← Каваид фикха

Каваид фикха · id 30152

بناء الفروع على الفروع - من كشاف القناع

حسنة القرني

Полный текст (856 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الفروع في الحديث والأثر: ١. الفرع أول ما ينتج من أصله، فعَنْ أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «لا فرع، ولا عتيرة» (١)، الفرع: أول النتاج (٢)، كانوا يذبحونه لطواغيتهم، و «العتيرة: في رجب» (٣). ٢. الفرع يقصد به أعلى الشيء، فعن مالك بن الحويرث (٤)، قال: «رأيت النبي ﷺ رفع يديه حتى يحاذي بهما فروع أذنيه». (٥) ٣. وعن عائشة ﵂، قالت: «خرجت سودة، بعدما ضرب عليها الحجاب، لتقضي حاجتها. وكانت امرأة جسيمة، تفرع النساء (٦) جسمًا، لا تخفى على من يعرفها» (٧). ٤. الفرع ويقصد به التفريع والتفريق، فعن أبي الطفيل (٨)، قال: «كنت عند ابن عباس (٩) يومًا، فجاءه بنو أبي لهب يختصمون في شيء بينهم، فقام يصلح بينهم (١٠)، فدفعه بعضهم، فوقع على الفراش» (١١).

стр. 72

الخلاصة: فالمتفحص للمعاني السابقة للفرع يجد تماثلاً في المعاني الواردة في القرآن الكريم، والسنة النبوية، وأهل اللغة.

стр. 73

الفروع عند الفقهاء والأصوليين: والمتأمل لتعريف الفرع عند الفقهاء والأصوليين يجد هنا تعاريف متعددة ذات معانٍ متقاربة، منها ما يأتي: الفرع هو: مَا يثبت حكمه بِغَيْرِهِ (١). الفرع هو: ما يبنى على غيره (٢). الفرع هو: ما استند في وجوده إلى غيره (٣). الفرع هو: الحكم المتفرع على القياس (٤). الفروع هي: المسائل التي استنبطها المجتهدون (٥). الفروع هي: المسائل الاجتهادية من الفقه (٦). الفروع هي: الأحكام الشرعية المتعلقة بأحكام المكلفين (٧). الخلاصة: فمن يعمل النظر في التعاريف السابقة يرى أنها تصبُّ في معنى واحد، وهو أن الفرع لا يكون مستقلاً بذاته، وإنما يحتاج لمستند يستند إليه المجتهد في تقرير الحكم، إما أن يكون حكم الفرع مثل حكم فرع مثله، أو استنباط حكم الفرع من مسألة مشابهة له في العلة (٨).

стр. 74

الفرع الثاني: علاقة البناء بالقياس والتخريج. وقبل الشروع في بيان علاقة البناء بالقياس والتخريج، لا بدَّ من معرفة معناهما، وطريقة كلٍّ منهما، لبيان العلاقة بشكل مقنن ومحكم. وقد تم في الفرع الأول بيان المعنى اللغوي والاصطلاحي للبناء (١). تعريف القياس لغة واصطلاحًا: وبعد النظر في كتب أهل اللغة والأصوليين وجدت تعريفات لغوية لمعنى القياس في كل علم، فنشرع في إيرادها وتوضيح التباين بينهما ما أمكن ذلك: أولاً: المعنى اللغوي للقياس عند أهل اللغة: يمكن تقسيم المعنى اللغوي للقياس عند أهل اللغة إلى معنيين، هما: •القياس بمعنى التقدير: حيث عرفه ابن فارس فقال: والقياس: تقدير الشيء (بالشيء) (٢). فيقال: "قاسَ الشيءَ يَقِيسُه قِياسًا وقَيْسًا، أَي: قَدرَه. والمقياس: المِقدَار" (٣). ويقال: "قست الشيء بغيره وعلى غيره، أقيسُهُ قَيْسًا وقِياسًا فانْقاسَ، إذا قدَّرتَه على مثاله" (٤). ويقال: قاسَ الطبيبُ قَعْرَ الجِراحَة قَيْسًا، أي: مقدار عمق الجرح (٥). •القياس بمعنى التشبيه: فيقتاس الشيء بغيره، أي: يقيسه به، فيقال: يَقْتاس بأَبيه اقْتِياسًا أَي: يسْلك سَبِيلَهُ ويَقتدي بِهِ (٦).

стр. 75

ثانيًا: القياس في القرآن: قال ابن القيم (١): والأقْيِسَةُ المستعملة في الاستدلال ثلاثة: قياس علة (٢)، وقياس دَلالَة (٣)، وقياس شَبه (٤)، وقد وردت كلها في القرآن (٥). •القياس بمعنى الاعتبار: قال تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢)﴾ [سورة الحشر: ٢]. والاعتبار بمعنى الانتقال من الشيء إلى غيره، والقياس فيه انتقال بالحكم من الأصل إلى الفرع، فيكون مأمورًا به (٦). •القياس بمعنى إلحاق حكم الأصل للفرع بعلة مشتركة: وقوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩)﴾ [سورة يونس: ٣٩]. فأخبر الله أن (مَنْ قَبْلَ) المُكذِّبين أصلٌ يُعْتبر به، والفرع نفوسهم، فإذا ساووهم في المعنى ساووهم في العاقبة (٧). •القياس بمعنى التشبيه والتمثيل: وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦)﴾ [سورة المزمل: ١٦ - ١٥]. "فأخبر سبحانه أنه أرسل محمدًا ﷺ إلينا، كما أرسل موسى إلى فرعون، وأن فرعون عصى رسوله فأخذه أخذًا وبيلاً، فهكذا مَنْ عصى منكم محمدًا ﷺ " (٨).

стр. 76

وهذه الأمثلة ليست للحصر، وإنما لتمثيل المعاني وتقريبها. ثالثًا: القياس في الحديث: •القياس بمعنى التقدير: أن نبي الله ﷺ قال: «كان في من كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدُلَّ على راهب، فأتاه فقال إنه قتل تسعة وتسعين نفسًا فهل له من توبة؟ فقال: لا فقتله فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلَّ على رجل عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة، انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسًا يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء. فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلاً بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي، فجعلوه بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد؛ فقبضته ملائكة الرحمة. قال قتادة: فقال الحسن ذكر لنا أنه لما أتاه الموت نأى بصدره» (١). ورد لفظ القياس في الحديث ويراد به التقدير فمعنى قوله ﵀: «قيسوا ما بين الأرضين»، أي: قدروا ما بينهما. •القياس بمعنى إلحاق فرع بأصل في حكم لعلة مشتركة: عن ابن عباس ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ فقال: «لو كان على أمك دين، أكنت قاضيه عنها؟» قال: نعم، قال: «فدين الله أحق أن يقضى» (٢). وهذا قياس دين الله تعالى على دين العباد، والعلة المشتركة هي قضاء الدين مطلقًا (٣). •القياس بمعنى التمثيل والتنظير: عن النبي ﷺ قال: مَثَل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمَثَلِ الغيث الكثير أصاب أرضًا، فكان منها نقية، قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب، أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان، لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به، فعَلِمَ وعَلَّمَ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل

стр. 77

هدى الله الذي أرسلت به (١) وهذا يدل على تمثيل الهدى الذي جاء به ﷺ بالغيث. عن أبي هريرة ﵁: أن رجلاً أتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، ولد لي غلام أسود، فقال: «هل لك من إبل؟» قال: نعم، قال: «ما ألوانها؟» قال: حمر، قال: «هل فيها من أورق؟» قال: نعم، قال: (فأنى ذلك؟) قال: لعله نزعه عرق، قال: «فلعل ابنك هذا نزعه عرق» (٢). فقايسه رسول الله ﷺ ورده إلى أمر كان قد تقرر عنده، من نظير ما سأل عنه، ونبهه على أن يحكم له بحكمه (٣). الخلاصة: والمدقق في موضوع القياس يجد أن موضوع القياس متشعب ومتعدد الأنواع والدلالات، لكني اقتصرت على المعاني العامة المتكررة في القرآن الكريم والسنة النبوية واللغة. فيمكن القول: إن المعاني متقاربة، وهي: تقدير الشيء بالشيء، وقياسه به، وإلحاق معنى الأصل للفرع بعلة مشتركة، هي المشابهة أو المماثلة في أحد صفاته. المثل القرآني والنبوي: هو إلحاق المشبه بالمشبه به فيما يشتركان فيه لتشابههما في بعض المعاني، وأن الأمثال لا يشترط فيها تساوي المشبه والمشبه به من كل وجه، وإنما يشتبهان في الوجه الذي من أجله وقع التشبيه (٤).

