← Каваид фикха

Каваид фикха · id 30152

بناء الفروع على الفروع - من كشاف القناع

حسنة القرني

Полный текст (856 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

عليه من طريقة المذاهب الأخرى إلا أنه ظاهر في كتب الحنابلة؛ ولعل هذا يعزى إلى المشهور عن الإمام أحمد من كون رأي الصحابي أصل، وحجة تقدم على القياس (١). النوع الخامس: التصريح ببناء حكم الفروع على القواعد، والضوابط الفقهية: القواعد والضوابط الفقهية تقترن بالقواعد الأصولية في الأهمية؛ وهي علم حَظِي بعناية ثلة من الفقهاء … وله ثمراته وفوائده التي لا يسمح المقام بالاستطراد فيها، حيث إن: "هذه القواعد مهمة في الفقه، عظيمة النفع؛ وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه، ويشرف، ويظهر رونق الفقه ويعرف … ومن جعل يخرج الفروع بالمناسبات الجزئية دون القواعد الكلية: تناقضت عليه الفروع، واختلفت … ومن ضبط الفقه بقواعده: استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات لاندراجها في الكليات، واتحد عنده ما تناقض عند غيره، وتناسب" (٢)، فهي: "تضبط الفروع الفقهية، وتجمع شتاتها تحت ضابط واحد مهما اختلفت موضوعاتها، إذا اتحد حكمها" (٣). ومن تصريح بعض الفقهاء ببناء الفروع على القواعد قولهم (٤): ١. "بناء على استثناء النصف هل يصح أو لا؟ على وجهين" (٥). ٢. " بناءً على قاعدة أن كل من خُيِّر بين شيئين وهو متصرف لغيره، فتخييره مصلحة، وليس تخيير تشهٍّ" (٦). ٣. بناء على قاعدة «المشقة تجلب التيسير» (٧). ٤. بناء على قاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وعلى ما سبق نقول: الصحيح أنه لا يشرع تخليل الأصابع بمعنى أنه لا يعتقده سنة، ولا يداوم عليه من باب أولى (٨).

стр. 107

النوع السادس: التصريح بالبناء على اختلاف المذاهب، والمشايخ: يكثر في كتب الفقهاء التصريح بالبناء على أقوال مشايخهم، وما وقع من الاختلاف بينهم، وفي كتب المذاهب الأخرى نتف من ذلك (١)، وقد عدّ بعضهم في شروط المجتهد معرفته بالخلاف بين أعلام الفقهاء، و"أن يكون عارفًا بالفروع المبنية على اجتهاد السلف، كفروع أبي حنيفة، والشافعي، ونحو ذلك" (٢)، ومن أمثلة ذلك في المذهب الحنبلي: ١ - (وبنى .. على قول أحمد - معتمدًا على قول أحمد .. ) (٣). ٢ - ما جاء في كتاب التعليقة، حيث قال: "إذا وجد الإيجاب والقبول في مجلس العقد صح، وإن لم يكن عقيبه بناء على قول أحمد في خيار المخيرة" (٤). ٣ - وما ذكره صاحب المطالب فقال: "حيث جاز للمتطوع إتمام ما شرع فيه مع التخفيف؛ فيجب جلوسه إن دخل وقت النهي، حال تلبسه في سجود الركعة الثانية … وهذا الاتجاه مبني على قول الزركشي، وظاهر الخرقي" (٥).

стр. 108

٤ - قال ابن قدامة ﵀ في المغني: "على المستأجر نقل الزرع وتفريغ الأرض، وإن اتفقا على تركه بعوض أو غيره، جاز. وهذا مذهب الشافعي، بناء على قوله في الغاصب (١) " (٢). النوع السابع: البناء على مطلق الخلاف: في كتب الفقهاء إيراد الخلاف مبنيًّا على خلاف آخر، وهذه الصيغة في كتب الفقهاء كثيرة جدًّا؛ فيقولون: (والخلاف في هذه المسألة .. مبني على الخلاف في مسألة أخرى) (٣)، وقد يذكر ذلك البناء باعتبار الخلاف في المذهب الواحد، ومن أمثلته عند الحنابلة: ١ - قول بعض الفقهاء عن العمرة: "وواجبها الحلاق في إحدى الروايتين، بناء على الخلاف في الحج" (٤). ٢ - قول ابن قدامة ﵀: "وإن باشرها دون الفرج، أو قبلها، أو فعل بها ما يحرم على غير الزوج، فهل تنفسخ الوكالة في الطلاق؟ يحتمل وجهين، بناء على الخلاف في حصول الرجعة به" (٥). ٣ - قول ابن قدامة ﵀ - أيضًا - عن إجارة العقار: "ولا بد من مشاهدته وتحديده، فإنه لا يصير معلومًا إلا بذلك .. "، ثم قال عن جواز ضبطه بالصفة؛ وأن: "له خيار الرؤية، كقولهم في البيع، ويتخرج لنا مثل ذلك، بناء على البيع، والخلاف هاهنا مبني على: الخلاف في البيع" (٦). ٤ - ما أورده ابن قدامة ﵀ -كذلك - في الرد على من قال: إن الاستبراء يحصل بطهر واحد، أو بعض حيضة؛ فقال: "وبناؤهم قولهم هذا على قولهم: إن القروء الأطهار: بناء للخلاف على الخلاف، وليس ذلك بحجة، ثم لم يمكنهم بناء هذا على ذاك حتى خالفوه .. " (٧).

стр. 109

٥ - قول ابن رجب (١) ﵀: "لو اقتسم الورثة العقار، ثم ظهر على الميت دين، أو وصية، فإن قلنا: هي إفراز فالقسمة باقية على الصحة، وإن قلنا: بيع فوجهان، بناء على الخلاف في بيع التركة المستغرقة بالدين" (٢). ٦ - وفي الإنصاف: "والمسائل المفرّعة بعد ذلك: مبنية على الخلاف هنا" (٣). ٧ - وفيه أيضًا: "والأمثلة التي ذكرها المصنف بعد ذلك مبنية على هذا الخلاف" (٤). النوع الثامن: بناء الأوجه على الأقوال، أو الروايات، أو المذهب: للفقهاء معان للاصطلاحات التي يستخدمونها؛ كالقول، والرواية، والوجه (٥) .. ، ومما يلحظ أن لهذه المصطلحات علاقة بالبناء، حيث تبنى الأوجه على الأقوال، أو الروايات، أو المذهب، ومن أمثلة ذلك عند الحنابلة قولهم: ١ - "فيه وجهان مبنيان .. على الروايتين" (٦). ٢ - "على وجهين مبنيين على الروايتين" (٧). ٣ - "الوجهان مبنيان على قول .. " (٨). ٤ - "الوجهان مبنيان على رواية" (٩). ٥ - "والتفاريع الآتية بعد ذلك مبنية على هذه الأوجه الثلاثة .. " (١٠). ٦ - "والتفاريع الآتية مبنية على هذه الأوجه .. " (١١).

стр. 110

٧ - "وتقدم بناء هذه المسائل على روايات تقدمت .. " (١). ٨ - "وهذا الوجه مبني على إحدى الروايتين الآتيتين" (٢). النوع التاسع: البناء على اختلاف المعنى اللغوي (ما يتخرج من الفروع الفقهية على الأصول النحوية): أن هناك علاقة بين علم أصول الفقه واللغة العربية عمومًا؛ ولذا فإن من أسباب اختلاف الفقهاء في تلك الأحكام: سبب تأثير اللغة، وتفسير مفرداتها (٣)؛ وقد صنف بعض الفقهاء والأصوليين في: تخريج الفروع الفقهية على الأصول النحوية (٤)، ومن الأمثلة التي أوردوها بناء على المدلول اللغوي قولهم: ١ - "والخلاف مبني على تفسير: الأقراء" (٥). ٢ - "بناء على استثناء النصف، هل يصح أو لا؟ " (٦). ٣ - "قال بعض أهل اللغة: إن القرء يصلح للحيض والطهر، بناء على أن القرء الوقت، وقال آخر: يصلح لهما، بناء على أن القرء الجمع، ومنه قولهم: قريت الماء في الحوض، وقرأت القرآن. أي لفظت به مجموعًا … هذا بناء على مختاره من أن الأقراء الحيض" (٧). ٤ - "بناء على أن الواو للترتيب" (٨). ٥ - "مبني على أصل، وهو أن الهلال هل هو اسم لما يطلع في السماء وإن لم يشتهر؟ " (٩).

