باب لا يُسأل بوجه الله إلا الجنة
عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يُسأل بوجه الله إلا الجنة" (١)، رواه أبو داود.
الشرح:
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
لما فيه تعظيم وجه الله بحيث لا يُسأل به إلا أعظم المطالب الأخروية الباقية؛ الجنة، ولا يبتذل السؤال به في المطالب الدنيوية الفانية.
ولله سبحانه وجه كريم يليق بجماله، وجلاله، وكماله، وهو من الصفات الخبرية التي لا سبيل إلى إثباتها إلا الكتاب والسنة، فالدليل من كتاب الله قول الله : ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، وقوله: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: ٢٠] فأضاف الله الوجه إلى ذاته، فدل على أنه صفته. وأما الأدلة من السنة فكثيرة، منها: حديث الباب، وقوله ﷺ : "حجابه النور -وفي رواية: النار- لو كشفه، لأحرقت سبحات وجهه، ما انتهى إليه بصره من خلقه" (٢). فنعتقد أن لله وجهاً حقيقياً لا يماثل وجوه المخلوقين، موصوفاً بالجلال والإكرام، لا يجوز أن يسأل به إلا أعلى المطالب، وأعلى المطالب بعد رؤية الباري - جل وعلا - الجنة.
стр. 667
قوله: "باب: لا يُسأل بوجه الله" روي بالنفي، والنهي، ورواية النفي تدل على النهي أيضاً، وروي بالبناء للمجهول، وبالبناء للمعلوم، بالخطاب للمفرد "لا تَسألْ" (١).
قوله: "إلا الجنة" أو ما هو وسيلة إلى الجنة، وذكر الجنة إنما هو للتنبيه على المطالب العظام، وأعظمها النظر إلى وجه الله الكريم فقد قال ﷺ في حديث عمار الطويل: "وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ" (٢)
قوله: "عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يُسأل بوجه الله إلا الجنة" رواه أبو داود" وسكت عنه، وجاء في رسالته التي أرسلها إلى أهل مكة: أن ما سكت عنه فهو صحيح عنده، وهذا الحديث قد رواه جمع سوى أبي داود، ومنهم: البيهقي (٣)، والخطيب البغدادي (٤)، وابن عدي (٥)، ورمز له السيوطي بالصحة (٦). وله شاهد من حديث أبي موسى عند الطبراني مرفوعاً: "ملعون من سأل بوجه الله، وملعون من سُئل بوجه الله، فمنع سائله ما لم يسأل هجراً" (٧)، فلعل الحديث أن يكون حسنًا، وقد ضعفه بعض أهل العلم.
مناسبة الحديث للباب:
مطابقة، لما جاء فيه من النهي أن يُسأل بوجه الله، إلا أعلى المطالب، وهي الجنة.
فوائد الحديث:
١ - إثبات صفة الوجه لله .
٢ - وجوب تعظيم صفات الله وأسمائه.
стр. 668
٣ - عدم السؤال بوجه الله إلا الجنة، فلا يسأل بوجه الله شيئاً من أغراض الدنيا، لما فيه من الاستهانة والابتذال لهذا الوصف الشريف العظيم.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن أن يُسأل بوجه الله إلا غاية المطالب.
وغاية المطالب هي الجنة. فلا يسأل بوجه الله العظيم ما هو حقير، من حوائج الدنيا.
الثانية: إثبات صفة الوجه.
وهي صفة ذاتية تُثبت لله من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تمثيل، ولا تكييف. فنثبت لله وجهاً حقيقيًا على ما يليق بجلاله وعظمته. والمعطلة يؤولون الوجه بالثواب، وذلك تحريف باطل لصراحة النصوص بإرادة الحقيقة، وامتناع حمله على المجاز.
واعلم أن المصنف ﵀ لم يذكر إلا مسألتين، مع أنه قال: "فيه مسائل". والجواب -والله أعلم- أنه فعل ذلك لتتفق عبارته المطردة في جميع الأبواب، مع قصد التثنية، فإن العرب تطلق لفظ الجمع وتريد به المثنى، كما قال تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] أي: قلباكما، والمراد عائشة وحفصة، أو على قول من يجعل أقل الجمع اثنين، كما حمل بعض الصحابة قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] على الأخوين.
стр. 669
باب ما جاء في اللو
وقول الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا﴾ [آل عمران: ١٥٤]. وقوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨].
وفي الصحيح: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قَدَّرَ الله، وما شاء فعل، فإنّ (لو) تفتح عمل الشيطان" (١).
الشرح:
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
ظاهرة، لتعلقه بالإيمان بالقدر؛ الذي يقتضي عدم الاعتراض على قضاء الله وقدره، والرضا بما قسم، و (لو) تفيد الاعتراض على القدر، وعدم الرضا به.
قول المصنف ﵀: "باب: ما جاء في (لو) " وفي بعض النسخ (اللو)، ودخول الألف واللام على حرف (لو) لا يُراد به التعريف؛ لأن (لو) حرف، والحرف لا يُعرف، كما أن المعرفة لا تفيدها الألف واللام تعريفاً، كقول أحدهم:
رَأَيْتُ الْوَلِيدَ بنَ اليَزِيدَ مُبَارَكًا … شَدِيداً بِأَعْبَاءِ الْخلَافَةِ كَاهِلُهُ (٢).
стр. 670
فأدخل (أل) على اليزيد، وهو معرفة أصلاً؛ لكونه علماً، فلا تفيده تعريفاً.
قوله: "باب: ما جاء في (لو) " أي: من النهي عنه، والذم لمن عرَّض به عند الأمور المكروهة، كالمصائب التي جرى بها القدر؛ لما فيه من الإشعار بعدم الصبر، والأسى على ما فات، مما لا يمكن استدراكه، والمضادة لكمال التوحيد، فالممنوع في (لو) التلهف على أمور الدنيا طلباً، أو هرباً، لا تمني القربات والطاعات، كما سيأتي.
قوله: "وقول الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا﴾ " القائل هم المنافقون، وكان ذلك يوم أحد، حين غدا المسلمون إلى لقاء عدوهم من المشركين، وجرى لهم نصر أول النهار، لكن الرماة عصوا، وتركوا مواقعهم، فصارت الدائرة على المسلمين، وقتل من المسلمين نحو سبعين، فصار المنافقون يتحسرون، ويتندمون، ويستطيلون على النبي ﷺ ؛ يقول قائلهم: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا﴾ أي: لو أخذ محمد ﷺ بمشورتنا لما وقع علينا غلبة، وقتل؛ وذلك أن النبي ﷺ كان قد استشار أصحابه: هل يقاتلهم في أزقة المدينة، ويرمونهم من فوق البيوت والدور، أم يخرج إليهم؟ وكان ﷺ يميل إلى الرأي الأول، لكن شبان الصحابة الذين لم يشهدوا معركة بدر، كان فيهم توق للجهاد، اختاروا الثانية، فدخل النبي ﷺ ولبس لأمة الحرب -أداته-، وفي أثناء دخوله قال بعضهم لبعض: إنا قد حملنا رسول الله ﷺ على ما يكره، فلما خرج إليهم قالوا: "يا رسول الله الأمر إليك، إن شئت قاتلناهم في المدينة، قال: "لا ينبغي لنبي يلبس لأمته، فيضعها حتى يحكم الله" (١)، فكان ما كان مما قدره الله ، وترتب عليه من الأمور الحسنة، والعبر العظيمة ما يعلمه المتأمل. فقال هؤلاء المنافقون: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا﴾، وقد رد الله عليهم بقوله: ﴿لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] أي: أن قدر الله ماضٍ، ومشيئته نافذة، فمن كتب الله عليه أن
стр. 671
يقتل فو الله ليبعثنه الله إلى مصرعه، فلا مجال للتحسر، فكل شيء بقدر، وكل شيء ماضٍ حسب ما كتب الله وقدر. ﴿لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ أي: لو قدر أنكم اكتننتم في البيوت ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ﴾ أي: لخرج الذين قضى الله تعالى عليهم بالقتل منكم ﴿إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ أي: إلى مصارعهم، فيقتلوا، وحينئذٍ لا ينفعهم قعودهم، وبقاؤهم في البيوت، لكن الله أراد من وراء ذلك حكمة. ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ أي: يختبر مكنونات الصدور؛ من الإخلاص لله ، والطاعة لنبيه ﷺ ﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي: يميز ما فيها من النيات الصالحة، أو الفاسدة ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: بمكنونات الصدور.