стр. 78

رابعًا: المعنى اللغوي للقياس عند الأصوليين: وبعد البحث في كتب الأصوليين والفقهاء وجدت أن لهم أكثر من معنى يدور حولها المعنى اللغوي، نوردها كما يأتي: •القياس بمعنى النظير: فالقياس عبارة عن رد الشيء إلى نظيره (١). •القياس بمعنى التقدير: نَحْوُ قول: قِسْتُ الثَّوْبَ بِالذِّرَاعِ; وَالْجِرَاحَةَ بِالْمِسْبَارِ; أَقِيسُ وَأَقُوسُ قَيْسًا وَقَوْسًا وَقِيَاسًا فِيهِمَا (٢). •القياس بمعنى التسوية: فهو نسبة وإضافة بين شيئين بالمساواة (٣). •القياس بمعنى الإصابة: يقال: قست الشيء إذا أصبته، وإنما سمي بذلك؛ لأن القائس يصيب به الحكم (٤). •القياس بمعنى الاعتبار: فيقال في حد القياس: إنه اعتبار الشيء بالشيء الجامع (٥). ومنهم من جمع بين معنيين: التقدير والتسوية، في التعريف اللغوي للقياس: قال المرداوي (٦) ﵀: "وَالْقِيَاس فِي اللُّغَة: التَّقْدِير والمساواة، يُقَال: قَاس [النَّعْل بالنعل]، أَي: حاذاه وساواه، وَتقول: قست الثَّوْب بالذراع، أَي: قدرته بِهِ، وقست الْجراحَة بالمسبار، وَهُوَ شَيْء يشبه الْميل، يعرف بِهِ عمق الجُرْح (٧).

стр. 79

قال العراقي (١) ﵀: "القياس لغة: التقدير والتسوية، ومنه نقل اللفظ إلى القياس المصطلح عليه، لأن فيه مساواة الفرع للأصل" (٢). خامسًا: المعنى الاصطلاحي للقياس عند الأصوليين: واختلف الفقهاء اختلافًا كثيرًا في التعريف الاصطلاحي لمعنى القياس، وسبب اختلافهم: هل القياس فعل المجتهد أو هو دليل مستقل بذاته؟ فمن ذهب إلى أن القياس فعل المجتهد عبَّر في تعريفه بـ"الحمل" أو "الإثبات" أو "الإلحاق" وما في معناه (٣)، ومن ذهب إلى أن القياس دليلٌ بذاته، عبَّر في تعريفه بـ"الاستواء" أو "المساواة" (٤). ومن تعريفات المذهب الأول (٥) القائلين بأن القياس فعل المجتهد: ما ذكره القاضي أبو بكر (٦) ﵀ واختاره جمهور المحققين: أنه حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهم، ا من إثبات حكم أو صفة، أو نفيهما عنهما (٧). عرفه البيضاوي (٨) ﵀ بأنه: إثبات حكم معلوم في معلوم آخر لاشتراكهما في علّة الحكم، فإذا لم توجد علّة حكم الأصل في الفرع لا يحصل إثبات حكمه فيه (٩).

стр. 80

عرفه ابن قدامة (١) ﵀ بأنه: حمل فرع على أصل في حكم بجامع بينهما (٢). عرفه الزركشي ﵀ بأنه: إلحاق فرع بأصل في حكمه (٣). ومن تعريفات المذهب الثاني (٤) القائلين بأن القياس دليلٌ بذاته: عرفه الآمدي ﵀ بقوله: عبارة عن الاستواء بين الفرع والأصل في العلة المستنبطة من حكم الأصل (٥). وعرفه ابن الحاجب (٦) ﵀ بقوله: مُسَاوَاةُ فَرْعٍ لِأَصْلٍ فِي عِلَّةِ حُكْمِهِ (٧). ويمكن أن يقال: إن القياس لا يتحقق إلا بين أمرين: فعل المجتهد بالاجتهاد مبني على دليل معتبر، من الكتاب أو السُنَّة أو الإجماع، فهو طريق الحُكْم، وليس دليله. فالقياس مُظْهِرٌ للحُكْم وليس مُثْبِتًا له، والمُثْبِت له هو دليل الأصل؛ حيث إن القياس يُظْهِر المساواة بين الفرع والأصل في عِلَّة الحُكْم، ودليل الأصل هو المُثْبِت للحُكْم، ولولا دليل الأصل لكان ذلك إثباتًا للشرع بالتحَكُّم (٨). الخلاصة: وبعد النظر في معاني القياس اللغوية والاصطلاحية لدى الأصوليين تبين أن التماثل والتشابه والتساوي يغلب على معاني القياس اللغوية، ويتبع تلك المعاني تعريفات المذهب الأول والثاني في اصطلاح الأصوليين، إذ إنها المساواة والتماثل بين الفرع والأصل لعلة جامعة في الغالب، وإلحاق وإثبات الحكم في الفرع تبعًا لأصله، والله أعلم (٩).

стр. 81

ثانيًا: تعريف التخريج لغةً واصطلاحًا: التخريج في اللغة: يطلق على معنيين كما بينهما ابن فارس ﵀ فقال: الخاء والراء والجيم أصلان، وقد يمكن الجمع بينهما، فالأول: النفاذ عن الشيء، والثاني اختلاف لونين (١). وهنا عدة إطلاقات للتخريج عن اللغويين، وهي كالآتي: •التخريج بمعنى التعليم والتأديب: فيقال: يخرّج المعلم تلميذه إذا أدبه وعلّمه. •التخريج بمعنى طلب الشيء: يقال: استخرجه إذا طلب إليه أن يخرجه. •التخريج بمعنى الاستصلاح: يقال: استخرجت الأرض، أي: أصلحت للزراعة والغراسة. •التخريج بمعنى الاستخلاص: يقال: استخرج الشيء من المعدن إذا خلّصه من ترابه. •التخريج بمعنى الاستنباط: يقال: خرّج الشيء استخرجه، أي: استنبطه. • (التَّخْرِيج) لعبة لفتيان الْعَرَب، يُقَال فِيهَا: خراج، وهو أن يمسك أحدهم شَيْئًا بِيَدِهِ، وَيَقُول لسائرهم: أخرجُوا مَا فِي يَدي (٢). التخريج في القرآن: قد ذكر فعل (خرج) ومشتقاته أكثر من (١٨٠) موضعًا في القرآن الكريم كـ ﴿فَأَخْرَجَ﴾، ﴿يُخْرِجْ﴾، ﴿فَيَخْرُجُ﴾، ﴿تُخْرِجُونَ﴾، ﴿بِخَارِجِينَ﴾، ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ ٌّ﴾، ﴿أَخْرِجْنَا َّ﴾، وقد حاولت جاهدة الربط بين معنى الآية عند المفسرين واستخراج المعنى الخاص بالتخريج الذي ظهر لي من خلال الاستقراء، ومنها: • التخريج بمعنى الاستخراج: في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [سورة النحل: ٧٨]. وذكر ابن كثير: إخراجه إياهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئًا ثم بعد هذا يرزقهم السمع والأفئدة، القوى والحواس تحصل للإنسان على التدريج قليلاً قليلاً، كلما كبر زيد في سمعه وبصره وعقله حتى يبلغ أشده (٣).