стр. 111

النوع العاشر: البناء على مسائل فقهية، ومنها ما يسمى: أمهات المسائل: أن الكلام في هذه النوع له أهميته؛ إذْ إن المسائل الفقهية تختلف في قدرها، وتأثيرها في البناء عليها؛ ومن ثم تبنى الفروع على الفروع، وتخرّج المسائل على ما يشبهها. والثابت أن من المسائل الفرعية ما يشتهر، ويكبر بالنسبة إلى مسائل فرعية أخرى، وهذا ورد في عامة أبواب الفقه؛ فتكون تلك المسائل المشتهرة بالنسبة لمسائل أخرى مصدر تفريع، وبناء واسعًا؛ وسمى بعض الفقهاء تلك المسائل (الأمهات): (أصولاً، وقواعد)، كما في قول السيوطي ﵀: "الكتاب الثالث: في القواعد المختلف فيها، ولا يطلق الترجيح -لاختلافه في الفرع- وهي عشرون قاعدة: القاعدة الأولى: الجمعة: ظهر مقصورة، أو صلاة على حيالها؟ قولان: ويقال: وجهان" (١)، ثم ذكر البناء فيها بقوله: (إن قلنا: -وإن قلنا:)، مع تكرار كلمات (البناء، والتخريج، والتفريع .. ). ومن الفقهاء من يسميها: (أمّهات المسائل)، و (عيون المسائل)، و (رؤوس المسائل)، و (عمدة المسائل) (٢)؛ وقد ينبني على بعضها مسائل كثيرة، كقول السيوطي ﵀ - أيضًا - عن الخلاف في: مسألة نفقة البائن الحامل، أنها لها، أو للحمل .. : "البائن الحامل لها نفقة بنص القرآن، وهل هي للحمل، لأنها تجب بوجوده، وتسقط بعدمه، أو لها بسببه; لأنها تجب على الموسر وغيره؟ قولان، أصحهما الثاني؛ ويتخرج على القولين: اثنان وثلاثون فرعًا .. " (٣)، وقوله: "والفروع المبنية على هذا الخلاف اثنان وثلاثون فرعًا، سقتها في تأليفي: الأشباه والنظائر" (٤)، وكقول المرداوي ﵀ بعد أن تساءل عن (تدبير العبد (٥): هل هو تعليق للعتق على صفة، أو هو وصية؟ .. : "تنبيه: ينبني على هذا الخلاف مسائل جمّة .. " (٦)؛ ثم ذكر ما يزيد على عشر مسائل تبنى على الخلاف. ومن أمثلة أمهات المسائل الفقهية التي كثر عليها البناء، والتفريع:

стр. 112

أ - صلاة (الجمعة - هل هي: ظهر مقصورة، أم صلاة على حيالها؟) (١)؛ "وبنى الأصحاب على الخلاف في كونها ظهرًا مقصورة، أم مستقلة: مسائل كثيرة" (٢). ب - الخلاف في تملك العبد بالتمليك - كما: إذا ملكه سيده مالاً؛ فإن "لهذا الخلاف فوائد عديدة .. " (٣)؛ "فيتفرع على هذا الخلاف مسائل .. " (٤). ت - قولهم: "هذا الحكم مبني على ثلاث قواعد: الأولى: أن الكفار يملكون أموال المسلمين بالقهر. الثانية: أن من وجد ماله من مسلم، أو معاهد بيد من اشتراه منهم: فهو أحق به بثمنه. الثالثة: أن المكاتب يصح نقل الملك فيه" (٥). الخلاصة: يتضح من هذ الفرع أن البناء له أنواع بحسب الدليل الذي يستند إليه أصول كل مذهب، وأن البناء اللغوي معتبر عند الأصوليين، فيختلفون في بناء بعض الفروع عند اختلافهم في المعنى اللغوي، وهذا ما سيتضح من خلال البحث إن شاء الله.

стр. 113

الفرع الثالث: أنواع البناء باعتبار الجزم به، وعدمه: وبعد التأمل في كلام الفقهاء وفي المسائل التي أوردوها بطريقة الجزم وعدمه، يكون هناك نوعان باعتبار الألفاظ التي استخدمها الفقهاء، ومنها على سبيل الجزم: (هذا القول، أو: الوجه، أو الرواية، أو: الخلاف .. : (مبني على .. )، أو (بناء على .. )، أو: (المسألة مبنية على .. ) (١). وفي بعض الأحيان تكون بطريقة مغايرة للجزم، فيها تردد، ويستخدم بلفظ الترجّي (لعلّ)، فيكون البناء باعتبار الجزم به وعدمه، نوعين: النوع الأول (الجزم بالبناء): فإن أمثلته عند الحنابلة - وعند غيرهم-كثيرة جدًّا، ومنها على سبيل التمثيل: ١. هذه المسألة مبنية على تلك (٢). ٢. بناء على الرواية الثانية (٣). ٣. بناء على أنه لا يغسل المعتدة (٤). ٤. بناء على قول الأكثر (٥). ٥. مبني على الشح والضيق (٦). النوع الثاني (التردد، وعدم الجزم بالبناء): فله أمثلة كثيرة - أيضًا - لكنها خلاف الأصل؛ وهذه جملة مما ذكره الحنابلة، منها: ١ - "ولعله مبني على .. " (٧).

стр. 114

٢ - "ولعل الخلاف مبني على .. " (١). ٣ - "ولعل مَبْنى القولين .. " (٢). ٤ - "ولعل مَبْنى هذه الرواية .. " (٣). ٥ - "ولعلهما مبنيان على الخلاف في .. " (٤). ٦ - "ويمكن بناء هذا الخلاف على .. " (٥). ٧ - "ويمكن بناء هذه المسألة على .. " (٦). ٨ - "قد يبنى الخلاف .. على .. " (٧). ٩ - "ولعل هذين الوجهين مبنيان على .. " (٨). ١٠ - "قال بعض الأصحاب: الوجهان مبنيان على .. وعند بعض الأصحاب: الوجهان مبنيان على .. " (٩). الخلاصة: ويتضح من هذا الفرع أن عبارات الفقهاء والأصوليين لها صلة بتأكيد البناء والجزم به وعدم ذلك، وهذا يدل على دقتهم في صياغة العبارات وفهمهم العميق لكل لفظ وعبارة.

стр. 115

الفرع الرابع: أنواع البناء في المسائل الفقهية باعتبار عدد الأصول التي يبنى عليها، وعدد الفروع المبنية: تمهيد: ذكر بعض الفقهاء تقسيم المسائل الفقهية - من حيث بناء بعضها على بعض، وعدمه- إلى قسمين: القسم الأول: "مسألة مبتدأة؛ أي: غير بنائية" (١)؛ فيستخدمون هذه التسمية في مقابل البناء؛ ومنه قول بعض العلماء: "هذه الصورة وأمثالها غير مبنية على هذا المبتنى؛ بل هي: مسألة مبتدأة" (٢)، وأمثلة هذا القسم لا تحصى. وقد يطلقون (المسألة المبتدأة) بمعنى أنها: "ليست قيدًا في المسألة التي قبلها .. " (٣)، أو ليست معطوفة عليها؛ بل هي مستقلة عنها (٤)؛ فيحتاج عند ذكرها "أن يأتي بواو الاستئناف" (٥). ويلاحظ هنا أن بعض الفقهاء يصرّح بـ (عدم التفريع) على بعض الأقوال، أو الروايات، أو الأوجه - وهو كثير في كتب الفقه؛ ولهذا أكتفي بالتمثيل له من بعض كتب الحنابلة-فمن ذلك قولهم: ١ - "ولا تفريع على الروايتين الأوليين" (٦). ٢ - "ولا تفريع على هذا القول" (٧). ٣ - "إذا قلنا: القسمة إفراز حق؛ فإنها لا تبطل، ولا تفريع عليه، وإن قلنا: هي بيع: انبنى على صحة بيع التركة قبل قضاء الدين: هل يصح أم لا؟ " (٨).

