← Акыда

Акыда · id 30151

بيت القصيد في شرح كتاب التوحيد

أحمد القاضي

Полный текст (793 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

الثالثة: التأمل في قوله: "فإن الله هو الدهر". وناتج هذا التأمل: أن نعلم أن المراد: أنه صاحب الدهر ومالكه، لا أنه نفسه ظرف زمان. الرابعة: أنه قد يكون ساباً ولو لم يقصده بقلبه. أي: يكون ساباً وإن لم يكن معتقداً حقيقة ما يقول؛ لقوله: "يؤذيني ابن آدم يسب الدهر" فنسب إليه السب، ولم يذكر قصداً، لكن هذا أقل إثماً ممن اعتقد، أو قصد نسبة الفعل إلى الليل والنهار، فإن هذا من الشرك الأكبر، فضلًا عن مسبة ما ليس مستحقاً للسب. ومن المعلوم أنه لا تلازم بين النية وحصول الأذى، فربما تقول لصاحبك قولاً لا تضبطه، ولا تزنه وزناً دقيقاً، ولا تقصد منه الأذية، لكن قد يتأذى منه، فكذلك يقع في حق الله.

стр. 597

باب التسمي بقاضي القضاة ونحوه في الصحيح: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إنّ أخنع اسم عند الله، رجل تسمّى ملك الأملاك، لا مالك إلا الله" قال سفيان: مثل: شاهان شاه (١). وفي رواية: "أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه" (٢). قوله: "أخنع" يعني: أوضع. الشرح:: عقد المصنف هذا الباب في كتاب التوحيد ليُبيِّن ما ورد من الذم، والنهي عن التسمي بهذا الاسم المطلق المشعر بمشاركة الله تعالى في الربوبية؛ لأن الله تعالى هو الذي يقضي ما يشاء، ويحكم ما يريد، فالقضاء المطلق، والحكم المطلق إنما هو لله ، فإذا قيل: "قاضي القضاة" دلّ وأشعر بمعنى الإطلاق، بخلاف لو قيد فقيل: قاضي المدينة الفلانية، أو البلد الفلاني، وكذلك لو قيل: قاضي قضاة الديار الفلانية، أو القطر الفلاني، فهذا تقييد سائغ. قوله: "ونحوه" أي: ما يقاس عليه، كأن يقال مثلاً: ملك الأملاك، أو سلطان السلاطين، وكذلك في الاصطلاحات الصوفية: سيد السادات، والقطب الأعظم، ونحو هذه العبارات التعظيمية. ولا شك إن التفاخر بالألفاظ من استزلال الشيطان، والذي ينبغي للمؤمن الاتضاع لله ، ومجافاة هذه الألقاب

стр. 598

المفخمة. ومن الناس من يفخم نفسه بهذه الألقاب، وهو مخلوق ضعيف، فهذه نزعة منحرفة شاذة، وقد قال النبي ﷺ : "إنّ الله أوحى إليّ أن تواضعوا" (١)، وقال: "وما تواضع عبد لله إلا رفعه" (٢)، والعكس بالعكس؛ كلما تعالى وانتفش وضعه الله تعالى، وشواهد هذا كثيرة. فالتواضع، والاخبات من صفات أهل الإيمان، كما قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج: ٣٤]. فينبغي أن يتصف العبد بالإخبات لله . مناسبة الباب لكتاب التوحيد: التسمي بأسماء، والتلقب بألقاب تشعر بمشاركة الله فيما هو من خصائصه نوع من اتنديد، والشرك في الربوبية. قوله: "في الصحيح: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن أخنع اسم عند الله" " وبيّن المصنف ﵀ معنى (أخنع) فقال: "قوله: "أخنع" يعني: أوضع" فالخنوع: هو الضعة المذمومة التي تدل على الدناءة، والنذالة. قوله: "رجل تسمّى ملك الأملاك" فهو آدمي لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً؛ لو آلمه ضرسه لسهر الليل، لا يصبر عن طعام أو شراب، ولا يمسك الأذى في بطنه، ثم مع ذلك، يتسمّى "ملك الأملاك"!، كما قيل: أَلْقَابُ مَمْلَكَةٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِها … كَالهِرِ يَحْكِي انِتفَاخًا صَوْلَةَ الأَسَدِ (٣). قوله: "لا مالك إلا الله" فالملك المطلق لله ، وأما الملك المقيد فللبشر، لأنه ملك نسبي، كما قال الله : ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦] وقال الله:

стр. 599

﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] واللام للتمليك، وهو ملك محدود، زماناً، ومكاناً، وقدراً، ولذلك يموت ابن آدم ويخلف ما وراءه لوارثه، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] وقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: ٤٠] فالملك الذي تنسبه إلى نفسك حين تقول: هذا البيت ملكي، وهذا الكتاب ملكي، وهذه السيارة ملكي، إنما هو ملك نسبي، والمالك حقاً هو الله، لا مالك إلا هو، وفي هذا رد على من تسمى (ملك الأملاك) ونازع الله تعالى في أخص خصائصه. "قال سفيان" هو سفيان بن عيينة الهلالي، أبو محمد الكوفي، ثقة، حافظ، فقيه، إمام، حجة. مات سنة ثمان وتسعين ومائة ﵀ قوله: "مثل: شاهان شاه" هذه لفظة أعجمية، ولا زال العجم إلى وقت غير بعيد يستعملونها، يقولون عن زعمائهم: "شاهان شاه" أو: الشاه، ومعناها: (ملك الملوك) وهذه الرواية عند مسلم في صحيحه. قوله: "وفي رواية: "أغيظ رجل على الله" " أي أبغض رجل. والغيظ بمعنى: الغضب، والبغض، والسخط، والأسف، والمقت، وكلها كلمات متقاربة، تضاف إلى الله، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ [الزخرف: ٥٥] وقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾ [محمد: ٢٨] وقال: ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ [غافر: ٣٥]. وهذه صفات فعلية تليق بالله ، وليس في إضافتها إلى الله نقص بوجه من الوجوه.؛ والله تعالى يحب، ويبغض، كما قال النبي ﷺ : "إنّ الله يبغض كل جعظري (١) جواظ (٢) سخاب (٣) بالأسواق، جيفة بالليل، حمار بالنهار، عالم بأمر الدنيا، جاهل بأمر الآخرة" (٤)، ويحب من عباده ﴿الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٦]،

стр. 600

و ﴿الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]، و ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، و ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤]. مناسبة الحديث للباب: مطابقة للترجمة، لما فيه من النهي عن التسمي ب (قاضي القضاة) و (ملك الملوك) وما أشبه ذلك. فوائد الحديث: ١ - تحريم التسمي بقاضي القضاة، بإطلاق. ٢ - وجوب احترام جناب الرب، ومراعاة الألفاظ. ٣ - فضل التواضع والإخبات. ٤ - إثبات صفة الغيظ لله ؛ وأنه يتفاضل؛ لأنه على وزن أفعل تفضيل. ٥ - قرن الأحكام بعللها؛ لقوله: "لا مالك إلا الله" فبعد أن حكم علّل. مسألة: حكم الألقاب المفخمة مثل: شيخ الإسلام، وحجة الإسلام، أو آية الله، أو الإمام: هذه الألفاظ ليست من جنس قاضي القضاة، وسلطان السلاطين، وسيد السادات؛ لأنها لا تفيد الإطلاق، ومنازعة الأمر والتدبير، والحكم الكوني، وإنما تدل على تبحر في الشريعة. فشيخ الإسلام: يعني أنه قد بلغ الإمامة في الدين، وبات مرجعاً لأهل الإسلام، وشيخاً لهم، وحجة الإسلام: يراد أنه عالم بحجج الإسلام ودلائله، ليس المقصود أنه هو أحد مصادر الاحتجاج؛ لأن الاحتجاج فقط بالكتاب والسنة والإجماع، وإنما المراد: أنه عالم بالحجاج وأدلة الإسلام، لا أنه هو بنفسه معصوم. ويبقى النظر بعد ذلك: هل ينطبق اللقب على من أطلق عليه أم لا؟ فلو أطلق على طالب علم مبتدئ لم تصح الدعوى. لكن حينما يقال: شيخ الإسلام ابن تيمية، لم تنكر، لأنه جدير بهذا اللقب. وهكذا أئمة السلف المتقدمين فإنهم حقيقون بهذه الألقاب، كعبد الله بن المبارك، أو الإمام البخاري، فيُسلَّم ويُقبَل.