فهذه آية عظيمة، والشاهد منها للباب: ذم الله تعالى لهؤلاء المنافقين لقولهم: ﴿لَوْ﴾، فلا يجوز استعمال (لو) في الاستدراك على المصائب.
ولفظ (لو) له أوجه مختلفة، واستعمالات عديدة، وصور متنوعة، ولكل وجهٍ حكم، كالتالي:
١ - أن تستخدم (لو) للاعتراض على الشرع: كمن قال مثلاً: لو أن حد السرقة السجن عشر سنين لكان أفضل من القطع! فهذا محرم، بل مناف لشرط الإيمان، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
٢ - أن تستعمل (لو) للاعتراض على القدر: كقولهم: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦]، فالموت، والقتل، بقدر الله، فهذا القول اعتراض على القدر، وهو محرم.
٣ - أن تستعمل (لو) للتندم والتحسر: كما في حديث "أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ولا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، فإن (لو) تفتح عمل الشيطان" " عمل الشيطان: هو التحسر والتندم، فلا يجوز استعمال (لو) للتندم والتحسر، وهذا كثير عند الناس، فتجد الطالب الذي رسب في الامتحان يقول: لو أني ما خرجت مبكراً، وصبرت لكنت أجبت الفقرة التي نسيتها، ويقول المصاب: لو أني تقدمت قليلاً ما وقع الحادث، ويقول التاجر: لو أني بعت أمس لربحت. وأمثال هذا كثير، فهذا أيضاً محرم.
стр. 672
٤ - أن تستعمل (لو) على سبيل الاحتجاج بالقدر على معصية الله، أو ترك طاعة الله: كقول المشركين: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] ولا حجة لهم، لأنهم ما علموا أن ذلك قدر الله عليهم إلا بعد وقوع ذلك منهم، بمحض إرادتهم، وسبق إصرارهم. فاستعمال (لو) على هذا الوجه استعمال باطل محرم.
٥ - أن تستعمل (لو) على سبيل التمني: كقول القائل -كما في الحديث-: "لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان، فهو بنيته، فأجرهما سواء" (١)، فبعض الناس يقول: لو أن لي مال فلان؛ لتصدقت، وحججت، واعتمرت، وبنيت مسجداً، فهذا تمني، فهو يُجزى على نيته، وربما قال: لو أن لي مال فلان لفجرت، وشربت الخمر، ونحو ذلك من الأمور الباطلة، فهو بنيته أيضاً.
٦ - أن تستعمل (لو) للتأسف على فوات الخير، أو التعليم، أو للخبر المحض: كقول النبي ﷺ : "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي" (٢)، فهذا النوع جائز قطعاً؛ لأن النبي ﷺ استعمله، وقد يكون مستحباً، إذا كان لغرض صحيح.
مناسبة الآية للباب:
ظاهرة، لتضمنها الاعتراض على القدر، بل وعلى الشرع؛ فكيف يكون لهم من الأمر شيء، والأمر لله ولرسوله ﷺ ؟!
فوائد الآية:
١ - النهي عن قول (لو) في الأمور المقدرة.
٢ - وجوب الرضا بقضاء الله وقدره.
٣ - الحكمة المشهورة: "لا يغني حذر من قدر". فالقدر المرسوم لا بد من
стр. 673
وقوعه. لكن هذا لا يمنع العبد من فعل الأسباب؛ لأن القدر مغيب عنه، ولو كان القدر معلومًا لما كان لفعل الأسباب فائدة، لكن الله تعالى أخفى عنا القدر، وأظهر لنا الشرع، فينبغي فعل الأسباب.
٤ - أن من كُتب عليه الموت في موضع فلا بد له منه، وقد خرج النبي ﷺ يوم بدر إلى ميدان المعركة، قبل وقوعها وجعل يقول: "هذا مصرع فلان" ويضع يده على الأرض "ها هنا، ها هنا" فما ماط أحدهم عن موضع يد رسول الله ﷺ (١)، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤] فقد عيّن الله تعالى البقعة التي سيموت فيها كل حي.
ثم ذكر المصنف ﵀ قول الله : ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ وتتمة هذه الآية: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا﴾ القائلون هؤلاء هم المنافقون.
قوله: ﴿لِإِخْوَانِهِمْ﴾ الأخوة هنا ليست أخوة الدين، ولكنها أخوة النسب؛ إذ الجميع من الأوس والخزرج. قال ابن الجوزي، ﵀: (وفي إخوانهم قولان: أحدهما: أنهم إخوانهم في النفاق، قاله ابن عباس. والثاني: إخوانهم في النسب، قاله مقاتل. فعلى الأول يكون المعنى: قالوا لإخوانهم المنافقين: لو أطاعنا الذين قتلوا مع محمد ما قتلوا، وعلى الثاني يكون المعنى: قالوا عن إخوانهم الذين استشهدوا بأحد: لو أطاعونا ما قتلوا) (٢)
قوله: ﴿وَقَعَدُوا﴾ أي: قعدوا عن الجهاد، ولم يخرجوا إليه. فالواو هنا تحتمل: أن تكون عاطفة، وأن تكون حالية، أي: الذين قالوا وقعدوا، فتكون (قعدوا) معطوفة على (قالوا)، أو تكون حالية، أي: أنهم قالوا لإخوانهم حال قعودهم، فهذان توجيهان، وكلاهما وجيه.
стр. 674
قوله: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا﴾ أي: لو أطاعونا في القعود.
قوله: ﴿مَا قُتِلُوا﴾ أي: ما وقع عليهم القتل.
قوله: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: ادفعوا آجالكم، إن كنتم صادقين في أن القعود يدفع عنكم قدر الله.
مناسبة الآية للباب:
ظاهرة، لأنه المنافقين استعملوا (لو) على وجه الاعتراض على القدر.
فوائد الآية:
١ - التحذير من قول (لو) على وجه الاعتراض على القدر.
٢ - أن مقتضى الصدق التسليم بالقدر؛ لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
٣ - مشروعية مجادلة المنافقين في الحق.
قوله: "وفي الصحيح" مراده صحيح مسلم.
قوله: "عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "احرص" " الحرص: هو جمع النفس، وبذل الجهد، للوصول إلى المقصود.
قوله: "على ما ينفعك" "ما" بمعنى الذي، فتفيد العموم، أي: في دينك، ودنياك.
قوله: "واستعن بالله" أي: اطلب العون منه، ولا تتكل على قدرتك. بل استعن بمعبودك للوصول إلى مقصودك. وقد قيل:
إذا لم يكن عون من الله للفتى … ** فأول ما يجني عليه اجتهاده
قوله: "ولا تعجز" وفي رواية: "ولا تعجزن" (١)، بنون التوكيد، أي: لا يقعد بك العجز عن الوصول إلى مرادك، كما يقول بعض المتخاذلين: قد! لعل! يمكن! وغيرها من الألفاظ التثبيطية.
قوله: "وإن أصابك شيء" أي: إن وقع عليك مصيبة من قدر الله .
قوله: "فلا تقل: لو أني فعلت كذا؛ لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله
стр. 675
وما شاء فعل" أي: أن ما جرى كان بقدر الله، فلا بد من التسليم له. وضبطت: (قدُر الله) و "قدَّر الله).
قوله: "فإن "لو" تفتح عمل الشيطان" جملة تعليلية، أي: إيلامه للنفس بالتحسر والتندم.
هذا الحديث من أعظم أسباب السعادة لمن فقهه؛ فقد أعطى النبي ﷺ توجيهاً عظيماً في مطلع الحديث بقوله: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف"، ففيه استنفار للمؤمن أن يتحلى بالقوة، والصبر، والجلَد، ويتخلى عن صفات الضعف، والجزع، والرخاوة. وذلك أن الإنسان كائن بين ماضٍ ومستقبل. فكيف ينبغي له أن يرى الأمور الماضية؟ وكيف ينبغي له أن يرى الأمور المستقبلة؟
- أما المستقبل: فيواجهه بقاعدة: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز"، ويمضي في مصالحه بعزم وجد، مستعينًا بربه، غير آبه بالتثبيط والمثبطين.
- أما الماضي: الذي تبيّن فيه قدر الله، وجرى به القلم في اللوح المحفوظ، فيواجهه بقاعدة: "قدر الله وما شاء فعل"، فلا فائدة من قول: (لو) أو (ليت) فإن التحسر لا يغني شيئاً، ولا يرد مفقوداً، كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣]. هكذا القوة.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لأن فيه النهي الصريح عن قول (لو) على سبيل الاعتراض على القدر.
