باب قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
قال ابن حزم: اتفقوا على تحريم كل اسم معبّد لغير الله، كعبد عمرو، وعبد الكعبة، وما أشبه ذلك، حاشا عبد المطلب (١).
وعن ابن عباس في الآية قال: "لما تغشاها آدم حملت فأتاهما إبليس فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة لتطيعاني أو لأجعلن له قرني أيل، فيخرج من بطنك فيشقه، ولأفعلن ولأفعلن، يخوفهما، سمياه عبد الحارث، فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتاً، ثم حملت، فأتاهما، فقال مثل قوله، فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتاً، ثم حملت، فأتاهما، فذكر لهما، فأدركهما حب الولد، فسمياه عبد الحارث، فذلك قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ (٢)، رواه ابن أبي حاتم.
وله: بسند صحيح عن قتادة، قال: "شركاء في طاعته، لم يكن في عبادته" (٣).
وله: بسند صحيح عن مجاهد في قوله: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ قالا: أشفقا ألا يكون إنساناً، وذكر معناه عن الحسن، وسعيد، وغيرهما (٤).
стр. 632
الشرح:
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
أن تسمية الأولاد بأسماء معبّدة لغير الله من الشرك به، وكفر النعمة.
قوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا﴾ المؤتِي هو الله ، والمؤتَى هما الوالدان.
قوله: ﴿صَالِحًا﴾ أي: خلقاً سوياً، أو ولداً سوياً، والمراد بالصلاح هنا ليس صلاح الدين، وإنما صلاح الخلقة، أي: تام الخلقة، ليس خداجاً، والولد يطلق على الذكر والأنثى.
قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ أي جعل والداه للمنعم المؤتي شركاء في الطاعة، أو في نسبة النعمة إلى غير الله . ولذلك صورٌ متعددة، منها:
الأولى: أن يعتقد الأبوان أن الذي منَّ عليهما بالحمل، والإنجاب غير الله: فهذا شرك أكبر.
الثانية: أن يضيفا سلامة المولود إلى سبب ظاهر: وهذا يقع كثيراً، فتجد بعض الناس يقول: لولا الطبيب فلان لاختنق الجنين، ونحو ذلك. فهذا شرك أصغر، كما تقدم.
الثالثة: أن يقدم محبة الولد على محبة الله: وهذا يقع لكثير من الوالدِين، فيحجم عن طاعة الله ، وفعل مراضيه، خوفاً وضناً بأولادهما. وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ [التغابن: ١٤]. قال ابن جرير: "نزلت في عوف بن مالك الأشجعيّ كان ذا أهل وولد، فكان إذا أراد الغزو بكوا إليه، ورقَّقوه، فقالوا: إلى من تَدعنا؟ فيرقّ، ويقيم، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤] " (١)، فهذا منافٍ للإيمان الواجب لأنه ترك لواجب.
الرابعة: أن يسميه باسم معبد لغير الله: كعبد مناف، وعبد شمس، وعبد النبي، ونحوها، فهذا يلتحق بالشرك، ويكون بحسب ما قام في قلبه، فإن
стр. 633
كان يقصد العبودية المطلقة فهو -لا شك- شرك أكبر، وإن كان مجرد اسم أعجبه، فهو محرم.
قوله ﵀: "قال ابن حزم" هو أبو محمد، علي بن أحمد بن حزم، عالم أندلسي، قرطبي، من أوعية العلم، وفحول العلماء، يوصف بأنه منجنيق العلماء؛ وذلك لقوة عارضته، وشدة عبارته على مخالفه. وهو على مذهب شيخه داود بن علي، مؤسس مذهب الظاهرية. وله مصنفات نافعة، منها: "المحلى" و "الفِصَل في الملل والأهواء والنحل"، و "مراتب الإجماع". وقد كان ابن القيم ﵀ يعظم من شأن أبي محمد، وينقل عنه كثيراً؛ لأنه صاحب سنة ودليل، وكان شديداً على أصحاب الرأي، الذين يتوسعون في الآراء، إلا أنه بالغ بالأخذ بالظاهر حتى أبطل القياس. مات سنة ست وخمسين وأربعمائة، ﵀.
قوله: "اتفقوا على تحريم كل اسم معبّد لغير الله، كعبد عمرو، وعبد الكعبة، وما أشبه ذلك" (١)، ومثلها: عبد شمس، وعبد الدار، وعبد ود. وهذه حكاية إجماع.
قوله: "حاشا عبد المطلب" لأن تعبيد عبد المطلب، جد النبي ﷺ للمطلب، إنما هو تعبيد خدمه، فقد كان أسود اللون، وكان يمشي مع المطلب، ويجاريه، وقد غاب عن قريش مدة، فلما عاد إلى مكة، ظنت قريش أنه غلام له، فجعلوا يقولون: عبد المطلب. وقد أقر النبي ﷺ هذا في قوله: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب" (٢)، فهذا وجه الاستثناء.
ويرى شيخنا ﵀: أنه لا يجوز حتى التسمي بعبد المطلب، وأن قول النبي ﷺ : "أنا ابن عبد المطلب" هذا خرج منه مخرج الإخبار، لا مخرج الإقرار (٣)، وأن القاعدة المطردة: أنه لا يُعبّد أحد لغير الله ، فكل من قال: عبد، فيجب أن يكون المضاف إليه اسم من أسماء الله الحسنى.
стр. 634
قوله: "وعن ابن عباس في الآية، قال: لما تغشاها آدم، حملت" يشير إلى أول الآية: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ﴾ يُفهم من كلام ابن عباس أن المعني بالآيتين آدم وزوجه، أي: لما تغشى آدمُ حواء، كناية عن الجماع، حملت من جرائه.
قوله: "فأتاهما إبليس فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة" هذه مقدمة إرهابية، كأنما يقول: أنا الذي بلغ بي الكيد أن أخرجتكما من الجنة، فكيدي متين وشديد، فاسمعا وأطيعا.
قوله: "لتطيعانني، أو لأجعلن له" أي: لهذا الحمل.
قوله: "قرني أيِّل فيخرج من بطنك" الأيِّل: الذكر من الوعول، والوعل: حيوان يشبه الغزال يعيش في الجبال. وقد انتقل من خطابهما معًا، إلى خطاب حواء.
قوله: "فيشقه ولأفعلن ولأفعلن، يخوفهما" أي يشق بطنك بقرنيه!
قوله: "سمياه عبد الحارث" هذا مطلبه. والحارث اسم للشيطان، فأراد أن يُعبّد له، لا لله.
قوله: "فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتاً، ثم حملت، فأتاهما فقال مثل قوله: فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتاً، ثم حملت فأتاهما، فذكر لهما" أي: ما ذكر في المرتين الماضيتين من التخويف.
قوله: "فأدركهما حب الولد، فسمياه عبد الحارث، فذلك قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ رواه ابن أبي حاتم" هذا الأثر بهذا السياق، من رواية ابن أبي حاتم ضعيف لا تقوم به حجة. وممن أخرجه أيضاً سعيد بن منصور، وابن جرير، وقال العماد ابن كثير ﵀: "وقد تلقى هذا الأثر عن ابن عباس جماعة من أصحابه، كمجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومن الطبقة الثانية: قتادة، والسدي، وغير واحد من السلف، وجماعة من الخلف، ومن المفسرين، من المتأخرين، جماعات لا يحصون كثرة، وكأنه -والله أعلم- أصله مأخوذ من أهل الكتاب" (١). فيرى ابن كثير ﵀ أن هذا الأثر وإن صحت نسبته إلى ابن عباس، فقد يكون مما أخذه عن أهل الكتاب.