стр. 601

وأما آية الله: فكل مخلوق آية من آيات الله، كما قال أبو العتاهية: وَفِي كُلِّ شَيءٍ لَهُ آيةٌ … تَدُلّ عَلَى أنّهُ الواحِدُ (١). وغالباً ما يُستخدم هذا اللقب عند الروافض، لتبجيل مشايخهم، وهم ليسوا جديرين بذلك، فليسوا آية في العلم، بل هم آية في الجهل. أما (الإمام) فيصح الوصف به؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]. والإمام من يؤتم به، ويُقتدى به في الأمور الشرعية. ويبقى النظر بعد ذلك هل يستحق هذا الوصف أم لا؟ وقد جرى توسع في ذلك، فصار بعض الناس يطلق لقب "الإمام" على من ليس بإمام، وليس متبوعاً، وربما كان كثير العلم، لكن لم يبلغ مرتبة الإمامة؛ لأن الإمامة تكون للعلماء المتبوعين، مثل: أحمد، والشافعي، وأبو حنيفة، ومالك، وسفيان الثوري وابن عيينة، والأوزاعي، وأمثالهم. أما آحاد العلماء فيقال عنه: عالم، ومفتي، وفقيه، ومحدث، وأصولي، ومفسر وما أشبه ذلك. وينبغي لطالب العلم، في هذا الزمن، زمن التباهي، ألا يتشوف لهذه الألقاب والرتب العلمية؛ من دكتور، وأستاذ، إلى غير ذلك، لكن إن خرج ذلك مخرج الخبر والتصنيف الوظيفي فلا بأس، أما التزين به، والتطلع له، فهذا انحراف في النية، وعلى الإنسان أن يغتبط بنعمة الله عليه أن أحل في قلبه العلم والإيمان، فهذا أعظم مفروح به، ولا تغني هذه الألقاب عنه شيئاً. وهل سمعتم يوماً بأنه قيل: سماحة الإمام أبو بكر الصديق؟ أو فضيلة الشيخ عمر بن الخطاب؟ يقال: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃ أجمعين-، كانوا أقل الناس تكلفاً، وأعمقهم علماً - فقد أصابوا كبد الحقيقة، وباشروا لب الدين؛ واستغنوا بذلك عن الألقاب، وإنما يتطلب هذه الألقاب من يريد أن يرقع عيبه.

стр. 602

ثم قال المصنف ﵀: فيه مسائل: الأولى: النهي عن التسمي بملك الأملاك. لقول الرسول ﷺ : "إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك" وهذه ليست صيغة نهي، لكنها تفيد النهي وزيادة، وهو والذم. الثانية: أن ما في معناه مثله، كما قال سفيان. الذي في معناه: كقاضي القضاة، وحاكم الحكام، وشاهان شاه في الفارسية، كما قال سفيان. الثالثة: التفطن بالتغليظ في هذا ونحوه، مع القطع بأن القلب لم يقصد معناه. يشير المصنف ﵀ إلى أنه ينبغي التفطن إلى أن هذا التسمي يستجلب غضب الله وغيظه، ولو لم يقصد المرء ذلك. الرابعة: التفطن أن هذا لأجل الله سبحانه. أي: أن ترك هذه الأسماء المبهرجة إنما يجب أن يكون احتراماً لجناب الرب ، وتحقيقًا لتوحيده، وعدم منازعته شيئًا من خصائصه.

стр. 603

باب احترام أسماء الله وتغيير الاسم لأجل ذلك عن أبي شريح: أنه كان يُكنى أبا الحكم، فقال له النبي ﷺ : "إنّ الله هو الحَكَم، وإليه الحُكم" فقال: إنّ قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني، فحكمتُ بينهم، فرضي كلا الفريقين، فقال: "ما أحسن هذا! فما لك من الولد؟ " قلتُ: شريح ومسلم وعبد الله، قال: "من أكبرهم؟ " قلتُ: شريح، قال: "فأنت أبا شريح"، رواه أبو داود وغيره (١). الشرح قال المصنف ﵀: "باب: احترام أسماء الله تعالى" أي: باب وجوب احترام أسماء الله تعالى، والمراد بالاحترام: التعظيم؛ لأن لها حرمة. "وتغيير الاسم" أي: تحويله وقلبه وتعديله، "لأجل ذلك" أي: من أجل احترام أسماء الله تعالى. مناسبة الباب لكتاب التوحيد: ظاهرة، لأن احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم من أجل ذلك الاحترام مما يحقق التوحيد. قوله: "عن أبي شريح" أبو شريح صحابي جليل، اسمه هانئ بن يزيد الكندي، وكان ممن نزل الكوفة ﵁، وتوفي بالمدينة، سنة (٦٨ هـ)

стр. 604

قوله: "أنه كان يُكنى" الكنية: هي ما صُدِّر بأب أو أم، ونحوه. واللقب: ما أشعر بمدح أو ذم. قوله: "أبا الحكم" وليس له ولد اسمه الحكم، لكن لما اعتقد فيه قومه السداد، والصواب، والفصل في الأحكام كنَّوه: "أبا الحكم". فالأبوة هذه ليست أبوة ولادة، ولكنها تشعر بالإحاطة، والاستيعاب لوصف الحكم، والاختصاص به، فلذلك أنكره النبي ﷺ . قوله: "إن الله هو الحَكَم، وإليه الحُكم" هذا دليل أن الحَكَم من أسماء الله الحسنى. ومعنى: أنه الحَكَم سبحانه، أي: أنه الحاكم، وله الحكمة، فهو يدل على معنيين: الحكم، والحكمة، فهو حاكم فلا راد لحكمه، وله الحكمة، وهو وضع الأمور في مواضعها الصحيحة. ويدل على هذا قول الله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، وقوله: ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِه﴾ [الرعد: ٤١] فالحكم لله. قوله: "إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني، فحكمتُ بينهم، فرضي كلا الفريقين" ومصدر الرضا: أنه كان مسدداً، وموفقاً، وهذه صفة العاقل اللبيب؛ تجده يفقه الواقع، ويزن الأمور، ويتبصر في العواقب، فيأتي بحكم مرض للطرفين. ولهذا استحسن النبي ﷺ ذلك. قوله: "ما أحسن هذا! " المشار إليه حسن، وهو الحكم المرضي للمختلفين، لكن الاعتراض على التسمية، وهذا من كمال إنصافه ﷺ . قوله: " "فما لك من الولد؟ " فقلتُ: شريح، ومسلم، وعبد الله، فقال: "من أكبرهم؟ " قلتُ: شريح، قال: "أنت أبا شريح" رواه أبو داود وغيره، وإسناده حسن". أراد ﷺ بالولد هنا الذكور، دون الإناث، مع أن اللفظ يشملهما. وهذا من حسن تعامله وتعليمه، فلما أبطل اللقب الممنوع، أبدله بلقب مأذون، فكناه بأكبر أبنائه. مناسبة الحديث للباب: ظاهرة، لأنه يدل على احترام أسماء الله، وعدم ابتذالها، ومنع التسمي بما يختص الله به من الأسماء، وتغييره إلى ما يليق بالمخلوق.

стр. 605

فوائد الحديث: ١ - تحريم التسمي باسم من أسماء الله تعالى التي تختص به، والإطلاق يدل على الاختصاص. والأصل: أنه يجوز أن يسمى المخلوق بما يسمى به الخالق، على اعتبار أن للمخلوق ما يليق به، وللخالق ما يليق به، والأمثلة على ذلك كثيرة: - قال الله تعالى: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] مع أن العظيم من أسماء الله. - وقال تعالى: ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيز﴾ [يوسف: ٥١] مع أن العزيز من أسماء الله. - وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾ [يوسف: ٤٣] مع أن الملك من أسماء الله. لكن إذا أشعر الاسم بالإطلاق والاستيعاب للمعنى، فهذا يختص بالله، ومثاله: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ [الفاتحة: ١]، فلا يجوز أن يتسمى مخلوق بالرحمن، ولا يجوز أن يتسمى مخلوق بالمتكبر. ومن هذا الباب: "أبو الحكم"، فإنه يدل على استيعاب الوصف كله. ٢ - أن الحَكَم من أسماء الله الحسنى. ٣ - جواز التحاكم إلى من هو أهل في بعض الخصومات، فلو اختصم شخصان، وقالا: لا حاجة أن نذهب إلى المحاكم الشرعية، والقضاة المعينين، رضينا بفلان، وهو أهل للحكم، فلا بأس، وقد كان الصحابة يفعلون ذلك فيما بينهم، لكن بشرط الأهلية، وقد ذكر الله ذلك، فقال: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥] [النساء: ٣٥] والقول الراجح في هذه المسألة: أن حكم الحكمين ملزم، وليس مُعْلمًا فقط، وإلا لم يكن للحكمين فائدة، إذا كان يمكن أن يؤخذ بقولهما أو يرد. ٤ - أن المشروع أن يُكنى الرجل بأكبر أولاده؛ لأن الشرع في الحقيقة يراعي السن؛ لهذا قال النبي ﷺ : "كبر كبر" (١)، وينبغي البداءة بالأكبر في التقديم، خلافاً لما يفعله بعض الناس بالبداءة باليمين. ومن صوره مثلاً: إذا

стр. 606

دخلتَ مجلساً وأردتَ المصافحة أو السقيا، أو الإطعام، أو غير ذلك من وجوه الإكرام، ألا تبدأ بمن عن يمينك في أسفل للمجلس، بل اقصد المقدم والكبير منهم، فابدأ به، مراعاة للسن، كما في هذه القصة، قال النبي ﷺ : " "فمن أكبرهم؟ ". ثم خذ ذات اليمين بالنسبة لك، لا بالنسبة لمن بدأت به. ٥ - مشروعية تغيير الأسماء والكنى، والألقاب المذمومة، أو المحرمة، وهذا له صور متعددة، منها: - تغيير ﷺ الأسماء المستبشعة، كتغييره اسم (حزن) إلى (سهل) (١)، - تغييره ﷺ الأسماء التي فيها تزكية، كتغييره اسم (برَّة) إلى (زينب) (٢). - نهيه عن أسماء اتقاء محذور،: فعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تُسَمِّيَنَّ غُلَامَكَ رَبَاحًا، وَلَا نَجِيحًا، وَلَا يَسَارًا، وَلَا أَفْلَحَ، إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعٌ، فَلَا تَزِيدُوا عَلَيْهِ» (٣). ثم قال المصنف ﵀: فيه مسائل: الأولى: احترام أسماء الله وصفاته ولو لم يقصد معناه. لأن النبي ﷺ استدرك عليه هذه الكنية، مع أنه لم يقصد بذلك منازعة الله تعالى في وصف من أوصافه، أو اسم من أسمائه.