فوائد الحديث:
١ - الحض على تحصيل المنافع الدينية والدنيوية.
٢ - فعل الأسباب، والحرص هو استفراغ الجهد، وبذل الوسع، وأنه لا ينافي التوكل.
٣ - وجوب الاستعانة بالله؛ لتحصيل المطالب، وعدم الاعتماد على الذات، وترك الاستعانة.
стр. 676
وقد اجتاحت المكتبات في الآونة الأخيرة، كتب لمؤلفين غربيين، أو متأثرين بالغربيين، تندرج تحت تصنيف "تنمية المهارات"، تركز على الاعتماد على الذات، والثقة المطلقة بها، ولا تجد فيها ذكراً للاستعانة بالله ، والتوكل عليه. وهذه طريقة نشأت في أحضان الغرب العَلماني الذي لا يقيم وزناً، ولا اعتباراً لأمور الإيمان. ويجب أن يكون لأهل إلا سلام طريقتهم المتميزة التي تجمع بين الاستعانة بالله، والتوكل عليه، وبذل الجهد، واستفراغ الوسع، في تحقيق الأهداف. وهذه الطريقة الشرعية أقوى، وأفضل، من الطرق التي يعولون عليها، ويقيمون لها الدورات، ويعقدون لها المنتديات،، تعول على الذات، وكأن الإنسان قادر على فعل كل شيء، فيقولون: ليس هناك شيء مستحيل! هذا بيع للوهم، وتغرير بالمخاطبين، وزج بهم في المتاهات. فمهما قالوا من كلام تحفيزي، فلن يرتقي إلى هذا الكلام النبوي: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز" فهذه العبارات خير من كثير من الغثاء الذي تمتلئ به رفوف المكتبات.
٤ - النهي عن العجز والبطالة؛ وإلغاء الأسباب.
٥ - إثبات القدر، ووجوب الإيمان به.
٦ - وجوب الصبر عند المصائب؛ لقوله: "وإن أصابك شيء" أي: من الأمور المستكرهة فيجب الصبر عند نزول المصائب؛ ولهذا قال الإمام أحمد: "ذكر الله الصبر في تسعين موضعاً من القرآن، أو بضعاً وتسعين" (١).
٧ - النهي عن قول (لو) على وجه التسخط.
٨ - إثبات عمل الشيطان، وهو الوسوسة.
٩ - الحذر من كيد الشيطان.
١٠ - إثبات محبة الله وتفاضلها، لقوله ﷺ : "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله".
١١ - تفاضل المؤمنين؛ لأن المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، فهذا يدل على تفاضل أهل الإيمان، خلافاً للمرجئة.
стр. 677
١٢ - إبطال الاحتجاج بالقدر في المعايب دون المصائب.
١٣ - حسن تعليم النبي ﷺ ؛ لأنه لما سد بابًا فتح آخر.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الآيتين في آل عمران.
وقد تقدم.
الثانية: النهي الصريح عن قول (لو) إذا أصابك شيء.
لما فيه من التحسر والاعتراض على القدر.
الثالثة: تعليل المسألة: بأن ذلك يفتح عمل الشيطان.
وهو الوسوسة، والحزن.
الرابعة: الإرشاد إلى الكلام الحسن.
وهو قوله: "قدر الله وما شاء فعل" ففيه التسليم والرضا وحسن الظن بالله المورث للطمأنينة.
الخامسة: الأمر بالحرص على ما ينفع، مع الاستعانة بالله.
لقوله: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله"، فلا يفصل بينهما.
السادسة: النهي عن ضد ذلك وهو العجز.
لقوله: "ولا تعجز" أو "ولا تعجزن"، لمنافاته للتوكل الصحيح.
стр. 678
باب النهي عن سب الريح
عن أبي بن كعب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون، فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح، وخير ما فيها، وخير ما أُمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح، وشر ما فيها، وشر ما أُمرت به" (١)، صححه الترمذي.
الشرح:
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
لما كانت الريح خلق من خلق الله، وجند من جند الله؛ فتارة يرسلها بشراً بين يدي رحمته، وتارة يهلك بها من شاء، لا تجري بأمرها، ولا تسير بإرادتها، عاد سبها سبًا لمرسلها ومجريها. وهذا منافٍ للتوحيد.
قوله: "عن أبي بن كعب ﵁" أبي بن كعب بن قيس الأنصاري، من سادات الأنصار، وهو سيد القراء، فهو أقرأ الناس لكتاب الله، مات سنة ثلاثين.
قوله: "أن رسول الله ﷺ قال: "لا تسبوا الريح" " أي: لا تشتموها، ولا تذموها إذا لحقكم بسببها أمر تكرهونه، وهذا أمر كان جارياً على ألسنة العرب في الجاهلية، ولا يزال بعض الجهال اليوم يفعله.
قوله: "فإذا رأيتم ما تكرهون" أي: إما لشدة حرها كالسموم، أو لشدة بردها كالزمهرير، أو لقوتها كالأعاصير.
قوله: "فقولوا: اللهم إنا نسألك خير هذه الريح" أي: الخير الذاتي فيها.
стр. 679
قوله: "وخير ما فيها" أي: خير ما تحمله، فإنها تسوق السحاب الثقال، وتحمل حبوب اللقاح، وغير ذلك. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧].
قوله: "وخير ما أُمرت به" أي: من تلقيح السحب، ونزول المطر، وإذهاب الحر، والحشرات. قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر: ٢٢]، وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الفرقان: ٤٨]. وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الروم: ٤٨].
قوله: "ونعوذ بك من شر هذه الريح، وشر ما فيها، وشر ما أُمرت به" شرها الذاتي، وشرها المحمول، والمأمور به. قال تعالى: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ﴾ [الإسراء: ٦٩]، وقال: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [الشورى: ٣٣]، وقال: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات: ٤١، ٤٢].
قوله: "صححه الترمذي" وقد رواه أيضاً الإمام أحمد (١)، والنسائي (٢)، وهو صحيح.
فهذا أدب نبوي ينبغي للمؤمن أن يتأدب به، فإذا رأى الرياح، وهبوبها، فلا يتبرم، ولا يضيق، فيفضي به ذلك إلى سبها وهي مدبرة، بل يدعو بما ورد. وعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ ، إِذَا رَأَى مَخِيلَةً فِي السَّمَاءِ، أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، وَدَخَلَ وَخَرَجَ، وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ، فَإِذَا أَمْطَرَتِ السَّمَاءُ سُرِّيَ عَنْهُ، فَعَرَّفَتْهُ عَائِشَةُ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا أَدْرِي لَعَلَّهُ كَمَا قَالَ قَوْمٌ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا
стр. 680
مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ [الأحقاف: ٢٤] (١)
مناسبة الحديث للباب:
مطابقة، لما فيه من النهي عن سب الريح، والاستعاضة عن ذلك بالدعاء الصالح.
فوائد الحديث:
١ - النهي عن سب الريح، والأصل في النهي التحريم، ولأن سب الريح سب لمدبرها، سبحانه.
٢ - الاستعاذة بالله من كل شر. فلا يعيذ العبد من الشرور إلا الله كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ١، ٢] فالله تعالى هو الذي يعيذ العبد؛ ومن إعاذته له أن جعل له المعقبات، كما قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] فلا يفزع العبد إلى غير مولاه، فليملأ قلبه من الثقة به، والتوكل عليه، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١].
٣ - أن الريح قد تكون مأمورة بخير؛ لقوله: "وخير ما أمرت به"، وقد تكون مأمورة بشر؛ لقوله: "وشر ما أمرت به". والله تعالى هو الذي يأمرها، ولا يأمرها إلا بما تقتضيه الحكمة.
٤ - حسن التعليم، بالإرشاد إلى البديل من الأقوال والأفعال، فلما نهى النبي ﷺ عن سب الريح، أعاضنا بهذا الدعاء الحسن الجميل الجامع.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن سب الريح.
أي لقوله: "لا تسبوا الريح" وهذا النهي للتحريم؛ لأن سبها سب لمن
стр. 681
خلقها وأرسلها، لكن لو وقع ذلك على سبيل الوصف والخبر فلا حرج، كأن يقول مثلاً: هبت ريح عاتية، أو باردة، فهذا لا باس به، وإنما المحذور أن يصدر ذلك على سبيل السب والذم.