стр. 82

•التخريج بمعنى إظهار المستتر: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢)﴾ [سورة البقرة: ٧٢]. أي: والله- تعالى- مظهر ومعلن ما كنتم تسترونه وتكتمونه من أمر القتيل الذي قتلتموه، ثم تنازعتم في شأن قاتله، وذلك ليتبين القاتل الحقيقي بدون أن يظلم غيره (١). •التخريج بمعنى التفضيل: قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [سورة آل عمران: ١١٠]، أي: كُنْتُمْ خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ (٢). التخريج بمعنى تحويل الحال: قوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [سورة المائدة: ١٦]. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [سورة إبراهيم: ٥]، أي: إن الله يهديهم من الشرك إلى الإيمان (٣). وهذه المعاني على سبيل التمثيل وليس الحصر، إذ إنَّ القرآن العظيم بإعجازه وبلاغته يحوي على معاني جمة، وتفريعات لغوية لا يمكن حصرها في أسطر. التخريج في السنة: •التخريج بمعنى الاستخراج، لما روي عن عمير بن الحُمَام الأنصاريّ (٤) في غزوة بدر (٥)، قال: فَاختَرَجَ تمراتٍ من قرنه، فجعل يأكل منهنَّ، ثمَّ قال: لئن أنا حَيِيتُ حتّى آكل تمراتي هذه إنّها لحياةٌ طويلةٌ، قال: ثمَّ رمى بما كان معه من التّمر، ثمّ قاتلهم حتَّى قتل (٦).

стр. 83

•التخريج بمعنى التقسيم: أنّ ابن عبّاسٍ قال: «لا بأس بأن يَتَخَارَجَ القوم في الشّركة (١) تكون بينهم، فيأخذ بعضهم من الذّهب الّذي بينهم، يأخذ هذا عشرةً نقدًا، ويأخذ هذا عشرين دينارًا» (٢). الخلاصة: يتضح مما سبق أن معاني التخريج في القرآن والسنة وأهل اللغة هي في الغالب ترجع إلى سياق الكلام والاستنباط والاستخراج.

стр. 84

التخريج عند المحدثين: •التخريج بمعنى إسناد التخريج لمؤلفه: فأطلق المحدثون التخريج على ذِكرِ المؤلفِ الحديثَ بإسناده في كتابه (١). •التخريج بمعنى استخرج واستنباط الأحاديث من بطون الكتب حيث قالوا: إن التخريج إخراج المحدث الأحاديث من بطون الأجزاء والمشيخات والكتب ونحوها، وسياقها من مرويات نفسه أو بعض شيوخه أو أقرانه أو نحو ذلك، والكلام عليها وعزوها لمن رواها من أصحاب الكتب والدواوين مع بيان البدل والموافقة ونحوهما (٢). •التخريج بمعنى صحة الحديث باستخراج طرقه: وذكر بعضهم أنّه عند المحدّثين: "إيراد الحديث من طريق أو طرق أخرى تشهد بصحته، ولا بد من موافقتها له لفظًا ومعنى" (٣). •التخريج بمعنى اسناد التخريج لمؤلفه وصحة الحديث باستخراج طرقة، فعرفه الغماري فقال: التخريج هو عزو الحديث إِلى مصدره، أو مصادره من كتب السنَّة المشرّفة، وتتبُّع طرقه وأسانيده، وحال رجاله، وبيان درجته قوة وضعفًا (٤). •التخريج على صفة معينة كقوله: التخريج على شرط الشيخين أو التخريج على شرط البخاري مثلاً (٥). الخلاصة: أن علم التخريج عند المحدثين يختلف عن التخريج المراد به في السنة، فألفاظ السنة تدل على معانٍ لغوية من استنباط واستخراج وتقسيم، يفهم ذلك من خلال السياق أو شروح الحديث وغريبه. أما التخريج عند المحدثين في الغالب هو إسناد الحديث لمؤلفه ومعرفه طرقه والاطلاع على أقوال المحدثين في الجرح والتعديل. فعلم التخريج هو الأصل للعلوم الشرعية جميعها في الغالب، إذ لا يستطيع المحدث أو الفقيه أو المفسر أن يصل إلى مبتغاه في مجاله العلمي إلا من خلال هذا العلم والدربة عليه، والقدرة على التعامل مع الأصول الحديثية، وبالتالي معرفة درجة الحديث من حيث القبول أو الرد (٦).

стр. 85

التخريج عند الفقهاء والأصوليين: •التخريج بمعنى النقل: فيقال هُوَ نقل حكم مَسْأَلَة إِلَى مَا يشبهها، والتسوية بَينهمَا فِيهِ (١). •التخريج بمعنى الإضافة: فيقال هو عبارة عن إضافة حكم -لم يتعرض الشرع لعلته- إلى وصف مناسب في نظر المجتهد بالسبر والتقسيم (٢). •التخريج بمعنى الاستنباط: فيقال هو استنباطٌ مما دَلَّ عليه كلام الإمام، لكن إن لم يكن له في صورةِ التخريج نص جُعِلَ ذلك قياس قوله ومقتضاه، وإنْ كان خلاف نَصهِ جُعِلَ ذلك قولاً مخرجًا له خلاف المنصوص (٣). •التخريج بمعنى القواعد الكلية: عند علماء الأصول على ما يكون من القواعد الكلّية للإمام، أو الشرع، أو العقل. وحاصله أنه: بناء فرع على أصل بجامع مشترك، نحو تخريجهم على قاعدة: «تكليف ما لا يطاق» فروعًا كثيرة في أصول الفقه، وفي الفروع (٤). •التخريج بمعنى النقل والتخريج (٥): هو أن يجيب الإمام بحكمين مختلفين في صورتين متشابهتين، ولم يظهر ما يصلح للفرق بينهما، فينقل الأصحاب جوابه في كل صورة إلى الأخرى، فيحصل في كل صورة منهما قولان: منصوص ومخرج، المنصوص في هذه هو المخرج في تلك، والمنصوص في تلك هو المخرج في هذه، فيقال فيهما قولان بالنقل والتخريج (٦).

стр. 86

•التخريج بمعنى القياس: هو أنّه بناء فرعٍ على أصلٍ بجامعٍ مشتركٍ (١). الخلاصة: اختلف الفقهاء والأصوليون في تعريف التخريج، فمنهم من يرى أن التخريج هو القياس كالطوفي، ومنهم من يرى أنه استنباط الحكم كابن تيمية، ومنهم من يرى أن التخريج عبارة عن قولين: النقل والتخريج، ويمكن أن نقول: إن سبب اختلافهم أن معنى التخريج أعم من القياس والنقل؛ فلذلك حصل الخلاف والاختلاف، والله أعلم (٢).

стр. 87

ثالثًا: علاقة البناء بالقياس والتخريج. بعد معرفة كل من تعريف البناء والقياس والتخريج فيما سبق توصلت لعدة نقاط تكمن فيها علاقة البناء بالقياس والتخريج: • لا يمكن القول بوجود التخريج إلا مع وجود القياس، ولا يكون هناك بناء إلا مع وجود تخريج. • أن الاستنباط في كلٍّ من التخريج والقياس ليس بنفس المعنى، فالاستنباط في القياس يقتصر على العلة بين الفرع والأصل، وهو يختص في الغالب بالمجتهد المطلق، بينما الاستنباط في التخريج يقتصر على قواعد الإمام وأصول مذهبه في الغالب، وهو يختص بمجتهد المذهب. • أن التخريج يكون مختصًّا بالقواعد الكلية للإمام أو الشرع أو العقل، والقياس يختص بإظهار الحكم وليس مثبتًا له، والمثبت له هو دليل الأصل. • أن البناء يدخل فيه القياس من ناحية والتخريج من ناحية، فيكون بينهم عموم وخصوص، لأنه يلحق في أمور تختص بالقياس والتشابه بين الفرع والأصل في الحكم لعلة مشتركة، ويلحق بالتخريج فيبني المجتهد الحكم في الفرع المستجد على قواعد إمامه وأصول المذهب. • أن البناء يربط فيها مجتهد المذهب الفروع المتوافقة في العلة ولو من وجه واحد. • ولا يشترط في البناء أن يكون في نفس الباب أو الكتاب، وإنما ظهر لي من خلال الدراسة التطبيقية أنواع البناء الخاص في المطلب التالي، إن شاء الله. • أن البناء أعم من التخريج، والقياس والتخريج أعم من القياس، فهم في ثلاث مراتب: الأولى: البناء. الثانية: التخريج. الثالث: القياس. • والذي يظهر لي أن التخريج جزء من البناء، وبينهما تلازم، فلا يكون هناك بناء إلا مع وجود التخريج، فالتخريج نوع من البناء ومتضمن له، يمرون بأربع مراحل متداخلة فصلتها في المطلب الآتي (١).