стр. 635
وقد استنكره العلماء المحققون سنداً ومتناً. ومنهم من صرفه عن الأبوين (آدم وحواء) وقد نقل ابن كثير عن الحسن البصري ﵀ أن هذا كان في بعض أهل الملل، ولم يكن بآدم (١). وقال ابن كثير ﵀ بعد قول الحسن: "وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري ﵀ في هذا، والله أعلم، فليس مرجع الضمير لآدم وحواء، بل المشركون من ذريته" (٢). فقد ذكر الله تعالى حالاً يقع فيه بنو آدم، وهو أن الله ينعم على الزوجين بالذرية، كما قال: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ﴾، وهذا ما يكون في أشهر الحمل الأولى ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾ أي: حان زمن الولادة، واشتد التشوف إلى سلامة المولود، كما أن الفلاح يتشوف إلى سلامة زرعه إذا قارب الحصاد، فيخشى أن تصيبه آفة سماوية؛ أو يجتاحه ماء جارٍ يذهب به. ﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ أي: أقسما بالله جهد أيمانهما أن يشكراه إن رزقهما خلقًا سوياً، فهما يخشيان أن يخرج ميتاً، أو خداجاً، أو معيبًا، أو غير ذلك. ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ﴾، وهذا -كما سبق - له صور عديدة، منها: أن يعبداه لغير الله، أو أن ينسبا الفضل للسبب المباشر، وينسيا المسبب، كأن يقولا: بفضل نصيحة فلان، أو لولا الطبيب فلان، وينسيان المنعم الحقيقي، أو أنهما لا يشكران الله ظاهرًا أو باطنًا. مع أنهما قبل الولادة، ربما كانا يقومان الليل، ويصومان النهار، ويسألان الله تمام الحال، فلما حصل لهما مرادهما تركا ذلك.
فعلى هذا تفهم الآية، ولا محوج لهذه القصة الخيالية: من أن الشيطان تهددهما بأن يجعل في بطنها قرني أيل، يشقا بطنها. وقد استنكر شيخنا ﵀ (٣) هذه القصة من وجوه متعددة، فقال ﵀: هذه القصة باطلة من وجوه:
الأول: ليس في ذلك خبر صحيح عن النبي ﷺ ، حتى حديث ابن عباس لم يرفعه إلى النبي ﷺ وهذا من الأخبار التي لا تتلقى إلا بالوحي، وقد قال ابن حزم عن هذه القصة: إنها رواية خرافة مكذوبة موضوعة (٤).
стр. 636
الثاني: أنه لو كانت هذه القصة في آدم وحواء لكان حالهما: إما أن يتوبا من الشرك، أو يموتا عليه، فإن قلنا: ماتا عليه، كان ذلك أعظم من قول بعض الزنادقة الذين قالوا فيهما قولاً سيئاً، فمن جوز موت أحد من الأنبياء على الشرك، فقد أعظم الفرية، وإن كانا تابا من الشرك، فلا يليق بحكمة الله، وعدله، ورحمته، أن يذكر خطئهما، ولا يذكر توبتهما منه، فهذا ممتنع.
الثالث: أن يقال: إن الأنبياء معصومون من الشرك باتفاق العلماء، ربما وقع منهم خطأ أو صغيرة، لكن لا يقع منهم شرك، ولا كبيرة عمدًا.
الرابع: أنه قد ثبت في حديث الشفاعة الطويل، أن الخلائق تأتي آدم يوم القيامة ليشفع لهم عند ربهم، فيعتذر بالأكل من الشجرة، ولو كانت هذه القصة صحيحة لكان أولى أن يعتذر بها؛ لأنها أشد؛ لتعلقها بأصل الإيمان، فهذا يدل على عدم وجودها بالكلية.
الخامس: قول إبليس فيما ورد في الرواية: "أنا صاحبكم الذي أخرجكما من الجنة" هذا لا يقوله: من يريد الإغواء، فالذي يريد الإغواء يقول قولاً فيه استدراج، مثل ما فعل حينما أراد منهما أن يأكلا من الشجرة، حيث قال لهما: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠] فأغراهما إغراءً. ثم إن تصديقه في قوله: "لأجعلن له قرني أيل، فيخرج من بطنك فيشقه، ولأفعلن، ولأفعلن" شرك في الربوبية؛ لأنه لا يملك الخلق، فلا يملك أن يجعل لهذا الجنين قرني أيل، فحاشا آدم وحواء أن يصدقاه في هذه الأكذوبة.
السادس: أن الله ختم الآية بضمير الجمع، فقال: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٠] ولم يقل: "يشركان" بالتثنية، فدل هذا أنه يقع من أزواج متعددين، يكفرون نعمة الله ، ولا يثنون بها على مسديها، فبهذا تسقط هذه الرواية، ولا يُعتد بها. فليت أن المصنف ﵀ لم يذكر هذه الرواية في كتابه، لكن أبى الله إلا أن تكون العصمة إلا لكتابه، وسنة نبيه ﷺ .
وذكر هذه الأوجه -وإن طالت- في نقد هذه الرواية ينشئ لدى طالب العلم
стр. 637
دربة يتمكن بها من نقد الروايات الضعيفة سنداً ومتناً؛ فإن الأحاديث الضعيفة والموضوعة يكون فيها علة زائدة عن مجرد ضعف السند؛ لأن ما كان من عند الله فهو معصوم؛ ولهذا قال الله : ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] وقال عن نبيه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] وأما المكذوب والموضوع فتجد فيه من النكارة ما يُعلم أنه ليس من عند النبي ﷺ . ونجد كثيراً من المحدثين النقاد إذا مر به حديث يستنكره، يقول: آثار الوضع عليه بادية. ولكن هذا لا يحسن من كل أحد، فلا ينبغي لطالب العلم المبتدئ أن يتعجل بالحكم على حديث ما، بأن آثار الوضع بادية عليه؛ لكونه يقرع سمعه لأول مرة؛ أو لأنه استنكر سماعه، أو لم يفهم المراد به، هذا أمر لا يجرؤ عليه إلا الراسخون.
قوله: "وله بسند صحيح عن قتادة قال: شركاء في طاعته، ولم يكن في عبادته" أي: إن الشرك الذي وقع منهما شرك طاعة، ولم يكن شرك عبادة محضة، كالركوع، والسجود.
"وله بسند صحيح عن مجاهد، في قوله: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ قال: أشفقا ألا يكون إنساناً، وذكر معناه عن الحسن، وسعيد، وغيرهم" وقد ذكرنا التحقيق في هذه المسألة.
مناسبة الأثر للباب:
ظاهرة، على فرض صحة كونه تفسيرًا للآية.
فوائد الآية:
١ - تحريم التسمية بكل اسم معبّد لغير الله، وهذا كثير، ومنه تسمية الروافض: عبد علي، وعبد الحسين، وعبد الرضا، وتسمية بعض الغلاة: عبد النبي، وتسمية النصارى: عبد المسيح.
٢ - أن تعبيد الأسماء لغير الله نوع من أنواع الشرك.
٣ - وجوب شكر نعمة الله على الأولاد؛ من بنين وبنات؛ وقد امتن الله تعالى على كثير من عباده فقال: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ [النحل: ٧٢]، وقال: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٣].
стр. 638
٤ - أن من الشكر أن يُسمى الولد باسم معبد لله؛ ولهذا قال النبي ﷺ : "إن أحب أسمائكم إلى الله عبد الله وعبد الرحمن" (١)، وقال: "وأصدقها حارث وهمام" (٢)، فكونها أحب إلى الله، لما فيهما من إظهار عبوديته. وللإنسان -بحمد لله- في هذا مسرح، فلو رُزق بتسع وتسعين ابناً لوسعه أن يُعبِّدهم لله . حتى إن من العلماء من سمى ابنه عبد المصور، وقال: لعلي لم أسبق إلى هذا (٣)، فينبغي للإنسان أن يحب هذه الأسماء المعبدة لله، الدالة على الإخلاص له، وأن لا يزهد فيها، وينزع إلى الأسماء الأخرى، مع أن في الأمر سعة؛ ولهذا قال النبي ﷺ : "وأصدقها حارث وهمام"، فلو تأملت لوجدت كل إنسان يدب على وجه الأرض، حارثًا وهمامًا؛ لأن الحرث يدل على الفعل، والهم يدل على الإرادة، والإنسان لا يخلو من إرادة وفعل. فما من إنسان إلا عنده هم، سواء كان همه قوياً أو ضعيفاً، وما من إنسان إلا وهو حارث، وليس المقصود حراثة الأرض فقط، وإنما الحرث الفعل، سواء كان حرثه قوياً أو ضعيفاً. قال: "وأقبحها حرب ومرة" (٤)، وتأمل ذوق النبي ﷺ ! فهو ذوق رفيع؛ كره أن يُسمي الإنسان ابنه حربًا، لما فيه من العدوان، و (مُرة) فإن المرارة مذمومة. ومن تأمل في بعض أسماء الناس، وجد أسماء كثيرة تلتحق بحرب، وأسماء كثيرة تلتحق بمرة، فينبغي أن يكون مزاج المؤمن مزاجاً إيمانياً، مقارباً لمزاج النبي ﷺ ، فيكون هواه تبعاً لما جاء به.