стр. 116

٤ - "ولا تفريع على هذه الرواية" (١). ٥ - "ولا تفريع على هذا" (٢). ٦ - "ولا تفريع على هذا القول عندنا، إنما التفريع على الأول" (٣). ٧ - "ولا تفريع على هذا، أما إذا قلنا: .. " (٤). ٨ - "ولا تفريع على هذه، أما على المذهب" (٥). ٩ - "ولا تفريع على هذه الرواية، أما على الأولى" (٦). ١٠ - "ولا تفريع على الرواية الأولى" (٧). ١١ - "وهو وجه … ولا تفريع عليه" (٨). القسم الثاني: مسألة مبنية: أي بنيت على مسألة أخرى، وارتبطت بها؛ فتفرعت عنها (٩) -، وهنا أمثلة لتسميتهم لها بذلك: ١ - تردد بعض الحنفية في بناء مسألة: أمر الرجل زوجته - أو: غيرها - بالطلاق؛ في قوله: (طلّقي نفسك، أو قال لرجل: طلّقها) فهل تبنى على المسألة الأصولية: (اقتضاء الأمر التكرار)؛ فيملك (المأمور أن يطلق أكثر من الواحدة - جملة، ومتفرقة) (١٠)، أو أن المسألة: "غير مبنية على هذا المبتنى بل هي: مسألة مبتدأة؟ " (١١).

стр. 117

٢ - الخلاف في مسألة المبادرة بالحج - عند البلوغ، والاستطاعة، والقول بالتأثيم بسبب التأخير .. - أي: في كونها مبنية على المسألة الأصولية: (الأمر يقتضي الفورية)، أو أن مسألة الحج: "مسألة مبتدأة" (١). ٣ - الخلاف في كون القضاء بالحَجْر مبنيًا على القضاء بالإفلاس؛ فيمتنع القضاء بالحجر - عندهم - بناء على ذلك، "ومنهم من جعل هذه المسألة مسألة مبتدأة، فعلى هذا القول المانع من الحجر - عند أبي حنيفة - كون الحجر متضمنًا إلحاق الضرر بالمحجور، ولا تعلق له بالقضاء بالإفلاس" (٢). ٤ - خلافهم في جواز الوقف على النفس، وكون ذلك مبنيًا على لزوم قبض الوقف، وإفرازه، أو أن مسألة: "الوقف على النفس" مبتدأة (٣). وإذْ قد أتى الكلام عن البناء في تلك المسائل؛ فإن طرائق الفقهاء في بناء المسائل الفقهية على بعضها -تتنوع من حيث عدد الأصول المبني عليها، أو الفروع التي تبنى في الموضوع الواحد، وقد سبق أن مسألة فقهية واحدة قد يبنى عليها عشرات المسائل، وقد تبنى هي على عدة أصول، فيقولون: "هذه المسائل مبنية على أصلين" (٤)، أو: مسائل هذا الكتاب مبنية على أصول (٥). ويظهر لي من خلال التتبع أن مجمل أنواع البناء في المسائل الفقهية-باعتبار ما يصرحون به-في عدد الأصول التي يبنى عليها، أو عدد الفروع المبنية (٦) - هو ما يأتي: ١ - بناء المسألة على مسألة (الأصل المبني عليه واحد) = بناء المسألة على أصل واحد. ٢ - بناء مسألة واحدة على عدة مسائل؛ فتتعدد المسائل التي تبنى عليها مسألة واحدة.

стр. 118

٣ - بناء عدة مسائل على مسألة واحدة؛ فتعدد المسائل المبنية على أصل واحد. ٤ - بناء كلٍّ من الفرعين على الآخر. ٥ - كون المسألة الواحدة مبنية، ومبنيًا عليها. ٦ - تسلسل البناء من مسألة إلى أخرى. الخلاصة: ويتلخص من هذا الفرع أن المسائل قد تكون مبنية وله فروع تنسل منها على غراراها، وهناك مسائل ليست بنائية ولا يتفرع منها تفاريع، ويكون هذا الأمر بشكل صريح أو مفهوم من خلال سياق الكلام عند الفقهاء. كما يتضح أن البناء في المسائل الفقهية يكون بستة طرق، وبمشيئة الله تتضح بعض هذا الطرق في القسم التطبيقي.

стр. 119

المبحث الثاني أهمية البناء في مسائل الفقه، وضوابطه ؛ وفيه مطلبان: • المطلب الأول: أهمية البناء في مسائل الفقه ومسوغاته. • المطلب الثاني: ضوابط بناء الفروع على الفروع.

стр. 120

المطلب الأول: أهمية البناء في مسائل الفقه ومسوغاته. أولاً: أهمية البناء في مسائل الفقه: إنَّ الملاحظ في عمل الفقهاء تأصيل الفقه، وترتيبه على النصوص، وارتباط فروعه .. يجد أن عامة الفقه بمنزلة البناء؛ فمسائله يشد بعضها بعضًا؛ لأن مسائل الفقه متعانقة متشابكة؛ فروعها تتعلق بأمهاتها (١)، فتبنى مسائل الفقه على أصوله وأسسه، كالفرع على الشجرة، أو البناء على القواعد، وكل بناء لم يوضع على قاعدة وأساس فهو منهار، وكل أساس خلا عن بناء وعمارة فهو: قفر وخراب (٢). ترجع أهمية البناء في المسائل الفقهية لعدة أمور، منها: ١ - أن نيل العلم والتمكن فيه - وخاصة في بناء المسائل الفقهية- لا يكون إلا ببذل الجهد في معرفة أصول المسائل، وفهم مآخذها وعللها، وقد قال الزنجاني ﵀: "وأن من لا يفهم كيفية الاستنباط ولا يهتدي إلى وجه الارتباط بين أحكام الفروع وأداتها التي هي أصول الفقه لا يتسع له المجال، ولا يمكنه التفريع عليها بحال، فإن المسائل الفرعية على أتساعها وبعد غاياتها لها أصول معلومة وأوضاع منظومة، ومن لم يعرف أصولها لم يحط بها علمًا" (٣). ٢ - أن التأصيل الفقهي ذو أهمية بالغة في توجيه البناء وفهمه بشكل جيد، فإن بناء المسائل على بعضها، وقياس الفروع على أصولها، والربط بين الأشباه والنظائر من أوضح أنواع التأصيل. ٣ - أن من أهمية البناء في باب الفقيه أن "يفتي فيما لا نص فيه لإمامه بما يخرجه على أصوله، هذا هو الصحيح الذي عليه العمل، وإليه مفزع المفتين من مدد طويلة، ثم إذا أفتى بتخريجه فالمستفتي مقلد لإمامه .. " (٤). ٤ - أن المجتهد، والفقيه يحتاج أن تكون جميع الأحكام الحاصلة له قد حصلت بطريق الاستدلال، فمن المسائل ما يكون حكمها مستقلاً عن الفروع الأخرى، ومنها ما يرتبط بغيره (٥)؛ فمن تأصيل المسائل الفقهية ربط أحكام الفروع بغيرها، واستنباطها من أصولها .. ؛ فلما كان الحكم في المسألة الفقهية يعتمد على تأصيلها، والاستدلال لها؛ فإن من ذلك أن ترد الفروع