стр. 607

الثانية: تغيير الاسم لأجل ذلك. لفعله ﷺ فإنه غيّر كنية أبي الحكم إلى أبي شريح. الثالثة: اختيار أكبر الأبناء لكنيته. لقوله: "فمن أكبرهم؟ " لكن هل يقال ذلك ولو كانت أنثى؟ لا، وإنما يُكنى الرجل بأكبر أبنائه الذكور، هذا من حيث الأصل؛ لأن جنس الذكر أفضل جنس الأنثى، قال تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] لكن التكني بالأنثى جائز عند أهل العلم، فقد يُكنى الرجل بالأنثى لشهرتها أو لفضلها، فقد تكون البنت أفضل من أخيها؛ لأن تفضيل الجنس لا يعني تفضيل الأفراد، فيوجد في الجملة من النساء من تفضل بعض الرجال، وقد كُني تميم الداري بابنته رقية، وقد يُكنى الرجل للتعريف به، وإن لم يُولد له، كما تكنت عائشة ﵂ بأم عبد الله، وليس لها ولد، والمراد به ابن أختها عبد الله بن الزبير، وقد يُكنى بشيء له فيه أدنى ملابسة، ولو كان حيواناً، كما كُني عبد الرحمن بن صخر الدوسي بأبي هريرة، وكُني علي ﵁ بأبي تراب، وقد يُكنى باسمٍ مجموعٍ، فيقال مثلاً: أبو الرجال أو أبو الأشبال، وما أشبه ذلك. فالحاصل: أنّ الأصل في الكنية أن تكون بأكبر الأولاد؛ للأدلة التالية: ١ - لقوله: "فمن أكبرهم؟ ". ٢ - ولقوله: "كبر، كبر". ٣ - ولأن كبر السن له اعتبار في الشرع. لكن يجوز أن يكنى الرجل بأصغر أولاده، أو أوسطهم لميزة له مثلاً، كما كُني الإمام أحمد بأبي عبد الله، مع أن صالحاً أكبر من عبد الله لكن ذلك بشروط: ١ - أن يكون هناك مبرراً لهذا. ٢ - أن يخلو الأمر من المفسدة؛ لأن هذا قد يجر إلى الشحناء بين الأولاد.

стр. 608

باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول وقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [سورة التوبة: ٦٥]. عن ابن عمر، ومحمد بن كعب، وزيد بن أسلم، وقتادة -دخل حديث بعضهم في بعض-: "أنه قال رجل في غزوة تبوك: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسناً، ولا أجبن عند اللقاء -يعني رسول الله ﷺ وأصحابه القرّاء- فقال له عوف بن مالك: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله ﷺ ، فذهب عوف إلى رسول الله ﷺ ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله ﷺ ، وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله! إنما كنا نخوض ونتحدث حديث الركب، نقطع به عناء الطريق، فقال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقاً بنسعة ناقة رسول الله ﷺ ، وإن الحجارة تنكب رجليه، وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب، فيقول له رسول الله ﷺ : ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، ما يتلفت إليه، وما يزيده عليه" (١). الشرح: قال المصنف ﵀: "باب: من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول" الأقرب أن (من)

стр. 609

هنا بمعنى الذي، والتقدير: باب حكم الذي هزل. وتحتمل أن تكون اسم شرط، و (هزل) فعل الشرط، ولم يذكر الجواب، وتقديره: فقد كفر، كما يدل عليه سياق الآيات والأحاديث. وهذا الباب مهم، والحاجة إليه داعية، لا سيما في أزمنة تجرأ فيها الملاحدة، والمنافقون، والسفهاء، على الله، ورسوله، وكتابه، وشرعه، ودينه، وكرام أمته، فيُحتاج إلى التذكير فيه. وقد وقع نظيره في زمن النبي ﷺ ، وأنزل فيه آيات. والهزل: السخرية والاستهزاء. قوله: "بشيء فيه ذكر الله" شيء: نكرة، فتعم كل شيء فيه ذكر الله؛ مما يتعلق بذاته، أو أسمائه، أو صفاته، أو شرعه، أو قدره. فيدخل في ذلك. - من سخر من إثبات ما أثبت الله لنفسه من صفات الكمال، ونعوت الجلال، كالصفات الخبرية؛ الوجه، واليدين، والعينين، والساق. - من سخر بأحكامه، كحدٍ من حدود الله،؛ الرجم، أو الجلد، أو القطع، كما قال أولهم: يدٌ بخَمسِ مئين عسجَدٍ وُدِيَتْ … ما بالُها قُطعَتْ في ربعِ دينارِ؟ (١). - من سخر بالقرآن، أو بسوره من سوره، فاتخذها مادة للهزؤ، كأن يقول في سورة الجن: هذا من الخرافات. وكذلك من لحّن القرآن على لحون الفساق، أو استشهد به لغير ما أنزل. - من سخر من مقام النبي ﷺ ، وسنته، كحديث الذباب: "إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ، ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً، وَفِي الآخَرِ دَاءً" (٢)، و كقول النبي ﷺ في النساء أنهن "ناقصات عقل ودين" (٣)، واتخذها مادة للنقد والتنقص. - من سخر بخلق الله للهوام، والحشرات، ونحو ذلك، وزعم أن ذلك عبث لا فائدة فيه.

стр. 610

فهذا الهزل والسخرية يقع بصور متعددة، والذي لا يتقي الله يندلق لسانه، ويستزله الشيطان، عن بلال بن الحارث المزني ﵁ قال النبي ﷺ : "إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالاً، يهوي بها في جهنم" (١)، وفي لفظ: "وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله بها عليه سخطه إلى يوم القيامة" فكان علقمة يقول: "كم من كلام قد منعنيه حديث بلال بن الحارث" (٢). مناسبة الباب لكتاب التوحيد: الهزل بشيء من ذكر الله، أو الرسول، أو القرآن، كفر مناقض للتوحيد. قوله: "وقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ " الخطاب للنبي ﷺ ، والمسؤول هم المنافقون. وقد نجم النفاق بعد غزوة بدر؛ لما أظهر الله الإسلام، واشتدت شوكة المسلمين، فصار الذين أبوا الإسلام من أهل المدينة يظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر، ومردوا على النفاق. وظلوا كذلك، حتى وفاة النبي ﷺ ،، وكان النبي ﷺ يعاملهم على ظواهرهم، ويكل سرائرهم إلى الله، ويغلظ عليهم، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: ٧٣، التحريم: ٩]. وقد أسرَّ النبي ﷺ إلى حذيفة بن اليمان بأسماء المنافقين. قوله: ﴿نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ أي: أننا لم نقصد الاستهزاء، وإنما كنا نتجاذب أطراف الحديث، ونقطع الطريق، بما يتحدث به المسافر مع صاحبه. فرد الله تعالى عليهم في تتمة الآية: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: ٦٥] وهذا الاستفهام للتوبيخ والتقبيح؛ أي: ألم تجدوا مادة للهزؤ والسخرية إلا في حق الله، وآياته ورسوله؟! ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ [التوبة: ٦٦]. وسيأتي بيان سبب نزولها.