الثانية: الإرشاد إلى الكلام النافع إذا رأى الإنسان ما يكره.
وهو قوله: "اللهم إني أسألك من خيرها" فهذا فيه إرشاد إلى قول الكلام النافع عند
رؤية ما يكرهه، لكن مع فعل الأسباب الحسية أيضاً، كالاتقاء من شرها بالجدران، أو الجبال، ونحو ذلك.
الثالثة: الإرشاد إلى أنها مأمورة.
لقوله: "وخير ما أُمرت به".
الرابعة: أنها قد تؤمر بخير، وقد تؤمر بشر.
قد تكون خيراً، بأن يسوق الله بها السحاب الذي فيه المطر، وقد تكون عذاباً ينتقم الله بها ممن يشاء من عباده.
стр. 682
باب قول الله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾
﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [سورة آل عمران: ١٥٤].
وقوله تعالى: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [سورة الفتح: ٦].
قال ابن القيم في الآية الأولى: فُسِّر هذا الظن بأنه سبحانه لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل. وفُسِّر أن ما أصابه لم يكن بقدر الله وحكمته. وفُسِّر بإنكار الحكمة وإنكار القدر وإنكار أن يتم أمر رسوله ﷺ ، وأن يظهره الله على الدين كله، وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون في سورة الفتح. وإنما كان هذا ظن السوء؛ لأنه ظن غير ما يليق به سبحانه، وما يليق بحكمته وحمده ووعده الصادق، فمن ظن أنه يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة، يضمحل معها الحق، أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره، أو أنكر أن يكون قدره بحكمة بالغة يستحق عليها الحمد، بل زعم أن ذلك لمشيئة مجردة ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧] وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء، فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته وموجب حكمته، وحمده ووعده الصادق، فليعتنِ اللبيب الناصح لنفسه بهذا، وليتب إلى الله،
стр. 683
وليستغفره من ظنه بربه ظن السوء (١). ولو فتشت من فتشت لرأيت عنده تعنتاً على القدر، وملامة له، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقل ومستكثر، وفتش نفسك هل أنت سالم؟
فَإِنْ تَنْجُ مِنْهَا تَنْجُ مِنْ ذِي عَظِيمَةٍ … وَإِلَا فَإِني لَا أِخَالُكَ نَاجِيَاً (٢)، (٣).
الشرح
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
لما كان حسن الظن بالله من مقتضيات الإيمان والتوحيد، وجب على المرء أن يحسن الظن بربه؛ في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وقدره، وشرعه، فمن ظن بالله السوء كظن أهل الجاهلية، فقد كفر.
وحسن الظن بالله في ذاته: أن يعتقد أن لله المثل الأعلى، والكمال المطلق، فليس كمثله شيء. وحسن الظن بالله في أسمائه: أن يعتقد أن له الأسماء الحسنى التي بلغت في الحسن غايته.
وحسن الظن بالله في صفاته: أن يعتقد أن صفاته كاملة، لا نقص فيها بوجه من الوجوه.
وحسن الظن بالله في قدره: أن يعتقد أن الله حكم عدل لا يظلم مثقال ذرة، وأنه حكيم.
وحسن الظن بالله في شرعه: أن يعتقد أن أمره ونهيه عين الحكمة والمصلحة لكل جيل وقبيل.
فهذا الذي ينبغي أن ينطوي عليه قلب المؤمن، وأما إن كان غير ذلك فهو ظن الجاهلية. ولهذا قال في الحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي" (٤)، فإذا
стр. 684
كان ظن القلب بالله حسناً، فليبشر، فالله عند ظنه به. ومن ظن بالله ظن السوء، فليبشر بما يسوؤه.
ومن الناس من يسيء الظن بالله تعالى:
- في ذاته، وأسمائه، وصفاته: فيعتقد فيها التمثيل، أو التعطيل، أو يصفه بالنقائص والعيوب، كما قالت اليهود: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]، وقالت: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] وما أشبه ذلك.
- وفي قدره: بأن يقع في قلبه نقمة وسخط، إذا وقع عليه مصيبة قدرية، وربما فاه لسانه بهذا، وقال: ماذا صنعت؟ ولماذا جرى علي؟ لا أستحق كذا! ونحو ذلك. فهذا سوء ظن بالله، خلاف حال المؤمن الذي وصفه النبي ﷺ بقوله: "عجبت للمؤمن؛ إن الله لم يقض قضاء إلا كان خيراً له" (٥)؛ وقوله: "عجبًا لأمر المؤمن! إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له" (٦). - وفي شرعه: فيطعن في حكمته، ويقول: لمَ شرع الله كذا؟! لمَ حرم شرب الخمر؟ لمَ الرجم؟ هذا قسوة! فيعترض على الشريعة وينتقدها.
فيجب على العبد أن يمتلئ قلبه ثقة بالله، وحسن ظن به؛ فإن الظن هو خبيئة القلب عن الرب، ولهذا قال إبراهيم ﵇ لقومه: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٨٧] أي: ماذا في قلوبكم عن الله؟ ويقول تعالى لأعدائه إذا حشرهم إلى النار: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣].
فليفتش الناصح لنفسه مكنون قلبه، ويفحص ظنه بالله، ويتحقق أنه ظن حسن جميل، يجد الله عند ظنه به، وليعتصم بهذه العروة، فإنها توصله إليه .
قوله: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ﴾ أي: المنافقون، والظن في الأصل خلاف اليقين،
стр. 685
لكنه أحياناً يأتي بمعنى اليقين، كقوله عن الخاشعين: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٦]
قوله: ﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾ أي: غير ما يستحق، وخلاف الواقع من الحكمة وحسن التدبير.
قوله: ﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ بدل من قوله: ﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾ أي: ظن أهل الجاهلية ، حيث اعتقدوا أن الله لن ينصر رسوله، وأنه أبتر ليس له عقب، وأن ما نزل إليه ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤].
قوله: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ بدل ثان من (يظنون) وهذا الاستفهام منهم بمعنى: النفي؛ فمرادهم: لن نحصل على نصر، ولا ظفر، ولا شيء مما نرجوه، أو أنه لا شأن لنا بتدبير الأمور، ولا باتخاذ القرار. فهي سوء ظن بالله؛ إما بقدره، أو شرعه.
قوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ فهو الذي يدبر، ويقضي، ويحكم، كما قال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤].
فوائد الآية:
١ - أن مَنْ ظن بالله غير الحق فقد شابه أهل الجاهلية.
٢ - أن مَنْ ظن أن الله يديل الباطل على الحق إدالة مستمرة، فقد أساء الظن بالله.
٣ - إثبات الحكمة فيما يجريه الله في شرعه وقدره.
٤ - خبث طوية المنافقين، وفساد معتقدهم، وهذا هو حالهم في كل جيل وقبيل؛ فهم زمن النبي ﷺ ينطوون على هذا الخبث والسوء، وفي زماننا من يسمون بالعلمانيين، أو الليبراليين، ينبذون الإسلام وشريعته، ويتمنون أن يحلوا في بلاد المسلمين طرائق الغرب، ونمط حياتهم، ففيهم شبه من سلفهم الذين ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
٥ - إثبات القدر، ووجوب الإيمان به.
٦ - وجوب الظن بالله خيراً.
стр. 686
قوله: "وقوله تعالى: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ (السَّوْءِ) بالفتح على القراءة المشهورة، وفي قراءة: (السُّوء) (١)، بالضم، وتمام الآية: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. هؤلاء هم المنافقون والمنافقات، الذين لما هم النبي ﷺ بالخروج إلى مكة، عام الحديبية صاروا يشيعون الشائعات، ويقولون: ﴿لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ [الفتح: ١٢]، بل ستفنيهم قريش وتقضي عليهم. فدعا عليهم الله تعالى، ودعاؤه عليهم حكمٌ وقضاء، فقال: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ أي: دائرة العذاب والمذلة، فهي لازمة لهم أينما ذهبوا، لا تتخلف عنهم، وفوق ذلك: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، والغضب صفة حقيقية من صفات الله ، على ما يليق به، لا يشبه غضب المخلوقين، ﴿وَلَعَنَهُمْ﴾ أي: أبعدهم عن رحمته، فإنّ اللعن معناه الطرد والإبعاد. ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ﴾ أي: هيئ لهم ﴿جَهَنَّمَ﴾ اسم من أسماء النار، قيل: سميت بهذا الاسم لتجهمها وظلمتها. ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ أي: منزلاً ومآلاً.