стр. 88

المطلب الثاني أنواع البناء في الأصول والفروع، وفيه أربعة فروع: • الفرع الأول: أنواع البناء باعتبار المبني والمبني عليه. • الفرع الثاني: أنواع البناء باعتبار المستند أو الدليل المبني عليه. • الفرع الثالث: أنواع البناء باعتبار الجزم به وعدمه. • الفرع الرابع: أنواع البناء في المسائل الفقهية باعتبار عدد الأصول والفروع.

стр. 89

الفرع الأول: أنواع البناء باعتبار المبني والمبني عليه (١) بعد البحث عن أنواع البناء باعتبار المبني والمبني عليه لم أقف على من كتب فيها بعموم أنواعها، فمن خلال البحث وجدت أن هناك أنواعًا عامة وخاصة، سنتطرق إليها في هذا الفرع بمشيئة الله تعالى. أنواع البناء العامة، وفيه أربعة أنواع: النوع الأول: بناء الأصول على الأصول. سبق في المطلب الأول تعريف الأصول والبناء بشكل عام عند الفقهاء والأصوليين، وفي هذا الفرع نحاول تعريفهما على أنهما مركب لفظي، ومما لا شك فيه أن عبارات الأصوليين دقيقة المعاني، فنشرع في تعريف بناء الأصول على الأصول، إذ لم أقف بعد التتبع في كتب الفقهاء على من أفرد تعريف بناء الأصول على الأصول بشكل مستقل إلا ما أورده الدكتور وليد الودعان في رسالته الموسومة بـ (بناء الأصول على الأصول) (٢). تعريف بناء الأصول على الأصول. ترتيب قاعدة أصولية على قاعدة أصولية أخرى على جهة يعرف منها الحكم (٣). لقد بين الدكتور وليد الودعان شرح لتعريف السابق، فقال: إن الترتيب يفيد تثبت قاعدة أصولية على قاعدة أصولية أخرى واختيار لفظ القاعدة أنسب من اختيار لفظ مسألة، لأن المسائل الأصولية قواعد يستنبط منها الأحكام، فتكون في إحدى المسألتين مقيسه على الأخرى بعلة جامعة بينهما (٤).

стр. 90

وقد استخدم الفقهاء والأصوليون لفظ الترتيب بمعنى البناء في عدة مواضع، منها: قال ابن قدامة ﵀: ولو كان له مال غائب فشك في سلامته، جاز له إخراج الزكاة عنه، وكانت نية الإخراج صحيحة؛ لأن الأصل بقاؤه. فإن نوى إن كان مالي سالمًا فهذه زكاته، وإن كان تالفًا فهي تطوع. فبان سالمًا، أجزأت نيته؛ لأنه أخلص النية للفرض، ثم رتب عليها النفل، وهذا حكمها كما لو لم يقله، فإذا قاله لم يضر (١). فيمكن أن نعرف بناء الأصول على الأصول بأنه: بناء وترتيب مسألة أو قاعدة أصولية على مسألة أو قاعدة أصولية أخرى على جهة يعرف منها الحكم. -أما تخريج الأصول على الأصول: فقد عرفه الدكتور عبد الوهاب بقوله: استنباط قاعدة أصولية من قاعدة أصولية أخرى أو أصل من أصول الدين (٢). وكأن الدكتور عبد الوهاب لا يفرق بين (من) و (على) في عناوين التخريج، فيقول (تخريج الأصول من أو على الأصول). والذي يظهر لي - والله أعلم- أن الأصوب أن يكون البناء بحرف (على)، وقد بينت في الفرع الأول معنى البناء، ومن ذلك أن البناء وضع الشَّيْء على الشَّيْء أو بِنَاءُ الشَّيْءِ بِضَمِّ بَعْضِهِ إِلَى بَعْضٍ، فيكون حرف (على) يدل على الاستعلاء حقيقةً نحو قوله تعالى: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)﴾ [سورة المؤمنون: ٢٢]. وعرفه الدكتور جبريل بقوله: استنباط القواعد الأصولية والفقهية، والمقاصد التشريعية من الأدلة التشريعية التفصيلية، ثم بين ذلك بقوله: أي: تخريجها وتقريرها من ضوء أدلة الكتاب والسنة والأدلة العقلية واللغوية المعتمدة شرعًا (٣). ولقد عنون الدكتور جبريل لهذ التعريف بحرف (من) بقوله (تخريج الأصول من الأصول)، والذي يظهر لي أن هذا هو الأصوب، لأن التخريج هو استنباط واستخراج، و (من) تدل على التبعيض واستخراج جزء من كل، لقوله تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا﴾ [البقرة: ١٦٥] أي: بعض الناس (٤)، هذا والله أعلم.

стр. 91

النوع الثاني: بناء الأصول على الفروع. لم أقف بعد تمحيص وتدقيق لكتب الفقهاء على من عرف بناء الأصول على الفروع، وإنما المتعارف عليه هو تخريج الأصول من الفروع، وهي طريقة الحنفية أو طريقة الفقهاء وقد وصف ابن خلدون (١) هذه الطريقة في تاريخه بقوله: "ثم كتب الحنفية فيه، وحققوا تلك القواعد، وأوسعوا القول فيها، وكتب المتكلمون أيضًا كذلك، إلَّا أن كتابة الفقهاء فيها أمس بالفقه وأليق بالفروع، لكثرة الأمثلة فيها والشواهد، وبناء المسائل فيها على النكت الفقهية، ثم قال: فكان لفقهاء الحنفية اليد الطولي في الغوص على النكت الفقهية والتقاط هذه القوانين من مسائل الفقه ما أمكن" (٢). وتمتاز هذه الطريقة: بأنها تقرر القواعد تبعًا للفروع الفقهية المنقولة عن الأئمة، ولهذا يلتزمون بعدم مخالفة القاعدة للفروع، ولذا دونت هذه الطريقة بعد تدوين الفروع، ولذا اتسمت بحشد كثيرٍ من الفروع أثناء إثبات القاعدة (٣). فيمكن أن نعرف بناء الأصول على الفروع: هي ترتيب الفروع الفقهية لتأسيس القاعدة الأصولية التي بُني عليه وجه الحكم. شرح التعريف: ترتيب: جعل كل شيء في مرتبته (٤). يخرج من ذلك كل ما لا ينتمي لأي مرتبة. الفروع الفقهية: الأحكام الشرعية المتعلقة بأحكام المكلفين (٥). ويخرج من ذلك غير المكلف كالصبي والمجنون. لتأسيس: أي يضع أساسًا لهذه الفروع يبني عليها قاعدة أصولية (٦).

стр. 92

القاعدة الأصولية: حكم كلي تُبنَى عليه الفروع الفقهية، مصوغة صياغة عامة ومجردة ومحكمة (١)، فيخرج من ذلك: كل حكم جزئي وكل قاعدة غير أصولية كالنحوية والفقهية والبلاغية، وما ليس فيها صياغة عامة. التي بُني عليه وجه الحكم: ويقصد به القاعدة الأصولية التي بُني عليها أحكام الفروع الفقهية. فيخرج من ذلك كل حكم لا تتضمنه القاعدة. أما تخريج الأصول من الفروع فقد عرفه الدكتور يعقوب الباحسين: بأنه العلم الذي يكشف عن أصول وقواعد الأئمة من خلال فروعهم الفقهية وتعليلاتهم للأحكام (٢). فيخرج من ذلك الأصول المصرح بها من قبل الأئمة أنفسهم، لأنها لا تعد أصولاً مخرجة، وإنما هي من المنصوص عليه من قبلهم (٣). وعرّفه الدكتور عبد الوهاب بقوله: "هو العمد إلى فرع فقهي لاستنباط القاعدة الأصولية التي استخدمها الناطق بالفرع مع الدليل التفصيلي حتى نطق بالفرع"، وبيَّن المعنى المراد بالناطق للفرع بقوله: "ليشمل التعرف على أصل من خلال الأحكام التي نطق بها النبي ﵀ اجتهادًا أو الصحابة ﵃ أو أئمة المذاهب أو أصحاب الأئمة في المسائل الفرعية" (٤). ويمكن القول: إن د. يعقوب و د. عبد الوهاب اجتهدا في تقريب المعنى من خلال تعاريفهم لتخريج الأصول من الفروع، ولي في ذلك نظر: أولاً: أن إخراج الأصول المصرح بها من قبل الأئمة لا يستقيم، فهم استخرجوها واستنبطوها من الأدلة، ومجتهدو المذهب يتبعون إمامهم في طريقته وفهمه، ومن ثم يستنبطون القاعدة من الفروع المتشابهة ذات الحكم والعلة الواحدة في الغالب. ثانيًا: أن إدخال ما استنبطه أصحاب الأئمة أنه تخريج محض لا يستقيم، لأن لأصحاب المذهب أوجهًا في الحكم، وقد يكون مذهبًا مستقلاً نحا نحوه الأصحاب، وما توصلوا إليه من قواعد، من خلال تنظيم وترتيب الفروع الفقهية ومعرفة مآخذها، وبنوا من خلالها القاعدة الأصولية، هو البناء حقيقة، والله أعلم. و قد قال ابن اللحام (٥) ﵀: "مذهب الإنسان ما قاله، أو ما جرى مجراه من تنبيه أو غيره" (٦).