стр. 121

إلى الأصول، ومن تأصيل المسألة معرفة نظيرها، وما يشبهها؛ لأن حكم المسألة قد يبنى على حكم مسألة أخرى. ٥ - ومن أهمية البناء في الفروع الفقهية معرفة الخلاف داخل المذهب، وبين المذاهب الأخرى. ٦ - أن البناء يساعد المجتهد والمقلد على فهم كيفية سرد وترتيب وربط الفروع بأمهات المسائل، ومن ثم يستطيع ربط الفرع بفرع آخر. ٧ - أن البناء الفقهي ذو أهمية بالغة خاصة في النوازل الفقهية المستحدثة، وخاصة في المسائل الحادثة وما تفرع عنها من مسائل مشابهة لها. ثانيًا: مسوغات البناء في مسائل الفقه: ترجع مسوغات البناء لعدة أمور، منها: أولاً: تنوع الأصول الفقهية للمسائل، وتفاوت درجاتها: يلاحظ أن الأصول التي تبنى عليها الفروع الفقهية تتفاوت درجاتها، وتتنوع حالاتها؛ فيكون البناء والتأصيل على: قاعدة أصولية، أو فقهية، وقد يكون الأصل مسألة من المسائل الفقهية التي تتميز بالسعة، والشمول .. ، مما يسمى: (أمهات المسائل)، ومنه بناء مسائل فقهية على أشباهها، ونظائرها، وهذا التأصيل "من أهم ما يجب الاعتناء به" (١). ولما كانت الأصول تتفاوت؛ فإن التشابه بين الفروع معتبر في الأمور التي يبنى عليها الحكم؛ فإن عند الفقهاء (الاستدلال بالشيء على مثله) (٢). ثانيًا: إطلاق الفقهاء الأصول، والقواعد على المسائل الفرعية الفقهية: إن إطلاق الفقهاء تسمية المسائل الفرعية بـ (الأصول) شائع في كتب المذاهب، ومن أمثلة ذلك عند الحنابلة: ١ - (مسألة: قال: وإن كانت أمة، اعتدت بأحد عشر شهرًا، تسعة أشهر للحمل، وشهران للعدة). هذه المسألة مبنية على أصلين: أحدهما: أن الحرة تعتد بسنة إذا ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه. الثاني: أن عدة الأمة الآيسة شهران، فتتربص تسعة أشهر؛ لأن مدة الحمل تتساوى فيها الحرة والأمة، لكونه أمرًا حقيقيًّا، فإذا يئست من الحمل، اعتدت عدة الآيسة

стр. 122

شهرين. وعلى الرواية التي جعل عدتها شهرًا ونصفًا، تكون عدتها عشرة أشهر ونصفًا. ومن جعلها ثلاثة أشهر، فعدتها سنة كالحرة (١). ٢ - (وإن قال - لمن ظنها زوجته: أنت طالق - وقيل: وسمى زوجته - طلقت، وفي العكس روايتان، هما أصل المسائل .. ) (٢). ٣ - (مسألة: وإن حلف لا يلبس ثوبًا من غزلها - يقصد قطع منّتها - فباعه، واشترى بثمنه ثوبًا، فلبسه حنِث، وكذلك: إن انتفع بثمنه). هذه المسألة أصلُ فرعٍ قد تقدم ذكره .. (٣). ٤ - (وإن قذف من لا يتصور عادة الزنا منهم كأهل بلده لم يحدّ … في المغني جعل هذه المسألة أصلاً لقذف الصغيرة .. ) (٤). ثالثًا: جواز بناء الفروع على الفروع: ١. أن من الأصوليين من أجاز بناء الأصل على الفرع (٥)؛ فيكون جواز بناء الفرع على الفرع من باب أولى. ٢. أن عددًا من الأصوليين -ولا سيما من الحنفية- قد بنوا الأصول على الفروع؛ حيث عمدوا إلى (الغوص على النّكت الفقهيّة، والتقاط هذه القوانين من مسائل الفقه ما أمكن)؛ فكان كثير من أصول مذهبهم على مسائل أئمتهم (٦). ٣. أن عددًا من الأصوليين يرون تعدد العلل للحكم الواحد؛ فيبنى الحكم على علتين أو أكثر، وحينئذ يقاس الفرع على الفرع للعلة الأخرى؛ فيصير الفرع الثاني أصلاً للفرع الثالث، ويكون مبنيًا عليه (٧). ٤. أن بعض فقهاء المذاهب الأربعة يصرّحون بلفظ (البناء على الفرع)، ومن أمثلته قولهم:

стр. 123

• (هذه المسألة - وهي: كون الأربع أفضل في الليل والنهار - عنده: بناء على فرع المسألة الأخرى، وهو أن اختلافهم في التطوع الذي ليس من السنن) (١). • (مبني على فرع: إذا رأى المتوضئ المقتدي بمتيمم ماء في الصلاة لم يره الإمام فسدت صلاته لاعتقاده فساد صلاة إمامه لوجود الماء) (٢). • (بناه على فرع) (٣). الخلاصة: ويتضح مما سبق أن للبناء أهمية في الفروع الفقهية في معرفة الخلاف داخل المذهب، وبين المذاهب الأخرى، وأن البناء يساعد المجتهد والمقلد على فهم كيفية سرد وترتيب وربط الفروع بأمهات المسائل، ومن ثم يستطيع ربط الفرع بفرع آخر، وكذلك له أهمية بالغة خاصة في النوازل الفقهية المستحدثة وخاصة في المسائل الحادثة وما تفرع عنها من مسائل مشابهه لها. وأن من مبررات وجود البناء عند الفقهاء والأصوليين: أن منهم من أجاز بناء الأصل على الفرع، وفقهاء المذاهب الأربعة يصرّحون بلفظ (البناء على الفرع).

стр. 124

المطلب الثاني: ضوابط بناء الفروع على الفروع. إنَّ المتأمل لكثيرٍ من الآراء الفقهية يجدها مخرّجة من أقوال الفقهاء، ولحاجة ذلك للتقعيد والتأكيد فإن من العلماء من جعل للبناء والتخريج ضوابط تراعى في قبوله، مع "أنه لا يشترط السلامة عن الخطأ ألبتة؛ لأن فروع كل علم إذا انتشرت وانبنى بعضها على بعض اشتبهت، وربما تصور تفريعها على أصول مختلفة في العلم الواحد فأشكلت، أو خفي فيها الرجوع إلى بعض الأصول، فأهملها العالم من حيث خفيت عليه، وهي في نفس الأمر على غير ذلك، أو تعارضت وجوه الشبه فتشابه الأمر، فيذهب على العالم الأرجح من وجوه الترجيح" (١). وبعد البحث وجدت أن هناك ضوابط عامة للبناء والتخريج، ذكرها الدكتور عبد الله العمري في بداية المشروع، وهناك ضوابط خاصة ببناء الفروع على الفروع، وقد استخلصتها من محاضرات الدكتور عبد الكريم الحامدي في علم التخريج الأصولي والفروعي، وهي كالآتي: الضوابط العامة للبناء والتخريج: أولاً: عدم الإكثار والمبالغة في التخريج، بذكر مسائل افتراضية: مع ما عرف من أن المنقول عن الأئمة والمجتهدين من الفروع الفقهية، والاجتهادات، والفتاوى: لا يشمل حاجات الناس من الأحكام، ولا يكفي للإجابة عن تساؤلاتهم (٢)؛ إلا أن بعض الناس يرى أن القياس يحتاج إليه في معظم الشريعة مما يتعلق بالأمور العملية - الفقهية- لقلة النصوص الدالة على الأحكام الشرعية - زعموا- (٣)؛ وربما أدى هذا التصور إلى "ما يستجيزه فاعل ذلك من تخريج أقاويل إمامه من مسألة إلى مسألة أخرى، والتفريع على ما اعتقده مذهبًا له بهذا التعليل، .. ونسبة القولين إليه بتخريجه، وربما حمل كلام الإمام فيما خالف نظيره على ما يوافقه، استمرارًا لقاعدة تعليله، وسعيًا في تصحيح تأويله، وصار كل منهم ينقل عن الإمام ما سمعه، أو بلغه عنه، من غير ذكر سبب ولا تأريخ، فإن العلم بذلك قرينة في إفادة مراده من ذلك اللفظ، كما سبق، فيكثر لذلك الخبْط" (٤)، ومنه: "إنَّ أكثر المصنفين والحاكين: قد يفهمون معنى، ويعبرون عنه بلفظ يتوهمون أنه واف بالغرض، ولا يكون كذلك" (٥)؛ ومع فائدة التخريج، والقياس والبناء في