стр. 611

مناسبة الآية للباب: مطابقة، لأن فيها ما يدل على كفر من هزل بشيء فيه ذكر الله، أو الرسول، أو القرآن. فوائد الآية: ١ - أن الاستهزاء بالله، والقرآن، والرسول، كفر ينافي التوحيد. وبعض جفاة العوام، في بعض المجتمعات الإسلامية يتفوهون بكلمات لا يحسبون لها حسابًا، تقشعر لها الأبدان، فيسبون الدين، وهذا استهزاء وزيادة.، فمن استهزأ بالله أو بالقرآن أو بالرسول فقد كفر كفراً مخرجاً من الملة؛ لأنه طعن في أصل الاعتقاد. ٢ - أن من قال الكفر، أو فعل الكفر، حتى لو لم يعلم أنه كفر، حُكم أن مقالته، أو فعله كفر، أما تحقيق الحكم عليه فيتوقف على انتفاء الموانع، وتمام الشروط؛ لأنه ربما كان مكرهاً، أو جاهلًا، أو مخطئًا، أو غير ذلك. ولما علم الله من حال هؤلاء المنافقين الكفر، قال: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦]. ٣ - وجوب تعظيم الله، وكتابه، ورسوله؛ كما قال الله عن المؤمنين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] فينبغي للمؤمن إذا قرع سمعه ذكر الله أن يكون له حال غير الحال التي كان فيها؛ بأن يقوم في قلبه من الإجلال والتعظيم، لله رب العالمين، ما يدل على وجله، وكذلك حين يذكر القرآن، أو يُؤتى به. وكان النبي ﷺ يعظم كتب الله، فلما دعته اليهود يوماً إلى الحكم في مسألة عرضت لهم، قال: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣]، فأتوا بالتوراة يحملونها، "وقد كان ﷺ جالساً على وسادة، فلما أُتي بالتوراة نزع الوسادة من تحته، فوضع التوراة عليها، ثم قال: "آمنت بك، وبمن أنزلك" (١)، هكذا عظّم ﷺ كلام الله، فكيف بالقرآن العظيم، الذي هو أعظم كُتب الله، وأكملها، وأحدثها عهدًا به؟! وكان

стр. 612

عكرمة بن أبي جهل يأخذ المصحف، فيضعه على وجهه، ويبكي، ويقول: "كلام ربي، كتاب ربي" (١). وإنا لنأسف أن نجد من بعض الناس من لا يعظم المصحف، فتجد من يمد رجليه أمام حامل المصاحف، حتى يكاد أن يمس بقدمه المصحف، وقد نص الفقهاء الحنابلة على منع هذا (٢). بل أني رأيتُ أحد التلاميذ خارج مدرسته، ينتظر ولي أمره، قد قعد فوق كتبه المتضمنة للآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، واتخذها وقاية لملابسه أن تمس الأرض! وإنما فعل هذا لأنه لم يُنشَّأ على تعظيم كلام الله، وكلام نبيه ﷺ ، فيجب علينا أن نربي أبنائنا وبناتنا، على إجلال كلام الله، وكلام نبيه ﷺ . ٤ - قبول توبة المستهزئ إذا تاب؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦] فدل ذلك على أن باب العفو مفتوح، والله تعالى إذا عفا، أو لم يعفُ، فإن ذلك مقترن بحكمته؛ فيعفو عن التائب، ولا يعفو عن المصر. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٥، ١٣٦] ٥ - أن الكفر كفران: كفر اعتقادي، وكفر عملي، خلافاً للمرجئة، فإن المرجئة يقصرون الكفر على كفر الاعتقاد، ولا يثبتون كفراً عملياً. والصحيح: أنّ الكفر يكون بالقول، ويكون بالعمل، ويكون بالاعتقاد، كما أن الإيمان يتعلق بالقول والعمل. فالكفر بالاعتقاد: أن يقوم في قلبه من النكران، والإباء، والاستكبار، والجحود، والاستحلال، ما ينافي الإيمان، حتى لو لم يفُه بلسانه. أو أن يعتقد عقيدة باطلة، كعقيدة الجهمية؛ فيزعم أن الله تعالى لا يتسمى باسم، ولا يتصف بصفة، وينكر الأسماء والصفات، فهذا كفر اعتقادي. والكفر بالقول: أن يتفوه بكلام كفري، عالمًا، ذاكرًا، مختارًا، كما وقع

стр. 613

لهؤلاء. والكفر بالعمل: كأن يسجد لصنم، أو أن يلقي المصحف، أجلَّه الله، في القاذورات، أو نحو ذلك من الأفعال المنافية للإيمان، عالمًا، ذاكرًا، مختارًا. قوله: "عن ابن عمر، ومحمد بن كعب، وزيد بن أسلم، وقتادة": رواية التابعين من المراسيل، والمرسل: ما وقع فيه سقط في آخر إسناده، أي: من بعد التابعي. وقد أخرجها: ابن جرير، وابن أبي حاتم، وإسنادها حسن. أما رواية ابن عمر، فمتصلة. ومحمد بن كعب: القرظي، كان مدنياً، وهو من ثقات التابعين، مات سنة عشرين ومائة. وزيد بن أسلم: ثقة مشهور، مولى عمر بن الخطاب ﵁، مات سنة ست وثلاثين ومائة. وقتادة: هو قتادة بن دِعامة السَّدوسي، تقدم ذكره مرات. ﵏. قوله: "دخل حديث بعضهم في بعض" أي: السياق التالي مجموع أحاديثهم، لا حديث واحد منهم، فضمت أحاديث بعضهم لبعض، وهذا يحصل في الإخباريات، فكثيرًا ما يذكر ابن إسحاق في السيرة هذا، ويقول: دخل حديث بعضهم في بعض، ولا شك أنه يُحتمل في الإخباريات ما لا يُحتمل في الأحاديث التي تتضمن العقائد والأحكام. قوله: "أنه قال رجل في غزوة تبوك" هي آخر غزوة غزاها النبي ﷺ ، سنة تسعٍ من الهجرة. وتبوك تقع شمال الجزيرة العربية، على مشارف الشام. قوله: "ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء" المراد بالقراء: جمع قارئ، وأراد بهم هنا النبي ﷺ وفقهاء الصحابة، كما سيذكر. ثم بات يطلق على فقهاء التابعين الذين يحفظون القرآن والسنة. قوله: "أرغب بطوناً" كناية عن النهم في الأكل والشرب، فبطونهم كبيرة واسعة من كثرة الأكل. قوله: "ولا أكذب ألسناً، ولا أجبن عند اللقاء" وصفهم بغاية الجشع، والكذب، والجبن. قوله: "يعني رسول الله ﷺ وأصحابه القراء، فقال له عوف بن مالك"

стр. 614

الأشجعي ﵁ صحابي معروف، أول مشاهده خيبر، روى عدة أحاديث، مات سنة ثلاث وسبعين. قوله: " كذبت" حق له أن يُكذِّبه؛ لأن هذا خبر مخالف للواقع. قوله: "ولكنك منافق" لأن هذا الهزؤ لا يصدر عن مؤمن. قوله: "لأخبرن رسول الله ﷺ " هذا يدل على جواز الوشاية لمصلحة، وليس من باب النميمة لما يترتب عليه من حفظ حوزة الدين، وقطع ألسنة العابثين، والمفسدين، والمرجفين. قوله: "فذهب عوف إلى رسول الله ﷺ ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه" كما قال تعالى في حادثة أخرى: ﴿قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣] قوله: "فجاء ذلك الرجل" الذي أطلق تلك الكلمة، معتذرًا إلى رسول الله ﷺ . قوله: "وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونتحدث حديث الركب، نقطع به عناء الطريق" لم يعدم كلاماً يعتذر به؛ لأن المنافقين مردوا على كثرة الإعتذار، وزخرفة القول، كما قال الله: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾ [التوبة: ٩٠]، وقال: ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون: ٤]. فعندهم من الصياغات اللفظية، وصفِّ الكلام، وزخرفة القول، ما يلجؤون إليه في هذه المضائق. قوله: "قال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقاً بنسعة ناقة رسول لله ﷺ " النسعة: عبارة عن سير عريض مشدود، مضفر، من الجلد، يشد به الرحل على البهيمة والبعير، فيثبت الرحل. قوله: "ونبي الله لا يلتفت إليه" ماضٍ في طريقه، غير آبهٍ به، ساخطًا عليه. قوله: "وإن الحجارة تنكب رجليه" أي: تضرب رجليه، وهو يلحق النبي ﷺ ، ويعتذر إليه. قوله: "وهو يقول: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ فيقول له رسول الله ﷺ : ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ما يلتفت إليه وما يزيده عليه" امتثالًا لأمر ربه.

стр. 615

مناسبة الحديث للباب: مطابقة، لأن فيها بيانًا لسبب نزول الآية الدالة على حكم من هزل بشيء فيه ذكر الله. فوائد الحديث: ١ - بيان حال المنافقين وما تنطوي عليه نفوسهم من الحقد والغيظ على دين الله. وهذا كما هو موجود في المنافقين السابقين، موجود، وربما أشد، في منافقي زماننا الذين يحملون أسماء المسلمين، ويعيشون بين ظهرانيهم، وفي قلوبهم نقمة على دين الله، وأهله من العلماء، والدعاة، والمحتسبين، فتنضح قلوبهم، وألسنتهم، وأقلامهم، باللمز، والغمز، والطعن، وإرادة السوء. فهي حال تتكرر في كل جيل وقبيل؛ تجد أحدهم همزة لمزة، بطرق ملتوية، فإذا ضاقت به السبل، وافتضح، قال: أردت كذا وكذا، وبالغ بالاعتذار. ٢ - كفر من استهزأ بشيء فيه ذكر الله، أو آياته، أو رسله؛ فهؤلاء القوم ذموا رسوا لله ﷺ وأصحابه القراء؛ كما قال الراوي: "يعني رسول الله ﷺ وأصحابه القراء"، وطعنوا بهم بوصفهم الديني. ٣ - أن الإخبار والتبليغ عن أصحاب الفساد ليس من النميمة المحرمة. فإذا علم الإنسان أن قومًا يخططون لجريمة، أو يشيعون الفاحشة بين المؤمنين، أو يتجرون بالمخدرات، أو نحو ذلك من الأمور الضارة بالمجتمع، فالتبليغ عنهم واجب متحتم، وعبادة وقربة إلى الله ؛ بخلاف المنكرات القاصرة، التي قد يكون الستر فيها مقدمًا. ولهذا لما أخبر النبي ﷺ فيما قاله بعض المنافقين، قال: "هذا الذي أوفى الله له بأذنه" (١)، أي: أنه نقل هذا القول. وأما النقل المحرم، فهو ما قُصد به المضارة؛ فمن سمَّع، سمَّع الله به، ومن ضارَّ، ضارَّ الله به، أما ما كان لدفع مفسدة عامة، فليس من النميمة، بل هو من النصيحة لله، ولرسوله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين، وعامتهم. فعلى الإنسان أن يميز بين الأمرين.