стр. 639
قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: تحريم كل اسم معبّد لغير الله.
وقد نقل ابن حزم الإجماع على ذلك، كما سبق.
الثانية: تفسير الآية.
أي: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾، وسبق تفسيرها على ما قررنا، وأما أثر ابن عباس فإنه لا يصلح أن يكون تفسيراً لها؛ لما ذكرنا من نكارة السند، ونكارة المتن.
الثالثة: أن هذا الشرك في مجرد تسمية لم تقصد حقيقتها.
أي: أن تسميتهما "عبد الحارث" لم يقصدا أن يعبداه لإبليس، وإنما قصدا اتقاء شره، على فرض صحة هذه القصة، فقد يقع بعض الناس في الشرك مع أنه ما قصده ولا أراده.
الرابعة: أن هبة الله للرجل البنت السوية من النعم.
وذلك لعموم قوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾، فمن تمعر وجهه واسود وتبرم؛ لكان هذا من كفران النعم، ومشابهة أهل الجاهلية، وهذا يقع من بعض الجفاة في هذه الأزمان.
الخامسة: ذكر السلف الفرق بين الشرك في الطاعة، والشرك في العبادة.
هذه الجملة استفادها المصنف ﵀ من قول قتادة: "شركاء في طاعته، ولم يكن في عبادته" والحقيقة أن الطاعة نوع من العبادة، وإنما أراد عبادة خاصة. وأما الطاعة لغير الله فإنها غير العبادة، فنطيع الرسول ولا نعبده، ونطيع آباءنا وأمهاتنا ومن له ولاية علينا كولاة الأمر، وطاعتهم
стр. 640
ليست عبادة لهم. فالشرك في الطاعة يراد بها ما يتعلق بالتشريع، كما تقدم في باب: "من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله، أو تحليل ما حرم الله".
стр. 641
باب قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾
ذكر ابن أبي حاتم عن ابن عباس: ﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾: يشركون (١). وعنه: سموا اللات من الإله، والعزى من العزيز (٢). وعن الأعمش: يدخلون فيها ما ليس منها (٣).
الشرح:
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
لأنه يتعلق بنوع من أنواع التوحيد الثلاثة، وهو توحيد الأسماء والصفات، وله تعلق بتوحيد الألوهية، للأمر بدعائه بها. ففيه الرد على أصحاب التوسل الشركي، والبدعي، وبيان أن التوسل الشرعي يكون بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى.
قوله: ﴿وَلِلَّهِ﴾ قدّم الجار والمجرور للدلالة على الاختصاص، فالله تعالى هو المستحق وحده للأسماء الحسنى. فيجب علينا أن نعتقد أن لله تعالى أسماء حسنى، خلافاً للجهمية التي زعمت أن الله تعالى لا اسم له، وأن الناس هم الذين اخترعوا الأسماء لله وأضافوها إليه، تعالى الله عما يقولون. بل له الأسماء التي تختص به، لا يشاركه في حقيقتها أحد، كما قال: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] أي: لا أحد يساميه سبحانه.
قوله: ﴿الْأَسْمَاءُ﴾ جمع اسم، وهو ما عيَّن مسماه، وهو مشتق إما من
стр. 642
السِّمة، أي العلامة، فهو علامة على حامله، أو من السُّمو، وهو العلو. فلله تعالى أسماء، كما أثبت ذلك في أربعة مواضع من القرآن: أحدها هذا الموضع في سورة الأعراف، والثاني: قوله: ﴿فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]، والثالث: قوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨]، والرابع: قوله: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الحشر: ٢٤].
وأسماؤه تعالى حسنى. أي: بلغت الغاية في الحسن؛ لأن حسنى، على وزن "فعلى"؛ صيغة مبالغة. وهذا معنى قول الله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [الروم: ٢٧] ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]، ذلك أن كل اسم من أسماء الله قد بلغ الغاية في معناه، فلا يماثله، ولا يقاربه أحد ممن شاركه في اللفظ، ولا يمكن أن يقع اشتراك في الحقيقة، فالوصف التام الكامل لله . مثال ذلك: من أسماء الله السميع، يدل على كمال سمعه، فلا يخفى عليه شيء من الأصوات، كما قالت عائشة ﵂: "الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي ﷺ ، وأنا في ناحية البيت، تشكو زوجها وما أسمع ما تقول، فأنزل الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١] " (١). والمخلوق سميع، وله صفة السمع، فيقع اشتراك في اللفظ، وفي أصل المعنى، الذي هو إدراك الأصوات. لكنه اشتراك في الذهن، أما خارج الذهن، فلا يمكن أن يقع اشتراك؛ لأنه إذا أضيفت صفة السمع لله اختص به، فصار سمعاً مطلقًا يليق به، ولا يشاركه فيه أحد، وإذا أضيفت للمخلوق، صار سمعاً محدودًا يليق به.
قوله: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ هذه ثمرة العلم بأسماء الله الحسنى، فيجب علينا أن ندعوه بها.
ودعاء الله تعالى نوعان:
الأول: دعاء المسألة: وهو أن يقدم الإنسان بين يدي مسألته اسماً من
стр. 643
الأسماء المناسبة لدعائه، كأن يقول: يا رزاق ارزقني، ويا رحيم ارحمني، ويا جبار أجبرني، وهكذا.
الثاني: دعاء العبادة: وهو أن يمجد ربه بهذه الأسماء، ويُثني بها عليه بلسانه، ويعمل بمقتضاها بجوارحه. مثال ذلك:
- قول النبي ﷺ : "اللهم لك الحمد، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن" (١)، فهو لم يسمِّ حاجة، وإنما أثنى على الله بما هو أهله، فهذا دعاء عبادة.
- إذا علم العبد أن الله تعالى سميع، فلهج بذكره وشكره، وتلاوة كتابه، والدعوة إليه، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ لعلمه أن الله يسمع هذا الكلام منه فيرضيه، فيكون متعبداً لله بهذا الاسم، وحين يعقل لسانه عن الغيبة، والنميمة، والقذف، والشتيمة، واللغو؛ لعلمه بأن الله سميع يسمع كلامه، فيسخطه، كان بذلك متعبداً لله بمقتضى علمه بأسمائه.
قوله: ﴿وَذَرُوا﴾ أي: اتركوا، وجانبوا، وانبذوا، وما شابه ذلك.
قوله: ﴿الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ الإلحاد مأخوذ من اللحد، وهو الميل؛ ومنه سمي لحد القبر لحداً؛ لميله عن سمت الحفر إلى اتجاه القبلة، فحافر القبر لا يزال يحفر بشكل رأسي، فإذا أراد أن مال إلى جهة القبلة، قيل: ألحد. والإلحاد شرعاً: الميل عن ما يجب اعتقاده أو عمله. والإلحاد في أسماء الله تعالى: الميل بها عن مراد الله بها.
وقد جرى الإلحاد في أسماء الله تعالى على صور متعددة: فمنها:
- تسميته بما لم يسم به نفسه: كتسمية النصارى له (الأب)، وتسمية الفلاسفة (علة فاعلة).
- اشتقاق أسماء للأصنام منها: كاشتقاق المشركين "اللات" من الإله، و "العزى" من العزيز.
стр. 644
- تمثيل صفاته بصفات خلقه: كقول المشبهة: سمع كسمعنا، وبصر كبصرنا، ويد كأيدينا.
- تعطيل أسمائه وصفاته، ونفيها: كقول الجهمية: ليس بسميع، ولا بصير، ولا عليم، وقول المعتزلة: سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، وعليم بلا علم، بمنزلة الأعلام المحضة.
- تحريفها: بصرفها إلى معنىً غير مراد لله، كتحريفهم معنى الاستواء إلى الاستيلاء، واليد إلى القدرة أو النعمة، بلا دليل! وتسمية ذلك تأويلاً، وهو تحريف وإلحاد.
- تجهيلها: بزعم أم معانيها مجهولة، لا سبيل للعلم بها، وأنها ألفاظ مجهولة المعنى.