стр. 125

التعرف على أحكام المسائل الجزئية المتنوعة إلا أنه قد يقع الإكثار والتوسع فيه؛ ويظهر أن من أسباب التوسع في التخريج والبناء: ١ - أن مذهب الإمام يؤخذ أكثره من أقواله وفتاويه، وهذا مما لا يمكن حصره عنه عادة؛ لأن ذلك يستدعي الإحاطة بما روي عن الإمام في تلك المسألة على جهته في كل وقت يسأل. ٢ - أن غالب الأئمة لم يصنّف كتابًا في المذهب، بل أخذ أكثر مذهبه من الأقوال والفتاوى (١). ٣ - كثرة نقل الروايات، والأوجه، والاحتمالات، والتخريج، والتفريع، حتى صار هذا عادة، وفضيلة في أهل التخريج، والتفريع؛ فمن لم يكن منه بمنزلة لم يكن عندهم بمنزلة (٢). ثانيًا: من ضوابط التخريج عدم الفرق بين المسألتين: التخريج نوع من القياس (٣)؛ فاشترط بعض الفقهاء لصحته عدم الفرق بين المسألة المخرّجة، والمسألة المخرّج منها؛ "ومتى أمكن الفرق بين المسألتين لم يجز له على الأصح التخريج، ولزمه تقرير النصين على ظاهرهما للفارق والمؤثر" (٤). ولذا قال بعض المالكية: "فإذا كان إمامه أفتى في فرع بُني على علة اُعتبر فرعها في نوع الحكم: لا يجوز له هو أن يخرج على أصل إمامه فرعًا مثل ذلك الفرع .. فيحرم عليه التخريج حينئذ لقيام الفارق .. والضابط له ولإمامه في القياس والتخريج أنهما: متى جوزا فارقًا يجوز أن يكون معتبرًا حرم القياس، ولا يجوز القياس إلا بعد الفحص المنتهي إلى غاية أنه لا فارق هناك، ولا معارض، ولا مانع يمنع من القياس .. فإذا بذل جهده فيما يعرفه ووجد ما يجوز أن يعتبره إمامه فارقًا أو مانعًا أو شرطًا - وهو ليس في الحادثة التي يروم تخريجها- حرم عليه التخريج، وإن لم يجد شيئًا بعد بذل الجهد وتمام المعرفة جاز له التخريج حينئذ" (٥). أما الشافعية فقد ذكروا أن على المخرّج أن يتأكد من "شرط التخريج المذكور عند اختلاف النصين: ألا يجد بين المسألتين فارقًا .. ومهما أمكنه الفرق بين المسألتين لم يجز له على الأصح التخريج،

стр. 126

ولزمه تقرير النصين على ظاهرهما معتمدًا على الفارق، وكثيرًا ما يختلفون في القول بالتخريج في مثل ذلك لاختلافهم في إمكان الفرق" (١). أما عند الحنابلة فلا يختلف الأمر عن المذاهب السابقة فإن: "تخريج حكم إحدى المسألتين إلى الأخرى، وجعْل الروايتين في الموضعين مسألتين - لوجود الفرق بينهما نصًا واستدلالاً، ولوجود معنى يجوز أن يكون مستندًا للفرق- غير جائز، ولم يخرج التخريج" (٢)، ومن أجل ذلك صرح عدد من الحنابلة ببطلان البناء، وعدم صحته حيث وجد الفارق (٣)، وأن التخريج حينئذ يكون غلطًا (٤). ومع هذا الاهتمام من عامة الفقهاء باشتراط عدم الفرق (٥): فإن في هذه المسألة خلافًا؛ حيث أشار بعض الأصوليين (إلى خلاف فيه) (٦)، وعلى هذا (لا يلزم من البناء وإجراء الخلاف الاستواء في التصحيح) (٧). ومما يشير للقول الثاني أن بعض الفقهاء ذكر "التخريج على الجمع بين مختلفي الحكم" (٨)، ثم إن "الغالب في مثل هذا عدم إطباق الأصحاب على التخريج؛ بل منهم من يخرج، ومنهم من يبدي فرقًا بين الصورتين" (٩). ثالثًا: مما يتعلق بضوابط التخريج (موافقته للمذهب):

стр. 127

الأقوال المخرّجة -وإن لم تكن هي المذهب عند بعض الفقهاء (١) - إلا أن من شروط صحة التخريج عند كثيرين منهم: أن توافق المذهب (٢)؛ فقولهم: المذهب كذا -قد يكون بنص الإمام، أو بإيمائه، أو بتخريجهم ذلك، واستنباطهم إياه من قوله، أو تعليله، وقد يكون التخريج رواية؛ لأن الرواية: قد تكون نصًّا، أو إيماءً، أو تخريجًا (٣). رابعًا: من شروط البناء وضوابطه ثبوت الأصل محل التخريج، أو القياس: حيث إن التخريج، والقياس من البناء وبينهما علاقة التداخل والتلازم (٤)؛ فقد "اشترط ثبوت الأصل؛ لأنه ينبني عليه الفرع، ويلحق به، وما لا ثبوت له لا يتصور بناء غيره عليه، وإنما اشترط إذا لم يكن منصوصًا عليه أن يكون متفقًا عليه بينهما ليكون غاية ينقطع عندها النزاع؛ لأن الأصل إذا كان مختلفًا فيه فالمعترض كما ينازع في الفرع ينازع في الأصل" (٥). ويشترط بعض الفقهاء اتفاق الفرعين - محل البناء - في الترجيح؛ لأن "الغالب من أحوالهم أن تخريج مسألة على أخرى في خلافها يقتضي اتحادهما في الراجح من ذلك الخلاف" (٦). ورأى آخرون منهم عدم لزوم اتفاق الترجيح بين الفرعين، وجواز كون الأصل فرعًا لأصل آخر، فرب فرع لأصل وذلك الحكم يظهر في الفرع أقوى من ظهوره في حكم الأصل؛ لانتهاض الدليل عليه ولهذا تراهم كثيرًا ما يصححون في المبني بخلاف ما يصححونه في المبني عليه (٧).

стр. 128

خامسًا: أنه يلزم من خرّج فرعًا في مذهبه على منصوص إمامه أن ينسبه إلى نفسه لا إلى إمامه ؛ لأن "التخريج قد يوافق إرادة صاحب الأصل، وقد يخالفها، حتى لو عرض عليه المخرج على أصله لأنكره .. " (١)، ومن هنا فإن المخرّج " .. لا يحل له أن ينسب إليه القول، ويطلق عليه أنه قوله بمجرد ما يراه في بعض الكتب التي حفظها، أو طالعها من كلام المنتسبين إليه؛ فإنه قد اختلطت أقوال الأئمة وفتاويهم بأقوال المنتسبين إليهم واختياراتهم؛ فليس كل ما في كتبهم منصوصًا عن الأئمة، بل كثير منه يخالف نصوصهم، وكثير منه لا نص لهم فيه، وكثير منه يخرج على فتاويهم، وكثير منه أفتوا به بلفظه أو بمعناه، فلا يحل لأحد أن يقول: هذا قول فلان، ومذهبه، إلا أن يعلم يقينًا أنه قوله ومذهبه" (٢). ويؤكد هذا ما ورد في الإنصاف من قوله: "واعلم أن مذهب الإمام أحمد: هو ما قاله أو جرى منه مجرى القول من تنبيه أو غيره، وفي جواز نسبته إليه من جهة القياس، أو من فعله، أو من مفهوم كلامه: وجهان للأصحاب، فعلى القول بأن ما قيس على كلامه مذهبه: لو أفتى في مسألتين متشابهتين بحكمين مختلفين في وقتين لم يجز النقل والتخريج من كل واحدة منهما إلى الأخرى؛ كقول الشارع .. وعن بعض الأصحاب: الجواز .. قلت: كثير من الأصحاب -متقدمهم، ومتأخرهم- على جواز النقل والتخريج، وهو كثير في كلامهم في المختصرات والمطولات؛ وفيه دليل على الجواز، وأطلقهما في (الفروع) في خطبة الكتاب" (٣). سادسًا: من الضوابط التي أوردها بعض الفقهاء في البناء: أنه لا يصح بناء قولين على وجهين (٤)، فإن "الأكثر بناء الوجهين على قولين، أو على وجهين، إذا كان المأخذ في الأصل أقوى، وأما القولان فينبنيان على القولين، وقد ينبنيان على الوجهين، وهو مما يستنكر كثيرًا؛ وجوابه أن الوجهين مأخذهما قولان، فلم نبن القولين في الحقيقة إلا على قولين" (٥). الضوابط الخاصة ببناء الفرع على الفرع (٦): ١. أن يكون الباني متمكّنًا من الأُصول والفروع معًا، ولَا يكتفي تمكّنه من أحد الفنّين، فالمتمكّن من الفروع دون الأصول، أو الأصول دون الفروع يوقع الباني في خطأ أثناء بناء الفروع على