стр. 93

النوع الثالث: بناء الفروع على الأصول. وبعد النظر في كتب الأصوليين (١) والكتب التأصيلية المعاصرة (٢) لم أقف على تعريف لبناء الفروع على الأصول، وإنما كان الاهتمام لتخريج الفروع على الأصول، ولقد توصلت بعد النظر فيما استقرأته إلى تعريف لبناء الفروع على الأصول: وهو: تنظيم القواعد الأصولية المستخرجة من المجتهد المطلق وبناء الفروع الفقهية لقاسم مشترك. وقد حاولت جاهده فهم كيفية بناء الفروع على الأصول، ويظهر لي أن البناء يقوم على أربعة مراحل: المرحلة الأولى: مرحلة استخراج وجمع الأصول المشتركة والمختلفة لكل إمام على حدة. المرحلة الثانية: مرحلة نظر المجتهد في هذه الأصول وتفنيدها، والبحث هناك عن قاسم مشترك، فإن لم يجد فيها مراده نظر في غير مظانها، وأمعن النظر فيها. المرحلة الثالثة: مرحلة البناء، وهي مرحلة ترتيب الفروع على الأصول المستخرجة. المرحلة الرابعة: وهي مرحلة تحليل البناء وتوضيح سبب البناء، إما لعلة مشتركة أو تشابهه في الأثر الحاصل لكلٍّ من الفروع على الأصول. أما تخريج الفروع على الأصول فقد عرّفه الدكتور يعقوب الباحسين بقوله: "هو العلم الذي يبحث عن علل أو مآخذ الأحكام الشرعية لرد الفروع إليها بيانًا لأسباب الخلاف، أو لبيان حكم ما لم يرد بشأنه نص عن الأئمة بإدخاله ضمن قواعدهم أو أصولهم" (٣). وبعد النظر في تعريف الشيخ يعقوب وجدت أن هناك مآخذ في تعريفه؛ إذ جمع بين التخريج والبناء، والحق أنه بينهم تداخل، ولكن لو أردنا تفصيل الأمر فيمكن القول: إنَّ تعريف د. يعقوب يحتوى على التخريج والبناء. فتعريف د. يعقوب: "العلم الذي يبحث عن علل أو مآخذ الأحكام الشرعية لرد الفروع إليها بيانًا لأسباب الخلاف أو لبيان حكم ما لم يرد بشأنه نص عن الأئمة"، والذي يظهر لي أن هذا التعريف هو

стр. 94

تعريف التخريج على أصول الأئمة في المذهب، وهذا ما بيّنه الإسنوي (١) ﵀ في كتابه التمهيد حيث قال: "وما لم أقف على نقله بالكلية فأذكر فيه ما تقتضيه قاعدتنا الأصولية ملاجظًا أيضًا القاعدة المذهبية، والنظائر الفروعية" (٢). وما أكمل الباحسين التعريف بقوله: "بإدخاله ضمن قواعدهم أو أصولهم"، والذي يظهر لي أن هذا التعريف هو البناء، لأن البناء أعم يشمل على أصول الأئمة وآرائهم، سواء اتفق مع مذهبه أو مذهب إمام آخر أو كان مذهبًا للمجتهد، وهذا ما بيّنه الإسنوي في كتابه التمهيد حيث قال: "إن الفروع … مقصودة في نفسها بالنظر، وكثير منها قد ظفرت به في كتب غريبة، أو عثرت عليها في غير مظنَّته، أو استخرجته أنا وصورته" (٣). وعرّفه عثمان شوشان: هو استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية وفق أو بواسطة القواعد الأصولية" (٤). وعرفه الدكتور عبد الوهاب الرسيني بقوله: ذكر القاعدة الأصولية وما وقع فيها من خلاف -إن كانت خلافية-، وبيان الفروع المستنبطة من الأدلة الشرعية التفصيلية بواسطة تلك القاعدة" (٥). ومما يلحظ في تعريف د. عثمان، ود. عبد الوهاب أنهما يشتركان في مفهوم تخريج الفروع على الأصول بأنه استنباط الفروع من الأدلة التفصيلية بواسطة القاعدة الأصولية. النوع الرابع: بناء الفروع على الفروع. وبعد النظر في كتب الفقه لم أقف على من فرق بين البناء والتخريج، وكلاهما في نظرهم بمعنى واحد، والناظر لكتب الفقهاء والأصوليين يجد استعمال لفظ البناء والتخريج في مواضع مختلفة ومتباعدة، وربما متلاحقة، ومع ذلك لم أقف على من فرق بينهما، إما لأن الأمر واضح لكل فقيه فلا يلزم توضيح هذه الألفاظ والمعاني في تلك الحقبة الزمنية. والذي يظهر لي أن تعريف بناء الفروع الفقهية على الفروع الفقهية مختلف عن تخريج الفروع الفقهية على الفروع الفقهية.

стр. 95

فيمكن أن نعرف بناء الفروع على الفروع: هو ربط وترتيب الفروع الفقهية أو المسائل الفقهية وبناؤها حقيقةً على فرع فقهي أو مسألة فقهية، سواء من المجتهد المطلق أو مجتهد في مذهب إمامه، أو في مذهب إمام غيره أو المجتهد المستقل على جهة يعرف منها الحكم. محترزات التعريف: هو ربط وترتيب الفروع الفقهية أو المسائل الفقهية: يخرج من ذلك المسائل الأصولية وما تفرع عن أصل أو قاعدة فقهية أو أصولية. وبناؤها حقيقة: يخرج من ذلك كل الفروع والمسائل التي لا يكون فيها بناء حقيقي. على فرع فقهي أو مسألة فقهية: يخرج من ذلك المسائل الأصولية وما تفرع عن أصل أو قاعدة فقهية أو أصولية. المجتهد المطلق أو مجتهد المذهب والمجتهد في مذهب إمام غيره: يخرج من ذلك المقلد المتعصب والعامي. أو المجتهد المستقل: يخرج من ذلك من كان تابعًا لإمام المذهب. وقال ابن حمدان (١) ﵀: ومن لَا يجد لإمامه نصًا معينًا يخرج مِنْهُ فَيخرج على وفْق أُصُوله وقواعده بِأَن يجد دَلِيلاً من جنس مَا يحْتَج بِهِ إِمَامه وعَلى شَرطه فيفتي بِمُوجبِه (٢). وبناء على قول ابن حمدان ﵀ فإنه لو اجتهد مجتهد المذهب فلم يجد فرعًا قد نص الإمام على ذكره، فإنه يبني وجه الحكم على فرع يراه مناسبًا، ويكون مذهبًا له، وليس مذهبًا لإمامه، والله أعلم. أما تخريج الفروع على الفروع فقد عرفه الدكتور يعقوب الباحسين بقوله: هو العلم الذي يتوصل به إلى التعرف على آراء الأئمة في المسائل الفرعية، التي لم يرد عنهم فيها نص، بإلحاقها بما يشبهها في الحكم، عند اتفاقهما في علة ذلك الحكم، عند المخرج أو بإدخالها في عمومات