مناسبة الآية للباب:
مطابقة، لتضمنها ذم مَنْ ظن أن الله لن ينصر دينه ونبيه وحزبه والدعاء عليهم.
فوائد الآية:
١ - التحذير من سوء الظن بالله.
٢ - أن ذلك من صفات المنافقين والمنافقات.
٣ - إثبات صفة الغضب لله على ما يليق به.
٤ - شؤم عاقبة المنافقين الظانين بالله ظن السوء؛ وتحققها؛ فإن هؤلاء المنافقين المخلفين، عام الحديبية أصابهم ندم عظيم؛ كونهم لم يخرجوا مع النبي ﷺ ، لأن الله أباح غنائم خيبر لمن خرج مع النبي ﷺ للحديبية، وحرم منها
стр. 687
من لم يخرج، فلحقهم الندم على أمر دنيوي، فضلاً عما ادخر لهم الله من عذاب أخروي.
ثم نقل المصنف ﵀ نصاً طويلاً من كلام ابن القيم ﵀، وخلاصته: أن "ظن الجاهلية" الذي ظنه المنافقون، في سورة آل عمران، فسر بتفسيرين:
أحدها: أن الله لن ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل.
الثاني: أن ما أصابه والمؤمنين يوم أحد، لم يكن بقدر الله، وحكمته.
وهو نفس "ظن السوء" الذي ظنه المشركون والمنافقون في سورة الفتح. فهذه ثلاثة أمور:
الأول: إنكار القدر: وعليه نفات القدر من القدرية الأولى، والمعتزلة.
الثاني: إنكار الحكمة: وعليه نفات الحكمة والتعليل من الجبرية؛ كالأشاعرة.
الثالث: إنكار أن يتم الله أمر رسوله، وأن يظهر دينه: وعليه المنافقون في كل جيل وقبيل.
فمن أنكر القدر، أو نفى الحكمة، وزعم أن الله يفعل لا لحكمة، بل لمحض المشيئة، كما وقع من بعض الفرق الإسلامية، أو ظن أن يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة، يضمحل معها الحق، فقد أساء الظن بالله.
أما المؤمن الصادق، فإنه يحسن الظن بربه؛ فحين وقف النبي ﷺ عام حجة الوداع، على الصفا، قال: "لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده" (١)، علم أن الله لا يخلف الميعاد. ولما أحاطت الأحزاب بالمدينة، إحاطة السوار بالمعصم، وهم عشرة آلاف من غطفان، وقريش، واليهود من الجانب الآخر، جعل النبي ﷺ والمؤمنون يحفرون الخندق، فعرضت لهم عقبة كأداء، فدعوا النبي ﷺ ليرى، فأخذ النبي ﷺ
стр. 688
المعول، فضرب الصخرة ضربة، فأضاء نور، ثم ضرب الثانية فأضاء نور، ثم ضرب الثالثة فأضاء نور، فقال النبي ﷺ : "ضربتُ ضربتي الأولى، فبرق الذي رأيتم، فأضاء لي منها قصور الحيرة، ومدائن كسرى، كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبرائيل أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربتُ ضربتي الثانية، فبرق الذي رأيتم، أضاء لي معها قصور الحمر، من أرض الروم، كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبرائيل أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربتُ الثالثة، فبرق الذي رأيتم، أضاء لي معها قصور صنعاء، كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبرائيل أن أمتي ظاهرة عليها" (١). ففي هذه الشدة التي وصفها الله بقوله: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب: ١٠] والنبي ﷺ واثق بربه، وينقل هذه الثقة، واليقين إلى المؤمنين، بينما يقول المنافقون: ماذا يعدكم محمد؟ لو ذهب أحدنا يقضي حاجته، لم يأمن على نفسه، ويظنون ظن السوء. فهذا هو الفرق بين المؤمنين، والمنافقين. وهذه الفروق لا تظهر إلا في المآزق والكرب، فيتبين فيها صدق الظن من كذبه، فوصف حال المؤمنين، فقال: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢] وحكى قول المنافقين: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢].
قوله-﵀: "وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم" (٢) أي: إذا جرى عليهم شيء من الأقدار صاروا يتساءلون في دواخلهم: لمَ أجرى الله علينا كذا؟ ألسنا كذا؟ وأخذوا يُدلُّون على الله بأعمالهم، ويمنون بإسلامهم، وإن لم يفوهوا بألسنتهم.
قوله: "أو فيما يفعله بغيرهم" أي: لو جرى على غيرهم بعض المصائب، قالوا: "فلان ما يستأهل"! وهذا القول استدراك على الله، لا يجوز أن يُعبّر بمثل هذا التعبير.
стр. 689
قوله: "ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله، وأسماءه، وصفاته، وموجَب حكمته، وحمده، ووعده الصادق" هذا يدل على شرف هذا الباب؛ باب العلم بأسماء الله وصفاته، فلب الإيمان أن يعرف العبد ربه، بمقتضى أسمائه وصفاته، فينبغي لنا أن نفقه هذا الباب فقهاً عميقًا، ولهذا قال في الحديث: "إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة" (١)، فلو كان إحصاؤها بمجرد عدها، أو اتخاذ مسابح بتسع وتسعين خرزة، وسردها، لهان الأمر، ولكانت سلعة الله رخيصة، سهلة المنال، ولكن الأمر أعظم من ذلك، فإحصاؤها يكون باستنباطها من نصوص الكتاب والسنة، ومعرفة معانيها، والعمل بمقتضاها. فحينئذٍ يكون ظنه بالله حسناً، ويوصله الجنة.
قوله: "ولو فتشت من فتشت لرأيت عنده تعنتاً على القدر، وملامة له، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقل ومستكثر، وفتش نفسك هل أنت سالم؟
فَإِنْ تَنْجُ مِنْهَا تَنْجُ مِنْ ذِي عَظِيمَةٍ … وَإِلَا فَإِني لَا أِخَالُكَ نَاجِيَاً" (٢)، (٣).
نبّه ابن القيم ﵀، ولفت نظر كل أحد إلى أن يفحص قلبه، ويستخرج خبيئته، وينظر؛ فربما وجد في قلبه آفة واعتراضاً، كأن يقول: "ما كان ينبغي كذا وكذا" أو "لو أنه كان كذا وكذا" على تفاوت بين القلوب في ذلك. فمن نجا من سوء الظن بالله فقد نجا من أمر شديد، ومزلق عظيم، وإلا فلا منجى. قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩]. والقلب السليم: هو السالم من كل شبهة تخالف خبر الله ورسوله، ومن كل شهوة تخالف أمر الله ورسوله، فليبشر صاحبه بالنجاة.
стр. 690
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية آل عمران.
وقد تقدم تضمن مقالة المنافقين لسوء الظن بالله في قدره وشرعه وحكمته.
الثانية: تفسير آية الفتح.
وقد تقدم بيان تضمن مقالة المنافقين والمشركين لسوء الظن بالله في قدره وشرعه وحكمته.
الثالثة: الإخبار بأن ذلك أنواع لا تحصر.
أي: سوء الظن بالله أنواع متنوعة، وقد ذكر ابن القيم طرفًا منها.
الرابعة: أنه لا يسلم من ذلك إلا من عرف الأسماء والصفات، وعرف نفسه.
فالعلم بالله بمقتضى أسمائه وصفاته عصمة للعبد، وتطبيق ذلك على النفس من أسباب وقاية النفس من هذا الدغل، فينبغي للمرء أن يتفقد قلبه في حال الرخاء، حتى لا يخونه وقت الشدة.
стр. 691
باب ما جاء في منكري القدر
وقال ابن عمر: "والذي نفس ابن عمر بيده، لو كان لأحدهم مثل أحد ذهباً، ثم أنفقه في سبيل الله، ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر" (١).
ثم استدل بقول النبي ﷺ : "الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خير وشره" (٢)، رواه مسلم.
وعن عبادة بن الصامت أنه قال لابنه: "يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فقال: ربي ماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة" يا بني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من مات على غير هذا فليس مني" (٣).
وفي رواية لأحمد: "إن أول ما خلق الله تعالى القلم، فقال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة لما هو كائن إلى يوم القيامة" (٤).