قوله: "ذكر ابن أبي حاتم عن ابن عباس: ﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾: يشركون" وهذا قد رواه ابن جرير عن قتادة أيضاً بهذا اللفظ (١). " أي يمثلون أسماءه بأسماء خلقه، وهذا من الإلحاد. أو يدعون غيره بما تقتضيه.
قوله: وعنه: "سموا اللات من الإله، والعزى من العزيز" أي أنهم اشتقوا من أسمائه الحسنى أسماء كمؤنثة لآلهتهم. وهذا من الإلحاد.
قوله: "وعن الأعمش: يدخلون فيها ما ليس منها" أي: أنهم يسمون الله تعالى بما لم يسمِّ به نفسه، وهذا من الإلحاد.
فوائد الآية والآثار
١ - وجوب إثبات أسماء الله وصفاته كما أثبتها لنفسه.
٢ - أن جميع أسماء الله حسنى لا نقص فيها بوجهٍ من الوجوه.
٣ - أن أسماءه مختصة به، لا يشاركه في حقيقتها أحد، وإن وقع اشتراك في اللفظ وأصل المعنى.
٣ - وجوب دعائه والتوسل إليه بأسمائه.
٤ - وجوب مفارقة الملحدين في أسمائه وترك طريقتهم.
стр. 645
٥ - الوعيد على من ألحد في أسمائه وصفاته.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: إثبات الأسماء.
لقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ﴾.
الثانية: كونها حسنى.
لوصفها بذلك في قوله: ﴿الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾.
الثالثة: الأمر بدعائه بها.
لقوله: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾.
الرابعة: ترك من عارض من الجاهلين الملحدين.
لقوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾.
الخامسة: تفسير الإلحاد فيها.
فسّره ﵀ بما ساقه من كلام ابن عباس والأعمش، وأن من ذلك: أن يعتقد مماثلتها لأسماء المخلوقين، أو يدعو غيره، أو يشتق أسماء من أسمائه الحسنى للأصنام، أو يُسمى بما لم يسمِّ به نفسه. لقوله: "
السادسة: وعيد من ألحد.
لقوله: ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
стр. 646
باب لا يقال: السلام على الله
في الصحيح عن ابن مسعود ﵁ قال: كنا إذا كنا مع النبي ﷺ في الصلاة قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان، فقال النبي ﷺ : "لا تقولوا: السلام على الله، فإن الله هو السلام" (١).
الشرح:
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
من جهتين:
الأولى: لتعلقه بتوحيد الأسماء والصفات، فلا يسوغ أن يقول العبد: السلام على الله، وهو - سبحانه- السلام.
الثانية: أنه لما كان من معاني السلام: طلب السلامة للمخاطب من الآفات، لم يكن مناسباً أن يخاطب الله تعالى بذلك؛ لأنه سبحانه لا يلحقه آفة، ولا ضرر، لكمال قوته وعزته. فالنهي عن قول: السلام على الله، من باب تنزيه لله .
قوله: "وفي الصحيح عن ابن مسعود ﵁" هذا الحديث في الصحيحين، وأخرجه أيضاً أبو داود (٢)، والنسائي (٣)، وابن ماجه (٤).
стр. 647
قوله: "قال: كنا إذا كنا مع النبي ﷺ " أي: في الصلاة، وتحديداً في التشهد الأخير، كما دلت على ذلك بعض روايات الحديث.
قوله: "قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان" ربما أرادوا التحية لله، وربما دل الاقتران بين الجملتين أن المراد الدعاء بالسلامة، والسلام لا يكون تحية إلا لمن يسمع، وفلان وفلان، لا يسمعون خطابهم، فتعين أنهم أرادوا الدعاء لهم بالسلامة من الآفات، وهذا لا يستقيم في حق الله .
قوله: "لا تقولوا: السلام على الله، فإن الله هو السلام" نهي مقرون بالتعليل، لأن من أسمائه الحسنى -سبحانه وبحمده- السلام؛ لكونه سالماً من كل آفة، ونقص وعيب.
مناسبة الحديث للباب:
مطابقة، لما فيه من النهي الصريح، والتعليل الوجيه.
فوائد الحديث:
١ - النهي عن قول: السلام على الله، ويقاس عليه ما أشبهه.
٢ - أن السلام من أسماء الله، بنص كتاب الله، في سورة الحشر، وسنة نبيه ﷺ الثابتة.
٣ - وجوب تعليم الجاهل، فإن النبي ﷺ لما علم ذلك من حال أصحابه، لم يكلهم إلى نياتهم، كما يقول بعض الناس، إذا رأى منكراً: اتركه على نيته، أو نيته طيبة، بل يجب تعليم الجاهل، وتنبيه الغافل، وتذكير الناسي، مع التماس الأعذار.
٤ - أن قرن الحكم بعلته يفيد ثلاثة أمور: طمأنينة القلب، وبيان سمو الشريعة، وإمكان القياس.
стр. 648
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: تفسير السلام.
أي: أن المراد بالسلام في كلامهم: الدعاء بالسلامة. ومعناه في حق الله : السالم من كل آفة وعيب.
الثانية: أنه تحية.
من معاني السلام: التحية، لكنها غير لائقة في حق الله. ولهذا أبدلهم بالتحيات بعد التشهد.
الثالثة: أنها لا تصلح لله.
لقوله: "لا تقولوا: السلام على الله".
الرابعة: العلة في ذلك.
هذه علة منصوصة أي: أن الله هو السلام فلا حاجة إلى أن يُدعى له بالسلامة من الآفات. ولا أن يحيَّا بالسلام، لأنه هو السلام.
الخامسة: تعليمهم التحية التي تصلح لله.
حيث علمهم النبي ﷺ دعاء التشهد، فقالوا: "قد عرفنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ " (١)، وهكذا، فينبغي لكل من انتدب لتعليم الناس إذا نهاهم عن شيء أن يفتح لهم شيئاً آخر، فإذا نهيت عن أمر فاذكر البديل، هذا إذا كان الأمر يحتمل بديلاً، أما إذا لم يكن يحتمل بديلاً فلست معنياً أن تخترع لهم شيئاً ليس في الوسع، لكن كلما سُد باب فينبغي أن يُفتح باب، حتى لا يبقى الإنسان متعلق القلب بالممنوع؛ ولهذا قال الله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وأمثلة هذا كثيرة في سنة النبي ﷺ .
стр. 649
باب قول: اللهم اغفر لي إن شئت
في الصحيح: عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة، فإن الله لا مكره له" (١).
ولمسلم: "وليعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه" (٢).
الشرح:
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
لما كان قول "اللهم اغفر لي إن شئت" يشعر بعدم الصدق في الطلب، منع منها النبي ﷺ . فإن الدعاء هو العبادة، فلابد أن يتصف الداعي بالرغبة والرهبة، كما قال الله :: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥، ٥٦]، وقال عن أنبيائه الكرام: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠]، وقال عن صالحي المؤمنين: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦]. فلا يليق بالداعي أن يعلق دعاءه بالمشيئة، لأن ذلك يدل على عدم رغبة، وافتقار إلى الله ، ومنافاة لكمال التوحيد.
قوله: "في الصحيح" مراده في الصحيحين؛ البخاري، ومسلم.
стр. 650
قوله: "عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت" " أصل كلمة (اللهم) يا الله، فحذفت ياء النداء، وعوض عنها بالميم الدالة على الجمع، وإن لم تكن تدل على جمع الكثرة، لكن تدل جمعية القلب. ومعنى المغفرة: الستر والتجاوز، ومنه سُمي المغفر، وهو الخوذة التي تغطي الرأس مغفراً؛ لأنه يستر الرأس ويقيه.
قوله: "ليعزم المسألة" أي: ليجزم في طلبه، ويحقق الرغبة، ولا يتردد.
قوله: "فإن الله لا مكره له" جملة تعليلية للنهي، لدفع توهم أن العزم في المسألة، وعدم التعليق بالمشيئة، بمنزلة الأمر والإملاء على الله. فبيّن النبي ﷺ أن هذا الاحتمال ممتنع من الأصل؛ لأن "الله لا مكره له"، فلا وجه للاحتراز. والطلب له ثلاث أحوال:
١ - الطلب من الأعلى للأدنى: يُسمى (أمر)، كقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧].