стр. 616

٤ - وجوب الغلظة على المنافقين، وأشباههم من الفساق؛ لفعل النبي ﷺ بالمنافق، ولقول عوف: "كذبت، ولكنك منافق". فيحتاج المؤمن أحياناً إلى الغلظة على من يستحق أن يغلظ عليه. أما من صدر منه شيء جهلاً، أو خطئًا، فالأصل فيه الرفق، فإن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف. وشاهد ذلك: ما جاء عن عائشة قالت: استأذن رهط من اليهود على رسول الله ﷺ فقالوا: السَّام عليكم، فقالت عائشة: بل عليكم السام واللعنة، فقال رسول الله ﷺ : "يا عائشة! إن الله يحب الرفق في الأمر كله" قالت: ألم تسمع ما قالوا؟ قال: "قد قلت: وعليكم" (١)، وفي رواية: "يا عائشة! إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه" (٢). ٥ - أنه ليس كل عذر يكون مقبولاً، وليس كل من اعتذر قبل عذره، فمن الأعذار ما يُقبل، ومنها ما لا يُقبل. والأصل قبول العذر، فالله يحب العذر، وقد جاء في صحيح البخاري: "ولا شخص أحب إليه العذر من الله" (٣)، لكن ليس كل عذر يقبل، وإلا كان الإنسان مستغفَلاً، فينبغي أن يميز الإنسان بين مقام ومقام؛ ولهذا قال الله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ [الشورى: ٤٠] فقرن العفو بالإصلاح، فإذا كان في عفوك إصلاح فحيهلاً، وأما إذا عفوت، تمادى الظالم في غيه فلا، ولا كرامة. مثال ذلك: لو أن إنساناً قال لك: إني قد اغتبتك، وأرجو أن تسامحني، ورأيتَ عليه مظاهر الندم، والتوبة، فقلت: غفر الله لك، وعفا عنك، فلما كان من الغد جاءك وقال: اغتبتك أخرى، وبعد غد كذلك، فهذا لا يستحق العفو، حتى يرتدع، ويعقل لسانه. ومن ذلك أيضاً: ما يجري في حوادث السيارات، أو غيرها من الجنايات، وترتب الديات والضمانات، فليس العفو سائغًا في كل حال؛ لأن من السفهاء من

стр. 617

يظن أنه مهما فعل سيُعفى عنه، ويسقط عنه الحق، فيظل في سفه وطيشه، ولو علم أنه سيكون عرضة للعقوبة المادية، أو البدنية، لحجزه ذلك عن التمادي. ثم قال المصنف ﵀: فيه مسائل: الأولى: وهي العظيمة: أن من هزل بهذا كافر. لقوله: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. الثانية: أنّ هذا هو تفسير الآية فيمن فعل ذلك كائناً من كان. أي: سواء كان المستهزئ منافقاً، أو غير منافق، فإنه يكفر كائناً من كان، لدلالة القصة. الثالثة: الفرق بين النميمة وبين النصيحة لله ولرسوله. النميمة يراد بها الإفساد بين الناس، وأما النصيحة: فيراد بها الإصلاح، ولو ترتب عليها أذى. الرابعة: الفرق بين العفو الذي يحبه الله وبين الغلظة على أعداء الله. العفو الذي يحبه الله هو المقرون بالإصلاح؛ لقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله﴾ [الشورى ٤٠] وأما الغلظة: فدل عليها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣]. فالغلظة تكون أنجع وأنجح في بعض الأحوال، كما أن الجرح لا يبرأ إلا بشقه، وإخراج المادة الفاسدة منه، فكذلك بعض الناس لا ينفع معه إلا التغليظ. وقد جرى لنا، ولغيرنا، أن جربنا التغليظ على بعض الغالطين فأيقظته من سكرته. ولو أن الإنسان ظل يرقق الكلام في كل حال؛ لتمادى في غيه، واستخف بالحقوق.

стр. 618

الخامسة: أن من الاعتذار ما لا ينبغي أن يُقبل. الأصل في الاعتذار أن يُقبل للأدلة الدالة على العفو، كما تقدم، لا سيما إذا كان المعتذر محسناً، وما حصل منه كان هفوة، فإن علم أن الاعتذار باطل، لم يُقبل، كاعتذار المنافقين.

стр. 619

باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [سورة فصلت: ٥٠]. قال مجاهد: هذا بعملي وأنا محقوق به (١). وقال ابن عباس: يريد من عندي (٢). وقوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ قال قتادة: على علم مني بوجوه المكاسب (٣). وقال آخرون: على علم من الله أني له أهل (٤). وهذا معنى قول مجاهد: أوتيته على شرف (٥). عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن ثلاثة من بني إسرائيل: أبرص وأقرع وأعمى، فأراد الله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكاً، فأتى الأبرص فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، يذهب عني الذي قد قذرني الناس به، قال: فمسحه، فذهب عنه قذره، فأعطي لونًا حسنًا، وجلدًا حسنًا، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الإبل أو البقر" شك إسحاق "فأعطي ناقة عشراء، وقال: بارك الله لك فيها، قال: فأتى الأقرع، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب

стр. 620

عني الذي قذرني الناس به، فمسحه، فذهب عنه، وأعطي شعر حسن، فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: البقر أو الإبل، فأعطي بقرة حاملاً، قال: بارك الله لك فيها، فأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: أن يرد الله إليّ بصري، فأبصر به الناس، فمسحه، فرد الله إليه بصره، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطي شاة والداً، فأنتج هذان، وولد هذا، فكان لهذا وادٍ من الإبل، ولهذا وادٍ من البقر، ولهذا وادٍ من الغنم، قال: ثم أنه أتى الأبرص في صورته وهيئته فقال: رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلوغ لي اليوم إلا بالله، ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن، والجلد الحسن، والمال، بعيراً أتبلغ به في سفري، فقال: الحقوق كثيرة، فقال له: كأني أعرفك، ألم تكن أبرصَ يقذرك الناس، فقيراً فأعطاك الله المال؟ فقال: إنما ورثت هذا المال كابراً عن كابر، فقال: إن كنتَ كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت، وأتى الأقرع في صورته، فقال له مثل قال لهذا، ورد عليه مثل ما رد عليه هذا، فقال: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت، قال: وأتى الأعمى في صورته، فقال: رجل مسكين، وابن سبيل، قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله، ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك، شاةً أتبلغ بها في سفري، فقال: قد كنتُ أعمى فرد الله إلى بصري، فخذ ما شئت، ودع ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله، فقال: أمسك مالك، فإنما ابتليتم، فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك" (١) أخرجاه. الشرح: قال المصنف ﵀: "باب ما جاء في قول الله تعالى" أي من الوعيد، كما في تتمة الآية: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [فصلت: ٥٠]

стр. 621

مناسبة الباب لكتاب التوحيد: نسبة النعم إلى النفس وادعاء الاستحقاق دون الثناء بها على الله مناف للتوحيد. قوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ﴾ اللام لام القسم، والضمير يرجع: إلى الإنسان، إما جنس الإنسان، وإما إلى الكافر، المنكر للبعث، أو الشاك فيه، خاصة، كما يدل عليه قوله إثرها: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠] قوله: ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ المراد بالرحمة: الغنى، والصحة، والعز، وما أشبه من أنواع النعم الدنيوية. قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾ المراد بالضراء: الفقر، والمرض، والذل، ونحوها من صنوف المصائب الدنيوية. قوله: ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ أي: أني مستحق له، جدير به، أوتيته على علم، كما قال قارون. قوله: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ هذا كفر الجحود والتكذيب. قوله: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ هذا كفر الشك والتردد، كما قال صاحب الجنتين: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦] قوله: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ عاقبة جحوده، وتكذيبه بالبعث، وكفره بالنعم. ثم ذكر المصنف ﵀ أقوال السلف في تفسير هذه الآية: - قول مجاهد بن جبر ﵀: "هذا بعملي وأنا محقوق به " أي: هذا الذي نلته من العز، والتمكين بعملي، وكدِّ يميني، وعرق جبيني، وجهدي، وحذقي، وأنا مستحق له، كما قال قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨] فلم يثنِ بالخير على مسديه ونسب الفضل إلى نفسه. - قول ابن عباس: "يريد من عندي" أي: من عندي وليس من عند الله تعالى.