стр. 96

نصوصه أو مفاهيمها، أو أخذها من أفعاله أو تقريراته، وبالطرق المعتد بها عندهم، وشروط ذلك، ودرجات هذه الأحكام (١). وبعد النظر في تعريف الشيخ يعقوب وجدت أن هناك مآخذ في تعريفه إذا جمع بين التخريج والبناء، والحق أنه بينهم تداخل، ولكن لو أردنا تفصيل الأمر فيمكن القول: إن تعريف د. يعقوب يحتوى على التخريج والبناء. فقول د. يعقوب هو العلم الذي يتوصل به إلى التعرف على آراء الأئمة في المسائل الفرعية، التي لم يرد عنهم فيها نص، بإلحاقها بما يشبهها في الحكم، عند اتفاقهما في علة ذلك الحكم، عند المخرج (٢)، والذي يظهر لي أن هذا هو تعريف التخريج ولكن اقتصر على آراء الأئمة دون نص الإمام المطلق. وما أكمل به تعريفه: أو بإدخالها في عمومات نصوصه أو مفاهيمها، أو أخذها من أفعاله أو تقريراته (٣). والذي يظهر لي أن هذا التعريف هو البناء، لأن البناء أعم، يشمل على أصول الأئمة وآرائهم وتقريراتهم، سواء اتفق مع مذهب أو مذهب إمام آخر، ولكنه ليس بجامع، لأنه لم يضف ما كان لمجتهد المذهب بعد الامام من تصور وبناء لما استجد من فروع لم تظهر في عهد إمام المذهب أو من اجتهد في باب دون باب أو فرع دون فرع في المسائل المبنية. الخلاصة: وبعد النظر في أنواع البناء والتخريج السابقة، وما تخللها من فروقات وتباين بين البناء والتخريج، ومما يلحظ في البحوث المعاصرة من لم يفرق بين التخريج والبناء الفقهي، والذي يظهر لي أن بينهم جوانب اتفاق واختلاف، فيمكن القول: إن هناك عمومًا وخصوصًا، وقد بينته في المطلب السابق (٤). وقول الطوفي ﵀: أن العلة «أصل في الفرع» ; فلأنها إذا تحققت فيه، ترتب عليها إثبات حكم الأصل، كالإسكار لما تحقق في النبيذ، ترتب عليه إثبات التحريم، فالعلة مستخرجة من حكم الأصل، والمستخرج فرع على المستخرج منه، والحكم في الفرع مبني يترتب عليها، والمبني فرع على المبني عليه، والمترتب فرع على المترتب عليه (٥).

стр. 97

والذي يتضح لي من قول الطوفي ﵀ أن هناك فرقًا بين التخريج والبناء، فالتخريج هو استنباط واستخراج علة الحكم، والبناء ما يترتب عليه الحكم، والذي يظهر لي أن التخريج جزء من البناء وبينهما تلازم، فلا يكون هناك بناء إلا مع وجود التخريج، فالتخريج نوع من البناء ومتضمن له. ومن خلال ما تم عرضه في هذا الفرع عن أنواع البناء فقد توصلت أن التخريج والبناء بينهما تلازم وترابط، فإن التخريج والبناء يمرون بأربع مراحل متداخلة نفصلها في الآتي: المرحلة الأولى: مرحلة استخراج واستنباط المجتهد. المرحلة الثانية: مرحلة نظر المجتهد، سواء في الأصول أو الفروع المستخرجة لتحديد العلة. المرحلة الثالثة: مرحلة البناء، وهي مرحلة ترتيب الفروع على الفروع أو الفروع على الأصول أو الأصول على الأصول أو الأصول على الفروع المستخرجة. المرحلة الرابعة: وهي مرحلة تحليل البناء. الفرق بين البناء والتخريج المركب (١): والذي يظهر لي بعد تعريف البناء والتخريج المركب (٢) أن هناك فروقات أوردها كالآتي: أولاً: مما يلحظ في التعاريف السابقة أن أنواع البناء تهتم بالترتيب والتنظيم على ما تم التوصل إليه من خلال المجتهد المطلق أو مجتهد المذهب بخلاف تخريج الفروع على الفروع، فهي تشمل البناء على ما توصل إليه المجتهد المطلق أو مجتهد في مذهب إمامه، أو في مذهب إمام غيره، أو المجتهد المستقل على جهة يعرف منها الحكم. ثانيًا: أن البناء أنواع كما أن التخريج أنواع، ويتضح ذلك من خلال ما تم استعراضه في التعاريف السابقة. ثالثًا: أن العلماء المتأخرين لم يفرقوا بين التخريج والبناء، لكون هذا الفن معروفًا لديهم بالفطرة والفطنة، فلا يحتاج لمزيد بيان، ومما يشهد على ذلك استخدام ألفاظ البناء في عدة مواضع في كتبهم. رابعًا: أن التخريج والبناء بينهما ترابط وتلازم، فالتخريج استنباط والبناء ترتيب وتحقيق وتحليل. خامسًا: أن هناك فرقًا بين استخدام (على ومن)، فعلى تدل على البناء حقيقةً، و (من) تدل على الاستنباط واستخراج الجزء من الكل.

стр. 98

-أنواع البناء الخاص (١): من خلال القسم الدراسي التطبيقي من هذه الرسالة توصلت بحمد الله لأنواع البناء الخاص بكتاب الكشاف، وهي ثلاثة أنواع نوردها بالأمثلة. النوع الأول: البناء المتقدم: هو ما يفرع عليه مجتهد المذهب أو الشارح على ما تم دراسته في مقدمة كتابه، ويربط بينهم بالعلة الجامعة أو الأثر المترتب عليه. ومثال ذلك: -ما أشير إليه بقوله (ويجب على من يخاف الزنا) بترك النكاح (من رجل وامرأة) سواء كان خوفه ذلك (علمًا أو ظنًّا) لأنه يلزمه إعفاف نفسه وصرفها عن الحرام، وطريقه النكاح (ويقدم حينئذ) وجب (على حج واجب نصًّا) لخشية الوقوع في المحظور بتأخيره بخلاف الحج (٢). - (ولشاهد نظر وجه مشهود عليها تحملاً وأداء عند المطالبة منه لتكون الشهادة واقعة على عينها) قال أحمد لا يشهد على امرأة إلا أن يكون قد عرفها بعينها (ونصه وكفيها مع الحاجة) عبارة الإنصاف المنصوص عن أحمد أنه ينظر إلى وجهها وكفيها إذا كانت تعامله. انتهى. وقد ذكرت كلام الشيخ تقي الدين ﵀ في نقلي الروايات عن الإمام من الحاشية، وأن مقتضاه: أن الشاهد لا ينظر سوى الوجه؛ إذ الشهادة لا دخل لها في نظر الكفين. (وكذا) ينظر (لمن يعاملها في بيع وإجارة ونحو ذلك) كقرض وغيره، فينظر لوجهها ليعرفها بعينها فيرجع عليها بالدرك، وإلى كفيها لحاجة (٣). النوع الثاني: البناء المتجاور: هو ما يفرع عليه مجتهد المذهب أو الشارح في مسألة أو فرع ضمن الباب الفقهي الواحد، ويربط بينهم بالعلة الجامعة أو الأثر المترتب عليه. ومثال ذلك: - (وإن كانت الأمة جميلة وخيفت الفتنة بها حرم النظر إليها كالغلام الأمرد الذي يخشى الفتنة بنظره) لوجود العلة في تحريم النظر، وهو الخوف من الفتنة، والفتنة يستوي فيها الحرة والأمة، والذكر والأنثى (ونص) أحمد (أن) الأمة (الجميلة تنتقب) ولا ينظر إلى المملوكة، فكم نظرة ألقت في قلب صاحبها البلاء (٤).