وفي رواية لابن وهب: قال رسول الله ﷺ : "فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنار" (٥). وفي المسند والسنن: عن ابن الديلمي قال: "أتيتُ أبي بن كعب فقلت: في نفسي شيء من القدر، فحدثني بشيء لعل الله أن يذهبه من قلبي، فقال: لو أنفقت مثل أحد ذهباً
стр. 692
ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لكنت من أهل النار، قال: فأتيتُ عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، فكلهم حدثني بمثل ذلك، عن النبي ﷺ " (١)، حديث صحيح، رواه الحاكم في صحيحه.
الشرح:
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
الإيمان بالقدر من لوازم توحيد الربوبية، فلا يتم توحيد امرئ إلا بتحقيقه. والإيمان القدر يشمل: علم الله، وكتابته، ومشيئته، وخلقه، فمن أنكر ذلك؛ كله أو بعضه، فقد أخل بتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، فلذلك ناسب إيراد هذا الباب في كتاب التوحيد.
قال المصنف ﵀: "باب: ما جاء في منكري القدر" أي: باب ما جاء من الوعيد في منكري القدر. والقدر: مصدر قَدَّر يُقَدِّر، وتعريفه الشامل: تعلق علم الله بالكائنات قبل وجودها، وكتابته إياها، ومشيئته، وخلقه لها، فهذا التعريف يتضمن أربع مراتب: الأولى: العلم: وهي الاعتقاد الجازم بعلم الله المحيط بكل شيء، جملة وتفصيلاً، أزلاً وأبداً، ما كان، وما يكون، وما سوف يكون، وما لم يكن كيف لو كان يكون. ما يتعلق بأفعاله؛ كالآجال والأرزاق، وما يتعلق بأفعال عباده؛ من الطاعات والمعاصي.
стр. 693
الثانية: الكتابة: وهي الاعتقاد الجازم بكتابة الله تعالى للمقادير، قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.
الثالثة: المشيئة: وهي الاعتقاد الجازم بمشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا راد لما قضى ..
الرابعة: الخلق: وهي الاعتقاد الجازم بأن الله خالق كل شيء، فالله الخالق، وما سواه مخلوق. خلق جميع الأشياء؛ ذواتها، وصفاتها، وحركاتها.
فلا يتم إيمان امرئ بالقدر حتى يجمع هذه الأربع؛ فمن أنكر شيئاً منها، فقد أنكر القدر. والمنكرون للقدر على درجتين:
الدرجة الأولى: غلاة القدرية:: وهم: "أتباع معبد الجهني" الذي ظهر في البصرة، كانوا ينكرون مراتب القدر الأربع، ويقولون: الأمر أنف! ولا قدر!، والله أمر، ونهى، ولا يعلم من سيطيعه ومن سيعصيه، ولم يكتب، ولم يشأ، ولم يخلق أفعال العباد. وهذه مقالة شنيعة تستلزم إنكار علم الله، وهذا وصف له بالجهل، وإنكار مشيئته وخلقه، وهذا وصف له بالعجز. وكلاهما معلوم من الدين بالضرورة، فإنكارهما كفر صريح.
الدرجة الثانية: المعتزلة: الذين أثبتوا العلم والكتابة، وأنكروا المشيئة والخلق لأفعال العباد. فقالوا: عَلِم وكَتَب، لكن لم يشأ ولم يخلق؛ فللعبد مشيئة مستقلة عن مشيئة الله، وله فعل مستقل عن خلق الله، تعالى الله عما يقولون. فيلزمهم وصفه بالعجز.
وأما أهل الحق فقد هُدوا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، فأثبتوا جميع هذه المراتب، ولا شك أنه لا يتم إيمان امرئ إلا بالإيمان بالقدر بمراتبه الأربع.
وقد ساق المصنف ﵀ تعقيب ابن عمر ﵄ على روايته لحديث جبريل المشهور، فعَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا
والترمذي (١)، والنسائي (٢)، وابن ماجه (٣). فحديث جبريل هذا -كما قال الشراح- حديث عظيم؛ لأنه الدين كله. والشاهد منه قوله: "أن تؤمن بالقدر خيره وشره". ونلحظ في جواب النبي ﷺ في شأن القدر أمرين:
أولاً: أنه أعاد ذكر العامل، فقال: "وتؤمن بالقدر" مما يدل على مزيد تأكيد للإيمان به
ثانياً: فصّل فيه ما لم يُفصل في غيره، فقال: "خيره وشره" لكثرة الغلط في هذا الباب.
قوله: "والذي نفس ابن عمر بيده" تأسياً بقسم النبي ﷺ وفي رواية: (وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ).
قوله: "لو كان لأحدهم" أي القدرية الذين ينكرون القدر، ويقولون: لا قدر، والأمر أنف. قوله: "مثل أحد ذهباً" أحد: جبل متوحد، يقع شمال المدينة، وقعت عنده المعركة المشهورة.
قوله: "ثم أنفقه في سبيل الله، ما قبله الله منه حتى يُؤمن بالقدر" الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان، لا ينفع من أنفق هذا المال الطائل من لم يؤمن بالقدر.
مناسبة الأثر للباب:
ظاهرة، لما تضمنه كلام ابن عمر- ﵄ من اشتراط الإيمان بالقدر لقبول العمل، والاستدلال على ذلك بحديث جبريل.
فوائد الحديث:
١ - أن إنكار القدر كفر؛ لأن النبي ﷺ عده من أصول الإيمان.
стр. 696
٢ - عدم قبول أعمال منكر القدر؛ لقول ابن عمر، ويدل عليه قول الله : ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٥٤].
٣ - الاستدلال على الأحكام والأقوال بالكتاب والسنة؛ وهذا منهج أصيل يجب على طالب العلم أن يعتمده في كل ما يقرره، ولا يتبرم إذا سئل عن الدليل، بل يفرح، لأنه يدل على أن السائل يريد أن يعبد الله على بينة.
قوله: "عن عبادة بن الصامت ﵁" عبادة بن الصامت بن قيس الأنصاري، الخزرجي، أبو الوليد، أحد النقباء، بدري. مات سنة أربع وثلاثين، ﵁.
قوله: "أنه قال لابنه" ابنه هو الوليد بن عبادة، وكان قد ولد في عهد النبي ﷺ ، لكنه كان صغيراً، فلم تثبت له صحبة؛ ولذلك يُعد من كبار التابعين. ويروى أنه قال له ذلك وهو على فراش الموت، ولا يخفى أن الإنسان على فراش الموت يمحض النصح، ولا يقول إلا ما يرى أنه أوكد الكلام، وأهمه، وأنصحه للسامع، لا سيما إذا كان المخاطب فلذة كبده، وهو ابنه.
قوله: "يا بني" هذا تلطف وتودد، يستجيش عاطفة المخاطب، كما قال لابنه وهو يعظه.
قوله: "إنك لن تجد طعم الإيمان" الإيمان له طعم وحلاوة، كما قال النبي ﷺ : "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان" (١)، وهذه الحلاوة حلاوة حقيقية، بمعنى: أن الإنسان يجدها، لكن لا يلزم من كونها حلاوة حقيقية، أن تكون كحلاوة السكر مثلاً، ولكن المراد: أنها بهجة، وسرور، وانشراح، يجدها المؤمن في قلبه.
قوله: "حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك" أي: ما قدر الله عليك لا بد أن ينفذ فيك، ولا يمكن أن يتخلف عنك.
قوله: "وما أخطأك لم يكن ليصيبك" أي: ما صرفه الله عنك من المقادير فلا يمكن بحال أن ينالك؛ لأن كل شيء بقدر، فليس شيء في الكون يقع خبط
стр. 697
عشواء، وضربة لازب، بل ﴿كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨]. فيجب أن يمتلئ القلب بهذا اليقين.
قوله: "سمعتُ رسول الله ﷺ يقول" هذا استدلال من عبادة ﵁ على تلك المقدمة، وهكذا ينبغي لمن قرّر شيئاً أن يعضد مقالته بالدليل حتى يحصل على القبول.