стр. 622

- قول قتادة: "على علم مني بوجوه المكاسب" هذه كلمة يقولها كثير من التجار الذين بسط الله لهم في الرزق؛ فتجد أحدهم إذا جلس في مجلس، أو في مقابلة إعلامية، أخذ يذكر أمجاده الشخصية، وحذقه، وإقدامه، وصحة توقعاته، وكيف تمكن من كسب هذه الأموال؟ وينسى أن الله هو الذي يسر له، وفتح له أبواب الرزق، وأنقذه من أزمات، كان فيها على شفير الفقر والإفلاس، كل ذلك يطويه، وينهمك بالثناء على نفسه، وحذقه، وتجاربه. - "وقال آخرون: على علم من الله أني له أهل" كما قال الله : ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ [الفجر: ١٥] أي: أن ذلك دليل كرامة عند الله، وهو ابتلاء وامتحان. - "وهذا معنى قول مجاهد: أوتيته على شرف" أي: أني جدير به؛ لشرفي ومنزلتي، وغير ذلك، وهذه من آفات النفوس المزهوة، غير المخبتة، التي تتكبر، وتنسى فضل المنعم سبحانه. وقد خلَّد الله في القرآن العظيم مثلًا، وعبرة، لهذا الصنف من المغرورين، في قصة قارون، فقال تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴿(٧٨) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [القصص: ٧٦ - ٨٢]

стр. 623

فوائد الآية والآثار: ١ - وجوب شكر النعمة، والثناء بها على مسديها، وهو الله سبحانه. والشكر يكون بثلاثة أمور: بالقلب، واللسان، والجوارح، كما قال الناظم: أَفَادَتْكُمْ النَّعْمَاء مِني ثَلَاثَة … يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِير المحَجَبا (١). فيجب أن يشكر العبد ربه بقلبه: فيغتبط بنعمة الله، ويستشعر أن الفضل لله، وبلسانه: فيلهج دوماً بالثناء على الله، وشكره، وبجوارحه: فيسخرها في طاعة الله، وامتثال أمره. ٢ - تحريم الفخر، والخيلاء، والعجب بالنفس، وذمه. ٣ - وجوب الإيمان بالساعة والقيامة. ٤ - الافتتان بالدنيا سبب لإنكار البعث، لقوله: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [الكهف: ٣٦]. ٤ - وعيد من كفر بنعمة الله تعالى؛ لقوله: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [فصلت: ٥٠]. ثم ذكر المصنف ﵀ حديث أبي هريرة الطويل، المتفق عليه، فقال: "عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول" وهذا يدل على أن أبا هريرة قد تلقاه مباشرة من النبي ﷺ ؛ لأنه صرح بالسماع، فإن أبا هريرة ﵁ إنما هاجر عام خيبر، ومع ذلك، فهو من أكثر أصحاب النبي ﷺ رواية، بل قد روى أحاديث كثيرة، في حوادث جرت قبل هجرته، وهذا يدل على أنه كان يأخذ عن كبار الصحابة، ويتلقى منهم، ولا يضر أن يسقط الصحابيُّ من سمع منه من الصحابة، فمرسل الصحابي له حكم الاتصال. أما هذا الحديث، فقد صرح فيه بالسماع. قوله: "إن ثلاثة من بني إسرائيل" بنو إسرائيل يطلق على اليهود والنصارى، وإسرائيل هو يعقوب ﵇، فتنسب إليه هاتان الأمتان، والتحديث عن بني

стр. 624

إسرائيل جائز، وربما قيل: إنه مشروع؛ لقول النبي ﷺ : "وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" (١)، وهو ما يسميه العلماء "الإسرائيليات"، والمراد بها ما يُؤثر عن أنبياء بني إسرائيل. وقد بيّن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وغيره من العلماء، أن الموقف من الإسرائيليات لا يخرج عن ثلاثة أحوال: الأولى: أن تكون موافقةً لما في القرآن والسنة، فنقبلها ونصدقها؛ لأن شرعنا شهد لها بالصدق. مثال ذلك: ما ورد في العهد القديم، في سفر (التكوين) من ذكر خلق آدم وحواء، وإسكانهما الجنة، وإهباطهما إلى الأرض، وذكر الطوفان، وقصة إبراهيم، ويوسف، وأمثال ذلك، فهذه أخبار قد شهد لها كتابنا بالصحة، فنقبلها ونصدقها من حيث الجملة. الثانية: أن تكون مخالفةً لما في القرآن والسنة، مما يتضمن إساءةً إلى جناب الرب ، أو إساءة إلى أنبيائه الكرام، كزعمهم -قبحهم الله- أن الله تعالى عما يقولون، ندم على إغراق أهل الأرض، وبكى، حتى رمدت عيناه، وأن لوطاً ﵇ شرب الخمر وزنى بابنتيه، وأن سليمان ﵇ عبد الأصنام، وأمثال ذلك، مما هو موجود في كتبهم التي بين أيديهم، فهذه نردها ونكذبها، ونعلم أنها مما امتدت إليه يد التحريف. الثالثة: ما ليس في القرآن والسنة ما يصدقه ولا يكذبه، وهذا كثير جداً، فموقفنا منه التوقف، فلا نصدقه، ولا نكذبه؛ لقول النبي ﷺ : "ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله ورسله، فإن كان باطلاً لم تصدقوه، وإن كان حقاً لم تكذبوه" (٢)، فإذا عُرض على أهل العلم والدراية فرأوا أنه لا يوافق، ولا يخالف، فلا بأس بروايته؛ لعموم قول النبي ﷺ : "وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج"، وفي شرعنا غنية وكفاية، ولله الحمد، ولا محوج للاشتغال بالإسرائيليات. قوله: "أبرصَ وأقرعَ وأعمى" نصبت هذه الثلاثة لأنها بدل من (ثلاثة) وهي

стр. 625

اسم (إن) والبرص، والقرع، والعمى، آفات معلومة، فالأبرص: من كان في جلده شيء من البياض، وهو مرض جلدي معروف، يتقذره الناس. والأقرع: الذي سقط شعر رأسه، وغالباً ما يصيب الصبيان، وربما أصاب الكبار، فيكون في الرأس قروح ينشأ عنها تساقط الشعر، وهو أيضاً مما يستقذره الناس. والأعمى: من سُلب حاسة البصر، إما من أصل الخلقة، أو طرأ عليه. قوله: "فأراد الله أن يبتليهم" أي: يختبرهم، ولا ريب أن الله يبتلي جميع عباده، كما قال: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] فلا يظن أحد أنه بمنجاة من الابتلاء، قال الله : ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٢، ٣] ولا ينبغي للإنسان أن يسأل الله البلاء، بل ينبغي أن يسأل العافية؛ كما قال النبي ﷺ مرة لأصحابه، وقد حالت الشمس بينهم وبين عدوهم أن يقتتلوا، فقالوا: "وددنا يا رسول الله ﷺ لو أن لقينا أعداءنا" أي: وحاربناهم، فقال النبي ﷺ : "لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم، فاصبروا" (١). فربما قرأ طالب العلم في سير بعض العلماء والصالحين، الذين جرى لهم ابتلاء، فتاقت نفسه إلى أن يجري له كما جرى لهم، فهذه التمني ليس صواباً، فإنه لا يعلم ما يكون حاله إذا أصابه البلاء، فلربما فُتن. بل ينبغي له أن يسأل الله العافية. قوله: "فبعث الله إليهم ملكاً" الملك: واحد الملائكة، وهم خلق كريم من خلق الله، خلقهم الله تعالى من نور، وأعطاهم القدرة على التشكل بهيئة البشر، كالملك الذي أتى مريم، ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧]، والملائكة الذين أتوا إبراهيم ثم لوط ﵉ على هيئة شبان صباح الوجوه، وكما كان جبريل يأتي النبي ﷺ على صورة دحية الكلبي. فهذا الملك أتى إليهم على صورة آدمي؛ لأنه لو أتى على صورته التي خلقه الله عليها لاستنكروه. قوله: "فأتى الأبرص فقال: أي شيء أحب إليك؟ " مراده من مطالب الدنيا.