стр. 99

-[(ويحرم نظر خصي ومجبوب) وممسوح (إلى) امرأة (أجنبية نصًا) قال الأثرم: استعظم الإمام أحمد إدخال الخصيان على النساء؛ لأن العضو وإن تعطّل أو عُدم فشهوة الرجال لا تزال من قلوبهم، ولا يؤمن التمتع بالقبلة وغيرها، فهو (كفحل)؛ ولذلك لا تباح خلوة الفحل بالرتقاء من النساء] (١). النوع الثالث: البناء المتأخر: هو ما يفرع عليه مجتهد المذهب أو الشارح على مسألة أو فرع متأخر عنه لربط بينهما وبين المسائل السابقة بالعلة الجامعة أو الأثر المترتب عليه. ومثال ذلك: - (فلا (يسقط) الخيار (إلا بما يدل على الرضا) منها (من قول أو تمكين منها مع العلم) بفعله ما شرطت ألا يفعله، فإن لم تعلم بعدم الوفاء ومكنته لم يسقط خيارها، لأن موجبه لم يثبت، فلا يكون له أثر كالمسقط لشفعته قبل البيع (٢). - (فإن ادَّعى الجهلَ بالخيار، ومثله يجهله) كعامِّيٍّ لا يخالط الفقهاء كثيرًا (فالأظهر ثبوت الفسخ؛ قاله الشيخ) عملاً بالظاهر، وقال في "المنتهى": ولو جهل الحكم، أي: يسقط خياره بما يدلُّ على الرضا، ولو جهل الحكم (٣). صورة البناء بشكل متكامل: من خلال دراسة المسائل في القسم التطبيقي، وما كتبته في هذا الفرع والفرع السابق، العلاقة بين البناء والقياس والتخريج اتضحت لي صورة البناء بشكل متكامل إن شاء الله: وهي أن البهوتي ﵀ لم يتفرد إلا في (٣) أفرع تقريبًا من هذه الرسالة، وهنا نقول: إنه مخرج لحكم الفرع لمسألة سابقة فيها، فألحقها بها مع تشابه في علة الحكم لعدم وجود حكم فيها سابق. أما صورة البناء كما اتضحت لي - وأسأل الله أن أكون قد أصبت فيها- فهي كما ذكرت في تعريف بناء الفروع على الفروع، وهو ربط وترتيب المسائل … وفعلاً بعد دراسة المسائل في القسم التطبيقي، وجدت أن (٧٠) مبحثًا يوجد فيها أكثر من (١٤٠) فرعًا وجدت أن البهوتي والحجاوي - رحمهما الله- قد ربطا بين المسائل، وعلل البهوتي ﵀ السبب في الغالب، ولم يخرجا ولم يقيسا،

стр. 100

إنما تم ضم الأفرع المتشابهة بجانب بعضها، وعلل السبب فقط؛ ولذلك كان هناك بناء متقدم ومتأخر ومتجاوز كما ذكرت آنفًا. وقد تفرد البهوتي ﵀ في الربط الجمع والترتيب في عدة أفرع هذا والله أعلم (١).

стр. 101

الفرع الثاني أنواع البناء باعتبار المستند أو الدليل المبني عليه، وفيه عشرة أنواع • النوع الأول: التصريح ببناء الحكم على مبادئ عامة. • النوع الثاني: التصريح ببناء الحكم على أدلة خاصة من الآيات، وتفسير القرآن الكريم. • النوع الثالث: التصريح ببناء حكم المسالة على الأحاديث النبوية. • النوع الرابع: التصريح ببناء المسألة على قول الصحابي، أو رأيه. • النوع الخامس: التصريح ببناء حكم الفروع على القواعد، والضوابط الفقهية. • النوع السادس: التصريح ببناء المسألة على اختلاف المذاهب، والمشايخ. • النوع السابع: البناء على مطلق الخلاف. • النوع الثامن: بناء الأوجه على الأقوال، أو الروايات، أو المذهب. • النوع التاسع: البناء على اختلاف المعنى اللغوي. • النوع العاشر: البناء على المسائل الفقهية، ومنها: أمهات المسائل.

стр. 102

الفرع الثاني: أنواع البناء باعتبار المستند أو الدليل المبني عليه، وفيه عدة أنواع: أورد الفقهاء بناء المسائل بطرق متعددة، والبناء بحسب المبني عليه؛ فمنه ما يكون مستندًا على مبادئ عامة، ومنه ما يبنى على أدلة خاصة من آيات القرآن الكريم، والأحاديث النبوية، وغير ذلك. وسوف نتطرق لها من خلال هذا الفرع، وهي عدة أنواع: النوع الأول: التصريح بالبناء على مبادئ عامة، وتكون هذه المبادئ مقرونة بذكر البناء ؛ ويتضح ذلك في أمثلة: ويقصد بالبناء العام: أن تبني مسائل أحد الأبواب على حكم، ومدار واحد يكون ضابطًا لكثير من فروعه، ومن تلك المبادئ العامة التي يبنى عليها كثير من مسائل الفقه، وفروعه: مبثوثة في كثير من كتب الفقه، ومنها قولهم (١): ١. (بناء على الغالب) (٢)، (مبني على الغالب) (٣)، (مبني على التغليب) (٤). ٢. (بناء على العادة) (٥)، (حمل الأمر على المعتاد) (٦) أو (كان ذلك مبنيًّا على الخروج عن العادة) (٧). ٣. (مبني على التعليل) (٨). ٤. البناء على اليقين (٩). ٥. مبنية على المشاحة (١٠).

стр. 103

٦. بناء الحكم على: المضايقة، والضنة، والتغليظ. ويقابل هذا التصريح بالبناء على: التخفيف، والمسامحة، والتَّسَمُّحِ، السهولة، والتسهيل، والمساهلة، الرخصة، والمكارمة (١). ٧. البناء على: (الاحتياط) (٢). ٨. البناء على: (السراية) (٣). ٩. مبني على الاجتهاد (٤). ١٠. مبنيٌّ على الاجتهاد والظن (٥). إلى غير ذلك مما صرح الفقهاء بكونه أساسًا للبناء.

стр. 104

النوع الثاني: التصريح ببناء الحكم على أدلة خاصة من الآيات، وتفسير القرآن الكريم. أحكام الشريعة مبنية على الكتاب والسنة، وما تفرع عنهما من أدلة، غير أن المقصود في المسائل الآتية ذكر تصريح أهل العلم بلفظ (البناء) مصاحبًا للاستدلال بها، ويمكن التمثيل لذلك بأن بعض الفقهاء عندما يحتجون على الحكم يصرحون - أحيانًا- بأن الحكم (مبني على قول الله تعالى .. )؛ ثم يذكرون الآية الدالة عليه؛ ومن أمثلة ذلك: ١) ما جاء في كتاب الشرح الممتع، حيث قال: "من شروط وجوب الكفارة أن يحنث مختارًا، وهذا مبني على قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [سورة النحل: ١٠٦] (١). ٢) "وهو مبنيٌّ على قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [سورة الحج: ٧٨] (٢). ٣) "وهذه الآثار مبنية على قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [سورة الطلاق: ٢] (٣). النوع الثالث: التصريح ببناء المسألة على الأحاديث النبوية: تعد السنة النبوية المصدر الثاني لأحكام الشرع ومسائله .. ؛ فلا غرو أن يأتي التصريح بالبناء على أحاديثها في كثير من الأحكام الفقهية؛ ومن تصريح الفقهاء بذلك (البناء) قولهم: ١. "بناء على قول النبي ﷺ في صلاة الخوف .. " (٤). ٢. ومثاله ما جاء في إعادة الصلاة لمن صلى في جماعة .. "هذه سنة مسنونة، وهو بناء على قول النبي ﷺ في صلاة الخوف (٥) (٦).

стр. 105

٣. وما ورد في استحباب الغسل للمستحاضة عند انقطاع الدم … "وهذا عندنا بناء على قول رسول اللَّه ﷺ حيث رآها مستحاضة (١) (٢). ٤. وما جاء في حكم الاستصباح بالنجسة، حيث قال الإمام أحمد ﵀: "لا يجوز الاستصباح بالنجسة كدهن الميتة، مطلقًا، لا في المسجد ولا غيره، وهذا محل خلاف بين العلماء مبني على قول النبي ﷺ : «هو حرام» " (٣) (٤). ٥. " بناء على حديث أنس ﵁ قال: «بعثَه اللهُ على رأسِ أربعينَ سنةً فأقام بمكةَ عشرَ سنينَ، وبالمدينة عشر سنينَ … الحديث» (٥) (٦). النوع الرابع: التصريح ببناء المسألة على قول الصحابي، أو رأيه: يرد عند بعض الفقهاء - ولا سيما عند الحنابلة- التصريح ببناء حكم المسألة على قول عموم الصحابة، مثل قولهم: (بناء على قول الصحابي) (٧)، أو البناء على أقوال أفراد منهم، كقولهم: "بناء على قول عمر" (٨)، "مبني على قول عمر" (٩)، "بناء على قول ابن مسعود (١٠) " (١١) .. وهذا وإن لم يشتهر فيما اطلعت