стр. 129

الفروع، فلا بد من معرفته للفرع الذي بني على أصل، والفرع الذي بني على فرع آخر، وهذا محل دراسة هذا البحث. ٢. أن يقصد بالبناء التعرّف على رأي غيره، بكونه موافقًا لإمام المذهب أو المذهب الآخر، لكن يذكر ما يعضد به على صحّة بنائه الفرع على فرع، إمَّا بكون تفريعه وافق عليه أصحاب المذهب أو كان الباني مستقلاً بتفرعه وموضحًا له من خلال كلامه في البناء. ٣. استيفاء العملية الاستقرائية، بأن تكون تامّةً أو أغلبيةً، حتى يغلب على الظن ثبوت الفرع وصحته. ٤. الخلوّ من التعسف والتكلف، ويكون البناء مبنيًّا على الاستقراء طبيعيًّا وسليمًا خاليًا من التعصّب والانتصار للمذهب، فلا بُدَّ أن يكون التعامل مع فروع الإمام خاليًا من التكلّف والتعّسف في التأويل والتوجيه لتسلم عملية البناء. ٥. أن يسلك الباني - عند بدء عملية بناء الفرع على الفرع- الخطوات الآتية: أ - جمع الفروع التي هي محلّ البناء على فرع آخر، والتأكد من ذلك. ب - التأكّد من عدم فوات فروع قد تؤثر على عملية البناء. ت - معرفة كيفية أسلوب المؤلف في التفريع. ث - التفريق بين المسألة المبني عليها والمسألة المبنية حتى لا يقع الدارس لها في خطأ أثناء دراسة المسألة. ج - تحليل الفروع، والنظر في وجه دلالتها. ٦. تحرير صورة النّزاع في الفرع المراد تخريجه من فرع آخر إذا لزم الأمر، حتى يتضح الفرع الذي بُنيِ عليه فرع آخر من صور النزّاع، فلا يجوز أن يُنسب للإمام فرعٌ على فرع خاطئ لم يظهر ولم يَتبَّين أن الإمام أخذ به؛ ثم النظر المراد لدى إمامه إذا كان هناك خلافٌ واردٌ حول هذا الفرع، والنظر في مختلف الآراء وسَبرْها وتحليلها لاستخلاص الرأي في هذا البناء. ٧. التأكّد من صحّة ما نسب للإمام من فرع. ٨. النظر في الفرع المخرَّج عليه، إن كان من نظائر ما يصلح تخريجه على الفرع المخرَّج، فهو صالح. الخلاصة: مما يلحظ لدى الفقهاء والأصوليين عدم تفنيد ضوابط خاصة بالبناء، وإنما كان اقتصارهم على التخريج بشكل واضح، وقد بينت فيما سبق العلاقة بين التخريج والبناء والقياس، وأنَّ بينهما ترابطًا وتداخلاً.

стр. 130

ولقد استنتجت ضوابط لبناء الفروع على الفروع، وكيفية التأكد من بناء الفرع على الفرع، فيمكن أن نقول: إنَّه لا يحكم بمنع البناء على الإطلاق أو قبوله، بل لا بدّ من التفصيل، فإن كانت عملية البناء منضبطة بضوابطها فهي مقبولة، وإن لم تكن مضبوطة رُفضت ولم تُقبل، هذا والله أعلم.

стр. 131

الفصل الأول: التعريف بكتاب (كشاف القناع) ومصنفه، وفيه مبحثان: المبحث الأول: التعريف بالكتاب (كشاف القناع)؛ وفيه ستة مطالب: المطلب الأول: تسميته الكشاف. المطلب الثاني: منهج البهوتي ﵀ فيه. المطلب الثالث: مصادر الكتاب. المطلب الرابع: مكانته. المطلب الخامس: طبعاته، وعدد مجلداته. المطلب السادس: أصله كتاب الإقناع. •المبحث الثاني: التعريف بالمصنف، وفيه ستة مطالب: • المطلب الأول: اسمه، ونسبه. • المطلب الثاني: ولادته، ثم وفاته. • المطلب الثالث: مكانته. • المطلب الرابع: شيوخه. • المطلب الخامس: تلاميذه. • المطلب السادس: مصنفاته.

стр. 132

المبحث الأول التعريف بالكتاب (كشاف القناع)؛ وفيه ستة مطالب: • المطلب الأول: تسميته الكشاف. • المطلب الثاني: منهج البهوتي ﵀ فيه. • المطلب الثالث: مصادر الكتاب. • المطلب الرابع: مكانته. • المطلب الخامس: طبعاته، وعدد مجلداته. • المطلب السادس: أصله كتاب الإقناع.

стр. 133

المطلب الأول: تسميته الكشاف. اسمه: كشاف القناع (١)، أو (كشف القناع) (٢)، ويسمى (شرح الإقناع) (٣)؛ لأنه لم يثبت له شرح غير الكشاف (٤)، إلا ما نقل من تصنيف الشيخ/ سليمان بن علي التميمي ﵀ المتوفى سنة (١٠٧٩ هـ) (٥) من شرحه للإقناع؛ لكنه أتلفه -بغسله- لما أطلعه الشيخ منصور ﵀ على شرحه له، وكان ذلك في حج عام ١٠٤٩ هـ (٦). المطلب الثاني: منهج البهوتي ﵀ فيه. ذكر الشيخ البهوتي ﵀ منهجه في كتابه، قال في المقدمة: "وربما عزوت بعض الأقوال لقائلها -خروجًا من عهدتها- وذكرت ما أهمله من: القيود، وغالب علل الأحكام، وأدلتها، على طريق الاختصار غير المردود، وبينت المعتمد من المواضع التي تعارض كلامه فيها، وما خالف فيه المنتهى، متعرضًا لذكر الخلاف فيها؛ ليعلم مستند كل منهما .. " (٧). المطلب الثالث: مصادر الكتاب. ذكر الإمام البهوتي ﵀ في مقدمته أصول كتابه التي استقى منها مادته، حيث قال: "وتتبعت أصوله التي أخذ منها: كالمقنع، والمحرر، والفروع، والمستوعب، وما تيسر الاطلاع عليه من شروح تلك الكتب، وحواشيها: كالشرح الكبير، والمبدع، والإنصاف، وغيرها مما منّ الله تعالى بالوقوف عليه كما ستراه، خصوصًا

стр. 134

شرح المنتهى (١)، والمبدع؛ فتعويلي في الغالب عليهما" (٢). المطلب الرابع: مكانته. أولاً: يدل على مكانة (كشاف القناع) مكانة أصله (الإقناع)، وما تميز به. ثانيًا: إشادة عدد من العلماء بكتاب (كشاف القناع)، وثناؤهم عليه لما تميز به .. ومما قيل فيه: "فإن محقق المذهب وناصره الشيخ/ منصور البهوتي انفرد بشرحه الماتع النافع (كشاف القناع في شرح الإقناع) للحجاوي" (٣). ثالثًا: من مكانة الكشاف أنه كتاب معتمد في الأحكام القضائية في المملكة (٤)؛ لأن مصدر القضاء فيها كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، والإجماع، والقياس، فإذا كان في حكم القضية خلاف بين علماء المسلمين أخذ القاضي بالراجح من مذهب الإمام أحمد ﵀ مما يؤيده الدليل، وهو يتمثل فيما يذكره العلامة الشيخ منصور البهوتي ﵀ في كتابه (كشاف القناع عن متن الإقناع)، و (شرح منتهى الإرادات) (٥). رابعًا: مما يظهر مكانة الكشاف وعناية مصنفه به كثرة ما صرّح به هو من الإحالة عليه في شرحه للمنتهى، كما في قوله: ١ - "كما أوضحته في شرح الإقناع" (٦).