стр. 626

قوله: "لون حسن، وجلد حسن، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس به" تبادر إلى ذهنه الشيء الذي يقلقه دوماً، ويعاني منه، فتمنى ذهابه. قوله: "فمسحه فذهب عنه قذره، فأعطي لوناً حسناً، وجلداً حسناً" أي: نال ما تمنى بقدرة الله الذي بعث إليه ذلك الملك. قوله: "قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الإبل، أو البقر، والشك من إسحاق" هو إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أحد رواة الحديث، وليس الشك من النبي ﷺ قطعاً. وهو شك غير مؤثر سندًا، ولا متنًا، فالعبرة حاصلة على كلا الاحتمالين. قوله: "فأعطي ناقة عشراء، وقال: بارك الله لك فيها" هذا يدل على أنه تمنى الإبل وليس البقر، فقد أعطي ناقة عشراء، والعشراء: هي التي بلغت شهرها العاشر، وصارت على وشك الولادة، وهي أثمن ما يكون من النوق؛ لأنه ينتفع من نتاجها، ودعا له بالبركة، ثم انصرف. قوله: "فأتى الأقرع، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس به، فمسحه فذهب عنه، وأعطي شعراً حسناً" مسح على رأسه، فنما شعره بإذن الله، وصار شعراً حسناً، ونال ما تمنى. قوله: "فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: البقر أو الإبل" والشك من الراوي، كما تقدم. قوله: "فأعطي بقرة حاملاً، قال: بارك الله لك فيها" وهذا يدل على أن من أعطى عطيةً، ينبغي أن يدعو بالبركة ليتم الإحسان؛ لأنه قد يُؤتى الإنسان الشيء ولا يُبارك له فيه، وربما عاد وبالاً عليه. وكثير من الناس يملك الدخول العالية، والرواتب المجزية، لكن ماله يضمحل بسبب نزع البركة. ومن الناس من يُؤتى مالاً قليلاً، لكن يبارك له فيه، حتى يفضل عن حاجته. فينبغي أن يتنبه المؤمن للدعاء بالبركة، فإن الله هو الذي يُبارك الأشياء. قوله: "قال: "فأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: أن يرد الله إليّ بصري، فأبصر به الناس" هذا الأعمى سليم القلب، فقد أسند الرد إلى الله، أما الأولان فلم يسندا المسألة إلى الله ، بل قال كل منهما: "ويذهب عني الذي

стр. 627

قد قذرني الناس به" ولم يقولا: ويذهب الله. بخلاف الأعمى فقد كان من أول أمره مقرَا بنعمة ربه، فدل على صلاح. قوله: "فمسحه فرد الله إليه بصره، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطي شاة والداً" أسند النبي ﷺ رد بصره إلى ربه لأنها نعمة في حقه، بينما لم يضف الإذهاب في حق صاحبيه إلى الله، لأنه ليست كرامة لهما بل ابتلاء، حيث قالا: ويذهب عني. جزاءً وفاقًا. قوله: "قال: فأُنتج هذان" " الأفصح في هذه اللفظة أن تكون بصيغة المبني للمجهول "فأُنتج" أي: حصل لهما نتاج من إبلهما، وبقرهما، واللفظ يستخدم في الإبل والبقر. قوله: "وولد هذا" أي: صاحب الغنم، وهذا اللفظ يستخدم في الغنم. قوله: "فكان لهذا وادٍ من الإبل، ولهذا وادٍ من البقر، ولهذا وادٍ من الغنم" ابتلاءً من الله. قوله: "ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته" أي: أتى إلى الأبرص بصورة إنسان أبرص، وليس المقصود في صورته وهيئته الملائكية، ويحتمل أنه أتاه على الصفة التي أتاه بها أول مرة، لكن الأقرب -والله أعلم- أنه أتاه في صورة أبرص؛ لكي يصدق الابتلاء. قوله: "فقال: رجل مسكين، قد انقطعت بي الحبال في سفري" أي: أنا رجل مسكين، والأسباب، جمع سبب وهو الحبل، كما قال الله : ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج: ١٥]، ومراده وسائل البلغة، والنفقة. قوله: "فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن، والجلد الحسن، والمال، بعيراً أتبلغ به في سفري" طلب منه بعيراً واحداً، وهو يمتلك وادياً، وذكَّره بنعمة الله عليه بالصحة والمال والجمال. قوله: "فقال: الحقوق كثيرة" هكذا يتعلل أهل الشح والطمع حينما يُطلب منهم شيء؛ بكثرة الالتزامات والحقوق، والأمر ليس كذلك، وهذا يقع لكثير من أغنياء الأموال، فقراء القلوب؛ تجد عنده المال الطائل، لكنه بخيل، يقتر على

стр. 628

نفسه، وأهله، فضلًا عن الآخرين، ولا ينتفع بهذا المال الذي أعطاه الله إياه، ولو بلغ رصيده المليارات! فهو في الواقع فقير. قوله: "فقال له: كأني أعرفك، ألم تكن أبرصَ، يقذرك الناس، فقيراً، فأعطاك الله المال" قرره بذلك ليراجع نفسه، ويتذكر نعمة الله عليه، ويُعذر إليه. قوله: "قال: إنما ورثت هذا المال كابراً عن كابر" أي: أن هذا المال تحدر إليّ من أبي عن جدي عن جده، قد حزته حيازة قدرية، ونسى ما كان عليه، ولم يثنِ بالنعمة على ربه. قوله: "فقال: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت" أي: ردك إلى حالك الأولى، من الفقر والآفة. والظاهر أنه عاد إلى حاله الأولى. قوله: "قال: وأتى الأقرع في صورته، فقال له مثل ما قال لهذا، ورد عليه مثل ما رد عليه هذا، فقال: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت، قال: وأتى الأعمى في صورته، فقال: رجل مسكين، وابن سبيل، قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري، فقال: "قد كنتُ أعمى، فرد الله إليّ بصري، فخذ ما شئت، ودع ما شئت، فو الله لا أجهدك شيئاً أخذته لله" أي: لا أتعقبك، ولا ألومك على شيء أخذته لله، وذلك شكراً لله ، واعترافًا له بالنعمة. " "فقال: أمسك مالك، فإنما ابتليتم، فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك" أخرجاه" أي: البخاري ومسلم. فالجزاء من جنس العمل. فما أحسن أن تتلى هذه القصة البليغة في المجالس، والمجامع، والمنابر؛ ليعتبر الناس بها، ويعلم كل أحد أن النعم بيد الله ، وأنه هو المعطي والمانع، وأنه يبلو عباده بالسراء والضراء، فلا يغتر بنعيم الدنيا، وينسى المنعم -سبحانه وبحمده-. مناسبة الحديث للباب: ظاهرة، لما فيه من بيان معنى الآية التي ترجم بها، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ وأن زعم الإنسان استحقاقه لما أنعم الله به عليه منافٍ للتوحيد الواجب.

стр. 629

ويُستفاد من هذه القصة: ١ - وجوب شكر النعم، ونسبتها إلى الله. ٢ - التحذير من كفر النعم؛ وأنه سبب لسلبها. ٣ - جواز التحديث عن بني إسرائيل فيما لم يخالف الكتاب والسنة. ٤ - حكمة الله تعالى في الابتلاء. ٥ - الإتيان ب (ثُم) كما في قوله: "فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك" فإن (ثم) يحصل بها تحقيق التوحيد والسلامة من الشرك. قال المصنف ﵀: فيه مسائل: الأولى: تفسير الآية. وقد نقل المصنف تفسيرها عن ابن عباس، ومجاهد، وقتاده، وآخرين. الثانية: ما معنى: ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾؟ اللام في قوله: ﴿لِي﴾ للاستحقاق، والمعنى: إني حقيق وجدير به. الثالثة: ما معنى قوله: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾. أي مستحق له بسبب عملي، وعلمي بوجوه المكاسب، وشرفي عند الله. الرابعة: ما في هذه القصة العجيبة من العبر العظيمة. تقدم ذكر بعض هذه العبر من القصة، ومنها: - بيان خطورة كفر النعم، وأنها سبب لزوالها. - إن الأوَّليْن (الأقرع والأبرص) جحدا نعمة الله، فحل بهما سخط الله. - أن الثالث (الأعمى) اعترف بنعمة الله وشكرها، فرضي الله عنه.

стр. 630

- أن الأعمى كان أكرمهم وأجودهم؛ لقول: "خذ ما شئت" فدل هذا على جوده. - أن الأعمى كان مخلصاً أيضاً لأنه قال: "فو الله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله. - ذم البخل؛ لأنه حمل صاحبه على الكذب، وجحد نعمة الله. - الرفق بالضعفاء وإكرامهم، وتبليغهم مما يطلبون مما يمكن، والحذر من كسر قلوبهم واحتقارهم. - اختبار الله لعباده، وامتحانه لهم. - مشروعية ذكر قصص بني إسرائيل وغيرهم فيما صح عن رسول الله. - قدرة الملائكة على التصور بصور الآدميين، مه أنهم خلق عظيم. - بيان قدرة الله بإبراء الأبرص، والأقرع، والأعمى، ورَزقهم. - جواز المعاريض، والتمثيل لمصلحة؛ لقول الملك: "رَجُلٌ مِسْكِينٌ الخ".

стр. 631

باب قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ قال ابن حزم: اتفقوا على تحريم كل اسم معبّد لغير الله، كعبد عمرو، وعبد الكعبة، وما أشبه ذلك، حاشا عبد المطلب (١). وعن ابن عباس في الآية قال: "لما تغشاها آدم حملت فأتاهما إبليس فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة لتطيعاني أو لأجعلن له قرني أيل، فيخرج من بطنك فيشقه، ولأفعلن ولأفعلن، يخوفهما، سمياه عبد الحارث، فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتاً، ثم حملت، فأتاهما، فقال مثل قوله، فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتاً، ثم حملت، فأتاهما، فذكر لهما، فأدركهما حب الولد، فسمياه عبد الحارث، فذلك قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ (٢)، رواه ابن أبي حاتم. وله: بسند صحيح عن قتادة، قال: "شركاء في طاعته، لم يكن في عبادته" (٣). وله: بسند صحيح عن مجاهد في قوله: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ قالا: أشفقا ألا يكون إنساناً، وذكر معناه عن الحسن، وسعيد، وغيرهما (٤).