стр. 106

عليه من طريقة المذاهب الأخرى إلا أنه ظاهر في كتب الحنابلة؛ ولعل هذا يعزى إلى المشهور عن الإمام أحمد من كون رأي الصحابي أصل، وحجة تقدم على القياس (١). النوع الخامس: التصريح ببناء حكم الفروع على القواعد، والضوابط الفقهية: القواعد والضوابط الفقهية تقترن بالقواعد الأصولية في الأهمية؛ وهي علم حَظِي بعناية ثلة من الفقهاء … وله ثمراته وفوائده التي لا يسمح المقام بالاستطراد فيها، حيث إن: "هذه القواعد مهمة في الفقه، عظيمة النفع؛ وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه، ويشرف، ويظهر رونق الفقه ويعرف … ومن جعل يخرج الفروع بالمناسبات الجزئية دون القواعد الكلية: تناقضت عليه الفروع، واختلفت … ومن ضبط الفقه بقواعده: استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات لاندراجها في الكليات، واتحد عنده ما تناقض عند غيره، وتناسب" (٢)، فهي: "تضبط الفروع الفقهية، وتجمع شتاتها تحت ضابط واحد مهما اختلفت موضوعاتها، إذا اتحد حكمها" (٣). ومن تصريح بعض الفقهاء ببناء الفروع على القواعد قولهم (٤): ١. "بناء على استثناء النصف هل يصح أو لا؟ على وجهين" (٥). ٢. " بناءً على قاعدة أن كل من خُيِّر بين شيئين وهو متصرف لغيره، فتخييره مصلحة، وليس تخيير تشهٍّ" (٦). ٣. بناء على قاعدة «المشقة تجلب التيسير» (٧). ٤. بناء على قاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وعلى ما سبق نقول: الصحيح أنه لا يشرع تخليل الأصابع بمعنى أنه لا يعتقده سنة، ولا يداوم عليه من باب أولى (٨).

стр. 107

النوع السادس: التصريح بالبناء على اختلاف المذاهب، والمشايخ: يكثر في كتب الفقهاء التصريح بالبناء على أقوال مشايخهم، وما وقع من الاختلاف بينهم، وفي كتب المذاهب الأخرى نتف من ذلك (١)، وقد عدّ بعضهم في شروط المجتهد معرفته بالخلاف بين أعلام الفقهاء، و"أن يكون عارفًا بالفروع المبنية على اجتهاد السلف، كفروع أبي حنيفة، والشافعي، ونحو ذلك" (٢)، ومن أمثلة ذلك في المذهب الحنبلي: ١ - (وبنى .. على قول أحمد - معتمدًا على قول أحمد .. ) (٣). ٢ - ما جاء في كتاب التعليقة، حيث قال: "إذا وجد الإيجاب والقبول في مجلس العقد صح، وإن لم يكن عقيبه بناء على قول أحمد في خيار المخيرة" (٤). ٣ - وما ذكره صاحب المطالب فقال: "حيث جاز للمتطوع إتمام ما شرع فيه مع التخفيف؛ فيجب جلوسه إن دخل وقت النهي، حال تلبسه في سجود الركعة الثانية … وهذا الاتجاه مبني على قول الزركشي، وظاهر الخرقي" (٥).

стр. 108

٤ - قال ابن قدامة ﵀ في المغني: "على المستأجر نقل الزرع وتفريغ الأرض، وإن اتفقا على تركه بعوض أو غيره، جاز. وهذا مذهب الشافعي، بناء على قوله في الغاصب (١) " (٢). النوع السابع: البناء على مطلق الخلاف: في كتب الفقهاء إيراد الخلاف مبنيًّا على خلاف آخر، وهذه الصيغة في كتب الفقهاء كثيرة جدًّا؛ فيقولون: (والخلاف في هذه المسألة .. مبني على الخلاف في مسألة أخرى) (٣)، وقد يذكر ذلك البناء باعتبار الخلاف في المذهب الواحد، ومن أمثلته عند الحنابلة: ١ - قول بعض الفقهاء عن العمرة: "وواجبها الحلاق في إحدى الروايتين، بناء على الخلاف في الحج" (٤). ٢ - قول ابن قدامة ﵀: "وإن باشرها دون الفرج، أو قبلها، أو فعل بها ما يحرم على غير الزوج، فهل تنفسخ الوكالة في الطلاق؟ يحتمل وجهين، بناء على الخلاف في حصول الرجعة به" (٥). ٣ - قول ابن قدامة ﵀ - أيضًا - عن إجارة العقار: "ولا بد من مشاهدته وتحديده، فإنه لا يصير معلومًا إلا بذلك .. "، ثم قال عن جواز ضبطه بالصفة؛ وأن: "له خيار الرؤية، كقولهم في البيع، ويتخرج لنا مثل ذلك، بناء على البيع، والخلاف هاهنا مبني على: الخلاف في البيع" (٦). ٤ - ما أورده ابن قدامة ﵀ -كذلك - في الرد على من قال: إن الاستبراء يحصل بطهر واحد، أو بعض حيضة؛ فقال: "وبناؤهم قولهم هذا على قولهم: إن القروء الأطهار: بناء للخلاف على الخلاف، وليس ذلك بحجة، ثم لم يمكنهم بناء هذا على ذاك حتى خالفوه .. " (٧).

стр. 109

٥ - قول ابن رجب (١) ﵀: "لو اقتسم الورثة العقار، ثم ظهر على الميت دين، أو وصية، فإن قلنا: هي إفراز فالقسمة باقية على الصحة، وإن قلنا: بيع فوجهان، بناء على الخلاف في بيع التركة المستغرقة بالدين" (٢). ٦ - وفي الإنصاف: "والمسائل المفرّعة بعد ذلك: مبنية على الخلاف هنا" (٣). ٧ - وفيه أيضًا: "والأمثلة التي ذكرها المصنف بعد ذلك مبنية على هذا الخلاف" (٤). النوع الثامن: بناء الأوجه على الأقوال، أو الروايات، أو المذهب: للفقهاء معان للاصطلاحات التي يستخدمونها؛ كالقول، والرواية، والوجه (٥) .. ، ومما يلحظ أن لهذه المصطلحات علاقة بالبناء، حيث تبنى الأوجه على الأقوال، أو الروايات، أو المذهب، ومن أمثلة ذلك عند الحنابلة قولهم: ١ - "فيه وجهان مبنيان .. على الروايتين" (٦). ٢ - "على وجهين مبنيين على الروايتين" (٧). ٣ - "الوجهان مبنيان على قول .. " (٨). ٤ - "الوجهان مبنيان على رواية" (٩). ٥ - "والتفاريع الآتية بعد ذلك مبنية على هذه الأوجه الثلاثة .. " (١٠). ٦ - "والتفاريع الآتية مبنية على هذه الأوجه .. " (١١).

стр. 110

٧ - "وتقدم بناء هذه المسائل على روايات تقدمت .. " (١). ٨ - "وهذا الوجه مبني على إحدى الروايتين الآتيتين" (٢). النوع التاسع: البناء على اختلاف المعنى اللغوي (ما يتخرج من الفروع الفقهية على الأصول النحوية): أن هناك علاقة بين علم أصول الفقه واللغة العربية عمومًا؛ ولذا فإن من أسباب اختلاف الفقهاء في تلك الأحكام: سبب تأثير اللغة، وتفسير مفرداتها (٣)؛ وقد صنف بعض الفقهاء والأصوليين في: تخريج الفروع الفقهية على الأصول النحوية (٤)، ومن الأمثلة التي أوردوها بناء على المدلول اللغوي قولهم: ١ - "والخلاف مبني على تفسير: الأقراء" (٥). ٢ - "بناء على استثناء النصف، هل يصح أو لا؟ " (٦). ٣ - "قال بعض أهل اللغة: إن القرء يصلح للحيض والطهر، بناء على أن القرء الوقت، وقال آخر: يصلح لهما، بناء على أن القرء الجمع، ومنه قولهم: قريت الماء في الحوض، وقرأت القرآن. أي لفظت به مجموعًا … هذا بناء على مختاره من أن الأقراء الحيض" (٧). ٤ - "بناء على أن الواو للترتيب" (٨). ٥ - "مبني على أصل، وهو أن الهلال هل هو اسم لما يطلع في السماء وإن لم يشتهر؟ " (٩).
следующие страницы →