٢ - الطلب من النظير للنظير: يُسمى (التماس)، كقول موسى للخضر ﵉: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦]
٣ - الطلب من الأدنى إلى الأعلى: يُسمى (دعاء)، أي: سؤال واستجداء، كقول الداعي: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]
قوله: "ولمسلم: "وليعظم الرغبة" " أي: ليسأل ربه ما شاء، مهما كان، مما لا يتضمن إثماً أو قطيعة رحم.
قوله: "فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه" أي: لا يُوجد عطاء عظيم على الله، بخلاف الآدميين، لو طلبت من أحدهم طلباً، لربما صار ثقيلاً عليه، وشاقاً، أما الله فعنده خزائن السماوات والأرض. فليسأل المسلم ما بدا له من خير الدنيا والآخرة، ولهذا قال في الحديث القدسي: "يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيتُ كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي، إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر" (١)، فلو اجتمع من بأقطارها من الأولين والآخرين، والإنس والجن، وسألوا وبالغوا في
стр. 651
المسألة، فأعطاهم الله كل ما سألوا، لم ينقص من ملك الله شيئاً يذكر.
مناسبة الحديث للباب:
مطابقة، لما فيه من النهي عن تعليق الدعاء بالمشيئة، المشعر بضعف الرغبة، أو توهم الإكراه.
فوائد الحديث:
١ - النهي عن الدعاء المعلق بالمشيئة.
٢ - الحث على دعاء الله تعالى، والإلحاح فيه.
٣ - وجوب تنزيه الله تعالى عما لا يليق به.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: النهى عن الاستثناء في الدعاء.
الاستثناء قوله: "إن شئت".
الثانية: بيان العلة في ذلك.
وهي قوله: "فإن الله لا مكره له" وهاهنا ثلاث علل:
الأولى: أن هذه الصيغة تشعر بأن الله له مكره، وهذا هو الذي نفاه النبي ﷺ .
الثانية: إشعارها بأن الطلب ثقيل على الله، وقد نفاه النبي ﷺ بقوله: "فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه".
الثالثة: إشعارها بعدم الرغبة، والاستغناء، والفتور.
الثالثة: قوله: "ليعزم المسألة".
من آداب الدعاء: أن يجزم في سؤاله.
стр. 652
الرابعة: إعظام الرغبة.
فلا حرج أن يقول الإنسان مثلاً: اللهم اجعلني من السابقين، أو في أعلى عليين. لكن ليس له أن يقول: اللهم أني أسألك منازل النبيين. فإن هذا عدوان في الدعاء؛ لأنه سأل ما لا ينبغي له، فإن منازل النبيين إنما تكون لهم، بخلاف لو قال: اللهم إني أسألك رفقة النبيين فلا بأس؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، فالرفقة لا يلزم منها التساوي.
الخامسة: التعليل بهذا الأمر.
لقول النبي ﷺ في الرواية الأولى: "فإن الله لا مكره له" وفي الثانية: "فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه". فينبغي للمؤمن أن يحسن الدعاء، فقد كان عمر ﵁ يقول: "إني لا أحمل هم الإجابة، وإنما أحمل هم الدعاء، فإذا ألهمت الدعاء، فإن الإجابة معه" (١). وينبغي له أن يتأدب مع ربه في الدعاء، فيدعوه رغبة ورهبة، وتضرعًا وخفية، فإن ذلك من أسباب قبول الدعاء. ولا يدعو وهو غافل القلب، ضعيف الرغبة، أو مترددًا، فإنه قد لا يجاب؛ ولهذا جاء في الحديث: "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة" (٢).
وينبغي للمؤمن أن يعلم ما جاء في الحديث: "ليس شيء أكرم على الله من الدعاء" (٣)، وقد سماه الله عبادة، فقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] وأراد بالعبادة الدعاء، فيجب على المؤمن أن يعتني بالدعاء، ولا يقتصر على الأدعية المرتبة في الصلاة وحسب، بل ينبغي له أن يخصص وقتاً يدعو الله فيه، ويرفع يديه، سواء كان في فراشه، أو في مسجده، أو في سيارته، أو في عمله، ويستكثر من الدعاء، ويضع حاجته بين يدي ربه ، فإن الله تعالى يحب من عبده هذا، كما قيل:
стр. 653
اللَّهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ … وَبُنَيُّ آدَمَ حِيْنَ يُسْأَلُ يَغْضَبُ (١).
فالآدمي إذا سألته مرة أو مرتين تبرم منك، ونفض يده عليك، وأما الرب -سبحانه- فيغضب إذا تركت سؤاله.
стр. 654
باب لا يقول: عبدي وأمتي
في الصحيح: عن أبي هريرة- ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وضئ ربك، وليقل: سيدي ومولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي" (١).
الشرح:
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
أن من كمال التوحيد أن لا يُعبِّر بألفاظ تُوهم الشرك في الربوبية والألوهية؛ كقول: عبدي وأمتي.
قوله: "في الصحيح" مراده في الصحيحين.
قوله: "عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقل أحدكم" " أي: لمملوكه، و (لا) ناهية، والفعل المضارع بعدها مجزوم بها، وقد اختلف العلماء في هذا النهي هل هو للكراهة أو التحريم؟ قال شيخنا ﵀: "والراجح التفصيل في ذلك، وأقل أحواله الكراهة" (٢). واختار الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ أنه للكراهة، حيث قال: "وهذا على وجه الاستحباب أن يعدل العبد عن قول: عبدي وأمتي، إلى فتاي وفتاتي، تحفظاً عن اللفظ الذي فيه إيهام ومحذور، ولو على وجه بعيد، وليس حراماً، وإنما الأدب كمال التحفظ بالألفاظ الطيبة التي لا توهم محذوراً بوجه، فإن
стр. 655
الأدب في الألفاظ دليل على كمال الإخلاص، خصوصاً هذه الألفاظ التي هي أمس بهذا المقام" (١).
قوله: "أطعم ربك، وضئ ربك" أمر للمملوك بإطعام سيده وتوضئته. وعلة النهي: ما في ذلك من المضاهاة؛ فإن كلمة الرب، وإن كانت تطلق بمعنى: السيد، إلا أنها تطلق بمعنى الخالق. قوله: "وليقل: سيدي" الخطاب للمملوك، لأن السيادة عند الناس معناها: الرئاسة، وهي سيادة نسبية، فإنها سيادة على من تحت يده. فثمة فرق عند الإطلاق بين لفظ الرب والسيد:
١ - فإن (الرب) اسم من أسماء الله الحسنى باتفاق العلماء، وأما (السيد) فقد اختلف هل هو من أسماء الله الحسنى أم لا؟ وهو إن لم يأتِ به الكتاب، ولكنه مأثور عن النبي ﷺ ، فإنه قد صح عنه أنه قال: "السيد الله" (٢)، فالراجح: أنه من أسماء الله.
٢ - أن لكلمة (الرب) وقعاً عظيماً في حس المخاطبين، بخلاف كلمة السيد.
ومع هذا يقع في الاسمين (الرب) و (السيد) اشتراك، فيطلقان على الخالق والمخلوق؛ كما قال تعالى: ﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٤١] وقال النبي ﷺ للأنصار: "قوموا إلى سيدكم" (٣)، وكقوله ﷺ في حديث أشراط الساعة: "إذا ولدت الأمة ربها" (٤)، وأما راوية: "ربتها" (٥)، فقد قال شيخنا ﵀: (لا إشكال فيه، لوجود تاء التأنيث، فلا اشتراك مع الله في اللفظ؛ لأن الله لا
стр. 656
يقال له إلا رب، وفي حديث الضالة: "حتى يجدها ربها" (١)، وقال بعض أهل العلم: إن حديث الضالة في بهيمة لا تتعبد، ولا تتذلل، فليست كالإنسان، والصحيح: عدم الفارق; لأن البهيمة تعبد الله عبادة خاصة، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ﴾ [الحج: ١٨]) (٢).
قوله: "ومولاي" مأخوذة من الولْي: وهو القرب والدنو، ولها استعمالات متعددة.
قوله: "ولا يقل أحدكم عبدي وأمتي" لأن الذي يستحق العبودية المطلقة: هو الله ، فلا يليق أن يضيفها إلى نفسه، ولأن هذه الألفاظ تكسر خاطر مملوكه.