قوله: "إن أول ما خلق الله القلم" (القلم) تضبط بالفتح، وبالرفع، فالأول: على اعتبارها وقعت مفعول (خلق) فيكون المراد: ساعة أن خلق الله القلم، قال له: اكتب، و (أول) دالة على الظرفية. والثاني: وهو الرفع، باعتبار أن القلم خبر (إن). فيكون المعنى: أن أول المخلوقات هو القلم، ولكن هذه الأولية أولية نسبية؛ لأن العرش هو أول المخلوقات. وهذا هو القول الصحيح؛ قال الله : ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] فهو سابق لخلق السماوات والأرض، فتكون أولية القلم أولية نسبية، أي: بالنسبة لخلق السماوات والأرض. قوله: "فقال له: اكتب، فقال: ربِّ، وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة" أي: من تلك اللحظة إلى أن تقوم الساعة، فانصاع القلم لأمر ربه قوله: "يا بني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من مات على غير هذا فليس مني" " هذه براءة من النبي ﷺ من منكري القدر، فمن لم يؤمن بما دلّ عليه هذا الحديث، فإن النبي ﷺ بريء منه براءة كاملة، تقتضي النقل عن الملة؛ لأن القدر من أركان الإيمان.
وهذا الحديث عن عبادة قد رواه أبو داود، والترمذي، والطيالسي (١)، وكذلك رواه ابن أبي عاصم (٢)، وسنده حسن -بحمد الله-، وفي علم مصطلح الحديث: الحديث الصحيح والحسن، يقبل خبرهما، ويعمل بحكمهما.
قوله: "وفي رواية لأحمد" وهذه الرواية ضعيفة، لكن إذا ضمت إلى ما سبق، كانت مقبولة المعنى، وربما كان لها طرق يعضد بعضها بعضاً.
стр. 698
قوله: "إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة" وهذا المعني مطابق لما تقدم.
قوله: "وفي رواية لابن وهب" هو عبد لله بن وهب بن مسلم المصري، ثقة، مات سنة سبع وتسعين ومائة، ﵀.
قوله: "قال رسول الله ﷺ : "فمن لم يُؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنار" " هذا يدل على كفر منكر القدر.
فوائد الأثر:
١ - وجوب الإيمان بالقدر، وهذا ظاهر؛ والبراءة من منكره.
٢ - إثبات حلاوة الإيمان، وأن الإيمان بالقدر من أسباب حصولها، وقد يعجب الإنسان كيف يكون الإيمان بالقدر بما فيه الأقدار المؤلمة سببًا للحلاوة، مع أن الأقدار المؤلمة تجلب المرارة عادة! والجواب: أن المؤمنين تستحيل النقمة في حقهم نعمة، والمحنة منحة؛ ولهذا قال الله : ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] فهداية القلب هذه حلاوة؛ قال علقمة ﵀: "هو العبد تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم.
٣ - إثبات القلم، وكتابة المقادير، ولا يجوز تأويل هذه النصوص تأويلاً مجازياً، كما تصنع المعطلة، فيقول: القلم كناية عن كذا، بل يُقال: هو قلم حقيقي يكتب، والله أعلم بكيفيته وصفته، ولهذا لما عرج بالنبي ﷺ سمع صريف أقلام القدر (١).
٤ - ينبغي للأب تعليم الولد، والنصح له، والتلطف معه. وبعض الناس يكون قليل النفع لأولاده، يظن أن واجبه تجاه أولاده أن يطعمهم، ويسقيهم، ويكسوهم، ويؤويهم فقط! فلا يسوق إليهم علماً، ولا أدبًا، ولا يبذل له نصحًا. وهذا تقصير بالغ، فإن حاجته إلى التربية، والتعليم، والنصح، أعظم من حاجته
стр. 699
إلى الطعام، والشراب، واللباس. وينبغي لصاحب العلم أن يجتهد مع الأدنين قبل الأبعدين، وأن ينفع أهله وقرابته قبل غيرهم، كفعل عبادة بن الصامت.
٥ - قرن الحكم بالدليل.
٦ - توجيه الخطاب إلى الجماد، لأنه يعقل أمر الله؛ ففهم واستجاب، وسأل: "ماذا أكتب؟
قوله: "وفي المسند والسنن" والمراد بالمسند هنا: مسند الإمام أحمد، وبالسنن: سنن أبي داود، وابن ماجة. فالمحدثون ﵏ لهم طرائق شتى في ترتيب مروياتهم:
فالمسانيد: رُتبت فيها الأحاديث على أسماء الصحابة. كمسند الإمام أحمد، وغيره، فيذكر مسند أبي بكر الصديق، ويسوق الأحاديث عنه، بقطع النظر عن موضوعها؛ فقد يكون أحدها في الإيمان، وآخر في الطهارة، وثالث في الأضاحي، وهكذا، فلا يجمعها موضوع واحد.
والسنن: رُتبت فيها الأحاديث على أبواب العلم. كالصحيحين، والسنن الأربعة، وغيرها، فيعقد بابًا للإيمان، وآخر للطهارة، ثم الصلاة، ثم الزكاة، وهكذا على أبواب الفقه، بصرف النظر عن الراوي، فينتقل من صحابي إلى آخر.
والمعاجم: رتبت فيها الأحاديث على الشيوخ، كمعجم الطبراني رتبه على شيوخه، فيسرد مروياته عن أحد شيوخه، في موضع واحد، بصرف النظر عن موضوعه، وصحابيه، ثم ينتقل إلى مرويات شيخ آخر. وقد يرتب أشياخه على حروف المعجم.
وهذه طرق فنية لتقسيم العلم. والأنفع من الناحية العملية: السنن؛ لأنها تعين على البحث الموضوعي، فقد لا يعني من هو الصحابي الذي روى الحديث؛ لأن الصحابة كلهم عدول، لكن يعنينا الموضوع. وهناك من جمع بين الحسنيين؛ بالترتيب على الطريقتين، كبقي بن مخلد ﵀، فقد رتب مسانيد الصحابة على حسب الموضوعات.
قوله: "عن ابن الديلمي" عبد الله بن فيروز الديلمي، أبو بسر، ثقة، من كبار التابعين. أبوه فيروز الديلمي، قاتل الأسود العنسي، مدعي النبوة، في قصة
стр. 700
مشهورة ﵁ (١). قوله: "قال: أتيتُ أبي بن كعب" هو صاحب رسول الله ﷺ ، وقد تقدمت ترجمته.
قوله: "فقلتُ: في نفسي شيء من القدر" مراده أنه قد وقع في نفسه شك وتردد في مسألة القدر، وهذا أمر طبيعي أن يطيف بقلب المؤمن أحياناً شيء من الشك؛ إما من داخل النفس، وإما من إلقاء الشيطان. وقد جاء رجل لابن عباس، فقال له: ما شيء أجده في صدري؟ قال: ما هو؟ قلت: والله ما أتكلم به، قال: فقال لي: أشيء من شك؟ قال: وضحك، قال: ما نجا من ذلك أحد، قال: حتى أنزل الله ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٩٤] (٢)، فقد يؤذي الشيطان ابن آدم بهذه الشكوك. لكن فرق بين الشك العارض، والشبهة المستقرة، فالشك العارض لا يكاد يسلم منه أحد، يطيف بالقلب شيء من الشبهات فيفزع المؤمن إلى المحكمات، ويعتصم بها، ويرد المتشابه إلى المحكم، إلى أن يشرح الله صدره، وينكشف له الأمر، أو يذهب فيسأل أهل الذكر، كما صنع ابن الديلمي. قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣، الأنبياء: ٧]. وإنما يُعاب من احتضن الشبهة، وروّج لها، ودعا إليها، كما فعل صبيغ بن عسل، الذي جاء في زمن عمر، فنفاه عمر من المدينة، وأدبه، في قصة مشهورة (٣). أما شيء يعتري الإنسان دون إرادته، فهذا لا يضره، وقد وقع لبعض أصحاب النبي ﷺ ، فأتوا إلى النبي ﷺ وقال قائلهم: "يا رسول الله، إن أحدنا يجد في نفسه، يعرض بالشيء لأن يكون حممة -أي فحمة محترقة- أحب إليه من أن يتكلم به، فقال: "الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة" (٤)،
стр. 701
وفي لفظ: "جاء ناس من أصحاب النبي ﷺ ، فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: "وقد وجدتموه؟ " قالوا: نعم، قال: "ذاك صريح الإيمان" (١)، وكأنه كان يتوقع أن يحصل لهم ذلك، وما كان النبي ﷺ ليحمد الله إلا لأمر محل حمد، وهو صريح الإيمان. وليس ذلك وصفًا للوسوسة، فلا يمكن أن تكون الوسوسة محض الإيمان، أو صريح الإيمان، فالوسوسة من الشيطان، ولكن محض الإيمان وصريحه هو: استشناعهم، وانزعاجهم، من هذا الذي وقع في نفوسهم، فذلك دليل على صراحة الإيمان في قلوبهم. فإذا هجم على قلب المسلم شيء من ذلك، ووجد في نفسه انزعاجًا، وألماً، وتمنى أن لو يخر من السماء أحب إليه من أن ينطق به، فليعلم أن ذلك دليل على صراحة الإيمان في قلبه، فليحمد الله .