стр. 135

٢ - "وقد ذكرت بعضه في شرح الإقناع" (١). ٣ - "وقد ذكرت ما فيه في شرح الإقناع" (٢). ٤ - "وفيه ما ذكرته في شرح الإقناع" (٣). ٥ - "وذكرته في شرح الإقناع" (٤). المطلب الخامس: طبعاته، وعدد مجلداته. وعدد مجلداته (٥): طبع كتاب (كشاف القناع) عدة طبعات، مع اختلاف في عدد المجلدات، ومنها: ١ - طبعة المطبعة العامرة الشرفية - سنة ١٣١٩ هـ - بالقاهرة، في أربعة مجلدات، (وبحاشيته شرح المنتهي - للمصنف). ٢ - طبعة مطبعة أنصار السنة المحمدية -سنة ١٣٦٦ هـ- بالقاهرة، في ستة مجلدات. ٣ - طبعة مكتبة النصر الحديثة - بدون تاريخ - الرياض، في ستة مجلدات. ٤ - طبعة مكتبة نزار الباز مصطفى الباز -سنة ١٤١٨ هـ- بالرياض، في عشرة مجلدات. ٥ - طبعة دار الكتب العلمية - سنة ١٤١٨ هـ- في بيروت، وهي ستة مجلدات. ٦ - طبعة وزارة العدل في المملكة العربية السعودية - وهي الطبعة الأولى سنة ١٤٢١ هـ- بالرياض، في خمسة عشر مجلدًا. المطلب السادس: أصله كتاب الإقناع. أولاً: التعريف بمصنف الإقناع (٦): شرف الدّين أبو النّجا موسى بن أحمد بن موسى بن سالم بن عيسى بن سالم الحجّاوي المقدسي ثم الصّالحي الحنبلي ﵀، العلّامة، مفتي الحنابلة بدمشق، وشيخ الإسلام بها. كان إمامًا، بارعًا، أصوليًّا، فقيهًا، محدّثًا، ورعًا.

стр. 136

من تلاميذه: القاضي شمس الدين بن طريف ﵀ المتوفى سنة ٩٨١ هـ (١)، والقاضي شمس الدين الرجيحي ﵀ (٢)، والقاضي شهاب الدين الشويكي ﵀ المتوفى سنة ٨٠٠ (٣)، والقاضي أحمد الوفائي المفلحي ﵀، كان مفتيًا للحنابلة بدمشق (٤)، المتوفى سنة ١٠٣٨ هـ (٥). ومن تأليفه كتاب «الإقناع»، جرّد فيه الصحيح من مذهب الإمام أحمد ﵀، لم يؤلّف أحد مؤلّفًا مثله في تحرير النقول وكثرة المسائل، ومنها: «شرح المفردات»، و «شرح منظومة الآداب» لابن مفلح ﵀ وزاد «المستقنع في اختصار المقنع» و «حاشية على الفروع» .. توفي ﵀ يوم الخميس الثاني والعشرين - وقيل: السابع عشر - من ربيع الأول، سنة ثمان وستين وتسعمائة. ثانيًا: منهج الحجّاوي ﵀ في الإقناع: اجتهد مصنف كتاب (الإقناع) "في تحرير نقوله، واختصارها؛ لعدم تطويله، مجردًا غالبًا عن دليله، وتعليله، على قول واحد- وهو ما رجحه أهل الترجيح" (٦). ثالثًا: مصادر الإقناع (٧): اقتبس الحجاوي ﵀ كتابه (الإقناع) من عدد من المصنفات السابقة، ومنها ما صرّح به، ومنها ما ذكره بعض العلماء بعده، ومن ذلك:

стр. 137

١ - المستوعب (١)؛ حيث "حذا حذوه الشيخ موسى الحجاوي في كتابه (الإقناع لطالب الانتفاع)، وجعله مادة كتابه .. " (٢). ٢ - المقنع (٣). ٣ - المحرر (٤). ٤ - تظهر فيه كثرة النقل من اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمة ﵀ (٥). ٥ - الفروع (٦). رابعًا: من مميزات هذا الأصل: قال الشيخ منصور البهوتي عنه: "في غاية حسن الوقع، وعظم النفع، لم يأت أحد بمثاله، ولا نسج ناسج على منواله، غير أنه يحتاج إلى شرح يسفر عن وجوه مخدراته النقاب، ويبرز من خفيّ مكنوناته بما وراء الحجاب" (٧)؛ وهو كتاب كثير الْفَوَائِد، جمّ الْمَنَافِع .. شرحه الشَّيْخ مَنْصُور شرحًا مُفِيدًا (٨). ومما تميز به كتاب الإقناع (٩): ١ - كثرة المسائل. ٢ - تحرير النقول. ٣ - سهولة عبارته، ووضوحها. ٤ - عنايته بالدليل، والتعليل. خامسًا: مكانته: تقدمت جملة من المزايا التي صارت عند الحنابلة لهذا المؤلف، فكانت له المنزلة العظيمة، والرتبة الرفيعة، حيث "جرّد فيه الصحيح من مذهب الإمام أحمد، وأكثر فيه من المسائل مع مراعاة الضبط،

стр. 138

وتحرير النقول" (١)، وعلى مسائله - مع شرحه- تدور الفتيا، ومرجع القضاء (٢)، "وقد زاد في اعتماده وقبوله شرحه الفرد الفريد لمحقق المذهب الشيخ منصور البهوتي المتوفى سنة (١٠٥١ هـ) باسم: كشاف القناع" (٣). قيل عن الإقناع: "لم يؤلّف أحد مؤلّفًا مثله في: تحرير النقول، وكثرة المسائل" (٤). سادسًا: حواشيه، والمؤلفات المتعلقة به: تعلق بالإقناع عدد من الكتب والحواشي، حيث "عكف عليه المتأخرون بالتحشية، والاختصار، وحل الغريب" (٥)، وأشهر تلك الكتب (كشاف القناع)، وقد فرغ من تأليفه سنة ١٠٤٦ هـ (٦). ومن الحواشي على كتاب (الإقناع) (٧): ١) "حاشية الإقناع، للشيخ منصور البهوتي ﵀ (٨). ٢) حاشية الإقناع، للشيخ محمد بن أحمد البهوتي ﵀ (٩). ٣) الأضواء والشعاع على كتاب الإقناع، لفضيلة: الشيخ عبد الله بن عمر بن عبد الله بن دهيش ﵀، المتوفى سنة (١٤٠٦ هـ)، ولم يكمله (١٠). ٤) التعليق الحادي على إقناع الحجاوي، لفضيلة الشيخ عبد الله بن عمر بن عبد الله بن دهيش ﵀ (١١).

стр. 139

المبحث الثاني التعريف بالمصنف، وفيه ستة مطالب: • المطلب الأول: اسمه، ونسبه. • المطلب الثاني: ولادته، ثم وفاته. • المطلب الثالث: مكانته. • المطلب الرابع: شيوخه. • المطلب الخامس: تلاميذه. • المطلب السادس: مصنفاته.

стр. 140

المطلب الأول: اسمه، ونسبه. هو الشيخ زين الدين، أبو السَّعادات، منصور بن يونس بن صلاح الدين بن محمد - أو حسن- بن أحمد بن علي بن إدريس البُهوتي الحنبلي ﵀، -نسبته إلى (بُهوت) - قرية من قرى محافظة الدقهلية في: الغربية بمصر (١). المطلب الثاني: ولادته، ثم وفاته. ولد سنة (١٠٠٠ هـ)، وتوفي في القاهرة سنة (١٠٥١ هـ) (٢). المطلب الثالث: مكانته. يُعدُّ الشيخ منصور ﵀ شيخ الحنابلة بمصر، ذاع صيته، وبلغت شهرته الأقطار الإسلامية، كان عالمًا عاملاً ورعًا متبحرًا في العلوم الدينية، صرف أوقاته في تحرير المسائل الفقهية، ورحل الناس إليه من الآفاق لأجل أخذ مذهب الإمام أحمد ﵁، تفرد في عصره بالفقه، وأخذ عنه كثير من المتأخرين (٣). وكان ممن انتهى إليه الإفتاء والتدريس، تميز ﵀ بالكرم، حتى إنَّه كان له في كل ليلة جمعة ضيافة فيدعو أقاربه، يزور مريضهم، ويأخذ بيده، ويساعده إلى أن يشفيه الله (٤). المطلب الرابع: شيوخه. ١) الشيخ عبد الرحمن بن يوسف بن علي، الملقب زين الدين، ابن القاضي جمال الدين ابن الشيخ نور الدين البهوتي الحنبلي ﵀، توفي سنة ١٠٤٠ هـ (٥). ٢) الشيخ محمد بن أحمد المرداوي الأصل والشهرة، القاهري الحنبلي ﵀، توفي سنة ٧١٧ هـ (٦). ٣) الشيخ يحيى بن الشيخ موسى الحجاوي الدمشقي ﵀، صاحب الإقناع (٧). ٤) الشيخ عبد القادر بن محمّد بن عبد القادر بن محمّد ﵀، قاضي الحنابلة، (ت ٨٨١ هـ) (٨).