قوله: "وليقل: فتاي، وفتاتي، وغلامي" لأن هذه الألفاظ ألطف، ولا تشعر بما تشعر به الألفاظ الأولى من المحاذير الشرعية. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ [الكهف: ٦٠].
وقد ذكر شيخنا (٣) ﵀ تفصيلًا مفيدًا في استعمال كلمة "عبد"، "وأمة":
أولهما: إذا أضافه إلى غيره، كأن يقول: عبد فلان، وأمة فلان، فهذا جائز، والدليل عليه قول الله تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] فإذا خرج هذا المخرج فهو جائز، ومما يدل عليه أيضاً، قول النبي ﷺ : "ليس على المسلم في عبده، ولا فرسه صدقة" (٤)، فأضاف العبد إلى غيره، فصار ذلك مستعملاً في الكتاب والسنة.
ثانيهما: أن يضيفه إلى نفسه، بأن يقول: "عبدي وأمتي" فهذا إما أن يقع بصيغة الخبر، وإما أن يقع بصيغة النداء:
стр. 657
بصيغة الخبر: أن يضيفه إلى نفسه، بأن يقول مثلاً: أطعمتُ عبدي، وكسوتُ أمتي، وأعتقتُ عبدي، فهذا جائز بإطلاق.
بصيغة النداء: بأن يقول: يا عبدي ويا أمتي، فهذا أقل أحواله الكراهة.
أما استعمال كلمة "رب"، فجعل لها الشيخ (١) ﵀ ثلاثة أحوال:
الأولى: أن يكون بصيغة الخطاب، بأن يقول مثلاً: أطعم ربك، وهذا لذي جاء في الحديث النهي عنه، فأقل أحواله الكراهة؛ دفعًا لمعنى السوء الذي قد يتبادر إلى الذهن.
الثانية: إذا جاء بصيغة الغيبة، فهذا لا بأس به، كما قال النبي ﷺ في ذكر علامات الساعة: "أن تلد الأمة ربتها" (٢)، (ربة) مؤنث رب، فلا محذور فيه.
الثالثة: أن تكون بصيغة المتكلم؛ بأن يقول المملوك: ربي فلان، أو تقول الأمة: ربي فلان، فهذا جائز؛ لأن الله تعالى قد حكى مثله في كتابه، في قول يوسف ﵇: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف: ٢٣] وأراد به -عزيز مصر-، فإنه قد أكرم مثواه، وأحسن إليه.
مناسبة الحديث للباب:
مطابقة للترجمة، لما فيه من النهي الصريح عن هذه الألفاظ.
فوائد الحديث:
١ - النهي عن كل لفظ يُوهم التشريك.
٢ - وجوب الأدب مع الله -سبحانه تعالى- لفظاً ومعنىً.
٣ - سد جميع الطرق المفضية إلى الشرك.
٤ - ذكر البديل عن الألفاظ الممنوعة بألفاظ مشروعه أو مباحة.
стр. 658
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن قول: (عبدي وأمتي).
لنص الحديث: "ولا يقل أحدكم: عبدي وأمتي".
الثانية: لا يقول العبد لسيده: ربي، ولا يقال له: أطعم ربك.
وعلة النهي عن هذه الألفاظ لأمرين:
أولهما: البعد عما يوهم الشرك في الربوبية والألوهية، ومراعاة كمال التوحيد.
وثانيهما: الحرص على مراعاة شعور المملوك وعدم إيذائه.
الثالثة: تعليم الأول قول: فتاي، وفتاتي، وغلامي.
تعليم الأول أي: السيد، قول: فتاي، وفتاتي، وغلامي، بدلًا من: عبدي، وأمتي.
الرابعة: تعليم الثاني قول: سيدي ومولاي.
تعليم الثاني أي: العبد، قول: سيدي ومولاي، بدلًا من أطعم ربك، وضئ ربك.
الخامسة: التنبيه للمراد وهو تحقيق التوحيد حتى في الألفاظ.
أي: أن النهي عن هذه الألفاظ من باب تحقيق التوحيد في الألفاظ، والمراد: تطهير اللسان، وتصفية القلب، من الشوائب التي قد تشوبه من جراء إطلاق مثل هذه الألفاظ المشكلة.
стр. 659
باب لا يُرد من سأل بالله
عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من سأل بالله فأعطوه، ومن استعاذ بالله فأعيذوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له، حتى تروا أنكم كافأتموه" (١)، رواه أبو داود والنسائي بسند صحيح.
الشرح:
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
أن رد من سأل بالله، منافٍ لتعظيم الله وإجلاله، وكمال توحيده.
وهذا أمر مدرك بين الخلق، فكيف مع الخالق؛ فإنه لو قال إنسانٌ لآخر: جئتك من طرف فلان، وأرغب إليك بكذا، وكذا، فردّه، لكان في ذلك غضاضة في حق المحيل. وإذا أجازه، وقضى حاجته كان ذلك علامةً على توقيره وإكرامه. فكذلك لو قال لآخر: أسألك بالله أن تعطيني كذا، أو أن تقضي لي كذا، فلبى طلبه، كان ذلك دليلاً على إعظامه للمسئول به، وهو الله ؛ والعكس بالعكس. والمؤمنون يتفاوتون في هذا المقام بحسب إيمانهم.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : " أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَالَ: ائْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ، فَقَالَ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا، قَالَ: فَأْتِنِي بِالكَفِيلِ، قَالَ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا، قَالَ: صَدَقْتَ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَخَرَجَ فِي البَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ التَمَسَ
стр. 660
مَرْكَبًا يَرْكَبُهَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلْأَجَلِ الَّذِي أَجَّلَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا، فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ، ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا، ثُمَّ أَتَى بِهَا إِلَى البَحْرِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ تَسَلَّفْتُ فُلَانًا أَلْفَ دِينَارٍ، فَسَأَلَنِي كَفِيلَا، فَقُلْتُ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا، فَرَضِيَ بِكَ، وَسَأَلَنِي شَهِيدًا، فَقُلْتُ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا، فَرَضِيَ بِكَ، وَأَنِّي جَهَدْتُ أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَثُ إِلَيْهِ الَّذِي لَهُ فَلَمْ أَقْدِرْ، وَإِنِّي أَسْتَوْدِعُكَهَا، فَرَمَى بِهَا فِي البَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَبًا يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ، فَإِذَا بِالخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا المَالُ، فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا، فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ المَالَ وَالصَّحِيفَةَ، ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، فَأَتَى بِالأَلْفِ دِينَارٍ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لِآتِيَكَ بِمَالِكَ، فَمَا وَجَدْتُ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْتُ فِيهِ، قَالَ: هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: أُخْبِرُكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ فِي الخَشَبَةِ، فَانْصَرِفْ بِالأَلْفِ الدِّينَارِ رَاشِدًا" (١)، فينبغي إذاً أن يقوم في قلب المؤمن من تعظيم هذه المسألة ما يدل على تعظيمه لربه، المسئول به.
قوله: "باب: لا يُردُّ " (لا) نافية، بدليل رفع المضارع بعدها، والنفي يحتمل أن يكون للكراهة، وأن يكون للتحريم. "يُردُّ": بأن لا يُعطى ما سأل.
قوله: "من سأل بالله" توسل بالله، ومن سأل بالله ﷻ فقد سأل بعظيم، كما أن من استعاذ بالله فقد استعاذ بعظيم.
قوله: "عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من استعاذ بالله، فأعيذوه" " الاستعاذة: هي طلب العوذ، والإعاذة: هي الحماية والحفظ. فمن استعاذ بالله وجبت إعاذته من شر ما استعاذ منه، ولو كان المخاطب، كما قالت مريم ﵂: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨]، ومثله أن يقول إنسان لآخر: أعوذ بالله منك. أو أن يطلب منه أن يعيذه من شر مقدور على دفعه، لكي يكون سبباً في إعاذة الله لهذا المستعيذ. وعَنْ عَائِشَةَ، ﵂: أَنَّ ابْنَةَ
стр. 661
الجَوْنِ، لَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَدَنَا مِنْهَا، قَالَتْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ، فَقَالَ لَهَا: «لَقَدْ عُذْتِ بِعَظِيمٍ، الحَقِي بِأَهْلِكِ»
فإن من استعاذ لباطل ارتكبه، كفارٍّ بخربة، أو عليه حد، أو دم، لم يُعذ ولم يؤوى، لما سبق من قول النبي ﷺ : "لعن الله من آوى محدثاً" (١).