أما إذا كان يسترسل معه، ويستروح له، ويعجبه ذلك، وإذا جلس في مجلس قاءَ غثاءه، وأخرج خبيئة نفسه، وبث وساوسه، فذاك مفتون، زائغ، متبع للمتشابه.
قوله: "قال: في نفسي شيء من القدر، فحدثني بشيء لعل الله يذهبه من قلبي" وهذا يدل على أمور:
- أنه لا ينبغي أن يدع المؤمن في نفسه ريبة، بل يسعى لاستجلائها.
- أنه يقصد أهل الذكر، كما أمر الله، ولا يسأل الجاهلين.
- أن يسر بها، ولا يجهر بها على الملأ، لئلا تنتقل الشبهة إلى أهل العافية.
قوله: "فقال: لو أنفقتَ مثل أحد ذهباً ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مِت على غير هذا، لكنتَ من أهل النار" هذه جمل رصينة محكمة، تُؤثر في النفس، وتثبت القلب، وتكنس ما فيه من شك. وتدل على وجوب الإيمان بالقدر، وأنه لا إيمان لمن لا يؤمن بالقدر، ولا قبول لعمله.
стр. 702
قوله: "قال: فأتيتُ عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، وكلهم حدثني بمثل ذلك عن النبي ﷺ " أي كل هؤلاء الصحابة الأربعة الكرام رفع هذا الحديث إلى النبي ﷺ . وقد مر، آنفًا، قول عبادة بن الصامت ﵃ أجمعين-
قوله: "حديث صحيح، رواه الحاكم في صحيحه" أي: في مستدركه؛ لأن الحاكم النيسابوري ﵀ استدرك على الصحيحين؛ البخاري ومسلم، ما يظن أنه فاتهما، ولكنه لم يلتزم بشرطهما، وكأنه أراد أن يراجع ذلك فيما بعد فلم يمكنه؛ لانصرام الأجل، فجاء الذهبي ﵀ لاحقًا، وتتبع مستدرك الحاكم، فوافقه في أشياء وخالفه في غيرها، فما وافق فيه الذهبيٌّ الحاكمَ في استدراكه على الصحيحين، أو على أحدهما، فهو على شرطهما، أو شرط أحدهما، وما خالفه فيه فلا! فإن الذهبي إمام محقق، ومدقق، يُؤخذ بقوله.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لدلاته على وجوب الإيمان بالقدر، والتحذير من إنكاره.
فوائد الحديث:
١ - وجوب الإيمان بالقدر.
٢ - كفر منكري القدر.
٣ - الوعيد الشديد على من أنكر القدر.
٤ - سؤال العلماء عما يشكل من أمور الاعتقاد وغيرها؛ كما فعل ابن الديلمي.
فينبغي للإنسان أن يسأل، فإنما يدرك العلم بالسؤال، بعض العامة يقول: لا تسأل! لا تفتح على نفسك باباً! نعم، إن سألت جاهلًا، أو متعالماً، فقد فتحت على نفسك باب جهالة، لكن الله يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣، الأنبياء: ٧] فإذا وقع في نفس الإنسان شك، فيجب عليه أن يسعى في إذهابه، وليثق تمام الثقة أنه ليس في ديننا شيء يُستحى منه، أو يُعتذر عنه، أو ينافي العقل، أو الفطرة، فديننا كله حق، بحمد الله، نجهر به في
стр. 703
المحافل. وإنما يقع هذا لبعض المهزومين، المبهورين أمام المتحذلقين من العلمانيين، أو الملاحدة، أو المتفلسفين، فيسلك مسلك الاعتذار عن شريعة الله، أو عن مسائل الإيمان، وهذا ضعف في العلم والشخصية، ورخاوة في الدين، إن لم تكن أكثر من ذلك، والعياذ بالله. فالواجب أن نعتز بديننا، ونعلم أنه إن خفي هذا الأمر على فلان، أو علان، فقد علمه الراسخون، فينبغي سؤال أهل العلم عما أشكل. وهذا لا يختص بالأمور العملية، أو الاعتقادية، بل في كل شيء؛ ولهذا قال النبي ﷺ في حديث صاحب الشجة، الذي استفتى أصحابه لما أصابته شجة، وأصابته جنابة وقالوا: لا بد لك من غسل، فاغتسل، فمات: "قتلوه قتلهم الله، هلا سألوا، إذ لم يعلموا، إنما شفاء العي السؤال" (١).
٥ - سؤال أكثر من عالم؛ فابن الديلمي ﵀ قد سأل أبي بن كعب، وحذيفة، وابن مسعود، وزيد ﵃ أجمعين-. وهذه المسألة لها حالات:
الأولى: إذا كان مراد الإنسان بالسؤال زيادة التثبت واليقين فلا بأس، فهذا حسن، كما هاهنا.
الثانية: أن يكون سؤال الإنسان ناتجاً من عدم طمأنينة لإجابة العالم الأول، فلا حرج عليه أيضاً أن يسأل غيره، ليذهب الشك.
الثالثة: أن يسأل يريد بذلك تتبع الرخص، والبحث عما هو أسهل وأخف، كما يفعل بعض الناس؛ يتصلون بعديد من طلاب العلم ليسألوهم عن مسألة واحدة، ثم يقارنون الإجابات، ويأخذون أسهلها، وأخفها، بصرف النظر عن الدليل، أو التعليل، فهذا لا يجوز. فيجب أن يكون مراد الإنسان إصابة الحق؛ ولهذا قال العلماء: من تتبع الرخص تزندق؛ لأنه إذا صار يأخذ الرخصة في كلام كل عالم سيخرج بتوليفة من الرخص التي تخرجه عن سمت الشريعة، فإن الذي
стр. 704
رخص في هذه المسألة، أو أخطأ فيها، قد أصاب في الباقي، فإذا كان الإنسان يلتقط هذه المنثورات، وشواذ الفتاوى، وزيغة الحكيم، خرج بدين ملفق.
٦ - وجوب كشف الشبهات عن الناس، والاجتهاد في البيان لهم، وعدم نهر السائل.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: بيان فرض الإيمان بالقدر.
أي: لقول ابن عمر ﵄ واستدلاله بحديث جبريل.
الثانية: بيان كيفية الإيمان.
وهو: "أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك".
الثالثة: إحباط عمل من لم يؤمن به.
لقول ابن عمر ﵄: "لو أنفقتَ مثل أحد ذهباً، ما تُقبل منك حتى تُؤمن بالقدر" وهو يدل على أن من لم يؤمن بالقدر كافر؛ لأن الكافر هو الذي لا يُقبل منه العمل.
الرابعة: الإخبار أن أحداً لا يجد طعم الإيمان حتى يُؤمن به.
لقول عبادة ﵁: "يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان" وذلك لأن الإيمان بالقدر يُوجب طمأنينة في القلب، وبشاشة.
الخامسة: ذكر أول ما خلق الله.
وهو القلم؛ لقوله: "إن أول ما خلق الله القلم" وهي أولية نسبية، أي بالنسبة إلى خلق السماوات والأرض، أما الأولية المطلقة للمخلوقات فهو العرش.
стр. 705
السادسة: أنه جرى بالمقادير في تلك الساعة إلى يوم قيام الساعة.
لقوله: "فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة" كما في رواية أحمد وغيره.
السابعة: براءته ﷺ ممن لم يُؤمن به.
لقوله: "من مات على غير هذا فليس مني" وهذه البراءة مطلقة؛ لأن من لم يؤمن بالقدر كافر كفراً مخرجاً عن الملة.
الثامنة: عادة السلف في إزالة الشبه بسؤال العلماء.
يُؤخذ هذا من قصة ابن الديلمي؛ لأنه قال: "فأتيت عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت" بعد أن أتى أبي بن كعب.
التاسعة: أن العلماء أجابوه بما يزيل شبهته؛ وذلك أنهم نسبوا الكلام إلى رسول الله ﷺ فقط.
لقول ابن الديلمي: "كلهم حدثني بمثل ذلك عن النبي ﷺ " وبهذا تزول الشبهات، وهذا عند المؤمن، أما غيره فلا ينتفع، لقول : ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١].