده من خير وشر، وعز وذل، وغنى وفقر، وصحة ومرض، وما شاء سبحانه بمقتضى حكمته. مناسبة الحديث للباب: مطابقة للترجمة، لما فيه من النهي الصريح عن سب الدهر، وأن ذلك أذية لله تعالى. فوائد الحديث: ١ - تحريم سب الدهر، ولا يستثني إلا ما خرج مخرج الخبر المحض،

стр. 595

وأما ما سوى ذلك فهو يتراوح بين إن يكون شركاً أكبر، إذا اعتقد أنه مُؤثر وفاعل بنفسه، وبين أن يكون محرماً، إذا وقع على سبيل الاعتراض على القدر، مع اعتقاد أن الله هو المدبر. ٢ - إن الدهر خلق مسخر مدبرٌ لله. ٣ - أن الدهر ليس من الأسماء الحسنى. ٤ - قَرْن الحكم بعلته، لقوله: "فإن الله هو الدهر". وهذه طريقة قرآنية نبوية- أن يُقرن الحكم بعلته؛ لأن قرن الحكم بعلته له فوائد متعددة، منها: أولاً: ظهور الحكمة: فإن القلب إذا تبيّنت له العلة، حصلت له الطمأنينة. ثانياً: بيان سمو الشريعة، وأن مبناها على الحكمة والتعليل. ثالثاً: إمكان القياس، فيما يمكن القياس فيه؛ لأن القياس: إلحاق فرع بأصل في حكم لاتفاقهما في علة جامعة. فلا نستطيع أن نقيس إلا بمعرفة العلة، فإذا علمنا العلة أمكننا أن نلحق الفرع بالأصل. فكل هذه فوائد ناتجة عن قرن الحكم بعلته، وشواهد هذا بالكتاب والسنة كثير. ثم قال المصنف ﵀: فيه مسائل: الأولى: النهي عن سب الدهر. لقوله: "لا تسبوا الدهر"، والأصل في النهي التحريم والتأثيم. الثانية: تسميته أذى لله. فلا نستشكل ذلك، بل نقول كما قال الله، ولا يلزم من إطلاق هذا القول الذي أطلقه الله منقصة بحال من الأحوال، فكل ما وصف الله تعالى به نفسه أو أضافه إلى نفسه ، فإنه لا يمكن أن يتضمن نقصاً بوجه من الوجوه، حتى لو تبادر للذهن أو توهم متوهم أو استشنع مستشنع، فإن هذا فساد في التفكير لا في الوضع، فالنص معصوم من أن يدل على معنى فاسد.

стр. 596

الثالثة: التأمل في قوله: "فإن الله هو الدهر". وناتج هذا التأمل: أن نعلم أن المراد: أنه صاحب الدهر ومالكه، لا أنه نفسه ظرف زمان. الرابعة: أنه قد يكون ساباً ولو لم يقصده بقلبه. أي: يكون ساباً وإن لم يكن معتقداً حقيقة ما يقول؛ لقوله: "يؤذيني ابن آدم يسب الدهر" فنسب إليه السب، ولم يذكر قصداً، لكن هذا أقل إثماً ممن اعتقد، أو قصد نسبة الفعل إلى الليل والنهار، فإن هذا من الشرك الأكبر، فضلًا عن مسبة ما ليس مستحقاً للسب. ومن المعلوم أنه لا تلازم بين النية وحصول الأذى، فربما تقول لصاحبك قولاً لا تضبطه، ولا تزنه وزناً دقيقاً، ولا تقصد منه الأذية، لكن قد يتأذى منه، فكذلك يقع في حق الله.

стр. 597

باب التسمي بقاضي القضاة ونحوه في الصحيح: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إنّ أخنع اسم عند الله، رجل تسمّى ملك الأملاك، لا مالك إلا الله" قال سفيان: مثل: شاهان شاه (١). وفي رواية: "أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه" (٢). قوله: "أخنع" يعني: أوضع. الشرح:: عقد المصنف هذا الباب في كتاب التوحيد ليُبيِّن ما ورد من الذم، والنهي عن التسمي بهذا الاسم المطلق المشعر بمشاركة الله تعالى في الربوبية؛ لأن الله تعالى هو الذي يقضي ما يشاء، ويحكم ما يريد، فالقضاء المطلق، والحكم المطلق إنما هو لله ، فإذا قيل: "قاضي القضاة" دلّ وأشعر بمعنى الإطلاق، بخلاف لو قيد فقيل: قاضي المدينة الفلانية، أو البلد الفلاني، وكذلك لو قيل: قاضي قضاة الديار الفلانية، أو القطر الفلاني، فهذا تقييد سائغ. قوله: "ونحوه" أي: ما يقاس عليه، كأن يقال مثلاً: ملك الأملاك، أو سلطان السلاطين، وكذلك في الاصطلاحات الصوفية: سيد السادات، والقطب الأعظم، ونحو هذه العبارات التعظيمية. ولا شك إن التفاخر بالألفاظ من استزلال الشيطان، والذي ينبغي للمؤمن الاتضاع لله ، ومجافاة هذه الألقاب