قوله: "ومن سأل بالله فأعطوه" هذا محل الشاهد من هذا الحديث للباب، وذلك بأن يقول: أسألك بالله كذا وكذا، فيعطى ما سأل؛ لما في ذلك من تعظيم المسئول به، وهو الله تعالى. هذا مقيد بقدرة الإنسان، وعدم الإجحاف به، فلو سألك سائل مثلاً مالك، أو أن تعطيه سيارتك التي تركب فلا يلزمك، وليس من عدم تعظيم الله أن ترده، وإنما المراد ما تقدر عليه، ويكون من فضل مالك، ولك فيه سعة، أما إذا لحقك أو لحق من تعول ضرر، فهذا لا يجب عليك العطاء.
قوله: "ومن دعاكم فأجيبوه" هذه الجملة لا تتعلق بمسائل التوحيد، وإنما تتعلق بباب الأدب، وهو إجابة الدعوة. وقد حملها جمهور العلماء على إجابة وليمة العرس خاصة؛ لأن إجابة وليمة العرس واجبة؛ ولهذا جاء في الحديث: "شر الطعام طعام الوليمة، يمنعها من يأتيها، ويدعى إليها من يأباها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله" (٢).
وذهب بعض أهل العلم إلى أنها لا تختص بوليمة العرس، بل في كل دعوة؛ إذ أن من حق المسلم على المسلم إذا دعاه أن يجيبه، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ» قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللهِ؟، قَالَ: «إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَسَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ» (٣) ومع ذلك، فلا يجب على الإنسان أن يجيب دعوة وليمة العرس، ولا غيرها، إلا بشروط، منها:
стр. 662
١ - أن يكون الداعي مسلماً؛ لورود الوصف به مقيداً في بعض الأحاديث بالأخوة الإيمانية.
٢ - أن لا يكون الداعي ممن يجب هجره؛ لبدعة أو معصية، لأن هجره وسيلة للإصلاح.
٣ - أن لا يكون في هذه الدعوة منكر لا يقدر على تغييره؛ كأن يدعى إلى حفل فيه معازف، ويعلم من حاله أنه لا يستطيع منعها، فلا يجب عليه إجابة الدعوة، بل لا يجوز. أما إذا كان يستطيع التغيير، فحينئذٍ تجب عليه الإجابة من وجهين:
الأول: لأنها دعوة مسلم.
الثاني: من باب تغيير المنكر، وتغيره واجب.
٤ - أن لا يكون كسبه حرامًا: وهذه محل نظر؛ فيُفرق بين أن يكون الكسب حراماً، وبين أن يكون ذات الطعام حراماً. فالصحيح: أنه إذا كان محرمًا لكسبه، لا لعينه، لا يضر؛ لأن النبي ﷺ كانت تدعوه يهود إلى طعامها فيجيب دعوتهم، مع أن الله وصفهم بأنهم ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢] وقد دعاه مرة، يهودي إلى خبز شعير، وإهالة سنخة (١)، فأجابه (٢)، لكن لو أن الداعي سرق، أو اغتصب شاة، وذبحها ودعا إليها، فلا تحل إجابته لأن عين الطعام محرم.
٥ - أن لا تتضمن تفويت واجب؛ كما لو دعا وقت صلاة الجمعة، لأن شهودها فرض عين.
٦ - أن لا تتضمن ضرراً على المدعو؛ كتفويت مصلحة راجحة، لا يمكن قضاؤها في غير هذا الوقت، أو حصول مضرة، كلقيا عدو، أو غريم ملازم، أو نحو ذلك، لم تجب.
فهذه شروط وجوب إجابة الدعوة. وإجابة الدعوة من الأخلاق الحسنة، لما في ذلك من إدخال السرور على المسلم، وتحقيق المودة بين المسلمين. وكما
стр. 663
تحب أن تجاب دعوتك فهم يحبون أن تجيب دعوتهم، فينبغي للإنسان أن يكون هيناً ليناً، حسن العشرة مع إخوانه، فيجيب دعوتهم، ولو قدر أنه وقع في هذه الدعوة منكر، فليجتهد في تغييره، فإن لم يحصل مراده انصرف، ولم يرتكب منكراً أشد منه.
قوله: "ومن صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له، حتى تروا أنكم قد كافأتموه" المعروف: اسم جامع للخير، كما أن المنكر اسم جامع للشر، والمراد هنا: قضاء حاجة، أو شفاعة، أو صدقة، أو هدية، أو ما أشبه. "تَروا": بفتح التاء، بمعنى: تعلموا، ويجوز بضمها بمعنى: تظنوا؛ أي: حتى يغلب على ظنكم أنك قد كافأتموه، ثم أمسكوا.
قوله: "فكافئوه" أي: قابلوه بمثله؛ وقد كان النبي ﷺ يقبل الهدية، ويثيب عليها. فهذا من الآداب الشرعية بين المسلمين، وهو المكافئة، ومقابلة الإحسان بالإحسان.
قوله: "فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له، حتى تروا أنكم قد كافأتموه" أي: لم تتمكنوا من مقابلة إحسانه بصورة من صور الإحسان العملي، أو كان مثله لا يكافأ، كالسلطان، فاجتهدوا له في الدعاء، حتى يقع في القلب حصول المكافئة. والدعاء الصادق من أحسن المكافئة، فربما تدعو له بتوسعة الرزق، وكشف الضر، والشفاء، وما أشبه ذلك من الدعوات المستجابة ما يفوق إحسانه.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لتضمنه الأمر بإعطاء من سأل بالله، وعدم رده؛ إجلالًا لله.
فوائد الحديث:
١ - عدم رد من سأل بالله، إجلالاً لله، وتعظيماً له.
٢ - وجوب إعاذة من استعاذ بالله، ودفع الشر عنه.
٣ - وجوب إجابة دعوة المسلم.
٤ - مقابلة الإحسان بالإحسان. وهذا له صلة بالتوحيد؛ لأن الإحسان في الحقيقة نوع امتنان من المحسن على المحسن إليه، فكمال التوحيد أن تكون المنة
стр. 664
كاملة لله تعالى، لا يكون لمخلوق عليك منة. فإذا كافأت المحسن أسقطت المنة، وبقيت فقط، ممتناً لله رب العالمين. ولهذا قيل في الأمثال: "احتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، وأحسن إلى من شئت تكن أميره" (١). فإذا استجدى الإنسان من غيره أصبح أسير فضله، وإذا استغنى عنه، كان وإياه على حد سواء، وإذا أحسن إلى غيره قلده منة.
فينبغي مقابلة الإحسان بالإحسان؛ لكي تخلص المنة لله تعالى، وكان النبي ﷺ قد بايع نفراً من أصحابه على ألا يسألوا الناس شيئاً، قال الراوي: "فلقد رأيتُ بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم، فما يسأل أحداً يناوله إياه" (٢)، لكمال وفائهم بالبيعة، وكمال توحيدهم.
٥ - أن الدعاء نوع من المكافأة لمن لم يقدر عليها.
ثم قال المصنف ﵀:
وفيه مسائل:
الأولى: إعاذة من استعاذ بالله.
للأمر الصريح بذلك، تعظيمًا لجناب الله.
الثانية: إعطاء من سأل بالله.
تعظيماً وإجلالاً للمسؤول به، وهو الله تعالى، والأمر للوجوب، ما لم يتضمن السؤال إثماً، أو ضرراً على المسئول؛ ففي الحديث: "لا ضرر ولا ضرار" (٣). وفي إعطاء السائل بالله فائدتان: الأولى: قضاء حاجة السائل. الثانية: تعظيم المسؤول، وهو الله .
стр. 665
الثالثة: إجابة الدعوة.
وهذا إذا لم يكن ثمَّ مانع من الإجابة، كما تقدم.
الرابعة: المكافأة على الصنيعة.
الصنيعة: فعل المعروف. وفي المكافأة على المعروف فائدتان:
الأولى: تشجيع ذوي المعروف على فعله.
الثانية: أن الإنسان يرفع بها المنة.