стр. 141

المطلب الخامس: تلاميذه. كان الشيخ منصور عالمًا عاملاً ورعًا متبحرًا في العلوم الدينية، صارفًا أوقاته في تحرير المسائل الفقهية، ولانفراده في عصره بالتبحر في هذا الفقه رحل إليه الناس من الشام، ونجد، والأراضي المقدسيّة، وغيرها؛ لأجل أخذ مذهب الإمام أحمد ﵀، فأخذ عنه كثير من المتأخرين من الحنابلة (١)، ومنهم: ١ - جمال الدين يوسف بن محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن علي بن إبراهيم بن رشد الشهير بالفتوحي، المتوفى بعد سنة (١٠٢٦ هـ). ٢ - عبد القادر الدنوشري، المتوفى بعد سنة (١٠٣٠ هـ)، له: (حواشي المنتهى) (٢). ٣ - التقى به الشيخ سليمان بن علي بن مشرف (٣) جد الإمام محمد بن عبد الوهاب في حج عام (١٠٤٩ هـ)، "وأطلعه الشيخ منصور على شرحه على الإقناع - أي: (كشاف القناع) -، وكان الشيخ منصور لم ينته من شرحه إلا ذلك العام، فتأمله الشيخ سليمان ثم قال: وجدته مطابقًا لما عندي إلا مواضع يسيرة، وأتلف شرحه عليه" (٤). ٤ - عبد الله بن عبد الوهاب بن موسى بن عبد القادر بن مشرف الوهيبي التميمي، أخو الشيخ محمد بن عبد الوهاب، المتوفى سنة: (١٠٥٦ هـ) (٥). ٥ - يس بن علي بن أحمد بن أحمد بن محمد اللبدي الحنبلي، الفقيه الفاضل، المتوفى سنة: (١٠٥٨ هـ)، رحل إلى مصر لطلب العلم في سنة ثلاث وأربعين وألف، ومكث إلى سنة إحدى وخمسين، وأخذ عن الشيخ منصور البهوتى (٦). ٦ - عبد الباقي بن عبد الباقي البعلي المقرئ الأثري، المشهور بالبدر، وابن فقيه فِصَّه، نسبة إلى

стр. 142

قرية من قرى بعلبك، المتوفى سنة: (١٠٧١ هـ) (١). ٧ - يوسف بن يحيى بن مرعى الحنبلي، المتوفى سنة: (١٠٧٨ هـ)، من طور كرم، رحل إلى مصر لطلب العلم سنة أربع وأربعين وألف، وأخذ بها عن الشيخ منصور (٢). ٨ - إبراهيم بن محمد بن علي بن أبي بكر الصالحي، المتوفى سنة: (١٠٨٨ هـ)، المعروف بالغزال، الشيخ القاضي، الأديب الشاعر (٣). ٩ - الخَلْوتي البهوتي محمد بن أحمد ابن أخت الشيخ منصور، وهو تلميذه، وزوج ابنته، وكان من الملازمين له، المتوفى سنة: (١٠٨٨ هـ)، له: (حاشية المنتهى)؛ مجلد كبير، جردت بعد موته فبلغت أربعين كراسًا (٤). ١٠ - العوفي إبراهيم بن أبي بكر الذنابي العوفي، نسبته إلى الصحابي عبد الرحمن بن عوف ﵁، توفي العوفي سنة: (١٠٩٤ هـ)، له: (شرح المنتهى) (٥). ١١ - الشيخ أحمد بن يحيى بن يوسف بن أبي بكر بن أحمد بن أبي بكر بن يوسف بن أحمد الحنبلي الكرمي، نسبة لطور كرم من قرى نابلس ثم القدس، رحل إلى القاهرة سنة ست وعشرين وألف، وأخذ بها الفقه - وغيره - عن عمه مرعي الحنبلي وعن منصور البهوتي (٦). ١٢ - محمد بن أبي السرور بن محمد بن سلطان البهوتي الحنبلي المصري المتوفى سنة: (١١٠٠ هـ) (٧). ١٣ - صالح بن حسن بن أحمد بن علي البهوتي الأزهري، الفقيه الفرضي، المتوفى سنة: (١١٢١ هـ) (٨).

стр. 143

المطلب السادس: مصنفاته مصنفاته (١): (مؤلفاته كلها موجودة، لم يفقد منها شيء، وهي من أصول مراجع الفقه في مذهب أحمد، وعليها المعتمد والمعول لدى علمائه، وهي من أوائل الكتب التي عرفت طريقها إلى النشر، وأفاد منها الطلبة جيلاً بعد جيل) (٢)، وهي مرتبة تاريخيًّا (٣): ١ - الروض المربع شرح زاد المستقنع، ويسمى: (شرح مختصر المقنع) (٤). ٢ - كشاف القناع عن متن الإقناع. ٣ - عمدة الطالب لنيل المآرب - في الفقه، وضعه للمبتدئين، وقد شرحه الشيخ عثمان بن أحمد النجدي، المتوفى سنة (١١٠٠ هـ) في كتاب سمّاه: (هداية الراغب لشرح عمدة الطالب) (٥). ٤ - دقائق أولي النهى لشرح المنتهى، واشتهر باسم: شرح منتهى الإرادات (٦). ٥ - حاشية على المنتهى باسم: إرشاد أولي النهى لدقائق المنتهى، وهي حاشية نافعة تميل إلى التحقيق والتدقيق (٧). ٦ - حاشية على الإقناع - في مجلد، وهي من أهم كتب الحواشي في المذهب (٨).

стр. 144

٧ - إعلام الأعلام بقتال من انتهك حرمة بيت الله الحرام (١). ٨ - منح الشفا الشافيات؛ في شرح نظم المفردات، المسمى: (النظم المفيد الأحمد في مفردات الإمام أحمد)، والمفردات نظم للشيخ عز الدين محمد بن علي بن عبد الرحمن المقدسي الصالحي المتوفى سنة (٨٢٠ هـ) (٢). ٧ - منسك - مختصر، في نحو ثلاث كراريس (٣).

стр. 145

الفصل الثاني دراسة خصائص وسمات البناء والألفاظ وصيغه ؛ وفيه مبحثان: • المبحث الأول: دراسة خصائص وسمات البناء في (كشاف القناع) ؛ وفيه أربعة مطالب: • المطلب الأول: عناية المصنف ببناء الفروع على بعضها. • المطلب الثاني: علاقة البناء في الكشاف بما سبقه من المصنفات. • المطلب الثالث: علاقة البناء في الكشاف بما سبقه من كتب المذهب. • المطلب الرابع: تكوين البناء في كشاف القناع. •المبحث الثاني: الألفاظ والصيغ التي تدل على البناء في (كشاف القناع) في كتاب النكاح وخصائص النبي ﵀، وفيه مطلبان: • المطلب الأول: الإشارة إلى البناء، دون ذكره بصيغة محددة. • المطلب الثاني: الصيغ والألفاظ الواردة الدالة على بناء الفروع على الفروع، وفيه فرعان: • الفرع الأول: الألفاظ والصيغ الواردة في عدد من كتب الفقه الحنبلي. • الفرع الثاني: الألفاظ والصيغ التي تدل على البناء في كتاب الكشاف.
следующие страницы →