стр. 598

المفخمة. ومن الناس من يفخم نفسه بهذه الألقاب، وهو مخلوق ضعيف، فهذه نزعة منحرفة شاذة، وقد قال النبي ﷺ : "إنّ الله أوحى إليّ أن تواضعوا" (١)، وقال: "وما تواضع عبد لله إلا رفعه" (٢)، والعكس بالعكس؛ كلما تعالى وانتفش وضعه الله تعالى، وشواهد هذا كثيرة. فالتواضع، والاخبات من صفات أهل الإيمان، كما قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج: ٣٤]. فينبغي أن يتصف العبد بالإخبات لله . مناسبة الباب لكتاب التوحيد: التسمي بأسماء، والتلقب بألقاب تشعر بمشاركة الله فيما هو من خصائصه نوع من اتنديد، والشرك في الربوبية. قوله: "في الصحيح: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن أخنع اسم عند الله" " وبيّن المصنف ﵀ معنى (أخنع) فقال: "قوله: "أخنع" يعني: أوضع" فالخنوع: هو الضعة المذمومة التي تدل على الدناءة، والنذالة. قوله: "رجل تسمّى ملك الأملاك" فهو آدمي لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً؛ لو آلمه ضرسه لسهر الليل، لا يصبر عن طعام أو شراب، ولا يمسك الأذى في بطنه، ثم مع ذلك، يتسمّى "ملك الأملاك"!، كما قيل: أَلْقَابُ مَمْلَكَةٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِها … كَالهِرِ يَحْكِي انِتفَاخًا صَوْلَةَ الأَسَدِ (٣). قوله: "لا مالك إلا الله" فالملك المطلق لله ، وأما الملك المقيد فللبشر، لأنه ملك نسبي، كما قال الله : ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦] وقال الله:

стр. 599

﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] واللام للتمليك، وهو ملك محدود، زماناً، ومكاناً، وقدراً، ولذلك يموت ابن آدم ويخلف ما وراءه لوارثه، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] وقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: ٤٠] فالملك الذي تنسبه إلى نفسك حين تقول: هذا البيت ملكي، وهذا الكتاب ملكي، وهذه السيارة ملكي، إنما هو ملك نسبي، والمالك حقاً هو الله، لا مالك إلا هو، وفي هذا رد على من تسمى (ملك الأملاك) ونازع الله تعالى في أخص خصائصه. "قال سفيان" هو سفيان بن عيينة الهلالي، أبو محمد الكوفي، ثقة، حافظ، فقيه، إمام، حجة. مات سنة ثمان وتسعين ومائة ﵀ قوله: "مثل: شاهان شاه" هذه لفظة أعجمية، ولا زال العجم إلى وقت غير بعيد يستعملونها، يقولون عن زعمائهم: "شاهان شاه" أو: الشاه، ومعناها: (ملك الملوك) وهذه الرواية عند مسلم في صحيحه. قوله: "وفي رواية: "أغيظ رجل على الله" " أي أبغض رجل. والغيظ بمعنى: الغضب، والبغض، والسخط، والأسف، والمقت، وكلها كلمات متقاربة، تضاف إلى الله، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ [الزخرف: ٥٥] وقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾ [محمد: ٢٨] وقال: ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ [غافر: ٣٥]. وهذه صفات فعلية تليق بالله ، وليس في إضافتها إلى الله نقص بوجه من الوجوه.؛ والله تعالى يحب، ويبغض، كما قال النبي ﷺ : "إنّ الله يبغض كل جعظري (١) جواظ (٢) سخاب (٣) بالأسواق، جيفة بالليل، حمار بالنهار، عالم بأمر الدنيا، جاهل بأمر الآخرة" (٤)، ويحب من عباده ﴿الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٦]،

стр. 600

و ﴿الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]، و ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، و ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤]. مناسبة الحديث للباب: مطابقة للترجمة، لما فيه من النهي عن التسمي ب (قاضي القضاة) و (ملك الملوك) وما أشبه ذلك. فوائد الحديث: ١ - تحريم التسمي بقاضي القضاة، بإطلاق. ٢ - وجوب احترام جناب الرب، ومراعاة الألفاظ. ٣ - فضل التواضع والإخبات. ٤ - إثبات صفة الغيظ لله ؛ وأنه يتفاضل؛ لأنه على وزن أفعل تفضيل. ٥ - قرن الأحكام بعللها؛ لقوله: "لا مالك إلا الله" فبعد أن حكم علّل. مسألة: حكم الألقاب المفخمة مثل: شيخ الإسلام، وحجة الإسلام، أو آية الله، أو الإمام: هذه الألفاظ ليست من جنس قاضي القضاة، وسلطان السلاطين، وسيد السادات؛ لأنها لا تفيد الإطلاق، ومنازعة الأمر والتدبير، والحكم الكوني، وإنما تدل على تبحر في الشريعة. فشيخ الإسلام: يعني أنه قد بلغ الإمامة في الدين، وبات مرجعاً لأهل الإسلام، وشيخاً لهم، وحجة الإسلام: يراد أنه عالم بحجج الإسلام ودلائله، ليس المقصود أنه هو أحد مصادر الاحتجاج؛ لأن الاحتجاج فقط بالكتاب والسنة والإجماع، وإنما المراد: أنه عالم بالحجاج وأدلة الإسلام، لا أنه هو بنفسه معصوم. ويبقى النظر بعد ذلك: هل ينطبق اللقب على من أطلق عليه أم لا؟ فلو أطلق على طالب علم مبتدئ لم تصح الدعوى. لكن حينما يقال: شيخ الإسلام ابن تيمية، لم تنكر، لأنه جدير بهذا اللقب. وهكذا أئمة السلف المتقدمين فإنهم حقيقون بهذه الألقاب، كعبد الله بن المبارك، أو الإمام البخاري، فيُسلَّم ويُقبَل.
следующие страницы →