الخامسة: أن الدعاء مكافأة لمن لا يقدر إلا عليه.
هذا هو البدل المشروع. لا كما يقول كثير من الناس: شكراً! فهذه ليست دعاءً، وإنما تعبير عما في النفس، بخلاف أن يقول له: جزاك الله خيراً؛ فهي جملة دعائية صالحة.
السادسة: قوله: "حتى تروا أنكم قد كافأتموه".
هذا أمر وجدي، يجد الداعي في نفسه أنه قد أبلغ في المسألة، وأخلص في الدعاء لصاحبه، فإذا قام في قلبه ذلك كفى.
стр. 666
باب لا يُسأل بوجه الله إلا الجنة
عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يُسأل بوجه الله إلا الجنة" (١)، رواه أبو داود.
الشرح:
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
لما فيه تعظيم وجه الله بحيث لا يُسأل به إلا أعظم المطالب الأخروية الباقية؛ الجنة، ولا يبتذل السؤال به في المطالب الدنيوية الفانية.
ولله سبحانه وجه كريم يليق بجماله، وجلاله، وكماله، وهو من الصفات الخبرية التي لا سبيل إلى إثباتها إلا الكتاب والسنة، فالدليل من كتاب الله قول الله : ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، وقوله: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: ٢٠] فأضاف الله الوجه إلى ذاته، فدل على أنه صفته. وأما الأدلة من السنة فكثيرة، منها: حديث الباب، وقوله ﷺ : "حجابه النور -وفي رواية: النار- لو كشفه، لأحرقت سبحات وجهه، ما انتهى إليه بصره من خلقه" (٢). فنعتقد أن لله وجهاً حقيقياً لا يماثل وجوه المخلوقين، موصوفاً بالجلال والإكرام، لا يجوز أن يسأل به إلا أعلى المطالب، وأعلى المطالب بعد رؤية الباري - جل وعلا - الجنة.
стр. 667
قوله: "باب: لا يُسأل بوجه الله" روي بالنفي، والنهي، ورواية النفي تدل على النهي أيضاً، وروي بالبناء للمجهول، وبالبناء للمعلوم، بالخطاب للمفرد "لا تَسألْ" (١).
قوله: "إلا الجنة" أو ما هو وسيلة إلى الجنة، وذكر الجنة إنما هو للتنبيه على المطالب العظام، وأعظمها النظر إلى وجه الله الكريم فقد قال ﷺ في حديث عمار الطويل: "وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ" (٢)
قوله: "عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يُسأل بوجه الله إلا الجنة" رواه أبو داود" وسكت عنه، وجاء في رسالته التي أرسلها إلى أهل مكة: أن ما سكت عنه فهو صحيح عنده، وهذا الحديث قد رواه جمع سوى أبي داود، ومنهم: البيهقي (٣)، والخطيب البغدادي (٤)، وابن عدي (٥)، ورمز له السيوطي بالصحة (٦). وله شاهد من حديث أبي موسى عند الطبراني مرفوعاً: "ملعون من سأل بوجه الله، وملعون من سُئل بوجه الله، فمنع سائله ما لم يسأل هجراً" (٧)، فلعل الحديث أن يكون حسنًا، وقد ضعفه بعض أهل العلم.
مناسبة الحديث للباب:
مطابقة، لما جاء فيه من النهي أن يُسأل بوجه الله، إلا أعلى المطالب، وهي الجنة.
فوائد الحديث:
١ - إثبات صفة الوجه لله .
٢ - وجوب تعظيم صفات الله وأسمائه.
стр. 668
٣ - عدم السؤال بوجه الله إلا الجنة، فلا يسأل بوجه الله شيئاً من أغراض الدنيا، لما فيه من الاستهانة والابتذال لهذا الوصف الشريف العظيم.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن أن يُسأل بوجه الله إلا غاية المطالب.
وغاية المطالب هي الجنة. فلا يسأل بوجه الله العظيم ما هو حقير، من حوائج الدنيا.
الثانية: إثبات صفة الوجه.
وهي صفة ذاتية تُثبت لله من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تمثيل، ولا تكييف. فنثبت لله وجهاً حقيقيًا على ما يليق بجلاله وعظمته. والمعطلة يؤولون الوجه بالثواب، وذلك تحريف باطل لصراحة النصوص بإرادة الحقيقة، وامتناع حمله على المجاز.
واعلم أن المصنف ﵀ لم يذكر إلا مسألتين، مع أنه قال: "فيه مسائل". والجواب -والله أعلم- أنه فعل ذلك لتتفق عبارته المطردة في جميع الأبواب، مع قصد التثنية، فإن العرب تطلق لفظ الجمع وتريد به المثنى، كما قال تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] أي: قلباكما، والمراد عائشة وحفصة، أو على قول من يجعل أقل الجمع اثنين، كما حمل بعض الصحابة قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] على الأخوين.
стр. 669
باب ما جاء في اللو
وقول الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا﴾ [آل عمران: ١٥٤]. وقوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨].
وفي الصحيح: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قَدَّرَ الله، وما شاء فعل، فإنّ (لو) تفتح عمل الشيطان" (١).
الشرح:
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
ظاهرة، لتعلقه بالإيمان بالقدر؛ الذي يقتضي عدم الاعتراض على قضاء الله وقدره، والرضا بما قسم، و (لو) تفيد الاعتراض على القدر، وعدم الرضا به.
قول المصنف ﵀: "باب: ما جاء في (لو) " وفي بعض النسخ (اللو)، ودخول الألف واللام على حرف (لو) لا يُراد به التعريف؛ لأن (لو) حرف، والحرف لا يُعرف، كما أن المعرفة لا تفيدها الألف واللام تعريفاً، كقول أحدهم:
رَأَيْتُ الْوَلِيدَ بنَ اليَزِيدَ مُبَارَكًا … شَدِيداً بِأَعْبَاءِ الْخلَافَةِ كَاهِلُهُ (٢).
стр. 670
فأدخل (أل) على اليزيد، وهو معرفة أصلاً؛ لكونه علماً، فلا تفيده تعريفاً.
قوله: "باب: ما جاء في (لو) " أي: من النهي عنه، والذم لمن عرَّض به عند الأمور المكروهة، كالمصائب التي جرى بها القدر؛ لما فيه من الإشعار بعدم الصبر، والأسى على ما فات، مما لا يمكن استدراكه، والمضادة لكمال التوحيد، فالممنوع في (لو) التلهف على أمور الدنيا طلباً، أو هرباً، لا تمني القربات والطاعات، كما سيأتي.
قوله: "وقول الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا﴾ " القائل هم المنافقون، وكان ذلك يوم أحد، حين غدا المسلمون إلى لقاء عدوهم من المشركين، وجرى لهم نصر أول النهار، لكن الرماة عصوا، وتركوا مواقعهم، فصارت الدائرة على المسلمين، وقتل من المسلمين نحو سبعين، فصار المنافقون يتحسرون، ويتندمون، ويستطيلون على النبي ﷺ ؛ يقول قائلهم: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا﴾ أي: لو أخذ محمد ﷺ بمشورتنا لما وقع علينا غلبة، وقتل؛ وذلك أن النبي ﷺ كان قد استشار أصحابه: هل يقاتلهم في أزقة المدينة، ويرمونهم من فوق البيوت والدور، أم يخرج إليهم؟ وكان ﷺ يميل إلى الرأي الأول، لكن شبان الصحابة الذين لم يشهدوا معركة بدر، كان فيهم توق للجهاد، اختاروا الثانية، فدخل النبي ﷺ ولبس لأمة الحرب -أداته-، وفي أثناء دخوله قال بعضهم لبعض: إنا قد حملنا رسول الله ﷺ على ما يكره، فلما خرج إليهم قالوا: "يا رسول الله الأمر إليك، إن شئت قاتلناهم في المدينة، قال: "لا ينبغي لنبي يلبس لأمته، فيضعها حتى يحكم الله" (١)، فكان ما كان مما قدره الله ، وترتب عليه من الأمور الحسنة، والعبر العظيمة ما يعلمه المتأمل. فقال هؤلاء المنافقون: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا﴾، وقد رد الله عليهم بقوله: ﴿لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] أي: أن قدر الله ماضٍ، ومشيئته نافذة، فمن كتب الله عليه أن