стр. 632

الشرح: مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن تسمية الأولاد بأسماء معبّدة لغير الله من الشرك به، وكفر النعمة. قوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا﴾ المؤتِي هو الله ، والمؤتَى هما الوالدان. قوله: ﴿صَالِحًا﴾ أي: خلقاً سوياً، أو ولداً سوياً، والمراد بالصلاح هنا ليس صلاح الدين، وإنما صلاح الخلقة، أي: تام الخلقة، ليس خداجاً، والولد يطلق على الذكر والأنثى. قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ أي جعل والداه للمنعم المؤتي شركاء في الطاعة، أو في نسبة النعمة إلى غير الله . ولذلك صورٌ متعددة، منها: الأولى: أن يعتقد الأبوان أن الذي منَّ عليهما بالحمل، والإنجاب غير الله: فهذا شرك أكبر. الثانية: أن يضيفا سلامة المولود إلى سبب ظاهر: وهذا يقع كثيراً، فتجد بعض الناس يقول: لولا الطبيب فلان لاختنق الجنين، ونحو ذلك. فهذا شرك أصغر، كما تقدم. الثالثة: أن يقدم محبة الولد على محبة الله: وهذا يقع لكثير من الوالدِين، فيحجم عن طاعة الله ، وفعل مراضيه، خوفاً وضناً بأولادهما. وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ [التغابن: ١٤]. قال ابن جرير: "نزلت في عوف بن مالك الأشجعيّ كان ذا أهل وولد، فكان إذا أراد الغزو بكوا إليه، ورقَّقوه، فقالوا: إلى من تَدعنا؟ فيرقّ، ويقيم، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤] " (١)، فهذا منافٍ للإيمان الواجب لأنه ترك لواجب. الرابعة: أن يسميه باسم معبد لغير الله: كعبد مناف، وعبد شمس، وعبد النبي، ونحوها، فهذا يلتحق بالشرك، ويكون بحسب ما قام في قلبه، فإن

стр. 633

كان يقصد العبودية المطلقة فهو -لا شك- شرك أكبر، وإن كان مجرد اسم أعجبه، فهو محرم. قوله ﵀: "قال ابن حزم" هو أبو محمد، علي بن أحمد بن حزم، عالم أندلسي، قرطبي، من أوعية العلم، وفحول العلماء، يوصف بأنه منجنيق العلماء؛ وذلك لقوة عارضته، وشدة عبارته على مخالفه. وهو على مذهب شيخه داود بن علي، مؤسس مذهب الظاهرية. وله مصنفات نافعة، منها: "المحلى" و "الفِصَل في الملل والأهواء والنحل"، و "مراتب الإجماع". وقد كان ابن القيم ﵀ يعظم من شأن أبي محمد، وينقل عنه كثيراً؛ لأنه صاحب سنة ودليل، وكان شديداً على أصحاب الرأي، الذين يتوسعون في الآراء، إلا أنه بالغ بالأخذ بالظاهر حتى أبطل القياس. مات سنة ست وخمسين وأربعمائة، ﵀. قوله: "اتفقوا على تحريم كل اسم معبّد لغير الله، كعبد عمرو، وعبد الكعبة، وما أشبه ذلك" (١)، ومثلها: عبد شمس، وعبد الدار، وعبد ود. وهذه حكاية إجماع. قوله: "حاشا عبد المطلب" لأن تعبيد عبد المطلب، جد النبي ﷺ للمطلب، إنما هو تعبيد خدمه، فقد كان أسود اللون، وكان يمشي مع المطلب، ويجاريه، وقد غاب عن قريش مدة، فلما عاد إلى مكة، ظنت قريش أنه غلام له، فجعلوا يقولون: عبد المطلب. وقد أقر النبي ﷺ هذا في قوله: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب" (٢)، فهذا وجه الاستثناء. ويرى شيخنا ﵀: أنه لا يجوز حتى التسمي بعبد المطلب، وأن قول النبي ﷺ : "أنا ابن عبد المطلب" هذا خرج منه مخرج الإخبار، لا مخرج الإقرار (٣)، وأن القاعدة المطردة: أنه لا يُعبّد أحد لغير الله ، فكل من قال: عبد، فيجب أن يكون المضاف إليه اسم من أسماء الله الحسنى.

стр. 634

قوله: "وعن ابن عباس في الآية، قال: لما تغشاها آدم، حملت" يشير إلى أول الآية: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ﴾ يُفهم من كلام ابن عباس أن المعني بالآيتين آدم وزوجه، أي: لما تغشى آدمُ حواء، كناية عن الجماع، حملت من جرائه. قوله: "فأتاهما إبليس فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة" هذه مقدمة إرهابية، كأنما يقول: أنا الذي بلغ بي الكيد أن أخرجتكما من الجنة، فكيدي متين وشديد، فاسمعا وأطيعا. قوله: "لتطيعانني، أو لأجعلن له" أي: لهذا الحمل. قوله: "قرني أيِّل فيخرج من بطنك" الأيِّل: الذكر من الوعول، والوعل: حيوان يشبه الغزال يعيش في الجبال. وقد انتقل من خطابهما معًا، إلى خطاب حواء. قوله: "فيشقه ولأفعلن ولأفعلن، يخوفهما" أي يشق بطنك بقرنيه! قوله: "سمياه عبد الحارث" هذا مطلبه. والحارث اسم للشيطان، فأراد أن يُعبّد له، لا لله. قوله: "فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتاً، ثم حملت، فأتاهما فقال مثل قوله: فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتاً، ثم حملت فأتاهما، فذكر لهما" أي: ما ذكر في المرتين الماضيتين من التخويف. قوله: "فأدركهما حب الولد، فسمياه عبد الحارث، فذلك قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ رواه ابن أبي حاتم" هذا الأثر بهذا السياق، من رواية ابن أبي حاتم ضعيف لا تقوم به حجة. وممن أخرجه أيضاً سعيد بن منصور، وابن جرير، وقال العماد ابن كثير ﵀: "وقد تلقى هذا الأثر عن ابن عباس جماعة من أصحابه، كمجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومن الطبقة الثانية: قتادة، والسدي، وغير واحد من السلف، وجماعة من الخلف، ومن المفسرين، من المتأخرين، جماعات لا يحصون كثرة، وكأنه -والله أعلم- أصله مأخوذ من أهل الكتاب" (١). فيرى ابن كثير ﵀ أن هذا الأثر وإن صحت نسبته إلى ابن عباس، فقد يكون مما أخذه عن أهل الكتاب.

стр. 635

وقد استنكره العلماء المحققون سنداً ومتناً. ومنهم من صرفه عن الأبوين (آدم وحواء) وقد نقل ابن كثير عن الحسن البصري ﵀ أن هذا كان في بعض أهل الملل، ولم يكن بآدم (١). وقال ابن كثير ﵀ بعد قول الحسن: "وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري ﵀ في هذا، والله أعلم، فليس مرجع الضمير لآدم وحواء، بل المشركون من ذريته" (٢). فقد ذكر الله تعالى حالاً يقع فيه بنو آدم، وهو أن الله ينعم على الزوجين بالذرية، كما قال: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ﴾، وهذا ما يكون في أشهر الحمل الأولى ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾ أي: حان زمن الولادة، واشتد التشوف إلى سلامة المولود، كما أن الفلاح يتشوف إلى سلامة زرعه إذا قارب الحصاد، فيخشى أن تصيبه آفة سماوية؛ أو يجتاحه ماء جارٍ يذهب به. ﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ أي: أقسما بالله جهد أيمانهما أن يشكراه إن رزقهما خلقًا سوياً، فهما يخشيان أن يخرج ميتاً، أو خداجاً، أو معيبًا، أو غير ذلك. ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ﴾، وهذا -كما سبق - له صور عديدة، منها: أن يعبداه لغير الله، أو أن ينسبا الفضل للسبب المباشر، وينسيا المسبب، كأن يقولا: بفضل نصيحة فلان، أو لولا الطبيب فلان، وينسيان المنعم الحقيقي، أو أنهما لا يشكران الله ظاهرًا أو باطنًا. مع أنهما قبل الولادة، ربما كانا يقومان الليل، ويصومان النهار، ويسألان الله تمام الحال، فلما حصل لهما مرادهما تركا ذلك. فعلى هذا تفهم الآية، ولا محوج لهذه القصة الخيالية: من أن الشيطان تهددهما بأن يجعل في بطنها قرني أيل، يشقا بطنها. وقد استنكر شيخنا ﵀ (٣) هذه القصة من وجوه متعددة، فقال ﵀: هذه القصة باطلة من وجوه: الأول: ليس في ذلك خبر صحيح عن النبي ﷺ ، حتى حديث ابن عباس لم يرفعه إلى النبي ﷺ وهذا من الأخبار التي لا تتلقى إلا بالوحي، وقد قال ابن حزم عن هذه القصة: إنها رواية خرافة مكذوبة موضوعة (٤).
следующие страницы →